تدرس الحكومة المغربية إمكانية تعليق العمل باتفاقية تسليم المطلوبين المبرمة بين الرباط ومدريد، وفق ما أكده وزير العدل عبد اللطيف وهبي.
وقال وهبي في تصريحات لوكالة الأنباء الإسبانية “إيفي”: “نناقش حاليا في وزارة العدل إمكانية تعليق العمل باتفاقية تسليم المطلوبين بين المغرب وإسبانيا”، مرجعا ذلك إلى مشكلات مرتبطة بعدم تنفيذ مدريد لطلبات المغرب تسليم أشخاص مطلوبين أمام محاكمه.
وأوضح وهبي أنه توجد حالات تقوم فيها إسبانيا في البداية بإيقاف الشخص المطلوب، ثم تحدد موعدا لتنفيذ عملية تسليمه، قبل ألا تتم عملية التسليم في نهاية المطاف، مشددا على أن المغرب يطبق الإجراء ذاته، لكننا نسلم بالفعل جميع الأشخاص الذين يطلب الإسبان تسليمهم”.
ودعا وزير العدل إسبانيا إلى التعامل بالجدية اللازمة مع إجراءات تسليم المطلوبين، منبها إلى أن المغرب “لم يعد يقبل الانخراط في عمليات تسليم لا يتم تنفيذها في نهاية المطاف”.
لكن قبل أن تلوّح الرباط بإمكانية تعليق تطبيق اتفاقية تسليم المطلوبين مع إسبانيا، كانت جهة رسمية إسبانية قد سجلت بالفعل وجود صعوبات في هذا المسار، وهو ما يمنح تصعيد لهجة الخطاب المغربي تجاه جاره الشمالي بعدا يتجاوز التوتر الظرفي المرتبط بأزمة الهجرة الحالية.
رد إسباني
لم يتأخر رد الحكومة الإسبانية، حيث استبعد وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا، أمس الخميس في زيارة لسبتة المحتلة، احتمال أن يؤدي تهديد الرباط إلى تعليق الاتفاقية.
وقال مارلاسكا ردا على سؤال حول تصريحات وهبي: “لا أتوقع أي مشكلة تتعلق بما تقولونه”، مؤكدا أن “التعاون والتنسيق في مسائل تسليم المطلوبين مع المملكة المغربية، وكذلك في التعاون القضائي، كان ولا يزال وسيظل استثنائيا“.
أكد وزير الداخلية أن العلاقة بين البلدين تقوم على “الثقة والولاء” اللذين تعززا خلال السنوات القليلة الماضية، مبرزا أن”العلاقات الثنائية في جميع المجالات وثيقة للغاية وقائمة على الولاء… أنا على دراية تامة بالتعاون القائم دائما مع المغرب”.
وتكشف معطيات رسمية قدمتها الحكومة الإسبانية في 29 يونيو الماضي، رفض ما مجموعه 574 طلب تسليم سنة 2025، وتصدر المغرب لائحة الدول صاحبة الطلبات المرفوضة بـ92 حالة، تلته بيرو والمكسيك، في وقت لم تحدد مدريد أسباب الرفض، التي قد ترتبط بأسباب مختلفة ينص عليها التشريع الإسباني.
إقرار إسباني بصعوبات أحادية الجانب
أقر “تقرير قضاة الارتباط لسنة 2024” الصادر عن المديرية العامة للتعاون القانوني الدولي التابعة لوزارة العدل الإسبانية، بوجود بعض التحديات، بشكل خاص في عمليات “التسليم السلبي” نحو المغرب، أي الحالات التي تطلب فيها السلطات المغربية من إسبانيا تسليم أشخاص موجودين على الأراضي الإسبانية.
ووصف التقرير، في القسم المخصص لوضعية تسليم المطلوبين مع المغرب، التعاون القضائي بأنه سلس عموما ودون عقبات كبيرة، لكنه يميز في المقابل بين طلبات التسليم الإسبانية إلى المغرب، والتي يقول إنها لا تواجه عادة مشاكل كبيرة، وبين تلك التي تقدمها السلطات المغربية لنظيرتها الإسبانية، حيث يسجل استمرار تحديات خاصة.
ولم يقف التقرير عند تسجيل الصعوبات، بل ربط جانبا منها بالتطور الذي عرفه الاجتهاد القضائي الإسباني، مشيرا في هذا الصدد إلى حكم المحكمة الدستورية الإسبانية رقم 17/2024 الصادر في 31 يناير 2024، الذي رفض طعنا تقدم به مواطن مغربي ضد قرار قضائي أجاز تسليمه إلى المغرب.
وأكدت المحكمة الدستورية في قرارها أن الوثائق المقدمة من السلطات المغربية تضمنت معطيات كافية حول الوقائع والأسانيد، ولم تجد انتهاكا للحقوق الأساسية، لكن الحكم أوضح المعايير التي يتعين على القضاء الإسباني مراعاتها عند فحص طلبات التسليم، سيما ما يتعلق بكفاية المعطيات التي تبرر تبرر طلب التسليم، ومدى استيفائه معايير الضرورة والتناسب.
هذا التعقيد في المساطر يعد جوهر الشكاوى المغربية بشأن بعض الملفات التي يتم فيها توقيف المطلوب في إسبانيا، ثم تحديد ترتيبات تسليمه، قبل أن تتعثر العملية في مرحلة التنفيذ، وهي المشكلات التي تحدث عنها وزير العدل عبد اللطيف وهبي في مرحلة التسليم الفعلي رغم استكمال إجراءات الطلب.
ويفسر الإقرار الإسباني بوجود عقبات في أحد اتجاهي التعاون القضائي، إلى جانب تصريحات وهبي، تحول ملف تسليم المطلوبين إلى نقطة توتر في العلاقات القضائية بين البلدين.
ماذا تقول اتفاقية التسليم بين الرباط ومدريد؟
يتوفر المغرب وإسبانيا على اتفاقية ثنائية لتسليم المطلوبين، تحدد الشروط التي يمكن بموجبها للبلدين طلب تسليم أشخاص مبحوث عنهم من طرف سلطاتهما القضائية.
وقد حل الاتفاق الحالي الموقع في يونيو 2009، والذي دخل حيز التنفيذ في شتنبر 2012، محل اتفاقية سنة 1997، وتم وضعه بهدف تعزيز التعاون القضائي بين البلدين، وتحديد قيود على عمليات التسليم، من بينها عدم تسليم أي من الطرفين مواطنيه.
وتنص الاتفاقية على التزام الطرفين بتسليم الأشخاص الموجودين في أراضي أحدهما والملاحقين قضائيا أو المحكوم عليهم في الدولة الأخرى، وفق شروط محددة، من بينها أن تكون الأفعال موضوع المتابعة معاقبا عليها في قانوني البلدين بعقوبة حبسية لا تقل عن سنتين، أو أن يكون قد صدر حكم بعقوبة حبسية لا تقل عن ستة أشهر.
وتضع الاتفاقية عددا من القيود على التسليم، من أبرزها عدم تسليم أي من البلدين مواطنيه، مع إمكانية تولي الدولة التي يحمل الشخص جنسيتها محاكمته، بناء على طلب الدولة الأخرى والوثائق القضائية ذات الصلة.
وتنظم الاتفاقية إجراءات الاعتقال المؤقت وطلبات التسليم، وتتيح في الحالات المستعجلة اللجوء إلى قنوات مثل الإنتربول، إلى جانب مسطرة للتسليم المبسط عندما يوافق الشخص المطلوب صراحة أمام السلطة المختصة على تسليمه.
وتكتسي المادة 13 أهمية خاصة في مرحلة تنفيذ التسليم، إذ تنص على تحديد مكان وتاريخ العملية بعد الموافقة عليها، وعلى استعداد الدولة الطالبة لتسلم الشخص بواسطة أعوانها خلال أجل أقصاه 45 يوما من التاريخ المحدد للتسليم.
وإذا لم يتم التسليم خلال هذه المهلة، يفرج عن الشخص، مع إمكانية تحديد موعد جديد في حال وجود ظروف استثنائية حالت دون تنفيذ العملية، شريطة إبلاغ الطرف الآخر بذلك قبل انتهاء الأجل.
أما بشأن مستقبل الاتفاقية، فإن المادة 27 تنص على أنها أبرمت لمدة غير محددة، لكنها تتيح لأي من الطرفين إنهاءها عبر إشعار كتابي يوجه بالطريق الدبلوماسي، على أن يصبح الإنهاء نافذا بعد سنة من تاريخ الإشعار، بينما يظل “التعليق” أو “التجميد” إجراء مختلفا من حيث الأثر والأساس القانوني، ولم تتطرق إليه الاتفاقية.
صعوبات أم مماطلة؟
في أبريل 2024، شاركت وزارة العدل المغربية في الاجتماع السادس للجنة المشتركة المغربية الإسبانية في المجال الجنائي، الذي احتضنته العاصمة مدريد، في محطة كان يفترض أن تعطي دفعة جديدة للتعاون القضائي بين البلدين.
بلاغ للوزارة، اتفق الجانبان خلال الاجتماع على “اتخاذ التدابير اللازمة لضمان وتسهيل عملية نقل وتسليم الأشخاص”، إلى جانب مراجعة اتفاقية المساعدة القضائية في المادة الجنائية واعتماد آليات للتبادل الإلكتروني لطلبات التعاون القضائي ومآلات تنفيذها.
وجاء تسهيل عمليات التسليم ضمن الملفات العملية المطروحة خلال الاجتماع لتعزيز التعاون الجنائي بين الرباط ومدريد، بما يفترض أن يجعل انتقال طلب التسليم من مرحلة المراسلات والإجراءات القضائية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي أكثر سلاسة، زيادة على الاتفاق على تتبع مآلات طلبات التعاون القضائي إلكترونيا، وهو ما كان يفترض أن يحد من حالات التعثر ويتيح للسلطات المعنية معرفة مصير الملفات والمرحلة التي بلغتها كل عملية.
لكن ما ورد لاحقا في “تقرير قضاة الارتباط لسنة 2024” الصادر عن المديرية العامة للتعاون القانوني الدولي التابعة لوزارة العدل الإسبانية، يشير إلى أن الصعوبات التي كان يفترض أن تعالجها تلك التدابير ظلت قائمة، ففي الوقت الذي اتفق فيه الطرفان على اتخاذ إجراءات لتسهيل وتسريع عمليات نقل وتسليم الأشخاص، كان التقرير الإسباني نفسه يسجل استمرار الصعوبات في الاتجاه المعاكس، أي عندما يكون المغرب الدولة الطالبة للتسليم.
ملف القاصرين.. صفحات من التعثر
تأتي رغبة المغرب في إعادة النظر في اتفاقية تسليم المطلوبين في سياق توتر بين الرباط ومدريد عقب أحداث سبتة نهاية يوليوز الفائت، لكنها تستند، بحسب وزير العدل، إلى إشكالات قائمة في مسار تسليم المطلوبين.
ولا يأتي ملف القاصرين منفصلا عن هذا السياق، إذ تحمل الرباط الجارة الشمالية مسؤولية الإخفاق في تدبير الوضع على الحدود في 30 و31 يوليوز، بعدما انساق الآلاف وراء تأويل مضلل لحكم المحكمة العليا الإسبانية على منصات التواصل الاجتماعي، يفيد بسحب سلطة الإعادة الفورية للمهاجرين الواصلين إلى سبتة بحرا.
بَيْدَ أن 95 في المئة من المشاركين في محاولات العبور غير النظامي عادوا إلى المغرب، فيما ما تزال السلطات الإسبانية تحاول تسريع إجراءات الترحيل للباقين.
وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، كان قد حمل السلطات الإسبانية مسؤولية عرقلة عودة القاصرين المغاربة، الذين تسللوا إلى سبتة المحتلة عبر الهجرة غير النظامية.
وشدد وهبي على أن ملف إعادة القاصرين المغاربة مطروح بين الرباط ومدريد منذ أكثر من خمس سنوات، وليس وليد أحداث سبتة الأخيرة، مبرزا أن نقطة الخلاف تبدأ بعد التأكد من أن القاصر مغربي، إذ تتأخر السلطات الإسبانية في تنفيذ الإعادة، وتبرر ذلك أحيانا بهروب القاصرين من مراكز الإيواء وعدم إمكانية استمرار احتجازهم.
وتساءل الوزير عن سبب عدم إعادة القاصر بمجرد استكمال إجراءات التحقق من هويته، مؤكدا أن المغرب يطالب بتسريع المسطرة ومستعد لاستقبالهم وإعادتهم إلى أسرهم، في وقت تقف المساطر الإدارية والقضائية بمدريد حجر عثرة أمام عودتهم إلى أسرهم.
وفي جوهر هذا الخلاف، تبرز مسألة المعاملة بالمثل باعتبارها الاختبار المستقبلي للتعاون القضائي بين الرباط ومدريد، لأن المغرب، وفق ما يؤكده وزير العدل، لا يعترض على مبدأ التعاون أو على تسليم المطلوبين، وإنما على استمرار وضع يرى فيه أن طلباته لا تنتهي دائما إلى التسليم الفعلي، رغم استكمال مراحلها، في مقابل تأكيده تنفيذ الطلبات الإسبانية.

