دخلت تداعيات موجة العبور نحو سبتة مرحلة أكثر تعقيدا، بعدما انتقل مركز الضغط من الحدود إلى داخل المدينة، حيث لم يعد التحدي مقتصرا على استيعاب أعداد الأشخاص الموجودين فوق ترابها بل بات مرتبطا بتحديد مصيرهم القانوني، ومعالجة طلبات الحماية الدولية، وتأمين الرعاية الصحية والنفسية، خصوصا للقاصرين والفئات الأكثر هشاشة.
وكل يوم إضافي يقضيه هؤلاء في مراكز مؤقتة أو في ظروف استقبال غير مستقرة، من دون جواب واضح بشأن ما سيحدث لاحقا، يضيف طبقة جديدة إلى الأزمة، فبين مطالب اللجوء وضغط مرافق الاستقبال والحاجة إلى تعزيز الخدمات الصحية، والمخاوف التي يعبر عنها جزء من السكان المحليين، تجد السلطات الإسبانية نفسها أمام اختبار يتجاوز تدبير ظرف إنساني طارئ إلى إدارة ملفات قانونية واجتماعية وأمنية متشابكة.
هذا التحول رصده المجلس المدني لمكافحة جميع أشكال التمييز “CCLD”، بمبادرة من معهد “بروميثيوس” للديمقراطية وحقوق الإنسان، في أحدث “نقطة يقظة” خصصها للوضع في سبتة خلال الفترة الممتدة من 13 إلى 17 غشت الجاري.
ودعا المجلس إلى تسريع دراسة طلبات اللجوء وتعزيز قدرات الاستقبال والرعاية الصحية والنفسية، مع منح حماية القاصرين والأشخاص الأكثر هشاشة أولوية خاصة، محذرا من أن طول مدة الانتظار وعدم وضوح الوضع القانوني والمستقبل يتحولان، في حد ذاتهما، إلى عامل إضافي للهشاشة.
1500 مكان إضافي.. لكن الضغط يتجاوز الإيواء
في محاولة لتخفيف الضغط، أعلنت الحكومة الإسبانية في 17 غشت ترتيبات إنسانية مؤقتة تقضي بتوفير 1500 مكان إضافي موزعة على عدد من المواقع في سبتة.
المجلس اعتبر الإعلان خطوة إيجابية، لكنه وضعها في سياق أوسع هي زيادة عدد الأسرة أو أماكن الإيواء يمكن أن تعالج جزءا من الضغط المادي، لكنها لا تحسم السؤال الأصعب المتعلق بالمصير القانوني للأشخاص الموجودين في المدينة.
ولهذا شدد على ضرورة دخول القدرات الجديدة حيز التشغيل في أسرع وقت، وأن تراعي اختلاف أوضاع المستفيدين وحاجاتهم، بدل التعامل معهم باعتبارهم كتلة واحدة متجانسة.
فداخل المشهد نفسه توجد حالات مختلفة من حيث السن والوضع العائلي والحالة الصحية ومستوى الهشاشة، كما توجد حالات تعلن رغبتها في طلب الحماية الدولية، ما يجعل الانتقال من التدبير الجماعي للأزمة إلى دراسة المسارات الفردية أحد أبرز تحديات المرحلة المقبلة.
“نريد اللجوء” الملف ينتقل إلى القانون
ظهر هذا التحول بشكل واضح يوم 16 غشت في شاطئ ترامبولين، حيث شهد المكان وقفة سلمية عبّر خلالها عدد من الأشخاص عن رغبتهم في طلب الحماية الدولية، ورفع بعض المشاركين لافتات كُتبت عليها عبارة “نريد اللجوء” وفق ما أورده المجلس ونقلته وسائل إعلام إسبانية.
هذه المطالب، نقلت جزءا من الملف من النقاش حول كيفية وصول الأشخاص إلى سبتة إلى سؤال مختلف يتعلق بما إذا كانت تتوافر في حالاتهم شروط الحصول على الحماية الدولية.
وشدد المجلس في هذا السياق على أن الدخول غير النظامي إلى التراب لا ينبغي أن يؤدي بمفرده، إلى إسقاط حق الشخص في طلب الحماية وأن كل طلب يتم التعبير عنه يفترض تسجيله ودراسته بصورة فردية، قبل اتخاذ قرار معلل بشأنه.
وأورد المصدر نفسه مواقف منسوبة إلى الجمعية المهنية للقضاء والمنتدى القضائي المستقل تؤكد بدورها ضرورة التعامل مع طلبات الحماية الدولية حالة بحالة، وفق الضمانات القانونية المعمول بها.
الانتظار يتحول إلى عامل ضغط نفسي
خلف الأرقام والإجراءات القانونية، برز وجه آخر أقل ظهورا للأزمة يتعلق بالصحة النفسية للأشخاص الذين يعيشون منذ أيام في حالة انتظار مفتوحة.
المجلس حذر من أثر اجتماع ثلاثة عوامل في وقت واحد هي هشاشة ظروف العيش، وعدم وضوح الوضع القانوني، وغياب تصور واضح للمستقبل.
ونقل عن روجرفان روباتينو، الطبيب النفسي الشرعي والمتخصص في علم نفس الأطفال والمراهقين بسبتة، تسجيل مظاهر من القلق الحاد وفرط اليقظة والأرق والشعور بالهشاشة لدى بعض الفئات المتضررة.
وتزداد حساسية هذا الجانب بالنسبة إلى القاصرين غير المصحوبين، الذين قد يكون بعضهم قد مر بتجارب شديدة التوتر قبل الوصول وأثناءه وبعده، فيما يستمر الغموض بشأن ما ينتظرهم.
لذلك دعا المجلس إلى ألا يقتصر التكفل بهذه الحالات على توفير المأوى والغذاء، بل أن يشمل تقييما نفسيا واجتماعيا ودعما ملائما، خصوصا للقاصرين والأشخاص الذين تعرضوا للعنف.
الصحة تحت الضغط.. وتحذير من تحويل المرض إلى وصمة
الضغط لا يقف عند مرافق الاستقبال، ففي 17 غشت حذرت نقابة الممرضين “SATSE” في سبتة وفق ما أورده المجلس، من الحاجة إلى تعزيز القطاع الصحي بمهنيين إضافيين.
وتكتسب هذه الدعوة أهمية في ظل الحاجة إلى التعامل مع احتياجات صحية متباينة، من الرعاية الأساسية إلى الحالات التي تحتاج متابعة أكثر تخصصا، في وقت يرى المجلس أن أي استجابة إنسانية ممتدة تحتاج إلى موارد بشرية قادرة على مواكبتها.
لكن النقاش الصحي أخذ في المقابل منحى آخر أثار تحذيرات المجلس، مع تداول خطابات تربط وجود المهاجرين بانتشار الأمراض.
وفرق المجلس بين احتمال ظهور مخاطر صحية بسبب الاكتظاظ أو نقص المياه والنظافة وصعوبة الولوج إلى الرعاية، وبين تحويل الأصل أو الوضع القانوني للأشخاص إلى تفسير للخطر الصحي.
وفي هذا السياق، أشار إلى موقف وزيرة الصحة الإسبانية التي نددت بالرسائل التي تربط الهجرة بالمرض ووصفتها بأنها ذات طابع عنصري.
وبالنسبة إلى المجلس، ينبغي أن تظل الاستجابة الصحية متمحورة حول شروط الإيواء والمياه والنظافة والوقاية والولوج إلى العلاج، بدل تحويل النقاش إلى وصم جماعي للمهاجرين أو الأجانب.
القاصرون.. الحلقة الأكثر هشاشة
يبقى وضع الأطفال والقاصرين من أكثر أجزاء الملف حساسية، سواء بالنسبة إلى الموجودين داخل سبتة أو أولئك الذين ظهرت صورهم خلال محاولات العبور.
وأشار المجلس إلى تداول محتويات سمعية بصرية ومعلومات تتحدث عن مغادرة فتيات قاصرات لبعض مرافق الاستقبال المؤقتة، لكنه أكد أن هذه المعطيات لم تخضع للتحقق المستقل مطالبا بالتحقق منها والتحقيق في الظروف المحيطة بها.
وهذه نقطة يظل التعامل معها بحذر ضروريا، إذ لا يمكن الجزم بمصير هؤلاء القاصرات أو ظروف مغادرتهن استنادا إلى محتويات متداولة وحدها.
وفي الجانب المغربي، دعا المجلس السلطات إلى تحديد وتأمين أطفال صغار قال إن صورهم ظهرت خلال محاولة عبور يوم 15 غشت، والتحقق من ظروف وجودهم والأشخاص المسؤولين عن مرافقتهم.
كما نبه إلى خطورة إعادة تداول صور الأطفال على شبكات التواصل الاجتماعي، بالنظر إلى ما يمكن أن يترتب عن كشف هوياتهم أو مضاعفة هشاشتهم.
السكان المحليون يدخلون المعادلة
ومع استمرار وجود أعداد من الأشخاص في سبتة، بدأ الملف يلامس بصورة أكبر الحياة اليومية داخل المدينة.
وأقر المجلس بوجود مخاوف لدى بعض السكان مرتبطة بالهدوء والحركة والأمن والضغط على الخدمات العمومية، لكنه حذر من الانتقال من التعبير عن هذه المخاوف إلى تعميمها على جميع الأشخاص الموجودين في المدينة بسبب أصلهم أو وضعهم القانوني.
واقترح المجلس في هذا الصدد، توسيع أدوات التدبير لتشمل الوساطة والحضور الاجتماعي والصحي وتوفير أماكن استقبال مناسبة، إلى جانب حضور متناسب للمصالح العمومية، بدل اختزال التعامل مع الوضع في المقاربة الأمنية وحدها.
من أزمة هجرة إلى “حرب هجينة”؟
وسط هذا الوضع، حذر المجلس من مستوى آخر من التصعيد يتعلق باللغة المستعملة في توصيف ما يجري، خصوصا الخطابات التي تقدم الأحداث باعتبارها مواجهة جيوسياسية أو “حربا هجينة”
وطالب باعتماد خطاب يستند إلى الوقائع، وتجنب المصطلحات التي قد تدفع النقاش نحو مزيد من التوتر أو تبرر التعامل مع جميع الأشخاص الموجودين في سبتة من زاوية أمنية واحدة.
كما دعا المسؤولين السياسيين ووسائل الإعلام والفاعلين المؤسساتيين إلى تجنب التعميم وخطابات الكراهية، وعدم تحويل الأزمة إلى مناسبة لربط الهجرة بصورة منهجية بالجريمة أو المرض أو انعدام الأمن أو التهديد.
ويمتد هذا التحذير وفق المجلس، إلى تجنب الوصم الجماعي للمغاربة وللأشخاص المنحدرين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء الموجودين في سبتة..
لا يمكن إدارة الأزمة بمنطق الانتظار
لكن أكثر ما يضغط على الوضع الحالي وفق قراءة المجلس، هو غياب أفق واضح بالنسبة إلى الأشخاص الذين ما زالوا في سبتة، وحذر من إدارة الملف بمنطق الانتظار، على أساس أن الزمن قد يدفع الأشخاص إلى المغادرة من تلقاء أنفسهم أو التخلي عن المطالبة بحقوقهم.
وطالب، بدلا من ذلك، بتوجيه واضح وفردي لكل حالة، بناء على وضعها القانوني واحتياجاتها إلى الحماية ومستوى هشاشتها.
كما خلص المجلس المدني لمكافحة جميع أشكال التمييز إلى أن مدة البقاء نفسها أصبحت عاملا من عوامل الهشاشة وأن توسيع قدرات الاستقبال رغم أهميته، لن يكون كافيا من دون وضوح في ملفات الحماية الدولية والإيواء والوضع القانوني والمستقبل.

اترك تعليقاً