دخل تعامل الحكومة الإسبانية مع أزمة الهجرة التي اندلعت في سبتة مرحلة جديدة، بعد عودة غالبية الأشخاص الذين دخلوا المدينة خلال موجة أواخر يوليوز.
وينصب التركيز حاليا في الثغر المغربي المحتل على تدبير أوضاع المهاجرين غير النظاميين الذين ما زالوا داخل المدينة، وتسريع الإجراءات الإدارية لإعادتهم إلى المغرب.
وأعلن وزير الداخلية الإسباني، فرناندو غراندي مارلاسكا، تعزيز الفرق المكلفة بشؤون الأجانب والحدود، بهدف تسريع عمليات تحديد هويات المهاجرين ودراسة ملفاتهم وتنفيذ إجراءات العودة.
وتقوم الخطة الجديدة، وفق ما كشفته تقارير إسبانية، على نقل البالغين المنتشرين في شوارع المدينة إلى فضاءات مؤقتة للمراقبة، خصوصا في منطقة تاراخال، ثم تحديد هوياتهم ودراسة وضعهم القانوني بشكل فردي.
وتعتزم السلطات، وفق المصادر ذاتها، استخدام أحد هذه الفضاءات كمركز للاستقبال المؤقت للأجانب “CATE”، يتولى عمليات التعرف على الهوية والتوثيق وتقديم المساعدة الأولية وتوجيه الأشخاص إلى الموارد المناسبة في مدة زمنية لا ينبغي أن تتجاوز 72 ساعة.
وبعد تحديد الهوية، تتحقق الشرطة من الجنسية والسن والوضع الإداري والسوابق، مع التأكد أولا من أن المعنيين بالغون، أما القاصرون، خصوصا الأجانب غير المصحوبين، فيخضعون لنظام حماية خاص ولا يدخلون ضمن هذا المسار.
غير أن طلب اللجوء يشكل حجر عثرة في تسريع ملفات الترحيل، إذ إن احتجاز المهاجر في مركز مؤقت لا يعني صدور قرار تلقائي بترحيله، حيث يتعين تحديد وضعه القانوني، وضمن ذلك رغبته في طلب الحماية الدولية من عدمها.
وفي حال تقديم طلب لجوء بشكل رسمي، تتوقف إجراءات الإعادة في الحالات التي ينص عليها القانون إلى حين البت في الطلب أو تحديد ما إذا كان سيُقبل للمعالجة، وفي حال القبول، يمكن أن يحصل طالبه على إذن بالدخول والإقامة المؤقتة في إسبانيا.
أما من لا يطلب اللجوء، ولا تتوفر لديه ظروف قانونية تمنع عودته، فيمكن للسلطات مباشرة الإجراء المناسب، سواء تعلق الأمر بالإعادة أو بالطرد، بحسب وضع كل حالة.
تسريع الملفات تمهيدا للعودة
وأشارت التقارير ذاتها إلى أن المشكلة الأساسية للسلطات الإسبانية في سبتة المحتلة تتمثل في قدرة الإدارة على معالجة آلاف الملفات بسرعة، الأمر الذي دفع الحكومة إلى تعزيز وحدات شؤون الأجانب والحدود بموظفين وعناصر إضافية لتسريع عمليات التوثيق وإجراءات العودة.
وتراهن مدريد على التعاون مع المغرب لتنفيذ عمليات الإعادة، بعدما أكدت أن غالبية الأشخاص الذين دخلوا سبتة خلال موجة أواخر يوليوز عادوا بالفعل إلى المغرب.
وتقوم المرحلة الجديدة على ترحيل عبر مسار إداري متدرج، يبدأ من تجميع مؤقت، ثم تحديد الهوية، ودراسة الوضع القانوني، ومعالجة طلبات الحماية عند وجودها، وصولا إلى تنفيذ العودة عندما تتوافر شروطها القانونية.
أرقام جديدة متضاربة
تتضارب الأرقام الرسمية بشأن عدد القاصرين غير المرافقين الموجودين في سبتة المحتلة؛ فبينما كشفت مصادر حكومية، أول أمس الأربعاء، عن تسجيل 1694 طفلا ومراهقا حتى 12 غشت، رفع وزير الداخلية، فرناندو غراندي مارلاسكا، العدد أمس الخميس إلى 1898 قاصرا، وفق تقارير صحفية إسبانية.
ومر نحو أسبوعين منذ بدء موجة العبور من المغرب إلى سبتة المحتلة في 30 و31 يوليوز الفائت، عبر ساحل تراخال، والتي بلغ عدد المشاركين فيها نحو 41 ألف شخص وفق المعطيات الرسمية المغربية، 72 ألف شخص وفق الأرقام الإسبانية.
وما تزال الأسئلة تطرح في سبتة المحتلة عن عدد الأشخاص الذين دخلوا المدينة يومي 30 و31 يوليوز، ومن ظلوا في المدينة، إذ كشف آخر تقدير رسمي أعلنته الحكومة الإسبانية، والبالغ 72 ألفا، عبر وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا، يوم الثلاثاء 4 غشت، آخر معطى في هذا الباب، في وقت تصر حكومة سبتة على رفع الحصيلة إلى نحو 80 ألف شخص، وهو عدد يقترب من مجموع سكان المدينة، البالغ 84.435 نسمة في فاتح يوليوز 2026، وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء الإسباني.
وإذا كان العدد الإجمالي للوافدين غير محسوم، فإن عدد الذين عادوا إلى المغرب لا يزال بدوره مجهولا، وفق ما تشير إليه تقارير إسبانية، إذ أكدت وزارة الداخلية في 4 غشت، أن نحو 70 ألف شخص غادروا طوعا، أي أكثر من 95 في المئة من مجموع الوافدين.
وفي هذا السياق، أفادت وزارة الداخلية الإسبانية، أول أمس الأربعاء، بوجود ما بين 2500 و3000 مهاجر في وضع غير نظامي، موضحة أن التقدير يستند إلى معطيات الشرطة الوطنية والحرس المدني، ويشمل الأشخاص الذين كانوا موجودين في المدينة قبل أحداث سبتة الأخيرة.
في المقابل، تقدم سلطات سبتة أرقاما أعلى بكثير، إذ كشف رئيس الحكومة المحلية، خوان خيسوس فيفاس، في 8 غشت الجاري، أن عدد الموجودين يتراوح بين 8000 و11000 شخص، في حين غيرت الحكومة الإسبانية أرقامها أمس الخميس، بحديث وزير الداخلية غراندي مارلاسكا عن تقدير جديد وصل نحو 5000 مهاجر غير نظامي ظلوا في المدينة منذ أحداث 30 يوليوز الفارط.
القاصرون ولغز العدد الحقيقي
ويتكرر تضارب الأرقام بشأن القاصرين غير المرافقين، الذين يتمتعون بحماية خاصة بموجب قانون الأجانب، إذ كشفت وزارة الداخلية، أول أمس الأربعاء، لوسائل إعلام إسبانية، أن عدد الحالات الموثقة غير المحين بلغ 1342 حالة، في وقت كان وزير الرئاسة، فيليكس بولانيوس، قد أعلن الثلاثاء رقما أعلى بلغ 1527 قاصرا.
غير أن أحدث رقم رسمي للحكومة الإسبانية قدمه مارلاسكا اليوم الخميس، بعدما تحدث عن وجود 1898 قاصرا بمراكز الإيواء، دون تقديم أي تفاصيل عن جنسياتهم، في حين أن رئيس حكومة سبتة يتحدث عن 4 آلاف قاصر في وضع غير قانوني في المدينة المحتلة.
وبخصوص طلبات اللجوء، فكشفت الداخلية الإسبانية أن أزيد من 400 ملف قيد المعالجة، من دون تحديد عدد الطلبات التي لا تزال تنتظر بدء الإجراءات.
سلطات سبتة تطالب بترحيل فوري
وطالب رئيس حكومة سبتة، خوان خيسوس فيفاس، يوم أمس، الحكومة الإسبانية بالإسراع في إعادة جميع من دخلوا المدينة خلال أزمة الهجرة التي بدأت في 30 يوليوز، والذين ما زالوا يقيمون فيها، إلى المغرب.
وقدم فيفاس هذا الطلب خلال اجتماع مع وزير الداخلية، فرناندو غراندي مارلاسكا، الذي زار سبتة للمرة الثانية منذ بدء تدفق المهاجرين قبل أسبوعين.
وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا، كشف عن تعزيز الأطر التابعة لإدارة الهجرة والحدود لتسريع إجراءات البت في الملفات وتسريع عملية العودة، بشكل خاص للمهاجرين البالغين الذين ما زالوا في سبتة.
يقظة مغربية مستمرة
من الجانب المغربي، رصدت وزارة الداخلية تداول منشورات ورسائل مجهولة المصدر عبر بعض مواقع التواصل الاجتماعي، تحرض على تنظيم محاولات للعبور الجماعي غير القانوني نحو مدينتي سبتة ومليلية، واتخذت جميع التدابير الضرورية للتصدي لأي محاولة للعبور غير القانوني، واعتراض كل من يسعى إلى المشاركة فيها، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حق كل من ثبت تورطه في أفعال مخالفة للقانون، بما في ذلك المروجين لمثل هذه الدعوات على مواقع التواصل الاجتماعي.
وأعلنت وزارة الداخلية المغربية أن السلطات أوقفت مجموعة من الأشخاص يشتبه في قيامهم بأعمال تحريضية، حيث تم إخضاعهم لمسطرة البحث القضائي تحت إشراف النيابة العامة المختصة.
وشددت على أن جاهزية السلطات الأمنية ليست مرتبطة بموعد معين، وإنما تندرج ضمن منظومة يقظة مستمرة، لا سيما بالمناطق القريبة من معابر سبتة ومليلية، يتم تعزيزها وتكييفها بصورة دائمة وفق تطورات الوضع وطبيعة المخاطر المسجلة.
وذكرت “أم الوزارات” بأن مكافحة الهجرة غير النظامية وشبكات الاتجار بالبشر لا يمكن أن تقوم على جهود طرف واحد، وإنما تقتضي تحمل مختلف الأطراف لمسؤولياتها والوفاء بالتزاماتها، في إطار تقاسم المسؤولية.
ودعت في هذا السياق السلطات الإسبانية، في إطار التنسيق والتعاون القائم بين البلدين، إلى تحمل مسؤولياتها والعمل على تسريع إجراءات إعادة القاصرين غير المرفوقين الموجودين بمدينة سبتة إلى أسرهم بالمغرب، بما يحفظ مصلحتهم الفضلى، مع العمل على تجاوز العراقيل الإدارية والقضائية التي تحول دون عودتهم في أقرب الآجال.
وأكدت الوزارة الأهمية المحورية لآلية الإعادة الفورية التي أبانت التجارب السابقة عن نجاعتها وإسهامها الفعلي في مواجهة التحديات المطروحة وتعزيز التدخلات الميدانية.
استنفار أمني بسبتة
ورفعت سلطات سبتة درجة اليقظة والاستنفار منذ أحداث يوليوز المنصرم، سيما في ظل تداول رسائل تحريضية عبر منصات التواصل الاجتماعي من أجل تكرار محاولة العبور الجماعي في 15 غشت الجاري.
بلغ حجم الانتشار الأمني الاستثنائي، وفق ما كشفته تقارير إسبانية نقلا عن وزارة الداخلية، 270 شرطيا و240 عنصرا من الحرس المدني.
وتم إرسال عناصر من الشرطة الوطنية من مدن إسبانية مختلفة إلى سبتة، زيادة على نشر فريق يضم 12 متخصصا؛ و06 من المديرية العامة للأجانب والحدود، ومثلهم من المديرية العامة للمعلومات، للمساعدة في عمليات التسجيل والتوثيق.
أما الحرس المدني، فتم تعزيز وحدة الاحتياط والأمن في سبتة، المكلفة بمراقبة الحدود، بثلاث فصائل جديدة تضم في مجموعها 60 عنصرا، إضافة إلى ضم 160 عنصرا آخر إلى وحدة الأمن العام، فيما يقدم لهم الدعم نحو ألفي عسكري من أفراد القوات المسلحة التابعة لوزارة الدفاع.
وتشمل قائمة التعزيزات، وفق ما كشفته الصحافة الإسبانية، ثمانية غواصين وسفينة ومروحية ووحدة للطائرات المسيرة.

اترك تعليقاً