التصنيف: تقارير

  • ذكره الأحرار بالاسم فردّ بفتح الدفاتر.. عثمان بادل: غادرت حزبا يدبَّر من فوق واخترت “البام” منذ سنتين

    ذكره الأحرار بالاسم فردّ بفتح الدفاتر.. عثمان بادل: غادرت حزبا يدبَّر من فوق واخترت “البام” منذ سنتين

    خرج عثمان بادل مرشح حزب الأصالة والمعاصرة عن دائرة سطات، عن صمته للرد على بلاغ المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار الذي أشار إليه بالاسم على خلفية انتقاله السياسي وترشحه باسم “البام” في الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر، مقدما روايته لأسباب مغادرة الحزب الذي تصدر انتخابات 2021، حيث أكد أن قرار الالتحاق بالأصالة والمعاصرة لم يكن وليد الاستحقاقات الحالية بل يعود وفق قوله إلى أكثر من سنتين.

    وجاء ذلك، في بلاغ موجه إلى الرأي العام صدر اليوم الأربعاء، حيث اعتبر بادل أن الإشارة إليه ضمن بلاغ المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار، بما يفيد أن اختياره الترشح باسم حزب آخر قد يكون عملا “مجانبا للصواب” تفرض عليه توضيح خلفيات هذا القرار والمسار الذي قاده إلى تغيير انتمائه الحزبي.

    واستهل بادل رده باستحضار تجربته على رأس المجلس الإقليمي لبرشيد، والتي امتدت بحسب ما أورده، لخمس سنوات، مسجلا أن التجمع الوطني للأحرار لم يتواصل معه بشكل مباشر طيلة هذه الفترة، باستثناء توجيه الدعوة إليه للمشاركة في بعض اللقاءات العامة.

    وقال في هذا السياق إن الحزب الذي “يخاطبني اليوم من خلال بلاغ على وسائل الإعلام، لم يكلف نفسه عناء التواصل معي مباشرة خلال السنوات الخمس التي قضيتها على رأس المجلس الإقليمي لبرشيد، إذا استثنينا الدعوات لبعض اللقاءات العامة”

    بادل ينتقد تدبير الأحرار

    ولم يحصر مرشح الأصالة والمعاصرة رده في علاقته الشخصية بقيادة التجمع، بل قدم قراءة سياسية للأسباب التي يعتبر أنها تقف خلف مغادرة عدد من المنتخبين والمناضلين للحزب.

    وربط بادل هذه التحولات بطريقة التدبير الداخلي، حيث اعتبر أن التجمع الوطني للأحرار، رغم حصوله على المرتبة الأولى خلال انتخابات 2021، “لم يستطع أن يحافظ على مناضليه وسياسييه ومنتخبيه” مرجعا ذلك إلى ما وصفه باختيار “منهج التدبير العمودي الفوقي المنفصل عن القواعد”

    قرارنا يعود إلى أكثر من سنتين”

    وفي مقابل انتقاد تجربته السابقة، توقف بادل عند الأسباب التي دفعته إلى اختيار حزب الأصالة والمعاصرة، مشيرا إلى أن طريقة اشتغال القيادة الجماعية للحزب كانت من بين العناصر الحاسمة في قراره.

    وقال إن “المنهجية التشاركية التي أبانت عنها القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة” جعلته ومن معه يحسمون اختيارهم دون تردد، بعدما وجدوا، وفق تعبيره، أن الحزب يتوافق مع قناعاتهم وينسجم مع طريقتهم في العمل.

    واللافت في رواية بادل هو التأكيد على البعد الزمني للقرار، إذ شدد على أن الرغبة في الانتقال إلى الأصالة والمعاصرة لم تبدأ مع اقتراب تشريعيات 23 شتنبر، وإنما جرى التعبير عنها “منذ أكثر من سنتين”

    وقال في هذا الصدد: “كنا السباقين للتعبير عن رغبتنا في الانضمام إلى حزب الأصالة والمعاصرة منذ أكثر من سنتين” في رد مباشر على أي قراءة تربط انتقاله حصرا بحسابات الترشح خلال الاستحقاقات الحالية.

    حرية الانتماء الحزبي في صلب الرد

    وفي جانب آخر من بلاغه، استند بادل إلى مبدأ حرية الانتماء السياسي، مؤكدا أن اختيار الحزب يظل حقا مكفولا بالدستور المغربي ومنظما بالقوانين ذات الصلة.

    وشدد مرشح “البام” بدائرة سطات على أنه “لا يمكن لأي حزب سياسي أن يحجر عليه أو أن يكون وصيا على اختيارات المغاربة” واضعا بذلك انتقاله ضمن دائرة الاختيار السياسي الحر، وليس باعتباره موضوعا يحق لتنظيم سياسي الاعتراض عليه من حيث المبدأ.

    وجاء هذا الموقف في سياق رد أوسع على بلاغ التجمع الوطني للأحرار، إذ يدافع بادل عن حق المنتخب في مراجعة موقعه الحزبي عندما يرى أن التنظيم الذي ينتمي إليه لم يعد ينسجم مع قناعاته أو مع الطريقة التي يريد بها ممارسة العمل السياسي.

    إشادة بتواصل وزراء “البام” مع المنتخبين

    وتوقف بادل أيضا عند علاقة وزراء حزب الأصالة والمعاصرة بالمنتخبين، معتبرا أن تجربته أظهرت وجود قنوات تواصل دائمة معهم، بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية.

    وقال إن وزراء الحزب حرصوا على “بناء قنوات تواصل دائمة وفعالة مع مختلف المنتخبين الجماعيين لمواكبة قضاياهم وتطلعاتهم” مشددا على أن الانتماء الحزبي لم يكن وفق روايته، عائقا أمام هذا التواصل أو الاستفادة من المواكبة.

    وأضاف أن هذه العلاقة قامت على “التعاون والتنسيق وخدمة الشأن العام” انطلاقا من اعتبار خدمة المواطنين والدفاع عن المصلحة العامة مسؤولية تتجاوز الحسابات والانتماءات الحزبية.

    واستحضر بادل هذه النقطة ضمن تفسيره للسياق الذي تكونت داخله قناعته بالانتقال إلى الأصالة والمعاصرة، في مقابل انتقاد محدودية التواصل المباشر الذي يقول إنه طبع علاقته بحزبه السابق خلال فترة ترؤسه المجلس الإقليمي لبرشيد.

    المواطنون في قلب قرار الانتقال

    ولم يقدم بادل انتقاله باعتباره قرارا شخصيا فقط، بل ربطه أيضا بموقف القاعدة الانتخابية التي سبق أن منحته أصواتها.

    وأوضح أن القناعة السياسية للمنتخب، في تقديره، لا ينبغي أن تنفصل عن “نبض الشارع ومطالبه المشروعة” مؤكدا أن اختياره حزب الأصالة والمعاصرة تأسس بداية على اقتناعه بمبادئ الحزب وأفكاره ومنهجية عمل قيادته.

    غير أن هذه القناعة، يضيف بادل، تعززت بموقف المواطنين الذين صوتوا عليه، والذين قال إنهم عبروا “صراحة عن رغبتهم في الالتحاق جماعيا بحزب الأصالة والمعاصرة”.

    وأكد أنه استجاب لهذه الرغبة عن قناعة، قائلا إن قراره لا يشوبه “تردد أو شك” ليضع بذلك انتقاله إلى “البام” في سياق مزدوج يجمع، بحسب روايته، بين الاقتناع الشخصي بخط الحزب الجديد وبين توجه جزء من قاعدته الانتخابية نحو الاختيار نفسه.

    ويأتي رد عثمان بادل بعد يوم واحد من بلاغ أصدره المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، عقب اجتماعه أمس الثلاثاء برئاسة محمد شوكي، سجّل فيه الحزب ما وصفه بـ”أساليب الاستمالة والضغوط” التي قال إنها طالت برلمانييه ومنتخبيه وقياداته الترابية، موجها اتهامه مباشرة إلى حزب الأصالة والمعاصرة.

    واعتبر أن تواتر هذه الانتقالات يتجاوز في تقديره، حدود التنافس السياسي الطبيعي ويمس بقواعد المنافسة الديمقراطية وأخلاقيات العمل الحزبي، كما توقف البلاغ بالاسم عند عدد من المنتقلين أو المرشحين باسم “البام” من بينهم عثمان بادل إلى جانب عبد الحي حرطون ومحمد الجماني وزينب السيمو ومنال بادل وبشرى الوردي وعبد الحفيظ المكوتي وعبد القادر الحضوري.

    وأشار إلى أن بعض هذه الأسماء سبق للتجمع أن أعلن ترشيحها للاستحقاقات المقبلة، فيما لا يزال بعضها الآخر يمارس مهاما انتدابية باسمه، واعتبر “الأحرار” أن اختزال التنافس في استقطاب المرشحين، بدل البرامج والمشاريع والحصائل يضر بصورة العمل السياسي، معلنا رفضه لهذه الممارسات واستعداده لسلوك ما يتيحه القانون لحماية تنظيمه ومنتخبيه.

  • “القطرة التي أفاضت الكأس”..  شبعتو يلتحق بـ”البام” بعد أزمة الترافع عن ميدلت

    “القطرة التي أفاضت الكأس”.. شبعتو يلتحق بـ”البام” بعد أزمة الترافع عن ميدلت

    أعلن النائب البرلماني عن إقليم ميدلت مروان شبعتو، إنهاء تجربته السياسية داخل حزب التجمع الوطني للأحرار واختياره مواصلة مساره من داخل حزب الأصالة والمعاصرة، واضعا بذلك حدا لسنوات من الانتماء إلى الحزب الذي يقود الحكومة.

    شبعتو، الذي كشف قراره في بيان موجه إلى الرأي العام، ربط مغادرته بـ”تراكمات” قال إنها مست في نهاية المطاف قدرته بصفته منتخبا، على الترافع عن إقليم ميدلت وخدمة ساكنته، مشيرا بشكل خاص إلى ما اعتبره ضعف الاهتمام الحزبي بالإقليم، ثم واقعة مرتبطة بملف مهنيي الصناعة التقليدية، قال إنها شكلت بالنسبة إليه “القطرة التي أفاضت الكأس”

    وبحسب روايته، لم تأت المغادرة نتيجة خلاف شخصي مع أحد قيادات التجمع الوطني للأحرار، ولا كرد فعل على حادث معزول بل بعد فترة حاول خلالها معالجة الاختلافات داخل التنظيم وتغليب مصلحة الحزب قبل أن يصل إلى قناعة بأن استمرار الوضع لم يعد يسمح له بأداء الدور الذي ينتظره منه ناخبوه.

    ميدلت في قلب أسباب المغادرة

    وضع شبعتو إقليم ميدلت في صلب تفسيره لقرار تغيير انتمائه الحزبي، مؤكدا أنه شعر خلال الفترة الأخيرة بأن الإقليم لا يحظى داخل التجمع الوطني للأحرار بالاهتمام الذي يستحقه، وأن المجهود الذي يبذله منتخبو الحزب ومناضلوه محليا لا يجد، بحسب تعبيره، الصدى نفسه لدى القيادة المركزية.

    ووفق البرلماني، فإن طريقة تعاطي الحزب مع الإقليم الذي يمثله هو مرجع قراره إلى جانب قدرة المنتخب المحلي على الحصول على الدعم السياسي والحكومي الضروري للترافع عن الملفات التي يحملها من الميدان.

    واستحضر شبعتو في هذا السياق، اللقاء الحزبي الأخير الذي احتضنته ميدلت، والذي كان ينتظر أن يشكل وفق بيانه، محطة تنظيمية وسياسية قوية في الإقليم خصوصا في سياق الاستعداد للاستحقاقات المقبلة.

    وقال البرلماني إن رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار حضر اللقاء، وهو حضور أكد أنه يقدره غير أن ما أثار استياءه كان غياب الحضور الحكومي، في وقت انتقل فيه بحسب روايتهعدد كبير من الوزراء والقيادات إلى إقليم آخر وقضوا هناك وقتا أطول.

    وبالنسبة لشبعتو، لم يكن الأمر مجرد تفصيل مرتبط ببرنامج لقاء حزبي أو بتوزيع حضور المسؤولين بين الأنشطة، بل حمل دلالة سياسية بالنسبة إلى المنتخبين والمناضلين الذين يشتغلون محليا ويحاولون إقناع المواطنين بأن حزبهم حاضر إلى جانب الإقليم وقضاياه.

    وقال إن مثل هذه المواقف قد تبدو محدودة عند النظر إليها منفردة لكنها تتحول حين تتكرر إلى تراكم يؤثر في علاقة المنتخب بتنظيمه وفي قدرته على الدفاع عن موقع حزبه أمام المواطنين.

    ورغم ذلك، أكد شبعتو أنه تجاوز ما وقع في اللقاء الحزبي بميدلت مثلما سبق له، حسب روايته، أن تجاوز مواقف أخرى خلال سنوات انتمائه إلى الحزب.

    الصناعة التقليدية.. “القطرة التي أفاضت الكأس”

    غير أن الملف الذي دفع شبعتو إلى اتخاذ القرار النهائي وفق البيان، ارتبط بالصناعة التقليدية في إقليم ميدلت.

    ويقول النائب البرلماني إنه التقى وتواصل مع عدد من المهنيين والفاعلين في القطاع، واستمع إلى المشاكل التي يواجهونها، قبل أن يلتزم أمامهم بالعمل على ترتيب لقاء مع كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية، قصد تمكينهم من عرض مشاكل القطاع بصورة مباشرة والبحث عن حلول لها.

    وبحسب شبعتو، لم يكن تحركه مرتبطا بطلب شخصي أو بمصلحة خاصة، وإنما كان يقوم بدوره بصفته نائبا برلمانيا يحمل ملف فئة من المواطنين وقطاع اقتصادي واجتماعي له حضوره داخل إقليم ميدلت لكن محاولة الوصول إلى المسؤول الحكومي لم تحقق، وفق روايته النتيجة التي كان ينتظرها.

    ويقول شبعتو إن محاولاته للتواصل مع كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية استمرت لأكثر من شهر، من دون أن يتلقى جوابا وهو ما وضعه في موقف وصفه بـ”بالغ الإحراج” أمام المهنيين الذين سبق أن التزم أمامهم بالترافع عن مشاكلهم.

    فبعد أن أخذ على عاتقه نقل الملف إلى المسؤول الحكومي المعني وجد البرلماني نفسه، وفق ما جاء في بيانه، عاجزا عن تقديم جواب للمهنيين، باستثناء إخبارهم بأن اتصالاته لم تلق ردا.

    وحرص شبعتو على الفصل بين الجانب الشخصي والجانب المؤسساتي في الواقعة، مؤكدا أن المشكلة بالنسبة إليه ليست في أن “مروان شبعتو لم يتلق جوابا على الهاتف” وإنما في طبيعة المهمة التي كان يقوم بها حين أجرى تلك الاتصالات.

    وأوضح أن النائب البرلماني حين يتواصل مع مسؤول حكومي حاملا مشاكل مواطنين، فإنه لا يطلب قضاء غرض خاص، معتبرا أن الحد الأدنى الذي يفترض أن يجده المنتخب هو الإنصات إلى الملف، حتى إذا انتهى الأمر بالاعتذار عن عقد اللقاء أو بتأجيله إلى موعد آخر.

    حين يصبح المنتخب عاجزا عن إيصال الملف

    بالنسبة لشبعتو، نقلت واقعة الصناعة التقليدية الأزمة من مستوى العلاقة التنظيمية داخل الحزب إلى سؤال يتعلق بجدوى الموقع السياسي نفسه.

    فالبرلماني وفق ما أورده في بيانه، لا يطالب بمعاملة تفضيلية بسبب صفته النيابية ولا بفتح أبواب خاصة أمامه، لكنه في المقابل يرى أنه لا يستطيع مطالبة المواطنين بالثقة في قدرته على إيصال أصواتهم، ثم يجد نفسه غير قادر على إيصال ملفهم إلى مسؤول حكومي ينتمي إلى الحزب نفسه.

    وهنا حسب روايته، وصل التراكم إلى النقطة التي أصبح معها استمرار التجربة الحزبية محل مراجعة.

    ولخص شبعتو خلفية قراره بالسؤال الذي قال إنه اضطر إلى طرحه على نفسه: “ما قيمة الموقع السياسي إذا لم يساعدك على خدمة الناس الذين وضعوا ثقتهم فيك”

    ومن هذا المنطلق، قدم انتقاله الحزبي باعتباره نتيجة لقناعة مرتبطة بوظيفة العمل السياسي والتمثيل الانتخابي، وليس مجرد تغيير في الموقع التنظيمي.

    مغادرة الأحرار بلا خصومة

    ورغم الانتقادات التي ضمنها بيانه، حرص شبعتو على تأكيد أن مغادرته حزب التجمع الوطني للأحرار لا تعني الدخول في خصومة مع قياداته أو مناضليه.

    وقال إنه يغادر الحزب من دون إنكار للتجربة التي عاشها داخله وللعلاقات التي نسجها خلال سنوات الانتماء إليه، مؤكدا احتفاظه بالاحترام لعدد من قيادات الحزب ومناضليه، وعلى رأسهم رئيس الحزب، ولكل من اشتغل إلى جانبهم خلال هذه المرحلة.

    كما نفى أن يكون القرار وليد لحظة غضب أو خلاف شخصي، مشددا على أنه كان، طوال السنوات الماضية، حريصا على إبقاء الاختلافات داخل “البيت” الحزبي ومعالجتها داخليا، حتى في الفترات التي كانت لديه فيها بحسب تعبيره، “أسباب كثيرة للعتاب”

    من الأحرار إلى الأصالة والمعاصرة

    في المقابل، حسم النائب البرلماني وجهته السياسية الجديدة بإعلانه الانضمام إلى حزب الأصالة والمعاصرة، وقال إنه اختار مواصلة مساره السياسي من داخل “البام” مؤكدا إدراكه لما يحمله هذا الانتقال من مسؤولية وما يترتب عنه سياسيا.

    وقدم شبعتو دخوله إلى الحزب الجديد بوصفه بداية مرحلة يريد من خلالها استعادة ما يعتبره المعنى الأساسي للعمل السياسي بالنسبة إليه، والمتمثل في القرب من ساكنة إقليم ميدلت والحضور في قضاياها والقدرة على الترافع عن مطالبها والدفاع عن مصالحها.

    وفي الوقت نفسه، أكد أنه يدخل التجربة الجديدة من دون التنكر لمساره السابق أو تحويل الخلاف السياسي والتنظيمي إلى خصومة مع الحزب الذي يغادره.

    وشدد البرلماني على أن تجربته السابقة قادته إلى خلاصة مفادها أن المواقع الحزبية ليست دائمة، وأن قيمة الموقع السياسي لا ترتبط باسم الحزب أو بقوته بقدر ما ترتبط بما يوفره للمنتخب من قدرة على خدمة المواطنين الذين منحوه ثقتهم.

  • من بوتاس الخميسات للتحكيم الدولي.. كيف تحول المشروع إلى نزاع بين المغرب و”إميرسون”؟

    من بوتاس الخميسات للتحكيم الدولي.. كيف تحول المشروع إلى نزاع بين المغرب و”إميرسون”؟

    يتجه النزاع التحكيمي بين المغرب وشركة التعدين البريطانية “إميرسون” بشأن مشروع البوتاس في الخميسات إلى الاستمرار حتى سنة 2028، بعدما حددت هيئة التحكيم المكلفة بالملف جدولا زمنيا جديدا للمذكرات والمرافعات، وصولا إلى عقد جلسة استماع في يوليوز من السنة ذاتها.

    وبحسب آخر مستجدات المسطرة المنشورة اليوم الثلاثاء 25 غشت، يتعين على المغرب إيداع مذكرته الجوابية في يناير 2027، على أن تقدم “إميرسون” مذكرتها التعقيبية في أكتوبر من السنة نفسها، قبل أن تودع المملكة مذكرة جوابية إضافية في يناير 2028.

    ومن المرتقب أن تعقد جلسة الاستماع في يوليوز 2028 على مدى عدة أيام، حيث ستتاح للطرفين فرصة عرض دفوعهما القانونية، وتقديم الأدلة واستجواب الخبراء والدفاع عن مواقفهما أمام هيئة التحكيم، غير أن الهيئة لم تحدد موعدا لإصدار الحكم النهائي، الذي سيأتي بعد دراسة المذكرات والوثائق والخبرات المقدمة من الطرفين.

    مطالب بـ1.215  مليار دولار

    يدور النزاع حول مشروع البوتاس بخميسات، الذي تعتبره “إميرسون” أحد أهم أصولها الاستثمارية، إذ ترى الشركة البريطانية أن قرارات اتخذتها السلطات المغربية ألحقت ضررا باستثمارها، وحرمت المشروع من الحماية التي تضمنها معاهدة الاستثمار الثنائية المعمول بها.

    وتستند الشركة إلى مجموعة من الضمانات المرتبطة بحماية الاستثمارات، من بينها الحماية من نزع الملكية والمعاملة العادلة والمنصفة، مطالبة بتعويضات تصل إلى نحو 1.215 مليار دولار عن الأضرار التي تقول إنها لحقت بها.

    منجم في الخميسات ومراهنة على مادة أساسية في الأسمدة

    لفهم أصل القضية، يجب أولا العودة إلى المشروع نفسه، فالبوتاس هو اسم يطلق على مجموعة من أملاح البوتاسيوم التي تستخدم أساسا في صناعة الأسمدة، ويعد عنصرا أساسيا لنمو النباتات، ما يجعل البوتاس مادة استراتيجية بالنسبة إلى الزراعة والصناعات المرتبطة بالأمن الغذائي.

    وهنا جاء رهان “Emmerson”، فمنذ دخولها إلى مشروع الخميسات سنة 2018، قدمت الشركة المشروع باعتباره فرصة لبناء صناعة جديدة للبوتاس في المغرب، اعتمادا على موارد معدنية قالت إنها قادرة على دعم إنتاج صناعي كبير.

    وكان المشروع يتجاوز فكرة استخراج الخام من المنجم، إذ كان التصور يقوم على إقامة منظومة لمعالجة الخام وتحويله إلى منتجات قابلة للتسويق، بما فيها البوتاس، إلى جانب منتجات معدنية وأسمدة أخرى.

    ومع تقدم الدراسات، أصبح المشروع أحد أهم أصول الشركة البريطانية، التي كانت تراهن على تحويله إلى مشروع منجمي وصناعي كبير.

    2021.. رخصة التعدين تفتح الباب

    في فبراير 2021، حصل المشروع على رخصة التعدين، وهو ما شكل تطورا مهما بالنسبة إلى الشركة، لكنه لم يكن آخر محطة قبل بدء الأشغال، لأن الرخصة المنجمية لا تلغي باقي المتطلبات القانونية والتنظيمية، وكان على المشروع أن يحصل أيضا على الموافقة المتعلقة بدراسة التأثير البيئي والاجتماعي.

    وأصبحت الموافقة لاحقا العقدة الأساسية في الملف، إذ كان المشروع يحتاج إلى معالجة كميات كبيرة من الخام، وهي عملية لها آثار مرتبطة بالمياه والمخلفات وطريقة تدبيرها.

    أزمة الماء تدخل على الخط

    خلال 2023، كان الحصول على الموافقة البيئية هو الأولوية الأساسية بالنسبة إلى الشركة البريطانية، لكن المسار لم يسر كما كانت الشركة تتوقع، بعدما واجهت دراسة التأثير البيئي والاجتماعي للمشروع قرارا غير موات من اللجنة الجهوية الموحدة للاستثمار، لتقرر الشركة اللجوء إلى مسار إحالة القرار على اللجنة الوزارية المختصة.

    ولم تتعامل الشركة مع ذلك باعتباره نهاية المشروع، بل حاولت تغيير الطريقة التي سيعالج بها الخام. وفي بداية 2024، كشفت عما سمته Khemisset Multi-Mineral Process، وهي طريقة جديدة قالت إنها تسمح بخفض استهلاك المياه بنحو 50 بالمئة، إلى جانب الاستغناء عن الحاجة إلى التخلص من المحاليل الملحية الناتجة عن المعالجة بالطريقة السابقة.

    وفي مارس 2024، أعلنت الشركة أن اللجنة الوزارية قبلت إحالة الملف من جديد إلى اللجنة الجهوية، ودعتها إلى تحديث دراسة التأثير البيئي وإعادة تقديمها، مع إدخال التحسينات الجديدة على المشروع.

    2024.. نسخة جديدة من المشروع

    في أبريل 2024، أعادت “Emmerson” تقديم دراسة التأثير البيئي والاجتماعي بعد إدخال التعديلات المرتبطة بطريقة المعالجة الجديدة، وكانت الشركة تعتقد أنها اقتربت من تجاوز العقبة التي أوقفت المشروع، بحكم تضمنها تحسينات في استهلاك المياه وتدبير المخلفات، بينما كانت التعديلات التقنية تهدف إلى تقليص البصمة البيئية للمشروع.

    واستمر الانتظار حتى أكتوبر 2024، عندما أعلنت “Emmerson” أن اللجنة الجهوية أصدرت توصية غير مواتية بشأن الموافقة على الدراسة البيئية المحدثة، لتطلب توضيحات بشأن التوصية ومسارها، قبل أن تبدأ في دراسة الخيارات القانونية والتنظيمية المتاحة أمامها.

    من قرار بيئي إلى نزاع استثماري

    بالنسبة إلى الشركة، فقد أصبح الأمر يتعلق باستثمار تقول إنها أنفقت عليه سنوات من العمل والموارد، وأن القرارات التي حالت دون حصوله على الموافقة البيئية عطلت المشروع عمليا.

    وفي بداية نونبر 2024، وبعد حصولها على استشارة قانونية، أعلنت “Emmerson” أنها أبلغت الحكومة المغربية بوجود نزاع استثماري بينها وبين المملكة، كما عينت مكتبا لتمثيلها في المسار القانوني، لتدخل معاهدة الاستثمار بين المغرب والمملكة المتحدة إلى قلب القضية.

    وفي 30 أبريل 2025، تقدمت شركتا “Khemisset UK Ltd” و”Potasse de Khemisset SA” بطلب تحكيم ضد المغرب أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار “CIRDI/ICSID”، وسجل المركز طلب التحكيم رسميا في 23 ماي 2025.

    وتقول الشركة إن المغرب خالف، بحسب ادعائها، عددا من الالتزامات المنصوص عليها في معاهدة الاستثمار المغربية البريطانية، من بينها الحماية من نزع الملكية والمعاملة العادلة والمنصفة والحماية الكاملة للاستثمار.

    وفي مارس 2026، قدمت “Emmerson” مذكرتها الرئيسية في القضية، مرفقة بأدلتها ووثائقها وشهادات وخبرات، وحددت مطالبتها المالية في 1.215 مليار دولار، شاملة الفوائد وصافية من الضرائب المحلية.

    القضية تتجه إلى 2028

    في ماي 2026، تقدم بطلب إجرائي إلى هيئة التحكيم من أجل فصل بعض الاعتراضات المتعلقة باختصاص الهيئة والنظر فيها بشكل أولي، قبل الانتقال إلى جوهر القضية.

    لكن الهيئة رفضت هذا الطلب في يوليوز 2026، وقررت أن تنظر في الاعتراضات المتعلقة بالاختصاص إلى جانب جوهر النزاع، وليس في مرحلة منفصلة.

    وفي آخر تطورات الملف، أعلنت “Emmerson” في 25 غشت 2026 أن هيئة التحكيم حددت الجدول الزمني الكامل للمسطرة، فالمغرب مطالب بتقديم مذكرته المضادة في يناير 2027، ثم تقدم الشركة ردها في أكتوبر من السنة نفسها، على أن يقدم المغرب مذكرته اللاحقة في يناير 2028.

    بعد ذلك، ستعقد جلسة الاستماع الرئيسية بين 17 و26 يوليوز 2028، حيث سيقدم الطرفان مرافعاتهما، وتتم مناقشة الأدلة والاستماع إلى الخبراء والشهود عند الاقتضاء.

  • مغربية سبتة ومليلية تثير قلق الإسبان ومدريد تغير طريقة إدارة أزمة الهجرة

    مغربية سبتة ومليلية تثير قلق الإسبان ومدريد تغير طريقة إدارة أزمة الهجرة

    تواصل تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي بشأن سبتة ومليلية، والتي أعاد فيها تأكيد الموقف المغربي بأن المدينتين ينبغي أن تعودا إلى “حضن الوطن”، تثير الجدل في إسبانيا، في وقت تعيش فيه سبتة أزمة هجرة غير مسبوقة دفعت حكومة بيدرو سانشيز إلى تغيير طريقة تدبير الملف وإقرار قيادة مركزية موحدة تتولى إدارة الأزمة بشكل مباشر.

    وجاءت تصريحات وهبي لتضيف بعدا سياسيا وسياديا إلى أزمة بدأت أساسا بوصفها أزمة هجرة وحدود في 30 يوليوز الماضي، بعدما ربط الوزير المغربي بين دخول عدد كبير من المهاجرين إلى سبتة وبين اقتناع بعضهم بأن المدينة “مغربية”، وهو ما أثار قلقا في مدريد التي جددت التأكيد أن سبتة ومليلية “مدينتان إسبانيتان”.

    وبحسب التصريحات التي أدلى بها وزير العدل المغربي، فإن بعض الشباب الذين حاولوا عبور الحدود كانوا يبررون محاولتهم بالقول إن سبتة مغربية، وقال: “كان بعض الشباب يقولون لنا: نريد الدخول إلى سبتة لأن سبتة مغربية، والدستوري يضمن لنا حرية التنقل فوق التراب الوطني، فكيف كان بإمكاننا أن نمنعهم؟”.

    ولم تتوقف تصريحات المسؤول المغربي عند تفسير سلوك المهاجرين، بل انتقلت إلى تأكيد الموقف السياسي المغربي من المدينتين، مشددا على أن قضية سبتة ومليلية “ستظل موضوع حوار” بين المغرب وإسبانيا، مضيفا أن الرباط ستتمسك بحقها التاريخي والجغرافي في المدينتين.

    المغرب يعيد ملف سبتة ومليلية للواجهة ومدريد ترد

    التصريحات المغربية قوبلت برد إسباني واضح، إذ أكدت وزارة الخارجية، وفي ما نقلته صحيفة “ABC” الإسبانية مساء يوم أمس الإثنين، رفضها لأي تشكيك في الوضع القانوني والسيادي لسبتة ومليلية.

    ونقلت المصادر الحكومية الإسبانية موقفا حازما مفاده أن المدينتين “إسبانيتان” وأنهما تشكلان جزءا من الدولة الإسبانية.

    وشددت مصادر وزارة الخارجية، التي يقودها خوسيه مانويل ألباريس، على أن إسبانيا “ترفض وسترفض بشكل قاطع أي طرح مختلف بشأن سبتة ومليلية”.

    ويعكس الرد الإسباني حساسية استثنائية تجاه أي ربط بين أزمة الهجرة الأخيرة ومسألة السيادة على المدينتين، خصوصا أن سبتة باتت خلال الأسابيع الماضية مركز أزمة سياسية وأمنية وإنسانية واسعة النطاق، بعد دخول عشرات الآلاف من المهاجرين في وقت قصير.

    وتنظر مدريد إلى التصريحات المغربية باعتبارها عاملا إضافيا يزيد تعقيد الأزمة، لكونها تنقل النقاش من إدارة الحدود واستقبال المهاجرين وإعادتهم إلى المغرب، إلى مستوى أكثر حساسية يتعلق بالسيادة والوحدة الترابية، وفق ما أكدته تقارير إسبانية.

    أزمة الهجرة تضغط على حكومة سانشيز

    ويتزامن التوتر مع المغرب مع ضغوط داخلية قوية على حكومة بيدرو سانشيز، التي تعرضت طوال نحو شهر لانتقادات حادة بسبب طريقة تعاملها مع أزمة سبتة المحتلة.

    وبعد مرور قرابة شهر على اندلاع الأزمة، ما يزال آلاف المهاجرين موجودين في شوارع الثغر المغربي المحتل من دون مراكز إيواء كافية، بينما تواجه السلطات صعوبات في تحديد أعدادهم بدقة وفي تسجيل هوياتهم وبدء الإجراءات القانونية الخاصة بكل حالة.

    وبحسب المعطيات الواردة في التقارير الإسبانية، دخل نحو 80 ألف مهاجر إلى سبتة خلال الأزمة، وهو رقم يقارب عدد سكان المدينة نفسها، غير أن 95 بالمئة منهم طوعا إلى المغرب، بينما بقي آلاف آخرون داخل المدينة.

    وتشير التقديرات، حسب تقارير محلية، إلى وجود نحو خمسة آلاف شخص لا يرغبون في مغادرة سبتة، بينما لم تتمكن السلطات حتى الآن إلا من توفير أماكن لإيواء نحو 1800 شخص.

    أما القاصرون، فتقول الحكومة الإسبانية إن نحو 2900 منهم أصبحوا تحت المراقبة وتم إيواؤهم، في حين تظل مشكلة البالغين أكثر تعقيدا بسبب ضرورة تسجيل كل شخص على حدة، وفتح ملف قانوني فردي قبل اتخاذ أي إجراء محتمل للترحيل.

    من التنسيق المشترك إلى “القيادة الموحدة”

    وقرر رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، تغيير الاستراتيجية التي تبنتها حكومته منذ بداية الأزمة، أمام تصاعد الانتقادات واستمرار حالة الفوضى.

    وبعد أسابيع من رفض فكرة إنشاء “قيادة مركزية موحدة” لإدارة أزمة سبتة، على أساس أنها غير ضرورية، قررت الحكومة في نهاية المطاف القبول بالخيار الذي كان يطالب به رئيس حكومة سبتة خوان خيسوس فيفاس وحزب الشعب المعارض.

    ووفق ما كشفته “إل باييس” صباح اليوم الثلاثاء، فيعني القرار عمليا انتقال جزء كبير من إدارة الأزمة إلى الحكومة المركزية، بدل استمرار النموذج السابق الذي كانت فيه مدريد وسلطات سبتة تديران الملف بشكل مشترك، مع احتفاظ كل طرف بصلاحياته.

    وسيترأس القيادة الجديدة وزير السياسة الإقليمية أنخيل فيكتور توريس، الرئيس السابق لحكومة جزر الكناري، الذي كلفه سانشيز بمهمة تنسيق الملف والإشراف المباشر على إدارة الأزمة.

    ومن المنتظر أن تشمل القيادة الجديدة ممثلين عن حكومة سبتة، ومندوب الحكومة المركزية، والوزارات المعنية، إضافة إلى المركز الوطني للاستخبارات الإسباني.

    ورغم المطالب المتكررة لإحداث قيادة موحدة، واستجابة سانشيز للأمر، فقد جر عليه القرار انتقادات المعارضة، إذ تنظر إلى الخطوة باعتبارها تراجعا واضحا من الحكومة، خصوصا أن حزب الشعب طالب منذ بداية الأزمة بإنشاء قيادة موحدة.

    وسارع زعيم الحزب ألبرتو نونييث فييخو إلى استثمار القرار سياسيا، معتبرا أن الحكومة أقرت متأخرة بصحة موقف حزبه.

    وفي المقابل، تحاول الحكومة تقديم القرار باعتباره استجابة لانتقال الأزمة إلى مرحلة جديدة تتطلب تنسيقا أوسع بين مؤسسات الدولة.

    وقال نائب رئيس الحكومة كارلوس كويربو إن الوضع تجاوز البعد الأمني، وإن تنسيق عمل الإدارات المختلفة أصبح أكثر أهمية، وهو ما يبرر إنشاء قيادة موحدة.

    سبتة تضغط لتسريع إعادة المهاجرين والقاصرين

    بدوره، صعد رئيس حكومة سبتة خوان خيسوس فيفاس، لهجته تجاه مدريد، متهما إياها بعدم تقديم الدعم الكافي، بعدما كان بدوره من أبرز المطالبين بإنشاء قيادة موحدة، كما وضع تسريع إعادة المهاجرين إلى المغرب في مقدمة أولوياته.

    وردت الحكومة الإسبانية على هذه الانتقادات بالتأكيد أن الدولة ستكون حاضرة بقوة في سبتة، إذ كويربو خلال زيارته للمدينة إن سبتة، رغم كونها منطقة حدودية، يجب أن تشعر بحضور الدولة بالطريقة نفسها التي يشعر بها المواطنون في شبه الجزيرة الإيبيرية.

    وتعهد بأن تساهم القيادة الموحدة في تسريع عمليات إعادة البالغين وفي تحسين إدارة ملف القاصرين، إلى جانب تعزيز الحدود لمنع تكرار أزمة مماثلة.

    المغرب يدافع عن طريقة إدارته للأزمة

    في المقابل، يرفض المغرب الانتقادات التي تحمله مسؤولية السماح بتدفق المهاجرين باتجاه سبتة، معتبرا أن تجنب المواجهة المباشرة مع الشباب والمراهقين الذين حاولوا الوصول إلى المدينة حال دون سقوط عدد كبير من الضحايا.

    وقال وهبي في تصريحات سابقة إن الدخول في مواجهة مباشرة كان يمكن أن يؤدي إلى وقوع ضحايا بين الشباب المغاربة، ولذلك اختارت السلطات إدارة الأزمة “بذكاء وهدوء ومسؤولية”.

    وأضاف أن السلطات حاولت منع المهاجرين من العبور عند وصولهم إلى الحدود، لكن بعضهم توجه بعد ذلك نحو البحر.

    وطالبت الرباط إسبانيا بإعادة المهاجرين الناجين إلى المغرب وتسليم جثامين الذين لقوا مصرعهم خلال محاولات العبور، وطالبت بتعاون أوسع بين البلدين في إدارة ملف الهجرة.

    سبتة الرابح الأكبر

    وإلى جانب الإجراءات الأمنية والإدارية، تستعد الحكومة الإسبانية لضخ أموال إضافية في اقتصاد سبتة، الذي تضرر بشدة بسبب الأزمة.

    وتقول مدريد إن هناك بالفعل خطة بقيمة 180 مليون يورو قيد التنفيذ، لكنها ترى أن الظروف الحالية تتطلب موارد إضافية وإجراءات استثنائية.

    وتشمل الخطط المرتقبة تعزيز الأمن الحضري، ودعم الخدمات العامة، وتحسين ظروف الشركات والعاملين لحسابهم الخاص والعمال، إلى جانب توفير موارد إضافية لإدارة ملف المهاجرين.

    غير أن حكومة بيدرو سانشيز، ترى أن أزمة سبتة تشكل اختبارا بالغ الحساسية، لأنها تضرب مباشرة في واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل في إسبانيا وأوروبا: الهجرة.

    وقد سمح استمرار الفوضى للمعارضة اليمينية بتوجيه انتقادات قوية إلى الحكومة واتهامها بالعجز عن حماية الحدود وإدارة تدفقات الهجرة.

    وفي الوقت نفسه، يزيد البعد المغربي للأزمة من الضغوط على سانشيز، لأن حكومته مطالبة بالحفاظ على التعاون مع الرباط في قضايا الهجرة والأمن، في وقت تتسمك المملكة بحقها التاريخي والجغرافي في سبتة ومليلية.

  • سبتة تحضر في ليلة المولد.. التوفيق يستحضر أمام الملك إرث القاضي عياض والعزفي

    سبتة تحضر في ليلة المولد.. التوفيق يستحضر أمام الملك إرث القاضي عياض والعزفي

    ترأس أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، مرفوقا بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، وصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وصاحب السمو الأمير مولاي أحمد، اليوم الإثنين 11 ربيع الأول 1448 هـ الموافق لـ 24 غشت 2026 مـ، بالقصر الملكي بالرباط، حفلا دينيا إحياء لليلة المولد النبوي الشريف.

    وخلال هذا الحفل الديني، الذي تميز بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم وإنشاد أمداح نبوية شريفة، ألقى وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، عرضا بين يدي جلالة الملك، حول التقرير السنوي لحصيلة أنشطة المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية.

    وقال التوفيق، في كلمته، إن صاحب الجلالة، بصفته أميرا للمؤمنين، كان قد تفضل بمناسبة إحياء ذكرى المولد في العام الماضي، بتوجيه المجلس العلمي الأعلى من أجل القيام بما يليق من التذكير والتنوير، برسم الاحتفلال بمرور 15 قرنا على ميلاد الرسول الأكرم، عليه أفضل الصلاة والسلام.

    وأوضح السيد التوفيق أن السنة حفلت على امتدادها بمجالس الابتهال والتعليم، “فنسأل الله الحميد المجيد، أن يضيف ما تنزل في تلك المجالس من فيوض الرحمة في سجل مبرات جلالتكم وأن يضاعف بها الأجر في صحيفتكم”.

    وأكد الوزير أن تعلق الأمة المغربية بالجناب النبوي المنيف له تجليان، تجل سياسي وتجل عاطفي ولكليهما سند شرعي، فأما التجلي السياسي فهو إسناد إمامتهم العظمى للشرفاء من عطرة الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، وذلك على البيعة لحفظ الأرض والثوابت وضمان التحكيم العادل بين مكونات الأمة.

    أما التجلي العاطفي، يضيف التوفيق، فيتمثل في تبريزهم من بين جميع المسلمين في كل العصور في ذكر المقامات المصطفوية بدءا بكتاب “الشفا” للقاضي عياض ومرورا بكتاب “الدر المنظم” للعزفي، وكلا العالمين من مدينة سبتة، ووصولا إلى كتاب “دلائل الخيرات” للإمام الجزولي، وكان هذا الكتاب شعار المغاربة في تعبئتهم لتحرير المدن المحتلة على المحيط الأطلسي في بداية العصر الحديث.

    وتابع الوزير قائلا إن الأمة المغربية المجبولة على اللجوء إلى حمى رسول الله بالاتباع برهانا على المحبة، تشهد اليوم أن علماءها، وهم يستحضرون قوله صلى الله عليه وسلم “ألا هل بلغت”، يعملون ضمن خطة “تسديد التبليغ” على إقناع الناس بكل وضوح وبساطة، بأن التوحيد الذي دار عليه القرآن الكريم وتبليغ النبي الأمين، هو المتمثل في التحرر الخلقي من الأنانية الفردية والجماعية، تحررا يتيسر به الإصلاح العملي للتدين.

    إثر ذلك، قدم وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية لجلالة الملك، نسخة من كتاب “ذخيرة المحتاج في الصلاة على صاحب اللواء والتاج”، الذي قامت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بطبعه ونشره بالاعتماد على عشرات المخطوطات في المكتبات الملكية والعامة والخاصة في المغرب وفي الخارج.

    ويأتي هذا النشر عملا بتوجيهات أمير المؤمنين، حفظه الله، الذي دعا في العام الماضي، في رسالة إلى المجلس العلمي الأعلى، إلى إحياء ذكرى مرور خمسة عشر قرنا قمريا على ميلاد الرسول الأكرم عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، على أن يكون ضمن فعاليات هذا الإحياء نشر عناوين من تراث المغاربة في ذكر الصلاة على النبي وما كان لعلماء المغرب فيها من التبريز.

    حضر هذا الحفل الديني رئيس الحكومة، ورئيسا غرفتي البرلمان، ومستشارو صاحب الجلالة، وأعضاء الحكومة، ورؤساء الهيئات الدستورية، وكبار ضباط القيادة العليا للقوات المسلحة الملكية، وأعضاء السلك الدبلوماسي الإسلامي المعتمد بالرباط، والعديد من العلماء وشخصيات أخرى مدنية وعسكرية.

    ويأتي إحياء أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أيده الله، لهذه الليلة المباركة اقتداء بسنة أسلافه المنعمين الذين دأبوا على الاحتفاء بذكرى مولد جدهم المصطفى عليه أزكى الصلاة والسلام، الذي شكل ميلاده مولد أمة كانت وستظل خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فهو الرسول الأمين خاتم الأنبياء والمرسلين الذي أشرقت بمولده الدنيا وامتلأت نورا وهداية، بفضل ما تضمنته الرسالة المحمدية من ترسيخ لقيم العدل والمساواة والاعتدال والدعوة إلى العمل الصالح والتسامح بين البشر والتعايش بين مختلف الأديان والثقافات، حتى يعم الرخاء والسلم بين الناس أجمعين.

  • تتغير الحكومات وتتعثر الملفات.. وسيط المملكة يحذر من كلفة إعادة الهيكلة

    تتغير الحكومات وتتعثر الملفات.. وسيط المملكة يحذر من كلفة إعادة الهيكلة

    وضعت مؤسسة وسيط المملكة، على بُعد أسابيع من الاستحقاقات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر المقبل، ملف إصلاح الإدارة واستمرارية المرفق العام في صلب النقاش الانتخابي، محذرة من أن تغير الهيكلة الحكومية وانتقال الاختصاصات والملفات بين القطاعات قد يربكان معالجة التظلمات ويؤخرا الخدمات، ويتركا المرتفق أمام تعدد المخاطبين وصعوبة تحديد الجهة المسؤولة.

    وجاء ذلك، في مذكرة يقظة بعنوان “سياسات الإصلاح الإداري والحاجة لحوار عمومي واسع وتموقع حكومي واضح” نقلت المؤسسة النقاش من شكل الحكومة المقبلة وتوزيع حقائبها إلى أثر هذه الهندسة على المرتفق نفسه، محذرة من أن تغيير البنيات الحكومية لا يمر دائما من دون كلفة إدارية، ففي الفترات الانتقالية، قد تصبح ملفات في طور المعالجة عالقة بين اختصاص انتهى وآخر لم يترسخ بعد، فيما يجد المواطن نفسه أمام إدارة تغير مخاطبوها ومساراتها، من دون أن تتغير حاجته إلى الخدمة أو حقه في جواب داخل أجل معقول.

    المذكرة، التي استندت إلى ما ترصده المؤسسة من تظلمات وإلى الأنماط المتكررة في علاقة المرتفق بالإدارة، تدفع في اتجاه إعادة وضع إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية في قلب النقاش السياسي والبرامجي، باعتباره ملفا قائما بذاته يحتاج إلى قيادة حكومية واضحة ومرجعية موحدة، لا مجرد أوراش موزعة بين قطاعات ومصالح متعددة.

    والرسالة الأساسية التي تحملها المؤسسة إلى الفاعلين السياسيين، قبيل الانتخابات، تتجاوز المطالبة باستمرار الإصلاح الإداري. إنها تدعو إلى ضمان ألا يدفع المواطن كلفة الانتقال من حكومة إلى أخرى، وألا تتحول إعادة توزيع الحقائب والاختصاصات إلى انقطاع في الذاكرة الإدارية أو تعطيل للملفات أو ضياع للمسؤولية بين أكثر من جهة.

    حين تتغير الحكومة.. من يتولى الملفات العالقة؟

    وضعت مؤسسة وسيط المملكة يدها على مرحلة دقيقة تلي عادة تشكيل الحكومات الجديدة وهي الفترة الفاصلة بين الإعلان عن التشكيلة الحكومية وترسيم اختصاصات القطاعات، ثم ما يرافق إعادة توزيع المهام من انتقال للملفات والمسؤوليات بين الوزارات والإدارات.

    وأفادت المذكرة بأن تقارير المؤسسة أظهرت أن “تغير الهيكلة الحكومية يفرز في حالات متعددة صعوبات عملية على مستوى تحديد الاختصاصات والصلاحيات”، خصوصا عندما يعاد توزيع الملفات بين قطاع وزاري وآخر أو عندما تكون ملفات معينة قد قطعت بالفعل مراحل من المعالجة قبل أن تنتقل إلى جهة إدارية جديدة.

    المشكلة هنا، لا تتعلق بالتنظيم الحكومي في حد ذاته إذ يظل من صلاحيات كل حكومة أن تختار الهندسة التي تراها ملائمة لتنفيذ برنامجها، وإنما بما يحدث للملفات أثناء هذا الانتقال، فالمواطن الذي وضع طلبا أو تظلما وتعامل مع إدارة محددة قبل إعادة الهيكلة لا يفترض، من منظور استمرارية المرفق أن يبدأ المسار من جديد لمجرد تغير الخريطة الحكومية، كما أن الالتزامات التي قطعتها الإدارة قبل إعادة توزيع الاختصاصات لا يفترض أن تفقد أثرها بمجرد انتقال الملف إلى قطاع آخر.

    غير أن التجربة التي ترصدها المؤسسة تكشف عن صعوبات فعلية في هذه المرحلة، تمتد من تحديد الإدارة التي أصبحت مختصة إلى استرجاع المعطيات والوثائق والملفات التي كانت تعالجها الجهة السابقة.

    ملفات بين إدارتين.. وفجوة يدفع ثمنها المرتفق

    بحسب مذكرة اليقظة، فإن إعادة توزيع الاختصاصات أو انتقال الملفات بين هياكل إدارية متغيرة قد يخلق “فجوة عملية بين من كان يتولى الموضوع سابقا ومن أصبح مختصا به لاحقا”.

    وتفصل المؤسسة بعض مظاهر هذه الفجوة بما فيها انتظار المعطيات، وإعادة ترتيب المصالح ومراجعة الاختصاصات والبحث عن الأرشيف الإداري.

    قد تبدو هذه العمليات تقنية وداخلية، لكنها بالنسبة إلى المواطن تترجم إلى شيء أكثر بساطة بملف لا يتحرك، جواب يتأخر، إدارة تحيل على أخرى، أو تظلم يصعب تحديد الجهة التي أصبحت مطالبة بمعالجته.

    وتشير المؤسسة إلى أن هذه الوضعية تؤثر كذلك في عملها، إذ يصبح تحديد “المخاطب الدائم للمؤسسة بشأن بعض التظلمات” أكثر صعوبة فضلا عن تأثير إعادة الهيكلة في الوفاء بالتعهدات والالتزامات السابقة.

    وبذلك، لا يبقى أثر إعادة التنظيم محصورا داخل الإدارة، بل ينتقل مباشرة إلى المرتفق وإلى المؤسسات التي تتولى الوساطة بينه وبين المرفق العام.

    وتخلص مذكرة الوسيط إلى أن هذه التعثرات “تنتهي غالبا إلى إبطاء تصريف الملفات وتأخير معالجة التظلمات” وهو ما يجعل مسألة الانتقال المؤسسي جزءا من جودة الخدمة العمومية، وليس مجرد شأن تنظيمي داخلي.

    إصلاح الإدارة.. ملف بلا قيادة واضحة؟

    تذهب المؤسسة أبعد من تشخيص المشاكل التي تظهر عند تغيير الحكومات، لتطرح سؤال موقع إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية نفسه داخل البناء الحكومي وتعتبر أن ضعف إبراز هذا الورش داخل الهندسة الحكومية ينتج أثرا مزدوجا.

    الأول داخلي، يتعلق بقيادة الإصلاح نفسه ومدى انسجام وتناسق برامجه، فعندما تتوزع مكونات الإصلاح بين أكثر من جهة أو لا تكون مرجعيته الحكومية واضحة بما يكفي، تصبح القدرة على قيادة التحول الإداري وضمان استمراريته أكثر تعقيدا.

    أما الأثر الثاني، فهو خارجي ويصيب المواطن مباشرة، فالمرتفق بحسب المذكرة، قد يجد نفسه أمام مسارات مشتتة أو مخاطبين متعددين، أو إجراءات متقدمة في واجهتها فيما تحتاج خلفيتها إلى تبسيط وتعليل وتحديد مسؤولية“.

    وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة في ظل توسع رقمنة الخدمات العمومية، فإتاحة خدمة عبر منصة أو واجهة إلكترونية لا تعني بالضرورة أن المسطرة الإدارية التي تقف خلفها أصبحت أبسط، ولا أن المسؤوليات والآجال وقنوات التظلم أصبحت أكثر وضوحا.

    إدارة لا تبدأ من الصفر مع كل حكومة

    من بين أهم ما تطرحه المذكرة مسألة استمرارية الإدارة عند تغير المسؤوليات والهياكل، فمؤسسة وسيط المملكة ترى استنادا إلى التظلمات التي تتوصل بها والاختلالات المتكررة التي ترصدها، أن إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية يحتاج إلى “بنية حكومية واضحة ومتميزة” وأن استقرار هذا التموقع يخدم قبل كل شيء مصلحة المرتفق.

    ذلك، أن ما ينتظره المواطن من الإدارة وفق التصور الذي تدافع عنه المؤسسة، لا يرتبط باسم الوزير أو شكل القطاع الحكومي، بل بثوابت أكثر مباشرة، خدمة مستمرة، ومسار واضح، وجهة مسؤولة، وجواب داخل أجل معقول.

    وتعني هذه المقاربة، عمليا، أن إعادة تشكيل الحكومة أو دمج قطاع في آخر أو فصل اختصاص عن وزارة وإسناده إلى أخرى يجب ألا يؤدي إلى قطع المسار الذي بدأه المرتفق مع الإدارة.

    ولهذا تدعو المذكرة إلى توفير آليات واضحة تضمن الانتقال المؤسسي واستمرارية البرامج، بما يسمح بنقل الملفات والمعطيات والالتزامات بين الهياكل المتعاقبة من دون أن يتحول التغيير الحكومي إلى نقطة انقطاع في معالجة حقوق المواطنين وطلباتهم.

    وتطالب المؤسسة، في هذا السياق، بدعم موقع إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية داخل البناء الحكومي من خلال قيادة واضحة، ومرجعية موحدة، ومؤشرات لقياس الأثر، وآليات تضمن الانتقال المؤسسي واستمرارية البرامج، وصلات منتظمة بمنظومة الوساطة واليقظة المرفقية.

    قبل انتخابات شتنبر.. الإدارة تدخل البرامج الانتخابية

    لا تخاطب مذكرة الوسيط الحكومة وحدها، بل تتجه أيضا إلى النقاش السياسي السابق للانتخابات، داعية بصورة واضحة إلى جعل إصلاح الإدارة جزءا من البرامج الانتخابية المقبلة.

    وتنطلق المؤسسة من اعتبار بسيط في ظاهره لكنه مركزي في علاقة المواطن بالدولة “المواطن يختبر السياسات العمومية من خلال المرفق قبل أن يختبرها من خلال الوثيقة البرنامجية”

    فالسياسة الصحية، بالنسبة إلى المرتفق، لا تقاس فقط بما تتضمنه البرامج والاستراتيجيات من أهداف، بل بما يواجهه عند طلب العلاج وينطبق الأمر نفسه على التعليم والسكن والماء والاستثمار والحماية الاجتماعية.

    وتقول المذكرة إن هذه الحقوق تتحول إلى تجربة فعلية عندما يجد المواطن أمامه “إدارة قادرة على التوجيه، والتجاوب، والتعليل، وتدبير الآجال، وتصحيح الاختلالات”.

    وأصبح إصلاح الإدارة شرطا لتنزيل سياسات قطاعات أخرى، فحتى عندما تتوفر البرامج والتمويلات والنصوص القانونية تظل الإدارة هي الحلقة التي يمر عبرها المواطن للوصول إلى الخدمة أو الحق، ولهذا ترى المؤسسة أن اقتراب محطة انتخابية جديدة يفرض على البرامج الانتخابية تقديم تصور متكامل للإدارة التي تريد الأحزاب بناءها، وليس الاكتفاء بعرض المشاريع القطاعية الكبرى.

    من “سنُحسن الخدمات” إلى أرقام يمكن محاسبة الحكومة عليها

    أحد أكثر المقترحات دلالة في المذكرة يتعلق بطريقة قياس إصلاح الإدارة، فبدل الاكتفاء بتعداد المشاريع والمنصات والواجهات والإجراءات التي جرى إطلاقها، يدعو وسيط المملكة إلى بناء منظومة مؤشرات تقيس تجربة المرتفق نفسها.

    وتحدد المذكرة مجالات أساسية لهذا القياس تشمل الولوج إلى الخدمة والاستجابة والجودة والإنصاف وفعالية التظلم.

    وتطالب المؤسسة بأن تنتقل البرامج الحكومية والانتخابية من الوعود العامة إلى التزامات قابلة للتتبع.

    وتقدم المذكرة أمثلة دقيقة لما يمكن أن تخضع له الحكومة للقياس، في مقدمتها ضبط آجال الجواب ونسبة المساطر المبسطة وجودة الاستقبال وفعالية قنوات التظلم ووضوح المسؤوليات بين المركز والمصالح اللاممركزة.

    وتضيف إليها مؤشرا آخر لا يقل أهمية مدى تجاوب الإدارات مع توصيات المؤسسات المعنية بحماية الحقوق في العلاقة مع المرفق، وبذلك يصبح ممكنا وفق هذا التصور، تقييم حصيلة الحكومة في الإدارة استنادا إلى نتائج ملموسة يعيشها المواطن، بدلا من الاكتفاء بحصر عدد الأوراش التي أطلقتها.

    وكشفت مذكرة وسيط المملكة في جوهرها، عن محاولة لتغيير المعيار الذي يُقاس به نجاح الإصلاح الإداري فبدل أن يكون الإصلاح عملية تنظر إليها الإدارة من داخلها، تقترح المؤسسة قياسه من موقع الشخص الموجود أمام شباكها أو منصتها أو مسطرتها.

    فإصلاح الإدارة في منظور المؤسسة، أبعد من أن يكون ملفا منفصلا عن السياسة، فالانتخابات قد تغير الأغلبية والحكومة والوزراء والهندسة الحكومية، لكن المرفق العام مطالب بالاستمرار، والملف الإداري لا يفترض أن يعود إلى نقطة البداية في كل مرة يعاد فيها رسم حدود القطاعات الوزارية.

    وقبل أسابيع من استحقاقات 23 شتنبر، وضعت مذكرة اليقظة هذا الملف أمام الأحزاب والحكومة المقبلة، إدارة بمرجعية حكومية واضحة، وانتقال مؤسسي لا يضيع الملفات، وبرامج قابلة للقياس من زاوية المواطن، وخدمات لا تتعطل بتغير المسؤوليات.

  • الاعتداء على صحفي إسباني بسبب مظهره “المغربي”.. تقرير يكشف الكراهية والتمييز ومأساة المهاجرين بسبتة

    الاعتداء على صحفي إسباني بسبب مظهره “المغربي”.. تقرير يكشف الكراهية والتمييز ومأساة المهاجرين بسبتة

    رصد المجلس المدني لمناهضة جميع أشكال التمييز استمرار وضع متباين في مدينة سبتة، خلال الفترة الممتدة من ظهر 17 غشت الجاري إلى مساء 21 من الشهر ذاته (أول أمس الجمعة)، إذ تزامن نقل مئات المهاجرين غير النظاميين من أماكن الإقامة الهشة مع تصاعد خطابات الكراهية والوصم، وظهور ممارسات أثارت مخاوف مرتبطة بالتمييز والحق في الخصوصية.

    وأفاد المجلس، في “نقطة اليقظة رقم 9” الصادرة عن معهد بروميثيوس للديمقراطية وحقوق الإنسان، بأن السلطات الإسبانية شرعت في اتخاذ تدابير لإخراج عدد من الأشخاص من الظروف الصعبة التي كانوا يعيشون فيها في شاطئ “ترامبولين”، غير أن المناخ العام ظل مشحونا بخطابات معادية للهجرة، إلى جانب تسجيل وقائع مرتبطة باستهداف أشخاص بناء على مظهرهم أو أصلهم المفترض.

    تصاعد الخطاب المعادي للهجرة

    ووفق التقرير، أظهر رصد منصات التواصل الاجتماعي انتشارا متزايدا لمضامين تقدم المهاجرين باعتبارهم مصدر تهديد للمجتمع المستقبِل، مشيرا إلى أن من بين العبارات المتداولة جملة منسوبة إلى المستشار السياسي الأمريكي ستيفن ميلر، مفادها أنه “إذا استوردت العالم الثالث، فإنك تتحول إلى العالم الثالث”.

    واعتبر المجلس أن تداول هذه العبارة في سياق أحداث سبتة يتجاوز انتقاد السياسات العمومية المتعلقة بالهجرة، إذ يربط وجود أشخاص قادمين من دول مصنفة ضمن “العالم الثالث” بتدهور المجتمع المستقبِل.

    وحذر التقرير من أن هذا النوع من الخطاب يرسخ تقابلا بين “نحن” التي يجري تقديمها باعتبارها متقدمة وشرعية، و”هم” التي تُصوَّر على أنها مصدر للتراجع، بما يساهم في تجريد المهاجرين من إنسانيتهم وتحويل وجودهم إلى تهديد مفترض.

    ونبه أيضا إلى خطورة تطبيع هذا الخطاب، خصوصا عندما تعيد نشره أو تضخمه حسابات تحظى بمتابعة واسعة، لما لذلك من أثر في إضفاء المشروعية على المضامين التمييزية وتعميق التوتر بين السكان.

    الاعتداء على صحفي بسبب مظهره “المغربي”

    وتوقف التقرير عند واقعة الاعتداء على صحفي يعمل في منبر “إل بويبلو دي سبتة”، الإثنين الماضي، أثناء تغطيته احتجاجا تزامن مع زيارة وزيرة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة الإسبانية، إلما سايز.

    ونقلا عن معطيات نشرتها وسائل إعلام، قال المجلس إن أحد المشاركين في الاحتجاج ظن أن الصحفي مهاجرا مغربيا، وطالبه بـ”العودة إلى بلده”، قبل أن يوجه إليه ضربة أدت إلى سقوط معداته.

    واعتبر التقرير أن استهداف الصحفي، رغم وجود مهنيين آخرين في المكان، يبرز كيف يمكن للمظهر الجسدي أو الأصل والدين المفترضين أن تؤدي إلى تصنيف شخص باعتباره مهاجرا، بصرف النظر عن جنسيته أو وضعه الحقيقي أو انتمائه إلى المجتمع المحلي.

    مهاجرون ممنوعون من دخول المتاجر

    ورصد المجلس، يومي 20 و21 غشت، وقوف أشخاص من أصول مغربية ممن عبروا إلى سبتة في طوابير طويلة أمام عدد من المتاجر، مع فرض قيود على دخولهم لشراء المواد الغذائية.

    ودعا إلى التمييز بين الإجراءات العامة لتنظيم تدفق الزبائن، التي قد تستند إلى اعتبارات موضوعية مرتبطة بالأمن أو الاكتظاظ، وبين الممارسات التي تحد من دخول الأشخاص بسبب أصلهم أو جنسيتهم أو وضعهم المفترض في مجال الهجرة.

    وأكد ضرورة مواصلة توثيق هذه الحالات لتحديد طبيعة القيود ومبرراتها، وما إذا كانت تطبق على الجميع أو تستهدف فئات بعينها.

    نقل المهاجرين بلا ضمانات

    وفي الجانب الإنساني، وصف التقرير شروع السلطات، يوم 20 غشت الجاري، في نقل الأشخاص المقيمين بشاطئ “ترامبولين” إلى مرافق استقبال مؤقتة، بأنه تطور إيجابي من حيث المبدأ.

    وتشير المعطيات إلى نقل أكثر من 1200 شخص نحو مواقع من بينها “لوما مارغاريتا” ومنطقة الاستقبال في “لوما كولمينار”، فيما تحدثت مصادر أخرى عن أعداد أكبر تبعا لطريقة احتساب المستفيدين.

    وأكد المجلس المدني الإسباني لمناهضة جميع أشكال التمييز أن النقل ينبغي أن يقترن بضمانات فعلية تشمل الأمن والإيواء والتغذية والرعاية الصحية والوصول إلى المعلومات، إلى جانب توفير حماية خاصة للنساء والأطفال والقاصرين غير المصحوبين وغيرهم من الأشخاص في أوضاع هشة.

    ولاحظ التقرير أن عودة بعض الأشخاص إلى الشاطئ بعد عمليات النقل، وتنظيمهم احتجاجا في وقت لاحق، تظهر أن تغيير مكان وجودهم لا يشكل بمفرده حلا مستداما.

    وطالب السلطات بنشر بيانات مفصلة ومجهلة الهوية حول أعداد المنقولين، وتوزيعهم حسب الجنس والعمر والجنسية، وأعداد القاصرين غير المصحوبين، والحالات التي تحتاج إلى رعاية طبية، والراغبين في تقديم طلبات اللجوء أو الاستفادة من أشكال أخرى للحماية.

    احتجاجات ضد المهاجرين

    وأثارت إقامة مركز استقبال في “لوما كولمينار” احتجاجات شارك فيها بعض سكان الحي، رافعين شعار “نحن مواطنون من الدرجة الثانية”.

    وقال المجلس إن للسكان الحق في التعبير سلميا عن مخاوفهم المتعلقة بالخدمات العمومية والأمن وظروف العيش، لكنه شدد على أن هذه المخاوف لا ينبغي أن تتحول إلى ترهيب أو تمييز أو تهديد لسلامة الأشخاص المستقبَلين.

    ودعا السلطات إلى تعزيز التدابير الأمنية والوقائية حول مراكز الإيواء، مع إيلاء اهتمام خاص لسلامة النساء والأطفال، وفتح حوار منظم مع سكان الأحياء المعنية للحيلولة دون تحول المخاوف المحلية إلى وصم أو رفض للمهاجرين.

    تساؤلات حول دفن جثامين مجهولة الهوية

    وأثار التقرير تساؤلات بشأن المعايير المعتمدة من طرف السلطات الإسبانية لتحديد ديانة الأشخاص المتوفين خلال محاولات العبور، بعدما بدأت السلطات الإسبانية، في 21 غشت، التحضير لدفن غالبية الجثامين في المقبرة الإسلامية “سيدي امبارك”.

    وأورد المجلس، استنادا إلى مصادر إعلامية، أن 76 جثمانا مجهول الهوية كانت ضمن الجثامين المقرر دفنها، في حين جرى التعرف على ستة فقط من أصل 82 ضحية جرى انتشال جثامينهم.

    ورحب التقرير بالموارد التي عبأتها السلطات الطبية والقضائية للتعرف على الضحايا، بما فيها الاستعانة بأطباء شرعيين وتقنيين من مناطق إسبانية مختلفة، لكنه أشار إلى أن المعلومات المعلنة لا توضح الأسس التي اعتمدت لتحديد ديانة الجثامين مجهولة الهوية.

    وطالب المجلس بتوضيح ما إذا كان تحديد المعتقد الديني يستند إلى نتائج الفحوص الطبية الشرعية، أو الأغراض والعلامات الدينية الموجودة مع الضحايا، أو المعلومات السابقة للوفاة، أو إفادات العائلات والسلطات المغربية والأشخاص الذين يحتمل أن يكونوا على معرفة بالضحايا.

    ودعا التقرير السلطات الإسبانية إلى شرح المنهجية المعتمدة، بصورة عامة ومن دون كشف بيانات شخصية، للتأكد من أن اختيار الشعائر الجنائزية يستند إلى معطيات كافية ويحترم، قدر الإمكان، هوية المتوفين وقناعاتهم وكرامتهم.

    الأحوال الجوية تزيد الطين بلّة

    وفي سياق متصل، حذر المجلس من هشاشة ظروف النساء والأطفال والقاصرين الذين ما زالوا يعيشون في مخيمات عشوائية، خصوصا في منطقتي “برينسيبي” و”سيدي امبارك”.

    وأوضح أن الأمطار الأولى التي شهدتها سبتة أثرت في الأغطية البلاستيكية وبعض الأغراض الشخصية للقاصرين، مشيرا إلى أن هذه الوسائل البدائية لا توفر حماية مناسبة من التقلبات الجوية.

    وطالب بإدراج تطورات الطقس ضمن الأولويات المرتبطة بالتخطيط لمراكز الاستقبال، وتسريع نقل الأشخاص الموجودين في المخيمات المؤقتة إلى مرافق آمنة وملائمة.

    وشدد التقرير على أن تحسين الإيواء لا يكفي وحده لمعالجة الوضع، إذ يتعين أن ترافقه ضمانات تحمي السلامة والكرامة والحياة الخاصة، وتكفل الوصول غير التمييزي إلى المواد الأساسية، إلى جانب التصدي لخطابات الكراهية والممارسات القائمة على الأصل أو المظهر أو الوضع المفترض في مجال الهجرة.

  • أسباب رفض تسلم الجثامين ومطالب المغرب لإسبانيا والاتحاد الأوروبي.. وهبي يكشف مستجدات أزمة سبتة

    أسباب رفض تسلم الجثامين ومطالب المغرب لإسبانيا والاتحاد الأوروبي.. وهبي يكشف مستجدات أزمة سبتة

    كشف وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، أن المغرب يرفض تسلم الجثامين المرتبطة بأزمة العبور الجماعي إلى سبتة في 30 و31 يوليوز الماضي، مؤكدا أن النقاش بين الرباط ومدريد لم يصل إلى نتائج حتى الآن، مجدد استعداد الرباط لاستعادة القاصرين المغاربة الموجودين في سبتة.

    وقال وهبي، اليوم السبت في أثناء حلوله ضيفا على قناة “العربية” السعودية، إن موقف المغرب من الجثامين يستند أولا إلى غياب المعطيات التي تسمح بتحديد هوية أصحابها وأصولهم، موضحا: “لم نرفض هكذا بشكل عبثي، بل لأننا لم نتوصل بالملفات الطبية والملفات التعرف على هذه الجثث، فلا يمكن أن تسلم لنا الجثث دون معرفة من هؤلاء الأشخاص”.

    وأضاف أن الرباط سبق أن طالبت بإعادة القاصرين غير المصحوبين الأحياء، غير أن هذا الطلب لم يجد استجابة من الجانب الإسباني، في وقت يجري فيه الحديث عن تسليم الجثامين، مضيفا “طالبنا بالأحياء ورفضوا تسليمهم، ويتكلمون الآن عن الجثث، لكننا لا نفصل بين الأموات والأحياء، نريد إعادتهم كلهم”، متسائلا “لماذا هذا الفصل؟ يرتكون عندهم القاصرين الأحياء ويطلبون أن نقبل الأموات، وهذا منطق غير منطقي”.

    وفي رسالة مباشرة إلى الجانب الإسباني، جدد وزير العدل استعداد المغرب لاستقبال القاصرين قائلا: “ونقول لهم للمرة الأخيرة: نحن مستعدون لقبول القاصرين بل مستعدون لبعث الحافلات لإعادتهم للمغرب، فهل هناك تعبير أوضح من هذا؟”.

     المغرب يرفض تسلم الجثامين.. ما الأسباب؟

    ويرتبط رفض المغرب، وفق وهبي، بمسألة عدم التوصل بعد بالمعطيات التي تسمح بالتأكد من هويات الضحايا وجنسياتهم، مبرزا أن الحديث عن جثامين مجهولة الهوية يجعل من الصعب على السلطات المغربية تحديد عدد المغاربة من بين الضحايا أو التأكد من انتمائهم إلى عائلات مغربية.

    وتابع موضح “إذا كانت الجثامين مجهولة الهوية كيف سنعرف عددهم؟”، مؤكدا أن من سيعرف عددهم هم الإسبان الذي قضوا عندهم، مشددا على أن المغرب “ليس لدينا رقم، ولم تصلنا بعد تصريحات بالوفاة من طرف العائلات، ولم يحل علينا الإسبان تقارير حول هذا الموضوع”، مضيفا “نريد أن نعرف هل هم مغاربة أم من جنوب الصحراء أو من دول عربية أخرى، يجب أن نضبط كل شيء حتى يمكننا تسيير الأمور بشكل جيد”.

    ولا يعتبر المسؤول الحكومي أن القضية مرتبطة بإعلان النوايا، بل بضرورة إنشاء إطار إجرائي واضح بين البلدين، يحدد المسؤوليات والوثائق والخطوات التي تسبق نقل الجثامين، مسترسلا: “ليس التعبير عن النوايا هو المطروح، خلق مساطر محددة ومضبوطة بيننا وبين إسبانيا هي التي ستحل الإشكال”.

    وفي سياق حديث إسبانيا عن صوعوبات تحديد هويات الجثامين، وعدم تعاون المغرب، أكد وزير العدل أنه “منذ سنوات موضوع الحمض النووي مطروح، وعندما يحدثون ملفا صحيا وطبيا، ويحددون الحمض النووي ويبعثون الملفات إلينا، سنقوم نحن آن ذاك بعملية البحث في هؤلاء الأشخاص وصورهم لنتأكد من عائلاتهم أنهم مغاربة، وآن ذاك سنكون مستعدين لاستقبالهم، لأنهم أبناؤنا وينتمون لعائلات مغربية، ولا مانع في استقبالهم”.

    ويرى المتحدث أن المسؤولية عن إثبات هوية الجثامين تقع أولا على الجانب الإسباني باعتباره الجهة التي عاينت الوفيات وتوجد لديها الجثامين والملفات المرتبطة بها، مؤكدا أنه “لا يمكن أن يبعثوا لنا جثثا لا نعرف من هم وما هي أصولهم، ثم يلقون الإثبات علينا، فالإثبات عليهم”.

    لا لتجزئة ملف القاصرين والجثامين

    ويصر عبد اللطيف وهبي على أن المغرب لا يريد التعامل مع الجثامين والقاصرين باعتبارهما ملفين منفصلين، وإنما ضمن أزمة واحدة تتطلب حلا شاملا، وصرح بالقول: “لا يمكننا أن نسمح لأي جثة أن تدخل بدون حل الإشكال ككل، لا ندخل في الجزئيات، يجب أن نتفق ونضع مسطرة وتصورا”، مردفا “ليس كل من نقل جثة إلى الحدود يقول لنا هذا مغربي ونقبل بدخوله، يجب أن تتم الأمور وفق اتفاق مع الإسبان ومسطرة محددة، وفي إطار التزامات كل طرف على حدة”.

    وأضاف: “لا يمكن أن يُزايِد علينا أحد بالكلام، ومستعدون لاستقبال القاصرين، ولكن كيف يفصلون بين الأموات والأحياء؟ إذا كان الموضوع كاملا نحله كاملا بأحياء والأموات”.

    لا اتفاق مع مدريد حتى الآن

    ويكشف هذا الموقف عن استمرار غياب اتفاق عملي بين الرباط ومدريد بشأن تدبير ملف القاصرين والضحايا الذين سقطوا خلال أزمة سبتة، إذ يؤكد وزير العدل أن البلدين لم يتوصلا، حتى الآن، إلى تفاهم يحدد آلية التعامل مع هذه الملفات.

    وقال وهبي صراحة: “لم نصل حتى الآن لأي تفاهم، وأعتقد أنه سيكون في القريب العاجل، لأن إسبانيا والمغرب دولتان صديقتان وستصلان إلى حل في الموضوع”.

    وفي الوقت الذي تشدد فيه السلطات الإسبانية على وجود قيود قانونية وإجراءات قضائية تحكم إعادة القاصرين، يرى المسؤول المغربي أن المطلوب أولا هو وضوح الموقف الإسباني وتطابق الأقوال مع الأفعال، مشيرا إلى أن “كل ما نطلبه من السلطات الإسبانية هو الوضوح، وأن تكون الأفعال كالأقوال، أعطونا القاصرين والملفات الطبية للجثامين ونحن مستعدون لاستقبالهم”.

    وربط وزير العدل الخلاف بغياب سياسة هجرة مشتركة وواضحة بين المغرب وإسبانيا، إذ لا يمكن للمغرب أن يتحمل مسؤولية منع الهجرة في الوقت الذي يرى فيه أن جزءا من المهاجرين يجدون إمكانية للعبور والاستقرار في إسبانيا.

    وأوضح موقف المغرب بالقول: “لا يمكن أن يكون هناك ردع من طرفنا وتنازل عن الردع بحكم قضائي من طرفهم (إسبانيا)، يجب أن نعالج هذا المشكل، ليس كل مرة نعالج هذه الجزئيات والنتائج، يجب أن نعالج المشكل من أصله”، مضيفا “لا يمكن أن نمنع نحن الهجرة وهم يقبلونها، ثم يتهموننا في ما بعد، وهذا خطأ وليس صحيحا في العلاقات بين الدول، ونحن نعتبرهم أصدقاء ويمكن أن نتعاون”.

    واقترح وهبي أن يكون تدبير الهجرة قائما على سياسة مشتركة بين البلدين، قائلا: “لنتفق على سياسة الهجرة بشكل مشترك، إذا أرادوا أن يفتحوا الباب نفتحه نحن كذلك، ولكن إذا أرادوا أن يمنعوا سنمنعه نحن كذلك، ولكن أن نمنعه نحن ويفتحونه هم فهناك إشكال”.

     إسبانيا تتمرد على الاتحاد الأوروبي

    ويمتد الخلاف مع إسبانيا، بحسب وهبي، إلى ما يعتبره تناقضا بين الموقف الأوروبي من إعادة القاصرين وموقف مدريد الذي يستند إلى عوائق قانونية وقضائية.

    وأكد وهبي في هذا السياق أن الاتحاد الأوروبي أصدر قرار بإرجاع القاصرين، غير أنه سجل باستغراب تلكؤ الإسبان في تنفيذه، مفيدا أنه “لا يمكن فصل الملف، أي نعطيكم الجثامين وبعدها سنرى موضوع القاصرين، وعندما يموت بعض من الأحياء ترسل لنا وعلينا استقبالها، أي نحن سنستقبل القاصرين كجثث فقط ولا نقبلهم أحياء، وهذا منطق غير مقبول”.

    وجاءت تصريحات وهبي ردا على انتقادات وجهها رئيس لجنة الحريات المدنية والعضو في البرلمان الأوروبي بشأن إعلان المغرب استعداده لاستعادة القاصرين، مقابل التشكيك في المسافة بين الموقف المعلن والممارسة العملية، وإثارة مخاوف بشأن سلامة هؤلاء القاصرين في حال إعادتهم.

    ورد الوزير بالتشكيك في حياد الموقف الأوروبي، قائلا: “أولا عضو في الاتحاد الأوروبي سيدافع عن الاتحاد الأوروبي ولن يدافع عن عضو في الاتحاد الإفريقي”، مؤكدا أن الملف، في جوهره “يتعلق بالعلاقات المغربية الإسبانية، والاتحاد الأوروبي طرف فيه، ويريدوننا أن نرجع القاصرين وليس لدينا إشكال، فقط لنتفق على المسطرة والملفات”.

    وأشار إلى أن القاصرين الموجودين في إسبانيا لا ينحدرون جميعا من المغرب، بل بينهم أشخاص ينتمون إلى دول عربية أخرى وإلى دول جنوب الصحراء، وهو ما يجعل تحديد الهوية والجنسية والوضعية الأسرية، شرطا أساسيا قبل أي عملية إعادة.

     مدريد تحتبئ وراء الأحكام القضائية

    وانتقد وزير العدل ما يعتبره لجوء الجانب الإسباني إلى الأحكام القضائية لتبرير عدم إعادة القاصرين، داعيا إلى معالجة الملف عبر المؤسسات والاتفاقات بين الدول قائلا: “يقولون إنهم سيسلموننا وفي الأخير لا يسلموننا القاصرين بل الجثث”، متسائلا “لماذا يقدمون الجثث في الحدود ولا يسلمون القاصرين، لماذا لا يأتون بالأحياء؟”.

    واسترسل بالقول: “يبررون ذلك بأن هناك حكما قضائيا ومانعا قانونيا ويدخلون في متاهات الإجراءات، ونحن لا نفهم هل الإسبان يريدون المهاجرين أو لا يريدونهم، لذلك لا يجب أن يختفوا وراء أحكام قضائية، فنحن نتعامل مع دولة صديقة ونتعاون معها، ونريد أن يكون هناك وضوح”.

    واعتبر وهبي أن الاستناد إلى الموانع القانونية لا ينبغي أن يحول دون البحث عن حل سياسي ومؤسساتي متفق عليه، قائلا: “إذا كان لديه مانع قانوني لفتح الأبواب نحن لدينا مانع أخلاقي إذا أردنا الذهاب في هذا المنطق، ولا يمكن أن يكون هناك ازدواجية في الخطاب؛ الاتحاد الأوروبي يقرر إعادة القاصرين وإسبانيا تخالف ذلك”.

    وربط الوزير هذا الخلاف بحكم قضائي إسباني حال دون إعادة من يدخلون البر الإسباني سباحة، متسائلا عن كيفية معالجة الوضع في ظل الموقع الجغرافي للبلدين.

    القاصر لا يقرر مصيره بمفرده

    وفي جانب آخر من تصريحاته، رفض وهبي التعامل مع رغبة القاصر في الهجرة باعتبارها وحدها المحدد لمصيره، معتبرا أن الطفل لا يمتلك الأهلية القانونية لاتخاذ قرارات مصيرية بشأن مستقبله.

    وأبرز المسؤول الحكومي في حديثه أن “الطفل ليس لديه الشخصية القانونية ليقرر في حياته، الدولة والأسرة هما من لهما صلاحية القرار، وجميع هؤلاء الأطفال كانوا أمام الإغراءات، لأن المغرب تعرض لهجمة إلكترونية أغرت كثيرا من الشباب للذهاب إلى إسبانيا”.

    وربط أزمة العبور الأخيرة بما اعتبره حملات رقمية للتأثير في الشباب، مشيرا إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورا في الترويج لفكرة الهجرة إلى إسبانيا، موضحا “”في كأس إفريقيا التي نظمت بالمغرب وصل الهجوم على المملكة 300 ألف تغريدة من أجل إفشال كأس إفريقيا، وقبل أيام من حملة الهجرة الأخيرة قامت الآلاف إن لم أقل مئات الآلاف من التغريدات والصور داخل وسائل التواصل الاجتماعي بإغراء الشباب للذهاب إلى هناك”.

    وحذر عبداللطيف وهبي من أن الصورة التي تقدمها شبكات التواصل الاجتماعي عن الحياة في أوروبا لا تعكس بالضرورة واقع المهاجرين بعد الوصول، مشيرا إلى أن هناك الآن في سبتة “شباب اغتصب ومن مات ومن اختفى ومن يتعرض للاضطهاد يوميا”، متسائلا “هل هذه الأشياء أفضل من المغرب؟”.

    وتابع “أما القاصر أو المراهق عندما يرى وسائل التواصل الاجتماعي وتكون لديه الإغراءات، فطبعا سيريد أن يهاجر من أجل الأفضل في تصوره، لكنه أنه حينما يصل إلى هناك سيجد عالما آخر، لن يجد الفردوس الموعود بل المفقود”.

     كيف أدار المغرب أزمة يوليوز؟

    واستعاد وهبي، في حديثه، ظروف أزمة العبور الجماعي إلى سبتة في 30 يوليوز الفارط، مؤكدا أنه كان حاضرا في شمال المغرب خلال الأحداث، وأن السلطات تعاملت مع الوضع بحذر لتجنب سقوط ضحايا.

    وأبرز الوزير أن السلطات ما تزال تحقق في ما حدث نهاية يوليوز الفارط، كاشفا أنه “كنت هناك في الشمال عندما حدث الأمر، ورأيت الشباب وكثيرا من الأطفال والمراهقين يتجهون إلى سبتة، ولو دخلنا في مواجهة معهم لكنا أمام ضحايا شباب ومراهقين مغاربة كثيرين، لأنهم سيردون على أي محاولة منا، لذلك كنا ندير الأزمة بذكاء ودهاء وببرودة أعصاب ورصانة”.

    وأوضح بخصوص إغلاق الطرق المؤدية إلى الفنيدق أن “الشاب يقول لنا أنا أسافر في المغرب وحقي الدستوري أن أسافر في المغرب، وهناك من قال لنا أريد أن أدخل سبتة لأنها مغربية، فكيف لي أمنعه؟”، مضيفا “عندما وصلوا الحدود منعناهم، وذهبوا عن طريق البحر، لأننا نؤمن كذلك أن الحل الأمني ليس حلا مستداما”.

    وأكد وهبي أن معالجة أزمة الهجرة لا يمكن أن تستمر من خلال التدخلات الأمنية الظرفية، وإنما تتطلب اتفاقا نهائيا بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي حول قواعد واضحة للمنع والقبول وإعادة القاصرين وتدبير الحدود، مشيرا إلى أن المغرب “يعزز المراقبة في الحدودي ويستفر الشرطة والسلطات والأمن، لكنهم (في إسبانيا) يستقبلون كل من استطاع أن يتغلب على الحدود ويقفز ويصل إليهم، وهذا موقف متناقض”.

    وزاد شارحا “هذا الوضع يضع المغرب أمام تساؤلات من مهاجرين من دول جنوب الصحراء حول سبب منعهم من العبور، في الوقت الذي يرون أن إسبانيا مستعدة لاستقبالهم، مضيفا “يسألوننا مادام الإسبان يقبلوننا لماذا أنتم تمنعوننا؟ أنتم ضد إفريقيا؟ في حين نحن نريد الحفاظ على حدودنا ونقوم بدورنا كدولة ونحمي سيادتنا”.

    وشدد وهبي على أن إدارة الأزمة ليست الغاية، لأن “المشكل ليس إدارة الأزمة، بل حل الأزمة، والحل هو قرارات نهائية تحد من هذه الهجرة”، موجها دعوة للأوربيين: “نقول لإسبانيا مستعدون لنجلس ونتخذ قرارات ونضع القوانين، ونقول للاتحاد الأوروبي يوم تقتنعون بأنه يجب وضع حد نهائي لهذه الهجرة تعالوا نجلس ونتفق”.

  • بروكسل تتجه لرفع تمويل المغرب ومدريد تجدد رفض إعادة القاصرين وسبتة تئن تحت الضغط

    بروكسل تتجه لرفع تمويل المغرب ومدريد تجدد رفض إعادة القاصرين وسبتة تئن تحت الضغط

    يتجه الاتحاد الأوروبي إلى زيادة التمويل المخصص للمغرب في مجالات مراقبة الحدود وإدارة الهجرة، بالتزامن مع مساعي بروكسل والرباط لإبرام شراكة استراتيجية وشاملة قبل نهاية العام، في خطوة تعكس تنامي أهمية التعاون في الملف الأمني والهجروي داخل العلاقات بين الجانبين.

    وقال متحدث باسم المفوضية الأوروبية، في تصريحات نقلتها قناة “يورونيوز”، إن المغرب يستفيد بالفعل من دعم مالي أوروبي مخصص لإدارة الهجرة، مشيرا إلى التزام الاتحاد بتقديم 222 مليون يورو خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2024.

    وبحسب المعطيات التي أوردتها “يورونيوز”، فإن المفوضية الأوروبية تتوقع تقديم 190 مليون يورو إضافية للمغرب حتى نهاية دورة الميزانية الحالية في 2027.

    ودخل نحو 72 ألف شخص، وفق الأرقام الإسبانية، إلى سبتة المحتلة بشكل غير نظامي خلال أزمة يوليوز الماضي، بينما أسفرت الأحداث عن عشرات الوفيات، في واحدة من أخطر أزمات الحدود التي شهدها الثغر المحتل.

    ورغم أن الأزمة لم تدفع، وفق مسؤولين أوروبيين، إلى تقديم موعد الشراكة الاستراتيجية، فإنها ساهمت في تعزيز التوجه نحو تخصيص موارد إضافية للأمن والهجرة وإدارة الحدود، بعدما دعا المغرب الاتحاد الأوروبي وإسبانيا إلى نقاش جاد وفعال للاتفاق على حل جذري ونهائي لمشكل الهجرة غير النظامية.

    وأوضحت القناة الأوروبية أن بروكسل تراهن، من خلال الشراكة المرتقبة مع الرباط، على بناء إطار أوسع للتعاون، لا يقتصر على تدبير تدفقات الهجرة، وإنما يشمل أيضا الاستثمار والتنمية والاستقرار الإقليمي.

    وأشارت إلى أن المفوضية الأوروبية تستحضر في هذا السياق النموذج الذي اعتمدته مع مصر سنة 2024، عندما أطلقت حزمة تمويل واستثمار بقيمة 7.4 مليارات يورو، تضمنت دعما للاقتصاد المصري وتعاونا في مجال الهجرة وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

    غير أن مسار المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي والمغرب لم يكن مستقرا خلال السنوات الأخيرة، إذ تأخر التوصل إلى صيغة متقدمة للشراكة، قبل أن تعود الاتصالات إلى الواجهة في يناير 2026، عقب اجتماع بين الجانبين في بروكسل ساهم في إعادة تحريك الملف.

    ولا تبدو الزيادة المرتقبة في التمويل مجرد استجابة ظرفية لأزمة سبتة، بقدر ما تعكس تحولا في طريقة تعاطي الاتحاد الأوروبي مع المغرب باعتباره شريكا رئيسيا في إدارة حدوده الجنوبية، سيما أن الرباط أكدت، عقب أحداث سبتة الأخيرة، أنها ليست حارسا لحدود أحد، وشددت على أن تدبير أمن الحدود لا يقتصر على الجانب المالي فقط.

    غير أن بروكسل تربط بشكل متزايد بين التعاون في مجال الهجرة وبين الدعم المالي والأمني، في وقت أصبح فيه التحكم في طرق العبور نحو الأراضي الأوروبية أحد الملفات الأكثر حساسية في علاقاتها مع دول جنوب المتوسط.

    رفض جديد لفتح باب عودة القاصرين

    رغم المطالب المغربية المتكررة بتسريع إعادة القاصرين المغاربة غير المصحوبين الذين وصلوا إلى سبتة خلال أزمة العبور الجماعي الأخيرة، أغلقت النيابة العامة الإسبانية الباب أمام أي عملية إعادة تلقائية، مؤكدة أن عودة أي قاصر لا يمكن أن تتم إلا بعد دراسة وضعه بشكل فردي، والتحقق من ظروفه الأسرية وضمان عدم تعرضه لانعدام الحماية في بلده الأصلي.

    ويأتي هذا المواقف في وقت جدد فيه وزير العدل عبد اللطيف وهبي، يوم أمس الجمعة، مطالبة مدريد بتسليم القاصرين المغاربة الموجودين في سبتة، بالتوازي مع دعوته إلى فتح حوار بشأن مستقبل سبتة ومليلية.

    وأكدت المدعية العامة المكلفة بالقاصرين، تيريزا غيسبرت، أمس الجمعة في تصريحات صحفية، أن إعادة القاصرين لا يمكن أن تكون “فورية أو مباشرة”، موضحة أن دخول الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء حيز التنفيذ في 12 يونيو 2026 فرض مجموعة من الضمانات والإجراءات التي يتعين احترامها، وتشمل إجراء مقابلة شخصية مع كل قاصر، والاستعانة بمترجم عند الحاجة، ودراسة وضعه الشخصي والأسري، إلى جانب التحقق من ظروف الحماية المتوفرة في بلد المنشأ.

    وبحسب غيسبرت، فإن الإطار القانوني لا ينظر إلى هؤلاء الوافدين باعتبارهم مهاجرين في وضعية غير نظامية، وإنما باعتبارهم قاصرين، وهو ما يجعل مبدأ “المصلحة الفضلى للطفل” أساسا لأي قرار بشأن مستقبلهم، موضحة أنه في حال وجود خلاف بين الإدارة والقاصر حول إعادته، يتعين، وفق النيابة العامة، توفير الضمانات القانونية اللازمة وتعيين مدافع قضائي.

    وتربط النيابة العامة الإسبانية أي عودة محتملة بتوفر شروط محددة في بلد المنشأ، إذ أبرزت غيسبرت أن إعادة القاصر تتطلب معرفة وضعه الأسري والتأكد من أنه لن يجد نفسه في حالة انعدام حماية، وهو ما يستدعي تعاون القنصلية والسلطات في بلده الأصل.

    وتواجه سبتة المحتلة ضغطا كبيرا على منظومة حماية القاصرين، بعدما كانت تضم نحو 800 قاصر تحت الحماية قبل أزمة 30 يوليوز، وهي أعداد كانت تتجاوز قدرتها الاستيعابية.

    ومع وصول أعداد جديدة خلال الأزمة الأخيرة، تحولت مسألة نقل القاصرين إلى شبه الجزيرة لأحد أبرز الملفات المطروحة على السلطات الإسبانية.

    وفي هذا السياق، أعلنت الحكومة الإسبانية عن تخصيص موارد إضافية لنقل مئات القاصرين إلى شبه الجزيرة، بينما تستمر الضغوط السياسية المطالبة بإعادتهم إلى المغرب.

    بدورها، تواجه النيابة العامة الإسبانية ضغطا متزايدا بسبب حجم الملفات، إذ كشفت غيسبرت أن نيابة سبتة تعمل بثمانية مدعين عامين من أصل تسعة، في وقت تضاعفت فيه المهام المرتبطة بتحديد أعمار القاصرين وإجراء المقابلات ودراسة أوضاعهم، إضافة إلى الحاجة إلى مزيد من المترجمين، باعتبار أن المقابلات الفردية تمثل جزءا أساسيا من المسار القانوني للإعادة.

    دفن 18 مهاجرا

    ولم تتوقف تداعيات الأزمة الأخيرة عند التدبير الأمني والحدودي، بل امتدت إلى ملف الضحايا الذين لقوا حتفهم خلال موجة الدخول الجماعي، فبعد ثلاثة أسابيع من الأحداث، دفن أمس الجمعة 18 مهاجرا في المقبرة الإسلامية بالمدينة، فيما تواصل السلطات الإسبانية إجراءات تحديد هويات الضحايا الذين عثر عليهم عقب الأزمة.

    وفق تقارير إسبانية، وضعت أرقام على القبور لتسهيل التعرف على أصحابها مستقبلا في حال تقدم أفراد أسرهم للمطالبة بالرفات، بينما تتواصل عملية تحديد الهوية وسط مطالب من الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بوقف عمليات الدفن إلى حين استكمال إجراءات التعرف على الجثث وإعادتها إلى المغرب.

    الوضع الصحي مقلق

    بينما تحاول السلطات الإسبانية استكمال عمليات تحديد هوية الضحايا، بدأت تداعيات الأزمة تظهر أيضا داخل صفوف الأجهزة الأمنية التي تولت عمليات الاحتواء والاستقبال والنقل، في وقت تئن فيه المدينة تحت وطأت وضع مأساوي يعيشه المهاجرون كل يوم.

    وأعلنت الجمعية الموحدة للحرس المدني الإسباني “AUGC” تسجيل أول حالة جرب بين أفراد الحرس المدني المنتشرين في سبتة منذ 30 يوليوز، مطالبة باتخاذ إجراءات وقائية لتفادي تسجيل إصابات إضافية.

    وحذرت الجمعية من المخاطر الصحية التي يمكن أن يتعرض لها عناصر الأمن خلال عمليات احتواء الوافدين وتحديد هوياتهم واحتجازهم ونقلهم وتقديم الرعاية لهم، مشيرة إلى احتمال التعرض للجرب والطفيليات الخارجية، إضافة إلى أمراض معدية أخرى، من بينها السل والتهاب الكبد والتهاب السحايا وبعض أنواع العدوى البكتيرية.

    وطالبت بإجراء تقييم خاص للمخاطر، وتوفير معدات الحماية الشخصية، وتعزيز عمليات تنظيف وتعقيم المرافق والمركبات، إلى جانب تشديد المراقبة الصحية على أفراد الحرس المدني ووضع بروتوكول للتعامل مع حالات التعرض المحتملة للعدوى.

    وأثارت الجمعية مسألة نقل بعض عناصر الأمن لملابسهم الرسمية إلى منازلهم لغسلها، معتبرة أن هذه الممارسة قد ترفع مستوى المخاطر الصحية على أفراد أسرهم.

    الضغط ينتقل إلى محيط المساكن

    لم ينجح تغيير موقع مخيم إيواء المهاجرين بسبتة في إنهاء التوتر في حي لوما كولمنار، إذ ظل مئات الأشخاص منتشرين في محيط المباني السكنية، بينما تشكلت طوابير طويلة أمام مركز الإيواء الجديد في إمبولساميينتو، وفق ما كشفته تقارير صحفية إسبانية.

    وأكدت المصادر ذاتها أنه في ظل محدودية الطاقة الاستيعابية للمخيم، بقي العشرات أو المئات خارج المنشأة، بعضهم ينام في المناطق المشتركة ومداخل المباني، ما دفع السكان إلى الاحتجاج يومين متتاليين للمطالبة بحل لا ينقل المشكلة من مكان إلى آخر.

    وأشارت إلى أن تشغيل مركز الإيواء لم يبدد الضغط عن الحي، بل نقل جزءا منه إلى الشوارع المحيطة به، فقد اضطرّت الشرطة إلى التدخل لتنظيم طوابير الدخول والسيطرة على حالة الازدحام، فيما سجلت احتكاكات بين المنتظرين بسبب محاولات تجاوز الطابور.

    نفايات ونيران وسط خطر الحرائق

    لا تقتصر تداعيات أزمة الهجرة في سبتة على محيط مراكز الإيواء والأحياء السكنية، بل امتدت إلى المناطق الغابوية، حيث يواصل مئات المهاجرين العيش في ملاجئ عشوائية أقيمت باستخدام البلاستيك والبطانيات والكرتون والأخشاب، في ظل غياب بدائل للإقامة.

    وكشفت صحيفة “سوتا” إثر جولة ميدانية في محيط مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين CETI” انتشار مخلفات الطعام والملابس والأكياس والعبوات بين الأشجار وعلى المسالك وفي محيط أماكن النوم.

    وأكدت أن حدة الوضع تزداد مع تسجيل آثار نيران مشتعلة وسط الغطاء النباتي الجاف، إذ يستخدم المهاجرون النيران للطهي والتدفئة والإنارة، بينما يحذر المشهد من احتمال تحول أي شرارة إلى حريق في ظل ارتفاع درجات الحرارة وجفاف النباتات خلال شهر غشت، وقد اضطر رجال الإطفاء بالفعل إلى التدخل لإخماد حرائق صغيرة في مناطق غابوية خلال الأسابيع الأخيرة.

  • 210 مليارات للتنمية الترابية.. الولاة والعمال يمسكون بمفاتيح الصرف والصفقات والتنفيذ

    210 مليارات للتنمية الترابية.. الولاة والعمال يمسكون بمفاتيح الصرف والصفقات والتنفيذ

    تدخل برامج التنمية الترابية المندمجة مرحلة جديدة في مسار تنزيلها، مع إعادة ترتيب سلسلة القرار المالي على المستوى المحلي، ومنح الولاة والعمال صلاحيات مباشرة في صرف الاعتمادات والتعامل مع الصفقات الممولة من الصندوق المخصص لهذا الورش، في خطوة تضع الإدارة الترابية في قلب التنفيذ المالي، بعدما كانت منذ صيف 2025 في صلب إعداد البرامج وتشخيص حاجيات الأقاليم.

    وبموجب قرارات أصدرها الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، جرى تعيين ولاة وعمال بعدد من العمالات والأقاليم آمرين مساعدين بالصرف في الحساب الخصوصي للخزينة المسمى “صندوق التنمية الترابية المندمجة” مع تفويض صلاحيات مرتبطة بأداء النفقات وتدبير الصفقات والاتفاقيات الممولة من الاعتمادات المفوضة.

    ولا يتعلق الأمر بتفويض إداري محدود، إذ تشمل الصلاحيات إصدار بيانات الدفع والأوامر بالتحصيل المرتبطة بالصفقات، بما فيها الغرامات الناتجة عن التأخر في التنفيذ، وحجز الضمان المؤقت أو النهائي والاقتطاع الضامن، إلى جانب استرجاع المدفوعات الزائدة المرتبطة بالنفقات المنفذة في إطار الاعتمادات المفوضة.

    كما حدد القرار بنود الحساب التي يمكن لكل آمر مساعد بالصرف تنفيذ النفقات في إطارها، على أن يستمر العمل بهذه الترتيبات إلى غاية 31 دجنبر 2026.

    وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من السياق الذي تأتي فيه، فالمغرب يستعد لتنزيل ورش تقدر كلفته الأولية بنحو 210 مليارات درهم خلال ثماني سنوات، بعد أشهر من التشخيص والمشاورات على مستوى مختلف العمالات والأقاليم.

    ولم تعد المسألة تبعا لذلك، مرتبطة فقط بتحديد المشاريع التي تحتاجها المجالات الترابية، بل بالانتقال إلى بناء الآليات المالية والإدارية القادرة على تحويل تلك الأولويات إلى صفقات وأوراش قابلة للتنفيذ.

    من التشخيص المحلي إلى القرار المالي

    انطلقت عملية إعداد الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة في غشت 2025، عقب التوجيهات الملكية السامية الواردة في خطاب العرش بتاريخ 29 يوليوز من السنة نفسها.

    ووجه وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت في 15 غشت 2025، الولاة والعمال إلى إطلاق مشاورات مع مختلف الفاعلين على المستوى المحلي، على أساس تحديد الأولويات انطلاقا من الحاجيات الفعلية لكل مجال، بدل بناء البرامج انطلاقا من مقاربة قطاعية موحدة.

    وحددت هذه المقاربة منذ البداية أربعة مجالات مركزية تتمثل أساسا في دعم التشغيل من خلال استثمار المؤهلات الاقتصادية المحلية، وتقوية الخدمات الاجتماعية الأساسية، سيما التعليم والصحة، والتدبير الاستباقي والمستدام للموارد المائية، ثم التأهيل الترابي المندمج.

    وتؤكد الوثائق الرسمية المرتبطة بقانون المالية لسنة 2026 أن المقاربة الجديدة تسعى إلى الجمع بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبشرية داخل برنامج واحد مرتبط بخصوصيات كل مجال ترابي.

    لكن التحول الأبرز ظهر في أبريل الماضي، عندما قدم وزير الداخلية أمام جلالة الملك محمد السادس، خلال المجلس الوزاري المنعقد في 9 أبريل 2026، الخطوط العريضة لحكامة هذه البرامج.

    وكشفت المعطيات الرسمية حينها أن إعداد البرامج سبقته عمليات إنصات وتشخيص ترابي على مستوى مختلف عمالات وأقاليم المملكة، شملت تحليل المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية وتحديد مكامن القوة والضعف في التشغيل والتعليم والصحة والماء والتأهيل الترابي.

    ومن هذه المرحلة، خرج الرقم الأكبر المرتبط بالورش بنحو 210 مليارات درهم كغلاف مالي إجمالي تقديري لتنفيذ البرامج خلال ثماني سنوات، أعلن عنه خلال المجلس الوزاري.

    صندوق جديد و20 مليار درهم بين الأداء والالتزام

    شكّل قانون المالية لسنة 2026 الأساس المالي للمرحلة الجديدة، من خلال تحويل “صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية” إلى “صندوق التنمية الترابية المندمجة”، بما يعكس انتقالا من منطق يستهدف أساسا العالم القروي والمناطق الجبلية إلى تصور أوسع للتدخل الترابي.

    وبرسم سنة 2026، رُصد للصندوق 5 مليارات درهم كاعتمادات للأداء، إلى جانب ترخيص بالالتزام المسبق بـ15 مليار درهم من اعتمادات سنة 2027، أي أن مبلغ 20 مليار درهم المتداول يجمع بين اعتمادات الأداء المتاحة خلال 2026 والتزامات مسبقة على السنة الموالية، وليس اعتمادات أداء بقيمة 20 مليار درهم متاحة للصرف خلال السنة الحالية.

    وترك قانون المالية تحديد الآمر بقبض موارد الصندوق وصرف نفقاته للنصوص التنظيمية الجاري بها العمل.

    وفي 3 غشت الجاري، حُسم هذا الجانب بمرسوم لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، جرى بموجبه تعيين الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع، بصفة انتقالية، آمرا بالصرف في الصندوق.

    وبعد يومين فقط، بدأت ترجمة هذا الاختيار على المستوى الترابي، من خلال القرارات التي جعلت الولاة والعمال آمرين مساعدين بالصرف، ووسعت دائرة المسؤولين المخول لهم التدخل في تنفيذ الاعتمادات.

    الولاة والعمال لا يختارون المشاريع فقط

    تتجلى أهمية القرارات الجديدة في أنها تستكمل هندسة حكامة سبق الإعلان عنها رسميا في أبريل الفارط، وليس في طبيعة الاختصاصات المالية المفوضة.

    ويقسم التصور المعتمد قيادة البرامج إلى ثلاثة مستويات مترابطة، إذ تُحدث على المستوى المحلي لجنة برئاسة عامل العمالة أو الإقليم تضم المنتخبين وممثلي المصالح اللاممركزة للدولة، وتتولى صياغة البرنامج وتتبع تنفيذ المشاريع والتشاور مع الساكنة المستهدفة.

    وعلى المستوى الجهوي، يرأس والي الجهة لجنة تتولى تجميع برامج مختلف العمالات والأقاليم وضمان الانسجام بينها.

    أما على المستوى الوطني، فتُحدث لجنة يرأسها رئيس الحكومة وتضم القطاعات الوزارية المعنية، وتتولى المصادقة على البرامج وضمان طابعها المندمج والتشاوري، مع اعتماد مؤشرات لتتبع المشاريع وقياس آثارها.

    ويصبح بذلك العامل، في الهندسة الجديدة، موجودا في أكثر من حلقة؛ إذ يترأس عملية صياغة البرنامج وتتبع تنفيذه محليا، وأصبح بموجب قرارات الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ضمن المسؤولين المخول لهم تدبير الاعتمادات المفوضة لتنفيذ النفقات.

    هذا التحول يمنح المستوى الترابي قدرة أكبر على الانتقال من تشخيص الحاجة إلى تنفيذ المشروع، لكنه يرفع في المقابل مستوى المسؤولية المرتبطة بالآجال والكلفة وجودة الإنجاز.

    صلاحية التوقيع والفسخ

    وفوض قرار آخر لوزير الميزانية فوزي لقجع، يحمل رقم 1768.26 وصدر بدوره بتاريخ 5 غشت الجاري في الجريدة الرسمية، للولاة والعمال المعنيين صلاحية الإمضاء والمصادقة على صفقات الأشغال والتوريدات والخدمات والاتفاقيات المبرمة في إطار الاعتمادات المفوضة من صندوق التنمية الترابية المندمجة، فضلا عن إمكانية فسخها، على أن يستمر العمل بالقرار إلى غاية نهاية دجنبر 2026.

    وهذا التفويض مهم عمليا لأن تنفيذ البرامج الترابية لا ينتهي عند توفير الاعتماد المالي، فبين رصد الأموال وظهور المشروع على الأرض تمر سلسلة من المساطر، تبدأ بالبرمجة والالتزام بالنفقة، وتمر بإبرام الصفقة وتنفيذها ومراقبة الآجال، وتنتهي بالأداء أو، عند الاقتضاء، تطبيق الغرامات أو فسخ العقد.

    وتشير المعطيات كذلك إلى توسيع التفويض ليشمل مسؤولين محليين وجهويين في قطاعات وزارية مختلفة، من بينها التجهيز والصحة والفلاحة والتعمير والتعليم، باعتبارهم نوابا عن الآمرين المساعدين بالصرف أو مسؤولين مخولا لهم الإمضاء في نطاق الاختصاصات المفوضة.

    أما القرارات المتعلقة بالولاة والعمال فتستثني بعض العمالات من الجداول المنشورة، ومن بينها الرباط وبعض عمالات مقاطعات الدار البيضاء وطنجة-أصيلة.

    لماذا وُضع المستوى الترابي في قلب المنظومة؟

    وتعكس طبيعة الفلسفة التي بُني عليها الجيل الجديد من البرامج الهندسة الجديدة، فالمنطلق المعلن رسميا هو أن الحاجيات التنموية لا تتطابق بالضرورة بين إقليم وآخر، لأن منطقة تعاني نقصا في الماء ليست في الوضع نفسه الذي تعيشه منطقة يتوفر فيها الماء، لكن تعاني بطالة مرتفعة، كما أن إقليما يحتاج إلى تحسين الولوج إلى المستشفى أو المدرسة قد تختلف أولوياته عن مجال يملك بنية اجتماعية أفضل لكنه يفتقر إلى الطرق أو النشاط الاقتصادي.

    لذلك تقوم المقاربة على التشخيص على مستوى العمالة أو الإقليم، قبل تجميع المشاريع على المستوى الجهوي وربطها بالتنسيق والتمويل على المستوى المركزي.

    ويهدف هذا البناء، بحسب التصور الرسمي، إلى الانتقال من البرامج القطاعية المتفرقة إلى تدخل مندمج تكون فيه الأولوية للأثر المحقق داخل المجال الترابي.

    وهذا ما يفسر أيضا الثقل الذي مُنح للولاة والعمال، بما فيه الإدارة الترابية التي يفترض أن تكون نقطة التقاء المصالح اللاممركزة للوزارات والجماعات الترابية والفاعلين المحليين، قبل رفع البرامج إلى المستوى الجهوي ثم الوطني.

    وويجعل حجم التمويل المتوقع برامج التنمية الترابية المندمجة من بين أكبر الأوراش العمومية متعددة السنوات المبرمجة حاليا في المغرب، لكن الوثائق الرسمية نفسها تجعل التقييم جزءا من هندسة البرنامج، إذ أقر المجلس الوزاري في أبريل اعتماد مؤشرات للتتبع والتقييم لقياس أثر المشاريع، وربط الحكامة المحلية والجهوية بالقيادة الوطنية.

    في هذا الإطار، يرى الخبير في المالية العمومية والحكامة الترابية، سعيد القرنفلي، أن أهمية هذا التوجه تكمن في أنه يمنح التنمية الترابية مضمونا تنفيذيا، بعدما ظلت لسنوات مرتبطة أساسا بمنطق التخطيط والبرمجة.

    وأوضح الخبير في تصريحه لـ “AM+MEDIA”، أنه عندما تتقارب سلطة التنسيق مع القدرة على تحريك الاعتمادات وتنفيذ المشاريع، يصبح بالإمكان بناء تدخل عمومي أكثر تماسكا وأسرع في تحويل القرار إلى أثر داخل المجال.

    وأضاف القرنفلي: “نحن أمام تطور مهم في مفهوم اللامركزية واللاتمركز الإداري، لأن الدولة لا تنقل فقط مهام التنفيذ إلى التراب، بل تعزز قدرته على قيادة الاستثمار العمومي انطلاقا من المجال نفسه”.

    وهذا مهم وفق الخبير ذاته، لأن القيمة المضافة للوالي أو العامل لا تكمن فقط في قربه الجغرافي وإنما في امتلاكه رؤية أفقية للمجال، سيما وأن الوزارة تنظر عادة إلى قطاعها، بينما المسؤول الترابي يرى الصحة والتعليم والماء والاستثمار والتشغيل باعتبارها مكونات لمنظومة واحدة.

    وشدد المتحدث على أن الأهم اليوم أن هذه المقاربة يمكن أن تجعل الاستثمار العمومي أكثر قدرة على خلق التكامل بين المشاريع، موضحا أن “الطريق مثلا، لا تُقرأ فقط باعتبارها بنية تحتية وإنما من خلال قدرتها على فك العزلة عن السكان، وتقريب المدرسة والمستشفى، وربط مناطق الإنتاج بالأسواق وتحسين جاذبية المجال للاستثمار”، مردفا “وهنا تنتقل التنمية من تجميع مشاريع متفرقة إلى بناء سلسلة مترابطة من الأثر الاقتصادي والاجتماعي”.

    وأبرز القرنفلي أن هذا التحول يعطي للمجال الترابي مكانة مختلفة داخل السياسة العمومية إذ لم يعد مجرد نقطة وصول للميزانية المركزية، بل يصبح فضاء، في تقديره، تُبنى داخله الأولويات وتلتقي فيه السياسات العمومية وتُقاس نتائجها لتصبح إحدى أهم الإضافات التي يحملها الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة.

    وبهذه الهندسة، تدخل التنمية الترابية مرحلة يصبح فيها الرهان على التنفيذ بقدر الرهان على التمويل، بعد ارتباط معالجة الفوارق المجالية لسنوات بتعدد البرامج والمتدخلين ومحدودية الأثر.