شهدت الأسابيع الأخيرة عودة ملف الهجرة غير النظامية إلى واجهة النقاش العمومي، بعد الأحداث التي عرفتها نقط العبور نحو باب سبتة ومعبر بني أنصار، والتي أعادت طرح أسئلة قديمة ومتجددة حول الأسباب التي تدفع عددا من الشباب إلى المجازفة بحياتهم أملا في الوصول إلى الضفة الأخرى.
محاولات الهجرة إلى سبتة المحتلة أبرزت، من خلال القراءات الأمنية والتفسيرات السياسية، الحاجة إلى الإنصات المباشر لأصوات الشباب وفهم واقعهم الاجتماعي والاقتصادي، بعيدا عن الأحكام الجاهزة.
وامتد نقاش الظاهرة إلى قضايا أوسع تتعلق بقطاعات مختلفة، التعليم والتكوين والشغل، إضافة إلىوتراجع الإحساس بفرص الاندماج، واتساع الفجوة بين تطلعات الشباب وما يواجهونه من تحديات يومية.
لذلك، يجمع عدد من الباحثين أن معالجة هذه الظواهر لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية، بل تقتضي أيضا فتح فضاءات للحوار والإنصات، وإشراك الشباب في صياغة الحلول التي تمس حاضرهم ومستقبلهم.
وفي هذا السياق، نظمت منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، أول أمس الثلاثاء، لقاء حواريا مفتوحا في إطار مبادرة “PAM YOUTH OPEN MIC”، تحت شعار “نرجعو الثقة” (Get the Trust Back)، وذلك في أعقاب الأحداث التي شهدها باب سبتة ومعبر بني نصار، بهدف فتح نقاش مباشر حول الظواهر الاجتماعية المهددة لمستقبل الشباب، والاستماع إلى آرائهم وتصوراتهم بشأن القضايا التي تشغلهم.
وشهد اللقاء حضورا لافتا لشباب من خلفيات مختلفة، إلى جانب باحثين وفاعلين، حيث تحول إلى فضاء للنقاش الحر حول الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تقف وراء تنامي مشاعر الإحباط، وتدفع بعض الشباب إلى التفكير في الهجرة غير النظامية.

عبقري: الاستماع مدخل لفهم حقيقي للمشكلات
وأكد رئيس منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، صلاح الدين عبقري، أن المبادرة جاءت انطلاقا من ملاحظة وجود شعور بالإحباط وفقدان الثقة لدى جزء من الشباب، نتيجة تراكم عدد من العوامل والظواهر الاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر في حاضرهم ومستقبلهم.
وأوضح عبقري أن الهدف من هذا الفضاء الحواري لا يتمثل في تقديم أجوبة جاهزة، وإنما في الاستماع إلى الشباب، إلى جانب باحثين ومختصين، من أجل تحليل هذه الظواهر وفهم أسبابها الحقيقية، قبل التفكير في سبل معالجتها.
وأضاف أن مبادرة “نرجعو الثقة” تنطلق من قناعة بأن الحوار والإنصات يشكلان الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة، موجها شكره إلى جميع الشباب الذين لبوا الدعوة وشاركوا في هذا النقاش.
ودعا عبقري الحاضرين إلى التعبير عن آرائهم بكل شفافية ووضوح، معتبرا أن اختلاف التجارب ووجهات النظر يمثل مدخلا أساسيا لفهم واقع الشباب وصياغة حلول أكثر ارتباطا بتطلعاتهم.
وفي معرض حديثه عن التحولات التي يعرفها المجتمع، أشار المتحدث إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تضطلع بدور متزايد في التأثير على وعي الشباب وتوجيه سلوكهم، بعدما تحولت لدى كثير منهم إلى مصدر رئيسي لتشكيل القناعات والمواقف.
واعتبر أن هذا الواقع أفرز، في بعض الأحيان، سلوكيات لا تنسجم مع قيم المجتمع، في ظل تراجع أدوار مؤسسات التنشئة، وعلى رأسها الأسرة، إلى جانب الحاجة إلى مناهج تعليمية أكثر قدرة على مواكبة التحولات الاجتماعية وتعزيز قيم المواطنة والتفكير النقدي لدى الأجيال الصاعدة.

السياسة أمام المرآة
ولم يقتصر اللقاء على كلمات الخبراء وأعضاء المكتب التنفيدي لمنظمة شباب “البام”، بل منح الكلمة للشباب أنفسهم لعرض تجاربهم وانشغالاتهم.
وفي هذا السياق، اعتبر أحد المشاركين الشباب أن فقدان الثقة يرتبط، في جانب منه، بتراكم الوعود التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ، وهو ما انعكس على نظرتهم إلى العمل العام وإمكانية تحقيق التغيير.
وأضاف، بصفته فنانا، أنه يسعى إلى توظيف الموسيقى للتعبير عن معاناته الشخصية ومعاناة الشباب الذين يعيش بينهم، معتبرا أن الفن ينبغي أن يكون وسيلة لنقل الواقع وطرح القضايا التي تشغل الشباب، بما يتيح لهم إيصال أصواتهم والتعبير عن همومهم وتطلعاتهم.
من جانب آخر، تقاسم عدد من الشباب الذين سبق لهم خوض تجربة محاولة الهجرة غير النظامية تفاصيل ما عاشوه قبل اتخاذ قرار المغادرة، مستحضرين الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي دفعتهم إلى التفكير في الهجرة باعتبارها مخرجا من واقع صعب.
وتحدث بعضهم عن الضغوط المعيشية، والشعور بانسداد الأفق، وقلة فرص الشغل، مؤكدين أن هذه العوامل رسخت لديهم فكرة الهجرة، قبل أن يصطدموا بحقيقة المخاطر التي ترافقها أثناء محاولات العبور.

إعادة بناء جسور الثقة ضرورة ملحة
ولم يتوقف اللقاء عند حدود عرض الشهادات، بل تحول إلى فضاء للنقاش المفتوح بين الشباب وأعضاء منظمة شباب “البام” والخبراء، حيث تفاعلت مختلف المداخلات مع الأسئلة والملاحظات المطروحة.
وتناول النقاش قضايا متعددة، من الهجرة غير النظامية والبطالة، إلى دور المدرسة والأسرة، وتأثير مواقع التواصل الاجتماعي، وسبل استعادة الثقة في المؤسسات، في أجواء اتسمت بالصراحة وتبادل الآراء.
وامتد هذا الحوار لأكثر من خمس ساعات، أتيحت خلالها الفرصة لكل المشاركين للتعبير عن وجهات نظرهم ومناقشة تجاربهم الشخصية، دون قيود أو أحكام مسبقة، فيما حرص المتدخلون على التفاعل مع مختلف المداخلات والإجابة عن تساؤلات الشباب، مؤكدين أن الإنصات والحوار الصريح يمثلان مدخلا أساسيا لفهم الإشكالات التي تواجه الشباب، وتحويلها إلى مقترحات يمكن أن تسهم في بلورة سياسات عمومية أكثر قربا من واقعهم وتطلعاتهم.
واختُتم اللقاء بالتأكيد على شعار “نرجعو الثقة” (Get the Trust Back)، باعتباره دعوة إلى إعادة بناء جسور الثقة بين الشباب والعمل السياسي، من خلال الإنصات الجاد لانشغالاتهم، وفتح فضاءات دائمة للحوار، وتوفير فرص حقيقية للإدماج الاقتصادي والاجتماعي وتعزيز التنمية المحلية. كما شدد المشاركون على أن استمرار مثل هذه المبادرات من شأنه أن يتيح نقل صوت الشباب وتطلعاتهم إلى مراكز القرار، بما يسهم في بلورة سياسات عمومية أكثر استجابة لواقعهم وأكثر قدرة على استعادة ثقتهم في المستقبل.
ويشار إلى أن مبادرة “PAM YOUTH OPEN MIC” تأتي تفعيلا لإعلان منظمة شباب “البام”، في 31 يوليوز، عن نيتها فتح نقاش رصين مع مختصين وأكاديميين وممارسين، في أفق إعداد قراءة سياسية دقيقة واقتراح إجراءات عملية وواقعية، تسهم في فهم الظواهر التي تسببت في الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة والحد من أسبابها وتداعياتها، بعيدا عن الأحكام الجاهزة ودون إقصاء لأي سؤال مشروع.

اترك تعليقاً