رسم خطاب العرش بمناسبة الذكرى الـ27 لاعتلاء العرش ملامح مرحلة جديدة في المسار التنموي للمغرب، تنطلق من حصيلة سنوات من التحولات الاقتصادية والاجتماعية.
ويكشف التحول الاقتصادي خلال أكثر من ربع قرن عن أحد أبرز وجوه الحصيلة التي استند إليها الخطاب الملكي السامي، كون المغرب لم يعد يعتمد على عدد محدود من القطاعات التقليدية، بل عمل تدريجيا على بناء قاعدة إنتاجية أكثر تنوعا، تجمع بين الصناعة والسياحة والخدمات والطاقات الجديدة والصناعات ذات القيمة المضافة.
وفي قراءة الخبير الاقتصادي ورئيس مرصد العمل الحكومي، محمد جدري، للخطاب الملكي، يبرز الاعتزاز بما تحقق من تحول في الاقتصاد المغربي خلال أكثر من ربع قرن، مستحضرا في هذا السياق انتقال الناتج الداخلي الخام من حوالي 50 مليار دولار في نهاية تسعينيات القرن الماضي إلى نحو 170 مليار دولار اليوم، معتبرا أن تضاعف حجم الاقتصاد بأكثر من ثلاث مرات يعكس، في نظره، عمق التحولات التي عرفتها البنية الاقتصادية الوطنية
وأضاف جدري في تصريحه لجريدة “AM+ MEDIA”، أن الاقتصاد المغربي في نهاية التسعينيات كان يعتمد بدرجة كبيرة على الفلاحة والفوسفاط الخام والسياحة، بينما أصبح اليوم أكثر تنوعا بفضل الأوراش الكبرى وظهور ما يسمى بـ”المهن العالمية” للمغرب.
ويستند في ذلك إلى مجموعة من القطاعات التي أصبحت، بحسب قراءته، ركائز جديدة للاقتصاد الوطني، ولعل أبرزها صناعة السيارات والطيران، إلى جانب الصناعات الغذائية والإلكترونية والميكانيكية والنسيج والألبسة والجلد والصناعات التقليدية والخدمات.
وأشار جدري إلى أن صناعة السيارات تعتبر اليوم إحدى أبرز مظاهر هذا التحول، مشيرا إلى قدرة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا، وإلى رقم معاملات تجاوز 153 مليار درهم في السنة الماضية؛ وهي الصورة نفسها التي حضرت بقوة في الخطاب الملكي، حيث أكد جلالته أن “المملكة اليوم، أول مصدر للسيارات في إفريقيا”، مشيراً إلى أن قدرتها الإنتاجية تقارب مليون سيارة سنوياً.
ولا يقف هذا التحول، في قراءة جدري، عند صناعة السيارات، بل يمتد إلى قطاع الطيران، حيث يرى أن المغرب ينتقل تدريجيا من مرحلة تركيب أجزاء الطائرات إلى بناء قاعدة صناعية أكثر تكاملا، تشمل مصانع متخصصة في محركات الطائرات وأنظمة الهبوط، الأمر الذي ينسجم مع تأكيد جلالته أن المغرب دخل “النادي المصغر، للدول التي تتوفر على أكبر المراكز الصناعية، في مجال صناعة محركات وأنظمة هبوط الطائرات”.
وأبرز جدري أن الفوسفاط أيضا يوجد ضمن عناصر القوة الاقتصادية الجديدة، ليس فقط باعتباره موردا تقليديا، وإنما من خلال ارتباطه، وفق تعبيره، بمعادلة الأمن الغذائي العالمي.
من تنويع الاقتصاد إلى تعزيز السيادة
وركز خطاب العرش على أن التحول الاقتصادي لا يرتبط بتوسيع قاعدة الإنتاج وتنويع القطاعات فحسب، وإنما يتصل أيضا برهان تعزيز قدرة المغرب على تأمين حاجياته الأساسية وبناء قدرات وطنية في قطاعات استراتيجية.
وفي هذا السياق، يقرأ جدري مضامين الخطاب السامي من زاوية الأمل والتفاؤل، مستنداً في ذلك إلى مؤشرات الاقتصاد الكلي، وإلى قدرة المملكة على الحفاظ على توازناتها الاقتصادية، رغم السياق الدولي الذي يطبعُه قدر كبير من التقلبات والضغوط.
ويشير إلى معدل نمو يقارب 4.9 في المئة خلال السنة الماضية، مع توقع بلوغ حوالي 5.2 أو 5.3 في المئة خلال السنة الحالية، معتبراً أن هذه المؤشرات تعطي أساساً موضوعياً لقراءة متفائلة للمسار الاقتصادي.
وأشار رئيس مرصد العمل الحكومي، إلى ما وصفه الخطاب الملكي بكون الصناعات الغذائية والدوائية أصبحت تغطي ما يقارب 80 في المئة من الحاجيات الوطنية، مع توجه المملكة نحو بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية في مجال الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني.
وبذلك، يتحول مفهوم السيادة في قراءة الخطاب من مجرد تأمين الحاجيات الأساسية إلى بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية قادرة على دعم الاقتصاد الوطني، وتعزيز قدرته على الصمود، وفتح مجالات جديدة أمام الاستثمار.
من تحصين المكتسبات إلى استشراف المستقبل
ويشكل استشراف المستقبل المستوى الثالث في قراءة جدري لخطاب العرش، حيث ينتقل الخطاب من تقييم حصيلة المسار التنموي إلى تحديد ملامح المرحلة المقبلة، وما تفرضه من أهداف ورهانات جديدة تتجاوز ما تحقق إلى توسيع المكتسبات وتعزيز مسار النمو.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي، أن النموذج التنموي الجديد بات واضح المعالم، وأن المغرب مقبل على مرحلة تستهدف الانتقال إلى اقتصاد أكبر وأكثر قدرة على خلق الثروة والقيمة المضافة وفرص الشغل، واضعا ضمن هذه الرؤية هدف الانتقال من ناتج داخلي خام في حدود 130 مليار دولار سنة 2021 إلى أكثر من 260 مليار دولار في أفق 2035، إلى جانب الرفع من مستوى الدخل الفردي للمغاربة.
ولا يتوقف هذا الاستشراف عند المؤشرات الاقتصادية، إذ يربطه جدري بمجموعة من الأهداف القطاعية، من بينها الوصول إلى إنتاج مليوني سيارة، وبلوغ 26 مليون سائح في أفق 2030، ومواصلة بناء المستشفيات الجامعية، وتوسيع ورش الحماية الاجتماعية، إلى جانب مواصلة تنظيم التظاهرات الدولية الكبرى، وفي مقدمتها احتضان المغرب لنهائيات كأس العالم 2030.
وفي هذا السياق، يبرز أيضا رهان التمويل باعتباره أحد شروط المرحلة المقبلة، فقد خصص الخطاب الملكي للذكرى الـ27 لعيد العرش حيزاً مهماً لدور القطاع المالي الوطني، داعياً إلى مواكبة الاستثمار والمشاريع الكبرى، وتوسيع الولوج إلى التمويلات البنكية وغير البنكية، خصوصاً لفائدة المقاولات الصغيرة والمتوسطة والابتكار والتصنيع والتصدير، مع تعبئة الادخار الوطني وإنعاش الأسواق المالية.
وبالنسبة لجدري، فإن هذه الرهانات تتجاوز هدف تحقيق الازدهار الاقتصادي في حد ذاته، لتتجه نحو طموح أكبر يتمثل في جعل المغرب “قوة اقتصادية إقليمية” في شمال إفريقيا وغرب إفريقيا ومحيطه المتوسطي.
وخلص جدري إلى أن المسار التنموي للمغرب أصبح “واضح المعالم”، تقوده رؤية استراتيجية يقودها جلالة الملك، معتبرا أن الهدف خلال المرحلة المقبلة يتمثل في مواصلة هذا المسار إلى أبعد مدى، بما يسمح بتحقيق الأهداف المرسومة في أفق 2035.
قال رشيد ساري، الخبير الاقتصادي ورئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، إن الخطاب الملكي السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، حمل ثلاثة أبعاد رئيسية، الأولى ذات بعد اقتصادي، والثانية بعد اجتماعي، وبعد مؤسساتي وسياسي، وقد شكلت مجتمعة قراءة شاملة لمسار المغرب التنموي ومكانته الإقليمية والدولية.
البعد الاقتصادي: من صناعة السيارات إلى الهيدروجين الأخضر
في تحليله للبعد الاقتصادي من الخطاب، أوضح رشيد ساري أن جلالة الملك محمد السادس تناول المسار المتميز الذي يعرفه الاقتصاد الوطني، مشيرا إلى أن صناعة السيارات باتت اليوم تحقق عائدات تتجاوز تلك المحققة من الصناعة الاستخراجية للفوسفاط، وهو مؤشر بحسب المتحدث، على “التحول العميق الذي يعرفه النموذج الاقتصادي المغربي”.
وأضاف الخبير الاقتصادي في حديثه لـ “AM+ MEDIA “، أن جلالة الملك تطرق أيضا إلى المسار التنموي في مجالات متعددة، على رأسها الطاقات المتجددة وبالخصوص ورش الهيدروجين الأخضر الذي بات يحتل موقعا استراتيجيا ضمن الرؤية التنموية للمملكة.
كما أشار ساري إلى أن الخطاب الملكي تطرق في شقه الاقتصادي إلى صناعة الأسلحة التي ولج إليها المغرب حديثا، إضافة إلى الصناعات الدوائية، موضحا أن صاحب الجلالة أكد أن المغرب أصبح اليوم يؤمّن حاجياته من الأمن الصحي بنسبة تفوق 80 في المائة، وهو ما اعتبره المتحدث “مؤشرا جد مهم” على مستوى السيادة الدوائية للبلاد.
وتوقف رشيد ساري كذلك عند إشارة جلالة الملك إلى معدلات النمو الاقتصادي، التي من المرتقب أن تتجاوز 5 في المائة خلال سنة 2026، معتبرا أن الخطاب سلط الضوء على الكيفية التي استطاع بها المغرب بفضل سياساته واستراتيجياته أن يصبح صاحب دور ريادي على المستوى الإفريقي، مسجلا أن المملكة أصبحت اليوم أول مصدر للسيارات في القارة الإفريقية، بطاقة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا، ما يجعل المغرب ينضم إلى نادي الدول المصغّرة في صناعة السيارات على الصعيد العالمي.
وفي هذا الإطار، لفت الخبير إلى نقطة اعتبرها جوهرية أثارها جلالة الملك، تتعلق بحاجة هذه المشاريع الكبرى إلى تمويلات، مشددا على أن البلاد في حاجة إلى انخراط أكبر للأبناك والمؤسسات المالية في تمويل هذه الأوراش التنموية.
البعد الاجتماعي: تعميم الحماية الاجتماعية والعدالة المجالية
انتقالا إلى البعد الثاني، أوضح رشيد ساري لـ “AM+ MEDIA “، أن جلالة الملك محمد السادس تطرق إلى نقطة جد مهمة تتعلق بالشق الاجتماعي، من خلال التركيز على الحماية الاجتماعية عبر تعميم التغطية الاجتماعية ودعم الفئات الهشة.
كما لفت المتحدث إلى أن الخطاب الملكي تناول أيضا محور العدالة الاجتماعية والمجالية، وكذا التنمية البشرية، من خلال التأكيد على ضرورة مواصلة تنزيل برامج التنمية الترابية المندمجة لتشمل جميع الجهات دون استثناء.
وأضاف ساري أن جلالة الملك، حين تحدث عن العدالة المجالية، ركز على ضرورة تقليص الفوارق بين المناطق وضمان شمولية المشاريع التنموية لكل ربوع المملكة، مذكّرا بأن الخطاب لم يغفل الإشارة إلى المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والأدوار المحورية التي تلعبها في هذا المسار.
البعد المؤسساتي والسياسي: الاستقرار “عملة نادرة” ومكانة دولية متنامية
وفي محور البعد المؤسساتي والسياسي، أكد رشيد ساري أن جلالة الملك أشار بوضوح إلى الاستقرار السياسي الذي تنعم به المملكة، معتبرا إياه “عملة نادرة” في محيط إقليمي ودولي يطبعه الاضطراب.
كما تطرق صاحب الجلالة، بحسب تحليل الخبير إلى ضرورة انسجام وتكامل المؤسسات وهو ما من شأنه حسب المتحدث، أن يعزز نجاعة الدولة في مواجهة التحديات والأزمات المختلفة.
وأضاف ساري أن الخطاب تناول أيضا المكانة الدولية المتنامية التي بات يحتلها المغرب، باعتباره فاعلا اقتصاديا وشريكا موثوقا، وذلك بفضل سياساته الاقتصادية والبنيات التحتية التي يتوفر عليها خاصة على المستوى الصناعي إضافة إلى التنويع الذي يعرفه الاقتصاد الوطني، والذي لم يعد يقتصر على المجالات الصناعية والسياحية والفلاحية فقط بل امتد ليشمل الطاقات المتجددة والتنمية المستدامة، مع الدعوة إلى طرح عروض شراكات جديدة ومتوازنة مع مختلف الشركاء الدوليين.
مكاسب “تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني“
وشدد رشيد ساري على نقطة اعتبرها ذات بعد استراتيجي عميق في تفكير الدولة، تتمثل في حديث جلالة الملك عن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية التي تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، موضحا أن الأمر يتعلق اليوم بـ”سياسة دولة” بالمعنى الكامل للكلمة.
وخلص المتحدث في هذا الصدد، إلى أن المغرب في حاجة اليوم إلى أحزاب قوية وحكومة قوية، قادرة على استكمال مسار التنمية الذي جعل المملكة تنضم إلى مصاف الدول الصاعدة.
وفي ختام تصريحه، أكد رشيد ساري أن ما وصل إليه المغرب من مكتسبات ومنجزات هو نتيجة استراتيجيات ومتابعة دقيقة، أساسها تغليب مصلحة المواطن على المصلحة الشخصية، على غرار ما أشار إليه صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطابه، الذي أكد أنه لم يكن يوما يبحث عن إنجاز أو مكسب شخصي، بل كان همه الأول والأخير هو المواطن المغربي.
لم يأتِ الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش لعرض حصيلة اقتصادية واجتماعية فحسب، بل حمل ملامح مرحلة جديدة في النموذج التنموي المغربي، قوامها الانتقال من منطق تدبير النمو إلى بناء اقتصاد أكثر سيادة وقدرة على المنافسة والصمود في عالم يتجه نحو إعادة تشكيل موازين الاقتصاد العالمي.
وفي قراءة لمضامين الخطاب، أكد عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، خليد حاتيمي، في تصريح لـ”AM+ MEDIA”، أن الرسالة الأساسية التي حملها الخطاب تتمثل في أن المغرب لم يعد يراهن فقط على تحقيق نسب نمو ظرفية، وإنما يعمل على بناء اقتصاد يستند إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تجعل من الاستقرار، والسيادة الاقتصادية، والابتكار، واستمرارية الدولة، ركائز أساسية للتنمية.
ويرى حاتيمي أن الرسالة المركزية للخطاب الملكي ترتكز على ثلاثة مرتكزات استراتيجية مترابطة؛ أولها تعزيز السيادة الوطنية في القطاعات الحيوية والاستراتيجية، وثانيها تنويع الاقتصاد الوطني والانتقال نحو صناعات المستقبل القادرة على خلق الثروة ورفع القدرة التنافسية، وثالثها بناء دولة اجتماعية قوية تضمن العدالة الاجتماعية والعدالة المجالية.
ويؤكد أن هذه المرتكزات لا تُطرح كأوراش منفصلة، بل كعناصر متكاملة ضمن رؤية ملكية واحدة تروم ترسيخ مكانة المغرب كقوة إقليمية صاعدة وتحقيق تنمية شاملة ومستدامة.
وفي هذا السياق، يرى حاتيمي أن افتتاح الخطاب بالحديث عن الأمن والاستقرار لم يكن اعتباطياً، بل يعكس إدراكاً بأن الاستقرار أصبح اليوم رأسمالاً اقتصادياً لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية أو المالية، خاصة في ظل بيئة دولية تتسم بتزايد المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية.
ويبرز المتحدث ذاته أن التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، جعلت الاستقرار السياسي والمؤسساتي عملة نادرة، وهو الأمر الذي يشكل أحد أهم عناصر قوة الدولة المغربية، مردفا أن “الاستثمار اليوم يبحث قبل كل شيء عن وضوح الرؤية ونجاعة المؤسسات، ما يجعل الاستقرار الذي ينعم به المغرب رصيداً استراتيجياً يعزز جاذبيته الاقتصادية”.
ويضيف أن الخطاب لا يكتفي بإبراز أهمية الاستقرار، بل يربطه مباشرة بقدرة الدولة على تدبير الأزمات، معتبراً أن ما راكمه المغرب خلال السنوات الماضية من إصلاحات واستثمارات استراتيجية هو الذي مكنه من تعزيز مناعته في مواجهة التقلبات.
وقال بهذا الصدد: “أثبتت مواجهة الأزمات بالمملكة، سواء المرتبطة بالتقلبات المناخية أو بالتحولات الاقتصادية الدولية، صواب الرؤية الاستراتيجية للمغرب، التي جعلت من السيادة الوطنية ركيزة للتنمية. فبفضل الاستثمارات المتراكمة في الأمن الغذائي والدوائي، والطاقات المتجددة، والبنية التحتية، والأمن السيبراني، والصناعات الدفاعية، والهيدروجين الأخضر، أصبح المغرب أكثر قدرة على مواجهة الأزمات واستشراف المستقبل. ويقوم هذا المسار على التشخيص الدقيق، والاستشراف، والتدرج في التنفيذ، والمواكبة المستمرة، في إطار رؤية سيادية بعيدة المدى”.
ويعتبر حاتيمي أن الخطاب الملكي السامي يعلن أيضاً عن انتقال الاقتصاد المغربي إلى مرحلة جديدة، لم يعد فيها الرهان مقتصراً على استقطاب الاستثمارات، بل أصبح موجهاً نحو نقل التكنولوجيا، وتوطين المعرفة، وبناء صناعات المستقبل، باعتبارها المدخل الحقيقي لتعزيز السيادة الاقتصادية.
ولفت عضو المكتب السياسي لـ”البام” أن التحول الاقتصادي الحقيقي يبدأ بنقل التكنولوجيا وتوطين الخبرة، لبناء صناعات المستقبل، وتعزيز السيادة الصناعية، وترسيخ ريادة المغرب إقليمياً وقارياً”.
ويؤكد أن المؤشرات التي استعرضها الخطاب تعكس نجاح هذا التحول، بعدما أصبحت الصناعات ذات القيمة المضافة العالية تقود الاقتصاد الوطني وتمنحه قدرة أكبر على المنافسة في الأسواق الدولية.
ويرى خليد حاتيمي أن “نجاح المغرب في بناء صناعات السيارات والطيران والبطاريات والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر يعكس وضوح الرؤية الاستراتيجية للمملكة، القائمة على مبدأين أساسيين: السيادة الاقتصادية وتنويع الاقتصاد، باعتبارهما أساساً لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الريادة الإقليمية والقارية”.
وفيما يتعلق بصعود المغرب ليصبح أول مصدر للسيارات في إفريقيا، بقدرة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا، وتجاوز صادرات قطاعات السيارات والطيران، 40 بالمئة من إجمالي الصادرات، متقدمة في ذلك على الفوسفاط، وفق ما جاء في خطاب العرش، أوضح حاتيمي أن “الفوسفاط لم يعد وحده قاطرة الصادرات المغربية؛ في دليل واضح على نجاح المغرب في بناء اقتصاد متنوع، قائم على الصناعات ذات القيمة المضافة العالية”.
وفي المقابل، يشدد حاتيمي على أن الخطاب الملكي لم يفصل بين التنمية الاقتصادية والبعد الاجتماعي، بل قدم تصوراً يعتبر أن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال اقتصاد قوي قادر على إنتاج الثروة وتوفير فرص الشغل.
وزاد موضحا ألا “دولة اجتماعية بدون دولة اقتصادية قوية، فخلق الثروة هو المدخل إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والعدالة المجالية، وهو ما يعكس الترابط الاستراتيجي بين الأولويات في الرؤية التنموية للمملكة”.
وفي الإطار نفسه، يرى المتحدث أن الخطاب وجه رسالة واضحة إلى القطاع المالي، باعتباره شريكاً رئيسياً في إنجاح المرحلة المقبلة، داعياً إلى تطوير آليات التمويل بما يواكب التحولات الاقتصادية العالمية ويستجيب لحاجيات الاستثمار.
واسترسل شارحا أن “اقتصاد المستقبل لا يُبنى بآليات تمويل الأمس، لذلك دعا الخطاب الملكي السامي إلى قطاع مالي أكثر جرأة في تمويل الاستثمار، وأكثر استعداداً لتقاسم المخاطر، بما يفرض انخراطاً أقوى للقطاع البنكي في مواكبة المقاولات، خاصة الصغرى والمتوسطة، والانتقال من منطق الضمانات إلى منطق الثقة وخلق القيمة”، لافتا إلى أن “المرحلة المقبلة تتطلب حلولاً مالية أكثر ابتكاراً، قادرة على تعبئة الادخار الوطني، وإنعاش الأسواق المالية، وتمويل الابتكار والتصنيع والتصدير”.
ويرى حاتيمي أن من أهم الرسائل التي حملها الخطاب الملكي ترسيخ مفهوم استمرارية الدولة، باعتباره أحد أسرار النموذج المغربي في تحقيق التراكم التنموي، بعيداً عن منطق تدبير الولايات الحكومية المتعاقبة.
ولفت في هذا السياق أن خصوصية النموذج المغربي تكمن في الجمع بين الديمقراطية واستمرارية الدولة؛ فالزمن السيادي يرسم الرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد، بينما تضطلع الحكومات بتنفيذ مراحلها، لذلك فالمنجزات الوطنية ليست حصيلة حكومة بعينها، بل هي نتاج تراكمات وسياسات مخطط لها تتجاوز الولاية الحكومية. فالدولة المغربية تسير وفق بوصلة استراتيجية ثابتة، ضامنها جلالة الملك، وهو ما يمنح المشاريع الكبرى استمراريتها ويعزز الثقة في المستقبل”.
ويخلص الخبير الاقتصادي خليد إلى أن الخطاب الملكي يقدم رؤية استراتيجية للمرحلة المقبلة، تقوم على ترابط السيادة الوطنية، والتصنيع، والابتكار، والتمويل، والدولة الاجتماعية، باعتبارها ركائز متكاملة لنموذج تنموي أكثر تنافسية واستدامة.
ويرى عضو المكتب السياسي لحزب “الأصالة والمعاصرة” أن نجاح هذه الرؤية يقتضي مواصلة الإصلاحات، وتعزيز القدرة الإنتاجية الوطنية، وترسيخ اقتصاد قادر على خلق القيمة المضافة وفرص الشغل، بما يدعم تموقع المغرب كفاعل اقتصادي إقليمي وقاري، ويعزز قدرته على التكيف مع التحولات الدولية وتحويلها إلى فرص للتنمية.
تابع حزب الأصالة والمعاصرة باهتمام شديد، مضمون الخطاب الملكي السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، إلى الأمة، مساء اليوم الأربعاء، بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، وذلك في بلاغ صادر عن الحزب اعتبر فيه أن الخطاب حمل “الكثير من المنجزات والرسائل البليغة”، سواء على المستوى الوطني، عبر إبراز التطور الذي تعيشه البلاد على مختلف الأصعدة في محيط دولي وإقليمي مطبوع بالتقلبات أو على المستوى الدولي، من خلال تكريس مكانة المغرب كفاعل دولي موثوق ومحترم ومسموع الصوت، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن جلالة الملك لم يغفل الإشارة إلى التحديات التي تواجه مستقبل هذه الأمة العريقة
وفي مستهل بلاغه، تقدم حزب الأصالة والمعاصرة بأحر التهاني وأجمل التبريكات لجلالة الملك وللشعب المغربي قاطبة بهذه المناسبة الوطنية الغالية، معتزا بما تحقق من تطور خلال العهد الزاهر لجلالته، معتبرا هذه المحطة الوطنية لحظة أساسية لتجديد روابط البيعة والوفاء العميق بين العرش والشعب.
وأعرب الحزب عن اعتزازه بالمنجزات التي حققتها البلاد في مختلف المجالات، لاسيما الفلاحية والطاقية والصناعية والسياحية والمالية، إلى جانب تأمين السيادة الغذائية والدوائية للمغرب، وذلك بفضل الإرادة الملكية العظيمة التي لا تقتصر على تطوير البلاد فحسب، بل تسعى أيضا إلى خدمة الشعب وتمكينه من حياة حرة وكريمة، بحسب البلاغ.
وقدّر الحزب عاليا دعوة جلالة الملك الكريمة إلى التحلي بخطاب الثقة والتفاؤل، عوض خطابات اليأس والإحباط، معتبرا هذا التوجه الملكي مدخلا أساسيا لكسب تحديات المرحلة الفاصلة التي تعيشها البلاد في مسارها التنموي.
كما عبّر الحزب عن افتخاره بدور جلالة الملك في استتباب الأمن والاستقرار السياسي الذي تنعم به البلاد، وبنجاعة عمل مؤسسات الدولة وتعاونها وانسجامها، وما لذلك من أثر في تعزيز عمل الدولة من أجل مواصلة الإنجازات ورفع التحديات.
وأشار البلاغ إلى اعتزاز الحزب بتأكيد جلالة الملك من جديد على ضرورة مجابهة الفوارق المجالية، عبر التنزيل الفعال لبرامج التنمية الترابية المندمجة لتشمل كل المناطق والجهات، مثمنا كذلك دعوة جلالته، القطاع المالي الوطني إلى الانخراط الجدي في هذه الأوراش التنموية.
واعتبر حزب الأصالة والمعاصرة أن التطور الذي تشهده البلاد اليوم هو ثمرة سنوات من التراكمات الإيجابية المبنية على التوجيهات الاستراتيجية والاختيارات السديدة لجلالة الملك، مؤكدا وعيه التام بالتحديات المطروحة، واستمراره في الانخراط الوطني القوي والمسؤول وراء جلالة الملك في المرحلة المقبلة، التي يتمنى جلالته، أن تشكل دورة جديدة في المسار التنموي لتحصين المكاسب ومواصلة الإصلاحات.
وفي ختام بلاغه، وجّه حزب الأصالة والمعاصرة تحية إجلال وإكبار للقوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والإدارة الترابية والأمن الوطني والقوات المساعدة والوقاية المدنية على تجندها الدائم وراء القيادة الرشيدة لجلالة الملك، دفاعا عن استقرار الوطن وأمنه ووحدته.
وجّه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، مساء يوم الأربعاء، خطابا ساميا إلى الأمة المغربية، بمناسبة الاحتفال بعيد العرش المجيد الذي يخلّد الذكرى السابعة والعشرين لتربع جلالته على عرش أسلافه الميامين.
وحمل الخطاب، الذي جاء في سياق إقليمي ودولي مطبوع بالتقلبات، نفسا يمزج بين الاعتزاز بالمنجزات المحققة والتفاؤل بمستقبل البلاد، مع تأكيد متجدد على أن الاستقرار الذي ينعم به المغرب يمثل استثناء يستحق الحفاظ عليه وتثمينه.
واستهل جلالة الملك خطابه بالعودة إلى بدايات هذه مسيرة التلاحم بين الملك والشعب، مستحضرا ثقل المسؤولية التي تحملها منذ ربع قرن وسنتين حيث اعتبر أنها لم تكن مجرد محطة تاريخية عابرة بل التزام متواصل، في قوله: “سبع وعشرون سنة، منذ أن شاءت إرادة الله تعالى أن أتحمل أمانة قيادتك، وهي أمانة عظيمة، ومسؤولية جسيمة”.
وربط جلالته ما تحقق خلال هذه السنوات بفضل الله أولا، مستشهدا بالآية القرآنية الكريمة في إشارة إلى أن العطاء الإلهي يقترن بالشكر والعمل، وأضاف: “وإننا نحمد الله تعالى ونشكره، على ما أنعم به علينا من توفيق وسداد، في عملنا من أجل تحقيق تطلعاتك والتجاوب مع انشغالاتك مصداقا لقوله عز وجل، ‘لئن شكرتم لأزيدنكم’”.
نفي البحث عن “المجد الشخصي” وتأكيد أولوية خدمة المغاربة
في مقطع لافت من الخطاب، حرص عاهل البلاد على تبديد أي قراءة قد تربط الحصيلة التنموية والدبلوماسية للمغرب بسعي إلى بريق شخصي أو مكانة رمزية، إذ شدد جلالته بشكل واضح وصريح: “كما أنني لم أبحث يوما عن مجد شخصي، أو عن الاعتراف بدور ريادي، على المستوى القاري أو الدولي بل كل ما يهمني هو النهوض بأمانة خدمتك، وتمكين جميع المغاربة من شروط العيش الحر الكريم”.
وهي عبارات تحمل دلالة سياسية واضحة، إذ أعاد الملك من خلالها التموضع بوصفه في خدمة مشروع جماعي وطني، لا باعتباره صاحب مبادرة فردية تستدعي التقدير الخارجي.
مزيج من “الاعتزاز والتفاؤل” لا “الرضا عن الذات“
وعند تقييمه لمسار العمل المشترك بين العرش والشعب على مدى العهد، اختار الملك محمد السادس مفردات دقيقة لوصف الحالة النفسية والسياسية التي يعيشها المغرب اليوم، فقال: “واليوم، ومن خلال إلقاء نظرة على ما حققناه سويا، يخالجني مزيج من مشاعر الاعتزاز بالمكاسب المحققة، والتفاؤل بالمستقبل”.
ولم يفت جلالته أن يميّز بين هذا الشعور وأي تصور مبالغ فيه للرضا الذاتي، موضحا: “إن الأمر لا يتعلق هنا بمجرد إحساس بالرضا عن الذات؛ وإنما هو شعور إيجابي بالثقة والطمأنينة، يعطينا القوة والحافز على مواصلة الجهود”.
وفسّر الملك هذه النتائج بكونها محصلة نهج حكم واضح المعالم، لا وليدة الظروف أو الصدفة، بقوله: “فكل ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة توجه استراتيجي واضح ومذهب في الحكم يقوم على المبادرة والمتابعة الدقيقة والنقد الذاتي البناء، والتطلع إلى المستقبل بكل عزم وروح إيجابية”.
دعوة إلى “روح الثقة” في وجه “خطابات اليأس“
وانتقل جلالة الملك إلى محور مركزي في الخطاب، متوجها مباشرة إلى المغاربة بدعوة صريحة إلى تبني منطق التفاؤل والثقة بدل الاستسلام لمنطق التشكيك، قائلا: “شعبي العزيز، إننا نعيش اليوم، مرحلة فاصلة في المسار التنموي ببلادنا، حيث يجب أن تسود روح الثقة والتفاؤل على خطابات اليأس والإحباط”.
وفي هذا السياق، أشار جلالته إلى أن أحد أهم مصادر الفخر الوطني اليوم لا يكمن فقط في الإنجازات القطاعية بل في جودة الحكامة نفسها، إذ قال: “وإن أكثر ما يبعث على الفخر والاعتزاز، هو ما ينعم به المغرب من أمن واستقرار، وما يتميز به عمل مؤسسات الدولة من نجاعة وفعالية”.
الاستقرار.. “عملة نادرة” و”رأسمال استراتيجي” في زمن الاضطرابات
ووضع الملك محمد السادس الاستقرار المغربي في مقابل السياق الإقليمي والدولي المتقلب، معتبرا أنه ميزة تنافسية نادرة يجب الحفاظ عليها، فقال: “ففي محيط إقليمي ودولي مطبوع بكثرة التقلبات والاضطرابات، يشكل الاستقرار السياسي والمؤسسي عملة نادرة لا تقدر بأي ثمن”.
وذهب جلالته إلى حد اعتبار هذا الاستقرار متغيرا حاسما في أي معادلة تنموية مستقبلية للمغرب، بقوله: “فالاستقرار اليوم، هو العامل الأساسي في معادلة التنمية وهو الرأسمال الاستراتيجي الذي يعتز به المغرب”.
المغرب “دولة أمة” ونجاعة مؤسساتية تحت الأضواء الدولية
وعاد جلالة الملك إلى الجذور التاريخية والمؤسساتية لقوة المغرب، معتبرا أن تماسك الدولة نابع من طبيعتها العريقة كـ”دولة -أمة”، حيث قال: “شعبي العزيز، إن المغرب دولة عريقة، تستمد قوتها من تقاليدها الراسخة، كدولة أمة، تقوم فيها المؤسسات بدورها، في إطار من الانسجام والتكامل”.
وربط جلالته هذا الانسجام المؤسساتي مباشرة بالقدرة على مواجهة التحديات المتراكمة، مضيفا: “وهذا ما يعطي النجاعة اللازمة لعمل الدولة، لمواصلة الإنجازات ورفع التحديات رغم الصعوبات والإكراهات”.
واستحضر الملك محمد السادس النجاح التنظيمي للمغرب في استضافة التظاهرات القارية والدولية بوصفه دليلا ملموسا على هذه النجاعة، وما رافق ذلك من تقدير خارجي، إذ قال: “وهو ما أبان عنه المغرب، بالتنظيم الجيد للتظاهرات القارية والدولية؛ مما جعله محط إعجاب وتقدير عبر العالم، وأثار غيرة البعض أحيانا”.
في السابع من غشت المقبل، لن يكون مشهد تسلّم الرئيس الكولومبي المنتخب أبيلاردو دي لا إسبرييلا مقاليد السلطة في بوغوتا حدثا محليا عابرا، فبين أولى القرارات التي أعلن عنها الرجل الملقّب بـ”النمر”، وهو المحامي وصاحب أعمال يمينيّ حظي بدعم علني من دونالد ترامب، إغلاقُ 14 سفارة كولومبية حول العالم على رأسها سفارة الجزائر إلى جانب سفارات كوبا ونيكاراغوا وأذربيجان وباربادوس والتشيك وإثيوبيا وغانا وهايتي والمجر وماليزيا ورومانيا والسنغال وجنوب إفريقيا، مقابل فتح سفارة جديدة في نيجيريا وإعادة فتح البعثة في القدس بعدما كان الرئيس المنتهية ولايته غوستافو بيترو قد قطع العلاقات مع إسرائيل على خلفية حرب غزة.
دي لا إسبرييلا كان واضحا في تبرير قراره، وهو يقول “لن تكون هناك أي علاقة مع الأنظمة الاستبدادية في حكومتي”، في إشارة مباشرة إلى كوبا ونيكاراغوا اللتين ستُقطع معهما العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل، بينما ستتحول باقي السفارات المُغلقة، ومن ضمنها سفارة الجزائر إلى تمثيل قنصلي غير مقيم تُغطيه سفارات أخرى في المنطقة، كما سيتولى وزارة الخارجية الجديدة عمر بولا إسكوبار، وسيُشرف على مراجعة تقنية لكل التمثيليات الكولومبية المتبقية خلال أول مئة يوم من الحكم.
لكن الخبر الذي بدا في ظاهره حديثا عن “ترشيق” السلك الدبلوماسي الكولومبي وإعادة التموضع نحو واشنطن وتل أبيب، يخفي في جوفه معنى أعمق وأكثر إيلاما لجهة أخرى بعيدة جغرافيا عن أمريكا اللاتينية وهي جبهة البوليساريو الانفصالية وحاضنتها الجزائرية، حيث أن إغلاق سفارة الجزائر بالتحديد يصبّ مباشرة في مصلحة الرباط ويمثل ضربة لحلفاء البوليساريو في القارة.
والحقيقة أن هذا الحدث ليس إلا الفصل الأخير وربما الأكثر دراماتيكية من مسلسل طويل بدأ يتكشف منذ سنوات، وهو مسلسل انهيار ممنهج لآخر معاقل الميليشيا الانفصالية في نصف الكرة الغربي.
“الحصن الأخير”.. لماذا كانت كولومبيا بالذات لا تُعوَّض
لفهم حجم الخسارة التي تكبّدتها الجبهة الانفصالية بسقوط بوغوتا في يد اليمين، يجب استحضار حقيقة جغرافية سياسية دقيقة مفادها أن كولومبيا لم تكن مجرد دولة أخرى من بين عشرات الدول التي تعترف أو لا تعترف بالجبهة الانفصالية، بل كانت ولا تزال حتى انتهاء ولايتها، عضوا غير دائما في مجلس الأمن الدولي لفترة 2026-2027.
وحين انتهت عضوية الجزائر نفسها في مجلس الأمن في دجنبر 2025، عقدت جبهة البوليساريو الانفصالية آمالا عريضة على أن ترث بوغوتا في ظل حكم غوستافو بيترو اليساري موقع “المحامي الداخلي” لما يعتبرونه “قضية” داخل أقوى هيئة في الأمم المتحدة، بل إن الجبهة الانفصالية بعثت قبل أيام فقط من إعلان نتائج الانتخابات الكولومبية، برسالة رسمية إلى رئاسة كولومبيا لمجلس الأمن، التي كانت تتولى الرئاسة الدورية لشهر يونيو تطالب فيها بعقد جلسة طارئة بخصوص ما وصفته بضربات جوية مغربية شرق الجدار الأمني.
فما الذي جعل كولومبيا “حصنا” بهذا الوزن في المقام الأول؟ الجواب يعود إلى تاريخ طويل ومتقلب بدأ في الثمانينيات، ثم عاد للانفجار بشكل مفاجئ في 2022.
من “التجميد” إلى “الإحياء”.. حين أخرج بيترو بيان 1985 من الأدراج
اعترفت كولومبيا بالجبهة الانفصالية لأول مرة في 27 فبراير 1985، أي في عهد الرئيس بليساريو بيتانكور، لكنها جمّدت هذا الاعتراف في 20 دجنبر 2000 في عهد الرئيس أندريس باسترانا، ليبقى الملف طي النسيان في الدبلوماسية الكولومبية لأكثر من عقدين.
ثم جاء غوستافو بيترو، الزعيم اليساري السابق في حركة “19 أبريل” المسلحة، ليتسلم السلطة في 7 غشت 2022 بصفته أول رئيس يساري في تاريخ كولومبيا، ولم يمر على تنصيبه سوى ثلاثة أيام فقط حين أعلن حكومته استعادة العلاقات الدبلوماسية مع جبهة البوليساريو الانفصالية، في لقاء جمع مسؤولين كولومبيين ومن الجبهة الانفصالية.
ويعد الأمر، استحضارا روحيا لحرب باردة انتهت ونبش لبيان مشترك عمره 37 عاما لإحياء دولة ورقية لا أرض لها ولا مؤسسات ولا عضوية في الأمم المتحدة، فيما المفارقة أن قرار بيترو جاء بعد أشهر قليلة من تصريح دبلوماسي كولومبي سابق في أكتوبر 2021، فقد أشار فيه إلى أن الاختصاص القنصلي للسفارة الكولومبية بالمغرب يمتد “ليشمل كل التراب المغربي، بما فيه الصحراء”، وهو ما فُهم وقتها كإشارة ضمنية لدعم السيادة المغربية، قبل أن تتراجع بوغوتا عن التفسير الحرفي لذلك التصريح وتؤكد تشبثها بموقفها “التاريخي” الداعم لمسار الحل الأممي دون تسمية صريحة لصاحب السيادة.
البرلمان يتمرد على الرئيس.. حين رفض 62 من 108 شيوخ كولومبيين قرار بيترو
القرار، الذي اتخذه بيترو من قصر نارينيو لم يكن يعكس بأي شكل مزاج الطبقة السياسية الكولومبية ولا حتى معسكرها الحزبي، فبعد أسابيع قليلة فقط من إعادة الاعتراف بالبوليساريو وقّع 62 من أصل 108 أعضاء في مجلس الشيوخ الكولومبي من تسعة أحزاب سياسية مختلفة على مذكرة استنكار غير مسبوقة بتاريخ 19 أكتوبر 2022، اعتبروا فيها أن الخطوة تنتهك اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، ولا تعبّر عن الرأي العام الكولومبي، وتُخرّب شراكة استراتيجية طويلة الأمد مع الرباط.
ولم يتراجع بيترو، بل تصلّب في موقفه فجاء رد الكونغرس أقوى في المرة الثانية، ففي 28 نونبر 2023 مرّرت الغرفة العليا مذكرة أخرى بتأييد 65 من أصل 105 شيوخ، مؤكدة مجددا دعمها ل الترابية للمغرب
وفي فبراير 2025، أكد رئيس الكونغرس الكولومبي إفراين سيبيدا، وهو شخصية مختلفة تماما عن السيناتور اليساري إيفان سيبيدا الذي خسر الرئاسة أمام دي لا إسبرييلا، أن أكثر من 70% من أعضاء البرلمان يرفضون اعتراف بيترو بالجبهة الانفصالية، وذلك عقب لقائه بسفيرة المغرب في بوغوتا فريدة لوداية.
وأشار سيبيدا في المناسبة نفسها إلى أن التبادل التجاري بين المغرب وكولومبيا بلغ 350 مليون دولار سنة 2022، أي بعبارة أخرى، كان بيترو “رئيسا منفردا” في قراره على رأس السلطة التنفيذية يسبح عكس تيار كونغرس معادٍ لموقفه، بل ومعادٍ حتى لحزبه في مسألة لم تكن أساسا ضمن أولويات الناخب الكولومبي.
التشبث حتى اللحظة الأخيرة.. الفوسفاط والدعوة إلى العيون الآن
لم يتخلَّ بيترو عن قضيته حتى في أواخر ولايته، ففي 28 نونبر 2025، وفي فعالية أقيمت ببوغوتا، أعلن الرئيس المنتهية ولايته دعمه الكامل للجبهة الانفصالية، معلنا أن كولومبيا ستوقف استيراد الفوسفاط المستخرج من الصحراء المغربية بداية من 2026، فضلا عن كشفه أنه تلقى دعوة لزيارة مخيمات تندوف.
بيد أن هذا التصلب الأيديولوجي جاء في لحظة كانت الأرض تنزلق فعلا من تحت أقدام بيترو ومعسكره، فحين بدأت كولومبيا، في فاتح يناير 2026، عضويتها الجديدة في مجلس الأمن الدولي، العضو الوحيد الحالي في المجلس الذي لا يزال يعترف تاريخيا بالجبهة الانفصالية منذ 1976، لاحظ المتتبعون أن البيان الرسمي لوزارة الخارجية الكولومبية، عند الإعلان عن هذه العضوية، تجاهل بشكل لافت أي ذكر مباشر لجبهة البوليساريو الانفصالية، في ما اعتُبر إشارة موازنة مبكرة على أن بوغوتا الرسمية – بمعزل عن تصريحات بيترو الشخصية – كانت بدأت تُعدّ لتموضع أكثر حذرا.
الزلزال الانتخابي.. كيف أنهى “النمر” مغامرة بيترو في أقل من شهرين
في 21 يونيو 2026، فاز أبيلاردو دي لا إسبرييلا (47 سنة) في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الكولومبية بفارق ضئيل 49.66% في مواجهة السيناتور اليساري إيفان سيبيدا الذي حصل على 48.7%، من إجمالي نحو 13 مليون صوت سيبيدا، المدعوم من الرئيس المنتهية ولايته بيترو، مثّل استمرارية المشروع اليساري الذي رعى، من بين قرارات أخرى، إحياء العلاقات مع الميليشيا الانفصالية.
ووصف موروكو وورلد نيوز نتيجة الانتخابات بأنها “تفجير لأهم محطة تتابع دبلوماسي لا يزال يملكه الانفصاليون وحاضنتهم الجزائرية في نصف الكرة الغربي بالكامل”
دي لا إسبرييلا، محامٍ جنائي فُتن بشخصيته الاستعراضية وحظي بدعم علني من دونالد ترامب يمثل انقلابا شاملا في التموضع الجيوسياسي لكولومبيا محافظ، مناهض للجريمة، منحاز إلى واشنطن، ومزدرٍ للمغامرات الأيديولوجية التي ميّزت عهد سلفه، وقراره إغلاق سفارة الجزائر الراعي الأول والممول والمسلّح للبوليساريو، ضمن حزمة السفارات الأربع عشرة إنما هو التتويج الطبيعي لهذا الانقلاب، لا مجرد قرار تقشف إداري.
والأهم من ذلك، مقعد كولومبيا في مجلس الأمن، الذي راهنت عليه جبهة البوليساريو كصمام أمان بعد خروج الجزائر من المجلس، سينقلب من أداة عرقلة إلى موقف حيادي أو حتى تعاوني “خصوصا في ظل قرار مجلس الأمن رقم 2797 الذي منح في أكتوبر 2025، تأييدا غير مسبوق لمبادرة الحكم الذاتي المغربية كإطار وحيد لأي تسوية”.
ليست كولومبيا وحدها..القارة كلها تنقلب
الأمر الأكثر إثارة للانتباه في القصة الكولومبية أنها ليست حالة منفردة، بل حلقة في سلسلة متتابعة من الانهيارات التي أطاحت الواحدة تلو الأخرى، بكل معاقل البوليساريو الانفصالية في أمريكا اللاتينية تقريبا خلال أقل من ثلاث سنوات، فالأرجنتين في عهد ميلي، تشيلي في عهد كاست، الإكوادور، كوستاريكا، بوليفيا دولة تلو الأخرى، تخلّت الهيئات الانتخابية في أمريكا اللاتينية عن الحكومات اليسارية ونصّبت إدارات مقربة من واشنطن محترمة للسيادة، لا رغبة لها في تبني قضايا الجزائر بالوكالة.
بنما في نونبر 2024، كانت أول دولة في القارة تعترف بالبوليساريو الانفصالية منذ 1978، وكانت أيضا من بين آخر من قطع العلاقات معها فعليا، ففي 21 نونبر 2024 أعلنت بنما تعليق كل علاقاتها الدبلوماسية مع الكيان المزعوم، عشية توليها مقعدا غير دائم في مجلس الأمن للفترة 2025-2026، وبعثت الجزائر رئيس برلمانها إلى بنما سيتي في محاولة يائسة لإقناع السلطات بالتراجع، لكن دون
وفي يونيو 2025، أثناء زيارة عمل لوزير خارجيتها إلى الرباط، أعلنت بنما رسميا دعمها مبادرة الحكم الذاتي المغربية بوصفها “الأساس الأكثر جدية وموثوقية وواقعية” لتسوية النزاع.
أما الإكوادور ففي أكتوبر 2024، علّقت اعترافها بـ “البوليساريو” في 22 أكتوبر 2024، بعد أن كانت قد اعترفت بها منذ 1983 وفتحت لها “سفارة” في كيتو سنة 2009 كما أغلقت السلطات الإكوادورية “السفارة” فعليا وطلبت من ممثلي الجبهة الانفصالية مغادرة البلاد، وأزالت علمهم من مقر البعثة.
من جهتها، بوليفيا، وفي فبرايرالماضي، عقب مكالمة هاتفية بين وزيري خارجية المغرب ناصر بوريطة ونظيره بوليفيا فرناندو أرامايو أعلنت بتاريخ 23 فبراير 2026، تعليق كل العلاقات الدبلوماسية مع الجبهة الانفصالية، ووقف كل تواصل رسمي معها مستشهدة صريحا بقرار مجلس الأمن رقم 2797.
واتفق الجانبان على استعادة العلاقات الدبلوماسية وفتح بعثتين في الرباط ولاباز، مع خارطة طريق للتعاون في التجارة والفلاحة والأمن الغذائي، وبحلول ماي 2026، كانت بوليفيا تدرس فعليا افتتاح سفارة لها بالمغرب، في تأكيد على أن القطيعة مع البوليساريو لم تكن مجرد تصريح عابر.
واللافت أن بوليفيا نفسها كانت قد مرّت بدورة سابقة من التراجع، حيث أنها سحبت اعترافها في يناير 2020 في عهد الرئيسة المؤقتة جانين آنييز، قبل أن يُعيده الرئيس لويس أرسي المحسوب على معسكر إيفو موراليس اليساري في شتنبر 2021، ليعود ويُعلَّق نهائيا في 2026.
من جانبها هندوراس، أعلنت أبريل الماضي على لسان وزيرة خارجيتها ميريا أغيرو دي كوراليس، في رسالة رسمية بُعثت إلى نظيرها المغربي ناصر بوريطة، تعليق اعتراف بلادها بـ”البولساريو” التي كانت قد اعترفت بها أول مرة سنة 1989 وأكدت الاعتراف مجددا سنة 2022.
وأوضحت الوزيرة أن القرار “ينبع من قرار سيادي هندوراسي، قائم على التزام هندوراس التقليدي بمبادئ عدم التدخل واحترام الشؤون الداخلية للدول الأخرى”، مؤكدة تمسك بلادها بقرار مجلس الأمن 2797، فيما مثّل قرار هندوراس “سادس انسحاب اعتراف في العامين الأخيرين فقط”، في وقت لم يسجَّل فيه أي اعتراف جديد بالكيان منذ 2011.
بحلول صيف 2026، لم يبق من “الحصون” التي كانت تدعم رواية الجبهة الانفصالية في القارة الأمريكية سوى عدد محدود جدا من الدول هي مكسيكو، بليز، أوروغواي، ترينيداد وتوباغو، فنزويلا، كوبا ونيكاراغوا، وهي القائمة التي تقلصت أكثر مع انسحاب بوليفيا لاحقا وحتى هذه القائمة المتبقية تكاد كلها تنحصر في هافانا وماناغوا وكاراكاس وحفنة من الجزر الكاريبية الصغيرة المجمدة في عنبر أيديولوجي، أي بعبارة أخرى محور “الأنظمة الاستبدادية” ذاته الذي يقطع دي لا إسبرييلا معه العلاقات بشكل نهائي في كولومبيا.
من القدس إلى العيون والداخلة
لم يكن هذا الانهيار المتسلسل نتاج مصادفات انتخابية محلية فحسب، بل كان أيضا محصلة لتدبير دبلوماسي مغربي ممنهج وطويل النفس، ركّز على واجهتين متكاملتين هما تعزيز الحضور القنصلي الدولي في مدينتي العيون والداخلة بالصحراء المغربية من جهة، والاستفادة من الغطاء الدولي المتصاعد لخطة الحكم الذاتي من جهة أخرى.
فمنذ افتتاح ساحل العاج أول قنصلية فخرية بالعيون سنة 2019، توالى افتتاح البعثات القنصلية الأفريقية والعربية والكاريبية والأمريكية-اللاتينية في المدينتين بمعدل يكاد يكون شهريا من جزر القمر وغابون وأفريقيا الوسطى وكوت ديفوار وبوروندي وإسواتيني وزامبيا وملاوي وساو تومي وبرينسيبي في العيون، إلى الإمارات والبحرين والأردن في العيون كذلك، وغامبيا وليبيريا وغينيا الاستوائية وسيراليون وغينيا بيساو والرأس الأخضر وتشاد في الداخلة
أما على واجهة أمريكا اللاتينية والكاريبي بالتحديد، فقد كانت غواتيمالا أول دولة من القارة تفتتح قنصلية عامة لها بالداخلة، في دجنبر 2022، في خطوة وصفها وزير خارجيتها ماريو أدولفو بوكارو فلوريس بأنها “رمز لصداقتنا” مع المغرب، ثم تبعتها هايتي في دجنبر 2020 وسورينام في ماي 2022، ومنظمة دول شرق الكاريبي التي تضم سبع دول أعضاء في مارس 2022.
وفي أكتوبر 2025، أعلنت وزارة الخارجية المغربية أن باراغواي، التي كانت من الدول المعترفة سابقا بالبوليساريو الانفصالية، ستفتح هي أيضا قنصلية لها في الصحراء المغربية، بعد مباحثات بين وزيري خارجية البلدين في الرباط، مؤكدة دعمها لمخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية
وبحلول سنة 2025، بلغ عدد الدول التي افتتحت قنصليات في العيون والداخلة نحو 33 دولة أي ما يمثل نحو 40% من الدول الأفريقية إضافة إلى مجموعة معتبرة من دول الكاريبي وأمريكا اللاتينية والخليج وقد وصفت صحيفة إلباييس الإسبانية هذا الزخم بأنه ترجمة مباشرة لتحول دبلوماسي عالمي بدأ فعليا حين اعترفت الولايات المتحدة، في دجنبر 2020، بالسيادة المغربية على الصحراء.
قرار 2797..الغطاء الدولي الذي بدّل قواعد اللعبة كليا
إذا كانت الموجة الانتخابية اليمينية في أمريكا اللاتينية بمثابة “التفصيل السياسي” المحلي، فإن قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025 بمبادرة أمريكية، كان “الغطاء البنيوي” الذي حوّل هذه التحولات المتفرقة إلى مسار دولي شبه لا رجعة فيه، فللمرة الأولى في تاريخ الملف، أقرّ مجلس الأمن نصا يعتبر أن “الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية قد يمثل الحل الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق” لنزاع الصحراء، مستبعدا بشكل ضمني خيار الاستفتاء على الاستقلال الذي كانت تتشبث به جبهة البوليساريو.
وصوّتت 11 دولة لصالح القرار من أصل 15 عضوا بمجلس الأمن، بينها بنما نفسها بصفتها عضوا غير دائما، مقابل امتناع روسيا والصين وباكستان عن التصويت، وعدم مشاركة الجزائر في التصويت احتجاجا).
وحسب تحليل مركز السياسات (Policy Center for the New South)، فإن القرار “يعيد رسم مهمة الأمم المتحدة بشكل رسمي، إذ يفرض أن تجري المفاوضات حصريا في إطار خطة الحكم الذاتي المغربية”، مستثنيا بذلك أي مقترح مضاد قدمته جبهة البوليساريو الانفصالية، بما فيها المقترح “الموسّع” الذي تقدمت به الجبهة عبر البعثة الجنوب أفريقية للأمم المتحدة يوم 20 أكتوبر 2025 أي 11 يوما فقط قبل تصويت المجلس.
والملاحَظ أن كل قرارات الانسحاب من الاعتراف بالبوليساريو التي تلت أكتوبر 2025 بما فيها بوليفيا في فبراير 2026 وهندوراس في أبريل 2026، استشهدت صراحة وبشكل ممنهج بقرار 2797 كسند قانوني ودبلوماسي لتبرير قطيعتها مع الجبهة، في ما يعكس كيف تحوّل هذا القرار الأممي إلى أداة تبرير جاهزة لأي حكومة ترغب في إعادة التموضع دون أن تبدو منقادة لضغط مغربي مباشر.
احتل المغرب المرتبة 28 عالميا في تصدير الخدمات التجارية خلال سنة 2025، بعائدات بلغت 32 مليار دولار أي بارتفاع سنوي نسبته 17 في المائة، وحصة من السوق العالمية تبلغ 0.4 في المائة، بحسب مذكرة محدّثة أصدرتها منظمة التجارة العالمية.
كما حل المملكة في المرتبة 30 ضمن قائمة مستوردي السلع، باستثناء المبادلات الداخلية للاتحاد الأوروبي بمشتريات بلغت 87 مليار دولار، مسجلة نموا بنسبة 15 في المائة، وبحصة مماثلة تبلغ 0.4 في المائة من التجارة العالمية.
المغرب خلف مصر وفيتنام في تصدير الخدمات
في ترتيب مصدّري الخدمات، جاء المغرب خلف مصر التي احتلت المرتبة 27 بعائدات 34 مليار دولار وارتفاع بنسبة 19 في المائة، وخلف فيتنام في المرتبة 29 بـ30 مليار دولار ونمو بلغ 30 في المائة، فيما تراجعت قطر إلى المرتبة 30 بـ22 مليار دولار وانخفاض بنسبة 25 في المائة.
أما في مجال السلع، فقد تقدمت واردات المغرب بوتيرة تفوق ضعف سرعة نمو التجارة العالمية من حيث القيمة، في حين لم يحضر المغرب ضمن قائمة أكبر ثلاثين دولة مصدّرة، التي أُقفلت بالأرجنتين التي سجلت مبيعات بقيمة 87 مليار دولار ونموا بنسبة 9 في المائة.
وارتفعت صادرات المغرب المرتبطة بالسياحة بنسبة 23 في المائة خلال سنة 2025، مقابل 18 في المائة بالنسبة لمصر، وهما وتيرتان حملتا معظم التسارع الملحوظ في شمال أفريقيا.
واستحوذ البلدان معا على 48 في المائة من عائدات السياحة الأفريقية، في سنة سجلت فيها صادرات هذا القطاع نموا بنسبة 16 في المائة على مستوى القارة، وهو أعلى معدل جهوي رصدته منظمة التجارة العالمية.
التجارة العالمية تبلغ 34.65 تريليون دولار بنمو 7 في المائة
بلغت المبادلات العالمية للسلع والخدمات، محسوبة وفق ميزان المدفوعات 34650 مليار دولار خلال 2025، أي بزيادة نسبتها 7 في المائة مقارنة بالسنة السابقة.
ومثّلت صادرات السلع 26260 مليار دولار، بارتفاع مماثل نسبته 7 في المائة بينما بلغت صادرات الخدمات التجارية 9560 مليار دولار، بنمو 8 في المائة.
ومن حيث الحجم، نما مجموع تجارة السلع والخدمات بنسبة 4.7 في المائة، متجاوزا نمو الناتج الداخلي الإجمالي العالمي الذي اقتصر على 2.9 في المائة.
وسجلت أفريقيا أقوى نمو في صادرات السلع من حيث القيمة بنسبة 10 في المائة، تلتها آسيا بـ9 في المائة فأوروبا بـ7 في المائة والشرق الأوسط بـ6 في المائة، ثم أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية والوسطى بـ5 في المائة لكل منهما، في حين تراجعت رابطة الدول المستقلة بنسبة 3 في المائة.
أما الواردات، فارتفعت بنسبة 9 في المائة في كل من أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، و8 في المائة في أمريكا الجنوبية والوسطى، و7 في المائة في آسيا، و4 في المائة في أمريكا الشمالية ورابطة الدول المستقلة.
تصدّرت معدات المكاتب والاتصالات قائمة القطاعات الأكثر نموا بين يناير ونونبر 2025 بنسبة 19 في المائة، تلتها المكونات الإلكترونية بـ12 في المائة، والآلات الأخرى بـ9 في المائة، والمواد الغذائية بـ7 في المائة.
في المقابل، تراجعت قيمة الوقود بنسبة 10 في المائة، والحديد والصلب بـ3 في المائة، ومنتجات السيارات بـ0.2 في المائة، بينما شهدت مبادلات الذهب غير النقدي قفزة قاربت 50 في المائة.
الصين في صدارة المصدرين والولايات المتحدة في صدارة المستوردين
احتفظت الصين بالمرتبة الأولى بين مصدّري السلع بقيمة 3772 مليار دولار، أي 14.4 في المائة من السوق العالمية وارتفاع بنسبة 5.5 في المائة، فيما تصدرت الولايات المتحدة قائمة المستوردين بـ3507 مليارات دولار، أي 13.2 في المائة من المجموع وزيادة بنسبة 4.4 في المائة.
وتراجعت صادرات الصين نحو الولايات المتحدة بنحو 20 في المائة، في حين ارتفعت مبيعاتها نحو أفريقيا بنسبة 25.8 في المائة، ونحو دول رابطة أمم جنوب شرق آسيا (آسيان) بـ13.4 في المائة، ونحو الهند بـ12.8 في المائة، ونحو أمريكا الجنوبية بـ11.8 في المائة، ونحو الاتحاد الأوروبي بـ8.4 في المائة.
وولّدت الخدمات التجارية 9560 مليار دولار من الصادرات العالمية. واحتفظت الولايات المتحدة بالمرتبة الأولى وطنيا بـ1209 مليارات دولار، أي 12.7 في المائة من المجموع، فيما بلغت صادرات الاتحاد الأوروبي نحو دول ثالثة 1763 مليار دولار بحصة 22.7 في المائة. وارتفعت خدمات النقل بنسبة 2 في المائة لتبلغ 1540 مليار دولار، بينما ارتفعت نفقات السفر الدولي بنسبة 8 في المائة إلى 1890 مليار دولار، والخدمات التجارية الأخرى بنسبة 10 في المائة إلى 5780 مليار دولار.
كما ارتفعت الخدمات المعلوماتية بنسبة 11 في المائة لتصل إلى 1220 مليار دولار، أي أكثر من ضعف قيمتها في سنة 2019، لتمثل 13 في المائة من التجارة العالمية للخدمات. وبلغت الخدمات المقدَّمة عبر الوسائل الرقمية 5260 مليار دولار، بارتفاع نسبته 10 في المائة، أي ما يعادل 15.2 في المائة من مجموع الصادرات العالمية للسلع والخدمات. واستحوذت أوروبا على 53.4 في المائة منها، وآسيا على 23.3 في المائة، وأمريكا الشمالية على 17.6 في المائة.
الصدمة الطاقية قد تخفض نمو تجارة السلع إلى 1.4 في المائة سنة 2026
نما حجم التجارة العالمية للسلع بنسبة 4.6 في المائة خلال 2025، أي ما يقارب ضعف نسبة 2.4 في المائة التي كانت منظمة التجارة العالمية قد توقعتها في أكتوبر، غير أن هذه الوتيرة يُنتظر أن تتراجع إلى 1.9 في المائة سنة 2026 قبل أن ترتفع مجددا إلى 2.6 في المائة سنة 2027.
واستمرار ارتفاع أسعار الطاقة من شأنه أن يخفّض نمو 2026 إلى 1.4 في المائة، أي خسارة قدرها 0.5 نقطة، في حين أن استمرار الطفرة في المنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد يرفعها بالمقابل إلى 2.4 في المائة.
قفزت مبادلات المنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بنسبة 21.9 في المائة سنة 2025، من 3430 إلى 4180 مليار دولار، ووفرت 42 في المائة من نمو التجارة العالمية رغم أنها لا تمثل سوى نحو سُدس هذه التجارة.
وأسهمت الاقتصادات الآسيوية بـ3.2 نقطة في نسبة 4.6 في المائة المسجلة في حجم المبادلات، أي 71 في المائة من إجمالي الزيادة، بفضل خصوصا ارتفاع الصادرات الصينية بنسبة 9.2 في المائة، والارتفاعات ذات الرقمين المسجلة في سنغافورة وتايوان وتايلاند.
ومن المتوقع أن تنمو تجارة الخدمات التجارية بنسبة 4.8 في المائة من حيث الحجم سنة 2026، بعد 5.3 في المائة سنة 2025، قبل أن تبلغ 5.1 في المائة سنة 2027. وفي سيناريو يأخذ بعين الاعتبار الاضطرابات في الشرق الأوسط، قد ينخفض هذا المعدل إلى 4.1 في المائة، بفعل الصعوبات التي تطال قطاعي النقل والسياحة، إذ لن تحقق خدمات النقل حينها سوى 1 في المائة من النمو مقابل 2.6 في المائة في السيناريو المركزي، وستحقق السياحة 2 في المائة مقابل 3.9 في المائة، في حين ستواصل الخدمات المقدَّمة عبر الوسائل الرقمية نموها بنسبة 6.3 في المائة.
أفريقيا تحافظ على أعلى وتيرة نمو عالميا في 2026
يُتوقع أن ينمو الناتج الداخلي الإجمالي العالمي بنسبة 2.8 في المائة سنة 2026 وفق السيناريو المركزي، لكنه قد يقتصر على 2.5 في المائة إذا استمر ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المسال.
وستحافظ أفريقيا على أسرع وتيرة نمو بنسبة 4.3 في المائة، تليها آسيا بـ3.9 في المائة، ثم الشرق الأوسط بـ3.3 في المائة، وستنمو واردات أفريقيا من السلع بنسبة 3.2 في المائة وصادراتها بنسبة 1.2 في المائة، مقابل 4.2 في المائة و1 في المائة على التوالي في سيناريو الطاقة غير المواتي.
وتقدّر منظمة التجارة العالمية أخيرا أن 72 في المائة من التجارة العالمية باتت اليوم تخضع لنظام الدولة الأولى بالرعاية، بعد أن كانت هذه النسبة تقارب 80 في المائة سنة 2022.
وضع تقرير حديث صادر عن التحالف من أجل ثورة خضراء في إفريقيا (AGRA) المغرب في قلب معادلة الأمن الغذائي للقارة، معتبرا أن احتياطياته الهائلة من الفوسفاط وقدرته الصناعية على تحويلها إلى أسمدة تجعلانه ركيزة لا غنى عنها لعشرات الملايين من المزارعين الأفارقة، في وقت تعيد فيه التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط ترتيب أولويات سلاسل التوريد العالمية.
عشر دول إفريقية كبرى تعتمد على المغرب
وفق معطيات التقرير، يظهر المغرب ضمن أهم ثلاثة مصادر لواردات الأسمدة في عشر من أكبر الدول الإفريقية المستوردة وهي إثيوبيا (بمعدل 1.7 مليون طن سنويا بين 2005 و2024)، كينيا (1.3 مليون طن)، تنزانيا (1.1 مليون طن)، غانا (0.9 مليون طن)، ساحل العاج (0.9 مليون طن)، زامبيا (0.8 مليون طن)، أوغندا (0.7 مليون طن)، رواندا ومالاوي (0.6 مليون طن لكل منهما)، والسنغال (0.5 مليون طن)، حيث يتقاسم المغرب الصدارة في هذه الأسواق مع منافسين دوليين كبار كروسيا والصين والسعودية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وجنوب أفريقيا، بحسب اختلاف السوق.
وتظل إثيوبيا، أكبر مستورد إفريقي للأسمدة بواقع نحو 1.97 مليون طن في 2024 وحدها وفق مركز التطوير الدولي للأسمدة (IFDC) عبر Ecofin Agency، بينما استوردت كينيا 834 ألف طن وزامبيا نحو 797 ألف طن في العام ذاته، وهي مستويات منسجمة مع فرضية أن المعدل السنوي على مدى عشرين سنة (2005-2024) يكون أقل من الرقم الأخير المسجل في 2024، نظرا للنمو التصاعدي للواردات عبر العقدين الماضيين، كما يؤكد تقرير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا (UNECA) أن قرابة 60 في المئة من الأسمدة الفوسفاطية المستهلكة في إفريقيا تأتي من موردين أفارقة، أساسا من شمال القارة.
وتزداد هذه المكانة رسوخا في السنوات الأخيرة عبر عقود تجارية ملموسة، ففي يوليوز 2026 وحده، أكدت بنغلاديش طلبيتين إضافيتين لشراء التريبل سوبر فوسفاط من المكتب الشريف للفوسفاط بلغتا نحو 70 ألف طن، فيما يستحوذ المغرب على 45 في المئة من واردات ساحل العاج من الأسمدة، بحسب منصة “Cauris Media”.
في تصريح لصحيفة “لوفيغارو” الفرنسية بتاريخ 15 يوليوز الجاري، أكد المستشار الفلاحي الأسبق للرئاسة الفرنسية، هيرفي لوجون، أن إفريقيا “تستورد 42 في المئة من أسمدتها الفوسفاطية من المغرب”، معتبرا الرباط “شريكا مميزا” بالنظر إلى قربها الجغرافي من كل من أوروبا وإفريقيا.
احتياطيات تفوق 70 في المئة من المخزون العالمي
يستند التقرير إلى معطيات حول التركز الجغرافي الاستثنائي لاحتياطيات الفوسفاط، إذ تحوز إفريقيا الشمالية وحدها 55.1 مليون طن من هذه الاحتياطيات، أي ما يعادل 78 في المئة من المخزون العالمي، فيما يستأثر المغرب بمفرده بنسبة 70.42 في المئة، تليه مصر (3.94 في المئة)، ثم الجزائر (3.10 في المئة)، وأخيرا تونس (0.14 في المئة).
هذه الأرقام تتطابق بدقة لافتة مع معطيات نشرتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا استنادا إلى المسح الجيولوجي الأمريكي (USGS)، والتي تشير حرفيا إلى أن “الجزائر ومصر والمغرب وتونس تحوز 77.6 في المئة من الاحتياطيات العالمية، ويستأثر المغرب وحده بـ70.4 في المئة من الاحتياطي العالمي للفوسفاط”، وهو ما يقترب بشكل شبه تام من الرقمين اللذين يوردهما تقرير AGRA (78 و70.42 في المئة على التوالي)، ما يرجح أن كلا المصدرين يعتمدان على قاعدة بيانات المسح الجيولوجي الأمريكي.
كما تؤكد دراسات أخرى، من بينها منتدى الاقتصاد العالمي ومعهد الشرق الأوسط في واشنطن، أن حصة المغرب من الاحتياطيات العالمية تناهز 70 في المئة، بمخزون يقدر بنحو 50 مليار طن، مقابل أقل من 4 مليارات طن للصين التي تحتل المرتبة الثانية عالميا.
إنتاج تضاعف مرتين ونصف لكن الاعتماد الخارجي لا يزال قائما
وكشف التقرير أن إنتاج إفريقيا من الأسمدة المعدنية قفز من 5.7 ملايين طن سنة 2002 إلى 14.1 مليون طن في 2023، أي بزيادة قدرها 146 في المئة، فيما ارتفع الاستخدام الفلاحي لهذه الأسمدة من 4.3 ملايين طن إلى 7 ملايين طن (+65 في المائة) خلال الفترة ذاتها، ومع ذلك، لا تمثل القارة الإفريقية سوى 4 في المئة فقط من الاستهلاك العالمي للأسمدة المعدنية، إذ يبقى المستهلكون الرئيسيون هم مصر ونيجيريا وجنوب إفريقيا.
هذه الأرقام تتقاطع بدرجة عالية مع معطيات مستقلة أخرى، فتقرير “مراقبة التجارة الزراعية الإفريقية” (AATM) لسنة 2025 الصادر عن “ReSAKSS” يشير إلى أن “إنتاج الأسمدة المعدنية في إفريقيا ارتفع بنسبة 165 في المئة بين 2000 و2023، من 5.3 ملايين طن مغذيات إلى 14.1 مليون طن”، وهو رقم قريب جدا من رقم AGRA (5.7 مقابل 5.3 ملايين طن كنقطة انطلاق، ونفس الرقم النهائي 14.1 مليون طن بالضبط).
كما يؤكد التقرير ذاته أن المغرب ومصر يساهمان بنسبة 79 في المئة من إجمالي الإنتاج الإفريقي للفترة 2019-2023، ليرتفع إسهام شمال إفريقيا ككل إلى 90 في المئة بإضافة الجزائر وتونس.
ويضيف بحث لمركز “CGIAR” أن حصة إفريقيا من الإنتاج العالمي للأسمدة لم تتجاوز 4 في المئة (5.8 ملايين طن) في مطلع الألفية، وهو ما يطابق النسبة التي يوردها تقرير “AGRA” بخصوص الحصة الحالية للقارة من الاستهلاك العالمي.
مضيق هرمز.. الشريان الذي يهدد أمن إفريقيا الغذائي
يعيد التقرير التذكير بالدور المحوري الذي يلعبه مضيق هرمز في تجارة الأسمدة العالمية، إذ يمر عبره 23 في المئة من التجارة العالمية للأمونيا، و34 في المئة من تجارة اليوريا، و49 في المئة من الكبريت، و18 في المئة من ثنائي وأحادي فوسفاط الأمونيوم (DAP وMAP).
هذه النسب الأربع تتطابق حرفيا مع بيانات الرابطة الدولية للأسمدة “IFA”، التي نشرت بتاريخ مارس 2026 عبر صفحاتها أنه: “في 2024، استحوذت خمس دول مصدرة رئيسية (إيران، قطر، السعودية، الإمارات، البحرين) على 23 في المئة من تجارة الأمونيا العالمية، و34 في المئة من تجارة اليوريا، و18 في المئة من تجارة MAP+DAP”، فيما يورد التقرير الاستشرافي متوسط المدى للرابطة الدولية للأسمدة (IFA) لسنة 2026 رقم 49 في المئة كحصة للكبريت تحديدا، وهي أرقام متطابقة بشكل كامل مع ما أورده تقرير “AGR”.
وقد تجسدت هذه المخاطر فعليا خلال الأشهر الأخيرة، فمنذ اندلاع المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية المعروفة بـ”عملية الغضب الملحمي” في 28 فبراير 2026، انهارت حركة الملاحة عبر المضيق بنسبة قاربت 95 في المئة (من نحو 130 سفينة يوميا إلى 6 سفن فقط)، بحسب ورقة موقف صادرة عن “AGRA” نفسها بعنوان “الصراع في الشرق الأوسط وتداعياته على تحول الأنظمة الغذائية الأفريقية”، والتي رصدت ارتفاع أسعار الأسمدة بنسبة تراوحت بين 30 و45 في المئة في عدة أسواق إفريقية، من بينها نيجيريا (+40 في المئة تقريبا لليوريا) وغانا (+35 في المئة).
وبحسب تحليل نشرته صحيفة “لوفيغارو”، فإن إغلاق المضيق “سحب ثلث المعروض العالمي من الأسمدة من السوق الدولية”، فيما ومع انفراج نسبي في الأزمة وإعادة فتح المضيق تدريجيا منذ أبريل 2026 لا تزال الأسواق مضطربة، إذ تشير نشرة استجابة أزمة الأسمدة الصادرة عن “IFDC” بتاريخ 7 يوليوز 2026 إلى أن “إعادة فتح مضيق هرمز خففت من المخاوف اللوجستية الفورية، لكنها لم تلغِ الهشاشة البنيوية” التي تعاني منها أسواق الأسمدة العالمية، مع استمرار ارتفاع تكلفة الكبريت كعائق رئيسي أمام إنتاج الفوسفاط المحول.
فرصة تاريخية ضمن منطقة التجارة الحرة القارية
يرى تقرير “AGRA” أن الاضطرابات التي تعرفها سلاسل التوريد العالمية تفتح أمام منتجي شمال إفريقيا، وعلى رأسهم المغرب، فرصة حقيقية لتوسيع صادراتهم نحو الأسواق الإفريقية، ويوصي بالتركيز على أربعة محاور هي دعم الإنتاج المحلي في البلدان التي تتوفر فعلا على قدرات صناعية مهمة، وهي تحسين البنية التحتية التجارية، وتوسيع آليات التمويل، وتعزيز الاندماج التجاري ضمن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (ZLECAf) بهدف رفع حصة الأسمدة الفوسفاطية المتبادلة داخل القارة إلى ما يتجاوز 60 في المئة الحالية، وزيادة التبادل الإقليمي بنسبة تقدر بـ26 في المئة.
وهذه التوصيات تنسجم مع توجه فعلي بدأ يتبلور على أرض الواقع، فمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، التي ترفع إنتاجها الحالي من الأسمدة الفوسفاطية من 15 إلى 20 مليون طن في أفق 2027، تعمل على رفع طاقتها الاستخراجية من الصخور الفوسفاطية من 50 إلى 70 مليون طن سنويا، فيما استفاد المغرب مؤخرا من قرار الإدارة الأمريكية تعليق الرسوم التعويضية على وارداتها من الأسمدة الفوسفاطية المغربية لثمانية أشهر ابتداء من 28 يونيو 2026، وهو ما منح شركة “أو سي بي” “وصولا مميزا إلى أول سوق عالمية” بحسب تحليل نشرته منصة “Cauris”، علما أن الإدارة الأمريكية أوصت بالمقابل في 24 يوليوز 2026، بالإبقاء على الرسوم التعويضية بنسبة 20.04 في المئة لمدة خمس سنوات إضافية في إطار المراجعة الخماسية الدورية، في انتظار القرار النهائي.
غير أن التقرير، شأنه شأن تحليلات أخرى صادرة عن مؤسسات دولية، يشير أيضا إلى نقطة ضعف بنيوية، فرغم امتلاكه أضخم احتياطي فوسفاطي في العالم، يبقى المغرب معتمدا بشدة على استيراد الكبريت والأمونيا من دول الخليج لتحويل الصخور الفوسفاطية إلى أسمدة جاهزة، وهو ما يجعله عرضة بدوره لتداعيات أي اضطراب يطال منطقة الخليج، حتى وإن كان في موقع المستفيد الظاهري من أزمة مضيق هرمز، بحسب ما يوضحه تحليل نشرته “RFI”.
أضافت الولايات المتحدة، المغرب إلى قائمة الوجهات التي يمكن أن تستقبل الغاز الطبيعي المسال المصدَّر من محطة “أرجنت إل إن جي” (Argent LNG) المستقبلية بميناء بورت فورشون في ولاية لويزيانا، بموجب الأمر رقم 5447 الصادر عن مكتب المحروقات والطاقة الجيوثرمية (HGEO) التابع لوزارة الطاقة الأمريكية.
الترخيص، الذي وقّعته إيمي سويني مديرة مكتب الأمن الطاقي العالمي، يمنح الشركة إذنا لتصدير ما يعادل 1293.75 مليار قدم مكعب من الغاز سنويا، أي ما يقارب 25 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال، لمدة عشرين سنة تبدأ من تاريخ أول عملية تصدير تجارية، فيما لا يتضمن هذا الترخيص بحسب نص الأمر أي إشارة إلى الكميات المخصصة للمغرب، أو الأسعار أو جدول التسليم أو هوية أي مشترٍ مغربي حتى الان.
وينتمي المغرب إلى مجموعة من 18 دولة تفرض اتفاقيات التجارة الحرة الموقعة معها مع واشنطن معاملة وطنية في تجارة الغاز، إلى جانب أستراليا والبحرين وكندا وتشيلي وكولومبيا وجمهورية الدومينيكان والسلفادور وغواتيمالا وهندوراس والأردن والمكسيك ونيكاراغوا وعُمان وبنما وبيرو وكوريا الجنوبية وسنغافورة.
ويفرض القانون الأمريكي على وزارة الطاقة، بالنسبة لهذه الوجهات، اعتبار عمليات التصدير متوافقة مع المصلحة العامة والترخيص لها “دون تعديل أو تأخير”، أما بالنسبة للدول غير المستفيدة من هذا النظام التجاري، فتبقى مسطرة منفصلة قيد الدراسة، في حين يسمح الترخيص الممنوح للشركة بالبيع لحسابها الخاص أو كوكيل لجهات أخرى تحوز الوقود.
25 مليون طن.. أين تقع من حجم السوق العالمي؟
تعادل السعة التي أعلنت عنها “أرجنت إل إن جي”، في حال بلوغ طاقتها القصوى، نحو 5.8 في المئة من التجارة العالمية للغاز الطبيعي المسال التي بلغت 428 مليون طن في 2025، حسب التقرير السنوي للمجموعة الدولية لمستوردي الغاز الطبيعي المسال (GIIGNL)، كما تعادل 4.8 في المئة من القدرة العالمية للتسييل المسجلة في نفس السنة والبالغة 524 مليون طن.
أما المعدل اليومي المرخص به، القريب من 3.5 مليار قدم مكعب، فيمثل أكثر بقليل من 20 في المئة من صادرات الغاز الطبيعي المسال الأمريكية المتوقعة لسنة 2026 حسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)، والمقدرة بـ17.4 مليار قدم مكعب يوميا.
مشروع بقيمة 18 مليار دولار في لويزيانا
ويفترض أن يشغل المشروع أكثر من 900 فدان (نحو 364 هكتارا) في مقاطعة لافورش، بعد أن استحوذت السلطة المسؤولة عن ميناء بورت فورشون في يوليوز 2025 على 743 فدانا إضافيا لرفع المساحة الإجمالية إلى هذا الرقم.
ويشمل المشروع اثنتي عشرة وحدة تسييل معيارية تعتمد تكنولوجيا شركة “بيكر هيوز”، وخزانين بتقنية الأغشية بسعة 220 ألف متر مكعب لكل منهما، ومحطة كهربائية تعمل بالغاز بقوة تقارب 350 ميغاواط، ومحطتين قادرتين على استقبال ناقلات غاز تتراوح سعتها بين 125 ألفا و260 ألف متر مكعب.
وتعتزم الشركة الشروع في الأعمال في دجنبر 2027، وبدء الخدمة التجارية في الفصل الأول من 2030، رهنا بحصولها على باقي التراخيص الفدرالية وتأمين تمويل الورشة.
ويصل الغاز إلى المركب عبر أنبوبين بقطر ستة عشر بوصة مرتبطين بشبكة “كينيتيكا” والبنى التحتية المجاورة، وتخطط الشركة لمرحلة أولى بسعة قريبة من 12 مليون طن سنويا قبل الارتفاع إلى 25 مليونا، وتقدم منشأتها كأحد أكبر مشاريع التصدير المطروحة على الساحل الأمريكي لخليج المكسيك، ويمتد عقد استئجار الأرض على ثلاثين سنة قابلة للتجديد مرتين لمدة ثلاثين سنة إضافية في كل مرة، أي احتلال محتمل أقصاه تسعون سنة.
وتبقى الأرقام الاقتصادية التي تنشرها الشركة متغيرة بحسب صفحات موقعها الرسمي، فهي تشير إلى استثمار أولي بقيمة 18 مليار دولار، وهو الرقم الذي أكدته الشركة نفسها في بيانها الرسمي عن الترخيص، بينما تعرض بحسب الأقسام أكثر من 600 أو نحو 3000 وظيفة دائمة في الولايات المتحدة، وتقدّر “العائدات الاقتصادية الشاملة” المرتبطة بتصدير 25 مليون طن بما بين 5.5 و8 مليارات دولار سنويا، دون أن تكشف عن منهجية حساب هذه التقديرات.
شركاء تجاريون في أكثر من 40 دولة.. والمغرب ليس من بينهم بعد
تؤكد الشركة أنها تجري مباحثات تجارية مع “أكثر من أربعين دولة” في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، وأبرز التزام رقمي معلن يخص بنغلاديش، بحد أقصى 5 ملايين طن سنويا، أي 20 في المائة من السعة المرتقبة للمشروع، لكن الملف الفدرالي يصف الاتفاق مع دكا بأنه “اتفاق مبدئي غير ملزم”.
كما وقّعت “أرجنت إل إن جي” اتفاق تعاون دون كمية معلنة مع “إبياش” (EPIAS)، المشغل التركي لأسواق الغاز والكهرباء، من أجل تخزين وتسويق الغاز الأمريكي المسال في وسط وجنوب شرق أوروبا.
وتضيف هذه الشركة أيضا إلى شبكة شراكاتها مذكرة تفاهم مع شركة “نافتوغاز” الأوكرانية لبيع الغاز عبر محطات إعادة التغويز الأوروبية، ما يؤكد أن المغرب حتى الآن لا يظهر ضمن أي التزام تجاري معلن أو حتى مبدئي مع الشركة.
المغرب يستورد 10.4 تيراواط/ساعة من الغاز عبر إسبانيا.. ولا عقد مع “أرجنت”
إدراج المملكة ضمن الوجهات المرخصة يفتح إمكانية تجارية على المدى الطويل، دون أن يترتب عنه أي التزام بالشراء، ويستورد المغرب منذ يونيو 2022 غازا طبيعيا مسالا يُشترى من السوق الدولية، تتم إعادة تغويزه في محطات إسبانية، ثم يُوجَّه في الاتجاه المعكوس عبر خط أنابيب المغرب-أوروبا.
وقد بلغت التدفقات الآتية من إسبانيا نحو 10.375 تيراواط/ساعة في 2025، مقابل 9.703 تيراواط/ساعة في السنة السابقة، أي بزيادة قريبة من 7 في المئة، وهو رقم قياسي منذ إعادة تفعيل الخط في اتجاهه المعكوس بعد قطع الجزائر إمداداتها في 2021، وبهذا الرقم، يظل المغرب ثاني أكبر وجهة لصادرات الغاز الإسبانية المعاد تصديرها بحصة 26 في المائة، خلف فرنسا بـ35 في المائة.
بناء على هذا المعطى، فإن أي شحنة من “أرجنت إل إن جي” لن تتمكن من الوصول إلى المغرب إلا بعد توقيع عقد تجاري وتنظيم عملية تفريغ في منشأة بحرية متوافقة، ويمكن نظريا أن تُعاد تدويرها في إسبانيا قبل تحويلها عبر خط الأنابيب، على غرار المشتريات المغربية الحالية، أو أن تصل إلى منشأة وطنية مستقبلية، لكن وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة كانت قد علّقت في فبراير 2026 مساطر مشروع محطة الغاز الطبيعي المسال بميناء الناظور “ويست ميد” وخطوط الأنابيب المرتبطة به، بذريعة “معايير وافتراضات جديدة تستدعي إعادة النظر في المشروع”.
شفافية تنظيمية تفرضها واشنطن
يفرض الترخيص الأمريكي على “أرجنت إل إن جي” إحالة عقودها طويلة المدى إلى وزارة الطاقة في غضون ثلاثين يوما من توقيعها والتصريح بدول التسليم الفعلي، وهذا يعني أن أي عملية بيع موجهة إلى المغرب ستترك أثرا تنظيميا موثقا، حتى لو تصرفت “أرجنت إل إن جي” لحساب جهة أخرى حائزة للغاز.
وحتى تاريخ منح هذا الترخيص، لا يذكر الملف الفدرالي المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، ولا المكتب الوطني للمحروقات والمعادن، ولا أي شركة مغربية خاصة من بين الأطراف التجارية المتعامل معها.
من هي “أرجنت إل إن جي”؟
مقر الشركة في مدينة ميتيري بولاية لويزيانا ويسيطر جوناثان باس رئيسها التنفيذي، على المساهم الأغلبي فيها، وتُعد شركة “بيكر هيوز” مزود التكنولوجيا الرئيسي المكلف بأنظمة التسييل والتوربينات المخصصة للمشروع، عبر تقنيتها المعيارية وتوربينات “إل إم 9000″، وتؤكد كل المصادر المتاحة دورها كمزود تقني وشريك خدمات، كما يوضح الملف الفدرالي أن قيادة الشركة أمريكية، وأنها “لا تخضع لملكية أي حكومة أجنبية، كليا أو جزئيا، بشكل مباشر أو غير مباشر.
لم يكن المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة مجرد محطة تنظيمية عادية، بل إعلانا عن دخول الحزب رسميا أجواء الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، بتعزيز المكتب السياسي بكفاءتين بارزتين، والكشف عن الخطوط العريضة للبرنامج الانتخابي، وتقديم أسماء جديدة للاستحقاقات المقبلة.
وكان انضمام فوزي لقجع وينجا الخطاط إلى المكتب السياسي من أبرز مفاجآت هذه المحطة، إذ أكدت فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية، أن الحزب يظل “منفتحا على جميع الكفاءات المحلية والجهوية والوطنية”.
وقالت المنصوري إن فوزي لقجع وينجا الخطاط، بما يتمتعان به من كفاءة وشعبية وروح مواطنة، سيشكلان إضافة من شأنها تقوية حزب الأصالة والمعاصرة وتعزيز حضوره السياسي والتنظيمي.
وخاطبت المنصوري العضوين الجديدين قائلة: “لم تلتحقا بحزب سياسي ومشروع مجتمعي فقط، بل بأسرة سياسية وأسرة نضال لحزب تأسس منذ 18 سنة، وعاش أزمات، لكنه خرج قويا منها على الدوام، ما جعله يستقطب ثقة المواطنين”.
وجاء تقديم العضوين وسط تفاعل كبير من الحاضرين، في مشهد عكس الرهان الذي يضعه الحزب على استقطاب أسماء تمتلك خبرة في التدبير وحضورا على المستويين الوطني والجهوي.
“سيدة” المنصة وثقافة المحاسبة من الداخل
وفي واحدة من أكثر لحظات الدورة دلالة، طلبت فاطمة الزهراء المنصوري التقاط صورة جماعية تضم أعضاء المكتب السياسي والمشرفين على إعداد البرنامج الانتخابي.
وفي وقت ظنها الجميع صورة تذكارية، حرصت المنصوري على توضيح أنها لن تكون تذكارية فحسب، بل ستتيح للجميع معرفة من ساهم في إعداد البرنامج، ومن سيتحمل المسؤولية ويحاسب لاحقا عن حصيلة تنفيذه.
وعلى امتداد أشغال المجلس، حافظ اللقاء على طابعه الاحتفالي، من دون أن يؤثر ذلك في انسيابية التنظيم أو انتظام الفقرات، وظهر الحماس بشكل خاص عند تقديم الأعضاء الجدد والمرشحين وقيادات الحزب، فيما تحولت القاعة مرارا إلى فضاء للهتافات والتصفيقات.
وعندما أعلن عن اسم المنصوري على رأس المرشحات، بدت منتشية بتفاعل القاعة، ووقفت بثقة وتقدمت بخطوات ثابتة لتحية مناضلي الحزب، بينما تعالت الهتافات والتصفيقات، ولم يكن غريبا أن يتكرر المشهد كلما ورد اسمها خلال أشغال المجلس، في تعبير عن المكانة التي تحظى بها داخل التنظيم.
هذا الالتفاف عبّر عنه سمير كودار، عضو المكتب السياسي، صراحة في كلمته، حين أكد أن المنصوري أدت دورا أساسيا في الحفاظ على تماسك الحزب، معتبرا أنه لولا وجودها لطغت الخلافات والانشقاقات الداخلية على التنظيم.
7 نساء.. المرأة ليست رقما انتخابيا
وشهد اللقاء أيضا تقديم عدد من الأسماء المرشحة ضمن اللائحة الوطنية، في خطوة قدمت على أنها تحدث لأول مرة بهذا الحجم، بترشيح سبع نساء، هي فاطمة الزهراء المنصوري في دائرة المدينة-سيدي يوسف بنعلي، ونجوى كوكوس في دائرة الدار البيضاء-أنفا، ومنال بديل في دائرة برشيد، وحنان الماسي في دائرة تارودانت الشمالية، وزينب السيمو في دائرة العرائش، وإيمان لموي في دائرة ورزازات، وبشرى الوردي في تيفلت- الرماني.
وعند تقديم اسمها، بدت المنصوري منتشية بتفاعل القاعة، فوقفت بثقة، وتقدمت بخطوات ثابتة لترد تحية مناضلي الحزب، بينما تعالت الصرخات والهتافات والتصفيقات، ولم يكن غريبا أن يتكرر المشهد كلما ورد اسمها خلال أشغال المجلس، في تعبير واضح عن المكانة التي تحظى بها داخل التنظيم.
هذا الالتفاف عبّر عنه سمير كودار صراحة في كلمته، حين أكد أن المنصوري أدت دورا أساسيا في الحفاظ على تماسك الحزب، معتبرا أنه لولا وجودها لكانت الخلافات والانشقاقات الداخلية قد طغت على التنظيم.
المنصوري، وخلال حديثها عن تمثيلية النساء، أقرت بأن العدد المقدم، رغم أنه غير مسبوق على المستوى الوطني، يظل غير كاف، مؤكدة أن طموح الحزب أكبر نحو تحقيق المناصفة الفعلية، حتى تشكل النساء 50 في المئة من مواقع المسؤولية والترشيح.
وشددت المنصوري على أن المرأة ليست مجرد رقم داخل اللوائح الانتخابية، بل هي “حارسة للقيم”، بما يمنح حضورها في المؤسسات والهيئات السياسية بعدا يتجاوز التمثيلية الشكلية إلى المشاركة الكاملة في صناعة القرار.
وبعدما دعت النساء الخمس للالتحاق بها رفقة نجوى كوكوس بالمنصة، وأثناء التقاط الصورة التذكارية للمرشحات، قالت المنصوري ممازحة مناضلي حزبها “هذه هي تشكيلة المكتب السياسي المقبل”.
90 مرشحا.. العد العكسي للانتخابات ينطلق
وكشف حزب “الجرار” على لسان عضو المكتب السياسي سمير كودار، اللائحة النهائية لمرشيحه للانتخابات المقبلة، وضمت محمد الحموتي (الحسيمة)، وعبد اللطيف الغلبزوري (طنجة أصيلة)، وعبد السلام الشلاف (الفحص أنجرة)، ومحمد العربي احنين (تطوان)، ومحمد العربي المرابط (المضيق الفنيدق)، وزينب سيمو (العرائش)، وعبد الحفيظ المكوتي (شفشاون)، والعربي المحرشي (وزان).
واعتمد الحزب خطة استمرار الوجوه بجهة الشرق بتعيين رضوان بوكطاية (جرادة)، وعبد القادر حضوري (وجدة أنجاد)، وعبد الرحمان السهلي (تاوريرت)، وحميد الشاية (فجيج)، ومحمد المومني (الناضور)، ومحمد البرنيشي (جرسيف)
وراهن “البام” على دخول سباق الانتخابات المقبلة بأطر ووزراء الحزب بجهة الرباط سلا القنيطرة حيث يقود الوزير محمد مهدي بنسعيد دائرة الرباط المحيط، وأديب إبن ابراهيم دائرة الرباط شالة، فيما تمت تزكية عماد الريفي (سلا المدينة) والعربي الرويش (سلا الجديدة).
وضمت باقي أقاليم الجهة كلا من محمد الهيلالي (الصخيرات تمارة)، ومحمد شرورو وبشرى الوردي (الخميسات وتيفلت الرماني)، وميلود شليخ وعبد العزيز البوحسيني (القنيطرة والغرب)، والسعد ابن زروال (سيدي قاسم)، ولحسن عواد (سيدي سليمان).
وفي جهة فاس مكناس، شملت التزكيات محسن أزمي وعزيز اللبار (فاس الشمالية والجنوبية)، وحسن بالمقدم (مولاي يعقوب)، وإدريس الشبشالي (صفرو)، ومحمد الميري (بولمان)، وأنس الأنصاري (مكناس)، والدقاقي أحمد (الحاجب)، ومحمد امغار (تازة)، ومحمد أشقيق (إفران)، وعبد اللطيف الفوقير ومحمد الحجيرة (تاونات تيسة والقرية غفساي).
ودفع “الجرار” في جهة الدار البيضاء سطات رئيسة مجلسه الوطني، نجوى ككوس (أنفا)، ومحمد التويمي بنجلون (الفداء مرس السلطان)، وعادل البيطار (عين السبع الحي المحمدي)، وصلاح الدين الشنكيطي (الحي الحسني)، وعبد الحق شفيق (عين الشق)، وأحمد بريجة (سيدي البرنوصي)، ومصطفى جداد (ابن مسيك)، ومحمد حماما (مولاي رشيد)، ومحمد السالمني (النواصر)، وعبد الرحيم بنضو (مديونة)، ومحمد أمين العطواني (المحمدية)، وبديل عثمان (سطات)، وكريم الزيادي (بنسليمان)، ومنال باديل (برشيد)، ومهدب محمد (الجديدة)، وعبد الكريم أمين (سيدي بنور).
وتصدرت المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية فاطمة الزهراء المنصوري لائحة الترشيحات بجهة مراكش عن دائرة المدينة سيدي يوسف بن علي، ومحمد صباري (جليز النخيل)، وطارق حنيش (المنارة)، وهشام المهاجري (شيشاوة)، وأحمد التويزي (الحوز)، وعبد الرحيم واعمر (قلعة السراغنة)، وإبراهيم بنجلون (الصويرة)، وعز الدين الميداوي (الرحامنة)، ومحمد كاريم (أسفي)، ويوسف رويجل (اليوسفية).
وتمت تزكية، في درعة تافيلالت، كلا من عبد الله العمري (الرشيدية)، وإيمان لموي (ورزازات)، ويوسف امنزو (زاكورة)، ومحمد ارهمي (تنغير).
وفي سوس ماسة، راهن “البام” على وزير العدل عبد اللطيف وهبي وحنان الماسي دائرتي تارودانت الشمالية والجنوبية، إلى جانب حميد وهبي (أكادير إداوتنان)، ومحمد أودمين (إنزكان آيت ملول)، والحسين الفارسي (اشتوكة آيت باها)، وحسن التابي (طاطا), فؤاد المومني (تيزنيت)
وفي الأقاليم الجنوبي، تقدم ينجا الخطاط لائحة الترشيحات (وادي الذهب) وعبد الفتاح أهل المكي (أوسرد)، إضافة إلى جمال سيداتي (سيدي إفني)، والمهدي البتايت (كلميم)، ورشيد التامك (آسا الزاك)، وإبراهيم وعبان (طانطان) بجهة كلميم واد نون.
أما بجهة العيون الساقية الحمراء فتمت تزكية سيدي محمد سالم الجماني (العيون)، ومحمد الجماني (السمارة)، وعبد الله دبدا (بوجدور)، وعبد الحي حرطون (طرفاية).
الاستمرارية والتجديد العنوانان الأبرزان
ووفق المعطيات التي تحصلت عليها جريدة “AM+ MEDIA”، فـ”البام” وازن بين الاستمرارية والتجديد استعدادا للانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026.
وعلى المستوى الميداني والتنظيمي، تعكس أرقام الأقدمية حضورا مكثفا لخبرة الوجوه التي خاضت استحقاقات سنة 2021 بـ 52 مترشحا، أي أكثر من 57 بالمئة من إجمالي الترشيحات، مقابل الدفع بـ 38 وجها يترشحون لأول مرة كوكلاء لوائح محلية.
وسجلت اللوائح المحلية، وفق المعطيات ذاتها، حضورا نسائيا في 7 مترشحات، مما يظهر مكانة متميزة للمرأة داخل الحزب، تضاف إليهن مرشحات الدوائر الجهوية.
وتشير إحصائيات البروفايلات الأكاديمية والمهنية لمرشحي “البام”، إلى حضور رجال وسيدات الأعمال والمقاولين بـ 49 ترشيحا، بواقع 42 رجل/سيدة أعمال و7 مقاولين، إلى جانب حضور مهم للمهن القانونية كالمحامين (7) والموثقين (3)، فضلا عن أطر ومهندسين وأطباء وأساتذة جامعيين وفلاحين، مما يعكس الهوية البرغماتية للتزكيات.
برنامج انتخابي ثمرة سنة من العمل
وبالتوازي مع الجانب التنظيمي، كشف الحزب لمناضليه عن الملامح الأساسية لبرنامجه الانتخابي المقبل، إذ أكد أحمد اخشيشن، رئيس أكاديمية الحزب، أنه جاء ثمرة عمل استمر زهاء عام، وبمجهود كبير لأطر وكفاءات الحزب.
ويسعى الحزب من خلال برنامجه إلى تقديم عرض سياسي يرتكز على القضايا الاجتماعية والاقتصادية، ودعم القدرة الشرائية، وتوفير فرص الشغل، وتحسين خدمات التعليم والصحة، وتعزيز العدالة المجالية، إلى جانب توسيع مشاركة النساء والشباب في الحياة السياسية.
وأكد اخشيشن، أن بلادنا أصبحت مطالبة بدخول زمن المغرب الصاعد الذي نادى إليه الملك محمد السادس، مبرزا أن الأصالة والمعاصرة وهو يعد برنامجه الانتخابي تعاطى بجدية ومسؤولية مع الدعوة الملكية، من أجل تنزيلها على أرض الواقع.
وأوضح أن الحزب يراهن على برنامج مغرب المستقبل على المدى الطويل، لجعل المغرب بلدا صاعدا بكامل المقومات، موضحا أن تصريف الاختيارات المرتبطة بالمدى الطويل لا يلغي الزمن المحدد المرتبط بالولاية الحكومية.
وكشف أن 28 فريق عمل، مكونين من 150 من أطر وكفاءات الحزب وخارجه اشتغلت بحرفية حقيقية لتشخيص واقع التنمية اليوم بالمغرب، بعد اللقاءات الميدانية والإنصات لانتظارات المواطنين بمختلف جهات وأقاليم المملكة، قبل وضع حلول يكون المواطن في قلبها، وبنفس طويل يتجاوز سنة 2031.
ويسعى الحزب، وفق الخطوط العريضة التي قدمها في برنامجه، إلى تقديم عرض سياسي يرتكز على القضايا الاجتماعية والاقتصادية، ودعم القدرة الشرائية، وتوفير فرص الشغل، وتحسين خدمات التعليم والصحة، وتعزيز العدالة المجالية، إلى جانب توسيع مشاركة النساء والشباب في الحياة السياسية.
وكشف الحزب خلال مجلسه الوطني أن برنامجه الانتخابي سيتم الإعلان عنه رسميا نهاية شهر غشت المقبل، بعد عرضه بشكل تفصيلي على مناضلي الحزب.
“البام” يراهن على أخلاق ونزاهة منتخبيه
وفي كلمة قبل تلاوة البيان الختامي، أكدت نجوى كوكوس في آخر دورة للمجلس الوطني قبل الانتخابات التشريعية، أن التعبئة لا تهم المرشحين وحدهم، بل تشمل المرشحين وغير المرشحين وجميع مناضلي الحزب.
ودعت كوكوس أعضاء الحزب إلى الانتشار الميداني والتعبئة في الجهات والمدن والمداشر والدواوير، معتبرة أن المرحلة المقبلة تتطلب حضورا تنظيميا قويا وقربا أكبر من المواطنين.
وقالت إن الحزب الذي ينخرط في السياسة يتحمل أيضا مسؤولية إنتاج نخب جديدة، مشيرة إلى أن الترشيحات تعكس تنوعا اجتماعيا ومهنيا، وتضم مثقفين ورجال أعمال وممثلين عن مختلف الفئات.
وتوقفت كوكوس عند حضور النساء، مؤكدة أن الحزب يقدم، لأول مرة، سبع نساء ضمن لائحته، في خطوة اعتبرها تعبيرا عن الرغبة في توسيع التمثيلية النسائية وتجديد النخب السياسية.
ورفعت سقف طموح الحزب عندما أكدت أن المشروع الذي يناضل من أجله مناضلو الأصالة والمعاصرة منذ 18 سنة يدخل اليوم مرحلة جديدة، معلنة أن الحزب سيتوجه إلى الانتخابات بهدف رئاسة الحكومة.
وقالت مخاطبة أعضاء المجلس الوطني إن الحزب يعول عليهم بشكل كبير لتحقيق هذا الطموح، داعية إلى تحويل الحماس الذي طبع اللقاء إلى تعبئة ميدانية داخل مختلف الجهات والأقاليم والجماعات.
وفي مقابل رفع سقف الطموح الانتخابي، شددت على ضرورة احترام الضوابط القانونية المؤطرة للانتخابات، وحث المرشحين على تقديم صورة مميزة عن المنتخب، قائمة على الالتزام بأخلاقيات العمل السياسي ونبله وخدمة المواطنين، كما يريدها الملك محمد السادس.
ودعت رئيس المجلس الوطني لـ”البام” إلى جعل الاستحقاقات المقبلة “عرسا ديمقراطيا حقيقيا”، وإلى تجسيد صورة المنتخب المسؤول والنزيه، القادر على الارتقاء بالعمل السياسي والمؤسساتي والاستجابة للتطلعات المعلقة على ممثلي المواطنين.
وكانت لكلمة كوكوس أصداء قوية داخل القاعة، إذ ما إن أنهت حديثها عن رئاسة الحكومة وأخلاقيات الممارسة السياسية حتى ارتفعت التصفيقات والهتافات، وردد الحاضرون نشيد الحزب وشعاراته، في مشهد اختزل الحماس والتعبئة التي طبعت المجلس، قبل يعود الهدوء للقاعة لتلاوة البيان الختامي.