مغربية سبتة ومليلية تثير قلق الإسبان ومدريد تغير طريقة إدارة أزمة الهجرة

تواصل تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي بشأن سبتة ومليلية، والتي أعاد فيها تأكيد الموقف المغربي بأن المدينتين ينبغي أن تعودا إلى “حضن الوطن”، تثير الجدل في إسبانيا، في وقت تعيش فيه سبتة أزمة هجرة غير مسبوقة دفعت حكومة بيدرو سانشيز إلى تغيير طريقة تدبير الملف وإقرار قيادة مركزية موحدة تتولى إدارة الأزمة بشكل مباشر.

وجاءت تصريحات وهبي لتضيف بعدا سياسيا وسياديا إلى أزمة بدأت أساسا بوصفها أزمة هجرة وحدود في 30 يوليوز الماضي، بعدما ربط الوزير المغربي بين دخول عدد كبير من المهاجرين إلى سبتة وبين اقتناع بعضهم بأن المدينة “مغربية”، وهو ما أثار قلقا في مدريد التي جددت التأكيد أن سبتة ومليلية “مدينتان إسبانيتان”.

وبحسب التصريحات التي أدلى بها وزير العدل المغربي، فإن بعض الشباب الذين حاولوا عبور الحدود كانوا يبررون محاولتهم بالقول إن سبتة مغربية، وقال: “كان بعض الشباب يقولون لنا: نريد الدخول إلى سبتة لأن سبتة مغربية، والدستوري يضمن لنا حرية التنقل فوق التراب الوطني، فكيف كان بإمكاننا أن نمنعهم؟”.

ولم تتوقف تصريحات المسؤول المغربي عند تفسير سلوك المهاجرين، بل انتقلت إلى تأكيد الموقف السياسي المغربي من المدينتين، مشددا على أن قضية سبتة ومليلية “ستظل موضوع حوار” بين المغرب وإسبانيا، مضيفا أن الرباط ستتمسك بحقها التاريخي والجغرافي في المدينتين.

المغرب يعيد ملف سبتة ومليلية للواجهة ومدريد ترد

التصريحات المغربية قوبلت برد إسباني واضح، إذ أكدت وزارة الخارجية، وفي ما نقلته صحيفة “ABC” الإسبانية مساء يوم أمس الإثنين، رفضها لأي تشكيك في الوضع القانوني والسيادي لسبتة ومليلية.

ونقلت المصادر الحكومية الإسبانية موقفا حازما مفاده أن المدينتين “إسبانيتان” وأنهما تشكلان جزءا من الدولة الإسبانية.

وشددت مصادر وزارة الخارجية، التي يقودها خوسيه مانويل ألباريس، على أن إسبانيا “ترفض وسترفض بشكل قاطع أي طرح مختلف بشأن سبتة ومليلية”.

ويعكس الرد الإسباني حساسية استثنائية تجاه أي ربط بين أزمة الهجرة الأخيرة ومسألة السيادة على المدينتين، خصوصا أن سبتة باتت خلال الأسابيع الماضية مركز أزمة سياسية وأمنية وإنسانية واسعة النطاق، بعد دخول عشرات الآلاف من المهاجرين في وقت قصير.

وتنظر مدريد إلى التصريحات المغربية باعتبارها عاملا إضافيا يزيد تعقيد الأزمة، لكونها تنقل النقاش من إدارة الحدود واستقبال المهاجرين وإعادتهم إلى المغرب، إلى مستوى أكثر حساسية يتعلق بالسيادة والوحدة الترابية، وفق ما أكدته تقارير إسبانية.

أزمة الهجرة تضغط على حكومة سانشيز

ويتزامن التوتر مع المغرب مع ضغوط داخلية قوية على حكومة بيدرو سانشيز، التي تعرضت طوال نحو شهر لانتقادات حادة بسبب طريقة تعاملها مع أزمة سبتة المحتلة.

وبعد مرور قرابة شهر على اندلاع الأزمة، ما يزال آلاف المهاجرين موجودين في شوارع الثغر المغربي المحتل من دون مراكز إيواء كافية، بينما تواجه السلطات صعوبات في تحديد أعدادهم بدقة وفي تسجيل هوياتهم وبدء الإجراءات القانونية الخاصة بكل حالة.

وبحسب المعطيات الواردة في التقارير الإسبانية، دخل نحو 80 ألف مهاجر إلى سبتة خلال الأزمة، وهو رقم يقارب عدد سكان المدينة نفسها، غير أن 95 بالمئة منهم طوعا إلى المغرب، بينما بقي آلاف آخرون داخل المدينة.

وتشير التقديرات، حسب تقارير محلية، إلى وجود نحو خمسة آلاف شخص لا يرغبون في مغادرة سبتة، بينما لم تتمكن السلطات حتى الآن إلا من توفير أماكن لإيواء نحو 1800 شخص.

أما القاصرون، فتقول الحكومة الإسبانية إن نحو 2900 منهم أصبحوا تحت المراقبة وتم إيواؤهم، في حين تظل مشكلة البالغين أكثر تعقيدا بسبب ضرورة تسجيل كل شخص على حدة، وفتح ملف قانوني فردي قبل اتخاذ أي إجراء محتمل للترحيل.

من التنسيق المشترك إلى “القيادة الموحدة”

وقرر رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، تغيير الاستراتيجية التي تبنتها حكومته منذ بداية الأزمة، أمام تصاعد الانتقادات واستمرار حالة الفوضى.

وبعد أسابيع من رفض فكرة إنشاء “قيادة مركزية موحدة” لإدارة أزمة سبتة، على أساس أنها غير ضرورية، قررت الحكومة في نهاية المطاف القبول بالخيار الذي كان يطالب به رئيس حكومة سبتة خوان خيسوس فيفاس وحزب الشعب المعارض.

ووفق ما كشفته “إل باييس” صباح اليوم الثلاثاء، فيعني القرار عمليا انتقال جزء كبير من إدارة الأزمة إلى الحكومة المركزية، بدل استمرار النموذج السابق الذي كانت فيه مدريد وسلطات سبتة تديران الملف بشكل مشترك، مع احتفاظ كل طرف بصلاحياته.

وسيترأس القيادة الجديدة وزير السياسة الإقليمية أنخيل فيكتور توريس، الرئيس السابق لحكومة جزر الكناري، الذي كلفه سانشيز بمهمة تنسيق الملف والإشراف المباشر على إدارة الأزمة.

ومن المنتظر أن تشمل القيادة الجديدة ممثلين عن حكومة سبتة، ومندوب الحكومة المركزية، والوزارات المعنية، إضافة إلى المركز الوطني للاستخبارات الإسباني.

ورغم المطالب المتكررة لإحداث قيادة موحدة، واستجابة سانشيز للأمر، فقد جر عليه القرار انتقادات المعارضة، إذ تنظر إلى الخطوة باعتبارها تراجعا واضحا من الحكومة، خصوصا أن حزب الشعب طالب منذ بداية الأزمة بإنشاء قيادة موحدة.

وسارع زعيم الحزب ألبرتو نونييث فييخو إلى استثمار القرار سياسيا، معتبرا أن الحكومة أقرت متأخرة بصحة موقف حزبه.

وفي المقابل، تحاول الحكومة تقديم القرار باعتباره استجابة لانتقال الأزمة إلى مرحلة جديدة تتطلب تنسيقا أوسع بين مؤسسات الدولة.

وقال نائب رئيس الحكومة كارلوس كويربو إن الوضع تجاوز البعد الأمني، وإن تنسيق عمل الإدارات المختلفة أصبح أكثر أهمية، وهو ما يبرر إنشاء قيادة موحدة.

سبتة تضغط لتسريع إعادة المهاجرين والقاصرين

بدوره، صعد رئيس حكومة سبتة خوان خيسوس فيفاس، لهجته تجاه مدريد، متهما إياها بعدم تقديم الدعم الكافي، بعدما كان بدوره من أبرز المطالبين بإنشاء قيادة موحدة، كما وضع تسريع إعادة المهاجرين إلى المغرب في مقدمة أولوياته.

وردت الحكومة الإسبانية على هذه الانتقادات بالتأكيد أن الدولة ستكون حاضرة بقوة في سبتة، إذ كويربو خلال زيارته للمدينة إن سبتة، رغم كونها منطقة حدودية، يجب أن تشعر بحضور الدولة بالطريقة نفسها التي يشعر بها المواطنون في شبه الجزيرة الإيبيرية.

وتعهد بأن تساهم القيادة الموحدة في تسريع عمليات إعادة البالغين وفي تحسين إدارة ملف القاصرين، إلى جانب تعزيز الحدود لمنع تكرار أزمة مماثلة.

المغرب يدافع عن طريقة إدارته للأزمة

في المقابل، يرفض المغرب الانتقادات التي تحمله مسؤولية السماح بتدفق المهاجرين باتجاه سبتة، معتبرا أن تجنب المواجهة المباشرة مع الشباب والمراهقين الذين حاولوا الوصول إلى المدينة حال دون سقوط عدد كبير من الضحايا.

وقال وهبي في تصريحات سابقة إن الدخول في مواجهة مباشرة كان يمكن أن يؤدي إلى وقوع ضحايا بين الشباب المغاربة، ولذلك اختارت السلطات إدارة الأزمة “بذكاء وهدوء ومسؤولية”.

وأضاف أن السلطات حاولت منع المهاجرين من العبور عند وصولهم إلى الحدود، لكن بعضهم توجه بعد ذلك نحو البحر.

وطالبت الرباط إسبانيا بإعادة المهاجرين الناجين إلى المغرب وتسليم جثامين الذين لقوا مصرعهم خلال محاولات العبور، وطالبت بتعاون أوسع بين البلدين في إدارة ملف الهجرة.

سبتة الرابح الأكبر

وإلى جانب الإجراءات الأمنية والإدارية، تستعد الحكومة الإسبانية لضخ أموال إضافية في اقتصاد سبتة، الذي تضرر بشدة بسبب الأزمة.

وتقول مدريد إن هناك بالفعل خطة بقيمة 180 مليون يورو قيد التنفيذ، لكنها ترى أن الظروف الحالية تتطلب موارد إضافية وإجراءات استثنائية.

وتشمل الخطط المرتقبة تعزيز الأمن الحضري، ودعم الخدمات العامة، وتحسين ظروف الشركات والعاملين لحسابهم الخاص والعمال، إلى جانب توفير موارد إضافية لإدارة ملف المهاجرين.

غير أن حكومة بيدرو سانشيز، ترى أن أزمة سبتة تشكل اختبارا بالغ الحساسية، لأنها تضرب مباشرة في واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل في إسبانيا وأوروبا: الهجرة.

وقد سمح استمرار الفوضى للمعارضة اليمينية بتوجيه انتقادات قوية إلى الحكومة واتهامها بالعجز عن حماية الحدود وإدارة تدفقات الهجرة.

وفي الوقت نفسه، يزيد البعد المغربي للأزمة من الضغوط على سانشيز، لأن حكومته مطالبة بالحفاظ على التعاون مع الرباط في قضايا الهجرة والأمن، في وقت تتسمك المملكة بحقها التاريخي والجغرافي في سبتة ومليلية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *