التصنيف: خارج الحدود

  • من بوغوتا إلى الرباط.. كيف أعاد المغرب هندسة موازين الصحراء في أمريكا اللاتينية؟

    من بوغوتا إلى الرباط.. كيف أعاد المغرب هندسة موازين الصحراء في أمريكا اللاتينية؟

    في السابع من غشت المقبل، لن يكون مشهد تسلّم الرئيس الكولومبي المنتخب أبيلاردو دي لا إسبرييلا مقاليد السلطة في بوغوتا حدثا محليا عابرا، فبين أولى القرارات التي أعلن عنها الرجل الملقّب بـ”النمر”، وهو المحامي وصاحب أعمال يمينيّ حظي بدعم علني من دونالد ترامب، إغلاقُ 14 سفارة كولومبية حول العالم على رأسها سفارة الجزائر إلى جانب سفارات كوبا ونيكاراغوا وأذربيجان وباربادوس والتشيك وإثيوبيا وغانا وهايتي والمجر وماليزيا ورومانيا والسنغال وجنوب إفريقيا، مقابل فتح سفارة جديدة في نيجيريا وإعادة فتح البعثة في القدس بعدما كان الرئيس المنتهية ولايته غوستافو بيترو قد قطع العلاقات مع إسرائيل على خلفية حرب غزة.

    دي لا إسبرييلا كان واضحا في تبرير قراره، وهو يقول “لن تكون هناك أي علاقة مع الأنظمة الاستبدادية في حكومتي”، في إشارة مباشرة إلى كوبا ونيكاراغوا اللتين ستُقطع معهما العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل، بينما ستتحول باقي السفارات المُغلقة، ومن ضمنها سفارة الجزائر إلى تمثيل قنصلي غير مقيم تُغطيه سفارات أخرى في المنطقة، كما سيتولى وزارة الخارجية الجديدة عمر بولا إسكوبار، وسيُشرف على مراجعة تقنية لكل التمثيليات الكولومبية المتبقية خلال أول مئة يوم من الحكم.

    لكن الخبر الذي بدا في ظاهره حديثا عن “ترشيق” السلك الدبلوماسي الكولومبي وإعادة التموضع نحو واشنطن وتل أبيب، يخفي في جوفه معنى أعمق وأكثر إيلاما لجهة أخرى بعيدة جغرافيا عن أمريكا اللاتينية وهي جبهة البوليساريو الانفصالية وحاضنتها الجزائرية، حيث أن إغلاق سفارة الجزائر بالتحديد يصبّ مباشرة في مصلحة الرباط ويمثل ضربة لحلفاء البوليساريو في القارة.

     والحقيقة أن هذا الحدث ليس إلا الفصل الأخير وربما الأكثر دراماتيكية من مسلسل طويل بدأ يتكشف منذ سنوات، وهو مسلسل انهيار ممنهج لآخر معاقل الميليشيا الانفصالية في نصف الكرة الغربي.

    “الحصن الأخير”.. لماذا كانت كولومبيا بالذات لا تُعوَّض

    لفهم حجم الخسارة التي تكبّدتها الجبهة الانفصالية بسقوط بوغوتا في يد اليمين، يجب استحضار حقيقة جغرافية سياسية دقيقة مفادها أن كولومبيا لم تكن مجرد دولة أخرى من بين عشرات الدول التي تعترف أو لا تعترف بالجبهة الانفصالية، بل كانت ولا تزال حتى انتهاء ولايتها، عضوا غير دائما في مجلس الأمن الدولي لفترة 2026-2027.

    وحين انتهت عضوية الجزائر نفسها في مجلس الأمن في دجنبر 2025، عقدت جبهة البوليساريو الانفصالية آمالا عريضة على أن ترث بوغوتا في ظل حكم غوستافو بيترو اليساري موقع “المحامي الداخلي” لما يعتبرونه “قضية” داخل أقوى هيئة في الأمم المتحدة، بل إن الجبهة الانفصالية بعثت قبل أيام فقط من إعلان نتائج الانتخابات الكولومبية، برسالة رسمية إلى رئاسة كولومبيا لمجلس الأمن، التي كانت تتولى الرئاسة الدورية لشهر يونيو تطالب فيها بعقد جلسة طارئة بخصوص ما وصفته بضربات جوية مغربية شرق الجدار الأمني.

    فما الذي جعل كولومبيا “حصنا” بهذا الوزن في المقام الأول؟ الجواب يعود إلى تاريخ طويل ومتقلب بدأ في الثمانينيات، ثم عاد للانفجار بشكل مفاجئ في 2022.

    من “التجميد” إلى “الإحياء”.. حين أخرج بيترو بيان 1985 من الأدراج

    اعترفت كولومبيا بالجبهة الانفصالية لأول مرة في 27 فبراير 1985، أي في عهد الرئيس بليساريو بيتانكور، لكنها جمّدت هذا الاعتراف في 20 دجنبر 2000 في عهد الرئيس أندريس باسترانا، ليبقى الملف طي النسيان في الدبلوماسية الكولومبية لأكثر من عقدين.

    ثم جاء غوستافو بيترو، الزعيم اليساري السابق في حركة “19 أبريل” المسلحة، ليتسلم السلطة في 7 غشت 2022 بصفته أول رئيس يساري في تاريخ كولومبيا، ولم يمر على تنصيبه سوى ثلاثة أيام فقط حين أعلن حكومته استعادة العلاقات الدبلوماسية مع جبهة البوليساريو الانفصالية، في لقاء جمع مسؤولين كولومبيين ومن الجبهة الانفصالية.

    ويعد الأمر، استحضارا روحيا لحرب باردة انتهت ونبش لبيان مشترك عمره 37 عاما لإحياء دولة ورقية لا أرض لها ولا مؤسسات ولا عضوية في الأمم المتحدة، فيما المفارقة أن قرار بيترو جاء بعد أشهر قليلة من تصريح دبلوماسي كولومبي سابق في أكتوبر 2021، فقد أشار فيه إلى أن الاختصاص القنصلي للسفارة الكولومبية بالمغرب يمتد “ليشمل كل التراب المغربي، بما فيه الصحراء”، وهو ما فُهم وقتها كإشارة ضمنية لدعم السيادة المغربية، قبل أن تتراجع بوغوتا عن التفسير الحرفي لذلك التصريح وتؤكد تشبثها بموقفها “التاريخي” الداعم لمسار الحل الأممي دون تسمية صريحة لصاحب السيادة.

    البرلمان يتمرد على الرئيس.. حين رفض 62 من 108 شيوخ كولومبيين قرار بيترو

    القرار، الذي اتخذه بيترو من قصر نارينيو لم يكن يعكس بأي شكل مزاج الطبقة السياسية الكولومبية ولا حتى معسكرها الحزبي، فبعد أسابيع قليلة فقط من إعادة الاعتراف بالبوليساريو وقّع 62 من أصل 108 أعضاء في مجلس الشيوخ الكولومبي من تسعة أحزاب سياسية مختلفة على مذكرة استنكار غير مسبوقة بتاريخ 19 أكتوبر 2022، اعتبروا فيها أن الخطوة تنتهك اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، ولا تعبّر عن الرأي العام الكولومبي، وتُخرّب شراكة استراتيجية طويلة الأمد مع الرباط.

    ولم يتراجع بيترو، بل تصلّب في موقفه فجاء رد الكونغرس أقوى في المرة الثانية، ففي 28 نونبر 2023 مرّرت الغرفة العليا مذكرة أخرى بتأييد 65 من أصل 105 شيوخ، مؤكدة مجددا دعمها ل الترابية للمغرب

    وفي فبراير 2025، أكد رئيس الكونغرس الكولومبي إفراين سيبيدا، وهو شخصية مختلفة تماما عن السيناتور اليساري إيفان سيبيدا الذي خسر الرئاسة أمام دي لا إسبرييلا، أن أكثر من 70% من أعضاء البرلمان يرفضون اعتراف بيترو بالجبهة الانفصالية، وذلك عقب لقائه بسفيرة المغرب في بوغوتا فريدة لوداية.

    وأشار سيبيدا في المناسبة نفسها إلى أن التبادل التجاري بين المغرب وكولومبيا بلغ 350 مليون دولار سنة 2022، أي بعبارة أخرى، كان بيترو “رئيسا منفردا” في قراره على رأس السلطة التنفيذية يسبح عكس تيار كونغرس معادٍ لموقفه، بل ومعادٍ حتى لحزبه في مسألة لم تكن أساسا ضمن أولويات الناخب الكولومبي.

    التشبث حتى اللحظة الأخيرة.. الفوسفاط والدعوة إلى العيون الآن

    لم يتخلَّ بيترو عن قضيته حتى في أواخر ولايته، ففي 28 نونبر 2025، وفي فعالية أقيمت ببوغوتا، أعلن الرئيس المنتهية ولايته دعمه الكامل للجبهة الانفصالية، معلنا أن كولومبيا ستوقف استيراد الفوسفاط المستخرج من الصحراء المغربية بداية من 2026، فضلا عن كشفه أنه تلقى دعوة لزيارة مخيمات تندوف.

    بيد أن هذا التصلب الأيديولوجي جاء في لحظة كانت الأرض تنزلق فعلا من تحت أقدام بيترو ومعسكره، فحين بدأت كولومبيا، في فاتح يناير 2026، عضويتها الجديدة في مجلس الأمن الدولي، العضو الوحيد الحالي في المجلس الذي لا يزال يعترف تاريخيا بالجبهة الانفصالية منذ 1976، لاحظ المتتبعون أن البيان الرسمي لوزارة الخارجية الكولومبية، عند الإعلان عن هذه العضوية، تجاهل بشكل لافت أي ذكر مباشر لجبهة البوليساريو الانفصالية، في ما اعتُبر إشارة موازنة مبكرة على أن بوغوتا الرسمية – بمعزل عن تصريحات بيترو الشخصية – كانت بدأت تُعدّ لتموضع أكثر حذرا.

    الزلزال الانتخابي.. كيف أنهى “النمر” مغامرة بيترو في أقل من شهرين

    في 21 يونيو 2026، فاز أبيلاردو دي لا إسبرييلا (47 سنة) في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الكولومبية بفارق ضئيل 49.66% في مواجهة السيناتور اليساري إيفان سيبيدا الذي حصل على 48.7%، من إجمالي نحو 13 مليون صوت  سيبيدا، المدعوم من الرئيس المنتهية ولايته بيترو، مثّل استمرارية المشروع اليساري الذي رعى، من بين قرارات أخرى، إحياء العلاقات مع الميليشيا الانفصالية.

    ووصف موروكو وورلد نيوز نتيجة الانتخابات بأنها “تفجير لأهم محطة تتابع دبلوماسي لا يزال يملكه الانفصاليون وحاضنتهم الجزائرية في نصف الكرة الغربي بالكامل”

    دي لا إسبرييلا، محامٍ جنائي فُتن بشخصيته الاستعراضية وحظي بدعم علني من دونالد ترامب يمثل انقلابا شاملا في التموضع الجيوسياسي لكولومبيا محافظ، مناهض للجريمة، منحاز إلى واشنطن، ومزدرٍ للمغامرات الأيديولوجية التي ميّزت عهد سلفه، وقراره إغلاق سفارة الجزائر الراعي الأول والممول والمسلّح للبوليساريو، ضمن حزمة السفارات الأربع عشرة إنما هو التتويج الطبيعي لهذا الانقلاب، لا مجرد قرار تقشف إداري.

    والأهم من ذلك، مقعد كولومبيا في مجلس الأمن، الذي راهنت عليه جبهة البوليساريو كصمام أمان بعد خروج الجزائر من المجلس، سينقلب من أداة عرقلة إلى موقف حيادي أو حتى تعاوني “خصوصا في ظل قرار مجلس الأمن رقم 2797 الذي منح في أكتوبر 2025، تأييدا غير مسبوق لمبادرة الحكم الذاتي المغربية كإطار وحيد لأي تسوية”.

    ليست كولومبيا وحدها..القارة كلها تنقلب

    الأمر الأكثر إثارة للانتباه في القصة الكولومبية أنها ليست حالة منفردة، بل حلقة في سلسلة متتابعة من الانهيارات التي أطاحت الواحدة تلو الأخرى، بكل معاقل البوليساريو الانفصالية في أمريكا اللاتينية تقريبا خلال أقل من ثلاث سنوات، فالأرجنتين في عهد ميلي، تشيلي في عهد كاست، الإكوادور، كوستاريكا، بوليفيا دولة تلو الأخرى، تخلّت الهيئات الانتخابية في أمريكا اللاتينية عن الحكومات اليسارية ونصّبت إدارات مقربة من واشنطن محترمة للسيادة، لا رغبة لها في تبني قضايا الجزائر بالوكالة.

    بنما في نونبر 2024، كانت أول دولة في القارة تعترف بالبوليساريو الانفصالية منذ 1978، وكانت أيضا من بين آخر من قطع العلاقات معها فعليا، ففي 21 نونبر 2024 أعلنت بنما تعليق كل علاقاتها الدبلوماسية مع الكيان المزعوم، عشية توليها مقعدا غير دائم في مجلس الأمن للفترة 2025-2026، وبعثت الجزائر رئيس برلمانها إلى بنما سيتي في محاولة يائسة لإقناع السلطات بالتراجع، لكن دون

    وفي يونيو 2025، أثناء زيارة عمل لوزير خارجيتها إلى الرباط، أعلنت بنما رسميا دعمها مبادرة الحكم الذاتي المغربية بوصفها “الأساس الأكثر جدية وموثوقية وواقعية” لتسوية النزاع.

    أما الإكوادور ففي أكتوبر 2024، علّقت اعترافها بـ “البوليساريو” في 22 أكتوبر 2024، بعد أن كانت قد اعترفت بها منذ 1983 وفتحت لها “سفارة” في كيتو سنة 2009 كما أغلقت السلطات الإكوادورية “السفارة” فعليا وطلبت من ممثلي الجبهة الانفصالية مغادرة البلاد، وأزالت علمهم من مقر البعثة.

    من جهتها، بوليفيا، وفي فبرايرالماضي، عقب مكالمة هاتفية بين وزيري خارجية المغرب ناصر بوريطة ونظيره بوليفيا فرناندو أرامايو أعلنت بتاريخ 23 فبراير 2026، تعليق كل العلاقات الدبلوماسية مع الجبهة الانفصالية، ووقف كل تواصل رسمي معها مستشهدة صريحا بقرار مجلس الأمن رقم 2797.

    واتفق الجانبان على استعادة العلاقات الدبلوماسية وفتح بعثتين في الرباط ولاباز، مع خارطة طريق للتعاون في التجارة والفلاحة والأمن الغذائي، وبحلول ماي 2026، كانت بوليفيا تدرس فعليا افتتاح سفارة لها بالمغرب، في تأكيد على أن القطيعة مع البوليساريو لم تكن مجرد تصريح عابر.

     واللافت أن بوليفيا نفسها كانت قد مرّت بدورة سابقة من التراجع، حيث أنها سحبت اعترافها في يناير 2020 في عهد الرئيسة المؤقتة جانين آنييز، قبل أن يُعيده الرئيس لويس أرسي المحسوب على معسكر إيفو موراليس اليساري في شتنبر 2021، ليعود ويُعلَّق نهائيا في 2026.

    من جانبها هندوراس، أعلنت أبريل الماضي على لسان وزيرة خارجيتها ميريا أغيرو دي كوراليس، في رسالة رسمية بُعثت إلى نظيرها المغربي ناصر بوريطة، تعليق اعتراف بلادها بـ”البولساريو” التي كانت قد اعترفت بها أول مرة سنة 1989 وأكدت الاعتراف مجددا سنة 2022.

    وأوضحت الوزيرة أن القرار “ينبع من قرار سيادي هندوراسي، قائم على التزام هندوراس التقليدي بمبادئ عدم التدخل واحترام الشؤون الداخلية للدول الأخرى”، مؤكدة تمسك بلادها بقرار مجلس الأمن 2797، فيما مثّل قرار هندوراس “سادس انسحاب اعتراف في العامين الأخيرين فقط”، في وقت لم يسجَّل فيه أي اعتراف جديد بالكيان منذ 2011.

    بحلول صيف 2026، لم يبق من “الحصون” التي كانت تدعم رواية الجبهة الانفصالية في القارة الأمريكية سوى عدد محدود جدا من الدول هي مكسيكو، بليز، أوروغواي، ترينيداد وتوباغو، فنزويلا، كوبا ونيكاراغوا، وهي القائمة التي تقلصت أكثر مع انسحاب بوليفيا لاحقا وحتى هذه القائمة المتبقية تكاد كلها تنحصر في هافانا وماناغوا وكاراكاس وحفنة من الجزر الكاريبية الصغيرة المجمدة في عنبر أيديولوجي، أي بعبارة أخرى محور “الأنظمة الاستبدادية” ذاته الذي يقطع دي لا إسبرييلا معه العلاقات بشكل نهائي في كولومبيا.

     من القدس إلى العيون والداخلة

    لم يكن هذا الانهيار المتسلسل نتاج مصادفات انتخابية محلية فحسب، بل كان أيضا محصلة لتدبير دبلوماسي مغربي ممنهج وطويل النفس، ركّز على واجهتين متكاملتين هما تعزيز الحضور القنصلي الدولي في مدينتي العيون والداخلة بالصحراء المغربية من جهة، والاستفادة من الغطاء الدولي المتصاعد لخطة الحكم الذاتي من جهة أخرى.

    فمنذ افتتاح ساحل العاج أول قنصلية فخرية بالعيون سنة 2019، توالى افتتاح البعثات القنصلية الأفريقية والعربية والكاريبية والأمريكية-اللاتينية في المدينتين بمعدل يكاد يكون شهريا من جزر القمر وغابون وأفريقيا الوسطى وكوت ديفوار وبوروندي وإسواتيني وزامبيا وملاوي وساو تومي وبرينسيبي في العيون، إلى الإمارات والبحرين والأردن في العيون كذلك، وغامبيا وليبيريا وغينيا الاستوائية وسيراليون وغينيا بيساو والرأس الأخضر وتشاد في الداخلة

    أما على واجهة أمريكا اللاتينية والكاريبي بالتحديد، فقد كانت غواتيمالا أول دولة من القارة تفتتح قنصلية عامة لها بالداخلة، في دجنبر 2022، في خطوة وصفها وزير خارجيتها ماريو أدولفو بوكارو فلوريس بأنها “رمز لصداقتنا” مع المغرب، ثم تبعتها هايتي في دجنبر 2020 وسورينام في ماي 2022، ومنظمة دول شرق الكاريبي التي تضم سبع دول أعضاء في مارس 2022.

     وفي أكتوبر 2025، أعلنت وزارة الخارجية المغربية أن باراغواي، التي كانت من الدول المعترفة سابقا بالبوليساريو الانفصالية، ستفتح هي أيضا قنصلية لها في الصحراء المغربية، بعد مباحثات بين وزيري خارجية البلدين في الرباط، مؤكدة دعمها لمخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية

    وبحلول سنة 2025، بلغ عدد الدول التي افتتحت قنصليات في العيون والداخلة نحو 33 دولة أي ما يمثل نحو 40% من الدول الأفريقية إضافة إلى مجموعة معتبرة من دول الكاريبي وأمريكا اللاتينية والخليج وقد وصفت صحيفة إلباييس الإسبانية هذا الزخم بأنه ترجمة مباشرة لتحول دبلوماسي عالمي بدأ فعليا حين اعترفت الولايات المتحدة، في دجنبر 2020، بالسيادة المغربية على الصحراء.

    قرار 2797..الغطاء الدولي الذي بدّل قواعد اللعبة كليا

    إذا كانت الموجة الانتخابية اليمينية في أمريكا اللاتينية بمثابة “التفصيل السياسي” المحلي، فإن قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025 بمبادرة أمريكية، كان “الغطاء البنيوي” الذي حوّل هذه التحولات المتفرقة إلى مسار دولي شبه لا رجعة فيه، فللمرة الأولى في تاريخ الملف، أقرّ مجلس الأمن نصا يعتبر أن “الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية قد يمثل الحل الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق” لنزاع الصحراء، مستبعدا بشكل ضمني خيار الاستفتاء على الاستقلال الذي كانت تتشبث به جبهة البوليساريو.

    وصوّتت 11 دولة لصالح القرار من أصل 15 عضوا بمجلس الأمن، بينها بنما نفسها بصفتها عضوا غير دائما، مقابل امتناع روسيا والصين وباكستان عن التصويت، وعدم مشاركة الجزائر في التصويت احتجاجا).

    وحسب تحليل مركز السياسات (Policy Center for the New South)، فإن القرار “يعيد رسم مهمة الأمم المتحدة بشكل رسمي، إذ يفرض أن تجري المفاوضات حصريا في إطار خطة الحكم الذاتي المغربية”، مستثنيا بذلك أي مقترح مضاد قدمته جبهة البوليساريو الانفصالية، بما فيها المقترح “الموسّع” الذي تقدمت به الجبهة عبر البعثة الجنوب أفريقية للأمم المتحدة يوم 20 أكتوبر 2025  أي 11 يوما فقط قبل تصويت المجلس.

    والملاحَظ أن كل قرارات الانسحاب من الاعتراف بالبوليساريو التي تلت أكتوبر 2025  بما فيها بوليفيا في فبراير 2026 وهندوراس في أبريل 2026، استشهدت صراحة وبشكل ممنهج بقرار 2797 كسند قانوني ودبلوماسي لتبرير قطيعتها مع الجبهة، في ما يعكس كيف تحوّل هذا القرار الأممي إلى أداة تبرير جاهزة لأي حكومة ترغب في إعادة التموضع دون أن تبدو منقادة لضغط مغربي مباشر.

  • بـ70% من احتياطي الفوسفاط العالمي.. كيف تحول المغرب إلى صمام أمان إفريقيا الغذائي وسط أزمة هرمز؟

    بـ70% من احتياطي الفوسفاط العالمي.. كيف تحول المغرب إلى صمام أمان إفريقيا الغذائي وسط أزمة هرمز؟

    وضع تقرير حديث صادر عن التحالف من أجل ثورة خضراء في إفريقيا (AGRA) المغرب في قلب معادلة الأمن الغذائي للقارة، معتبرا أن احتياطياته الهائلة من الفوسفاط وقدرته الصناعية على تحويلها إلى أسمدة تجعلانه ركيزة لا غنى عنها لعشرات الملايين من المزارعين الأفارقة، في وقت تعيد فيه التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط ترتيب أولويات سلاسل التوريد العالمية.

    عشر دول إفريقية كبرى تعتمد على المغرب

    وفق معطيات التقرير، يظهر المغرب ضمن أهم ثلاثة مصادر لواردات الأسمدة في عشر من أكبر الدول الإفريقية المستوردة وهي إثيوبيا (بمعدل 1.7 مليون طن سنويا بين 2005 و2024)، كينيا (1.3 مليون طن)، تنزانيا (1.1 مليون طن)، غانا (0.9 مليون طن)، ساحل العاج (0.9 مليون طن)، زامبيا (0.8 مليون طن)، أوغندا (0.7 مليون طن)، رواندا ومالاوي (0.6 مليون طن لكل منهما)، والسنغال (0.5 مليون طن)، حيث يتقاسم المغرب الصدارة في هذه الأسواق مع منافسين دوليين كبار كروسيا والصين والسعودية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وجنوب أفريقيا، بحسب اختلاف السوق.

    وتظل إثيوبيا، أكبر مستورد إفريقي للأسمدة بواقع نحو 1.97 مليون طن في 2024 وحدها وفق مركز التطوير الدولي للأسمدة (IFDC) عبر Ecofin Agency، بينما استوردت كينيا 834 ألف طن وزامبيا نحو 797 ألف طن في العام ذاته، وهي مستويات منسجمة مع فرضية أن المعدل السنوي على مدى عشرين سنة (2005-2024) يكون أقل من الرقم الأخير المسجل في 2024، نظرا للنمو التصاعدي للواردات عبر العقدين الماضيين، كما يؤكد تقرير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا (UNECA) أن قرابة 60 في المئة من الأسمدة الفوسفاطية المستهلكة في إفريقيا تأتي من موردين أفارقة، أساسا من شمال القارة.

    وتزداد هذه المكانة رسوخا في السنوات الأخيرة عبر عقود تجارية ملموسة، ففي يوليوز 2026 وحده، أكدت بنغلاديش طلبيتين إضافيتين لشراء التريبل سوبر فوسفاط من المكتب الشريف للفوسفاط بلغتا نحو 70 ألف طن، فيما يستحوذ المغرب على 45 في المئة من واردات ساحل العاج من الأسمدة، بحسب منصة “Cauris Media”.

    في تصريح لصحيفة “لوفيغارو” الفرنسية بتاريخ 15 يوليوز الجاري، أكد المستشار الفلاحي الأسبق للرئاسة الفرنسية، هيرفي لوجون، أن إفريقيا “تستورد 42 في المئة من أسمدتها الفوسفاطية من المغرب”، معتبرا الرباط “شريكا مميزا” بالنظر إلى قربها الجغرافي من كل من أوروبا وإفريقيا.

    احتياطيات تفوق 70 في المئة من المخزون العالمي

    يستند التقرير إلى معطيات حول التركز الجغرافي الاستثنائي لاحتياطيات الفوسفاط، إذ تحوز إفريقيا الشمالية وحدها 55.1 مليون طن من هذه الاحتياطيات، أي ما يعادل 78 في المئة من المخزون العالمي، فيما يستأثر المغرب بمفرده بنسبة 70.42 في المئة، تليه مصر (3.94 في المئة)، ثم الجزائر (3.10 في المئة)، وأخيرا تونس (0.14 في المئة).

    هذه الأرقام تتطابق بدقة لافتة مع معطيات نشرتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا استنادا إلى المسح الجيولوجي الأمريكي (USGS)، والتي تشير حرفيا إلى أن “الجزائر ومصر والمغرب وتونس تحوز 77.6 في المئة من الاحتياطيات العالمية، ويستأثر المغرب وحده بـ70.4 في المئة من الاحتياطي العالمي للفوسفاط”، وهو ما يقترب بشكل شبه تام من الرقمين اللذين يوردهما تقرير AGRA (78 و70.42 في المئة على التوالي)، ما يرجح أن كلا المصدرين يعتمدان على قاعدة بيانات المسح الجيولوجي الأمريكي.

    كما تؤكد دراسات أخرى، من بينها منتدى الاقتصاد العالمي ومعهد الشرق الأوسط في واشنطن، أن حصة المغرب من الاحتياطيات العالمية تناهز 70 في المئة، بمخزون يقدر بنحو 50 مليار طن، مقابل أقل من 4 مليارات طن للصين التي تحتل المرتبة الثانية عالميا.

    إنتاج تضاعف مرتين ونصف لكن الاعتماد الخارجي لا يزال قائما

    وكشف التقرير أن إنتاج إفريقيا من الأسمدة المعدنية قفز من 5.7 ملايين طن سنة 2002 إلى 14.1 مليون طن في 2023، أي بزيادة قدرها 146 في المئة، فيما ارتفع الاستخدام الفلاحي لهذه الأسمدة من 4.3 ملايين طن إلى 7 ملايين طن (+65 في المائة) خلال الفترة ذاتها، ومع ذلك، لا تمثل القارة الإفريقية سوى 4 في المئة فقط من الاستهلاك العالمي للأسمدة المعدنية، إذ يبقى المستهلكون الرئيسيون هم مصر ونيجيريا وجنوب إفريقيا.

    هذه الأرقام تتقاطع بدرجة عالية مع معطيات مستقلة أخرى، فتقرير “مراقبة التجارة الزراعية الإفريقية” (AATM) لسنة 2025 الصادر عن “ReSAKSS” يشير إلى أن “إنتاج الأسمدة المعدنية في إفريقيا ارتفع بنسبة 165 في المئة بين 2000 و2023، من 5.3 ملايين طن مغذيات إلى 14.1 مليون طن”، وهو رقم قريب جدا من رقم AGRA (5.7 مقابل 5.3 ملايين طن كنقطة انطلاق، ونفس الرقم النهائي 14.1 مليون طن بالضبط).

    كما يؤكد التقرير ذاته أن المغرب ومصر يساهمان بنسبة 79 في المئة من إجمالي الإنتاج الإفريقي للفترة 2019-2023، ليرتفع إسهام شمال إفريقيا ككل إلى 90 في المئة بإضافة الجزائر وتونس.

    ويضيف بحث لمركز “CGIAR” أن حصة إفريقيا من الإنتاج العالمي للأسمدة لم تتجاوز 4 في المئة (5.8 ملايين طن) في مطلع الألفية، وهو ما يطابق النسبة التي يوردها تقرير “AGRA” بخصوص الحصة الحالية للقارة من الاستهلاك العالمي.

    مضيق هرمز.. الشريان الذي يهدد أمن إفريقيا الغذائي

    يعيد التقرير التذكير بالدور المحوري الذي يلعبه مضيق هرمز في تجارة الأسمدة العالمية، إذ يمر عبره 23 في المئة من التجارة العالمية للأمونيا، و34 في المئة من تجارة اليوريا، و49 في المئة من الكبريت، و18 في المئة من ثنائي وأحادي فوسفاط الأمونيوم (DAP وMAP).

    هذه النسب الأربع تتطابق حرفيا مع بيانات الرابطة الدولية للأسمدة “IFA”، التي نشرت بتاريخ مارس 2026 عبر صفحاتها أنه: “في 2024، استحوذت خمس دول مصدرة رئيسية (إيران، قطر، السعودية، الإمارات، البحرين) على 23 في المئة من تجارة الأمونيا العالمية، و34 في المئة من تجارة اليوريا، و18 في المئة من تجارة MAP+DAP”، فيما يورد التقرير الاستشرافي متوسط المدى للرابطة الدولية للأسمدة (IFA) لسنة 2026 رقم 49 في المئة كحصة للكبريت تحديدا، وهي أرقام متطابقة بشكل كامل مع ما أورده تقرير “AGR”.

    وقد تجسدت هذه المخاطر فعليا خلال الأشهر الأخيرة، فمنذ اندلاع المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية المعروفة بـ”عملية الغضب الملحمي” في 28 فبراير 2026، انهارت حركة الملاحة عبر المضيق بنسبة قاربت 95 في المئة (من نحو 130 سفينة يوميا إلى 6 سفن فقط)، بحسب ورقة موقف صادرة عن “AGRA” نفسها بعنوان “الصراع في الشرق الأوسط وتداعياته على تحول الأنظمة الغذائية الأفريقية”، والتي رصدت ارتفاع أسعار الأسمدة بنسبة تراوحت بين 30 و45 في المئة في عدة أسواق إفريقية، من بينها نيجيريا (+40 في المئة تقريبا لليوريا) وغانا (+35 في المئة).

    وبحسب تحليل نشرته صحيفة “لوفيغارو”، فإن إغلاق المضيق “سحب ثلث المعروض العالمي من الأسمدة من السوق الدولية”، فيما ومع انفراج نسبي في الأزمة وإعادة فتح المضيق تدريجيا منذ أبريل 2026 لا تزال الأسواق مضطربة، إذ تشير نشرة استجابة أزمة الأسمدة الصادرة عن “IFDC” بتاريخ 7 يوليوز 2026 إلى أن “إعادة فتح مضيق هرمز خففت من المخاوف اللوجستية الفورية، لكنها لم تلغِ الهشاشة البنيوية” التي تعاني منها أسواق الأسمدة العالمية، مع استمرار ارتفاع تكلفة الكبريت كعائق رئيسي أمام إنتاج الفوسفاط المحول.

    فرصة تاريخية ضمن منطقة التجارة الحرة القارية

    يرى تقرير “AGRA” أن الاضطرابات التي تعرفها سلاسل التوريد العالمية تفتح أمام منتجي شمال إفريقيا، وعلى رأسهم المغرب، فرصة حقيقية لتوسيع صادراتهم نحو الأسواق الإفريقية، ويوصي بالتركيز على أربعة محاور هي دعم الإنتاج المحلي في البلدان التي تتوفر فعلا على قدرات صناعية مهمة، وهي تحسين البنية التحتية التجارية، وتوسيع آليات التمويل، وتعزيز الاندماج التجاري ضمن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (ZLECAf) بهدف رفع حصة الأسمدة الفوسفاطية المتبادلة داخل القارة إلى ما يتجاوز 60 في المئة الحالية، وزيادة التبادل الإقليمي بنسبة تقدر بـ26 في المئة.

    وهذه التوصيات تنسجم مع توجه فعلي بدأ يتبلور على أرض الواقع، فمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، التي ترفع إنتاجها الحالي من الأسمدة الفوسفاطية من 15 إلى 20 مليون طن في أفق 2027، تعمل على رفع طاقتها الاستخراجية من الصخور الفوسفاطية من 50 إلى 70 مليون طن سنويا، فيما استفاد المغرب مؤخرا من قرار الإدارة الأمريكية تعليق الرسوم التعويضية على وارداتها من الأسمدة الفوسفاطية المغربية لثمانية أشهر ابتداء من 28 يونيو 2026، وهو ما منح شركة “أو سي بي” “وصولا مميزا إلى أول سوق عالمية” بحسب تحليل نشرته منصة “Cauris”، علما أن الإدارة الأمريكية أوصت بالمقابل في 24 يوليوز 2026، بالإبقاء على الرسوم التعويضية بنسبة 20.04 في المئة لمدة خمس سنوات إضافية في إطار المراجعة الخماسية الدورية، في انتظار القرار النهائي.

    غير أن التقرير، شأنه شأن تحليلات أخرى صادرة عن مؤسسات دولية، يشير أيضا إلى نقطة ضعف بنيوية، فرغم امتلاكه أضخم احتياطي فوسفاطي في العالم، يبقى المغرب معتمدا بشدة على استيراد الكبريت والأمونيا من دول الخليج لتحويل الصخور الفوسفاطية إلى أسمدة جاهزة، وهو ما يجعله عرضة بدوره لتداعيات أي اضطراب يطال منطقة الخليج، حتى وإن كان في موقع المستفيد الظاهري من أزمة مضيق هرمز، بحسب ما يوضحه تحليل نشرته “RFI”.

  • الاتفاق النووي الأمريكي السعودي.. تحول استراتيجي أم بداية سباق تسلح؟

    الاتفاق النووي الأمريكي السعودي.. تحول استراتيجي أم بداية سباق تسلح؟

    قال مصدران إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدعم اتفاقية للطاقة النووية مع الرياض تتيح للسعودية تخصيب اليورانيوم ومعالجة الوقود النووي المستنفد، وهي خطوة قد تثير مخاوف دول إقليمية قلقة من مخاطر انتشار الأسلحة النووية.

    فيما يلي بعض المسائل الرئيسية المرتبطة بالاتفاق:

    ماذا حدث حتى الآن؟

    تجري واشنطن والرياض منذ سنوات محادثات بشأن اتفاق للتعاون النووي يتيح للسعودية الحصول على التكنولوجيا الأمريكية، ويمنح الشركات الأمريكية فرصة للفوز بعقود كبيرة ​لتطوير منشآت الطاقة النووية السعودية.

    وكما هو الحال دائما مع التكنولوجيا النووية، ظلت المخاوف المتعلقة بالأمن وانتشار الأسلحة النووية والتعقيدات السياسية في منطقة متوترة، من أهم الشواغل.
    ومثل جميع الدول الموقعة على ‌معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، تلتزم السعودية بالفعل بعدم تطوير أسلحة نووية، ووافقت على عمليات التفتيش الدولية. لكن واشنطن دأبت على السعي للحصول على ضمانات إضافية.

    وأبلغ المصدران رويترز هذا الأسبوع أن إدارة ترامب أصبحت مستعدة الآن لطرح الاتفاق على الكونغرس.

    مع ذلك، أفاد المصدران بأن الاتفاق لا يتضمن “المعيار الذهبي” الذي يمنع السعودية من تخصيب اليورانيوم ومعالجة الوقود النووي المستنفد، وهما مساران يمكن من خلالهما إنتاج مواد تستخدم في صنع رأس حربي نووي. كما لا يتضمن الاتفاق “البروتوكول الإضافي” الذي يفرض رقابة دولية أوسع.

    ومن المرجح أن يثير عدم ​تضمين هذين البندين قلق حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بما في ذلك إسرائيل، وتطرح تساؤلات حول اتساق السياسة الأمريكية، إذ إن أحد المبررات التي استندت إليها الحرب الأمريكية على إيران هذا العام ​كان رفض طهران التخلي عن برنامج تخصيب اليورانيوم.

    وقد يواجه الاتفاق معارضة في الكونجرس، حيث طالب أعضاؤه سابقا بوضع ضوابط صارمة على أي اتفاق من هذا النوع.

    ⁠لماذا ترغب السعودية في برنامج نووي؟

    قد لا تبدو السعودية، أكبر مُصدر للنفط في العالم، مرشحا بديهيا للاعتماد على الطاقة النووية، لكنها تسعى إلى خفض انبعاثات الكربون وإتاحة كميات أكبر من النفط الخام للتصدير في إطار خطة “رؤية ​2030” الاقتصادية التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

    وقالت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية في 2024، إن 68 بالمئة من إنتاج الكهرباء في السعودية يعتمد على حرق الغاز و32 بالمئة من حرق النفط، مع استخدام 1.4 مليون ​برميل يوميا من النفط الخام لتوليد الطاقة في شهر يونيو حزيران الذي يشهد ذروة الاستهلاك.

    وقد توفر الطاقة النووية بعضا من الطاقة المستخدمة في مجالات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل تحلية المياه وتكييف الهواء، مما يسمح للمملكة بجني أموال أكثر من مبيعات النفط.

    وأعلنت السعودية أيضا أنه إذا كانت إيران تطور سلاحا نوويا، فيتعين عليها أن تفعل الشيء نفسه، وهو تصريح أريد به فيما يبدو تصعيد الضغط على طهران لكنه أثار في الوقت نفسه مخاوف من طموحاتها النووية.

    ولا تقوم العديد من الدول المنتجة للطاقة النووية بتخصيب اليورانيوم ​محليا، بل تعتمد على استيراد الوقود النووي المخصب لاستخدامه في مفاعلاتها.

    وأعلنت المملكة في يناير كانون الثاني 2025، أنها ستخصب اليورانيوم، الذي قد يستخدم أيضا ضمن برنامج عسكري، لإنتاج “الكعكة الصفراء” لتوليد طاقة نووية يمكنها بيعها. و”الكعكة الصفراء” ​هي مادة أولية تستخدم لاحقا في إنتاج الوقود النووي.

    ما هي المكاسب التي ستعود على أمريكا؟

    قد تجني الولايات المتحدة مكاسب استراتيجية وتجارية.

    كان التعاون النووي المدني المصحوب بضمانات أمنية حافزا مهما في مساعي جو بايدن، سلف الرئيس ترامب، للتوسط في اتفاق ‌لتطبيع العلاقات بين ⁠السعودية وإسرائيل.
    غير أن هاتين المسألتين لم تعودا مرتبطتين الآن، لكن التوصل لاتفاق نووي قد يدعم الجهود الدبلوماسية الأمريكية مع المملكة. واستبعدت الرياض تطبيع العلاقات مع إسرائيل دون قيام دولة فلسطينية.

    واجتمع وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت مع وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان العام الماضي، وقال رايت إن البلدين “على مسار” نحو اتفاق نووي مدني. ولم يشر إلى اتفاق أوسع نطاقا يتناول قضايا أخرى مثل التطبيع.

    وقد يعزز التوصل لاتفاق فرص الشركات الأمريكية في الفوز بعقود بناء محطات الطاقة النووية السعودية، ويوفر للولايات المتحدة قدرا من الإطلاع على البرنامج النووي للمملكة، مما قد يخفف أي مخاوف أمريكية تتعلق بانتشار الأسلحة.

    وبموجب المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأمريكي لعام 1954، يجوز لواشنطن التفاوض ​على اتفاقيات للتعاون النووي المدني مع دول أخرى.
    وتحدد هذه ​المادة تسعة معايير لمنع الانتشار النووي يجب على ⁠تلك الدول استيفاؤها لمنعها من استخدام التكنولوجيا في تطوير أسلحة نووية أو نقل مواد حساسة إلى آخرين.
    ويشترط القانون الأمريكي مراجعة الكونجرس لمثل هذه الاتفاقات.

    خيارات السعودية
    إذا فشلت المحادثات الأمريكية السعودية، حتى في هذه المرحلة المتقدمة، فهناك عدد من الدول راسخة القدم في مجال الطاقة النووية والتي تبدي اهتمامها بالبرنامج النووي السعودي، أو يُنظر إليهم باعتبارهم ​شركاء محتملين.
    وذكرت تقارير أن المؤسسة الوطنية النووية الصينية المملوكة للدولة قدمت عرضا في عام 2023 لبناء محطة نووية في المملكة.
    كما وقعت شركة روساتوم النووية الروسية الحكومية، ​التي شيدت محطة نووية في ⁠مصر، اتفاقيات تعاون أولية مع الرياض. ومن بين المنافسين المحتملين الآخرين كوريا الجنوبية التي أقامت مفاعلات في الإمارات، وفرنسا أيضا منافس محتمل.
    ويرجح أن يتوقف اختيار الشريك على العروض التكنولوجية وشروط التمويل والتوافق الجيوسياسي، بما في ذلك الشروط المتعلقة بالتعامل مع الوقود النووي.

    تخصيب اليورانيوم

    تتمثل إحدى القضايا الرئيسية فيما إذا كانت واشنطن ستوافق على بناء منشأة لتخصيب اليورانيوم على الأراضي السعودية، ومتى قد تفعل ذلك، وما إذا كان بإمكان الموظفين السعوديين الوصول إليها أم ستقتصر إدارتها على الموظفين الأمريكيين ⁠ضمن ترتيبات ما ​يطلق عليه “الصندوق الأسود”.

    وفي غياب ضمانات صارمة، بوسع السعودية التي تمتلك احتياطيات من خام اليورانيوم على أراضيها، من الناحية النظرية، أن تستخدم منشأة ​التخصيب لإنتاج يورانيوم عالي التخصيب وهو ما يمكن أن يوفر، إذا بلغ درجة نقاء كافية، مواد انشطارية تُستخدم في صنع قنابل نووية.

    وصرح مصدر لرويترز بأن الاتفاق الأمريكي السعودي المقترح يوفر مسارا قانونيا للتعاون في مجال دورة الوقود النووي، والتي تشمل تخصيب اليورانيوم، لكنه لا تيلزم ​واشنطن بنقل أي تكنولوجيا أو قدرات ذات صلة إلى المملكة.

    وهناك قضايا دبلوماسية أيضا. فكثيرا ما عبرت إسرائيل، الحليف الإقليمي الأكبر لواشنطن، عن معارضتها لفكرة إنشاء برنامج نووي مدني سعودي.