يتجه الاتحاد الأوروبي إلى زيادة التمويل المخصص للمغرب في مجالات مراقبة الحدود وإدارة الهجرة، بالتزامن مع مساعي بروكسل والرباط لإبرام شراكة استراتيجية وشاملة قبل نهاية العام، في خطوة تعكس تنامي أهمية التعاون في الملف الأمني والهجروي داخل العلاقات بين الجانبين.
وقال متحدث باسم المفوضية الأوروبية، في تصريحات نقلتها قناة “يورونيوز”، إن المغرب يستفيد بالفعل من دعم مالي أوروبي مخصص لإدارة الهجرة، مشيرا إلى التزام الاتحاد بتقديم 222 مليون يورو خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2024.
وبحسب المعطيات التي أوردتها “يورونيوز”، فإن المفوضية الأوروبية تتوقع تقديم 190 مليون يورو إضافية للمغرب حتى نهاية دورة الميزانية الحالية في 2027.
ودخل نحو 72 ألف شخص، وفق الأرقام الإسبانية، إلى سبتة المحتلة بشكل غير نظامي خلال أزمة يوليوز الماضي، بينما أسفرت الأحداث عن عشرات الوفيات، في واحدة من أخطر أزمات الحدود التي شهدها الثغر المحتل.
ورغم أن الأزمة لم تدفع، وفق مسؤولين أوروبيين، إلى تقديم موعد الشراكة الاستراتيجية، فإنها ساهمت في تعزيز التوجه نحو تخصيص موارد إضافية للأمن والهجرة وإدارة الحدود، بعدما دعا المغرب الاتحاد الأوروبي وإسبانيا إلى نقاش جاد وفعال للاتفاق على حل جذري ونهائي لمشكل الهجرة غير النظامية.
وأوضحت القناة الأوروبية أن بروكسل تراهن، من خلال الشراكة المرتقبة مع الرباط، على بناء إطار أوسع للتعاون، لا يقتصر على تدبير تدفقات الهجرة، وإنما يشمل أيضا الاستثمار والتنمية والاستقرار الإقليمي.
وأشارت إلى أن المفوضية الأوروبية تستحضر في هذا السياق النموذج الذي اعتمدته مع مصر سنة 2024، عندما أطلقت حزمة تمويل واستثمار بقيمة 7.4 مليارات يورو، تضمنت دعما للاقتصاد المصري وتعاونا في مجال الهجرة وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
غير أن مسار المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي والمغرب لم يكن مستقرا خلال السنوات الأخيرة، إذ تأخر التوصل إلى صيغة متقدمة للشراكة، قبل أن تعود الاتصالات إلى الواجهة في يناير 2026، عقب اجتماع بين الجانبين في بروكسل ساهم في إعادة تحريك الملف.
ولا تبدو الزيادة المرتقبة في التمويل مجرد استجابة ظرفية لأزمة سبتة، بقدر ما تعكس تحولا في طريقة تعاطي الاتحاد الأوروبي مع المغرب باعتباره شريكا رئيسيا في إدارة حدوده الجنوبية، سيما أن الرباط أكدت، عقب أحداث سبتة الأخيرة، أنها ليست حارسا لحدود أحد، وشددت على أن تدبير أمن الحدود لا يقتصر على الجانب المالي فقط.
غير أن بروكسل تربط بشكل متزايد بين التعاون في مجال الهجرة وبين الدعم المالي والأمني، في وقت أصبح فيه التحكم في طرق العبور نحو الأراضي الأوروبية أحد الملفات الأكثر حساسية في علاقاتها مع دول جنوب المتوسط.
رفض جديد لفتح باب عودة القاصرين
رغم المطالب المغربية المتكررة بتسريع إعادة القاصرين المغاربة غير المصحوبين الذين وصلوا إلى سبتة خلال أزمة العبور الجماعي الأخيرة، أغلقت النيابة العامة الإسبانية الباب أمام أي عملية إعادة تلقائية، مؤكدة أن عودة أي قاصر لا يمكن أن تتم إلا بعد دراسة وضعه بشكل فردي، والتحقق من ظروفه الأسرية وضمان عدم تعرضه لانعدام الحماية في بلده الأصلي.
ويأتي هذا المواقف في وقت جدد فيه وزير العدل عبد اللطيف وهبي، يوم أمس الجمعة، مطالبة مدريد بتسليم القاصرين المغاربة الموجودين في سبتة، بالتوازي مع دعوته إلى فتح حوار بشأن مستقبل سبتة ومليلية.
وأكدت المدعية العامة المكلفة بالقاصرين، تيريزا غيسبرت، أمس الجمعة في تصريحات صحفية، أن إعادة القاصرين لا يمكن أن تكون “فورية أو مباشرة”، موضحة أن دخول الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء حيز التنفيذ في 12 يونيو 2026 فرض مجموعة من الضمانات والإجراءات التي يتعين احترامها، وتشمل إجراء مقابلة شخصية مع كل قاصر، والاستعانة بمترجم عند الحاجة، ودراسة وضعه الشخصي والأسري، إلى جانب التحقق من ظروف الحماية المتوفرة في بلد المنشأ.
وبحسب غيسبرت، فإن الإطار القانوني لا ينظر إلى هؤلاء الوافدين باعتبارهم مهاجرين في وضعية غير نظامية، وإنما باعتبارهم قاصرين، وهو ما يجعل مبدأ “المصلحة الفضلى للطفل” أساسا لأي قرار بشأن مستقبلهم، موضحة أنه في حال وجود خلاف بين الإدارة والقاصر حول إعادته، يتعين، وفق النيابة العامة، توفير الضمانات القانونية اللازمة وتعيين مدافع قضائي.
وتربط النيابة العامة الإسبانية أي عودة محتملة بتوفر شروط محددة في بلد المنشأ، إذ أبرزت غيسبرت أن إعادة القاصر تتطلب معرفة وضعه الأسري والتأكد من أنه لن يجد نفسه في حالة انعدام حماية، وهو ما يستدعي تعاون القنصلية والسلطات في بلده الأصل.
وتواجه سبتة المحتلة ضغطا كبيرا على منظومة حماية القاصرين، بعدما كانت تضم نحو 800 قاصر تحت الحماية قبل أزمة 30 يوليوز، وهي أعداد كانت تتجاوز قدرتها الاستيعابية.
ومع وصول أعداد جديدة خلال الأزمة الأخيرة، تحولت مسألة نقل القاصرين إلى شبه الجزيرة لأحد أبرز الملفات المطروحة على السلطات الإسبانية.
وفي هذا السياق، أعلنت الحكومة الإسبانية عن تخصيص موارد إضافية لنقل مئات القاصرين إلى شبه الجزيرة، بينما تستمر الضغوط السياسية المطالبة بإعادتهم إلى المغرب.
بدورها، تواجه النيابة العامة الإسبانية ضغطا متزايدا بسبب حجم الملفات، إذ كشفت غيسبرت أن نيابة سبتة تعمل بثمانية مدعين عامين من أصل تسعة، في وقت تضاعفت فيه المهام المرتبطة بتحديد أعمار القاصرين وإجراء المقابلات ودراسة أوضاعهم، إضافة إلى الحاجة إلى مزيد من المترجمين، باعتبار أن المقابلات الفردية تمثل جزءا أساسيا من المسار القانوني للإعادة.
دفن 18 مهاجرا
ولم تتوقف تداعيات الأزمة الأخيرة عند التدبير الأمني والحدودي، بل امتدت إلى ملف الضحايا الذين لقوا حتفهم خلال موجة الدخول الجماعي، فبعد ثلاثة أسابيع من الأحداث، دفن أمس الجمعة 18 مهاجرا في المقبرة الإسلامية بالمدينة، فيما تواصل السلطات الإسبانية إجراءات تحديد هويات الضحايا الذين عثر عليهم عقب الأزمة.
وفق تقارير إسبانية، وضعت أرقام على القبور لتسهيل التعرف على أصحابها مستقبلا في حال تقدم أفراد أسرهم للمطالبة بالرفات، بينما تتواصل عملية تحديد الهوية وسط مطالب من الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بوقف عمليات الدفن إلى حين استكمال إجراءات التعرف على الجثث وإعادتها إلى المغرب.
الوضع الصحي مقلق
بينما تحاول السلطات الإسبانية استكمال عمليات تحديد هوية الضحايا، بدأت تداعيات الأزمة تظهر أيضا داخل صفوف الأجهزة الأمنية التي تولت عمليات الاحتواء والاستقبال والنقل، في وقت تئن فيه المدينة تحت وطأت وضع مأساوي يعيشه المهاجرون كل يوم.
وأعلنت الجمعية الموحدة للحرس المدني الإسباني “AUGC” تسجيل أول حالة جرب بين أفراد الحرس المدني المنتشرين في سبتة منذ 30 يوليوز، مطالبة باتخاذ إجراءات وقائية لتفادي تسجيل إصابات إضافية.
وحذرت الجمعية من المخاطر الصحية التي يمكن أن يتعرض لها عناصر الأمن خلال عمليات احتواء الوافدين وتحديد هوياتهم واحتجازهم ونقلهم وتقديم الرعاية لهم، مشيرة إلى احتمال التعرض للجرب والطفيليات الخارجية، إضافة إلى أمراض معدية أخرى، من بينها السل والتهاب الكبد والتهاب السحايا وبعض أنواع العدوى البكتيرية.
وطالبت بإجراء تقييم خاص للمخاطر، وتوفير معدات الحماية الشخصية، وتعزيز عمليات تنظيف وتعقيم المرافق والمركبات، إلى جانب تشديد المراقبة الصحية على أفراد الحرس المدني ووضع بروتوكول للتعامل مع حالات التعرض المحتملة للعدوى.
وأثارت الجمعية مسألة نقل بعض عناصر الأمن لملابسهم الرسمية إلى منازلهم لغسلها، معتبرة أن هذه الممارسة قد ترفع مستوى المخاطر الصحية على أفراد أسرهم.
الضغط ينتقل إلى محيط المساكن
لم ينجح تغيير موقع مخيم إيواء المهاجرين بسبتة في إنهاء التوتر في حي لوما كولمنار، إذ ظل مئات الأشخاص منتشرين في محيط المباني السكنية، بينما تشكلت طوابير طويلة أمام مركز الإيواء الجديد في إمبولساميينتو، وفق ما كشفته تقارير صحفية إسبانية.
وأكدت المصادر ذاتها أنه في ظل محدودية الطاقة الاستيعابية للمخيم، بقي العشرات أو المئات خارج المنشأة، بعضهم ينام في المناطق المشتركة ومداخل المباني، ما دفع السكان إلى الاحتجاج يومين متتاليين للمطالبة بحل لا ينقل المشكلة من مكان إلى آخر.
وأشارت إلى أن تشغيل مركز الإيواء لم يبدد الضغط عن الحي، بل نقل جزءا منه إلى الشوارع المحيطة به، فقد اضطرّت الشرطة إلى التدخل لتنظيم طوابير الدخول والسيطرة على حالة الازدحام، فيما سجلت احتكاكات بين المنتظرين بسبب محاولات تجاوز الطابور.
نفايات ونيران وسط خطر الحرائق
لا تقتصر تداعيات أزمة الهجرة في سبتة على محيط مراكز الإيواء والأحياء السكنية، بل امتدت إلى المناطق الغابوية، حيث يواصل مئات المهاجرين العيش في ملاجئ عشوائية أقيمت باستخدام البلاستيك والبطانيات والكرتون والأخشاب، في ظل غياب بدائل للإقامة.
وكشفت صحيفة “سوتا” إثر جولة ميدانية في محيط مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين “CETI” انتشار مخلفات الطعام والملابس والأكياس والعبوات بين الأشجار وعلى المسالك وفي محيط أماكن النوم.
وأكدت أن حدة الوضع تزداد مع تسجيل آثار نيران مشتعلة وسط الغطاء النباتي الجاف، إذ يستخدم المهاجرون النيران للطهي والتدفئة والإنارة، بينما يحذر المشهد من احتمال تحول أي شرارة إلى حريق في ظل ارتفاع درجات الحرارة وجفاف النباتات خلال شهر غشت، وقد اضطر رجال الإطفاء بالفعل إلى التدخل لإخماد حرائق صغيرة في مناطق غابوية خلال الأسابيع الأخيرة.

اترك تعليقاً