التصنيف: تقارير

  • المنصوري من تاونات: البام يشتغل على معالجة “مغرب السرعتين” والتحدي هو مصالحة الشباب والمجتمع

    المنصوري من تاونات: البام يشتغل على معالجة “مغرب السرعتين” والتحدي هو مصالحة الشباب والمجتمع

    أكدت المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، فاطمة الزهراء المنصوري، أن “البام” استطاع منذ انطلاقته أن يبني مساره “خطوة بخطوة” تحت شعار دائم يقدم “السياسة بطريقة مغايرة”، تعتمد أساسا على سياسة القرب والإنصات للمواطنين، وهو ما مكّنه من كسب ثقة الساكنة داخل الجماعات الترابية والجهات وتحقيق حصيلة “تشرف جميع مناضليه”.

    وقالت المنصوري، اليوم الجمعة خلال لقاء تواصل حزبي بقرية با محمد بإقليم تاونات، أن سياسة القرب والإنصات للمواطنين هي التي بوّأت الحزب مكانة القوة السياسية الثانية في البلاد، وجعلته عنصرا فاعلا وناجحا داخل الحكومة من خلال الإشراف على أوراش عملية ذات أثر إيجابي مباشر على حياة المواطنين.

    وأبرزت المتحدثة في كلمتها أن مشروع “تامغرابيت” والغيرة الوطنية هما الدافع الأساسي وراء تنقل قيادة الحزب المستمر إلى مناطق “المغرب العميق” والإنصات لساكنة الأقاليم، ومساندة مناضلي ومرشحي الحزب، وفي مقدمتهم محمد حجيرة وعبد الرحيم فويقر بإقليم تاونات.

    وفي ما يتعلق بالواقع التنموي، أوضحت المنسقة الوطنية لحزب الأصالة والمعاصرة أن إقليم تاونات لا يزال يعاني من إكراهات متعددة، مشيدة في الوقت ذاته بالأشواط الكبيرة والنجاحات التي حققها المغرب تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك خلال الـ 27 سنة الماضية، ولا سيما مشروع “الدولة الاجتماعية”.

    وشددت القيادية الحزبية على أن حزب “الجرار” واع تماما بحجم التحديات والإكراهات القائمة، مبرزة أن الإكراه الأول يتمثل في تحقيق “العدالة المجالية والاجتماعية”.

    واسترسلت المنصوري بالقول: “لا يعقل أن يولد شاب في مدينة كبيرة ويحمل أحلاما عريضة، بينما يولد شاب آخر في إقليم مثل تاونات وينشأ بلا أمل أو حلم”، مشيرة إلى بضرورة مواجهة الواقع بصراحة: “ماغاديش نغطيو الشمس بالغربال”.

    وأرجعت المتحدثة أحداث الهجرة في سبتة ومليلية إلى أزمة ثقة بين الشباب والمؤسسات والمجتمع، مؤكدة أن الحزب جاء بتعاقد اجتماعي جديد يركز على الفئات الشابة التي تملك طاقات هائلة تعمل على تطوير وخدمة وطنها.

    وسجلت فاطمة الزهراء المنصوري أن التحدي الأكبر اليوم وخلال السنوات المقبلة يكمن في إحداث مصالحة حقيقية بين الشباب والمجتمع، مشددة على أنها مسؤولية جماعية تتطلب التغلب على معضلات التشغيل والتكوين والتأطير.

    وبخصوص الملف التنموي والمجالي، قالت المسؤولة الحزبية إن “المغرب بسرعتين” هو واقع ملموس نعيشه اليوم، موضحة أنها فور توليها مسؤولية حقيبة وزارة إعداد التراب والوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدنية، حرصت على تغيير مفهوم “سياسة المدينة” لكي لا تظل محصورة في الحواضر الكبرى فقط، بل لتشمل جميع الأقاليم والعالم القروي.

    وذكرت في هذا السياق إقليم تاونات الذي شهد توقيع 9 اتفاقيات تنموية، إلى جانب اتفاقيات مماثلة بإقليم تازة والجماعات القروية، فضلا عن 49 اتفاقية بجهة فاس-مكناس، بمرصودات مالية مهمة لتأهيل المراكز القروية الصاعدة.

    وشددت المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة فاطمة الزهراء المنصوري في ختام كلمتها على أن حزب الأصالة والمعاصرة ليس حزب تقارير أو حلول مسقطة من مكاتب الدراسات، بل يتبنى حلولا مشتركة تنبع من الميدان “من الأسفل إلى الأعلى” (من لتحت للفوق) عبر تشخيص دقيق ومباشر مع الساكنة، مبرزة أن تنظيم مثل هذه اللقاءات التواصلية هو خير دليل على هذه المقاربة التشاركية.

  • عبداللطيف وهبي: مستعدون لبعث حافلات لإعادة القاصرين من إسبانيا ونتمسك بحقنا التاريخي والجغرافي في سبتة ومليلية

    عبداللطيف وهبي: مستعدون لبعث حافلات لإعادة القاصرين من إسبانيا ونتمسك بحقنا التاريخي والجغرافي في سبتة ومليلية

    جدد المغرب استعداده للتعاون مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي من أجل إيجاد حل نهائي لملف القاصرين المغاربة الموجودين في سبتة المحتلة، معلنا أن الرباط مستعدة حتى لإرسال حافلات لنقلهم إلى المغرب، بالتوازي مع تمسكها بفتح نقاش سياسي حول سبتة ومليلية وعودتهما إلى المغرب.

    وجاء ذلك على لسان وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، الذي شدد أثناء حلوله ضيفا القناة الثانية زوال اليوم الجمعة، على أن ملف الهجرة والقاصرين يعرف “الكثير من التأويلات السياسية”، مشددا على أن المغرب لا يعتمد في تدبيره لهذا الملف على ما يتم تداوله عبر منصات التواصل الاجتماعي، وإنما على التواصل الرسمي المباشر مع إسبانيا.

    وأوضح الوزير أن “هناك عدة قنوات تتعامل مع هذا الموضوع لتوظيفه لمصالحها أو لسياسة معينة”، مضيفا أن المغرب “يتعامل مع الموضوع وفق التواصل المباشر مع إسبانيا، وكل ما يكتب في منصات التواصل الاجتماعي وما ينشر بشكل غير رسمي لا يهمنا ولا نهتم به، لأن ما ينشر غير صحيح، والصحيح ما يتم بين الجهازين الرسميين المغربي الإسباني”.

    وأكد أن التواصل بين الرباط ومدريد سيستمر، مبرزا أنه “كما قلت سابقا فإن التواصل بين البلدين مستمر وسيستمر وسنعالج الموضوع ولن نخضع لوسائل التواصل الاجتماعي وما يقال، بل سنخضع لعلاقة الثقة التي تجمعنا بإسبانيا”.

    المغرب مستعد لإرسال الحافلات لإعادة القاصرين

    ويتمسك المغرب بضرورة تسريع ملف عودة القاصرين المغاربة في إسبانيا، والتي يضعها على رأس أولوياته في النقاش الجاري مع مدريد والاتحاد الأوروبي، إذ جدد وهبي التأكيد أن “المغرب يريد عودة قاصريه، بل أكثر من ذلك نحن مستعدون لنبعث الحافلات لنقلهم إلى المغرب، ونحن مستعدون للتعاون مع الإسبان لإعادتهم”.

    ويربط وهبي هذا الموقف بضرورة إيجاد معالجة تتجاوز الحلول الظرفية، معتبرا أن استمرار الوضع الحالي لا يخدم أي طرف، مشددا على أن “هذا الموضوع يهمنا نحن وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، ويجب أن نتعاون من أجل إيجاد حل لهذا المشكل، ليس حلا جزءيا أو ظرفيا بل حلا طويل الأمد ونهائيا للتعامل مع هذا الموضوع وإيقافه، لأنه يؤدي إلى مآس إنسانية واجتماعية”.

    وأضاف أن الحوار بين الأطراف المعنية يمكن أن يقود إلى نتائج عملية، مسترسلا بالصدد ذاته “نؤكد أن اللقاءات والحوارات التي تتم بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي ستعطي في المستقبل القريب نتائج إيجابية لإيجاد حل لهذا الموضوع، وندعوهم إلى تعميق النقاش وبناء تصور مشترك، لأن الدبلوماسية هي خلق الحلول وليس إثارة الأزمات”.

    153  ألف محاولة للهجرة خلال عامين

    وذكر وزير العدل بالدور المحوري للمغرب في مكافحة الهجرة غير النظامية، مستندا في حديثه إلى حجم الجهد في المعابر الحدودية، وقال: “المغرب أحبط 79 ألف محاولة للهجرة غير النظامية سنة 2024، وفي 2025 أحبط 74 ألف محاولة، وفككنا 632 شبكة لتهريب المهاجرين، وأنقذنا 32 ألف شخص في البحر خلال الفترة نفسها”، مؤكدا أن “كل هذا الجهد الذي نقوم به شمال المملكة لإنقاذ الأطفالنا ومراهقينا”.

    وأبرز المسؤول الحكومي أن اختلاف حسابات الأطراف الثلاثة لا ينبغي أن يحول دون الوصول إلى حل مشترك، موضحا: “الاتحاد الأوروبي له حساباته ومدريد لها حساباتها ونحن لنا حساب واحد هو إيجاد حل للمشكل”، مردفا “ليست هناك ضبابية في التعامل معهما بل هناك عقدة أو أزمة مطروحة بحدة ويجب إيجاد حل لها، وأعتقد أن هناك إرادة من الطرفين، فقط يجب أن نصل إلى حل مشترك متفق عليه يم تنفيذه”.

    مسطرة إعادة القاصرين معقدة

    وفي الوقت الذي يؤكد فيه المغرب استعداده لاستعادة القاصرين، يقر وزير العدل بأن العملية نفسها تخضع لمساطر قانونية وإدارية تجعلها أكثر تعقيدا من مجرد نقل من دولة إلى دولة، موضحا أن “مسطرة إعادة القاصرين معقدة وليست سهلة، أولا يجب التأكد من أن القاصرين مغاربة، ثم تحديد وضعيتهم ثانيا، ثم نقلهم إلى المغرب ثالثا”.

    وأضاف مؤكدا استعداد الرباط للتعامل مع العملية: “ونحن مستعدون كما قلت لنبعث الحافلات لإحضارهم إلى المغرب”، مشددا على أن القاصرن المغاربة غير المصحوبين الموجودين بإسبانيا “يعتبرهم المغرب ضحايا وليسوا مجرمين، هم أطفال قاصرون وليس لهم المسؤولية الجنائية مقارنة مع البالغين”.

    وفي هذا السياق، أكد وهبي أن الرباط لا تعارض تسوية الوضعية القانونية للمغاربة المقيمين في إسبانيا، بل تعتبرها أمرا إيجابيا، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتحسين ظروف الإقامة ولم شمل الأسر، مشيرا إلى أن “المواطنين المغاربة الذين سووا وضعيتهم الآن في إسبانيا هم المستهدفون حتى يفشلوا هذه العملية، لكننا في المغرب نؤيدها، لأن تسوية الوضعية وتحسين وضعية المغاربة في إسبانيا، ولم شملهم مع أسرهم أمر مؤيده، وفقا للإرادة والسيادة الإسبانيتين”.

    وفي المقابل، يميز الوزير بين هؤلاء وبين القاصرين، قائلا: “أما القاصرون فليس لهم قرار قانوني، بل لدى العائلة والدولة، والدولة تقول مرة أخرى وأخيرة نحن نريد أن نعيدهم”.

    الرباط متمسكة باستعادة سبتة ومليلية وفتح الحوار

    وبالتوازي مع ملف القاصرين، أعاد وزير العدل طرح ملف سبتة ومليلية المحتلتين باعتباره قضية لا تريد الرباط أن تبقى خارج أجندة الحوار مع إسبانيا، وقال “أما قضية سبتة ومليلية فستبقى موضوع حوار مع إسبانيا، وسنتمسك بحقنا التاريخي والجغرافي، وستكون وسائل الحوار في هذا الموضوع”.

    ودعا إلى إحداث إطار مؤسساتي للحوار بشأن المدينتين، مضيفا: “وأعتقد أن خلق مجال وهيئة للحوار في هذا الموضوع يجب أن تكون حاضرة، لأنه لا يمكن السكوت عن هذا الموضوع، فهو ليس في صالح المستبقل أو الحاضر أن يتم السكوت عن هذا الموضوع، بل يجب مناقشته لإيجاد حل نهائي للحد من هذه الوضعية، وضعية عودة سبتة ومليلية إلى حضن الوطن”.

    ويضع وهبي هذه الملفات في سياق تاريخي أوسع للعلاقات المغربية الإسبانية، التي عرفت أزمات متكررة لكنها شهدت أيضا فترات من التعاون والحلول، لافتا إلى أن المغرب وإسبانيا تجمعهما “علاقات تاريخية وكان فيها أزمات وحلول، والأجيال المقبلة أتمنى أن تكون لها علاقات جيدة أفضل مما كانت ولا يحكم فيها الماضي على المستقبل”.

    وأضاف موجها الدعوة إلى مدريد وبروكسيل: “وندعو إسبانيا والاتحاد الأوروبي إلى الجلوس لمناقشة هذا الموضوع وإيجاد حل نهائي، فنحن نريد حلا نهائيا”.

  • جيل وُلد مع العهد الجديد.. 27 عاما غيّرت المغرب فهل تغيّرت معها شروط حياة الشباب؟

    جيل وُلد مع العهد الجديد.. 27 عاما غيّرت المغرب فهل تغيّرت معها شروط حياة الشباب؟

    سبعة وعشرون عاما تفصل بين مغرب 1999 ومغرب 2026، وهي بالضبط سنوات عمر جيل ولد مع بداية عهد جلالة الملك محمد السادس، وكبر بينما كانت البلاد تغيّر طرقها ومدنها واقتصادها ومدارسها ووسائل اتصالها، وتعيد رسم علاقتها بالعالم وبالمستقبل.

    جيل لم يعرف مغربا قبل “محمد السادس”العهد الجديد”، وفتح عينيه على بلد كان الإنترنت فيه في بداياته، قبل أن يبلغ السابعة والعشرين في مغرب وصلت فيه نسبة التمدن إلى 62.8 في المئة، وتوسعت فيه البنيات التحتية وشبكات الاتصال، وظهرت صناعات ومهن وفرص لم تكن جزءا من المشهد الاقتصادي عند ولادته.

    لكن التحولات التي شهدها المغرب بين 1999 و2026 لا تكتمل قراءتها من خلال الطرق والموانئ وشبكات الاتصال والمؤشرات الاقتصادية وحدها، سيما وأن جزء آخر من الصورة يوجد في المسار الذي قطعه الشباب أنفسهم، من المدرسة والجامعة إلى أول وظيفة وأول هاتف، ومن الاعتماد على الأسرة إلى البحث عن دخل واستقلال وحياة خاصة.

    الشاب المغربي الذي يبلغ اليوم 27 عاما نشأ في عالم أكثر اتصالا، وأمام مصادر أوسع للمعرفة والتكوين والعمل، غير أن وصوله إلى سن الاندماج المهني يكشف أن اتساع الخيارات لم يحسم واحدة من أقدم معضلات الشباب وهي العثور على موقع داخل سوق الشغل.

    وتظهر معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن حواليي 2.9 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة يوجدون خارج الشغل والدراسة والتكوين، ويتركز قرابة نصفهم في الفئة العمرية بين 25 و29 سنة.

    تلك هي إحدى المفارقات التي طبعت مسار هذا الجيل، فقد تغير المغرب الذي ولد فيه، وتعددت مسارات الدراسة والتكوين والوصول إلى المعرفة وظهرت قطاعات ومهن جديدة لكن الاستفادة من هذه التحولات لم تكن متساوية، وظلت القدرة على تحويلها إلى وظيفة ودخل واستقلال مرتبطة بالتكوين والمجال الذي يعيش فيه الشاب والفرص التي يتيحها الاقتصاد.

    ومن هذه الزاوية، يتيح عيد الشباب فرصة لقراءة سبعة وعشرين عاما من التحولات من خلال أثرها على جيل عاشها كاملة، فقراءة لمغرب 1999 من موقع 2026، من خلال جيل ولد في بداية العهد وكبر مع تحولاته يصل اليوم إلى مرحلة يفترض أن ينتقل فيها من الاستفادة من الفرص التي صنعها هذا المسار إلى المشاركة في صناعة المرحلة المقبلة.

    ولدوا سنة 1999.. أي مغرب كان ينتظرهم؟

    لا توجد صورة إحصائية خاصة بالمغرب سنة 1999، إذ جاءت تلك السنة بين إحصائي 1994 و2004، لكن المؤشرات المحيطة بها تسمح باستعادة ملامح البلد الذي بدأ فيه هذا الجيل حياته، من أسرة أكبر حجما، ومجتمع أقل تمدنا، وإنترنت محدود الانتشار، وسوق عمل لم تكن قطاعات؛ أصبحت اليوم من أعمدة الصناعة والتصدير، قد أخذت داخله موقعها الحالي.

    أقرب تعداد إلى تلك المرحلة، وهو إحصاء 2004 الذي يقدم نقطة انطلاق مفيدة، ففي عشرين عاما تراجع متوسط حجم الأسرة المغربية من 5.3 أفراد إلى 3.9 أفراد سنة 2024، فيما أصبح 23.1 مليون مغربي يعيشون في الوسط الحضري.

    لكن التحول داخل الأسرة، يظهر بصورة أوضح حين يوضع شاب في السابعة والعشرين إلى جانب أبيه عندما كان في العمر نفسه.

    أمين ذو 27 عاما، شخصية مركبة في هذه المسودة، فهو حاصل على شهادة جامعية وتكوين إضافي ولم يحصل على أول عقد عمل إلا بعد المرور من تدريبين في العمر نفسه، فيما كان والده قد راكم سنوات من العمل وبدأ تحمل أعباء أسرته.

    يختصر أمين، في حديثه لجريدة “AM+ MEDIA” الفارق في صياغة نموذجية بالقول: “والدي بدأ العمل في سن مبكرة، وفي السابعة والعشرين كان قد استقر مهنيا وتزوج، أما أنا فقضيت سنوات أكثر في الدراسة، وبعدها احتجت إلى التكوين والتداريب قبل الحصول على أول عقد لدي”، مضيفا “لدي اختيارات ووسائل راحة وإمكانيات بصدق لم تكن متاحة له، لكن الوصول إلى الاستقرار أخذ مني وقتا أطول”.

    والده سعيد، ينظر إلى المسألة من الجهة الأخرى، إذ لم تكن أمامه، كما يقول في الشهادة النموذجية قائمة طويلة من الاختيارات المهنية “كنا نبحث عن العمل أولا، ولم نكن نفكر كثيرا في أن يكون مطابقا لما نريده، ابني مثلا يستطيع اختيار تخصصه وتغيير عمله والبحث عن فرص حتى خارج المغرب، لكن المطلوب منه اليوم أكبر شهادة ولغات وحاسوب وتجربة، وكلما حصل على شيء اكتشف أن عليه إضافة شيء آخر”.

    وبين المسارين تغير أكثر من سوق العمل، فقد تغير توقيت الانتقال إلى حياة الراشدين نفسها، فسنوات الدراسة والتكوين أطول بالنسبة إلى شرائح من الشباب، وشروط الولوج إلى عدد من الوظائف أصبحت أكثر تعقيدا، فيما لم يعد الحصول على شهادة يعني بالضرورة الانتقال المباشر إلى العمل.

    حين أصبحت المدينة أكبر من البيت

    بالتوازي مع تغير الأسرة، تغير المجال العيش، فخلال العقود الأخيرة واصل الثقل السكاني انتقاله نحو المدن، ولم يكن ذلك مجرد حركة للسكان، بل انتقالا للضغط على السكن والنقل والتعليم والصحة والعمل إلى المجالات الحضرية، مع توسع الضواحي وظهور أحياء ومراكز عمرانية جديدة.

    وتكشف المقارنة بين سلمى ووالدتها وجها آخر لهذا التحول، فسلمى في السابعة والعشرين تتابع دراستها في سلك الدكتوراه بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، وتعمل في الدار البيضاء كما تسكن مع أسرتها، أما والدتها كانت في العمر نفسه متزوجة وتعيش في بيت مستقل عن والديها.

    سلمى، ترفض اختزال الفرق في تأخر الزواج، وتقول لـ “AM+MEDIA”: “أمي في عمري كانت عندها حياتها ودارها، لكن حياتها المهنية لم تكن مثل حياتي فأنا أدرس، أشتغل وأتنقل وحدي بين المدينتين وأدبر أموري المادية وأستطيع السفر ومتابعة تكويني، لكن فكرة أن أكتري وحدي وأتحمل جميع المصاريف، أو حتى الزواج والاستقرار وبيت، تجعلني أفضل البقاء مع أسرتي حاليا”.

    وترد والدتها من زاوية مختلفة: “كانت عندنا مصاريف أقل واختيارات أقل أيضا، اليوم البنت كتقرا أكثر وكتخدم وكتفكر في مسارها قبل الزواج، ما يمكنش نقارن غير شكون خرج من دار والديه بكري”.

    هذه التفاصيل تمنع المقارنة من السقوط في حنين سهل إلى الماضي، فالاستقلالية لم تعد تعني الشيء نفسه تماما بالنسبة إلى جيل سابق كان يمكن أن يرتبط بالزواج وتأسيس بيت في سن مبكرة، أما بالنسبة إلى جزء من شباب اليوم، فقد أصبح يرتبط أولا بالقدرة على تمويل حياة مستقلة والمحافظة في الوقت نفسه على مستوى الدراسة والعمل والتنقل والاستهلاك الذي أصبح جزءا من حياته.

    من أول اتصال بالإنترنت إلى البحث عن العمل من الهاتف

    إذا كان تغير الأسرة والمدينة يحتاج إلى أرقام ومقارنات، فإن المسافة الرقمية بين الجيلين تكاد تكون مرئية بالعين، فمواليد 1999 عاشوا طفولة سبقت الهاتف الذكي وشبكات التواصل الاجتماعي بصورتها الحالية، ثم دخل الإنترنت تدريجيا إلى المدرسة والجامعة والعمل والحياة اليومية.

    وتوثق بيانات الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات التوسع الكبير الذي عرفه استخدام الإنترنت والاتصالات في المملكة خلال هذه الفترة، غير أن أثر هذا التحول لا يقف عند الاتصال، فحين بحث والد أمين عن أول وظيفة، كان مجال البحث محكوما إلى حد بعيد بالمكان الذي يعيش فيه وبالإعلانات والمباريات وشبكة العلاقات المباشرة، أما ابنه فيستطيع اليوم أن يتقدم في صباح واحد إلى وظائف في الرباط والدار البيضاء وطنجة، أو أنا يجتاز مقابلة عمل عن بعد مع مؤسسة خارج المغرب.

    وتحكي سلمى أنها حصلت على إحدى فرصها المهنية عبر إعلان وجدته على الإنترنت، قبل أن تجري أول مقابلة عن بعد، أما والدتها، لم تكن هذه الجغرافيا المهنية موجودة أصلا في شبابها، وتقول: “باش تقلبي على خدمة، خاصك تعرفي فين تمشي وتسولي وتدفعي وراقك، لكن اليوم تقدر تقلب على عشرات العروض وهي (سلمى) فالدار”.

    لكن سهولة الوصول إلى الإعلان لم تجعل المنافسة عليه أسهل، فالشاب الذي يستطيع رؤية فرص أكثر يرى في الوقت نفسه عدد المرشحين لها، ويجد أمامه متطلبات تتغير باستمرار، من اللغات، والبرمجيات، والخبرة، إلى الشهادات الإضافية والقدرة على التعلم السريع.

    كما أن الإنترنت غيّر معيار المقارنة، فلم يعد شاب مدينة صغيرة يقارن نفسه فقط بأقرانه في الحي أو المدينة، بل يرى يوميا كيف يدرس ويعمل ويعيش شباب في مدن مغربية أخرى وفي الخارج، ويعرف الرواتب والجامعات والمهن والفرص التي لم يكن الجيل السابق يعرف عنها بالسرعة نفسها، وهذا يعني أن المسافة إلى العالم أصبحت أقصر لكن المسافة إلى الفرصة لم تختف.

    الرحيل نفسه لأسباب مختلفة

    تظهر الفوارق بصورة أوضح خارج المحاور الحضرية الكبرى، فسعد شاب ولد في بلدة صغيرة نواحي تاونات، واحتاج إلى مغادرتها بعد البكالوريا لمتابعة دراسته الجامعية، أما والده فقد غادر المنطقة نفسها وهو أصغر سنا، لكن بحثا عن العمل.

    يقول سعد في حديث لجريدة “AM+ MEDIA”: “أبي خرج من المدينة لأنه ما كانش عندو فين يخدم، أنا خرجت باش نقرا، الفرق أنني قدرت نوصل للجامعة، لكن من بعد التخرج رجعت نطرح تقريبا السؤال نفسه ديالو: فين غادي نخدم؟”.

    في جملة واحدة تلتقي تجربتان تفصل بينهما عقود، فوالده غادر بموارد تعليمية محدودة بحثا عن دخل، أما الابن فقد غادر للحصول على شهادة، ثم وجد نفسه بعد التخرج أمام تمركز جانب من الفرص المهنية في المدن والأقطاب الاقتصادية الكبرى.

    أما الأب فيصف الفارق على طريقته: “هو عندو قراية وحاسوب ولغات وأنا ما كانش عندي هادشي، أنا كنت كنمشي فين كاينة الخدمة، وهو حتى دابا خاصو يمشي فين كاينة الخدمة، غير كل واحد فينا بطريقتو”.

    هذه المقارنة تضع مسألة المجال في مكانها الصحيح، وصول الإنترنت أو تحسن الطريق أو توسع التعليم لا يعني بالضرورة أن الوظيفة انتقلت إلى المكان نفسه، وقد يصبح الوصول إلى الفرصة أسهل من الناحية المادية، فيما يظل الحصول عليها مشروطا بالانتقال إلى مركز اقتصادي آخر.

    لهذا يصعب الحديث عن مواليد 1999 باعتبارهم جيلا بتجربة واحدة، شاب ولد في الدار البيضاء داخل أسرة قادرة على تمويل دراسته وتعلم اللغات لا يبدأ من النقطة نفسها التي يبدأ منها شاب في منطقة بعيدة عن الجامعة، أو فتاة تحتاج إلى الانتقال إلى مدينة أخرى لمتابعة تخصص غير متاح قرب أسرتها، فالعمر واحد أما نقطة الانطلاق فليست كذلك.

    وظائف لم يكن الآباء يعرفون أسماءها

    حين دخل مواليد 1999 المدرسة، لم تكن صناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة والخدمات الرقمية تحتل داخل الاقتصاد المغربي الموقع الذي وصلت إليه اليوم، من تخصصات ومهن جديدة، وتغير طبيعة المهارات التي يبحث عنها المشغلون.

    عماد مثلا، الذي يعمل في البرمجيات بالعاصمة الرباط، يقول للجريدة إن والديه؛ على الرغم من مستواهما التعليمي المتقدم “احتاجا وقتا لفهم بالضبط ماذا يفعل”، ومبرزا مفارقة بين جيلين، فعدد من المهن التي يعمل فيها شباب اليوم لم تكن جزءا من القاموس المهني للأسر عندما دخل أبناؤها المدرسة.

    في المقابل، لا تعني كثرة المسارات المهنية أن الدخول إليها أصبح تلقائيا، فالاقتصاد الذي خلق وظائف جديدة رفع أيضا مستوى المهارات المطلوبة، وأصبح الانتقال بين الجامعة والعمل يمر بالنسبة إلى كثيرين عبر التدريب والتخصص واللغات والمهارات الرقمية.

    وحين ولد أبناء 1999، كان الشغل حاضرا منذ البداية في تصور العهد الجديد لموقع الشباب داخل مشروع التنمية، ففي أول خطاب للعرش وضع جلالة الملك محمد السادس التعليم في صدارة الأولويات، وربطه صراحة بإعداد الأجيال للولوج إلى الحياة العملية ومواجهة البطالة.

    وظل تشغيل الشباب خلال السنوات اللاحقة، ملازما للنقاش حول الاستثمار والتعليم والتنمية البشرية وتحديث الاقتصاد، لكن البيئة الاقتصادية التي كان يفترض أن يعمل داخلها هؤلاء الأطفال لم تكن قد تشكلت بعد بالصورة التي نعرفها اليوم.

    فميناء طنجة المتوسط لم يكن قد دخل الخدمة، والقطار فائق السرعة لم يكن موجودا، وشبكة الطرق السيارة كانت أصغر بكثير، فيما لم تكن صناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة قد بلغت الوزن الذي ستكتسبه لاحقا.

    لذلك، فإن جيل 1999 لم يكبر فقط داخل اقتصاد توسع حجمه، بل عاصر انتقال المغرب إلى نموذج راهن بقوة على البنية التحتية لجذب الاستثمار وربط المملكة بالأسواق الدولية.

    هذا الاختيار ظهر مبكرا في التوجيهات الملكية، ففي خطاب العرش لسنة 2005، تحدث جلالة الملك عن المضي في إنجاز المشاريع الهيكلية الكبرى، وفي مقدمتها طنجة المتوسط وتوسيع شبكة الطرق السيارة، وربط ذلك بتحسين مناخ الاستثمار المنتج.

    وفي السنة نفسها، أطلقت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، واضعة تقليص العجز الاجتماعي وإحداث الأنشطة المدرة للدخل والشغل ضمن محاورها الأساسية.

    وبالنسبة إلى مواليد 1999، كانت هذه الأوراش تتقدم فيما كانوا ينتقلون من المدرسة إلى الجامعة ثم إلى سوق العمل، وعندما بلغوا سن البحث عن أول وظيفة، كانت خريطة الاقتصاد قد تغيرت فعلا.

    طنجة على سبيل المثال، لم تعد المدينة الاقتصادية نفسها التي كانت عليها في طفولتهم، فالمركب المينائي والصناعي لطنجة المتوسط تحول إلى منصة مرتبطة بسلاسل الإنتاج والتجارة الدولية، ونمت حوله أنشطة صناعية ولوجستية وخدماتية.

    وفي الجهة الشرقية، يستعد ميناء الناظور غرب المتوسط للدخول إلى التشغيل خلال الربع الأخير من 2026، في استمرار لخيار ربط الاقتصاد المغربي بسلاسل القيمة العالمية الذي تضعه الرؤية الملكية السامية في صلب تطوير البنيات المينائية.

    وتغيرت الصناعة بدورها، فالمغرب الذي كان يستقبل أبناء 1999 في مدارسهم الأولى ليس هو المغرب الصناعي الذي دخلوا سوق عمله بعد عقدين، كما توسعت صناعة السيارات والطيران، ونمت منظومات مرتبطة بالإلكترونيات واللوجستيك والطاقات المتجددة، وأصبحت المهن التقنية والهندسية والرقمية جزءا أكبر من الطلب على الكفاءات.

    هنا تظهر واحدة من أهم نتائج التحول الذي جرى خلال “العهد الجديد”، إذ لم يعد مسار التشغيل مرتبطا أساسا بالإدارة والفلاحة والقطاعات التقليدية والخدمات البسيطة، كما أصبحت هناك خريطة أوسع للمهن والاستثمار، وأصبح بإمكان شاب مغربي أن يعمل داخل سلسلة إنتاج صناعية موجهة إلى الأسواق العالمية من مصنع في طنجة أو القنيطرة أو الدار البيضاء.

    لكن بناء الاقتصاد الجديد لم يحسم تلقائيا معضلة الشغل، فقد حضرت داخل الخطاب الملكي نفسه على امتداد العهد الجديد، ففي خطاب سابق للعرش وضع الملك السؤال بصيغة تربط قيمة المشاريع الكبرى بأثرها الفعلي على حياة المواطنين، بعدما استعرض التحولات في الموانئ والطرق والطاقة والتنمية البشرية.

    وبعد سنوات، تظهر أرقام سوق الشغل لماذا بقي هذا السؤال قائما، ففي 2025، أحدث الاقتصاد المغربي 193 ألف منصب صاف، أكثر من ضعف 82 ألف منصب المحدثة في السنة السابقة، لكن توزيعها يكشف أين يتحرك الاقتصاد الجديد، فالخدمات أضافت 123 ألف وظيفة، والبناء والأشغال العمومية 64 ألفا، والصناعة 46 ألفا، بينما فقدت الفلاحة والغابات والصيد 41 ألف منصب.

    الأكثر دلالة أن المدن أحدثت 203 آلاف وظيفة، في حين فقد الوسط القروي 10 آلاف، وهذا يعني أن الوظيفة تتحرك أكثر نحو المدينة والخدمات والصناعة، أي نحو المجالات نفسها التي تركزت فيها خلال العهد الجديد استثمارات الطرق والموانئ والمناطق الصناعية والبنيات اللوجستية.

    وهكذا، فإنه بعد سبعة وعشرين عاما، يصل مواليد 1999 إلى سنّ يفترض أن يكونوا فيها قد انتقلوا من مقاعد الدراسة إلى قلب الاقتصاد والمجتمع.

    ويختلف المغرب الذي يستقبلهم اليوم جذريا عن البلد الذي ولدوا فيه، طرق وموانئ وصناعات وبنيات رقمية وفرص ومهن لم تكن موجودة، واقتصاد أصبح أكثر اتصالا بالأسواق العالمية، لكن تجربة هذا الجيل تكشف أيضا أن بناء الفرصة لا يعني بالضرورة القدرة على الوصول إليها، فالفجوة بين المدينة والقرية، وبين التكوين وسوق الشغل، وبين الشهادة والاستقلال الاقتصادي، ما تزال ترسم مسارات شبابه بشكل غير متساو.

    وإذا كان ربع القرن الأول من العهد الجديد قد غيّر البنية التي يعيش داخلها هذا الجيل، فإن الرهان الذي يواجه المغرب اليوم هو أن تتحول مكاسب هذا المسار إلى أثر ملموس في حياته، من شغل، ودخل، واستقلال، وقدرة على بناء المستقبل، عندها تصبح المقارنة بين مغرب 1999 ومغرب 2026 أكثر من مقارنة بين ما شيّد في البلاد وتصبح قياسا لما تغيّر فعلا في حياة من كبروا معها.

  • بعد تعذر النظر في دستوريته.. قانون المحاماة ينشر بالجريدة الرسمية ويدخل حيز التنفيذ

    بعد تعذر النظر في دستوريته.. قانون المحاماة ينشر بالجريدة الرسمية ويدخل حيز التنفيذ

    دخل القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة حيز التنفيذ، ابتداء من اليوم الخميس، عقب نشره في العدد 7536 من الجريدة الرسمية، بموجب الظهير الشريف رقم 1.26.75 الصادر في 18 غشت 2026.

    ونص الظهير على تنفيذ القانون ونشره كما وافق عليه مجلسا النواب والمستشارين، وذلك بعد الاطلاع على قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 م.د، الصادر في 10 غشت 2026، والذي صرحت بموجبه بـ”تعذر البت في الإحالة الرامية إلى النظر في مطابقة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة للدستور، على حالها”.

    وكانت المحكمة قد سجلت أن رسالة الإحالة الموجهة إليها من رئيس مجلس النواب أُرفقت بتقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، وبنسخة من المشروع كما وافق عليه مجلس النواب في القراءة الثانية بتاريخ 6 يوليوز 2026، من دون إرفاق النص النهائي للقانون كما وافق عليه مجلس المستشارين في قراءته الثانية بتاريخ 7 يوليوز.

    واعتبرت المحكمة أن عدم إرفاق نسخة مطابقة لأصل النص المراد فحص دستوريته يجعل محل الرقابة غير متوفر من الناحية الواقعية، ويشكل مانعا قانونيا يحول دون البت في القضية، وبذلك كان “قرار المحكمة الدستورية” إجرائيا، ولم يتضمن حكما موضوعيا بشأن دستورية مقتضيات القانون.

    دخول فوري واستثناءات تنظيمية

    ونصت المادة 146 من القانون الجديد على دخوله حيز التنفيذ في تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، أي ابتداء من 20 غشت 2026، غير أن المشرع استثنى من النفاذ الفوري مقتضيات المواد 12 و39 والبند 11 من المادة 121، إذ لن تدخل هذه الأحكام حيز التنفيذ إلا بعد صدور النصوص التنظيمية الضرورية لتطبيقها ونشرها بدورها في الجريدة الرسمية.

    وبموجب القانون الجديد، ينسخ ابتداء من 20 غشت 2026 القانون رقم 28.08 المتعلق بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.08.101 بتاريخ 20 أكتوبر 2008، غير أن القانون أقر مجموعة من المقتضيات الانتقالية لضمان استمرارية المؤسسات والمساطر المهنية.

    وفي هذا الإطار، ستستمر أجهزة هيئات المحامين القائمة حاليا في أداء المهام المسندة إليها، إلى حين تولي الأجهزة الجديدة مهامها، إثر انتخابها خلال شهر دجنبر الموالي لتاريخ دخول القانون حيز التنفيذ، كما تتولى الأجهزة الحالية اتخاذ الإجراءات الضرورية لتنظيم هذه الانتخابات.

    ويستمر العمل بمقتضيات القانون رقم 28.08 في ما يتعلق بشروط الترشح لمهنة المحاماة والحصول على شهادة الأهلية، إلى حين شروع معهد تكوين المحامين في ممارسة مهامه بصورة فعلية.

    وحافظ القانون على الوضعية القانونية للمترشحين الحاصلين على شهادة الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة قبل 20 غشت 2026، شريطة ألا يتجاوز سنهم 50 سنة عند تقديم طلب التسجيل في لائحة المحامين المتمرنين لدى إحدى هيئات المحامين.

    ويستفيد هؤلاء من مقتضيات القانون السابق في ما يخص التمرين والتسجيل في جدول الهيئة، بما يحول دون تأثر مراكزهم القانونية بالقواعد الجديدة بعد حصولهم على شهادة الأهلية في ظل التشريع المنسوخ.

    وتشمل المقتضيات الانتقالية كذلك المتابعات التأديبية التي تم تحريكها قبل دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، إذ يستمر تطبيق القانون رقم 28.08 عليها إلى حين صدور قرارات نهائية بشأنها.

    أيضا، تظل النصوص التنظيمية المتخذة لتطبيق قانون 2008 سارية المفعول إلى حين تعويضها بنصوص جديدة، تفاديا لأي فراغ قانوني أو مؤسساتي خلال المرحلة الانتقالية.

    المحامي شريك في تحقيق العدالة

    وتكشف المقتضيات الجديدة المنظمة لمهنة المحاماة عن تحول يراد منه أن تصبح العلاقة بين المحامي وموكله أكثر وضوحا وأمانا وخضوعا للمحاسبة.

    ولم يكتف القانون رقم 28.08 المنظم لمهنة المحاماة، بإعادة ترتيب المهنة من الداخل، بل جاء بجملة من المستجدات التي يفترض أن تنعكس مباشرة على المتقاضين، بدءا من حماية أموالهم وملفاتهم، مرورا بتنظيم الأتعاب والمساعدة القضائية، ووصولا إلى ضمان استمرارية الدفاع ومواجهة السمسرة وانتحال صفة المحامي.

    وفي هذا السياق، لم يعد القانون يعرف المحامي باعتباره مجرد مساعد للقضاء، بل عرفته المادة الأولى بأنه مساهم في تحقيق العدالة وجزء من أسرة القضاء.

    فالمحامي بهذ المعنى لم يعد وسيطا إداريا بين المواطن والمحكمة، ولا تُختزل مهمته في تحرير مقال أو حضور جلسة، بل أصبح طرفا أساسيا في حماية الحقوق، وتوضيح الوقائع، ومراقبة سلامة الإجراءات، وضمان أن يجد صوت المواطن طريقه إلى القضاء.

    غير أن هذه المكانة التي منحها القانون لـ”أصحاب البذلة السوداء” تقابلها مسؤولية أكبر؛ فإذا كان المحامي مساهما في العدالة، فإن سلوكه المهني، وطريقة تدبيره للملفات والأموال، وعلاقته بموكليه، تصبح جميعها جزءا من الثقة العامة في العدالة نفسها.

    الصلح قبل أبواب المحاكم

    من بين المستجدات التي تلامس حياة المواطنين مباشرة تخويل المحامي إمكانية العمل على فض النزاع عن طريق الصلح أو الوسائل البديلة قبل اللجوء إلى القضاء، انطلاقا من مبدأ أن كل نزاع ليس في حاجة إلى سنوات من الجلسات والمذكرات والطعون، إذا كانت هناك إمكانية اتفاق متوازن يحفظ حقوق الطرفين.

    وتنص المادة 43 من قانون المحاماة على أن يحث المحامي موكله على فض النزاع عن طريق الصلح أو بواسطة الطرق البديلة الأخرى قبل اللجوء إلى القضاء.

    بالنسبة إلى المواطن، يعني هذا المقتضى، في حال سلوكه، اقتصادا في الوقت والمصاريف، وتقليلا للضغط النفسي المصاحب للمحاكم، كما قد يسمح بحماية العلاقات الإنسانية والتجارية التي يصعب إصلاحها بعد نزاع قضائي طويل.

    ويراهن المشرع من خلال هذا المستجد على تحول الصلح إلى ممارسة فعلية، لا مجرد احتمال وارد في النص، كون المواطن يحتاج إلى محام ينصحه أحيانا بعدم رفع الدعوى، بالقدر نفسه الذي يحتاج فيه إلى محام يترافع عنه إذا أصبح القضاء ضروريا.

    ضوابط جديدة لشفافية أكبر لأموال الموكلين

    وتعد أكثر المقتضيات أهمية بالنسبة إلى المتقاضين، والأكثر جدلا بالنسبة للمحامين، تلك المتعلقة بالأموال التي يتسلمها المحامي في إطار عمله.

    فالقانون أصبح يلزم، بموجب المواد من 54 إلى 57، المحامي بألا يتسلم نقودا أو سندات أو قيما إلا مقابل وصل مرقم، يتضمن اسم المحامي، واسم صاحب الأداء، وسببه، وتاريخه، وكيفية دفعه، وهي تفاصيل تلعب دورا فاصلا عند وقوع خلاف، كونها تحمي المواطن من الإنكار أو الغموض، وتحدد بدقة مقدار ما دفعه وسبب الأداء والجهة التي تسلمته.

    وإلى جانب ذلك، ألزم القانون المحامي بمسك دفتر يومي تسجل فيه المداخيل والمصاريف والودائع، وبفتح حساب خاص بملف كل موكل، مع منح النقيب صلاحية فحص هذه الحسابات والتحقق من وضعية الودائع مرة واحدة سنويا على الأقل، وكلما دعت الحاجة إلى ذلك.

    من بين المستجدات أيضا إحداث حساب للودائع والأداءات على مستوى كل هيئة للمحامين، تودع فيه وجوبا المبالغ المسلمة إلى المحامين على سبيل الوديعة، وتمر عبره الأداءات المهنية المنجزة لفائدة الموكلين أو الغير.

    وقد ذهب القانون أبعد من ذلك، عندما قرر أن الأداء المخالف لهذه القواعد لا تكون له قوة إبرائية، مع إمكان ترتيب المسؤولية عن المبالغ المستحقة، أي أن المشرع استهدف بناء مسار مالي قابل للتتبع، والحد من النزاعات والشكايات المتعلقة بالودائع، والتي تعد أكثر الملفات حساسية لأنها تمس الثقة في العلاقة بين المحامي وموكله.

    من الاتفاق الغامض حول الأتعاب إلى الطعون

    ووضع القانون قواعد أكثر وضوحا في باب الاتفاق حول الأتعاب، وجعلها محل اتفاق بين الطرفين، مع منع الاتفاق المسبق الذي يمنح المحامي حصة من نتيجة القضية، بهدف ألا تتحول العدالة إلى مضاربة، والحؤول دون أن يصبح المحامي صاحب مصلحة شخصية مباشرة في المال أو الحق المتنازع عليه.

    وتنص المادة 45 على أن لا يجوز للمحامي أن يتفق مسبقا مع موكله على الأتعاب المستحقة عن أي قضية، ارتباطا بالنتيجة التي يقع التوصل إليها، كما حظرت أن يقتني المحامي، بطريق التفويت، حقوقا متنازعا فيها قضائيا، أو أن يستفيد هو أو زوجه أو فروعه بأي وجه كان، من القضايا التي يتولى الدفاع بشأنها.

    وعند نشوء خلاف بشأن الأتعاب، يختص النقيب بالنظر في النزاع، ويحق للمحامي والموكل الطعن في القرار أمام الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف داخل الأجل القانوني.

    ونظم القانون مسألة الاحتفاظ بملف القضية عند انتهاء مهمة المحامي، فالملف ليس وسيلة ضغط مطلقة في مواجهة الموكل، والقرار المتعلق بالاحتفاظ به يخضع بدوره للضوابط وإمكانية الطعن، حتى لا يظل المواطن عالقا بين حاجته إلى وثائقه واعتراضه على مبلغ الأتعاب.

    وبهذا الصدد، نصت المادة 49 على أنه لا يحق للمحامي أن يحتفظ بالملف المسلم إليه من طرف موكله، ولو في حالة عدم أداء ما وجب له من المصروفات والأتعاب، ما لم يرخص له النقيب ذلك، بمقتضى قرار خاص اعتمادا على ما يدلي به من مبررات.

    المحامي قبل النزاع وأثناءه وبعده

    وسع القانون، في المادة 30، مجال الخدمات التي يمكن للمحامي تقديمها، فبدل الاقتصار على المرافعة أمام المحكمة، أصبحت تشمل تمثيل المواطن أمام الإدارات، وتقديم الاستشارات، وإعداد الدراسات القانونية، وتحرير العقود، ومباشرة الإجراءات غير القضائية، والحصول على الوثائق، وتتبع تنفيذ الأحكام والاتفاقات.

    وراهن المشرع في هذا المقتضى على مبدأ “الوقاية خير من العلاج”، إذ إن استشارة المحامي قبل توقيع عقد قد تكون أقل تكلفة بكثير من اللجوء إليه بعد نشوء نزاع.

    وفي المقابل، وضع القانون حاجزا ضد تضارب المصالح، فمنع المحامي الذي حرر عقدا بين طرفين من تمثيل أحدهما ضد الآخر في نزاع ناشئ عن العقد نفسه، ومنع المحامين العاملين في إطار مهني مشترك من تمثيل أطراف متعارضة المصالح، حرصا على ألا تتحول المعلومات التي يحصل عليها المحامي بحكم الثقة لاحقا إلى سلاح ضد صاحبها.

    حماية أكبر لحقوق الموكلين

    عند ممارسة المهنة في إطار المشاركة، أقر القانون المسؤولية المدنية التضامنية للمحامين الشركاء تجاه موكليهم، لتوفير مجال أوسع للمطالبة بالتعويض إذا ثبت وقوع خطأ مهني سبب له ضررا.

    وتنص المادة 28 على أن المحامين الشركاء مسؤلون مدنيا على وجه التضامن إزاء موكليهم، كما منعتهم من النيابة أو مؤازرة أو تمثيل أطراف لها مصالح متعارضة.

    كما ألزم القانون، من خلال المادة 91، مجالس هيئات المحامين بإبرام عقود للتأمين عن المسؤولية المهنية لأعضائها، وألزم الشركات المدنية المهنية للمحامين بالتأمين عن مسؤوليتها.

    مسار زمني صارم للشكايات

    وسع القانون، من خلال منطوق المادة 61، نطاق التأديب ليشمل مخالفة النصوص القانونية والتنظيمية وقواعد المهنة وأعرافها، والإخلال بالمروءة والشرف، حتى عندما يتعلق الأمر بأفعال وقعت خارج المجال المهني.

    وتتدرج العقوبات بين الإنذار والتوبيخ والإيقاف عن ممارسة المهنة والتشطيب من الجدول، لكن المستجد الأهم هو إخضاع الشكاية لمسار محدد.

    فالشكايات المقدمة ضد المحامين، وفق المادة 67، تحال على النقيب، الذي يتعين عليه اتخاذ قرار معلل بالحفظ أو المتابعة داخل ثلاثة أشهر، وإلا اعتبر سكوته قرارا ضمنيا بالحفظ، وأتاح القانون للأطراف المعنية الطعن في عدد من المقررات أمام محكمة الاستئناف.

    وخولت المادة المادة 69 لمجلس الهيئة أن يضع يده تلقائيا، على كل إخلال بالنصوص القانونية أو التنظيمية، أو قواعد المهنة أو أعرافها، أو أي إخلال بالمروءة والشرف، ويجري المسطرة التأديبية في مواجهة المحامي المعني بالأمر، مباشرة.

    ومنحت المادة 67 للوكيل العام للملك، وحده، وفق المادة ذتها، أن يطعن في قرار الحفظ الصادر عن النقيب، ضمنيا أو صراحة، بعد تبليغه بالقرار، وفي حال ألغت محكمة الاستئناف مقرر النقيب بالحفظ، تحيل الملف، وجوبا، من جديد، لعرضه على مجلس الهيئة لمواصلة إجراءات المتابعة.

    هذه الآجال والطعون تمنح المواطن وسيلة لمواجهة الصمت أو التأخير، وتخرج الرقابة، جزئيا، من المجال المهني الداخلي إلى رقابة القضاء، وهو مقتضى أثار رفضا المحامين بشدة.

    عقوبات مشددة للسماسرة والمنتحلين

    درءا للوسطاء والسماسرة الذين يوهمون بحكم مضمون، أو نفوذ داخل المحكمة، أو تسوية سريعة للقضايا، شدد القانون العقوبة على سمسرة الزبناء وجلبهم، سواء ارتكب الفعل وسيط أو ساهم فيه محام.

    وجرم القانون أيضا الاعتياد على مباشرة المساطر القضائية لفائدة الغير دون سند قانوني، وانتحال صفة محام، واستعمال وسائل توهم المواطنين بممارسة المهنة، بل وحتى ارتداء بذلة المحامي دون حق.

    ويعاقب، وفق المادة 98، كل شخص ثبت أنه يباشر بصفة اعتيادية، إجراء أي مسطرة قضائية لفائدة الغير دون أن يكون مخولا قانونا لذلك، بالحبس من سنة إلى سنتين وبغرامة من عشرة آلاف إلى عشرين ألف درهم، ما لم تكن الأفعال أو انتحل صفة محام، أو استعمل أي معاقبا عليها بعقوبة أشد.

    ويعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في الفصل 381 من القانون الجنائي كل شخص نسب لنفسه صفة محام علانية، ومن غير حق، أو انتحل صفة محام، أو استعمل أي وسيلة قصد إيهام الغير بأنه يمارس مهنة المحاماة أو انه مستمر في ممارستها، أو انه مأذون له في ذلك، حسب المادة المادة 99.

    ويعاقب كل شخص ارتدى، عن غير حق، أمام أي محكمة من المحاكم، أو أمام مجلس من المجالس التأديبية بذلة المحامي أو بذلة تشابهها، يمكن أن توهم أنه يمارس مهنة المحاماة بالعقوبات المنصوص عليها في الفصل 382 من القانون الجنائي.

    وتعاقب المادة 100 كل شخص قام بسمسرة الزبناء أو جلبهم، بالحبس من سنتين إلى أربع سنوات، وبغرامة من عشرين ألفا إلى أربعين ألف درهم، فيما يعاقب المحامي الذي ثبت عليه القيام بالفعل نفسه، بصفته فاعلا أصليا أو مشاركا، بالعقوبة نفسها ما لم تكن الأفعال معاقبا عليها بعقوبة أشد.

  • المغرب يطالب بقاصريه وبروكسيل تدفع نحو إعادتهم ومدريد تسبح عكس التيار وتنقل 500 فتاة للداخل الإسباني

    المغرب يطالب بقاصريه وبروكسيل تدفع نحو إعادتهم ومدريد تسبح عكس التيار وتنقل 500 فتاة للداخل الإسباني

    تحولت أزمة سبتة من ملف حدودي بين المغرب وإسبانيا إلى اختبار سياسي وقانوني لحكومة بيدرو سانشيز داخل إسبانيا وأمام الاتحاد الأوروبي نفسه، فبعدما بنت مدريد خطابها منذ موجة العبور الجماعي في 30 يوليوز على إعادة الوافدين بطريقة غير نظامية إلى المغرب ومنع انتقالهم إلى شبه الجزيرة، تستعد الحكومة الإسبانية اليوم لنقل نحو 500 فتاة قاصر غير مصحوبة من سبتة إلى البر الإسباني، في خطوة تأتي بينما تطالب الرباط باستعادة قاصريها وتدفع بروكسيل بدورها نحو تسريع عمليات العودة في إطار القانون الأوروبي.

    ويعني نقل 500 قاصرة إلى شبه الجزيرة كما قررته الحكومة الإسبانية، أن الأزمة التي حرصت مدريد منذ البداية على إبقائها داخل حدود سبتة ستعبر فعليا إلى الداخل الإسباني، ولو تحت مظلة حماية الطفولة، كما يكشف عن تعدد مراكز القرار داخل الحكومة نفسها، فوزارة الخارجية تتحدث عن العودة إلى المغرب وحماية فضاء شنغن، بينما تبني وزارة الشباب والطفولة مسارا آخر أساسه استقبال القاصرين وتوزيعهم على الأقاليم وتقييم وضعية كل طفل على حدة.

    وتعمل وزارة الشباب والطفولة الاسبانية، على نقل عاجل لنحو 500 فتاة مع بحث صيغ مختلفة لاستقبالهن، بينها التوزيع على الأقاليم ذاتية الحكم والإيواء الأسري والاستعانة بمنظمات حماية الطفولة لتدبير الحالات الأكثر هشاشة في مرافق متخصصة بالبر الرئيسي، من دون اشتراط نقل الوصاية في جميع الحالات إلى الإقليم المستضيف.

    وتجد مدريد نفسها أمام معادلة دقيقة، فالمغرب يعرض التعاون لاستعادة القاصرين المغاربة، وطالب في أكثر من مناسبة بذلك وبنبرة شديدة على لسان وزير العدل عبد اللطيف وهبي، كما أن بروكسيل تؤيد بدورها تفعيل العودة بالنسبة إلى الموجودين بصورة غير قانونية، فضلا عن حكومة سبتة التي تتمسك بالمسار نفسه.

    وكل ذلك، بينما تتحرك الحكومة الاسبانية المركزية لنقل مئات القاصرات في الاتجاه المعاكس جغرافيا، من الحدود مع المغرب إلى عمق الأراضي الإسبانية.

    وعد بالعودة لم يصمد طويلا

    قبل أيام فقط، كان خطاب مدريد أكثر حسما ويبرز جليا هذا التناقض، ففي 11 غشت انتقل وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس إلى سبتة المحتلة، وبعد اجتماعه برئيس حكومة المدينة خوان خيسوس فيفاس، أكد أن جميع من دخلوا الأراضي الإسبانية بصورة غير نظامية سيعودون إلى المغرب.

    وربط ألباريس هذا الموقف بما وصفه بـ”الإرادة الصريحة” التي أبدتها الرباط لاستعادة مواطنيها، كما شدد على أن أحدا من المهاجرين لم يصل إلى شبه الجزيرة، في رسالة أراد من خلالها تأكيد حماية حدود شنغن وعدم تحول سبتة إلى ممر نحو أوروبا.

    وفي الحكومة نفسها، ذهب وزير الرئاسة والعدل والعلاقات مع البرلمان فيليكس بولانيوس إلى أن الأولوية بالنسبة إلى القاصرين الذين عبروا إلى سبتة هي عودتهم إلى أسرهم في المغرب.

    لكن هذا الخط اصطدم سريعا بحقيقة مختلفة على الأرض، فالقاصر غير المصحوب لا يخضع للمسار نفسه الذي يخضع له المهاجر البالغ، ولا تكفي وضعيته الإدارية غير النظامية لاتخاذ قرار فوري بإعادته.

    وبمجرد تحديده باعتباره قاصرا غير مصحوب، تدخل منظومة حماية الطفولة إلى جانب قانون الهجرة، وتصبح المصلحة الفضلى للطفل ووضعه الأسري، وضمانات استقباله عناصر حاسمة في تحديد مصيره، ومن هنا بدأ خطاب مدريد يتشعب.

    الرباط تضع استعادة القاصرين على الطاولة

    المغرب، في المقابل، لم يكتف بإعلان استعداده لقبول عمليات إعادة البالغين، بل وضع ملف القاصرين المغاربة غير المصحوبين في صدارة مطالبه.

    في 6 غشت، أعلن المغرب استعداده للتعاون مع إسبانيا وباقي الدول الأوروبية لتحديد هوية القاصرين المغاربة الموجودين لديها والعمل على إعادتهم، في موقف جاء تنفيذا لتعليمات ملكية سامية لوزارتي الداخلية والشؤون الخارجية لتسهيل هذه العملية.

    وبعد أربعة أيام، رفع وزير العدل عبد اللطيف وهبي سقف الموقف المغربي، مؤكدا تمسك المملكة باستعادة الأطفال والقاصرين المغاربة الموجودين في إسبانيا، بمن فيهم الذين عبروا حديثا إلى سبتة، وأن المغرب سيتحرك في هذا الملف عبر القنوات القانونية والسياسية.

    وقال وهبي إن المغرب “لن يتخلى” عن أطفاله وشبابه ومراهقيه، بينما ربطت الرباط تعثر عمليات الإعادة بوجود عراقيل قضائية وإدارية في الجانب الإسباني.

    الموقف ليس جديدا بالكامل، ففي 2024 خلال زيارة رئيس حكومة جزر الكناري فرناندو كلافيخو إلى الرباط، أبدى وزير الخارجية ناصر بوريطة استعداد المغرب لاستعادة القاصرين المغاربة غير المصحوبين، مع الإشارة آنذاك أيضا إلى صعوبات قانونية مرتبطة بتنفيذ عمليات العودة.

    الجديد هذه المرة هو السياق والحجم، فالمطلب المغربي جاء مباشرة بعد أكبر موجة عبور عرفتها سبتة وتردد مرارا بشكل رسمي، وفي الوقت الذي تواجه فيه المدينة ضغطا غير مسبوق على مرافق استقبال الأطفال.

    من 1100 إلى أكثر من ألفي قاصر

    الأرقام نفسها تكشف سرعة تحول الملف، ففي 6 غشت، كانت التقديرات تشير إلى وجود نحو 1100 قاصر غير مصحوب في سبتة، بعضهم وصل خلال موجة نهاية يوليوز وبعضهم كان موجودا قبلها.

    وفي 7 غشت، تحدثت المعطيات الإسبانية عن تسجيل 1342 قاصرا، بينما كانت مرافق مخصصة أصلا لاستقبال نحو 90 طفلا تستوعب أعدادا تفوق قدرتها بكثير.

    وبحلول الثلاثاء 18 غشت، ارتفع عدد القاصرين الذين حددت الشرطة الوطنية هوياتهم وسلمتهم إلى حكومة سبتة إلى 2168 قاصرا، وفق المعطيات التي أوردتها “يورونيوز”.

    هذا الارتفاع السريع نقل المشكلة من تدبير مجموعة محدودة من الأطفال إلى أزمة حماية اجتماعية وقانونية واسعة داخل مدينة صغيرة المساحة والإمكانات.

    ولهذا بدأت مدريد، منذ الأيام الأولى للأزمة، إعداد سيناريو لنقل القاصرين إلى شبه الجزيرة، وفي 7 غشت قالت وزيرة الشباب والطفولة الإسبانية سيرا ريغو إن الحكومة تأمل تنفيذ عمليات النقل خلال أسابيع مع إعطاء الأولوية للفتيات والأطفال دون 13 سنة، ودراسة كل حالة بصورة فردية.

    الفتيات أولا

    ولا يشكل اختيار 500 فتاة تحديدا تفصيلا في الخطة، فالأزمة الإنسانية داخل سبتة أظهرت أن الفتيات والنساء من أكثر الفئات هشاشة في ظروف الاستقبال التي أعقبت موجة العبور.

    ولهذا وضعت السلطات القاصرات في فضاءات آمنة ومنفصلة بعد الإبلاغ عن اعتداءات جنسية، بينما أصبحت حمايتهن إحدى الأولويات المعلنة للحكومة.

    وتستند مدريد إلى هذه الوضعية لتبرير إخراجهن بصورة عاجلة من سبتة، ومن وجهة نظر وزارة الشباب والطفولة لا يتعلق الأمر بفتح طريق للمهاجرين نحو شبه الجزيرة بل بنقل أطفال خاضعين لحماية الدولة من فضاءات وصلت إلى حدود قدرتها الاستيعابية إلى مرافق تستطيع توفير شروط أفضل للرعاية.

    سياسيا، نقل 500 قاصر إلى البر الرئيسي يناقض الصورة التي حاولت مدريد تثبيتها بعد الأزمة، ومفادها أن سبتة لن تكون جسرا نحو شبه الجزيرة.

    أما قانونيا، فتستطيع الحكومة الاستناد إلى قواعد حماية الطفولة لتقول إن وضع القاصر لا يمكن اختزاله في طريقة دخوله الأراضي الإسبانية.

    المصلحة الفضلى للطفل” تغير قواعد الأزمة

    في 8 غشت، حددت سيرا ريغو المبدأ الذي ستتعامل به وزارتها مع القاصرين، فالأولوية بحسبها، هي لم الشمل العائلي كلما كان ذلك ممكنا ومتوافقا مع المصلحة الفضلى للطفل.

    واللافت أن لم الشمل الذي تحدثت عنه الوزيرة لا يعني بالضرورة البقاء في إسبانيا، فقد أوضحت الحكومة رسميا أن الأسرة قد تكون موجودة في بلد الأصل أو في إقليم إسباني آخر أو في دولة أوروبية، وأن مكان الأسرة ووضع الطفل هما اللذان يحددان المسار.

    أما الأطفال الذين لا تتوفر لهم أسر يمكن إسنادهم إليها، فتتحمل السلطات المختصة مسؤولية الوصاية عليهم وضمان حقوقهم، وهذه القاعدة تجعل عرض المغرب لاستعادة القاصرين عنصرا مهما، لكنه لا يحسم الملفات بصورة جماعية.

    فوجود استعداد رسمي من بلد الأصل لاستقبال مواطنيه يزيل عقبة سياسية كانت تعقد عمليات العودة، لكنه لا يلغي المسطرة التي تفرض على السلطات الإسبانية التحقق من هوية الطفل ووضع أسرته وشروط استقباله، ومدى توافق إعادته مع مصلحته الفضلى.

    25 مليون يورو و”استقبال تضامني

    مع اتساع الأزمة، انتقلت الحكومة الإسبانية من تدبير الطوارئ داخل سبتة إلى توزيع العبء على بقية البلاد، ففي 10 غشت، أعلنت سيرا ريغو عن عقد اجتماع عاجل مع الأقاليم ذاتية الحكم، وعن اعتماد استثنائي بقيمة 25 مليون يورو لفائدة سبتة، إضافة إلى إرسال فريق تقني من الوزارة للمساعدة على تسريع إجراءات ما تسميه مدريد “الاستقبال التضامني” للقاصرين غير المصحوبين.

    وقد أعلنت عدة أقاليم رفضها استقبال القاصرين القادمين من موجة سبتة، فيما اتهمتها الحكومة المركزية بنقص التضامن، ووصل الخلاف إلى النيابة العامة.

    ففي 7 غشت، أصدرت المدعية العامة للدولة تيريزا بيراماتو توجيهات لضمان حماية القاصرين الموجودين في سبتة، وأمرت المدعين المختصين بشؤون القاصرين بالتحرك إذا رفضت الأقاليم تنفيذ ترتيبات توزيعهم واستقبالهم.

    ولم تعد أزمة القاصرين بهذا المعنى مواجهة بين الرباط ومدريد فقط، بل أصبحت أيضا مواجهة داخل إسبانيا حول الجهة التي ستتحمل مسؤولية الأطفال وكلفة استقبالهم.

    بروكسيل تدفع نحو العودة

    وسط هذا التعقيد الداخلي، دخل الاتحاد الأوروبي على الخط بموقف زاد من حدة التناقض، ففي 18 غشت، قالت المفوضية الأوروبية إن الأولوية تتمثل في أن تعمل السلطات الإسبانية والمغربية على إبقاء الوضع تحت السيطرة وضمان العودة السريعة للأشخاص، الذين ما زالوا موجودين بصورة غير قانونية في سبتة.

    المتحدث باسم المفوضية ماركوس لامرت وضع عمليات العودة ضمن الإطار القانوني الأوروبي، وأشار إلى “توجيه العودة” وإلى النظام الأوروبي الجديد الذي سيؤطر عمليات الإعادة مستقبلا، لكن وبعد يوم واحد، كانت وزارة الشباب والطفولة الإسبانية تدفع نحو خطة لنقل 500 قاصرة في الاتجاه المعاكس إلى شبه الجزيرة.

    حكومة واحدة بخطابين

    هذا الوضع أظهر انقساما في الأولويات داخل الجهاز التنفيذي الإسباني نفسه، فوزارة الخارجية تتعامل مع الأزمة باعتبارها ملف حدود وهجرة وعلاقة مع المغرب وأمن فضاء شنغن، وعلى هذا الأساس جاءت تصريحات وزير الخارجية ألباريس بأن جميع من دخلوا بصورة غير نظامية سيعودون، وأن أحدا لم ينتقل إلى شبه الجزيرة.

    أما وزارة الشباب والطفولة فتتعامل مع جزء من الأشخاص أنفسهم باعتبارهم أطفالا تحت الحماية القانونية للدولة، لا مجرد مهاجرين في وضعية غير نظامية.

    حكومة سبتة من جانبها، التقطت هذا التحول مبكرا، ولذلك رفضت إعطاء الانطباع بأنها وافقت على خطة نقل 500 فتاة، كما أن إدارة خوان خيسوس فيفاس تتمسك بأن الأولوية هي عودة من دخلوا خلال موجة نهاية يوليوز إلى المغرب، بمن فيهم القاصرون متى سمحت المساطر بذلك.

    يذكر، أن هذا الموقف يجد دعما في المعارضة اليمينية، فالحزب الشعبي يطالب مدريد بتفعيل الاتفاقات مع الرباط وتسريع عمليات العودة، ويستند إلى استعداد المغرب لاستقبال قاصريه ليجادل بأن لم الشمل العائلي داخل بلد الأصل يمكن أن يكون، في الحالات التي تسمح بذلك، أكثر اتساقا مع المصلحة الفضلى للطفل من نقله إلى مركز آخر داخل إسبانيا.

  • سبتة بعد موجة العبور.. تحذيرات من تحول الانتظار إلى أزمة إنسانية

    سبتة بعد موجة العبور.. تحذيرات من تحول الانتظار إلى أزمة إنسانية

    دخلت تداعيات موجة العبور نحو سبتة مرحلة أكثر تعقيدا، بعدما انتقل مركز الضغط من الحدود إلى داخل المدينة، حيث لم يعد التحدي مقتصرا على استيعاب أعداد الأشخاص الموجودين فوق ترابها بل بات مرتبطا بتحديد مصيرهم القانوني، ومعالجة طلبات الحماية الدولية، وتأمين الرعاية الصحية والنفسية، خصوصا للقاصرين والفئات الأكثر هشاشة.

    وكل يوم إضافي يقضيه هؤلاء في مراكز مؤقتة أو في ظروف استقبال غير مستقرة، من دون جواب واضح بشأن ما سيحدث لاحقا، يضيف طبقة جديدة إلى الأزمة، فبين مطالب اللجوء وضغط مرافق الاستقبال والحاجة إلى تعزيز الخدمات الصحية، والمخاوف التي يعبر عنها جزء من السكان المحليين، تجد السلطات الإسبانية نفسها أمام اختبار يتجاوز تدبير ظرف إنساني طارئ إلى إدارة ملفات قانونية واجتماعية وأمنية متشابكة.

    هذا التحول رصده المجلس المدني لمكافحة جميع أشكال التمييز “CCLD”، بمبادرة من معهد “بروميثيوس” للديمقراطية وحقوق الإنسان، في أحدث “نقطة يقظة” خصصها للوضع في سبتة خلال الفترة الممتدة من 13 إلى 17 غشت الجاري.

    ودعا المجلس إلى تسريع دراسة طلبات اللجوء وتعزيز قدرات الاستقبال والرعاية الصحية والنفسية، مع منح حماية القاصرين والأشخاص الأكثر هشاشة أولوية خاصة، محذرا من أن طول مدة الانتظار وعدم وضوح الوضع القانوني والمستقبل يتحولان، في حد ذاتهما، إلى عامل إضافي للهشاشة.

    1500 مكان إضافي.. لكن الضغط يتجاوز الإيواء

    في محاولة لتخفيف الضغط، أعلنت الحكومة الإسبانية في 17 غشت ترتيبات إنسانية مؤقتة تقضي بتوفير 1500 مكان إضافي موزعة على عدد من المواقع في سبتة.

    المجلس اعتبر الإعلان خطوة إيجابية، لكنه وضعها في سياق أوسع هي زيادة عدد الأسرة أو أماكن الإيواء يمكن أن تعالج جزءا من الضغط المادي، لكنها لا تحسم السؤال الأصعب المتعلق بالمصير القانوني للأشخاص الموجودين في المدينة.

    ولهذا شدد على ضرورة دخول القدرات الجديدة حيز التشغيل في أسرع وقت، وأن تراعي اختلاف أوضاع المستفيدين وحاجاتهم، بدل التعامل معهم باعتبارهم كتلة واحدة متجانسة.

    فداخل المشهد نفسه توجد حالات مختلفة من حيث السن والوضع العائلي والحالة الصحية ومستوى الهشاشة، كما توجد حالات تعلن رغبتها في طلب الحماية الدولية، ما يجعل الانتقال من التدبير الجماعي للأزمة إلى دراسة المسارات الفردية أحد أبرز تحديات المرحلة المقبلة.

    نريد اللجوء” الملف ينتقل إلى القانون

    ظهر هذا التحول بشكل واضح يوم 16 غشت في شاطئ ترامبولين، حيث شهد المكان وقفة سلمية عبّر خلالها عدد من الأشخاص عن رغبتهم في طلب الحماية الدولية، ورفع بعض المشاركين لافتات كُتبت عليها عبارة “نريد اللجوء” وفق ما أورده المجلس ونقلته وسائل إعلام إسبانية.

    هذه المطالب، نقلت جزءا من الملف من النقاش حول كيفية وصول الأشخاص إلى سبتة إلى سؤال مختلف يتعلق بما إذا كانت تتوافر في حالاتهم شروط الحصول على الحماية الدولية.

    وشدد المجلس في هذا السياق على أن الدخول غير النظامي إلى التراب لا ينبغي أن يؤدي بمفرده، إلى إسقاط حق الشخص في طلب الحماية وأن كل طلب يتم التعبير عنه يفترض تسجيله ودراسته بصورة فردية، قبل اتخاذ قرار معلل بشأنه.

    وأورد المصدر نفسه مواقف منسوبة إلى الجمعية المهنية للقضاء والمنتدى القضائي المستقل تؤكد بدورها ضرورة التعامل مع طلبات الحماية الدولية حالة بحالة، وفق الضمانات القانونية المعمول بها.

    الانتظار يتحول إلى عامل ضغط نفسي

    خلف الأرقام والإجراءات القانونية، برز وجه آخر أقل ظهورا للأزمة يتعلق بالصحة النفسية للأشخاص الذين يعيشون منذ أيام في حالة انتظار مفتوحة.

    المجلس حذر من أثر اجتماع ثلاثة عوامل في وقت واحد هي هشاشة ظروف العيش، وعدم وضوح الوضع القانوني، وغياب تصور واضح للمستقبل.

    ونقل عن روجرفان روباتينو، الطبيب النفسي الشرعي والمتخصص في علم نفس الأطفال والمراهقين بسبتة، تسجيل مظاهر من القلق الحاد وفرط اليقظة والأرق والشعور بالهشاشة لدى بعض الفئات المتضررة.

    وتزداد حساسية هذا الجانب بالنسبة إلى القاصرين غير المصحوبين، الذين قد يكون بعضهم قد مر بتجارب شديدة التوتر قبل الوصول وأثناءه وبعده، فيما يستمر الغموض بشأن ما ينتظرهم.

    لذلك دعا المجلس إلى ألا يقتصر التكفل بهذه الحالات على توفير المأوى والغذاء، بل أن يشمل تقييما نفسيا واجتماعيا ودعما ملائما، خصوصا للقاصرين والأشخاص الذين تعرضوا للعنف.

    الصحة تحت الضغط.. وتحذير من تحويل المرض إلى وصمة

    الضغط لا يقف عند مرافق الاستقبال، ففي 17 غشت حذرت نقابة الممرضين “SATSE” في سبتة وفق ما أورده المجلس، من الحاجة إلى تعزيز القطاع الصحي بمهنيين إضافيين.

    وتكتسب هذه الدعوة أهمية في ظل الحاجة إلى التعامل مع احتياجات صحية متباينة، من الرعاية الأساسية إلى الحالات التي تحتاج متابعة أكثر تخصصا، في وقت يرى المجلس أن أي استجابة إنسانية ممتدة تحتاج إلى موارد بشرية قادرة على مواكبتها.

    لكن النقاش الصحي أخذ في المقابل منحى آخر أثار تحذيرات المجلس، مع تداول خطابات تربط وجود المهاجرين بانتشار الأمراض.

    وفرق المجلس بين احتمال ظهور مخاطر صحية بسبب الاكتظاظ أو نقص المياه والنظافة وصعوبة الولوج إلى الرعاية، وبين تحويل الأصل أو الوضع القانوني للأشخاص إلى تفسير للخطر الصحي.

    وفي هذا السياق، أشار إلى موقف وزيرة الصحة الإسبانية التي نددت بالرسائل التي تربط الهجرة بالمرض ووصفتها بأنها ذات طابع عنصري.

    وبالنسبة إلى المجلس، ينبغي أن تظل الاستجابة الصحية متمحورة حول شروط الإيواء والمياه والنظافة والوقاية والولوج إلى العلاج، بدل تحويل النقاش إلى وصم جماعي للمهاجرين أو الأجانب.

    القاصرون.. الحلقة الأكثر هشاشة

    يبقى وضع الأطفال والقاصرين من أكثر أجزاء الملف حساسية، سواء بالنسبة إلى الموجودين داخل سبتة أو أولئك الذين ظهرت صورهم خلال محاولات العبور.

    وأشار المجلس إلى تداول محتويات سمعية بصرية ومعلومات تتحدث عن مغادرة فتيات قاصرات لبعض مرافق الاستقبال المؤقتة، لكنه أكد أن هذه المعطيات لم تخضع للتحقق المستقل مطالبا بالتحقق منها والتحقيق في الظروف المحيطة بها.

    وهذه نقطة يظل التعامل معها بحذر ضروريا، إذ لا يمكن الجزم بمصير هؤلاء القاصرات أو ظروف مغادرتهن استنادا إلى محتويات متداولة وحدها.

    وفي الجانب المغربي، دعا المجلس السلطات إلى تحديد وتأمين أطفال صغار قال إن صورهم ظهرت خلال محاولة عبور يوم 15 غشت، والتحقق من ظروف وجودهم والأشخاص المسؤولين عن مرافقتهم.

    كما نبه إلى خطورة إعادة تداول صور الأطفال على شبكات التواصل الاجتماعي، بالنظر إلى ما يمكن أن يترتب عن كشف هوياتهم أو مضاعفة هشاشتهم.

    السكان المحليون يدخلون المعادلة

    ومع استمرار وجود أعداد من الأشخاص في سبتة، بدأ الملف يلامس بصورة أكبر الحياة اليومية داخل المدينة.

    وأقر المجلس بوجود مخاوف لدى بعض السكان مرتبطة بالهدوء والحركة والأمن والضغط على الخدمات العمومية، لكنه حذر من الانتقال من التعبير عن هذه المخاوف إلى تعميمها على جميع الأشخاص الموجودين في المدينة بسبب أصلهم أو وضعهم القانوني.

    واقترح المجلس في هذا الصدد، توسيع أدوات التدبير لتشمل الوساطة والحضور الاجتماعي والصحي وتوفير أماكن استقبال مناسبة، إلى جانب حضور متناسب للمصالح العمومية، بدل اختزال التعامل مع الوضع في المقاربة الأمنية وحدها.

    من أزمة هجرة إلى “حرب هجينة”؟

    وسط هذا الوضع، حذر المجلس من مستوى آخر من التصعيد يتعلق باللغة المستعملة في توصيف ما يجري، خصوصا الخطابات التي تقدم الأحداث باعتبارها مواجهة جيوسياسية أو “حربا هجينة”

    وطالب باعتماد خطاب يستند إلى الوقائع، وتجنب المصطلحات التي قد تدفع النقاش نحو مزيد من التوتر أو تبرر التعامل مع جميع الأشخاص الموجودين في سبتة من زاوية أمنية واحدة.

    كما دعا المسؤولين السياسيين ووسائل الإعلام والفاعلين المؤسساتيين إلى تجنب التعميم وخطابات الكراهية، وعدم تحويل الأزمة إلى مناسبة لربط الهجرة بصورة منهجية بالجريمة أو المرض أو انعدام الأمن أو التهديد.

    ويمتد هذا التحذير وفق المجلس، إلى تجنب الوصم الجماعي للمغاربة وللأشخاص المنحدرين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء الموجودين في سبتة..

    لا يمكن إدارة الأزمة بمنطق الانتظار

    لكن أكثر ما يضغط على الوضع الحالي وفق قراءة المجلس، هو غياب أفق واضح بالنسبة إلى الأشخاص الذين ما زالوا في سبتة، وحذر من إدارة الملف بمنطق الانتظار، على أساس أن الزمن قد يدفع الأشخاص إلى المغادرة من تلقاء أنفسهم أو التخلي عن المطالبة بحقوقهم.

    وطالب، بدلا من ذلك، بتوجيه واضح وفردي لكل حالة، بناء على وضعها القانوني واحتياجاتها إلى الحماية ومستوى هشاشتها.

    كما خلص المجلس المدني لمكافحة جميع أشكال التمييز إلى أن مدة البقاء نفسها أصبحت عاملا من عوامل الهشاشة وأن توسيع قدرات الاستقبال رغم أهميته، لن يكون كافيا من دون وضوح في ملفات الحماية الدولية والإيواء والوضع القانوني والمستقبل.

  • تقرير حقوقي يكشف الوجه المأساوي للعبور غير القانوني إلى سبتة المحتلة

    تقرير حقوقي يكشف الوجه المأساوي للعبور غير القانوني إلى سبتة المحتلة

    رسم تقرير حقوق مغربي صورة قاتمة بشواطئ مدينة سبتة المحتلة، خلال موجات العبور غير القانوني الأخيرة، التي تحولت إلى مخيمات بدائية مفتوحة يبيت فيها مهاجرون وافدون من جنسيات مختلفة، في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات السلامة والكرامة الإنسانية.

    وكشفت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان ضمن تقريرها بشأن عمليات العبور إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين يومي 30 و31 يوليوز و15 غشت 2026، استنادا إلى زيارة ميدانية نفذتها يوم 8 غشت، وشملت أحياء سارشار، والمضربة، والبرنسيبي، وروساليس، وخادو، وبلايا بينيتيز، وبليونش “كورطاديو”، إضافة إلى وسط المدينة وغاباتها.

    أوضاع مأساوية بسبتة

    وعاين أعضاء المنظمة خلال الزيارة أوضاعا إنسانية واجتماعية وصفتها بالمأساوية، تطال بصورة خاصة الأطفال والقاصرين غير المرفقين والنساء والفتيات.

    وجمعت المنظمة شهادات بشأن انتهاكات ومخاطر أمنية وصحية يتعرض لها الأشخاص الموجودون في وضعية عبور.

    وبحسب التقرير، يعاني عدد كبير من الوافدين، وبينهم مغاربة ومصريون ويمنيون وسودانيون ومهاجرون من دول إفريقيا جنوب الصحراء، من نقص حاد في الغذاء ومياه الشرب.

    وزاد قرار إغلاق عدد من المحلات التجارية من حدة الأزمة، فيما أدى تطويق متاجر كبرى بعناصر من الجيش والحرس المدني إلى الحد من قدرة الوافدين على اقتناء حاجياتهم الأساسية.

    أمام هذا الوضع، يوضح التقرير أن كثيرين اضطروا إلى المبيت في الشوارع والأزقة أو داخل فضاءات مكتظة، في ظل غياب مأوى كاف توفره السلطات المحلية، وتحمل سكان محليون من مسلمي ومغاربة سبتة جانبا كبيرا من عبء الاستجابة، إذ فتح بعضهم فضاءات خاصة لإيواء النساء والقاصرات والأطفال.

    وسجلت الوثيقة ذاتها أنه بوصول إمكانات المبادرات المدنية إلى حدودها القصوى، أعلن أحد الفاعلين المحليين، في 13 غشت، عدم قدرته على مواصلة إيواء الوافدين وإطعامهم، بسبب رفض الإدارة المحلية، وفق إفادته، توفير المواد الغذائية والأفرشة والأغطية.

    ويؤوي الفضاء الذي يشرف عليه الفاعل المحلي في حي سيدي امبارك نحو 300 شخص، غالبيتهم من القاصرات والنساء وأطفالهن، ما يثير مخاوف جدية من تعرضهم للتشرد أو الاستغلال والاعتداء.

    وأشارت المنظمة إلى أن صباح دودوح، بدورها، تقدم مساعدة سكان حيها، نحو ألف وجبة يوميا للوافدين من مختلف الجنسيات، كما فتحت منزلها أمام الفتيات من أجل الاغتسال، وتعمل جمعية “لونا بلانكا” بدورها على توفير وجبات غذائية، بالاعتماد على تبرعات شخصيات محلية وموارد الجمعية الذاتية.

    وأشار المصدر ذاته إلى أن هذه الجهود، على أهميتها، لا تكفي لسد حاجات الأعداد الموجودة في المدينة، إذ رصدت المنظمة تحول عدد من الشواطئ إلى تجمعات عشوائية للإيواء، من دون مرافق صحية أو حماية من الأخطار، بينما ينام آخرون في الغابات أو الفضاءات العامة.

    وضع صحي مقلق وتحريض عنصري

    ويصف التقرير الوضع الصحي بأنه “مقلق جدا”، نتيجة غياب شروط النظافة والسلامة والرعاية الصحية الكافية، وتشمل الفئات الأكثر عرضة للخطر الأطفال والقاصرين غير المرفقين، والنساء والفتيات، والأشخاص الذين يعانون أمراضا أو اضطرابات نفسية، فضلا عمن لا يتوفرون على أي موارد لتأمين الطعام أو المأوى.

    وتزداد قتامة الوضع، وفق التقرير، مع شهادات متقاطعة بشأن تعرض نساء وفتيات لاعتداءات، بعضها ذو طبيعة جنسية.

    ووفق التقرير، جرى الإعلان رسميا عن خمس حالات، قبل أن تتحدث وسائل إعلام محلية في 14 غشت عن 12 حالة.

    وأكدت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان أنها استمعت إلى شهادة تتحدث عن احتمال وصول العدد إلى 30 حالة، لكنها شددت على أنها لم تتمكن من التحقق من صحة هذا الرقم.

    وبالتوازي مع الأزمة الإنسانية، سجلت المنظمة توافد عناصر تنتمي إلى اليمين الإسباني المتطرف، من بينها مجموعة مرتبطة بتنظيم “النواة الوطنية”، إلى جانب زيارة زعيم حزب “فوكس”.

    وبحسب التقرير، ساهمت هذه التحركات في تأجيج خطاب عنصري ضد المهاجرين والأشخاص الموجودين في وضعية عبور، بينما تصدى لها عدد من السكان المحليين من مسلمي ومغاربة سبتة.

    ولم تقتصر التضييقات المرصودة على المهاجرين، فقد أفادت المنظمة بمنع طاقم القناة الثانية المغربية من ممارسة عمله الصحفي داخل المدينة، وحجز معداته ومحاصرته واستفزاز أفراده من طرف عناصر الحرس المدني، مع تسجيل تعرض مراسل موقع “هبة بريس” لاعتداء جسدي، أظهرته صور متداولة.

    تضليل رقمي ووضع اجتماعي معقد

    ووفق المنظمة، فلا تنفصل المأساة الإنسانية داخل سبتة عن حجم موجة العبور التي شهدتها المنطقة في نهاية يوليوز الفائت، فقد تراوحت التقديرات بين نحو 70 ألف شخص، وفق السلطات الإسبانية، و40 ألفا بحسب تصريح لوزارة الداخلية المغربية.

    وبحسب تقرير المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، ساهم الانتشار الواسع لمقاطع مصورة توثق وصول مهاجرين إلى سبتة في تشجيع أعداد إضافية على خوض المحاولة.

    ولفت إلى تداول حسابات وصفحات عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية وتطبيقات التراسل الفوري محتويات تحث على العبور، بالتزامن مع شائعات عن إمكانية تسوية الوضعية القانونية لمن يصلون سباحة إلى الأراضي الإسبانية.

    ويشير التقرير إلى أن بعض المنشورات قدمت قراءة مضللة لحكم صادر عن المحكمة العليا الإسبانية، وروجت لفكرة أن الواصلين بحرا لن يتعرضوا للإعادة الفورية، ما خلق لدى كثيرين انطباعا بأن الوصول إلى سبتة يمثل طريقا مضمونا نحو الإقامة في إسبانيا.

    غير أن المنظمة أكدت أن العامل الرقمي لا يفسر الظاهرة وحده، إذ إن الرغبة في العبور تغذيها أوضاع اقتصادية واجتماعية ونفسية وثقافية معقدة، إلى جانب الصورة الجذابة التي تقدمها المنصات الرقمية عن الحياة في أوروبا، وما تثيره من تطلعات إلى “مستقبل أفضل”، خصوصا لدى الشباب والأشخاص الذين يعيشون أوضاعا هشة.

    أكثر من ثلاثة آلاف أجنبي

    وتفيد معطيات التقرير بأن أكثر من ثلاثة آلاف أجنبي من جنسيات مختلفة ربما شاركوا في محاولات العبور إلى سبتة، ينحدرون من السودان واليمن والجزائر وتونس وفلسطين وأفغانستان وبنغلاديش، إضافة إلى دول إفريقيا جنوب الصحراء ومنطقة الساحل.

    وتربط المنظمة استمرار الهجرة غير النظامية بتشديد السياسات الأوروبية لمسارات الهجرة القانونية، وتحويل الحدود إلى فضاءات أمنية مغلقة، إلى جانب الضغوط التي تمارسها أوروبا على دول الضفة الجنوبية للمتوسط والمحيط الأطلسي من أجل حراسة الحدود ومنع المهاجرين من الوصول.

    وتنتقدت ما تعتبره تنصلا أوروبيا من الالتزامات الدولية المرتبطة بحماية حقوق الإنسان على الحدود، وحظر الطرد الجماعي، وتوفير مسارات قانونية وآمنة ومنظمة للهجرة، مع مراعاة الاحتياجات الخاصة للأشخاص الأكثر هشاشة، انسجاما مع الاتفاق العالمي من أجل الهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية المعتمد سنة 2018.

    وفي مواجهة الخطاب الإسباني الذي وصف موجة العبور بأنها “غزو”، يشدد التقرير على أن محاولات الوصول إلى سبتة ومليلية ليست ظاهرة جديدة، فمنذ تسعينيات القرن الماضي، شكلت المدينتان وجهة لمحاولات عبور متكررة انتهى عدد منها بسقوط ضحايا وانتهاك الحق في الحياة.

    ويستحضر التقرير مأساة معبر تراخال سنة 2014، حين توفي 14 مهاجرا خلال محاولة الوصول إلى سبتة، في واقعة ارتبطت باستخدام الحرس المدني الإسباني وسائل ردع ضد الموجودين في البحر، وأثارت حينها جدلا حقوقيا واسعا بشأن مسؤولية السلطات الإسبانية.

    حواجز جديدة ومسارات أخطر

    بعد موجة العبور الأخيرة، أقامت إسبانيا، وفق التقرير، حواجز عائمة قبالة معبر تراخال تمتد لنحو 500 متر، بهدف عرقلة محاولات الوصول سباحة، امتدادا لسياسة تشييد الأسوار وتركيب كاميرات المراقبة وأنظمة الإنذار على الحدود وفي المسارات المؤدية إلى جزر الكناري.

    غير أن هذه الإجراءات لم توقف عمليات العبور، فمنذ أحداث سبتة وحتى تاريخ إعداد التقرير، تمكن مئات المهاجرين من بلوغ الأراضي الإسبانية بطرق غير نظامية؛ بعضهم انطلق من السواحل الجزائرية في اتجاه جزر البليار، فيما سلك آخرون طريق الأطلسي نحو جزر الكناري، انطلاقا من سواحل جنوب المغرب أو من دول إفريقيا جنوب الصحراء والساحل.

    وتحذر المنظمة من أن تشديد المراقبة وإقامة المزيد من الأسوار والحواجز لا يؤديان بالضرورة إلى تراجع الهجرة، بل يدفعان المهاجرين وشبكات التهريب إلى البحث عن مسالك أطول وأكثر خطورة، بما يرفع احتمالات الغرق والموت في البحر.

    من تشخيص الأزمة إلى المطالبة بالتدخل

    وانتقل تقرير المنظمة المغربية لحقوق الإنسان من تشخيص الأزمة إلى تقديم حزمة من التوصيات، انطلاقا من اعتبار الهجرة والعبور قضية حقوق إنسان في المقام الأول، وليست مجرد ملف أمني أو تدبير ظرفي للحدود.

    وفي مقدمة التوصيات، دعت المنظمة إلى اتخاذ جميع الإجراءات الضرورية لمنع فقدان الأرواح خلال محاولات العبور أو أثناء التدخلات الميدانية، مع الالتزام الصارم بمبدأي “الضرورة والتناسب” عند استعمال القوة.

    وشددت على ضرورة توفير آليات فعالة وسريعة للإنقاذ والإغاثة والاستجابة الإنسانية، مع تحديث نقاط التدخل قرب مراكز العبور وتنويعها، بما يسمح بالوصول السريع إلى الأشخاص المعرضين للغرق أو الإصابة.

    وخصص التقرير حيزا مهما للأطفال والقاصرين غير المرفقين، باعتبارهم من أكثر الفئات تعرضا للخطر، وطالب بتوفير حماية عاجلة لهم، وضمان استفادتهم من الرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي والمساعدة القانونية.

    ودعا إلى حمايتهم من جميع أشكال الاستغلال والاتجار بالبشر، واحترام مبدأ “المصلحة الفضلى للطفل” في كل القرارات المرتبطة بوضعيتهم، بما يشمل حق الطفل في الاستماع إليه، والطعن في القرارات التي تمسه، والاستفادة من الرعاية الاجتماعية والنفسية الملائمة.

    وطالبت المنظمة كذلك بوضع برامج لإعادة الإدماج الأسري والاجتماعي، شريطة أن تستند إلى تقييم فردي يحفظ سلامة الطفل ومصلحته الفضلى، بدل اعتماد الإعادة الآلية حلا وحيدا.

    تحقيقات مستقلة وجبر ضرر الضحايا

    على مستوى المساءلة القانونية، دعت المنظمة إلى فتح تحقيقات مستقلة ونزيهة في جميع حالات الوفاة والإصابة، وفي الادعاءات المرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان، سواء في الجانب المغربي أو في سبتة ومليلية الخاضعتين للإدارة الإسبانية.

    وشددت على ضرورة الإعلان عن نتائج هذه التحقيقات للرأي العام، وضمان حق الضحايا وأسرهم في معرفة الحقيقة والوصول إلى العدالة والإنصاف، فضلا عن جبر الأضرار وفق المعايير القانونية والحقوقية المعمول بها.

    وطالبت المنظمة باحترام جميع الضمانات القانونية والإجرائية عند اتخاذ قرارات الإرجاع أو الإعادة، وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان والتشريعين المغربي والإسباني.

    وأوصت بتمكين الأشخاص المحتاجين إلى الحماية الدولية من الوصول إلى إجراءات اللجوء، وتوفير المساعدة القانونية والترجمة والمواكبة الحقوقية لهم، مع دراسة كل حالة بصورة فردية وعدم اللجوء إلى الطرد الجماعي أو الإعادة القسرية.

    ملاحقة شبكات الاتجار والتهريب

    وحذرت المنظمة من احتمال استغلال شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين للأشخاص الموجودين في أوضاع هشة، داعية السلطات المغربية والإسبانية إلى تعزيز التعاون من أجل تفكيك هذه الشبكات وملاحقة المتورطين فيها قضائيا.

    وفي مقابل المقاربة الزجرية، طالبت بإطلاق برامج وقائية وحملات إعلامية تشرح مخاطر العبور غير الآمن والهجرة غير النظامية، وتقدم معلومات دقيقة بعيدا عن التخويف أو الوصم.

    واعتبرت المنظمة أن المحتويات الرقمية المضللة أدت دورا مباشرا في تغذية موجة العبور، خصوصا في أوساط الشباب والقاصرين، موصية بإطلاق حملات توعوية تستند إلى معلومات واضحة وموثوقة، وتعزيز التربية الرقمية وقدرة الشباب على التحقق من الأخبار والمقاطع المتداولة.

    ودعت إلى إشراك المجتمع المدني والمؤسسات الرقمية ووسائل الإعلام الوطنية في جهود الوقاية، بما يساعد على تفكيك الشائعات والوعود الزائفة التي تقدم العبور باعتباره رحلة سهلة أو طريقا مضمونا نحو الإقامة القانونية في أوروبا.

    معالجة الجذور الاجتماعية والاقتصادية

    وترى المنظمة أن أي معالجة لا تتجاوز الحلول الأمنية والظرفية ستجعل موجات العبور الجماعي حدثا قابلا للتكرار، ولهذا طالبت بمكافحة الهدر المدرسي وضمان التعليم الجيد، وتوفير فرص الشغل للشباب، واعتماد سياسات عمومية تعزز العدالة الاجتماعية والمجالية.

    وأوصت بوضع برامج اقتصادية موجهة إلى الفئات الأكثر هشاشة، مع قياس أثرها الفعلي على حياتها، وإطلاق برامج تنموية استعجالية لفائدة النساء والشباب في مدينتي الفنيدق والناظور، باعتبارهما من أكثر المناطق ارتباطا بمسارات العبور نحو سبتة ومليلية.

    ودعت إلى تبني مقاربة شمولية تعالج الأبعاد الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية والثقافية للهجرة الخطرة، بدل اختزالها في إجراءات مراقبة الحدود.

    أولوية الغذاء والمأوى والحماية

    أما في ما يخص الوضع داخل مدينة سبتة المحتلة، فقد طالبت المنظمة بتدخل عاجل لتوفير الغذاء ومياه الشرب والإيواء والاحتياجات الأساسية لجميع الموجودين في وضعية عبور، مع مراعاة الاحتياجات الخاصة للنساء والفتيات.

    ودعت إلى ضمان الولوج العادل والفعلي إلى الرعاية الصحية والنفسية والخدمات الطبية، واتخاذ تدابير خاصة لحماية النساء والأطفال والقاصرين من العنف والاستغلال والاتجار المحتمل بالبشر.

    كما طالبت بفتح تحقيق قضائي مستقل بشأن جميع الادعاءات المتعلقة بالعنف والاعتداءات الجنسية وغير الجنسية، خاصة الحالات الموثقة. ودعت أيضا إلى التحقيق في مضمون الشهادات المتقاطعة التي تحدثت عن إغلاق محلات تجارية بصورة متعمدة ومنسقة بهدف حرمان الوافدين من الغذاء والماء.

    وفي مواجهة تصاعد الخطاب العنصري، دعت المنظمة إلى وقف الحملات الدعائية التي تغذي التمييز والكراهية تجاه المهاجرين والأشخاص الذين عبروا إلى سبتة ومليلية، ومواجهة التحركات التي تستغل الأزمة الإنسانية للتحريض ضدهم.

    وطالبت الجهات المشرفة على التدبير الإداري لمدينة سبتة بتقديم دعم عاجل للجمعيات والفعاليات المدنية المحلية التي تحملت عبء الإيواء والتغذية والرعاية، بما يضمن استمرار خدماتها وعدم انهيار المبادرات التطوعية بسبب نقص الموارد.

    وشددت على ضرورة فتح مراكز إيواء كافية وآمنة لاستقبال النساء والأطفال والقاصرين، سيما غير المرفقين منهم، في ظروف تحفظ كرامتهم وتحميهم من التشرد والعنف والاستغلال.

  • “البام” ينزل بثقله في سيدي سليمان.. والمنصوري: هدفنا ليس المقاعد بل رفع الحيف عن العالم القروي

    “البام” ينزل بثقله في سيدي سليمان.. والمنصوري: هدفنا ليس المقاعد بل رفع الحيف عن العالم القروي

    أبدت قيادة حزب الأصالة والمعاصرة دعما قويا لمرشح الحزب بإقليم سيدي سليمان، لحسن عواد، خلال اللقاء التواصلي الذي نظم اليوم الإثنين بجماعة زغار، بعدما حرصت فاطمة الزهراء المنصوري ومحمد مهدي بنسعيد وفوزي لقجع، إلى جانب عدد من قيادات الحزب ومنتخبيه، على الحضور الميداني ومساندة المرشح، في رسالة تؤكد الرهان على كفاءته وقدرته على الدفاع عن قضايا الإقليم وإيصال صوت ساكنته، سيما في العالم القروي.

    وحملت مداخلات القيادات رسائل سياسية قوية، إذ شددت منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، فاطمة الزهراء المنصوري، على أن هدف الحزب “ليس البحث عن المقاعد فقط، بل قيادة الحكومة لتغيير الممارسات غير المقبولة ومحاربة الريع ورفع الحيف عن العالم القروي، مؤكدة أن التزامه تجاه المغاربة “ماشي نفاق”.

    وأكدت المنصوري أن “البام” بنى مصداقيته بفضل مناضليه والعمل الدائم والقرب ونزاهته طيلة 18 سنة، وهو ما أعطاه القوة بمختلف الأقاليم، مشيدة بخصال لحسن عواد ونضاله من أجل إقليم سيدي سليمان؛ وهو الإقليم الذي لم يكن مستفيدا من سياسة المدينة، مبرزة أن الإقليم كان أولوية.

    وأوضحت أن “الجرار” قوي بمشروعه وأطره ونضال كوادره الذين يشتغلون ليلا ونهارا بالرغم من الصراعات والهجومات التي عاشها الحزب، مؤكدة أن حب الوطن أقوى من الضربات التي يتلقاها الحزب، وأن التزام الحزب “ماشي نفاق للمغاربة”، والحزب يولي أهمية بالغة للعالم القروي.

    واستعرضت المنصوري بعضا من منجزات الحكومة في مجال العالم القروي، منها تراخيص البناء، وغيرها من برامج التنمية بمحتلف الأقاليم؛ خصوصا القروية.

    وعدّت المنسقة الوطنية للحزب أن المشترك بين قيادات الحزب ومناضليه هو حب الوطن، والهدف ليس البحث عن المقاعد فقط، وإنما قيادة الحكومة لتغيير ممارسات حالية لا تنال رضى الجميع، منها الريع ورفع الحيف عن العالم القروي، وأن التزام مرشحي الحزب ما بعد الانتخابات هو التجاوب مع المواطنات والمواطنين والتواصل الدائم.

    أما عضو القيادة الجماعية، محمد مهدي بنسعيد، فأبرز أن مرشح الحزب بإقليم سيدي سليمان، لحسن عواد، ظل طوال خمس سنوات يترافع عن مشاكل الإقليم ويخدم ساكنته رغم أنه لم يكن نائبا برلمانيا.

    وشدد بنسعيد على أن دعم الساكنة لمرشح “البام” سيمكنه من إيصال صوتها إلى جميع عضوات وأعضاء الحكومة عبر البرلمان.

    من جانبه، دعا عوض المكتب السياسي، فوزي لقجع، إلى تجاوز واقع “مغرب بسرعتين” وبناء مغرب يسير “بسرعة واحدة فائقة السرعة”، انطلاقا من تشخيص دقيق للمشاكل وإشراك الساكنة في صياغة الحلول.

    أكد لقجع أن تشخيص المشاكل في مجموعة من الأقاليم ضروري لمواجهة تحديات “مغرب بسرعتين”، وأن المسؤول بمختلف رتبته يجب أن يشخص المشاكل ويأتي بحلول للوصول إلى مغرب يسير بسرعة واحدة، فائقة السرعة، وأن المغاربة بـ “معقولهم” وأخلاقهم قادرون على تجاوز هذه المشاكل، مع تأكيد ضرورة مشاركة الساكنة في التشخيص وصياغة الحلول لمختلف المشاكل.

    أما رشيد العبدي، رئيس جهة الرباط-سلا-القنيطرة، فاستعرض عددا من المنجزات التي تحققت طيلة السنوات الماضية، مؤكدا أن ساكنة سيدي سليمان تستحق مشاريع تنموية خصوصا في العالم القروي، وأن مجلس الجهة الذي يترأسه قدم عددا من المشاريع، وهي الديناميكية التي ستتواصل بفضل الدعم والرؤية الاستراتيجية لتنمية العالم القروي.

    وأجمع المتدخلون خلال اللقاء التواصلي على الدعم الكامل والتام لترشيح لحسن عواد، مشيدين بمؤهلاته ومساره الميداني في خدمة القضايا التنموية للإقليم.

    وتم أيضا تأكيد التزام حزب الأصالة والمعاصرة بمواكبة الانتظارات المحلية للساكنة القروية، وتنزيل أوراش تنموية حقيقية بالمنطقة ترتكز على مبادئ القرب والعدالة المجالية، معربين عن افتخارهم بالمشاريع التي أطلقها وزراء الحزب على مستوى إقليم سيدي سليمان.

    واختتم اللقاء بتأكيد مرشح الحزب لحسن عواد الاستمرار في النهج الميداني والتواصل المستمر مع مختلف جماعات الإقليم، معربا عن اعتزازه بهذه الثقة القيادية والتفاف الساكنة المحلية حول مشروع الحزب للتنمية والنهوض بالبنيات التحتية والخدمات الاجتماعية بجهة الرباط-سلا-القنيطرة.

    وإلى جانب حضور قيادات حزب الأصالة والمعاصرة، شارك في اللقاء التواصلي رئيس قطب التنظيم سمير كودار، ورئيس مجلس جهة الرباط-سلا-القنيطرة رشيد العبدي وصلاح الدين عبقري رئيس منظمة الشباب.

    ويعكس هذا الحضور الثقيل الأهمية الخاصة التي توليها القيادة الوطنية للحزب لإقليم سيدي سليمان ودعم كفاءاته.

  • بعد أزمة سبتة.. مدريد ترفض أي تغيير باستراتيجية الهجرة مع الرباط

    بعد أزمة سبتة.. مدريد ترفض أي تغيير باستراتيجية الهجرة مع الرباط

    تستبعد الحكومة الإسبانية إدخال أي تغيير على سياستها تجاه المغرب، رغم أزمة العبور الجماعي إلى سبتة واستمرار الملفات التي تطرحها الرباط في العلاقات الثنائية وفق معطيات نشرتها صحيفة “إل باييس”.

    وأوضحت الصحيفة، نقلا عن مصادر حكومية، أن مدريد لا تعتزم تعديل أسس تعاونها مع المغرب أو مقاربتها للهجرة أو النبرة العامة لسياستها الخارجية.

    ويشمل الموقف الإسباني الاستمرار في إدارة القضايا القائمة داخل الآليات الحالية، من دون الإعلان عن مبادرة جديدة بشأن مطالب المغرب، فيما تمنح الأولوية في الفترة الحالية لإنهاء تداعيات أزمة سبتة والمحافظة على التعاون مع الرباط.

    وتواصل السلطات الإسبانية جمع المعطيات بشأن دخول نحو 80 ألف شخص إلى سبتة في نهاية يوليوز، وفق الأرقام التي أوردتها الصحيفة، وبشأن ما جرى على الجانب المغربي خلال الساعات الحرجة.

    غير أن مصادر حكومية إسبانية تؤكد لـ”إل باييس” أنه لا توجد حتى الآن أدلة على ارتكاب الرباط خطأ متعمدا، وأن السماح بالمرور لساعات جاء لتفادي مزيد من الوفيات، قبل أن تستعيد السلطات المغربية السيطرة وتمنع محاولات جديدة وتشارك في إعادة عشرات الآلاف.

    لا تغيير في الاستراتيجية أو الخطاب

    ونقلت “إل باييس” عن مصدر من رئاسة الحكومة الإسبانية أن تشخيص ما وقع لم يكتمل بعد، وأن عددا من عناصر الأزمة ما يزال قيد الفحص، غير أن الحكومة الإسبانية لا تتوقع تغييرا في استراتيجيتها، وأن هدفها سيبقى الوصول إلى أعلى مستوى ممكن من التعاون مع المغرب.

    وتستند مدريد في قرارها إلى ما تعتبره نتائج مباشرة لاستراتيجيتها الحالية، إذ سمح التعاون مع المغرب بمغادرة أكثر من 70 ألف شخص سبتة خلال ساعات قليلة، كما ساعدت السلطات المغربية لاحقا في منع محاولات عبور جديدة وفي عمليات الإعادة السريعة.

    وتصف استراتيجية العمل الخارجي الإسباني للفترة 2025-2028 العلاقات مع المغرب بأنها تمر بـ”أفضل لحظاتها”، على الرغم من أن أزمة سبتة أعادت فتح النقاش داخل إسبانيا.

    وتؤكد “إل باييس” أن رئاسة الحكومة ووزارتي الخارجية والداخلية لا تعتزمان تغيير هذا التوصيف أو اعتماد نبرة أكثر تشددا في المرحلة الحالية.

    الرباط تطلب مساطر أسرع

    أعلنت الرباط استعدادها للعمل مع إسبانيا على تحديد هوية القاصرين غير المصحوبين تمهيداً لإعادتهم إلى المغرب، تنفيذاً لتعليمات ملكية موجهة إلى وزارتي الداخلية والخارجية للتعاون مع الشركاء الإسبان والأوروبيين في هذا الملف.

    وفي الوقت نفسه، دعت الرباط شركاءها، وعلى رأسهم إسبانيا، إلى معالجة العوائق التي تفرضها تشريعاتهم ومساطرهم الإدارية والقضائية.

    ويمتد المطلب المغربي إلى القاصرين الذين تتطلب إعادتهم ملفات فردية، وإلى البالغين الذين ما زالوا في سبتة وتخضع عودتهم لإجراءات تحديد الهوية أو لفحص طلبات اللجوء.

    وكان المغرب قد حمل إسبانيا مسؤولية أحداث سبتة الأخيرة، معتبرا أن قرار المحكمة العليا الإسبانية بشأن رفض إعادة الوافدين سباحة إلى سبتة ومليلية يضعف أحد عناصر التعاون في مراقبة الهجرة.

    وترى الرباط أن الحد من الإعادة المباشرة يقلص أثرها الردعي، فيما ردت وزارة الخارجية الإسبانية بأن الحكم لا يمنع العودة، بل يحدد المسطرة الواجب اتباعها ولا يفتح طريقاً قانونياً للبقاء في إسبانيا.

    مدريد تتمسك بالقواعد القائمة

    أعلن وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، أن كل من دخل سبتة بصورة غير نظامية ولا يملك حق البقاء سيعود إلى المغرب، كما قال وزير الرئاسة فيليكس بولانيوس إن الأولوية هي تمكين القاصرين من الرجوع إلى أسرهم، غير أن هذه التصريحات لم تقترن بإعلان تغيير المساطر أو اختصار الضمانات التي تسبق القرار.

    وتقول مصادر حكومية إسبانية إن الاستراتيجية الحالية أثبتت فعاليتها لأنها أتاحت عودة أكثر من سبعين ألف شخص في وقت قصير، بمشاركة السلطات المغربية، ثم ساعدت على منع محاولات دخول أخرى.

    ونقلت “إل باييس” عن مصدر في رئاسة الحكومة أن تشخيص ما وقع في نهاية يوليو لم يكتمل، لكن النتيجة المتوقعة لا تتضمن تحولاً في السياسة، وحددت المصادر الإسبانية هدفها في بلوغ أعلى مستوى ممكن من التعاون مع المغرب، مع الحفاظ على مقاربة الهجرة والنبرة الدبلوماسية من دون تغيير.

    القاصرون الملف الأكثر تعقيدا

    تمثل إعادة القاصرين الجزء الأكثر تعقيداً في المطلب المغربي، فالاتفاق الثنائي الموقع سنة 2007، والنافذ منذ 2012، ينص على التعاون في الوقاية والحماية والعودة، لكنه يجعل المصلحة الفضلى للقاصر أساس كل قرار، ويوجب ضمان إعادته إلى أسرته بصورة فعلية أو تسليمه إلى مؤسسة رعاية في بلد الأصل.

    وتستند مدريد أيضاً إلى حكم المحكمة العليا الصادر في يناير 2024، الذي أكد عدم قانونية إعادة قاصرين من سبتة إلى المغرب في غشت 2021 بسبب عدم اتباع المسطرة المنصوص عليها في قانون الأجانب.

    وبموجب هذا الإطار، يجب الاستماع إلى كل قاصر، وتمكينه من المعلومات والمساعدة القانونية، وفحص وضعه الأسري ومصلحته قبل اتخاذ قرار الإعادة.

    وقالت وزيرة الشباب والطفولة سيرا ريغو إن العمل لا يمكن إنجازه بصورة جماعية، وإن كل طفل يحتاج إلى مقابلة فردية لمعرفة ظروفه، الأمر الذي يظهر لماذا لا تتبنى مدريد إعادة تلقائية للقاصرين، حتى مع إعلان المغرب استعداده لتسلمهم، ولا يظهر في الموقف الحكومي اتجاه إلى تعديل هذه القاعدة استجابة إلى طلب التسريع، وفق ما تؤكده تقارير إسبانية متطابقة.

    التعاون يمنع القطيعة

    بالنسبة للحكومة الإسبانية فإن استمرار التعاون مع المغرب ضروري لاستكمال معالجة الوضع في سبتة بعد عودة أكثر من 70 ألف شخص، إضافة إلى مغاربة يعودون بمعدل يتراوح بين 50 و100 شخص يوميا، وفق بيانات الحكومة إسبانية.

    ويضع هذا الوضع ضغطا كبيرا على الخدمات العامة في سبتة، ويدفع الحكومة إلى تجنب أي مواجهة دبلوماسية قد تؤثر في عمليات الإعادة أو في مراقبة الحدود خلال الأسابيع المقبلة، ولهذا لا تتوقع المصادر الإسبانية تغييرا في السياسة أو اللهجة قبل إغلاق الملف الميداني للأزمة.

    وتشدد مصادر قريبة من رئاسة الحكومة لـ”إل باييس” على أن إسبانيا لا تستطيع تحمل قطيعة مع المغرب، باعتباره شريكا أساسيا في الهجرة ومكافحة الإرهاب والاتجار بالمخدرات، مضيفة أن المغرب لا يستطيع بدوره الاستغناء عن إسبانيا، بالنظر إلى الروابط الاقتصادية والطاقة والاتصالات والاستثمار.

    وبحسب معطيات رسمية لوزارة الخارجية الإسبانية، بلغ حجم التجارة الثنائية 22.7 مليار يورو سنة 2024، وكان المغرب الشريك التجاري الأول لإسبانيا في إفريقيا، فيما كانت إسبانيا الشريك الأول للمغرب موردا وزبونا، ويضاف إلى ذلك الاستثمار والطاقة والاتصالات والنقل، ثم التحضير المشترك لكأس العالم 2030.

  • رغم مطالب المغرب.. قضاة إسبانيا يبقون عودة القاصرين في متاهة الإجراءات

    رغم مطالب المغرب.. قضاة إسبانيا يبقون عودة القاصرين في متاهة الإجراءات

    بعد أسبوعين من موجة العبور غير المسبوقة نحو سبتة، ما زال ملف القاصرين المغاربة غير المصحوبين عالقا بين استعداد معلن من الرباط لاستقبالهم، ومساطر إدارية وقضائية إسبانية ترفض أي إعادة جماعية.

    وفي وقت تقدم مدريد هذه الإجراءات باعتبارها ضمانات قانونية لحماية الأطفال، ترى الرباط أنها تحولت عمليا إلى عراقيل تؤخر عودتهم وتبقيهم داخل مراكز إيواء مكتظة وفي ظروف هشة.

    وبدأ التصعيد في ملف إعادة القاصرين عقب أحداث 30 و31 يوليوز الفائت، عندما تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين نحو سبتة المحتلة، سباحة أو عبر المعابر والسياج الحدودي.

    وتراوحت التقديرات الإسبانية لأعداد الوافدين بين 72 ألفا و80 ألف شخص، فيما قدر المغرب عدد المشاركين في عمليات العبور غير القانوني في أزيد من 41 ألفا بقليل، في واحدة من أكبر موجات العبور التي شهدتها المدينة، بينما حصيلة الوفيات الرسمية ما تزال غير محددة حتى الآن.

    وعاد معظم المهاجرين غير النظاميين إلى المغرب خلال الأيام التالية، إما بصورة طوعية أو عبر عمليات نفذتها السلطات الإسبانية، لكن ما بين خمسة آلاف وثمانية آلاف شخص ظلوا في سبتة، وفق تقديرات إسبانية، وبينهم عدد كبير من القاصرين غير المصحوبين.

    وفي الأيام الأولى للأزمة، قدّرت حكومة سبتة عدد القاصرين بنحو 1100، فيما أعلنت الشرطة الإسبانية تحديد هوية 528 طفلا ووضعهم رهن إشارة سلطات المدينة لتولي رعايتهم، ثم ظهرت تقديرات إسبانية لاحقة رفعت العدد المحتمل للقاصرين الذين يمكن أن تشملهم إجراءات الحماية إلى 1898  قاصرا بمراكز الإيواء.

    عودة “سريعة” للبالغين ومسار معقد للقاصرين

    بخلاف البالغين، لا تسمح التشريعات الإسبانية بإعادة القاصرين غير المصحوبين بصورة تلقائية أو إخضاعهم لعمليات الطرد الفوري، إذ بمجرد التأكد من سن القاصر، تصبح سلطات سبتة مسؤولة عن رعايته، ويسجل في السجل الخاص بالقاصرين الأجانب غير المصحوبين.

    ويتطلب قرار إعادته فتح ملف إداري مستقل، والتحقق من هويته وظروف أسرته، والاستماع إليه، والحصول على رأي النيابة العامة ومصالح حماية الطفولة، ثم التأكد من أن عودته إلى أسرته أو إلى مؤسسة استقبال في المغرب لا تعرضه لأي خطر.

    هذه الضمانات تستند إلى قانون الهجرة الإسباني، إضافة إلى الاتفاق المغربي الإسباني الموقع سنة 2007 بشأن الوقاية من هجرة القاصرين غير المصحوبين وحمايتهم وإعادتهم بصورة منسقة، والذي دخل حيز التنفيذ سنة 2012، غير أن هذه المسطرة أفرزت بطءا شديد في عمليات الإعادة، حتى عندما يعلن المغرب استعداده لاستقبال القاصرين، وفق ما أكده وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، في تصريحات صحفية سابقة.

    التعقيدات الإدارية الإسبانية تعرقل الإعادة

    الرباط أكدت، من خلال تصريحات وهبي، أنها مستعدة لاستقبال جميع القاصرين المغاربة غير المصحوبين الموجودين في إسبانيا، بمن فيهم الذين عبروا إلى سبتة في نهاية يوليوز.

    وأكد الوزير المغربي أن تحديد هوية القاصرين لا يشكل عائقا، وأن المشكلة تكمن في الإجراءات الإدارية والقرارات القضائية داخل إسبانيا.

    وبحسب الموقف المغربي، توجد تعليمات ملكية واضحة للعمل على إعادة هؤلاء القاصرين، كما أن التزام الرباط لا يعود إلى الأزمة الحالية، بل سبق تأكيده في بيان مشترك لوزارتي الداخلية في البلدين في يونيو 2021.

    وصعّد وزير العدل معلنا أن المملكة تطالب باستعادة القاصرين، وحمّل السلطات الإسبانية مسؤولية استمرار وجودهم بعيدا عن أسرهم، وما يواجهه بعضهم من ظروف معيشية صعبة داخل سبتة ومراكز الإيواء الإسبانية.

    وترفض الرباط، في هذا السياق، تحميلها مسؤولية تعثر عمليات العودة، معتبرة أن إسبانيا تمتلك الموافقة المغربية والآلية الثنائية اللازمة، لكنها لم تنجح في تحويلهما إلى إجراءات عملية وسريع بسبب تعقيد المساطر الإدارية.

    كابوس أزمة 2021

    الحذر الإسباني الحالي يرتبط إلى حد كبير بما وقع عقب أزمة سبتة في ماي 2021، عندما دخل أكثر من ثمانية آلاف شخص خلال يومين، بينهم أكثر من ألف قاصر.

    في غشت من العام نفسه، شرعت السلطات الإسبانية في إعادة مجموعات من القاصرين المغاربة، وتم ترحيل 55 منهم تقريبا قبل تدخل القضاء وتعليق العملية.

    وأكدت المحكمة العليا الإسبانية في يناير 2024 أن تلك الإعادات كانت غير قانونية، بسبب عدم فتح ملفات فردية وعدم الاستماع إلى القاصرين أو إشراك النيابة العامة وتقييم أوضاعهم الأسرية.

    واعتبرت “المحكمة العليا أن السلطات الإسبانية تجاهلت بصورة كاملة الضمانات التي يفرضها قانون الهجرة، وأن حقوق القاصرين في السلامة الجسدية والمعنوية تعرضت لـ”الانتهاك”.

    وتعزز هذا المسار في شتنبر 2025، عندما أدينت مسؤولة سابقة في الحكومة الإسبانية وأخرى في حكومة سبتة بسبب دورهما في تلك الإعادات السريعة، ما جعل هذه السابقة تعامل أي مسؤول مع ملف القاصرين تحت رقابة قضائية مشددة.

    جمعيات القضاة ترفض الحلول الجماعية

    وفي خضم الأزمة الحالية، طالب رئيس سبتة خوان خيسوس فيفاس الحكومة الإسبانية برفض طلبات اللجوء وإعادة المهاجرين إلى المغرب دون استثناءات أو تسويات لاحقة.

    وحظي طلب فيفاس بدعم قيادة الحزب الشعبي، التي اعتبرت الإجراء ضروريا لحماية المدينة وردع استخدام الهجرة وسيلة للضغط السياسي.

    لكن جمعيات القضاة في إسبانيا رفضت هذا المقترح، مؤكدة أن الدخول بصورة غير نظامية لا يلغي حق الشخص في طلب الحماية الدولية، وأن كل طلب يجب أن يخضع لدراسة مستقلة.

    ووفق الموقف الذي نقلته “الصحافة الإسبانية، يمكن تشديد إجراءات اللجوء وتسريعها في الحدود، لكن لا يجوز تقرير الرفض الجماعي مسبقا.

    ولا تخص هذه القاعدة القاصرين وحدهم، لكنها تزيد تعقيد ملفاتهم، فالقاصر الذي يطلب الحماية الدولية لا يمكن إعادته قبل البت في طلبه، أما القاصر الذي لا يتقدم بطلب لجوء، فيظل خاضعا بدوره لمسار فردي مستقل تحكمه قاعدة “المصلحة الفضلى للطفل”.

    ما بعد الرشد.. عندما تبدأ سنوات الضياع

    لا تتوقف تداعيات تعثر معالجة ملف القاصرين عند حدود مراكز الإيواء أو إجراءات إعادتهم إلى بلدانهم، بل تمتد إلى المرحلة التي تلي بلوغهم سن الرشد، حين يفقد كثير منهم مظلة الحماية من دون أن يمتلكوا وثائق إقامة أو سكنا أو شبكة اجتماعية تساعدهم على الاندماج.

    وفي غشت 2025، أعادت وفاة شاب مغربي يبلغ 19 عاما في مدينة خاين هذا الملف إلى واجهة النقاش في إسبانيا، بعدما عثر على الشاب “م.أ.أ”، ميتا يوم 17 غشت في موقف للسيارات أسفل مركز الرعاية الصحية الجديد “لا ألاميدا”، بعد إصابته بضربة في إثر سقوطه، وأُعيد جثمانه لاحقا إلى أسرته في مدينة الفنيدق.

    وبحسب ما كشفته الصحافة الإسبانية، وصل الشاب إلى إسبانيا عندما كان قاصرا، وأقام في أحد مراكز حماية الطفولة إلى أن بلغ سن الثامنة عشرة، لكن خروجه من المركز مثّل بداية مرحلة جديدة من الهشاشة، إذ حرم من الاستفادة من عدد من الموارد الرسمية بسبب عدم امتلاكه وثائق قانونية، كما لم تكن لديه أسرة أو شبكة دعم مستقرة، لينتهي به الأمر إلى العيش في الشارع.

    وكان الشاب قد وصل إلى خاين قبل وفاته بشهرين، بعد تنقله بين بلباو وفالدبيناس وأليكانتي. وخلال وجوده في المدينة، كان يتردد على مركز جمعية “بوبلادو موندو” للحصول على الطعام وخدمات النظافة والمواكبة الاجتماعية، ووصفه العاملون في المركز بأنه شاب ودود ومحبوب، لكنه كان يعاني مشكلات مرتبطة بالإدمان والصحة النفسية، في وقت حال غياب الوثائق دون حصوله على سكن مستقر أو رعاية متواصلة.

    وترى الجمعية أن حالته ليست استثناء، بل نموذجا لمسار يعيشه عدد من الشباب المهاجرين بعد مغادرة مؤسسات حماية القاصرين، نظرا لغياب الوثائق والسكن والرعاية النفسية ما يدفعهم إلى دائرة من التشرد وتعاطي المخدرات والاحتكاك بالقانون، فيما يعيش كثير منهم داخل مبان وأكواخ مهجورة ويعتمدون على الجمعيات لتغطية احتياجاتهم الأساسية بعدما يتحولون إلى أشخاص “غير مرئيين، بلا حقوق وبلا خيارات” بعد بلوغ سن الرشد.