انتقلت الحكومة إلى مرحلة جديدة في تنزيل خارطة الطريق الوطنية للتشغيل في أفق 2030، بتعبئة غلاف مالي إضافي يقارب 15 مليار درهم، وذلك بالتوازي مع توسيع برامج الإدماج المهني لتشمل الشباب غير الحاصلين على شهادات، وإعادة هيكلة عدد من آليات التشغيل القائمة، وتعزيز تدخل الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات “أنابيك”.
وكشف وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، في جواب كتابي عن سؤال بمجلس المستشارين، عن جملة من الإجراءات التي تراهن عليها الحكومة لتسريع الإدماج في سوق الشغل، تشمل تحفيز الاستثمار والحفاظ على فرص الشغل، خصوصا في الوسط القروي، وتوسيع الاستفادة من برامج التشغيل النشيطة، إلى جانب اعتماد مقاربة ترابية تراعي خصوصيات سوق الشغل في كل جهة.
ويأتي الغلاف المالي الإضافي، الذي يناهز 15 مليار درهم، لدعم التنزيل العملي لخارطة الطريق الوطنية للتشغيل في أفق 2030، في وقت تضع فيه الحكومة ضمن أولوياتها الوصول إلى الفئات التي ظلت استفادتها محدودة من برامج التشغيل، وفي مقدمتها الشباب الذين غادروا منظومة التعليم دون الحصول على شهادات.
وبحسب المعطيات التي قدمها السكوري، تستند هذه التحركات إلى التزامات البرنامج الحكومي 2021-2026، الذي حدد هدف إحداث ما لا يقل عن مليون منصب شغل صاف، مع إعطاء الأولوية للفئات الأكثر بعدا عن سوق الشغل، وخاصة الشباب الذين لا يشتغلون ولا يتابعون الدراسة أو التكوين، وهي الفئة المعروفة اختصارا بـ”NEET”.
ويربط الوزير هذا التوجه أيضا بتوصيات النموذج التنموي الجديد، الذي وضع الرأسمال البشري في صلب السياسات العمومية، بما يقتضي توسيع دائرة المستفيدين من آليات الإدماج وعدم حصرها في الفئات الحاصلة على الشهادات والمؤهلات الأكاديمية.
برامج التشغيل تفتح أبوابها أمام غير الحاصلين على شهادات
ويشكل توسيع برامج التشغيل لفائدة الشباب غير الحاصلين على شهادات أحد أبرز التحولات التي تتضمنها خارطة الطريق، إذ تتجه الحكومة إلى إدماج هذه الفئة ضمن برامج التشغيل النشيطة، بالتوازي مع تعزيز مهام الوساطة التي تضطلع بها “أنابيك” بين الباحثين عن فرص العمل والمشغلين.
ويعني هذا التوجه توسيع قاعدة المستفيدين من آليات الإدماج لتشمل فئات من الشباب الذين غادروا المدرسة أو التكوين دون مؤهلات أكاديمية، والذين يجدون صعوبات أكبر في الولوج إلى سوق الشغل والاستفادة من بعض آليات المواكبة القائمة.
ولا تقتصر التدابير المعلنة على هذه الفئة، إذ تتضمن خارطة الطريق إجراءات موجهة إلى النساء، عبر معالجة عدد من العوائق التي تحد من ولوجهن إلى سوق الشغل أو استمرارهن فيه.
وفي هذا الإطار، تضع الحكومة ضمن التدابير المرتبطة بالتشغيل تحسين وسائل النقل والإنارة العمومية وتوسيع عرض خدمات رعاية الأطفال، باعتبارها عوامل مرتبطة بقدرة النساء على الولوج إلى فرص العمل.
وإلى جانب التدخل المباشر في سوق الشغل، تشمل خارطة الطريق إجراءات مرتبطة بالمراحل السابقة لدخول الشباب إلى الحياة المهنية، من خلال مكافحة الهدر المدرسي، وتطوير مدارس الفرصة الثانية، وتوسيع عرض التكوين المهني.
صندوق محمد السادس و”الجيل الأخضر” ضمن رافعات التشغيل
وتراهن الحكومة، في تنفيذ سياستها الجديدة للتشغيل، على تعبئة عدد من البرامج والأوراش الاقتصادية القائمة وربطها بهدف إحداث فرص العمل، بدل حصر السياسة العمومية للتشغيل في برامج الإدماج المباشر.
وفي هذا السياق، أشار السكوري إلى صندوق محمد السادس للاستثمار باعتباره أحد الرافعات التي تراهن عليها الحكومة لتحفيز الاستثمار وما يرتبط به من إحداث فرص الشغل.
كما تشمل الآليات التي أوردها الوزير استراتيجية “الجيل الأخضر”، إلى جانب تطوير العرض الوطني لدور الحضانة واتخاذ تدابير لتحسين تنقل الأجراء، فضلا عن تعزيز برامج الإدماج الاقتصادي التي أثبتت فعاليتها.
وتجمع هذه التدخلات، وفق التصور الذي عرضه الوزير، بين تحفيز النشاط الاقتصادي والاستثمار من جهة، والتدخل في بعض العوائق الاجتماعية واللوجستية التي تؤثر في قدرة الباحثين عن العمل على الولوج إلى الفرص المتاحة من جهة أخرى.
سياسة التشغيل تنتقل إلى الجهات
ومن أبرز مكونات خارطة الطريق كذلك تعزيز البعد الترابي لسياسة التشغيل، عبر الانتقال إلى تدخلات أكثر ارتباطا بالخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية لكل جهة.
وفي هذا الإطار، تعتزم الحكومة إنجاز تشخيصات على مستوى مختلف جهات المملكة، بهدف تحديد القطاعات والأنشطة الأكثر قدرة على إحداث فرص الشغل في كل مجال ترابي، ومن ثم ملاءمة برامج الإدماج والتكوين والمواكبة مع حاجيات الأسواق المحلية.
وتتضمن هذه المقاربة إحداث فضاءات مخصصة للتشغيل وريادة الأعمال، إلى جانب إبرام عقود-برامج مع الجهات وإحداث هيئات للحكامة تجمع مختلف الشركاء والمتدخلين في مجال التشغيل.
ومن المنتظر أن تدعم المجالس الجهوية هذا المسار من خلال تمويل برامج مرتبطة بتحسين قابلية الفئات الهشة للتشغيل، ودعم التشغيل الذاتي، ومواكبة التعاونيات، وتمويل المشاريع المدرة للدخل، إضافة إلى إحداث فضاءات للتوجيه المهني.
وتتضمن المقاربة أيضا وضع آليات للتتبع والتقييم، بهدف تحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين وقياس نتائج البرامج المعتمدة.
“أنابيك” تستهدف إدماج 800 ألف شخص
وتحتل الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات موقعا مركزيا في الإجراءات التي كشف عنها السكوري، إذ تتجه الحكومة إلى توسيع أدوارها وتعزيز تدخلها في سوق الشغل، بالتوازي مع تنفيذ مخططها الاستراتيجي للفترة 2022-2026.
وحدد هذا المخطط هدف إدماج 800 ألف شخص في سوق الشغل، إلى جانب تحسين قابلية 500 ألف مستفيد للتشغيل، ومواكبة 60 ألف حامل مشروع، ودعم 33 ألف مقاولة صغيرة جدا.
وتعمل الوكالة بالتوازي مع ذلك على برامج للإدماج الاقتصادي جرى تطويرها مع شركاء دوليين وإطلاقها في أربع جهات من المملكة، قبل الانتقال إلى تعميمها.
وتستهدف هذه البرامج تعزيز المنظومات الجهوية للتشغيل، ودعم ريادة الأعمال، وتحسين الحكامة الترابية لسوق الشغل، بما ينسجم مع توجه الحكومة نحو نقل جزء أكبر من تدبير ملف التشغيل إلى المستوى الجهوي.
إصلاح “إدماج” وتوسيعه لغير الحاصلين على شهادات
وتكشف المعطيات التي قدمها وزير التشغيل أيضا عن تقدم عدد من الأوراش التشريعية والتنظيمية المرتبطة بخارطة الطريق، وفي مقدمتها إصلاح برنامج “إدماج”.
وأوضح السكوري أن مشروع إصلاح البرنامج أحيل على مجلس النواب، ويتضمن توسيع الاستفادة منه لتشمل الأشخاص غير الحاصلين على شهادات، في خطوة تستهدف تجاوز أحد العوائق التي تحد من استفادة هذه الفئة من برامج الإدماج المهني.
وبالتوازي مع إصلاح “إدماج”، تتواصل الأشغال المتعلقة بمراجعة برنامج “تأهيل”، فيما تعمل الحكومة على تصميم آلية جديدة للمساعدة الموحدة على التشغيل.
ويضع هذا المسار عددا من البرامج التقليدية لإنعاش التشغيل أمام إعادة هيكلة، سواء من حيث الفئات المستفيدة منها أو طبيعة المواكبة المقدمة للباحثين عن العمل.
خمس وكالات رقمية وثمانية أوراش لتحديث “أنابيك“
ويتزامن توسيع مهام “أنابيك” مع إطلاق ثمانية أوراش لتحديث الوكالة، بهدف تكييف خدماتها مع التحولات التي يعرفها سوق الشغل وتوسيع نطاق تدخلها.
وتشمل هذه الأوراش إحداث خمس وكالات رقمية نموذجية، وتعزيز الشبكة الترابية للوكالة، وتحديث الخدمات التي تقدمها للباحثين عن العمل والمقاولات، إلى جانب إرساء نموذج جديد للأداء.
كما يجري استكمال نموذج تجريبي لمراكز التوجيه المهني، جرى تطويره بتنسيق بين وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار ومكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل.
وتندرج هذه المراكز ضمن توجه يرمي إلى تعزيز التوجيه والمواكبة وربط مسارات التكوين بحاجيات سوق الشغل، في وقت تجمع فيه خارطة الطريق الجديدة بين إصلاح برامج “إدماج” و”تأهيل”، وتوسيع الاستفادة لفائدة غير الحاصلين على شهادات، وتقوية الوساطة في سوق الشغل، وإدخال البعد الجهوي في تصميم برامج التشغيل.
وتضع الحكومة بذلك الغلاف الإضافي الذي يقارب 15 مليار درهم ضمن مقاربة أوسع لا تقتصر على تمويل برامج تشغيل مباشرة، وإنما تجمع بين الاستثمار والحفاظ على فرص العمل، وإعادة هيكلة برامج الإدماج، ومواجهة الهدر المدرسي، وتطوير التكوين المهني، ودعم التشغيل الذاتي وريادة الأعمال، وإزالة بعض العوائق أمام تشغيل النساء، مع منح الجهات دورا أكبر في تحديد حاجياتها وبرامجها في مجال التشغيل.


















