وضع تقرير حديث صادر عن التحالف من أجل ثورة خضراء في إفريقيا (AGRA) المغرب في قلب معادلة الأمن الغذائي للقارة، معتبرا أن احتياطياته الهائلة من الفوسفاط وقدرته الصناعية على تحويلها إلى أسمدة تجعلانه ركيزة لا غنى عنها لعشرات الملايين من المزارعين الأفارقة، في وقت تعيد فيه التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط ترتيب أولويات سلاسل التوريد العالمية.
عشر دول إفريقية كبرى تعتمد على المغرب
وفق معطيات التقرير، يظهر المغرب ضمن أهم ثلاثة مصادر لواردات الأسمدة في عشر من أكبر الدول الإفريقية المستوردة وهي إثيوبيا (بمعدل 1.7 مليون طن سنويا بين 2005 و2024)، كينيا (1.3 مليون طن)، تنزانيا (1.1 مليون طن)، غانا (0.9 مليون طن)، ساحل العاج (0.9 مليون طن)، زامبيا (0.8 مليون طن)، أوغندا (0.7 مليون طن)، رواندا ومالاوي (0.6 مليون طن لكل منهما)، والسنغال (0.5 مليون طن)، حيث يتقاسم المغرب الصدارة في هذه الأسواق مع منافسين دوليين كبار كروسيا والصين والسعودية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وجنوب أفريقيا، بحسب اختلاف السوق.
وتظل إثيوبيا، أكبر مستورد إفريقي للأسمدة بواقع نحو 1.97 مليون طن في 2024 وحدها وفق مركز التطوير الدولي للأسمدة (IFDC) عبر Ecofin Agency، بينما استوردت كينيا 834 ألف طن وزامبيا نحو 797 ألف طن في العام ذاته، وهي مستويات منسجمة مع فرضية أن المعدل السنوي على مدى عشرين سنة (2005-2024) يكون أقل من الرقم الأخير المسجل في 2024، نظرا للنمو التصاعدي للواردات عبر العقدين الماضيين، كما يؤكد تقرير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا (UNECA) أن قرابة 60 في المئة من الأسمدة الفوسفاطية المستهلكة في إفريقيا تأتي من موردين أفارقة، أساسا من شمال القارة.
وتزداد هذه المكانة رسوخا في السنوات الأخيرة عبر عقود تجارية ملموسة، ففي يوليوز 2026 وحده، أكدت بنغلاديش طلبيتين إضافيتين لشراء التريبل سوبر فوسفاط من المكتب الشريف للفوسفاط بلغتا نحو 70 ألف طن، فيما يستحوذ المغرب على 45 في المئة من واردات ساحل العاج من الأسمدة، بحسب منصة “Cauris Media”.
في تصريح لصحيفة “لوفيغارو” الفرنسية بتاريخ 15 يوليوز الجاري، أكد المستشار الفلاحي الأسبق للرئاسة الفرنسية، هيرفي لوجون، أن إفريقيا “تستورد 42 في المئة من أسمدتها الفوسفاطية من المغرب”، معتبرا الرباط “شريكا مميزا” بالنظر إلى قربها الجغرافي من كل من أوروبا وإفريقيا.
احتياطيات تفوق 70 في المئة من المخزون العالمي
يستند التقرير إلى معطيات حول التركز الجغرافي الاستثنائي لاحتياطيات الفوسفاط، إذ تحوز إفريقيا الشمالية وحدها 55.1 مليون طن من هذه الاحتياطيات، أي ما يعادل 78 في المئة من المخزون العالمي، فيما يستأثر المغرب بمفرده بنسبة 70.42 في المئة، تليه مصر (3.94 في المئة)، ثم الجزائر (3.10 في المئة)، وأخيرا تونس (0.14 في المئة).
هذه الأرقام تتطابق بدقة لافتة مع معطيات نشرتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا استنادا إلى المسح الجيولوجي الأمريكي (USGS)، والتي تشير حرفيا إلى أن “الجزائر ومصر والمغرب وتونس تحوز 77.6 في المئة من الاحتياطيات العالمية، ويستأثر المغرب وحده بـ70.4 في المئة من الاحتياطي العالمي للفوسفاط”، وهو ما يقترب بشكل شبه تام من الرقمين اللذين يوردهما تقرير AGRA (78 و70.42 في المئة على التوالي)، ما يرجح أن كلا المصدرين يعتمدان على قاعدة بيانات المسح الجيولوجي الأمريكي.
كما تؤكد دراسات أخرى، من بينها منتدى الاقتصاد العالمي ومعهد الشرق الأوسط في واشنطن، أن حصة المغرب من الاحتياطيات العالمية تناهز 70 في المئة، بمخزون يقدر بنحو 50 مليار طن، مقابل أقل من 4 مليارات طن للصين التي تحتل المرتبة الثانية عالميا.
إنتاج تضاعف مرتين ونصف لكن الاعتماد الخارجي لا يزال قائما
وكشف التقرير أن إنتاج إفريقيا من الأسمدة المعدنية قفز من 5.7 ملايين طن سنة 2002 إلى 14.1 مليون طن في 2023، أي بزيادة قدرها 146 في المئة، فيما ارتفع الاستخدام الفلاحي لهذه الأسمدة من 4.3 ملايين طن إلى 7 ملايين طن (+65 في المائة) خلال الفترة ذاتها، ومع ذلك، لا تمثل القارة الإفريقية سوى 4 في المئة فقط من الاستهلاك العالمي للأسمدة المعدنية، إذ يبقى المستهلكون الرئيسيون هم مصر ونيجيريا وجنوب إفريقيا.
هذه الأرقام تتقاطع بدرجة عالية مع معطيات مستقلة أخرى، فتقرير “مراقبة التجارة الزراعية الإفريقية” (AATM) لسنة 2025 الصادر عن “ReSAKSS” يشير إلى أن “إنتاج الأسمدة المعدنية في إفريقيا ارتفع بنسبة 165 في المئة بين 2000 و2023، من 5.3 ملايين طن مغذيات إلى 14.1 مليون طن”، وهو رقم قريب جدا من رقم AGRA (5.7 مقابل 5.3 ملايين طن كنقطة انطلاق، ونفس الرقم النهائي 14.1 مليون طن بالضبط).
كما يؤكد التقرير ذاته أن المغرب ومصر يساهمان بنسبة 79 في المئة من إجمالي الإنتاج الإفريقي للفترة 2019-2023، ليرتفع إسهام شمال إفريقيا ككل إلى 90 في المئة بإضافة الجزائر وتونس.
ويضيف بحث لمركز “CGIAR” أن حصة إفريقيا من الإنتاج العالمي للأسمدة لم تتجاوز 4 في المئة (5.8 ملايين طن) في مطلع الألفية، وهو ما يطابق النسبة التي يوردها تقرير “AGRA” بخصوص الحصة الحالية للقارة من الاستهلاك العالمي.
مضيق هرمز.. الشريان الذي يهدد أمن إفريقيا الغذائي
يعيد التقرير التذكير بالدور المحوري الذي يلعبه مضيق هرمز في تجارة الأسمدة العالمية، إذ يمر عبره 23 في المئة من التجارة العالمية للأمونيا، و34 في المئة من تجارة اليوريا، و49 في المئة من الكبريت، و18 في المئة من ثنائي وأحادي فوسفاط الأمونيوم (DAP وMAP).
هذه النسب الأربع تتطابق حرفيا مع بيانات الرابطة الدولية للأسمدة “IFA”، التي نشرت بتاريخ مارس 2026 عبر صفحاتها أنه: “في 2024، استحوذت خمس دول مصدرة رئيسية (إيران، قطر، السعودية، الإمارات، البحرين) على 23 في المئة من تجارة الأمونيا العالمية، و34 في المئة من تجارة اليوريا، و18 في المئة من تجارة MAP+DAP”، فيما يورد التقرير الاستشرافي متوسط المدى للرابطة الدولية للأسمدة (IFA) لسنة 2026 رقم 49 في المئة كحصة للكبريت تحديدا، وهي أرقام متطابقة بشكل كامل مع ما أورده تقرير “AGR”.
وقد تجسدت هذه المخاطر فعليا خلال الأشهر الأخيرة، فمنذ اندلاع المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية المعروفة بـ”عملية الغضب الملحمي” في 28 فبراير 2026، انهارت حركة الملاحة عبر المضيق بنسبة قاربت 95 في المئة (من نحو 130 سفينة يوميا إلى 6 سفن فقط)، بحسب ورقة موقف صادرة عن “AGRA” نفسها بعنوان “الصراع في الشرق الأوسط وتداعياته على تحول الأنظمة الغذائية الأفريقية”، والتي رصدت ارتفاع أسعار الأسمدة بنسبة تراوحت بين 30 و45 في المئة في عدة أسواق إفريقية، من بينها نيجيريا (+40 في المئة تقريبا لليوريا) وغانا (+35 في المئة).
وبحسب تحليل نشرته صحيفة “لوفيغارو”، فإن إغلاق المضيق “سحب ثلث المعروض العالمي من الأسمدة من السوق الدولية”، فيما ومع انفراج نسبي في الأزمة وإعادة فتح المضيق تدريجيا منذ أبريل 2026 لا تزال الأسواق مضطربة، إذ تشير نشرة استجابة أزمة الأسمدة الصادرة عن “IFDC” بتاريخ 7 يوليوز 2026 إلى أن “إعادة فتح مضيق هرمز خففت من المخاوف اللوجستية الفورية، لكنها لم تلغِ الهشاشة البنيوية” التي تعاني منها أسواق الأسمدة العالمية، مع استمرار ارتفاع تكلفة الكبريت كعائق رئيسي أمام إنتاج الفوسفاط المحول.
فرصة تاريخية ضمن منطقة التجارة الحرة القارية
يرى تقرير “AGRA” أن الاضطرابات التي تعرفها سلاسل التوريد العالمية تفتح أمام منتجي شمال إفريقيا، وعلى رأسهم المغرب، فرصة حقيقية لتوسيع صادراتهم نحو الأسواق الإفريقية، ويوصي بالتركيز على أربعة محاور هي دعم الإنتاج المحلي في البلدان التي تتوفر فعلا على قدرات صناعية مهمة، وهي تحسين البنية التحتية التجارية، وتوسيع آليات التمويل، وتعزيز الاندماج التجاري ضمن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (ZLECAf) بهدف رفع حصة الأسمدة الفوسفاطية المتبادلة داخل القارة إلى ما يتجاوز 60 في المئة الحالية، وزيادة التبادل الإقليمي بنسبة تقدر بـ26 في المئة.
وهذه التوصيات تنسجم مع توجه فعلي بدأ يتبلور على أرض الواقع، فمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، التي ترفع إنتاجها الحالي من الأسمدة الفوسفاطية من 15 إلى 20 مليون طن في أفق 2027، تعمل على رفع طاقتها الاستخراجية من الصخور الفوسفاطية من 50 إلى 70 مليون طن سنويا، فيما استفاد المغرب مؤخرا من قرار الإدارة الأمريكية تعليق الرسوم التعويضية على وارداتها من الأسمدة الفوسفاطية المغربية لثمانية أشهر ابتداء من 28 يونيو 2026، وهو ما منح شركة “أو سي بي” “وصولا مميزا إلى أول سوق عالمية” بحسب تحليل نشرته منصة “Cauris”، علما أن الإدارة الأمريكية أوصت بالمقابل في 24 يوليوز 2026، بالإبقاء على الرسوم التعويضية بنسبة 20.04 في المئة لمدة خمس سنوات إضافية في إطار المراجعة الخماسية الدورية، في انتظار القرار النهائي.
غير أن التقرير، شأنه شأن تحليلات أخرى صادرة عن مؤسسات دولية، يشير أيضا إلى نقطة ضعف بنيوية، فرغم امتلاكه أضخم احتياطي فوسفاطي في العالم، يبقى المغرب معتمدا بشدة على استيراد الكبريت والأمونيا من دول الخليج لتحويل الصخور الفوسفاطية إلى أسمدة جاهزة، وهو ما يجعله عرضة بدوره لتداعيات أي اضطراب يطال منطقة الخليج، حتى وإن كان في موقع المستفيد الظاهري من أزمة مضيق هرمز، بحسب ما يوضحه تحليل نشرته “RFI”.

Leave a Reply