التصنيف: تقارير

  • 15 مليار درهم إضافية للتشغيل.. الحكومة توسع برامج الإدماج لتشمل الشباب بدون شهادات

    15 مليار درهم إضافية للتشغيل.. الحكومة توسع برامج الإدماج لتشمل الشباب بدون شهادات

    انتقلت الحكومة إلى مرحلة جديدة في تنزيل خارطة الطريق الوطنية للتشغيل في أفق 2030، بتعبئة غلاف مالي إضافي يقارب 15 مليار درهم، وذلك بالتوازي مع توسيع برامج الإدماج المهني لتشمل الشباب غير الحاصلين على شهادات، وإعادة هيكلة عدد من آليات التشغيل القائمة، وتعزيز تدخل الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات “أنابيك”.

    وكشف وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، في جواب كتابي عن سؤال بمجلس المستشارين، عن جملة من الإجراءات التي تراهن عليها الحكومة لتسريع الإدماج في سوق الشغل، تشمل تحفيز الاستثمار والحفاظ على فرص الشغل، خصوصا في الوسط القروي، وتوسيع الاستفادة من برامج التشغيل النشيطة، إلى جانب اعتماد مقاربة ترابية تراعي خصوصيات سوق الشغل في كل جهة.

    ويأتي الغلاف المالي الإضافي، الذي يناهز 15 مليار درهم، لدعم التنزيل العملي لخارطة الطريق الوطنية للتشغيل في أفق 2030، في وقت تضع فيه الحكومة ضمن أولوياتها الوصول إلى الفئات التي ظلت استفادتها محدودة من برامج التشغيل، وفي مقدمتها الشباب الذين غادروا منظومة التعليم دون الحصول على شهادات.

    وبحسب المعطيات التي قدمها السكوري، تستند هذه التحركات إلى التزامات البرنامج الحكومي 2021-2026، الذي حدد هدف إحداث ما لا يقل عن مليون منصب شغل صاف، مع إعطاء الأولوية للفئات الأكثر بعدا عن سوق الشغل، وخاصة الشباب الذين لا يشتغلون ولا يتابعون الدراسة أو التكوين، وهي الفئة المعروفة اختصارا بـ”NEET”.

    ويربط الوزير هذا التوجه أيضا بتوصيات النموذج التنموي الجديد، الذي وضع الرأسمال البشري في صلب السياسات العمومية، بما يقتضي توسيع دائرة المستفيدين من آليات الإدماج وعدم حصرها في الفئات الحاصلة على الشهادات والمؤهلات الأكاديمية.

    برامج التشغيل تفتح أبوابها أمام غير الحاصلين على شهادات

    ويشكل توسيع برامج التشغيل لفائدة الشباب غير الحاصلين على شهادات أحد أبرز التحولات التي تتضمنها خارطة الطريق، إذ تتجه الحكومة إلى إدماج هذه الفئة ضمن برامج التشغيل النشيطة، بالتوازي مع تعزيز مهام الوساطة التي تضطلع بها “أنابيك” بين الباحثين عن فرص العمل والمشغلين.

    ويعني هذا التوجه توسيع قاعدة المستفيدين من آليات الإدماج لتشمل فئات من الشباب الذين غادروا المدرسة أو التكوين دون مؤهلات أكاديمية، والذين يجدون صعوبات أكبر في الولوج إلى سوق الشغل والاستفادة من بعض آليات المواكبة القائمة.

    ولا تقتصر التدابير المعلنة على هذه الفئة، إذ تتضمن خارطة الطريق إجراءات موجهة إلى النساء، عبر معالجة عدد من العوائق التي تحد من ولوجهن إلى سوق الشغل أو استمرارهن فيه.

    وفي هذا الإطار، تضع الحكومة ضمن التدابير المرتبطة بالتشغيل تحسين وسائل النقل والإنارة العمومية وتوسيع عرض خدمات رعاية الأطفال، باعتبارها عوامل مرتبطة بقدرة النساء على الولوج إلى فرص العمل.

    وإلى جانب التدخل المباشر في سوق الشغل، تشمل خارطة الطريق إجراءات مرتبطة بالمراحل السابقة لدخول الشباب إلى الحياة المهنية، من خلال مكافحة الهدر المدرسي، وتطوير مدارس الفرصة الثانية، وتوسيع عرض التكوين المهني.

    صندوق محمد السادس و”الجيل الأخضر” ضمن رافعات التشغيل

    وتراهن الحكومة، في تنفيذ سياستها الجديدة للتشغيل، على تعبئة عدد من البرامج والأوراش الاقتصادية القائمة وربطها بهدف إحداث فرص العمل، بدل حصر السياسة العمومية للتشغيل في برامج الإدماج المباشر.

    وفي هذا السياق، أشار السكوري إلى صندوق محمد السادس للاستثمار باعتباره أحد الرافعات التي تراهن عليها الحكومة لتحفيز الاستثمار وما يرتبط به من إحداث فرص الشغل.

    كما تشمل الآليات التي أوردها الوزير استراتيجية “الجيل الأخضر”، إلى جانب تطوير العرض الوطني لدور الحضانة واتخاذ تدابير لتحسين تنقل الأجراء، فضلا عن تعزيز برامج الإدماج الاقتصادي التي أثبتت فعاليتها.

    وتجمع هذه التدخلات، وفق التصور الذي عرضه الوزير، بين تحفيز النشاط الاقتصادي والاستثمار من جهة، والتدخل في بعض العوائق الاجتماعية واللوجستية التي تؤثر في قدرة الباحثين عن العمل على الولوج إلى الفرص المتاحة من جهة أخرى.

    سياسة التشغيل تنتقل إلى الجهات

    ومن أبرز مكونات خارطة الطريق كذلك تعزيز البعد الترابي لسياسة التشغيل، عبر الانتقال إلى تدخلات أكثر ارتباطا بالخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية لكل جهة.

    وفي هذا الإطار، تعتزم الحكومة إنجاز تشخيصات على مستوى مختلف جهات المملكة، بهدف تحديد القطاعات والأنشطة الأكثر قدرة على إحداث فرص الشغل في كل مجال ترابي، ومن ثم ملاءمة برامج الإدماج والتكوين والمواكبة مع حاجيات الأسواق المحلية.

    وتتضمن هذه المقاربة إحداث فضاءات مخصصة للتشغيل وريادة الأعمال، إلى جانب إبرام عقود-برامج مع الجهات وإحداث هيئات للحكامة تجمع مختلف الشركاء والمتدخلين في مجال التشغيل.

    ومن المنتظر أن تدعم المجالس الجهوية هذا المسار من خلال تمويل برامج مرتبطة بتحسين قابلية الفئات الهشة للتشغيل، ودعم التشغيل الذاتي، ومواكبة التعاونيات، وتمويل المشاريع المدرة للدخل، إضافة إلى إحداث فضاءات للتوجيه المهني.

    وتتضمن المقاربة أيضا وضع آليات للتتبع والتقييم، بهدف تحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين وقياس نتائج البرامج المعتمدة.

    أنابيك” تستهدف إدماج 800 ألف شخص

    وتحتل الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات موقعا مركزيا في الإجراءات التي كشف عنها السكوري، إذ تتجه الحكومة إلى توسيع أدوارها وتعزيز تدخلها في سوق الشغل، بالتوازي مع تنفيذ مخططها الاستراتيجي للفترة 2022-2026.

    وحدد هذا المخطط هدف إدماج 800 ألف شخص في سوق الشغل، إلى جانب تحسين قابلية 500 ألف مستفيد للتشغيل، ومواكبة 60 ألف حامل مشروع، ودعم 33 ألف مقاولة صغيرة جدا.

    وتعمل الوكالة بالتوازي مع ذلك على برامج للإدماج الاقتصادي جرى تطويرها مع شركاء دوليين وإطلاقها في أربع جهات من المملكة، قبل الانتقال إلى تعميمها.

    وتستهدف هذه البرامج تعزيز المنظومات الجهوية للتشغيل، ودعم ريادة الأعمال، وتحسين الحكامة الترابية لسوق الشغل، بما ينسجم مع توجه الحكومة نحو نقل جزء أكبر من تدبير ملف التشغيل إلى المستوى الجهوي.

    إصلاح “إدماج” وتوسيعه لغير الحاصلين على شهادات

    وتكشف المعطيات التي قدمها وزير التشغيل أيضا عن تقدم عدد من الأوراش التشريعية والتنظيمية المرتبطة بخارطة الطريق، وفي مقدمتها إصلاح برنامج “إدماج”.

    وأوضح السكوري أن مشروع إصلاح البرنامج أحيل على مجلس النواب، ويتضمن توسيع الاستفادة منه لتشمل الأشخاص غير الحاصلين على شهادات، في خطوة تستهدف تجاوز أحد العوائق التي تحد من استفادة هذه الفئة من برامج الإدماج المهني.

    وبالتوازي مع إصلاح “إدماج”، تتواصل الأشغال المتعلقة بمراجعة برنامج “تأهيل”، فيما تعمل الحكومة على تصميم آلية جديدة للمساعدة الموحدة على التشغيل.

    ويضع هذا المسار عددا من البرامج التقليدية لإنعاش التشغيل أمام إعادة هيكلة، سواء من حيث الفئات المستفيدة منها أو طبيعة المواكبة المقدمة للباحثين عن العمل.

    خمس وكالات رقمية وثمانية أوراش لتحديث “أنابيك

    ويتزامن توسيع مهام “أنابيك” مع إطلاق ثمانية أوراش لتحديث الوكالة، بهدف تكييف خدماتها مع التحولات التي يعرفها سوق الشغل وتوسيع نطاق تدخلها.

    وتشمل هذه الأوراش إحداث خمس وكالات رقمية نموذجية، وتعزيز الشبكة الترابية للوكالة، وتحديث الخدمات التي تقدمها للباحثين عن العمل والمقاولات، إلى جانب إرساء نموذج جديد للأداء.

    كما يجري استكمال نموذج تجريبي لمراكز التوجيه المهني، جرى تطويره بتنسيق بين وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار ومكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل.

    وتندرج هذه المراكز ضمن توجه يرمي إلى تعزيز التوجيه والمواكبة وربط مسارات التكوين بحاجيات سوق الشغل، في وقت تجمع فيه خارطة الطريق الجديدة بين إصلاح برامج “إدماج” و”تأهيل”، وتوسيع الاستفادة لفائدة غير الحاصلين على شهادات، وتقوية الوساطة في سوق الشغل، وإدخال البعد الجهوي في تصميم برامج التشغيل.

    وتضع الحكومة بذلك الغلاف الإضافي الذي يقارب 15 مليار درهم ضمن مقاربة أوسع لا تقتصر على تمويل برامج تشغيل مباشرة، وإنما تجمع بين الاستثمار والحفاظ على فرص العمل، وإعادة هيكلة برامج الإدماج، ومواجهة الهدر المدرسي، وتطوير التكوين المهني، ودعم التشغيل الذاتي وريادة الأعمال، وإزالة بعض العوائق أمام تشغيل النساء، مع منح الجهات دورا أكبر في تحديد حاجياتها وبرامجها في مجال التشغيل.

  • بعد أحداث سبتة أرقام الكناري تكشف الوجه الآخر.. الهجرة تتراجع بـ59.6% ومدريد تشيد بتعاون المغرب

    بعد أحداث سبتة أرقام الكناري تكشف الوجه الآخر.. الهجرة تتراجع بـ59.6% ومدريد تشيد بتعاون المغرب

    بعد أيام من الأحداث التي أعادت الهجرة غير النظامية عبر سبتة إلى صدارة النقاش بين المغرب وإسبانيا، قدمت السلطات الإسبانية معطيات جديدة عن المسار الأطلسي للهجرة تكشف اتجاها مغايرا تماما لما شهدته الحدود الشمالية للمملكة.

    فمنذ بداية 2026 وحتى نهاية يوليوز، انخفض عدد الوافدين بحرا بطريقة غير نظامية إلى جزر الكناري بنسبة 59.6 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، وسط إشادة إسبانية واضحة بتعاون دول المنشأ والعبور، وتقييم وُصف بـ”اللافت جدا” للتعاون مع المغرب.

    الأرقام كشف عنها، أنسيلمو بيستانا، مندوب الحكومة الإسبانية في جزر الكناري، الذي أفاد بوصول 4675 شخصا إلى الأرخبيل منذ بداية السنة وحتى 31 يوليوز، مقابل 11575 شخصا خلال الفترة نفسها من سنة 2025.

    وبلغة الأرقام، استقبلت جزر الكناري خلال الأشهر السبعة الأولى من السنة 6900 وافد أقل من الفترة نفسها من العام الماضي، لكن قراءة هذه الأرقام لا تتوقف عند حجم الانخفاض وحده، فتصريحات المسؤول الإسباني تقدم مجموعة من المؤشرات بشأن الطريقة التي تنظر بها مدريد إلى التحولات الجارية على مسارات الهجرة في غرب إفريقيا بما فيها استمرار العوامل التي تدفع إلى المغادرة، وتراجع قدرة الشبكات على تنظيم العبور في بعض المسارات، وارتفاع مستوى تعاون دول المنشأ والعبور، ثم توقع عودة نسبية للضغط خلال الأشهر الأخيرة من السنة.

    ويظهر المغرب داخل هذه المعادلة باعتباره شريكا أساسيا بالنسبة إلى إسبانيا، فبيستانا تحدث عن “ضبط للتدفقات” من الجانب المغربي، وشدد على ضرورة الحفاظ على “أفضل العلاقات الممكنة” مع المملكة، قبل أن يلخص طبيعة العلاقة التي تفرضها الجغرافيا وحركة الهجرة بالقول إن المغرب وإسبانيا “ملزمان بالتعاون والتفاهم”.

    وعندما سئل مباشرة عن تقييم مدريد للعمل الذي تقوم به الرباط، أكد أن السلطات الإسبانية “راضية إلى حد كبير حتى الآن عن هذا التعاون” واصفا إياه بأنه “لافت جدا”.

    6900 وافد أقل في سبعة أشهر.. ماذا تقول الأرقام؟

    المؤشر الأكثر وضوحا في تصريحات مندوب الحكومة الإسبانية يتعلق بالتراجع الكمي في الوصول إلى جزر الكناري.

    بين فاتح يناير و31 يوليوز 2025، بلغ عدد الوافدين بطريقة غير نظامية عبر البحر 11575 شخصا، وخلال الفترة نفسها من 2026، انخفض العدد إلى 4675 شخصا، أي أن الأرخبيل سجل 6900 وافد أقل، بما يمثل تراجعا بنسبة 59.6 في المائة على أساس سنوي وهو انخفاض كبير بالنسبة إلى مسار ظل خلال السنوات الأخيرة إحدى أبرز بوابات الهجرة البحرية نحو الأراضي الإسبانية.

    وقدم بيستانا هذا التحول باعتباره، بدرجة أساسية، نتيجة لتحسن التعاون مع سلطات الدول التي تشكل نقاط انطلاق أو عبور للمهاجرين، وليس دليلا على انتهاء الضغط على الطريق الأطلسي أو اختفاء الرغبة في الوصول إلى أوروبا.

    ولهذا السبب تحديدا، لا تتوقع السلطات الإسبانية أن تحافظ نسبة الانخفاض على مستواها الحالي حتى نهاية السنة.

    مدريد تتوقع عودة الضغط خلال الأشهر المقبلة

    رغم انخفاض الوافدين بنسبة 59.6 في المائة إلى غاية نهاية يوليوز، يتوقع مندوب الحكومة الإسبانية أن تنتهي سنة 2026 بتراجع سنوي أقل، يتراوح بين 30 و40 في المائة.

    وهذا الفارق بين حصيلة الأشهر السبعة الأولى والتوقع السنوي يحمل دلالة مهمة، فإذا انتقلت نسبة الانخفاض من نحو 60 في المائة حاليا إلى ما بين 30 و40 في المائة عند نهاية السنة، فإن ذلك يعني أن التقديرات الإسبانية تأخذ في الاعتبار ارتفاعا نسبيا في أعداد الوافدين خلال الأشهر الخمسة الأخيرة من 2026.

    وبعبارة أخرى، لا تعتبر مدريد أن المستوى الحالي من الانخفاض سيستمر بالحدة نفسها.

    فالمسؤول الإسباني لم يقدم في تصريحاته رقما محددا لعدد الأشخاص المتوقع وصولهم بين غشت ودجنبر، لكنه وضع تقديرا واضحا للحصيلة السنوية، بما يشير إلى أن السلطات الإسبانية تستعد لاحتمال عودة جزء من الضغط على الطريق الأطلسي خلال ما تبقى من السنة.

    لماذا انخفضت أعداد القوارب؟

    بالنسبة إلى بيستانا، يرتبط التفسير الأول بما وصفه بـ”التعاون الجيد جدا من جانب سلطات الدول” التي توجد على مسارات الهجرة.

    وخص المسؤول الإسباني بالذكر موريتانيا والسنغال، وهما بلدان يشكلان جزءا رئيسيا من الخريطة التي تمر عبرها تدفقات الهجرة باتجاه الأرخبيل.

    لكنه توقف أيضا عند المغرب، وتحدث بيستانا عن وجود “ضبط للتدفقات في المغرب” رابطا النتائج المسجلة بعمل السلطات في الدول الإفريقية المعنية.

    وتشير هذه القراءة إلى تحول مهم في طريقة تفسير انخفاض الوصول إلى الكناري فالمسألة بحسب المسؤول الإسباني، لا تتعلق بانتهاء دوافع الهجرة، وإنما بقدرة السلطات على التدخل قبل انطلاق القوارب، وملاحقة الشبكات التي تنظم عمليات العبور، وتعزيز التعاون بين دول المنشأ والعبور والاستقبال.

    ويقول بيستانا إن نتيجة ذلك أصبحت ملموسة في جزر الكناري نفسها، حيث بات وصول القوارب أكثر تباعدا وأقل تواترا لكنها لم تختف وهذا التمييز أساسي لفهم الأرقام فالطريق الأطلسي لم يغلق، وإنما تراجعت كثافة استخدامه خلال الأشهر السبعة الأولى من السنة.

    المغرب.. تقييم إسباني “لافت جدا

    حين انتقل النقاش إلى المغرب تحديدا، لم يكتف مندوب الحكومة الإسبانية بالإشارة إلى مساهمته ضمن مجموعة دول العبور، بل قدم تقييما سياسيا مباشرا لمستوى التعاون بين الرباط ومدريد.

    وقال بيستانا إن السلطات الإسبانية “راضية إلى حد كبير حتى الآن عن هذا التعاون، وهو تعاون لافت جدا” كما اعتبر أن على إسبانيا الحفاظ على “أفضل العلاقات الممكنة” مع المملكة وذهب أبعد من ذلك عندما قال إن البلدين “ملزمان بالتعاون والتفاهم”

    وأهمية هذه العبارات لا تنفصل عن توقيتها، فهي تأتي مباشرة بعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها سبتة، والتي أعادت الهجرة إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي، وفتحت جدلا بشأن إدارة الحدود والتعاون المغربي الإسباني.

    لكن تصريحات بيستانا تقدم من داخل الإدارة الإسبانية، تقييما مختلفا يستند إلى ما يحدث على مسار الكناري، حيث ترى مدريد أن تعاون المغرب جزء من العوامل التي ساهمت في تراجع الضغط.

    اتفاقيات أوروبية خلف تراجع التدفقات

    بيستانا لم يحصر تفسيره للانخفاض في الإجراءات التي تتخذها السلطات المحلية في الدول الإفريقية، بل وضعه ضمن سياسة أوسع اعتمدتها إسبانيا والاتحاد الأوروبي تجاه دول المنشأ والعبور.

    وأشار إلى الاتفاقيات التي أبرمت مع الدول الشريكة بدفع من رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.

    هذه الاتفاقيات، وفق التصريحات، لا تقوم على التعاون الأمني وحده فهي تجمع بين الاستثمارات والالتزامات المالية والتعاون مع الدول المعنية لمواجهة الشبكات المرتبطة بالهجرة غير النظامية.

    المنطق الذي تقوم عليه هذه المقاربة يتجاوز مراقبة الحدود البحرية إلى محاولة التدخل في مختلف حلقات المسار من دول المنشأ إلى دول العبور، بالتوازي مع استهداف الشبكات التي تنظم عمليات الانتقال.

    وبالنسبة إلى مدريد، بدأت نتائج هذا التعاون تظهر في انخفاض عدد القوارب التي تصل إلى الكناري.

    من ضبط الحدود إلى تقليص الوفيات في البحر

    وقدم مندوب الحكومة الإسبانية بعدا آخر لهذا التعاون، يتعلق بالخسائر البشرية، فالطريق الأطلسي لا يمثل بالنسبة إلى السلطات الإسبانية تحديا أمنيا وهجراتيا فقط، بل مسارا يرتبط أيضا بحوادث الغرق والوفيات خلال محاولات الوصول إلى الأرخبيل.

    ووصف بيستانا هذا الطريق بأنه الأكثر فتكا، معتبرا أن التعاون مع دول المنشأ والعبور يساهم في “تفادي عدد كبير من الوفيات في البحر”

    وتقوم هذه القراءة على أن الحد من انطلاق القوارب لا يخفض عدد الواصلين فقط، وإنما يقلص أيضا عدد الأشخاص الذين يخوضون رحلات بحرية محفوفة بالمخاطر.

    كما يربط المسؤول الإسباني هذا الجانب بمحاربة الشبكات التي تنظم الهجرة غير النظامية، والتي تضع المرشحين للمغادرة أمام رحلات يمكن أن تكون مميتة.

    أسباب الهجرة لم تختف

    وراء الانخفاض الكبير في أعداد الوافدين، يظل التشخيص الإسباني واضحا بشأن استمرار أسباب الهجرة فبيستانا أقر، بعد موجات المغادرة الجماعية الأخيرة نحو سبتة، بأن جزءا مهما من الفئات المعنية سيواصل محاولة الوصول إلى أوروبا.

    وحدد أربعة عوامل رئيسية تدفع هذه التحركات بما فيها النزاعات، والجوع، والفقر، وتداعيات التغير المناخي كما اعتبر أن الضغط يأتي “بشكل أساسي من منطقة الساحل”

    وهنا تظهر المفارقة الأساسية في الأرقام الحالية، فالتراجع في الوصول إلى الكناري لا يعني وفق المسؤول الإسباني نفسه، انخفاضا موازيا في عدد الأشخاص الراغبين في الهجرة، وإنما يعكس بالدرجة الأولى تغيرا في قدرة السلطات على ضبط عمليات المغادرة.

    ما الذي تغير إذن؟

    جواب بيستانا كان مباشرا “تعاون السلطات المحلية والتزامها”، أي أن المتغير الرئيسي في تقديره، يوجد على مستوى الاستجابة المؤسساتية وليس بالضرورة على مستوى الدوافع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تنتج الهجرة.

    وتحدث في هذا السياق عن توقيف مسؤولين عسكريين وأشخاص يشغلون وظائف عمومية للاشتباه في مشاركتهم في هياكل إجرامية مرتبطة بالهجرة.

    ويرى أن استمرار هذا المستوى من الالتزام سيتيح الحفاظ على درجة مرتفعة من الحد من عمليات المغادرة فيما تعكس هذه القراءة انتقال المواجهة من اعتراض القوارب بعد انطلاقها فقط إلى استهداف الشبكات والجهات التي تسهل تنظيم الرحلات قبل الوصول إلى البحر.

    ورغم أن الأرقام التي قدمها بيستانا تخص جزر الكناري، لم تغب أحداث سبتة الأخيرة عن تصريحاته، فقد وصف مندوب الحكومة الإسبانية ما حدث بأنه “مأساة مروعة” مشيرا إلى أن الأحداث خلفت أكثر من 130 وفاة، وفقا للأرقام التي استشهد بها.

    أما الخلاصة السياسية التي استخرجها بيستانا من أحداث سبتة، فهي مجددا الحاجة إلى التعاون بين المغرب وإسبانيا لمنع تكرار مثل هذه الأحداث.

    واستحضر المسؤول الإسباني في هذا السياق التاريخ المرتبط بالهجرة في جزر الكناري، مذكرا بأن جزءا من سكان الأرخبيل نفسه اضطر إلى الهجرة خلال القرن الماضي.

    بعد سبتة.. ملف القاصرين ينتقل إلى الداخل الإسباني

    لم يتوقف المسؤول الإسباني عند التعاون مع المغرب أو دول الساحل فالوجه الآخر لأزمة الهجرة يوجد داخل إسبانيا نفسها، حيث يثير توزيع القاصرين المهاجرين غير المرفوقين خلافات بين الحكومة المركزية وبعض الأقاليم ذاتية الحكم.

    وتوجد جزر الكناري تحت نظام “طوارئ الهجرة” في ظل الضغط الذي تواجهه منظومة استقبال القاصرين.

    وأوضح بيستانا أن مندوبية الحكومة الإسبانية تواصل توقيع قرارات نقل القاصرين من الأرخبيل إلى مناطق أخرى من البلاد ما تزال تتوفر على قدرات للاستقبال فيما تتواصل هذه العملية في الوقت الذي يستمر فيه وصول قاصرين جدد إلى جزر الكناري.

    وتتمسك بعض الأقاليم بعدم توفرها على المنشآت أو القدرات الملائمة لاستقبال هؤلاء القاصرين، وهي الحجة التي رفضها بيستانا واستند في رده إلى تجربة الكناري نفسها.

    فالأرخبيل بحسب المسؤول الإسباني، اضطر أمام الضغط الذي تعرض له إلى إحداث قدرات طارئة للاستقبال، ولذلك لا يرى مبررا لرفض الأقاليم الأخرى تحمل جزء من المسؤولية وقال في هذا الصدد إن “على الجميع تحمل مسؤولياتهم”

    لكن تحذير مندوب الحكومة لم يبق في حدود السجال السياسي بين مدريد والأقاليم، فبيستانا ذكر بأن الحكومات الإقليمية ملزمة بتطبيق التشريع الخاص بالتكفل بالقاصرين المهاجرين، وأن الأمر يتعلق بتنفيذ مقتضيات قانونية وليس بمجرد ترتيبات اختيارية بين السلطات المركزية والمحلية.

    وفي حال استمرار رفض استقبال القاصرين أو الامتناع عن تنفيذ القانون، حذر من إمكانية الانتقال إلى تدخل أكثر صرامة وقد يصل الأمر، بحسب تصريحاته، إلى تدخل النيابة العامة وفتح إجراءات جنائية في مواجهة السلطات المعنية.

    مساران مختلفان وضغط واحد

    ما تكشفه تصريحات مندوب الحكومة الإسبانية في جزر الكناري هو أن ملف الهجرة لا يتحرك في اتجاه واحد.

    فبينما سجل الطريق الأطلسي انخفاضا بنسبة 59.6 في المائة خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، شهد مسار سبتة أخيرا ضغطا حادا أعاد الهجرة إلى واجهة الأحداث.

    وهذا التباين يؤكد أن انخفاض الضغط على مسار معين لا يعني بالضرورة تراجع الهجرة في مجموعها، فالأسباب التي تدفع إلى المغادرة ما تزال قائمة بحسب التشخيص الإسباني نفسه، وخصوصا في منطقة الساحل.

    وعندما يشتد ضبط أحد المسارات، تظل إمكانية انتقال جزء من الضغط إلى طرق أخرى قائمة، بينما تستمر الشبكات في البحث عن مسالك بديلة ولهذا لا يقرأ بيستانا رقم 59.6 في المائة باعتباره نهاية للمشكلة.

    وتوقعه بأن ينخفض المعدل السنوي في نهاية المطاف إلى ما بين 30 و40 في المائة يؤكد أن مدريد نفسها تتوقع أن تكون الأشهر المقبلة أكثر ضغطا من الأشهر السبعة الأولى.

  • بحضور وهبي، كودار، لقجع وقيادات الحزب.. “البام” يجمع مناضليه بسوس ماسة ويضع استعادة الثقة في صلب معركة الاستحقاقات المقبلة

    بحضور وهبي، كودار، لقجع وقيادات الحزب.. “البام” يجمع مناضليه بسوس ماسة ويضع استعادة الثقة في صلب معركة الاستحقاقات المقبلة

    انطلقت، صبيحة اليوم بمدينة أكادير، أشغال اللقاء التواصلي الذي نظمته الأمانة الجهوية لحزب الأصالة والمعاصرة بجهة سوس ماسة، بحضور أعضاء من المكتب السياسي واللجنة الوطنية للانتخابات، إلى جانب برلمانيي الحزب ومنتخبيه ومناضليه بالجهة، في محطة تنظيمية طغت عليها رسائل التعبئة والاستعداد للاستحقاقات المقبلة، والدعوة إلى تعزيز التواصل المباشر مع المواطنين واستعادة الثقة في العمل السياسي.

    وشكل اللقاء مناسبة لقيادات الحزب للتأكيد على أن المرحلة المقبلة تتطلب تكثيف الحضور الميداني والإنصات لانشغالات المواطنين وربط العمل السياسي بالجدية والوضوح والصدق، مع التشديد على أن الرهان لا ينحصر في الاستعداد التنظيمي والانتخابي، وإنما يرتبط كذلك بقدرة الفاعل السياسي على إعادة بناء جسور الثقة مع المجتمع وتقديم خطاب واقعي يميز بين ما يمكن إنجازه وما لا يمكن الالتزام به.

    وحضر انضمام فوزي لقجع إلى المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة بقوة في مداخلات عدد من قيادات الحزب ومناضليه، الذين رحبوا بهذه الخطوة واعتبروها إضافة للممارسة الحزبية، في مقابل الجدل السياسي الذي رافق التحاقه رسميا بهياكل “البام”.

    وهبي: لقجع لم يأت اليوم إلى العمل العام ونريد أن يكون الحزب في المقدمة

    وفي مداخلته خلال اللقاء، رحب حميد وهبي، المنسق الجهوي لحزب الأصالة والمعاصرة بجهة سوس ماسة ومرشح الحزب بدائرة أكادير-إداوتنان، بأعضاء المكتب السياسي واللجنة الوطنية للانتخابات الحاضرين، ومن بينهم سمير كودار وهشام المهاجري، وأحمد التويزي، وخالد الحاتيمي، والعربي المحرشي وعدد من قيادات الحزب ومناضليه، مؤكدا أهمية هذه اللقاءات في التواصل المباشر مع المناضلين والاستماع إليهم والاستعداد الجماعي للمرحلة المقبلة.

    وتوقف وهبي بشكل خاص عند فوزي لقجع، معتبرا أن مساره لا يمكن اختزاله في التحاقه الحالي بالمكتب السياسي أو ربطه فقط بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة، بالنظر إلى المسؤوليات التي راكمها خلال السنوات الماضية في عدد من المواقع.

    ودافع المتحدث عن لقجع في مواجهة القراءات التي ربطت التحاقه بالحزب بحسابات انتخابية، مشددا على أن الأمر يتعلق بشخصية راكمت تجربة في تدبير عدد من الملفات الوطنية، سواء من خلال مسؤولياته الحكومية في وزارة الاقتصاد والمالية أو من خلال مساره في تدبير الشأن الرياضي.

    واستحضر وهبي في هذا السياق التحولات والنتائج التي حققتها كرة القدم المغربية خلال السنوات الأخيرة، معتبرا أن المسار الذي راكمه لقجع في المسؤولية يشكل مصدر اعتزاز بالنسبة إلى مناضلي الحزب.

    وشدد المتحدث على أن لقجع لم يظهر فجأة في المشهد العام، بل سبق له الاشتغال في عدد من المواقع وتحمل مسؤوليات مرتبطة بتدبير ملفات كبرى، قبل أن يختار اليوم الانتقال إلى ممارسة سياسية حزبية أكثر وضوحا.

    وعلى المستوى التنظيمي، دعا وهبي مناضلي الأصالة والمعاصرة في الجهة إلى تكثيف العمل الميداني والاستعداد بقوة للمرحلة المقبلة، مؤكدا أن الطموح يجب أن يكون تحقيق نتائج متقدمة في مختلف مناطق الجهة، وأن يكون للحضور التنظيمي والسياسي للحزب صدى فعلي لدى المواطنين.

    المهاجري: استعادة الثقة هي المشكلة الحقيقية وعلى الأحزاب استقطاب الكفاءات الناجحة

    من جهته، خصص هشام المهاجري جزءا مهما من مداخلته للحديث عن التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة، متوقفا عند معرفته به من خلال العمل البرلماني والمسؤوليات التي تقلدها، إلى جانب العلاقات الإنسانية التي جمعتهما.

    وقال المهاجري إن معرفته بلقجع لم تقتصر على المجال الرياضي، بل شملت كذلك النقاشات المرتبطة بالمالية العمومية داخل المؤسسة التشريعية، حيث كان لقجع بحسب مداخلته، يدافع عن موقف الدولة وعن التوازنات المالية، لكنه ظل في الوقت نفسه محاورا يمكن مناقشته وإقناعه وتبادل الرأي معه.

    واعتبر المهاجري أن النقاش الذي رافق انضمام لقجع إلى “البام” ينبغي وضعه في سياق أوسع يتعلق بحاجة العمل السياسي إلى استقطاب شخصيات راكمت تجربة في تدبير الشأن العام وأثبتت قدرتها في المسؤوليات التي تولتها.

    وربط القيادي في “البام” هذه المسألة بإشكالية أعمق تتمثل في تراجع الثقة في الفاعل السياسي، معتبرا أن ما عرفته البلاد أخيرا من أحداث مرتبطة بمحاولات الهجرة نحو سبتة يفرض على السياسيين مساءلة أنفسهم بشأن علاقتهم بالشباب والمواطنين ومدى قدرتهم على إقناعهم بالعمل المؤسساتي والسياسي.

    وبالنسبة إلى المهاجري، فإن استقطاب شخصيات ذات تجربة ومسار معروف يدخل ضمن محاولة تقوية عرض الأحزاب واستعادة جزء من الثقة المفقودة، وليس مجرد عملية “ميركاتو” سياسي كما وصفها بعض منتقدي انضمام لقجع إلى الحزب.

    وانتقد المتحدث القراءات التي اختزلت التحاق لقجع في حسابات انتخابية أو في منجزات كرة القدم المغربية، مؤكدا أن النجاحات الرياضية التي حققها المغرب تندرج ضمن مشروع وطني أوسع يقوده الملك محمد السادس، ولا يمكن لأي حزب أن ينسبها إلى نفسه.

    وفي المقابل، اعتبر أن السؤال السياسي الحقيقي يتعلق بسبب تحول انضمام شخصية من طينة لقجع إلى موضوع سجال بين الأحزاب، بدل النظر إلى الأمر من زاوية تشجيع الكفاءات التي راكمت تجربة في مؤسسات الدولة على الانخراط المباشر في العمل الحزبي.

    وتوقف المهاجري أيضا عند طبيعة حزب الأصالة والمعاصرة، مستحضرا أن عددا من مؤسسيه وقياداته سبق لهم الاشتغال في مواقع ومسؤوليات مختلفة قبل اختيار العمل الحزبي، وهو ما يجعل انتقال الكفاءات من التدبير المؤسساتي إلى السياسة الحزبية بحسب طرحه، أمرا طبيعيا.

    وعلى مستوى الاستحقاقات المقبلة، كشف المهاجري أن اللجنة الوطنية للانتخابات تشتغل وفق مقاربة تراعي وضعية كل دائرة وحاجتها إلى المواكبة والدعم، داعيا التنظيمات المحلية إلى تحمل مسؤوليتها وعدم انتظار التدخل المركزي في كل التفاصيل.

    ووجه في هذا السياق رسالة مباشرة إلى مناضلي الحزب بإنزكان، مؤكدا أن حجم الحضور التنظيمي والسياسي بالمنطقة يرفع سقف المسؤولية ويجعل الطموح إلى تصدر النتائج هدفا ينبغي الاشتغال عليه ميدانيا منذ الآن.

    التويزي: انضمام الكفاءات للأحزاب قيمة مضافة للمشهد السياسي

    بدوره، وضع أحمد التويزي رئيس الفريق النيابي للحزب انضمام فوزي لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة ضمن سياق أوسع يتصل بعلاقة الكفاءات المغربية بالعمل السياسي والحزبي.

    واعتبر التويزي أن لقجع راكم خلال حضوره في البرلمان وفي المسؤوليات العمومية صورة تقوم بحسب تعبيره، على النقاش والقدرة على الإقناع، مؤكدا في الوقت نفسه أن علاقته بالحزب ليست وليدة اللحظة بالنظر إلى حضوره سابقا في محيط حركة الديمقراطيين التي سبقت تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة.

    وأكد المتحدث أن قرار الانضمام إلى الحزب يظل في النهاية اختيارا شخصيا وسياسيا يرتبط بالقناعات، مشيرا إلى أن القيمة التي تحملها هذه الخطوة لا ينبغي قياسها فقط بما ستضيفه إلى “البام” بل بما يمكن أن تمثله بالنسبة إلى المشهد الحزبي المغربي ككل.

    وفي هذا السياق، اعتبر التويزي أن انتقال أطر راكمت تجربة داخل الإدارات والمؤسسات والقطاعات الحكومية إلى العمل الحزبي يعطي إشارة إلى كفاءات أخرى بأن ممارسة المسؤولية التقنية أو الإدارية لا تتعارض مع الانخراط السياسي، وأن هناك مرحلة يمكن فيها لمن راكم تجربة في تدبير الشأن العام أن يختار الدفاع عن قناعاته من داخل الأحزاب.

    وشدد على أن الديمقراطية لا يمكن أن تشتغل دون أحزاب وانتخابات ومشاركة سياسية، وهو ما يجعل تشجيع الأطر والكفاءات المغربية على الانخراط في التنظيمات التي تتوافق مع قناعاتها جزءا من تقوية الحياة السياسية، بدل إبقائها بعيدة عن العمل الحزبي.

    واستحضر التويزي في مداخلته شعار “أغراس أغراس” باعتباره إحالة على ثقافة “المعقول” التي يقول الحزب إنه يريد جعلها عنوانا لممارسته السياسية، من خلال الوضوح في الخطاب والالتزام تجاه المواطنين.

    المحرشي: المواطن يجب أن يكون في صلب أولويات الحزب

    وفي الاتجاه نفسه، شددت مداخلة العربي المحرشي، عضو اللجنة الوطنية للانتخابات بـ”البام”، على أن الحزب الذي يطمح إلى تصدر الاستحقاقات المقبلة وتحمل مسؤولية قيادة الحكومة لا ينبغي أن يشغله هدف آخر يتقدم على خدمة المواطن والوطن.

    وجاءت المداخلة لتعيد النقاش من الحسابات التنظيمية والانتخابية إلى الغاية الأساسية من التنافس السياسي، والمتمثلة في الاستجابة لانتظارات المواطنين وتحويل البرامج والوعود إلى أثر ملموس في حياتهم اليومية.

    وأكدت المداخلة في مجملها، أن الوصول إلى مواقع المسؤولية لا يمكن أن يشكل غاية في حد ذاته، وأن مصداقية أي مشروع سياسي ستظل مرتبطة بقدرته على الاقتراب من المواطنين والاستماع إلى مطالبهم ومواجهة المشاكل المطروحة عليهم بواقعية.

    لقجع: جئت إلى “البام” دون منصب سياسي وعلينا أن نقول للمواطن ما نستطيع وما لا نستطيع

    وكانت كلمة فوزي لقجع من أبرز محطات اللقاء، إذ قدم خلالها رؤيته لانخراطه في حزب الأصالة والمعاصرة، مؤكدا أنه اختار ممارسة العمل السياسي من موقع المواطن ومن دون أن يكون دخوله إلى الحزب مرتبطا بمنصب سياسي.

    ووضع لقجع قراره في إطار الرغبة في الانتقال من المسؤولية التقنية والمؤسساتية إلى المشاركة الحزبية المباشرة، معتبرا أن العمل السياسي يتيح إمكانية الإسهام بصورة جماعية في النقاش حول مستقبل البلاد.

    وأكد أن المرحلة الحالية تفرض على الفاعلين السياسيين الاشتغال بالصدق و”المعقول” والوضوح، وأن تكون لديهم القدرة على التواصل مع المواطنين، ولا سيما الشباب، وجعلهم طرفا فاعلا في المستقبل الذي يطمح إليه المغرب.

    وجعل لقجع من استعادة الثقة في الفاعل السياسي إحدى القضايا المركزية في مداخلته، معتبرا أن هذه الثقة لا يمكن بناؤها بالوعود غير القابلة للتنفيذ، وإنما بخطاب صريح يحدد للمواطن ما يستطيع السياسي إنجازه وما يتجاوز قدرته.

    وبحسب التصور الذي عرضه لقجع، فإن الوضوح يقتضي أن يقول الفاعل السياسي للمواطن، دون مواربة، ما يمكنه القيام به، وأن يعترف كذلك بما لا يستطيع إنجازه، معتبرا أن هذه الثقافة هي التي ينبغي أن تؤسس لعلاقة جديدة بين السياسة والمجتمع.

    وشكر لقجع قيادة حزب الأصالة والمعاصرة ومناضليه على فتح المجال أمامه لممارسة العمل السياسي، مشيرا إلى أن من بين الخصائص التي وجدها داخل الحزب وجود مساحة للنقاش وتبادل وجهات النظر.

    واستحضر لقجع في هذا السياق، أنه لولا اختياره الحضور في هذا اللقاء وممارسة العمل الحزبي لكان، بحكم مسؤولياته الحكومية، في مكتبه منشغلا بالإعداد لمشروع قانون المالية، غير أنه اختار المشاركة في عمل جماعي يرى أنه يتيح له الإسهام من موقع آخر في خدمة البلاد.

    وربط لقجع هذا الاختيار بتصور “المغرب الصاعد” مؤكدا أن بناء المستقبل يحتاج إلى فاعلين قادرين على الاشتغال بشكل جماعي وبإخلاص للوطن، وعلى تقديم مساهمة إيجابية من مواقعهم المختلفة.

    وحذر من اتساع الهوة بين المواطن والفاعل السياسي والمؤسسات، معتبرا أن مواجهة هذا التباعد تقتضي إعادة الاعتبار إلى السياسة نفسها وإلى القيمة الحقيقية للفاعل السياسي، من خلال المصداقية والقرب من المجتمع والعمل الميداني.

    وعلى المستوى التنظيمي، أكد لقجع استعداد مناضلي الحزب للعمل من أجل تحقيق نتائج متقدمة في إنزكان، واضعا هذا الطموح ضمن مسؤولية جماعية تتطلب التعبئة والاشتغال المتواصل، وليس الاكتفاء بخطاب انتخابي ظرفي.

    سوس ماسة.. تعبئة مبكرة ورسائل تتجاوز الانتخابات

    وعكست المداخلات التي شهدها اللقاء توجها لدى قيادة “البام” نحو جعل محطة سوس ماسة جزءا من تعبئة تنظيمية أوسع استعدادا للاستحقاقات المقبلة، مع تركيز واضح على ضرورة تقوية التنظيمات المحلية ومنحها دورا أكبر في التواصل مع المواطنين.

    غير أن الرسالة التي تكررت في كلمات المتدخلين تجاوزت الحساب الانتخابي المباشر نحو سؤال الثقة في العمل السياسي، في ظل تحولات اجتماعية تضع الأحزاب أمام تحدي إعادة بناء علاقتها بفئات واسعة من المواطنين، وفي مقدمتها الشباب.

    وبدا هذا الهاجس حاضرا بشكل خاص في استحضار أحداث الهجرة الأخيرة نحو سبتة، التي قدمها بعض المتدخلين باعتبارها مؤشرا يستدعي من الطبقة السياسية مراجعة أدوات التواصل والإنصات وفهم انتظارات الشباب، بدل الاكتفاء بمقاربات مرتبطة بالمواسم الانتخابية.

    كما كشف النقاش حول انضمام فوزي لقجع عن رغبة قيادات الحزب في تقديم الخطوة باعتبارها جزءا من انفتاح التنظيم على الكفاءات التي راكمت تجربة في مؤسسات الدولة، والرد في الوقت نفسه على الانتقادات التي رافقت التحاقه بالمكتب السياسي.

    وبين رسائل الاستعداد الانتخابي والدعوة إلى استعادة الثقة، وضع لقاء سوس ماسة ثلاث كلمات في قلب خطاب المرحلة المقبلة بالنسبة إلى المتدخلين هي الصدق، “المعقول” والقرب من المواطن، باعتبارها أدوات يريد الحزب أن يؤطر بها حضوره الميداني وخطابه السياسي خلال المرحلة المقبلة.

  • اختراق دبلوماسي جديد للمغرب.. كولومبيا تطوي صفحة “البوليساريو” وتعترف بالسيادة المغربية على الصحراء

    اختراق دبلوماسي جديد للمغرب.. كولومبيا تطوي صفحة “البوليساريو” وتعترف بالسيادة المغربية على الصحراء

    أعلنت كولومبيا اعترافها بسيادة المملكة المغربية على أقاليمها الجنوبية، في تحول جديد في موقف بوغوتا من النزاع، تزامن مع إعلان البلدين رغبتهما في فتح مرحلة جديدة في علاقاتهما الثنائية والاتجاه نحو بناء شراكة استراتيجية تشمل إلى جانب التنسيق السياسي التعاون الاقتصادي بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

    وجرى الإعلان عن الموقف الكولومبي الجديد، أمس الجمعة، خلال مباحثات جمعت وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، بنائب رئيس جمهورية كولومبيا، خوسيه مانويل ريستريبو، بحضور وزير العلاقات الخارجية الكولومبي، عمر بولا إسكوبار.

    وخلال اللقاء، أعلن وزير العلاقات الخارجية الكولومبي بشكل صريح أن بلاده “تعترف بسيادة المغرب على صحرائه”، وهو موقف يؤشر على تغيير في تعاطي بوغوتا مع قضية الصحراء مقارنة بالموقف الذي تبنته خلال المرحلة السابقة.

    ولا يقتصر التحول المعلن على صيغة سياسية جديدة بشأن النزاع، إذ يرتبط أيضا، وفق التصريحات الصادرة عقب المباحثات، بإرادة مشتركة لإعادة ترتيب العلاقات بين الرباط وبوغوتا وفتح مجالات أوسع للتعاون بين البلدين.

    سحب الاعتراف بـ”البوليساريو

    ووصف ناصر بوريطة القرار الكولومبي بـ”التاريخي”، موضحا أنه يجمع بين سحب بوغوتا اعترافها بـ”الجمهورية الصحراوية” المزعومة والاعتراف بسيادة المملكة المغربية على صحرائها.

    وأكد وزير الخارجية أن هذا التحول من شأنه إعطاء “دفعة قوية” للعلاقات المغربية الكولومبية، في وقت يتجه فيه البلدان، بحسب ما أعلن عنه خلال اللقاء، إلى تجاوز مستوى العلاقات التقليدية نحو بناء شراكة أوسع.

    ويمثل سحب الاعتراف بـ”الجمهورية الصحراوية” المزعومة جزءا أساسيا من التحول الذي أعلنت عنه كولومبيا، بالنظر إلى أن موقف بوغوتا من هذا الكيان شكل خلال السنوات الماضية أحد الملفات المؤثرة في علاقاتها مع الرباط.

    ويأتي الموقف الجديد ليعيد رسم الإطار السياسي الذي ستتحرك داخله العلاقات الثنائية خلال المرحلة المقبلة، خصوصا بعد اقترانه باعتراف صريح من الحكومة الكولومبية بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.

    بداية جديدة” بين الرباط وبوغوتا

    التحول لم يقتصر على ملف الصحراء. فقد اعتبر نائب الرئيس الكولومبي، خوسيه مانويل ريستريبو، أن الإعلان يمثل “بداية جديدة” في العلاقات بين البلدين، في تعبير يعكس رغبة بوغوتا في إحداث تحول أوسع في مستوى التعاون مع الرباط.

    وذهب المسؤول الكولومبي أبعد من ذلك، حين وصف المغرب بأنه “الحليف الأول لكولومبيا في إفريقيا”، معلنا رغبة بلاده في إقامة شراكة استراتيجية مع المملكة.

    وتضع هذه التصريحات العلاقات المغربية الكولومبية أمام مرحلة مختلفة، تقوم، وفق ما أعلنه مسؤولو البلدين، على توسيع التعاون وعدم حصره في الجانب السياسي والدبلوماسي.

    ويكتسب هذا التوجه أهمية بالنظر إلى الموقع الذي يحتله البلدان داخل محيطيهما الإقليميين، إذ ينظر الطرفان إلى المغرب وكولومبيا باعتبارهما بوابتين محتملتين لتعزيز المبادلات الاقتصادية والاستثمارات بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

    المغرب وكولومبيا.. منصتان اقتصاديتان بين قارتين

    البعد الاقتصادي حضر بدوره في المباحثات، إذ أكد بوريطة أن المغرب وكولومبيا قادران على التحول إلى منصتين اقتصاديتين متبادلتين، بالاستفادة من الموقع الذي يحتله كل بلد داخل محيطه الجغرافي.

    ويقوم هذا التصور على إمكانية استفادة كولومبيا من موقع المغرب وعلاقاته وشبكة حضوره داخل القارة الإفريقية، مقابل استفادة المملكة من الموقع الكولومبي داخل أمريكا اللاتينية.

    ويشير هذا الطرح إلى أن إعادة بناء العلاقات بين البلدين يراد لها أن تتجاوز التفاهم السياسي بشأن قضية الصحراء، نحو تعاون اقتصادي يمكن أن يربط الفضاءين الإفريقي والأمريكي اللاتيني.

    ويتيح الموقع الجغرافي للمغرب، إلى جانب علاقاته الاقتصادية مع عدد من البلدان الإفريقية، إمكانية تطوير تعاون ثلاثي أو متعدد الأطراف، فيما تمثل كولومبيا سوقا مهمة في أمريكا اللاتينية يمكن أن تفتح بدورها مجالات إضافية أمام المبادلات والشراكات.

    غير أن طبيعة المشاريع والقطاعات التي يمكن أن تشملها الشراكة الاستراتيجية الجديدة لم تحدد، وفق المعطيات الواردة في الإعلان، ما يجعل تفاصيل ترجمة هذا التقارب إلى اتفاقيات ومشاريع عملية مرتبطة بالمباحثات والخطوات التي سيتخذها البلدان لاحقا.

    رسالة سياسية من كالي

    وجاء إعلان التحول الكولومبي بالتزامن مع وجود ناصر بوريطة في مدينة كالي، حيث يمثل الملك محمد السادس في حفل تنصيب الرئيس الكولومبي الجديد أبيلاردو دي لا إسبرييلا.

    وأكد بوريطة أن مشاركته في الحفل جاءت بتعليمات سامية جدا من الملك محمد السادس، مشيرا إلى أن هذا الحضور يعكس إرادة المملكة في مواكبة الدينامية الجديدة التي تشهدها العلاقات بين البلدين.

    وأوضح وزير الخارجية أن المغرب يتطلع إلى الارتقاء بهذه العلاقات إلى مستوى أعلى، وهو ما يربط الموقف السياسي الجديد لبوغوتا بمسار أوسع لإعادة إطلاق التعاون المغربي الكولومبي.

    وتكتسي المشاركة المغربية في مراسم تنصيب الرئيس الجديد بعدا دبلوماسيا إضافيا بالنظر إلى توقيتها، إذ تتزامن مع إعلان كولومبيا تغيير موقفها من قضية الصحراء وإعلان مسؤوليها رغبتهم في بناء شراكة استراتيجية مع المملكة.

    تحول في الموقف الكولومبي

    ويعيد الإعلان الجديد ملف العلاقات المغربية الكولومبية إلى الواجهة، بعدما عرف موقف بوغوتا من قضية الصحراء تغيرات خلال السنوات الماضية.

    ويمثل الاعتراف المعلن بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، مقرونا بسحب الاعتراف بـ”الجمهورية الصحراوية” المزعومة، جوهر التحول الذي أعلن عنه المسؤولون الكولومبيون خلال مباحثاتهم مع بوريطة.

    كما أن الصيغة التي اختارتها بوغوتا للإعلان عن موقفها تتجاوز التعبير عن دعم حل سياسي للنزاع، وفق النص المعلن، إلى التأكيد بشكل مباشر على الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء.

    وبالتوازي مع ذلك، حرص الجانب الكولومبي على ربط الموقف الجديد بمستقبل العلاقات الثنائية، من خلال الحديث عن “بداية جديدة”، ووصف المغرب بأنه “الحليف الأول لكولومبيا في إفريقيا”، فضلا عن إعلان الرغبة في بناء شراكة استراتيجية بين البلدين.

    وبذلك، يفتح القرار الكولومبي مسارين متوازيين في العلاقات مع الرباط: الأول سياسي يرتبط بالموقف من قضية الصحراء، والثاني ثنائي يرمي إلى توسيع التعاون الدبلوماسي والاقتصادي واستثمار موقع البلدين لبناء جسور أكبر بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

    وستتوقف الأبعاد العملية لهذا التحول على الخطوات التي ستتخذها بوغوتا والرباط خلال المرحلة المقبلة، سواء من خلال الاتفاقيات الثنائية أو المبادلات الاقتصادية والاستثمارات وآليات التعاون التي يمكن أن تترجم إعلان “الشراكة الاستراتيجية” إلى مشاريع ملموسة.

  • مليون عضو و1400 منشور يوميا.. “مجلس بوعياش” يُفكِّك مسار التضليل والتعبئة لأحداث سبتة

    مليون عضو و1400 منشور يوميا.. “مجلس بوعياش” يُفكِّك مسار التضليل والتعبئة لأحداث سبتة

    كشف تقرير للمجلس الوطني لحقوق الإنسان حول أحداث العبور الأخيرة نحو سبتة أن الفضاء الرقمي لعب دورا محوريا في مختلف مراحل التحضير لمحاولات العبور الجماعي، من التعبئة والتنسيق وتبادل الإرشادات، وصولا إلى عرض معدات السباحة، وسط رصد مؤشرات على نشاط وسطاء أو شبكات قد تكون مرتبطة بالاتجار بالبشر، إلى جانب حضور حسابات وأرقام هاتفية أجنبية داخل مجموعات مغربية.

    وكشف المجلس، في تقرير عن أحداث 30 و31 يوليوز بسبة ومليلية، بأن محاولات العبور تواترت منذ 14 يوليوز، قبل أن تبلغ أوجها يوم 30 من الشهر نفسه، مؤكدا أن المنصات الرقمية أدت دورا “حاسما” في مختلف مراحل التحضير للعبور وما بعده نحو سبتة، وبدرجة أقل نحو مليلية.

    حكم إسباني يثير الفوضى

    يرسم التقرير تسلسلا زمنيا بين صدور قرار المحكمة العليا الإسبانية رقم 814/2026، في 8 يوليوز، وبين تصاعد المضامين الرقمية ومحاولات العبور خلال الأسابيع الثلاثة التي تلته.

    فالقرار، وفق ما أورده المجلس، قضى بأنه في حالة اعتراض مهاجرين في البحر لا يجوز إخضاعهم لنظام “الإرجاع الفوري” على الحدود، وإنما يتعين إخضاعهم لإجراء الإرجاع المنصوص عليه في قانون الأجانب.

    في اليوم نفسه، 8 يوليوز، رصد المجلس ما وصفه بأول محتوى مضلل على صفحة “فيسبوكية” متخصصة في محتويات الهجرة وإسبانيا والمغاربة المقيمين بها، يتجاوز عدد متابعيها 90 ألف شخص.

    وزعمت التدوينة أن “المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر عند العبور إلى سبتة أو مليلية عن طريق السباحة لا يمكن إرجاعهم”، وقدمت هذه الخلاصة باعتبارها منقولة عن “وفد حكومي إسباني”، وسجل المجلس أن المنشور حظي بتفاعل كبير.

    بعد خمسة أيام فقط، في 13 يوليوز، رصد المجلس محتوى عن “منع المحكمة العليا الإسبانية للإعادة الفورية للمهاجرين”، داخل مجموعة كان عدد أعضائها، قبل حذفها، يتجاوز 124 ألف شخص، وكانت تنشر بمعدل يصل إلى 231 تدوينة في اليوم.

    ورصد “مجلس بوعياش” أن حسابات ومجموعات بالفضاء الرقمي استخدمت “التضليل والترويج والتنسيق والإرشاد والتعبئة” من أجل تقديم رسالة أكثر تبسيطا وإغراء مفادها أن الوصول عن طريق البحر يعني عدم إمكانية الإرجاع.

    من التضليل إلى محاولات العبور

    وتكشف الكرونولوجيا التي قدمها تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان أن تصاعد المحتوى الرقمي تزامن مع ارتفاع وتيرة محاولات العبور.

    ففي 14 يوليوز، أوقفت السلطات المغربية محاولة هجرة لـ20 شخصا عبر الناظور، وفي 15 يوليوز أوقفت البحرية الملكية محاولة جماعية لنحو 50 شخصا في اتجاه سبتة انطلاقا من الفنيدق.

    واستمرت المحاولات في 17 يوليوز، إذ جرى توقيف محاولة تسلل جماعي لعشرات الأشخاص سباحة نحو سبتة، قبل تسجيل محاولة شملت نحو 200 شخص في 19 يوليوز عبر منطقتي تارخال وبليونش.

    وبين 15 و27 يوليوز، يفيد التقرير أنه تم تسجيل 1500 حالة هجرة إلى سبتة شملت بالغين وقاصرين.

    غير أن يوم 28 يوليوز شكل، وفق معطيات المجلس، محطة أخرى في تصاعد التعبئة الرقمية، بعدما وصلت شابة منحدرة من مدينة العرائش إلى سبتة سباحة، مسجلا أنه “ورغم أن عدد العابرين في ذلك اليوم تجاوز 100 شخص، فإن صورة الشابة وصديقتها وهما ترفعان شارة النصر بعد الوصول انتشرت على نطاق واسع”.

    وبحسب المجلس، تحولت الصورة إلى مادة لـ”الترويج والتضليل”، اعتمادا على “تأويل غير دقيق أو مغرض” لمنطوق حكم المحكمة العليا الإسبانية، الأمر الذي أنشأ سردية رقمية توحي بأن العبور ممكن وأن فرص الإرجاع شبه منعدمة.

    وفي 29 يوليوز، رصد المجلس انتشار أخبار ومضامين داخل الفضاءات الرقمية، ليلتي الأربعاء والخميس، تزعم أن “الحدود مفتوحة”، لتبدأ، بين 29 و30 يوليوز، أعداد كبيرة من الشباب والقاصرين والعائلات تتوافد على الفنيدق.

    وخلال عمليات التقصي الميداني، أفادت مجموعات مختلفة من الشباب لفرق مجلس حقوق الإنسان بأنها تلقت رسائل عبر تطبيق “واتساب” تدعوها إلى التوجه نحو بوابة العبور بعد منتصف الليل، بهدف المرور الجماعي إلى سبتة.

    23 مجموعة وأكثر من مليون عضو

    واطلع فريق الرصد المركزي لمجلس حقوق الإنسان على منشورات 23 مجموعة على “فيسبوك”، بلغ مجموع أعضائها أكثر من مليون و86 ألف عضو، وكانت تنتج، مجتمعة، أكثر من 1400 تدوينة يوميا في المتوسط.

    وفي 30 يوليوز وحده، جرى حذف خمس مجموعات رئيسية من بين المجموعات التي كان “مجلس بوعياش” يتابعها.

    ولم يقتصر الرصد على “فيسبوك”، فقد تابع المجلس وفق تقريره الفيديوهات والشهادات والمضامين المرتبطة بالعبور وما أعقبها على “إكس” و”إنستغرام” و”تيك توك”، فضلا عن مجموعات مغلقة أو شبه مغلقة على “واتساب” و”تلغرام”.

    وخلص التقرير إلى أن المجموعات الرقمية تحولت إلى فضاءات لتوفير سلسلة متكاملة من المعلومات والخدمات المرتبطة بالعبور، وجرى فيها عرض وبيع واقتناء معدات السباحة وسترات النجاة وملابس الرياضات البحرية وزعانف السباحة، وتقديم إرشادات عملية بشأن كيفية الاستعداد للعبور، فضلا عن تحديد نقاط الالتقاء داخل المدن والتعبئة من أجل التحرك الجماعي.

    كما تداول أعضاء هذه المجموعات معلومات ميدانية عن الوضع على الأرض، وطلبات واستفسارات عن كيفية التنقل بعد الوصول إلى طنجة، والطرق المؤدية إلى سبتة، إلى جانب تقاسم روابط الالتحاق بمجموعات “واتساب” و”تلغرام” لمواصلة التنسيق بعيدا عن الفضاءات المفتوحة.

    أياد خفية.. وسطاء وحسابات أجنبية

    ومن أبرز خلاصات الرصد الرقمي التي قدمها المجلس الوطني لحقوق الإنسان، تسجيل منشورت تحمل مؤشرات على نشاط وسطاء أو شبكات “قد تكون مرتبطة بالاتجار بالبشر”، تعرض خدمات لتنظيم أو تسهيل رحلات العبور.

    ولفت المجلس أيضا إلى أنه جرى تداول معلومات حول أماكن المراقبة والمسالك والتوقيت الأنسب للعبور، إلى جانب تجارب سابقة ومنشورات تظهر تمكن أشخاص من الوصول إلى سبتة.

    وسجل المجلس وجود حسابات أجنبية داخل مجموعات مغربية، قال إنها تنشر أخبارا زائفة ومضامين تشجع على العبور وتقدم إرشادات لتسهيله.

    وفي إحدى الحالات التي وثقها، عمدت مجموعة على “واتساب”، كانت تتداول طرق وإرشادات الوصول إلى سبتة، إلى حذف جميع الأرقام الهاتفية التي تحمل الرمز الدولي لدولة أجنبية، بينما رصد المجلس في مجموعة أخرى أكثر من 18 رقما هاتفيا تعود إلى الدولة الأجنبية نفسها.

    وربط “مجلس بوعياش” هذه المعطيات بما سبق أن أورده في تقريره السنوي عن حالة حقوق الإنسان برسم سنة 2024، حين نبه إلى انتشار صفحات وحسابات ومجموعات رقمية تنشر إعلانات صريحة لتقديم “خدمات” غير مشروعة لتنظيم وتنشيط عمليات العبور غير النظامي باستعمال وسائل بحرية مقابل مبالغ مالية.

    وأشار التقرير، في السياق نفسه، إلى استغلال قرار للمحكمة العليا الإسبانية في مضامين رقمية استخدمت، بحسب المجلس، في التضليل والترويج والتنسيق والإرشاد والتعبئة، مع رصد حسابات وأرقام هاتفية ومضامين لصناع محتوى من خارج المغرب داخل مجموعات مغربية.

    أجراءات رادعة وفوضى بالشارع

    بلغت محاولات العبور ذروتها يومي 30 و31 يوليوز، إذ عبر آلاف المواطنين المغاربة والأجانب من بينهم نساء وأطفال صغار ويافعون، نحو سبتة، في 30 يوليوز، فيما أدى تدخل السلطات لمنع مجموعات أخرى من مواصلة العبور إلى مواجهات عنيفة.

    وفي اليوم نفسه، أشار المجلس إلى أن القوات العمومية تدخلت لمنع محاولات للعبور نحو مليلية في محيط بني أنصار وفرخانة والمسالك القريبة من السياج والساحل، موثقا رشق مركبات بالحجارة وإضرام النار في أخرى وإلحاق أضرار بممتلكات عامة وخاصة.

    وبموازاة ذلك، سجل المجلس بين 29 و31 يوليوز إجراءات لـ”تقييد” تنقل أشخاص كانوا متوجهين نحو مدن الشمال، شملت توقيف رحلات أو منع مواصلة التنقل بمحطات طرقية ومحطات قطار في مدن من بينها الدار البيضاء والمحمدية والجديدة والقنيطرة وفاس ووجدة وإنزكان ومراكش والقصر الكبير.

    وفي خلاصاته، اعتبر المجلس أن محاولات العبور، رغم تسجيلها في وقت سابق، اكتسبت “زخما وتعبئة منقطعة النظير” بعد نشر قرار المحكمة العليا الإسبانية وتأويله على شبكات التواصل الاجتماعي.

    اعتداء فرد القوات العمومية

    وفي ما يتعلق بالتعامل الميداني مع الأحداث، استمعت اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة إلى شخص ظهرت حالته بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، في واقعة أظهرت تهديدا لسلامته الجسدية من طرف أحد أفراد القوات العمومية.

    وأعلن المجلس أنه سيضع تقرير الاستماع لدى النيابة العامة من أجل إعمال القانون.

    وفي المقابل، خلصت معاينته وشهادة الشخص المعني، حسب التقرير، إلى أن إحدى الصور المتداولة للواقعة جرى تعديلها وإعادة تشكيلها باستخدام الذكاء الاصطناعي، كما رُوجت صورة أخرى باعتبارها توثق إصابات تعرض لها الشخص نفسه، في حين أكد المجلس أنها لا علاقة لها بسياق الواقعة.

    أرقام متضاربة وحصيلة المغرب ترتفع إلى 14 وفاة

    ورصد المجلس الوطني لحقوق الإنسان تضاربا في الأرقام الرسمية المتعلقة بحجم العبور وحصيلة الوفيات، إذ أعلن المغرب في 2 غشت الجاري عبور 40 ألف شخص إلى سبتة و1135 في اتجاه مليلية، مع تسجيل 11 وفاة في تلك المرحلة.

    في المقابل، نقل المجلس عن سلطات سبتة أرقاما متغيرة بدأت بـ50 ألف عابر ثم 60 ألفا قبل أن تصل التقديرات الإسبانية إلى 72 ألف شخص، فضلا عن إعلان وفاة 80 شخصا.

    وإلى حدود 6 غشت، ارتفعت الحصيلة التي يستند إليها مجلس حقوق الإنسان وفق المعطيات المغربية إلى 14 وفاة، فيما لا تزال جثامين بمستودع الأموات في انتظار استكمال إجراءات التعرف عليها وتسليمها إلى أسرها.

    وبهذا الصدد، ودعا المجلس إلى إحداث بنية مشتركة ومسؤولة للتدقيق في أعداد الوفيات، والتعرف على الضحايا وضمان إعادة جثامينهم إلى ذويهم في شروط تحفظ الكرامة الإنسانية.

    وسجل، إلى حدود التاريخ نفسه، 136 إصابة طفيفة في صفوف المدنيين وإحالة 13 مصابا إلى مؤسسات استشفائية، مقابل تقديم استشارات وعلاجات طبية لـ87 عنصرا من عناصر القوات العمومية المغربية.

    وبلغ عدد الموقوفين على خلفية أحداث سبتة نحو 100 شخص، بينهم 11 حدثا، ويتابع 69 شخصا في حالة اعتقال و14 في حالة سراح، بينما أودع ستة أحداث بمراكز للرعاية الاجتماعية وسّم خمسة إلى أولياء أمورهم، وحُفظت ملفات ستة أشخاص لانعدام الفعل الجرمي.

    من التضليل إلى مخاطر الاستغلال السياسي والعنصري

    في 01 غشت، رصد مجلس حقوق الإنسان وصول أفراد ينتمون إلى مجموعة تطلق على نفسها “النواة الوطنية” في إسبانيا، ويصنفهم التقرير ضمن “النازيين الجدد”، بعدما كانت المجموعة قد عممت في 31 يوليوز بلاغا للتعبئة من أجل “الدفاع” عن سبتة في مواجهة ما وصفته بـ”الغزو”.

    ويقول المجلس إن تسجيلات مصورة وثقت استفزازات وتهديدات ومطاردات واعتداءات استهدفت وافدين وسكانا في سبتة، خاصة المسلمين، محذرا في خلاصاته من الاستغلال السياسي للعبور الجماعي ومن تنامي الخطاب المعادي للهجرة والتحريض على الكراهية والعنصرية تجاه الأجانب.

    ووثق المجلس شهادات عائدين تتضمن ادعاءات متطابقة بشأن تعرضهم لسوء المعاملة والاعتداء على أيدي قوات عمومية إسبانية، إضافة إلى آثار ضرب وندوب عاينتها فرق الرصد، مسجلا أيضا مخاوف تتعلق باستخدام القوة من طرف السلطات المغربية أثناء عمليات منع العبور، ولا سيما من زاوية مبدأي الضرورة والتناسب.

    وفي سبتة، سجل التقرير كذلك حرمان أعداد كبيرة من العابرين، بينهم أطفال ونساء وأشخاص في أوضاع هشاشة، من الماء والغذاء نتيجة إغلاق المتاجر والمقاهي والمطاعم، فضلا عن مخاوف تتعلق بعمليات الإرجاع والوصول إلى إجراءات اللجوء والحماية من الاعتداءات العنصرية.

    انتقادات للتغطية الإعلامية

    ولم يقتصر رصد المجلس على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ سجل أيضا حالات تضليل إعلامي على قنوات فضائية بثت محتويات عن حالات “عبور” دون التحقق منها، قبل أن تسحبها لاحقا من دون تقديم توضيح أو اعتذار.

    كما رصد ما وصفه بتهافت إعلامي ورقمي على تقديم فرضيات وتأويلات متسرعة ومطلقة مباشرة بعد الأحداث، إلى جانب حالات في المشهد الصحفي والإعلامي الوطني جرى فيها نقل تصريحات دون اتخاذ الاحتياطات التي تفرضها أخلاقيات النشر والمعايير الحقوقية والدولية الفضلى.

    وشدد التقرير، في هذا السياق، على ضرورة مراعاة حماية كرامة الأشخاص، مع إيلاء عناية خاصة لحقوق الأطفال ومصلحتهم الفضلى، في ظل ما كشفته أحداث سبتة من تداخل متزايد بين التحركات على الأرض والتعبئة في الفضاء الرقمي، وما يصاحب ذلك من مخاطر التضليل والاستغلال والاتجار بالبشر.

    “مجتمعات رقمية” ودوافع جديدة للهجرة

    واستنادا إلى الشهادات التي جمعها، يرى المجلس أنه لا يمكن اختزال محاولات العبور الجماعي للشباب والقاصرين في المقاربة التقليدية التي تفسر الهجرة حصرا بالفقر أو الهشاشة.

    ويطرح، في المقابل، ضرورة فهم التحولات العميقة في “تطلعات” الشباب، والنظر أيضا إلى الهجرة باعتبارها قرارا شخصيا لدى المعني بها، في سياق ما يصفه بـ”مجتمعات رقمية” رافضة، في الأصل، لمنطق الحدود والحواجز.

    وفي حالة سبتة، يرسم تقرير مجلس حقوق الإنسان مسارا بدأ في 8 يوليوز بتأويل مضلل لحكم قضائي، ومر بصورة انتصار انتشرت على نطاق واسع، ثم بأخبار تقول إن “الحدود مفتوحة”، وانتهى برسائل “واتساب” تحدد موعد التوجه بعد منتصف الليل وبتدفق جماعي نحو نقاط العبور.

    وهو تسلسل يجعل التضليل الرقمي، في قراءة المجلس، أبعد من مجرد أخبار زائفة عابرة، إذ أصبح أحد العوامل المؤثرة في التعبئة واتخاذ القرار والتنظيم الميداني، في حدث انتهى إلى وفيات وإصابات وعنف واعتقالات ومس خطير بحقوق الأطفال والمهاجرين والحق في السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية.

  • بعد أزمة سبتة.. شبيبة “البام” تفتح “المايك” أمام الشباب في أول تحرك لفهم دوافع الهجرة

    بعد أزمة سبتة.. شبيبة “البام” تفتح “المايك” أمام الشباب في أول تحرك لفهم دوافع الهجرة

    شهدت الأسابيع الأخيرة عودة ملف الهجرة غير النظامية إلى واجهة النقاش العمومي، بعد الأحداث التي عرفتها نقط العبور نحو باب سبتة ومعبر بني أنصار، والتي أعادت طرح أسئلة قديمة ومتجددة حول الأسباب التي تدفع عددا من الشباب إلى المجازفة بحياتهم أملا في الوصول إلى الضفة الأخرى.

    محاولات الهجرة إلى سبتة المحتلة أبرزت، من خلال القراءات الأمنية والتفسيرات السياسية، الحاجة إلى الإنصات المباشر لأصوات الشباب وفهم واقعهم الاجتماعي والاقتصادي، بعيدا عن الأحكام الجاهزة.

    وامتد نقاش الظاهرة إلى قضايا أوسع تتعلق بقطاعات مختلفة، التعليم والتكوين والشغل، إضافة إلىوتراجع الإحساس بفرص الاندماج، واتساع الفجوة بين تطلعات الشباب وما يواجهونه من تحديات يومية.

    لذلك، يجمع عدد من الباحثين أن معالجة هذه الظواهر لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية، بل تقتضي أيضا فتح فضاءات للحوار والإنصات، وإشراك الشباب في صياغة الحلول التي تمس حاضرهم ومستقبلهم.

    وفي هذا السياق، نظمت منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، أول أمس الثلاثاء، لقاء حواريا مفتوحا في إطار مبادرة “PAM YOUTH OPEN MIC”، تحت شعار “نرجعو الثقة” (Get the Trust Back)، وذلك في أعقاب الأحداث التي شهدها باب سبتة ومعبر بني نصار، بهدف فتح نقاش مباشر حول الظواهر الاجتماعية المهددة لمستقبل الشباب، والاستماع إلى آرائهم وتصوراتهم بشأن القضايا التي تشغلهم. 

    وشهد اللقاء حضورا لافتا لشباب من خلفيات مختلفة، إلى جانب باحثين وفاعلين، حيث تحول إلى فضاء للنقاش الحر حول الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تقف وراء تنامي مشاعر الإحباط، وتدفع بعض الشباب إلى التفكير في الهجرة غير النظامية.

    عبقري: الاستماع مدخل لفهم حقيقي للمشكلات

    وأكد رئيس منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، صلاح الدين عبقري، أن المبادرة جاءت انطلاقا من ملاحظة وجود شعور بالإحباط وفقدان الثقة لدى جزء من الشباب، نتيجة تراكم عدد من العوامل والظواهر الاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر في حاضرهم ومستقبلهم.

    وأوضح عبقري أن الهدف من هذا الفضاء الحواري لا يتمثل في تقديم أجوبة جاهزة، وإنما في الاستماع إلى الشباب، إلى جانب باحثين ومختصين، من أجل تحليل هذه الظواهر وفهم أسبابها الحقيقية، قبل التفكير في سبل معالجتها.

    وأضاف أن مبادرة “نرجعو الثقة” تنطلق من قناعة بأن الحوار والإنصات يشكلان الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة، موجها شكره إلى جميع الشباب الذين لبوا الدعوة وشاركوا في هذا النقاش.

    ودعا عبقري الحاضرين إلى التعبير عن آرائهم بكل شفافية ووضوح، معتبرا أن اختلاف التجارب ووجهات النظر يمثل مدخلا أساسيا لفهم واقع الشباب وصياغة حلول أكثر ارتباطا بتطلعاتهم.

    وفي معرض حديثه عن التحولات التي يعرفها المجتمع، أشار المتحدث إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تضطلع بدور متزايد في التأثير على وعي الشباب وتوجيه سلوكهم، بعدما تحولت لدى كثير منهم إلى مصدر رئيسي لتشكيل القناعات والمواقف.

    واعتبر أن هذا الواقع أفرز، في بعض الأحيان، سلوكيات لا تنسجم مع قيم المجتمع، في ظل تراجع أدوار مؤسسات التنشئة، وعلى رأسها الأسرة، إلى جانب الحاجة إلى مناهج تعليمية أكثر قدرة على مواكبة التحولات الاجتماعية وتعزيز قيم المواطنة والتفكير النقدي لدى الأجيال الصاعدة.

    السياسة أمام المرآة

    ولم يقتصر اللقاء على كلمات الخبراء  وأعضاء المكتب التنفيدي لمنظمة شباب “البام”، بل منح الكلمة للشباب أنفسهم لعرض تجاربهم وانشغالاتهم.

    وفي هذا السياق، اعتبر أحد المشاركين الشباب أن فقدان الثقة يرتبط، في جانب منه، بتراكم الوعود التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ، وهو ما انعكس على نظرتهم إلى العمل العام وإمكانية تحقيق التغيير.

    وأضاف، بصفته فنانا، أنه يسعى إلى توظيف الموسيقى للتعبير عن معاناته الشخصية ومعاناة الشباب الذين يعيش بينهم، معتبرا أن الفن ينبغي أن يكون وسيلة لنقل الواقع وطرح القضايا التي تشغل الشباب، بما يتيح لهم إيصال أصواتهم والتعبير عن همومهم وتطلعاتهم.

    من جانب آخر، تقاسم عدد من الشباب الذين سبق لهم خوض تجربة محاولة الهجرة غير النظامية تفاصيل ما عاشوه قبل اتخاذ قرار المغادرة، مستحضرين الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي دفعتهم إلى التفكير في الهجرة باعتبارها مخرجا من واقع صعب.

    وتحدث بعضهم عن الضغوط المعيشية، والشعور بانسداد الأفق، وقلة فرص الشغل، مؤكدين أن هذه العوامل رسخت لديهم فكرة الهجرة، قبل أن يصطدموا بحقيقة المخاطر التي ترافقها أثناء محاولات العبور.

    إعادة بناء جسور الثقة ضرورة ملحة

    ولم يتوقف اللقاء عند حدود عرض الشهادات، بل تحول إلى فضاء للنقاش المفتوح بين الشباب وأعضاء منظمة شباب “البام” والخبراء، حيث تفاعلت مختلف المداخلات مع الأسئلة والملاحظات المطروحة.

    وتناول النقاش قضايا متعددة، من الهجرة غير النظامية والبطالة، إلى دور المدرسة والأسرة، وتأثير مواقع التواصل الاجتماعي، وسبل استعادة الثقة في المؤسسات، في أجواء اتسمت بالصراحة وتبادل الآراء.

    وامتد هذا الحوار لأكثر من خمس ساعات، أتيحت خلالها الفرصة لكل المشاركين للتعبير عن وجهات نظرهم ومناقشة تجاربهم الشخصية، دون قيود أو أحكام مسبقة، فيما حرص المتدخلون على التفاعل مع مختلف المداخلات والإجابة عن تساؤلات الشباب، مؤكدين أن الإنصات والحوار الصريح يمثلان مدخلا أساسيا لفهم الإشكالات التي تواجه الشباب، وتحويلها إلى مقترحات يمكن أن تسهم في بلورة سياسات عمومية أكثر قربا من واقعهم وتطلعاتهم.

    واختُتم اللقاء بالتأكيد على شعار “نرجعو الثقة” (Get the Trust Back)، باعتباره دعوة إلى إعادة بناء جسور الثقة بين الشباب والعمل السياسي، من خلال الإنصات الجاد لانشغالاتهم، وفتح فضاءات دائمة للحوار، وتوفير فرص حقيقية للإدماج الاقتصادي والاجتماعي وتعزيز التنمية المحلية. كما شدد المشاركون على أن استمرار مثل هذه المبادرات من شأنه أن يتيح نقل صوت الشباب وتطلعاتهم إلى مراكز القرار، بما يسهم في بلورة سياسات عمومية أكثر استجابة لواقعهم وأكثر قدرة على استعادة ثقتهم في المستقبل.

    ويشار إلى أن مبادرة “PAM YOUTH OPEN MIC” تأتي تفعيلا لإعلان منظمة شباب “البام”، في 31 يوليوز، عن نيتها فتح نقاش رصين مع مختصين وأكاديميين وممارسين، في أفق إعداد قراءة سياسية دقيقة واقتراح إجراءات عملية وواقعية، تسهم في فهم الظواهر التي تسببت في الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة والحد من أسبابها وتداعياتها، بعيدا عن الأحكام الجاهزة ودون إقصاء لأي سؤال مشروع.

  • المغرب ردا على ادعاءات عدم التعاون لإعادة القاصرين: عالجوا عراقيلكم قبل اتهامنا

    المغرب ردا على ادعاءات عدم التعاون لإعادة القاصرين: عالجوا عراقيلكم قبل اتهامنا


    لم يترك المغرب الاتهامات الموجهة إليه بشأن ملف القاصرين غير المرفوقين المتسللين إلى سبتة المحتلة تمر من دون رد، إذ دعا شركاءه الإسبان والأوروبيين إلى معالجة جوهر المشكلة، أي العراقيل الإدارية والقضائية التي تحول دون تنفيذ عمليات الإعادة.

    وأكد مصدر دبلوماسي في تصريح لوكالة الأنباء المغربية “لاماب” أن المملكة المغربية “لا يمكنها بأي حال من الأحوال قبول استخدام هذه الذريعة كورقة ضغط سياسي للقول بأنها ترفض التعاون أو لا تولي اهتماما لهذه القضية”.

    وأشار إلى أنه “إذا كان الشركاء يرغبون في العمل من أجل تيسير هذه الإعادة، فيتعين عليهم القيام بعمل داخلي ليتمكنوا من تجاوز العراقيل التي تفرضها تشريعاتهم وسلطاتهم الإدارية والقضائية أمام هذه العملية”.

    وشدد المصدر الدبلوماسي على أن “المغرب انخرط، وفقا للتعليمات الملكية السامية إلى وزارتي الداخلية والشؤون الخارجية، في العمل على تحديد هوية القاصرين غير المرفوقين بهدف إعادتهم إلى الوطن”.

    وفي هذا الإطار، أكد أن المملكة المغربية مستعدة للتنسيق مع شركائها الإسبان والأوروبيين من أجل إعادة القاصرين غير المرفوقين.

    وأعرب المصدر ذاته عن الأسف لكونه “في كل مرة يتجدد فيها النقاش حول الهجرة، تتهم أصوات المغرب بعدم التعاون أو عدم الرغبة في إعادة هؤلاء القاصرين غير المرفوقين، كما هو الحال تماما بالنسبة لهذه الحالة في إسبانيا”.

    وأوضح أن “بعض الفاعلين السياسيين يوظفون هذه القضية لأغراض انتخابية، فيما الواقع مغاير لذلك، ولا يمت بصلة إلى هذه التلميحات”.

    وحسب المصدر الدبلوماسي، فإن هذه الادعاءات “زائفة ولا أساس لها من الصحة”، مضيفا أن “المغرب يفي دائما بالتزاماته، والمشكل يكمن كل مرة في العراقيل ذات الطابع الإداري والقضائي التي تعيق أي عملية إعادة”.

    ويوم الإثنين الماضي، رد المغرب بلغة شديدة اللهجة على جيرانه الأوروبيين على خلفية أحداث سبتة الأخيرة، مشددا على أننا “لسنا شرطيا ولا حارسا لأوروبا؛ بل نحن شريك ذو سيادة ولسنا مناولا” في مجال تدبير ملف الهجرة، متسائلا عما إذا كان نموذج التدبير الحالي ما يزال مجديا ومناسبا للسياق الجديد.

    أكد مصدر حكومي، اليوم الاثنين بالرباط، أن المملكة المغربية ظلت شريكا “ذا سيادة ومخلصا ومسؤولا” في إطار محاربة الهجرة غير النظامية، مشددا على أن تدبير ملف الهجرة يمثل “مسؤولية مشتركة” طالما “تحمل المغرب نصيبه منها”.

    وأبرز المصدر ذاته أن “المغرب لم يخضع يوما للضغط، ولم يتحرك قط بدافع الإكراه أو تحت وطأة الابتزاز”، مؤكدا أن “الالتزام والمسؤولية كانا دوما الدافع الأساسي لعملنا”.

    وأشار، في هذا السياق، إلى أن الهجرة تشكل “ظاهرة معقدة تقتضي من كل طرف تحمل مسؤولياته”، مضيفا “نحن نتحمل مسؤولياتنا كاملة”.

    وتابع المصدر الحكومي أن هذا الالتزام يتجلى في “نتائج ملموسة للجميع، حتى وإن كان البعض يتعامل معها كبديهيات دون إدراك حجم الإنجاز الذي تمثله”.

    وفي هذا الصدد، حرص على التذكير بحقيقة غالبا ما يتم تناسيها “إذا كانت الواجهة الغربية للبحر الأبيض المتوسط هي الأقل إشكالية بالنسبة لأوروبا منذ سنوات، فليس لأنها غير مستهدفة من طرف شبكات الاتجار بالبشر، بل لأن المغرب عبأ بفاعلية وسائل ضخمة – وما يزال يواصل ذلك إلى اليوم”.

    وشدد المصدر ذاته على أنه تمت تعبئة إمكانيات بشرية وتقنية ومالية مهمة لهذه الغاية، مسجلا أن التعاون بين المغرب والحكومة الإسبانية يعتبر “نموذجيا”.

    واستنادا إلى الأرقام، أفاد المصدر بأنه تم إحباط 74 ألف محاولة للهجرة غير النظامية خلال سنة 2025، و79 ألف محاولة سنة 2024، أي نحو 160 ألف محاولة خلال سنتين، موضحا أنه تم أيضا تفكيك 632 شبكة للهجرة غير النظامية خلال سنتي 2024 و2025، وتنفيذ أزيد من 32 ألف عملية إنقاذ في عرض البحر بنجاح خلال الفترة نفسها، مع الإشارة إلى إحباط أكثر من 360 ألف محاولة للهجرة غير النظامية خلال السنوات الخمس الماضية.

    ونبه المصدر الحكومي إلى أنه لا يمكن لقاض إسباني أن يقوض منظومة مكافحة الهجرة غير النظامية، ثم يطالب المملكة المغربية بتحمل التبعات.

    وأوضح أن “الحاجز أمام الهجرة لم ينهر بسبب المهربين، بل نتيجة قرار قضائي إسباني”، مضيفا أن “المغرب، من جهته، لم يتخلف يوما” عن الوفاء بالتزاماته أو بمسؤولياته.

    وفي هذا السياق، ذكر المصدر بأن قاضيا إسبانيا قرر، في الثامن من يوليوز الماضي، اعتبار وصول المهاجرين غير النظاميين عن طريق البحر مانعا من الترحيل التلقائي، “وهو الإجراء الذي يشكل حجر الزاوية في منظومتنا الردعية”.

    وأوضح المصدر نفسه أنه في نظر شبكات التهريب والاتجار بالبشر والمرشحين للهجرة غير النظامية، يوفر قرار القاضي “ببساطة حصانة للوصول غير القانوني عن طريق البحر”.

    وأعرب عن أسفه لانهيار العنصر الرادع في المنظومة وسقوط الحاجز نتيجة لهذا القرار، وليس تحت ضغط المجرمين.

    كما أشار إلى أن هذا الحكم “كان معروفا لدى السلطات الإسبانية، ولم يكن بإمكانها تجاهل كونه يضعف المنظومة برمتها”، متسائلا: “هل قام أحد بإبلاغ المغرب حتى يستعد؟ لا. وهل استبق أحد العواقب التي كانت مع ذلك متوقعة جدا؟ لا!”.

    وأضاف أنه “ليس مستغربا، في ظل هذه الظروف، أن تستغل هذه الشبكات هذه الفرصة”.

    وخلص المصدر إلى أن “نقطة التحول” تكمن في التباين بين العامل المسبب (قرار القاضي)، وردة الفعل المتأخرة.

    وأشار إلى أنه “من المخيب للآمال أن توظف أحداث سبتة لتحقيق مكاسب انتخابية وتصفية حسابات سياسية”، لافتا إلى أنه “عندما كانت الأزمة في أوجها، وفي ظل تغطية إعلامية طغى عليها التهويل والسعي إلى الإثارة، رصدت أكثر التعليقات تحريضا وأكثر التحليلات شططا”.

    وأعرب المصدر عن أسفه، بالقول “رأينا إلى أي حد كان بعض الفاعلين السياسيين دون مستوى اللحظة التاريخية، وكم كانت ردود أفعالهم مخيبة للآمال”، معربا عن صدمته الكبيرة ليس فقط بغياب الرؤية، بل بالقصور الاستراتيجي الشديد لدى البعض، والاستغلال السياسي لدى البعض الآخر.

    وأضاف أنه اليوم، وبعد التثبت من غياب الجدية، وغياب النظرة الشاملة إلى الشراكة، بل وحتى الغياب التام لأي إرادة لتمييز الأمور، “نصل إلى خلاصة واضحة: يجب أن تتغير قواعد التعامل مع الوضع!”، مشددا على ضرورة وضوح الأمر في أذهان الجميع: “المغرب يحمي أراضيه، ولا أحد يقوم بذلك نيابة عنه”.

    وشدد المصدر الحكومي على أنه “يتعين على الجميع تحمل مسؤولياتهم، فالمغرب ليس شرطيا ولا حارسا لأوروبا. نحن نتصرف كشريك موثوق وملتزم، في إطار شراكة واضحة المعالم، لا يمكن أن تكون في اتجاه واحد”، مؤكدا على وجوب تحيين قواعد هذه الشراكة.

    واعتبر أنه لا بد من إعادة تعبئة الإرادات السياسية، وإعادة إرساء الوضوح واستشراف المستقبل في صلب هذه المنظومة، وإعادة الاعتبار للثقة والمسؤولية، فضلا عن إعادة تأطير ضوابط التعامل.

    وأكد أنه “لا ينبغي الاعتقاد بأن ضخ الأموال يكفي لتسير الأمور من تلقاء نفسها”، مسجلا أن التمويلات لم تكن يوما الدافع لعمل المغرب.

    وتابع المصدر الحكومي أن المغرب أكد مرارا أنه “لا وجود لحل أمني صرف لقضية الهجرة”، مضيفا أن هذه القناعة الثابتة تتأكد اليوم، حيث عاين الجميع حركة عودة طوعية تعادل في حجمها حركة التدفق نحو سبتة.

    وقال إن “هذه العودة هي الدليل القاطع على الحقيقة، المتمثلة في أن صاحب الجلالة الملك محمد السادس استثمر بشكل مكثف في التنمية السوسيو-اقتصادية للمغرب وللأقاليم الشمالية”.

    وسجل المصدر ذاته أن “هؤلاء الشباب عادوا لأنهم عاينوا عن قرب أن الوضع في المغرب أفضل من (الفردوس الموعود) الذي كانوا يتوهمونه”.

    وأبرز أن “عودتهم كانت بالتالي طوعية؛ حيث تؤكد إسبانيا أن 95 في المئة من الأشخاص غادروا سبتة”، موضحا أن هؤلاء الأشخاص لم يعودوا بفضل تدخل إسبانيا، بل بناء على قناعتهم الخاصة واختيارهم”.

    وأكد المصدر الحكومي أن هذا الأمر يعزز مسار المغرب التنموي ووجاهة الخيارات الاستراتيجية التي نفذت تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، مشيرا إلى أن المبادرات الملكية في الأقاليم الشمالية أحدثت طفرة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، تمثلت في خلق أكثر من 430 ألف فرصة شغل.

    وأضاف أن “(الفردوس الموعود) ليس سوى وهم فككه شبابنا بأنفسهم من خلال عودتهم الطوعية. فالرد الأمثل على الهجرة غير النظامية يكمن في تحقيق التنمية”.

    وخلص المصدر الحكومي إلى أنه يتوجب على أوروبا أن تكون شريكا معنيا بتنمية المغرب، وأن تتوقف عن اتخاذ قرارات وإجراءات تعيق هذه التنمية، ولا سيما الإجراءات التي تؤثر سلبا على الموانئ المغربية، وصناعة السيارات الوطنية، وقطاع المالية، والخدمات، والنقل، و ترحيل الخدمات.

  • أنبوب الغاز المغربي-النيجيري.. رهان إفريقي يتجه نحو السوق الأوروبية

    أنبوب الغاز المغربي-النيجيري.. رهان إفريقي يتجه نحو السوق الأوروبية

    بعد نحو عقد من إطلاقه، ينتقل مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي بين نيجيريا والمغرب إلى مرحلة أكثر أهمية في مساره، إذ لم يعد الرهان مرتبطا بإنجاز بنية تحتية لنقل الغاز، وإنما أضحى المشروع جزءا من تصور أوسع لإعادة تنظيم ممرات الطاقة وتعزيز الترابط الاقتصادي بين دول غرب إفريقيا والمغرب وأوروبا.

    ويأتي ذلك في سياق دولي تتزايد فيه أهمية أمن الطاقة وتنويع مصادر الإمدادات، بالتوازي مع حاجة الاقتصادات الإفريقية إلى بنى تحتية قادرة على دعم التصنيع والاستثمار وتحسين الولوج إلى الطاقة.

    ويكتسب المشروع، في هذا السياق، بعدا يتجاوز العلاقة الثنائية بين الرباط وأبوجا، بالنظر إلى امتداده الإقليمي واستهدافه لمجموعة من دول غرب إفريقيا، كما يفتح أمام المغرب رهانا استراتيجيا يتمثل في تعزيز موقعه ضمن ممر طاقي يربط غرب إفريقيا بالأسواق الأوروبية.

    وشهد المشروع محطة جديدة في 19 يوليوز 2026، بتوقيع رؤساء دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس” على الاتفاق الحكومي الدولي في فريتاون، لإرساء الإطار القانوني والمؤسساتي للانتقال إلى المرحلة التنفيذية، على أن يُستكمل المسار بتوقيع الاتفاق بين المملكة المغربية والجمهورية الإسلامية الموريتانية في مرحلة مرتقبة.

    من الرباط وأبوجا إلى مشروع قاري

    شهدت العلاقات الاقتصادية المغربية النيجيرية تطورا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد الزيارة التاريخية التي قام بها الملك محمد السادس إلى أبوجا في دجنبر 2016، والتي شكلت طفرة نوعية في العلاقات الثنائية، من خلال توقيع العديد من اتفاقيات الشراكة في مختلف المجالات.

    وأسفرت الزيارة عن توقيع عدد من الاتفاقيات الاقتصادية والاستراتيجية، أبرزها إطلاق مشروع أنبوب الغاز المغربي–النيجيري، الذي يُعد أحد أكبر مشاريع البنية التحتية الطاقية في القارة الإفريقية.

    وبدأت تتضح المعالم الأولى لهذا المشروع سنة 2017، مع توقيع مجموعة من الاتفاقيات لبداية إنجاز الدراسات التقنية والفنية وغيرها من النصوص المرتبطة بالمشروع، إلى جانب وضع الأطر القانونية والمؤسساتية اللازمة لإنجازه.

    وفيما يتعلق بأهمية المشروع ضمن الاستراتيجية الطاقية للمغرب، فإنه يعزز موقع المملكة كحلقة وصل استراتيجية بين غرب إفريقيا وأوروبا، من خلال ربط البنيات التحتية الغازية الإقليمية بالشبكة الغازية الإيبيرية والأوروبية، فضلا عن استشراف التحولات المستقبلية في سوق الطاقة، بالنظر إلى قابلية الأنبوب لنقل الهيدروجين مستقبلا.

    ويعكس هذا البعد قابلية المشروع للتكيف مع متطلبات الانتقال الطاقي والتحولات التي يشهدها سوق الطاقة الدولي، بما يعزز طابعه الاستباقي ضمن الرؤية الطاقية للمغرب.

    وتجدر الإشارة إلى أن طول المشروع يمتد على نحو 6900 كيلومتر، بكلفة تقديرية تناهز 25 مليار دولار، وبقدرة نقل تصل إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، مما يجعله من بين أضخم مشاريع البنية التحتية الطاقية في القارة الإفريقية.

    كما يساهم مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، الذي يمتد من نيجيريا مرورا ببنين وتوغو وغانا وكوت ديفوار وليبيريا وسيراليون وغينيا وغينيا بيساو وغامبيا والسنغال وموريتانيا وصولا إلى المغرب، ويشمل المشروع أيضا ربط الدول غير الساحلية، وهي النيجر ومالي وبوركينا فاسو، عبر أنابيب فرعية، في إرساء منظومة قائمة على التضامن والتكامل الإقليمي، إذ لا يقتصر على الشراكة الثنائية بين المغرب ونيجيريا.

    من الدراسات إلى ساعة التنفيذ

    مر مشروع أنبوب الغاز المغربي–النيجيري بعدة محطات رئيسية منذ إطلاقه سنة 2016، حين أعلن الملك محمد السادس والرئيس النيجيري آنذاك محمد بخاري، خلال الزيارة الملكية إلى أبوجا، الاتفاق على إنجاز المشروع.

    وفي سنة 2017، وُقعت اتفاقية تعاون بين المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن والشركة الوطنية النيجيرية للنفط لإطلاق دراسات الجدوى والهندسة، قبل أن يعزز البلدان التزامهما بالمشروع عبر إعلان مشترك خلال زيارة الرئيس النيجيري إلى المغرب سنة 2018.

    وانتقل المشروع إلى مرحلة أوسع ابتداء من سنة 2022، مع توقيع مذكرة تفاهم بين المغرب ونيجيريا والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس”، بما أرسى إطارا مؤسساتيا لانخراط دول المنطقة في المشروع.

    وتوالى بعد ذلك توقيع مذكرات تفاهم تجمع المغرب ونيجيريا والسنغال وموريتانيا لتسريع إنجاز أنبوب الغاز، ثم انضمت في سنة 2023 كل من ساحل العاج وليبيريا وغينيا وبنين، مما عزز الطابع الإقليمي للمشروع ورسخ مكانته كأحد أكبر مشاريع التكامل الطاقي في القارة الإفريقية.

    وخلال سنة 2026، دخل المشروع مرحلة جديدة مع التوجه نحو توقيع الاتفاقية الحكومية الدولية المنظمة له، بما يمهد لاستكمال الترتيبات المؤسساتية والتنفيذية لورش تقدر كلفته بحوالي 25 مليار دولار.

    ووفق الجدول الزمني المعلن حاليا، يُرتقب أن تنطلق أولى عمليات نقل الغاز عبر بعض المقاطع الجاهزة في أفق سنة 2031، على أن يدخل المشروع حيز التنفيذ قبل سنة 2036، بما يعزز الأمن الطاقي الإقليمي ويفتح منفذا جديدا للغاز الإفريقي نحو الأسواق الأوروبية، إذ يمكن أن يتيح المشروع، جعلى المدى البعيد، مصدرا إضافيا لتنويع إمدادات الغاز نحو السوق الأوروبية، في سياق إعادة تشكيل خريطة الإمدادات الطاقية للقارة.

    وفي هذا الصدد، أكدت أمينة بنخضرة، المديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن، في تصريح خاص لجريدة “AM+ MEDIA”، أن المشروع “قطع أشواطا مهمة” منذ انبثاقه من الرؤية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس والرئيس النيجيري الراحل محمد بخاري، كما تم تأكيد هذا الالتزام من قبل فخامة الرئيس بولا أحمد تينوبو.

    ولفت بنخضرة إلى أنه تمت مواصلة تطوير هذا المشروع الضخم بشكل مشترك من قبل المكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن وشركة البترول الوطنية النيجيرية، حيث تم إنهاء الدراسات الهندسية التفصيلية وتم تنفيذ حملات مسح واستطلاع مسار الأنبوب، وشهدت الدراسات البيئية والاجتماعية تقدما ملحوظا، كما تم وضع الأسس القانونية والتنظيمية والتجارية الرئيسية للمشروع، مما يتيح الاقتراب من تنفيذ مرحلة تفعيل المشروع.

    الغاز في خدمة صناعة إفريقية جديدة

    يتجاوز مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي رهانه الطاقي، ليرتبط بأبعاد اقتصادية وتنموية أوسع بالنسبة للدول التي سيعبرها، فمن شأن إنجاز هذه البنية التحتية أن يفتح المجال أمام تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي، وتثمين الموارد الطبيعية، ودعم التصنيع، واستقطاب الاستثمارات، وخلق فرص الشغل، بما يجعل المشروع رافعة محتملة لتحفيز النمو والتنمية على امتداد مساره.

    ويشكل هذا المشروع منفذا حقيقيا للصادرات النيجيرية، باعتبار أن نيجيريا تملك صادرات كبيرة جدا، مما يدفعها إلى البحث عن زبناء جدد، كما يلبي المشروع حاجيات المغرب في تأمين إمداداته من الغاز وتنويع مصادرها.

    وأشارت بنخضرة في هذا السياق، إلى أن هذا المشروع “تم تصميمه كبنية تحتية مهيكلة” تهدف إلى ربط موارد الغاز في غرب إفريقيا بمراكز الاستهلاك الإقليمية الرئيسية، وتعزيز اندماج أسواق الطاقة الإفريقية، فضلا عن إنشاء ممر تنمية جديد يربط غرب إفريقيا بدول الساحل والمملكة المغربية وصولا إلى أوروبا.

    وتبرز هذه الرؤية بشكل خاص في ظل الإمكانات الطبيعية التي تزخر بها المنطقة، من الحديد والبوكسيت والفوسفات والمعادن الاستراتيجية، والتي يتطلب تثمينها توفير طاقة مستقرة وبتكلفة تنافسية.

    ومن هذا المنطلق، يُنتظر أن يسهم المشروع في دعم الصناعات التحويلية، سيما الإسمنت والزجاج والخزف والصلب والألومنيوم، بما قد يدفع نحو تحول هيكلي في اقتصادات الدول المعنية.

    وأكدت بنخضرة في حديثها لـ”AM+ MEDIA”، أن مرحلة الإنجاز ستتيح دينامية متجددة لأسواق رؤوس الأموال المحلية، فضلا عن تحفيز تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة لفائدة القارة الإفريقية، وستمكن هذه المرحلة أيضا من استحداث ما يقارب 12.000 منصب شغل، مباشر وغير مباشر، بالنسبة للأجزاء الأولى من المسار، فضلا عن أثر اقتصادي يُقدَّر بنحو 3.5 نقطة من الناتج الداخلي الخام بالنسبة للدول المعنية، وذلك وفق التوقعات الأولية المعتمدة.

    وأوضحت مديرة المكتب أنه في المراحل التشغيلية للمشروع، وبمجرد بلوغ وتيرة الإنتاج القصوى المحددة في 30 مليار متر مكعب سنويا، فإن تسويق الغاز من شأنه أن يحقق موارد سنوية تُناهز 13 مليار دولار أمريكي، في حين قد تبلغ عائدات نقل الغاز ما يقارب 4 مليارات دولار سنويا.

    وأضافت المديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن، أن المشروع سيمكن من ربط 13 دولة مطلة على الساحل الأطلسي الإفريقي، وكذلك الدول غير الساحلية عبر الربط الجهوي، كما سيتم ربطه بخط أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي، وبالتالي شبكة الغاز الأوروبية، مما سيشكل ممرا استراتيجيا للطاقة يربط موارد الغاز بغرب إفريقيا بالأسواق الإقليمية والدولية.

     وأشارت إلى أن القدرة الاستيعابية للمشروع ستبلغ 30 مليار متر مكعب سنويا، بما في ذلك 15 مليار متر مكعب مخصصة للتصدير إلى المغرب وأوروبا، وبالتالي ستمكن هذه البنية التحتية الاستراتيجية من تلبية الاحتياجات المتزايدة لأسواق الغاز الإفريقية مع تعزيز الأمن الطاقي في القارة وتنويع الإمدادات الدولية.

    الاختبار الأصعب

    بعد سنوات من الدراسات والإعدادات التقنية والمؤسساتية، يدخل مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال التدريجي من مرحلة الإعداد إلى التفعيل.

    وفي هذا الإطار، أشارت بنخضرة إلى أن التوقيع على الاتفاق الحكومي الدولي من طرف رؤساء الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا ضمن أشغال قمة المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس” في فريتاون، يعد تتويجا للجهود التي بدأت بالتنسيق مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، وفقا لمذكرة التفاهم الموقعة مع المغرب ونيجيريا، والتي تعكس الالتزام الجماعي والمشترك للأطراف.

     وأوضحت أن الاتفاقية الحكومية الدولية تُضفي على هذا التعاون طابعا قانونيا ومؤسساتيا، حيث تُحدِّد حقوق الدول الأطراف والتزاماتها، ومبادئ حوكمة المشروع، فضلاً عن الالتزامات المتعلقة باستقرار الإطار التنظيمي، والنظام الضريبي، وضمان أمن الاستثمارات، والتعاون العابر للحدود.

    وبحسب بلاغ صحفي مشترك بين المكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن وشركة البترول الوطنية النيجيرية، فإن هذه المحطة المهمة التي تحققت في فريتاون تعد تمهيدا للمراحل المقبلة من إطلاق المشروع، والتي ستشمل على وجه الخصوص إنشاء شركة المشروع، التي سيكون مقرها بمدينة الدار البيضاء، إلى جانب إحداث الهيئة العليا لخط أنبوب الغاز (Pipeline Higher Authority)، وهي هيئة الحوكمة الخاصة بالمشروع، والمقرر أن يكون مقرها في أبوجا، وذلك قبل الشروع في تعبئة المستثمرين والإعداد لاتخاذ قرار الاستثمار النهائي (FID).

  • معهد أمريكي يفكك أحداث سبتة: قرار إسباني حفّز العبور سباحة ولا مصلحة للمغرب في “حدود منفلتة”

    معهد أمريكي يفكك أحداث سبتة: قرار إسباني حفّز العبور سباحة ولا مصلحة للمغرب في “حدود منفلتة”

    وضعت الباحثة في معهد هدسون الأمريكي، زينب ريبوع، أحداث سبتة الأخيرة في سياق يتجاوز موجة العبور التي شهدتها المنطقة يوم 30 يوليوز، معتبرة أن ما جرى كشف إلى جانب أثر التعبئة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، عن اختلال في المقاربة الإسبانية للهجرة وعن أثر قانوني مباشر لقرار المحكمة العليا الإسبانية، الذي يمنع الإعادة الفورية للأشخاص الذين يبلغون المدينة سباحة ويلزم السلطات بالنظر في طلبات لجوئهم.

    وجاء ذلك، في تحليل نشرته الاثنين وسيلة الإعلام الأمريكية “The Free Press”، حيث توقفت ريبوع عند مجموعة من العناصر التي أحاطت بالأحداث، بدءا من المعلومات المضللة التي انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي، مرورا بالسياسة الإسبانية في تدبير الهجرة ووصولا إلى الضغوط التي يتحملها المغرب باعتباره بلدا للعبور والاستقرار في الوقت نفسه، وموقع التعاون الأمني والهجرة مع أوروبا في حسابات الرباط.

    ويأتي التحليل بعد أيام من محاولة عشرات الآلاف من المغاربة الوصول إلى سبتة يوم الخميس 30 يوليوز، وسط تداول واسع لمنشورات ومقاطع ورسائل عبر منصات التواصل الاجتماعي تزعم أن الحدود أصبحت مفتوحة وأن الوصول إلى المدينة المحلتة ممكن دون عوائق.

    وكانت وزارة الداخلية من جانبها، قد أكدت أن الأحداث لم تكن وليدة عوامل تلقائية أو ظرفية وربطتها بتفاعل عدد من العوامل، في مقدمتها الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي وترويج معلومات مضللة ودور شبكات الاتجار بالبشر، إلى جانب تأويلات خاطئة لمعطيات قانونية وإدارية أوحت بإمكانية الوصول بسهولة إلى الأراضي الأوروبية ودون تبعات قانونية.

    وبحسب المعطيات التي استند إليها تحليل معهد هدسون، تضمنت الرسائل المتداولة ادعاءات بأن من يتمكن من الوصول إلى سبتة سيضمن البقاء فوق الأراضي الإسبانية، وأن الأشخاص الذين يعبرون سباحة لن تتم إعادتهم أو متابعتهم، فضلا عن الترويج لإمكانية اجتياز الحدود دون عراقيل.

    شبكات التواصل في قلب التعبئة

    ترجح ريبوع أن تكون التعبئة الرقمية عنصرا أساسيا في تفسير سرعة انتقال الدعوات إلى العبور من الفضاء الافتراضي إلى الشريط الساحلي، مشيرة إلى “تنسيق عبر الإنترنت من خلال مجموعات على فيسبوك”.

    وبهذه القراءة، تستبعد الباحثة فرضية وجود مناورة دبرتها الدولة المغربية، وهي الأطروحة التي قالت إن أصواتا إسلامية وعددا من المعلقين الإسبان روجوا لها عقب الأحداث، ووصل بعضها إلى اتهام الرباط بتدبير ما وقع أو التحرك لحساب إسرائيل.

    وتستند الباحثة في استبعاد هذه الفرضية إلى جملة من المعطيات المرتبطة بطريقة تعامل السلطات المغربية مع موجة العبور، إذ أشارت إلى أن قوات الأمن سعت إلى إبعاد المجموعات التي تجمعت على طول الساحل، فيما لجأت السلطات إلى وقف بعض الرحلات بالقطار في محاولة للحد من وصول مزيد من الأشخاص إلى المنطقة.

    قرار قضائي إسباني يدخل على خط الأزمة

    أحد أبرز العناصر التي توقف عندها تحليل معهد هدسون يتعلق بالتحول القانوني الذي سبق أحداث 30 يوليوز، بعد القرار الأخير للمحكمة العليا الإسبانية بشأن الأشخاص الذين يصلون إلى سبتة سباحة.

    وبحسب التحليل، قضت المحكمة بأن الأشخاص الذين يتمكنون من بلوغ المدينة عبر البحر لا يمكن إخضاعهم للإعادة الفورية، وإنما يتعين تمكينهم من مسطرة فحص طلبات اللجوء.

    وتقرأ ريبوع هذا القرار باعتباره عاملا يمكن أن يخلق حافزا إضافيا على اختيار العبور سباحة، خصوصا عندما تنتقل المعلومة القانونية من سياقها القضائي الدقيق إلى شبكات التواصل الاجتماعي في صيغة مبسطة توحي بأن الوصول إلى سبتة عبر البحر يعني تلقائيا ضمان البقاء داخل المدينة.

    وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنظر إلى ما أعلنته وزارة الداخلية بشأن دور “التأويلات الخاطئة لمعطيات قانونية وإدارية” في تغذية موجة العبور، إذ تحدثت عن استغلال هذه المعطيات للإيهام بإمكانية الولوج إلى الفضاء الأوروبي بسهولة ومن دون تبعات قانونية.

    كما يضع تحليل معهد هدسون القرار القضائي إلى جانب خطوة أخرى اتخذتها مدريد في يناير، وتتعلق بتسوية الوضعية القانونية لمئات الآلاف من الأجانب الموجودين في وضعية غير نظامية فوق الأراضي الإسبانية.

     73 ألفا و640 محاولة أحبطها المغرب خلال سنة واحدة

    في مقابل التركيز على تدفق المغاربة نحو سبتة، يلفت التحليل إلى الوجه الآخر لموقع المملكة داخل خريطة الهجرة، باعتبارها بدورها بلدا يتعرض لضغط متزايد من مسارات الهجرة القادمة من جنوب الصحراء.

    وتشير الأرقام التي أوردها التحليل إلى أن السلطات المغربية أحبطت خلال سنة 2025 ما مجموعه 73 ألفا و640 محاولة عبور غير نظامي.

    ويربط التحليل استمرار هذا الضغط بالأوضاع الأمنية والسياسية في منطقة الساحل، ولا سيما النزاعات في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، التي تدفع مزيدا من الأشخاص إلى التحرك شمالا في اتجاه المغرب، سواء بهدف الاستقرار أو مواصلة الطريق نحو أوروبا.

    كما أورد أن مواطني دول إفريقيا جنوب الصحراء أصبحوا يمثلون قرابة 60 في المئة من الأجانب المقيمين في المغرب.

    ومن هذا المنطلق، حذرت ريبوع من أن ترسخ صورة الحدود باعتبارها سهلة الاختراق يمكن أن يشكل عامل جذب لمزيد من الوافدين، معتبرة أن المغرب “لا يكسب شيئا من عمليات عبور غير خاضعة للمراقبة”.

    ويشكل هذا المعطى بالنسبة إلى الباحثة، أحد الأسباب التي تضعف فرضية وجود مصلحة مغربية في ترك الحدود منفلتة، بالنظر إلى أن المملكة تتحمل بنفسها كلفة الهجرة غير النظامية القادمة من الجنوب، فضلا عن مصالحها الأمنية والسياسية المرتبطة باستمرار التعاون مع الشركاء الأوروبيين.

    تعاون مع أوروبا وحسابات تتجاوز سبتة

    يتوقف تحليل معهد هدسون عند شبكة التعاون التي طورها المغرب مع شركائه في ملفات الهجرة والأمن، مستحضرا الاتفاقات المرتبطة بالهجرة مع فرنسا وألمانيا، والشراكة الثنائية الموقعة مع برلين سنة 2024، إلى جانب التنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة.

    وبالنسبة إلى هذه القراءة، فإن موقع المغرب داخل منظومة التعاون الأمني والهجروي مع أوروبا يجعل من الصعب فصل أحداث سبتة عن المصالح الأوسع التي راكمتها الرباط مع شركائها.

    فالحدود الشمالية للمملكة لا تمثل فقط نقطة احتكاك مع سبتة ومليلية، بل جزءا من منظومة أمنية أوسع ترتبط بحركة الأشخاص ومكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، في وقت يتعرض فيه المغرب نفسه لضغط الهجرة القادمة من دول الساحل وإفريقيا جنوب الصحراء.

    60 مليون يورو للوقاية مقابل 1.8 مليار للاستقبال

    وينقل تحليل معهد هدسون النقاش بعد ذلك إلى الجانب الإسباني، حيث تعتبر ريبوع أن طريقة توزيع الموارد المالية المخصصة للهجرة تكشف ما وصفته بـ”اختلال بنيوي” يجعل السياسة المتبعة “تشجع أكثر مما تردع” عمليات العبور غير النظامية.

    وحسب الأرقام التي أوردتها، تخصص إسبانيا نحو 60 مليون يورو سنويا، أي ما يقارب 69 مليون دولار، للإجراءات الموجهة إلى الوقاية من وصول المهاجرين غير النظاميين.

    وفي المقابل، يتجاوز الإنفاق السنوي المخصص لاستقبال المهاجرين ومواكبتهم 1.8 مليار يورو، أي أكثر من ملياري دولار.

    ويستحضر التحليل أيضا خطة متعددة السنوات بقيمة 711 مليون يورو، أي نحو 821 مليون دولار، مخصصة لسبتة ومليلية إلى غاية سنة 2026، لكن الجزء الأكبر من هذه الاعتمادات، بحسب المصدر نفسه، يذهب إلى التعليم والخدمات الاجتماعية ودعم النسيج الاقتصادي المحلي، وليس إلى مراقبة الحدود.

    وترى الباحثة أن الفارق الكبير بين الموارد المرصودة للوقاية وتلك المخصصة للاستقبال يشكل جزءا من البيئة التي تتحرك داخلها الهجرة غير النظامية، خصوصا عندما تقترن بإشارات قانونية أو إدارية يمكن أن يفهم منها الراغبون في الهجرة أن الوصول إلى الأراضي الإسبانية يفتح أمامهم إمكانية البقاء وتسوية الوضعية.

    الانتخابات المغربية تدخل في قراءة الأحداث

    ولا يحصر تحليل معهد هدسون أحداث سبتة في أبعادها الأمنية والهجروية، بل يربطها أيضا بالسياق السياسي الداخلي للمغرب مع اقتراب الانتخابات العامة المحددة، فوفق التحليل في 23 شتنبر، ترى ريبوع أن اضطرابا حدوديا بهذا الحجم، حين يتضخم على شبكات التواصل الاجتماعي ويتحول إلى صور ومقاطع واسعة التداول، يمكن أن ينعكس على الأطراف الموجودة في السلطة خلال مرحلة انتخابية.

    وفي هذا السياق، تنتقل الباحثة إلى خطاب التيارات الإسلامية المغربية تجاه سبتة ومليلية، مشيرة إلى أن هذه التيارات تنظر إلى استعادة المدينتين باعتبارها مطلبا يتخذ لدى بعضها، بعدا دينيا.

    واستحضرت تصريحا للأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، دعا فيه في وقت سابق من السنة الجارية، إلى العمل بجد من أجل “عودة سبتة ومليلية إلى الوطن الأم”.

    في المقابل، أشارت إلى أن الحكومات المغربية المتعاقبة لم تتجه إلى الدفع بشكل نشط بمطالبة ترابية بشأن المدينتين، رغم أن الرباط لم تعترف بالسيادة الإسبانية عليهما.

    ويعود التحليل إلى السياق التاريخي للمدينتين، مشيرا إلى أن البرتغال استولت على سبتة سنة 1415، قبل انتقالها إلى إسبانيا خلال القرن السابع عشر، فيما خضعت مليلية للسيطرة القشتالية سنة 1497.

    ريبوع تنتقد خطاب الإسلاميين

    وخصص تحليل الباحثة في معهد هدسون، حيزا واسعا للخطاب السياسي للإسلاميين في المغرب، خصوصا بعد استئناف العلاقات بين المغرب وإسرائيل في إطار اتفاقات أبراهام.

    وتعتبر ريبوع، أن بعض هذه التيارات تقدم المغرب في خطابها باعتباره “دولة صهيونية فاشلة”، وتربط مشروعية الولاء للدولة والاستثمار في مستقبلها بتغيير بنية السلطة.

    وتضيف أن هذا الخطاب أصبح أكثر حدة بعد استئناف العلاقات مع إسرائيل، مشيرة إلى أن عددا من المسؤولين الذين سبق أن كانوا جزءا من تدبير المرحلة عادوا، بعد مغادرة مناصبهم، إلى اتخاذ مواقف معارضة لعودة العلاقات مع تل أبيب، مستندين إلى الخطاب الفلسطيني الذي تصاعد بعد أحداث 7 أكتوبر 2023.

    وتذهب الباحثة، إلى أن هذه التيارات دأبت على توجيه رسالة إلى الشباب مفادها أن “بلدهم لا مستقبل له” خارج وصول الإسلاميين إلى السلطة.

    وفي معرض دفاعها عن هذه القراءة، تستحضر تجربة قيادة حزب إسلامي للحكومة بين سنتي 2011 و2021، معتبرة أن هذه المرحلة لم تحقق وفق تقييمها، أكثر من نمو اقتصادي ضعيف ووعود لم تجد طريقها إلى التنفيذ.

    لا حرب ولا إفلاس للدولة ولا انهيار مؤسساتي

    وفي مقابل الخطابات التي تربط صور العبور الجماعي بأزمة شاملة داخل المغرب، تقر ريبوع بأن المملكة ما تزال اقتصادا في طور النمو وتواجه صعوبات اجتماعية، لكنها ترفض الانتقال من الإقرار بهذه الاختلالات إلى توصيف البلاد باعتبارها دولة منهارة.

    وتقول الباحثة إنه لا توجد في المغرب “حرب، ولا حالة إفلاس للدولة، ولا انهيار مؤسساتي”، مستندة في ذلك إلى حجم المشاريع الاقتصادية والبنيات التحتية التي يجري إنجازها.

    ويشير التحليل إلى أن المغرب يعيش واحدة من أكبر دورات الاستثمار في التجهيز والبنية التحتية في تاريخه الحديث، مستحضرا تمديد شبكة القطار فائق السرعة، التي تعد الأولى من نوعها في إفريقيا، وتوسيع المركب الصناعي والمينائي طنجة المتوسط، إلى جانب الاستثمارات الموجهة إلى الطاقات المتجددة وتحلية مياه البحر.

    كما يستحضر قطاع صناعة الطيران باعتباره أحد مؤشرات التحول الصناعي، مشيرا إلى أنه يضم أكثر من 150 شركة ويوفر نحو 25 ألف منصب شغل لعمال مؤهلين، فيما تقترب صادراته السنوية من ثلاثة مليارات دولار.

    وأورد التحليل أسماء شركات دولية كبرى، من بينها سافران وبوينغ وإيرباص، ضمن الفاعلين الصناعيين المرتبطين بالمنظومة الجوية المغربية.

    من أزمة الحدود إلى المصالح المغربية الإسبانية

    وختم تحليل معهد هدسون بوضع أحداث سبتة مقابل شبكة المصالح الاقتصادية والاستراتيجية التي تربط المغرب بإسبانيا وأوروبا، وهي مصالح تتجاوز ملف الهجرة نفسه.

    وأبرز في هذا السياق، مشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، الذي ترى الباحثة أنه يمكن أن يوسع مستقبلا دور إسبانيا كبوابة للطاقة نحو أوروبا، عبر فتح منفذ أمام الغاز القادم من غرب إفريقيا والمساهمة في تنويع مصادر إمداد القارة بعيدا عن الاعتماد على الغاز الروسي.

    ويضاف إلى هذا المشروع شبكة الربط الكهربائي بين المغرب وإسبانيا، وحجم المبادلات التجارية التي تمر عبر مضيق جبل طارق، فضلا عن التحضيرات المشتركة لتنظيم كأس العالم لكرة القدم سنة 2030 بين المغرب وإسبانيا والبرتغال.

    وقدم تحليل معهد هدسون أحداث 30 يوليوز باعتبارها أزمة التقت فيها ثلاثة مستويات في وقت واحد، تعبئة رقمية حولت معلومات قانونية وإدارية إلى وعود بالعبور والبقاء في إسبانيا، وضغط هجرة تتحمله الضفتان وإن كان بأشكال مختلفة، وسياسة إسبانية، ترى الباحثة أن الفارق بين إنفاقها على منع الوصول وإنفاقها على الاستقبال، إلى جانب منع الإعادة الفورية لمن يصلون إلى سبتة سباحة، يخلق إشارات يمكن أن تتحول عمليا إلى حوافز جديدة للهجرة غير النظامية.

    أما بالنسبة إلى المغرب، فخلصت قراءة ريبوع إلى أن فرضية وجود مصلحة له في فتح الحدود لا تنسجم، في تقديرها، مع حجم الضغط الذي يواجهه على حدوده الشمالية، ولا مع 73 ألفا و640 محاولة عبور غير نظامي أحبطتها سلطاته خلال سنة 2025، ولا مع شبكة المصالح الأمنية والاقتصادية التي بناها مع إسبانيا وبقية شركائه الأوروبيين.

  • المغرب يرد بالأرقام: الهجرة مسؤولية مشتركة ولن نخضع للابتزاز ولسنا حارسا لأوروبا

    المغرب يرد بالأرقام: الهجرة مسؤولية مشتركة ولن نخضع للابتزاز ولسنا حارسا لأوروبا

    أكد مصدر حكومي، اليوم الاثنين بالرباط، أن المملكة المغربية ظلت شريكا “ذا سيادة ومخلصا ومسؤولا” في إطار محاربة الهجرة غير النظامية، مشددا على أن تدبير ملف الهجرة يمثل “مسؤولية مشتركة” طالما “تحمل المغرب نصيبه منها”.

    وأبرز المصدر ذاته أن “المغرب لم يخضع يوما للضغط، ولم يتحرك قط بدافع الإكراه أو تحت وطأة الابتزاز”، مؤكدا أن “الالتزام والمسؤولية كانا دوما الدافع الأساسي لعملنا”.

    وأشار، في هذا السياق، إلى أن الهجرة تشكل “ظاهرة معقدة تقتضي من كل طرف تحمل مسؤولياته”، مضيفا “نحن نتحمل مسؤولياتنا كاملة”.

    وتابع المصدر الحكومي أن هذا الالتزام يتجلى في “نتائج ملموسة للجميع، حتى وإن كان البعض يتعامل معها كبديهيات دون إدراك حجم الإنجاز الذي تمثله”.

    وفي هذا الصدد، حرص على التذكير بحقيقة غالبا ما يتم تناسيها “إذا كانت الواجهة الغربية للبحر الأبيض المتوسط هي الأقل إشكالية بالنسبة لأوروبا منذ سنوات، فليس لأنها غير مستهدفة من طرف شبكات الاتجار بالبشر، بل لأن المغرب عبأ بفاعلية وسائل ضخمة – وما يزال يواصل ذلك إلى اليوم”.

    وشدد المصدر ذاته على أنه تمت تعبئة إمكانيات بشرية وتقنية ومالية مهمة لهذه الغاية.

    كما سجل أن التعاون بين المغرب والحكومة الإسبانية يعتبر “نموذجيا”.

    واستنادا إلى الأرقام، أفاد المصدر بأنه تم إحباط 74 ألف محاولة للهجرة غير النظامية خلال سنة 2025، و79 ألف محاولة سنة 2024، أي نحو 160 ألف محاولة خلال سنتين، موضحا أنه تم أيضا تفكيك 632 شبكة للهجرة غير النظامية خلال سنتي 2024 و2025، وتنفيذ أزيد من 32 ألف عملية إنقاذ في عرض البحر بنجاح خلال الفترة نفسها، مع الإشارة إلى إحباط أكثر من 360 ألف محاولة للهجرة غير النظامية خلال السنوات الخمس الماضية.

    ونبه المصدر الحكومي إلى أنه لا يمكن لقاض إسباني أن يقوض منظومة مكافحة الهجرة غير النظامية، ثم يطالب المملكة المغربية بتحمل التبعات.

    وأوضح أن “الحاجز أمام الهجرة لم ينهر بسبب المهربين، بل نتيجة قرار قضائي إسباني”، مضيفا أن “المغرب، من جهته، لم يتخلف يوما” عن الوفاء بالتزاماته أو بمسؤولياته.

    وفي هذا السياق، ذكر المصدر بأن قاضيا إسبانيا قرر، في الثامن من يوليوز الماضي، اعتبار وصول المهاجرين غير النظاميين عن طريق البحر مانعا من الترحيل التلقائي، “وهو الإجراء الذي يشكل حجر الزاوية في منظومتنا الردعية”.

    وأوضح المصدر نفسه أنه في نظر شبكات التهريب والاتجار بالبشر والمرشحين للهجرة غير النظامية، يوفر قرار القاضي “ببساطة حصانة للوصول غير القانوني عن طريق البحر”.

    وأعرب عن أسفه لانهيار العنصر الرادع في المنظومة وسقوط الحاجز نتيجة لهذا القرار، وليس تحت ضغط المجرمين.

    كما أشار إلى أن هذا الحكم “كان معروفا لدى السلطات الإسبانية، ولم يكن بإمكانها تجاهل كونه يضعف المنظومة برمتها”، متسائلا: “هل قام أحد بإبلاغ المغرب حتى يستعد؟ لا. وهل استبق أحد العواقب التي كانت مع ذلك متوقعة جدا؟ لا!”.

    وأضاف أنه “ليس مستغربا، في ظل هذه الظروف، أن تستغل هذه الشبكات هذه الفرصة”.

    وخلص المصدر إلى أن “نقطة التحول” تكمن في التباين بين العامل المسبب (قرار القاضي)، وردة الفعل المتأخرة.

    وشدد المصدر الحكومي “لسنا شرطيا ولا حارسا لأوروبا؛ بل نحن شريك ذو سيادة ولسنا مناولا” في مجال تدبير ملف الهجرة، متسائلا عما إذا كان نموذج التدبير الحالي ما يزال مجديا ومناسبا للسياق الجديد.

    وأشار إلى أنه “من المخيب للآمال أن توظف أحداث سبتة لتحقيق مكاسب انتخابية وتصفية حسابات سياسية”، لافتا إلى أنه “عندما كانت الأزمة في أوجها، وفي ظل تغطية إعلامية طغى عليها التهويل والسعي إلى الإثارة، رصدت أكثر التعليقات تحريضا وأكثر التحليلات شططا”.

    وأعرب المصدر عن أسفه، بالقول “رأينا إلى أي حد كان بعض الفاعلين السياسيين دون مستوى اللحظة التاريخية، وكم كانت ردود أفعالهم مخيبة للآمال”، معربا عن صدمته الكبيرة ليس فقط بغياب الرؤية، بل بالقصور الاستراتيجي الشديد لدى البعض، والاستغلال السياسي لدى البعض الآخر.

    وأضاف أنه اليوم، وبعد التثبت من غياب الجدية، وغياب النظرة الشاملة إلى الشراكة، بل وحتى الغياب التام لأي إرادة لتمييز الأمور، “نصل إلى خلاصة واضحة: يجب أن تتغير قواعد التعامل مع الوضع!”، مشددا على ضرورة وضوح الأمر في أذهان الجميع: “المغرب يحمي أراضيه، ولا أحد يقوم بذلك نيابة عنه”.

    وشدد المصدر الحكومي على أنه “يتعين على الجميع تحمل مسؤولياتهم، فالمغرب ليس شرطيا ولا حارسا لأوروبا. نحن نتصرف كشريك موثوق وملتزم، في إطار شراكة واضحة المعالم، لا يمكن أن تكون في اتجاه واحد”، مؤكدا على وجوب تحيين قواعد هذه الشراكة.

    واعتبر أنه لا بد من إعادة تعبئة الإرادات السياسية، وإعادة إرساء الوضوح واستشراف المستقبل في صلب هذه المنظومة، وإعادة الاعتبار للثقة والمسؤولية، فضلا عن إعادة تأطير ضوابط التعامل.

    وأكد أنه “لا ينبغي الاعتقاد بأن ضخ الأموال يكفي لتسير الأمور من تلقاء نفسها”، مسجلا أن التمويلات لم تكن يوما الدافع لعمل المغرب.

    وتابع المصدر الحكومي أن المغرب أكد مرارا أنه “لا وجود لحل أمني صرف لقضية الهجرة”، مضيفا أن هذه القناعة الثابتة تتأكد اليوم، حيث عاين الجميع حركة عودة طوعية تعادل في حجمها حركة التدفق نحو سبتة.

    وقال إن “هذه العودة هي الدليل القاطع على الحقيقة، المتمثلة في أن صاحب الجلالة الملك محمد السادس استثمر بشكل مكثف في التنمية السوسيو-اقتصادية للمغرب وللأقاليم الشمالية”.

    وسجل المصدر ذاته أن “هؤلاء الشباب عادوا لأنهم عاينوا عن قرب أن الوضع في المغرب أفضل من (الفردوس الموعود) الذي كانوا يتوهمونه”.

    وأبرز أن “عودتهم كانت بالتالي طوعية؛ حيث تؤكد إسبانيا أن 95 في المئة من الأشخاص غادروا سبتة”، موضحا أن هؤلاء الأشخاص لم يعودوا بفضل تدخل إسبانيا، بل بناء على قناعتهم الخاصة واختيارهم”.

    وأكد المصدر الحكومي أن هذا الأمر يعزز مسار المغرب التنموي ووجاهة الخيارات الاستراتيجية التي نفذت تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، مشيرا إلى أن المبادرات الملكية في الأقاليم الشمالية أحدثت طفرة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، تمثلت في خلق أكثر من 430 ألف فرصة شغل.

    وأضاف أن “(الفردوس الموعود) ليس سوى وهم فككه شبابنا بأنفسهم من خلال عودتهم الطوعية. فالرد الأمثل على الهجرة غير النظامية يكمن في تحقيق التنمية”.

    وخلص المصدر الحكومي إلى أنه يتوجب على أوروبا أن تكون شريكا معنيا بتنمية المغرب، وأن تتوقف عن اتخاذ قرارات وإجراءات تعيق هذه التنمية، ولا سيما الإجراءات التي تؤثر سلبا على الموانئ المغربية، وصناعة السيارات الوطنية، وقطاع المالية، والخدمات، والنقل، و ترحيل الخدمات.