جيل وُلد مع العهد الجديد.. 27 عاما غيّرت المغرب فهل تغيّرت معها شروط حياة الشباب؟

سبعة وعشرون عاما تفصل بين مغرب 1999 ومغرب 2026، وهي بالضبط سنوات عمر جيل ولد مع بداية عهد جلالة الملك محمد السادس، وكبر بينما كانت البلاد تغيّر طرقها ومدنها واقتصادها ومدارسها ووسائل اتصالها، وتعيد رسم علاقتها بالعالم وبالمستقبل.

جيل لم يعرف مغربا قبل “محمد السادس”العهد الجديد”، وفتح عينيه على بلد كان الإنترنت فيه في بداياته، قبل أن يبلغ السابعة والعشرين في مغرب وصلت فيه نسبة التمدن إلى 62.8 في المئة، وتوسعت فيه البنيات التحتية وشبكات الاتصال، وظهرت صناعات ومهن وفرص لم تكن جزءا من المشهد الاقتصادي عند ولادته.

لكن التحولات التي شهدها المغرب بين 1999 و2026 لا تكتمل قراءتها من خلال الطرق والموانئ وشبكات الاتصال والمؤشرات الاقتصادية وحدها، سيما وأن جزء آخر من الصورة يوجد في المسار الذي قطعه الشباب أنفسهم، من المدرسة والجامعة إلى أول وظيفة وأول هاتف، ومن الاعتماد على الأسرة إلى البحث عن دخل واستقلال وحياة خاصة.

الشاب المغربي الذي يبلغ اليوم 27 عاما نشأ في عالم أكثر اتصالا، وأمام مصادر أوسع للمعرفة والتكوين والعمل، غير أن وصوله إلى سن الاندماج المهني يكشف أن اتساع الخيارات لم يحسم واحدة من أقدم معضلات الشباب وهي العثور على موقع داخل سوق الشغل.

وتظهر معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن حواليي 2.9 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة يوجدون خارج الشغل والدراسة والتكوين، ويتركز قرابة نصفهم في الفئة العمرية بين 25 و29 سنة.

تلك هي إحدى المفارقات التي طبعت مسار هذا الجيل، فقد تغير المغرب الذي ولد فيه، وتعددت مسارات الدراسة والتكوين والوصول إلى المعرفة وظهرت قطاعات ومهن جديدة لكن الاستفادة من هذه التحولات لم تكن متساوية، وظلت القدرة على تحويلها إلى وظيفة ودخل واستقلال مرتبطة بالتكوين والمجال الذي يعيش فيه الشاب والفرص التي يتيحها الاقتصاد.

ومن هذه الزاوية، يتيح عيد الشباب فرصة لقراءة سبعة وعشرين عاما من التحولات من خلال أثرها على جيل عاشها كاملة، فقراءة لمغرب 1999 من موقع 2026، من خلال جيل ولد في بداية العهد وكبر مع تحولاته يصل اليوم إلى مرحلة يفترض أن ينتقل فيها من الاستفادة من الفرص التي صنعها هذا المسار إلى المشاركة في صناعة المرحلة المقبلة.

ولدوا سنة 1999.. أي مغرب كان ينتظرهم؟

لا توجد صورة إحصائية خاصة بالمغرب سنة 1999، إذ جاءت تلك السنة بين إحصائي 1994 و2004، لكن المؤشرات المحيطة بها تسمح باستعادة ملامح البلد الذي بدأ فيه هذا الجيل حياته، من أسرة أكبر حجما، ومجتمع أقل تمدنا، وإنترنت محدود الانتشار، وسوق عمل لم تكن قطاعات؛ أصبحت اليوم من أعمدة الصناعة والتصدير، قد أخذت داخله موقعها الحالي.

أقرب تعداد إلى تلك المرحلة، وهو إحصاء 2004 الذي يقدم نقطة انطلاق مفيدة، ففي عشرين عاما تراجع متوسط حجم الأسرة المغربية من 5.3 أفراد إلى 3.9 أفراد سنة 2024، فيما أصبح 23.1 مليون مغربي يعيشون في الوسط الحضري.

لكن التحول داخل الأسرة، يظهر بصورة أوضح حين يوضع شاب في السابعة والعشرين إلى جانب أبيه عندما كان في العمر نفسه.

أمين ذو 27 عاما، شخصية مركبة في هذه المسودة، فهو حاصل على شهادة جامعية وتكوين إضافي ولم يحصل على أول عقد عمل إلا بعد المرور من تدريبين في العمر نفسه، فيما كان والده قد راكم سنوات من العمل وبدأ تحمل أعباء أسرته.

يختصر أمين، في حديثه لجريدة “AM+ MEDIA” الفارق في صياغة نموذجية بالقول: “والدي بدأ العمل في سن مبكرة، وفي السابعة والعشرين كان قد استقر مهنيا وتزوج، أما أنا فقضيت سنوات أكثر في الدراسة، وبعدها احتجت إلى التكوين والتداريب قبل الحصول على أول عقد لدي”، مضيفا “لدي اختيارات ووسائل راحة وإمكانيات بصدق لم تكن متاحة له، لكن الوصول إلى الاستقرار أخذ مني وقتا أطول”.

والده سعيد، ينظر إلى المسألة من الجهة الأخرى، إذ لم تكن أمامه، كما يقول في الشهادة النموذجية قائمة طويلة من الاختيارات المهنية “كنا نبحث عن العمل أولا، ولم نكن نفكر كثيرا في أن يكون مطابقا لما نريده، ابني مثلا يستطيع اختيار تخصصه وتغيير عمله والبحث عن فرص حتى خارج المغرب، لكن المطلوب منه اليوم أكبر شهادة ولغات وحاسوب وتجربة، وكلما حصل على شيء اكتشف أن عليه إضافة شيء آخر”.

وبين المسارين تغير أكثر من سوق العمل، فقد تغير توقيت الانتقال إلى حياة الراشدين نفسها، فسنوات الدراسة والتكوين أطول بالنسبة إلى شرائح من الشباب، وشروط الولوج إلى عدد من الوظائف أصبحت أكثر تعقيدا، فيما لم يعد الحصول على شهادة يعني بالضرورة الانتقال المباشر إلى العمل.

حين أصبحت المدينة أكبر من البيت

بالتوازي مع تغير الأسرة، تغير المجال العيش، فخلال العقود الأخيرة واصل الثقل السكاني انتقاله نحو المدن، ولم يكن ذلك مجرد حركة للسكان، بل انتقالا للضغط على السكن والنقل والتعليم والصحة والعمل إلى المجالات الحضرية، مع توسع الضواحي وظهور أحياء ومراكز عمرانية جديدة.

وتكشف المقارنة بين سلمى ووالدتها وجها آخر لهذا التحول، فسلمى في السابعة والعشرين تتابع دراستها في سلك الدكتوراه بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، وتعمل في الدار البيضاء كما تسكن مع أسرتها، أما والدتها كانت في العمر نفسه متزوجة وتعيش في بيت مستقل عن والديها.

سلمى، ترفض اختزال الفرق في تأخر الزواج، وتقول لـ “AM+MEDIA”: “أمي في عمري كانت عندها حياتها ودارها، لكن حياتها المهنية لم تكن مثل حياتي فأنا أدرس، أشتغل وأتنقل وحدي بين المدينتين وأدبر أموري المادية وأستطيع السفر ومتابعة تكويني، لكن فكرة أن أكتري وحدي وأتحمل جميع المصاريف، أو حتى الزواج والاستقرار وبيت، تجعلني أفضل البقاء مع أسرتي حاليا”.

وترد والدتها من زاوية مختلفة: “كانت عندنا مصاريف أقل واختيارات أقل أيضا، اليوم البنت كتقرا أكثر وكتخدم وكتفكر في مسارها قبل الزواج، ما يمكنش نقارن غير شكون خرج من دار والديه بكري”.

هذه التفاصيل تمنع المقارنة من السقوط في حنين سهل إلى الماضي، فالاستقلالية لم تعد تعني الشيء نفسه تماما بالنسبة إلى جيل سابق كان يمكن أن يرتبط بالزواج وتأسيس بيت في سن مبكرة، أما بالنسبة إلى جزء من شباب اليوم، فقد أصبح يرتبط أولا بالقدرة على تمويل حياة مستقلة والمحافظة في الوقت نفسه على مستوى الدراسة والعمل والتنقل والاستهلاك الذي أصبح جزءا من حياته.

من أول اتصال بالإنترنت إلى البحث عن العمل من الهاتف

إذا كان تغير الأسرة والمدينة يحتاج إلى أرقام ومقارنات، فإن المسافة الرقمية بين الجيلين تكاد تكون مرئية بالعين، فمواليد 1999 عاشوا طفولة سبقت الهاتف الذكي وشبكات التواصل الاجتماعي بصورتها الحالية، ثم دخل الإنترنت تدريجيا إلى المدرسة والجامعة والعمل والحياة اليومية.

وتوثق بيانات الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات التوسع الكبير الذي عرفه استخدام الإنترنت والاتصالات في المملكة خلال هذه الفترة، غير أن أثر هذا التحول لا يقف عند الاتصال، فحين بحث والد أمين عن أول وظيفة، كان مجال البحث محكوما إلى حد بعيد بالمكان الذي يعيش فيه وبالإعلانات والمباريات وشبكة العلاقات المباشرة، أما ابنه فيستطيع اليوم أن يتقدم في صباح واحد إلى وظائف في الرباط والدار البيضاء وطنجة، أو أنا يجتاز مقابلة عمل عن بعد مع مؤسسة خارج المغرب.

وتحكي سلمى أنها حصلت على إحدى فرصها المهنية عبر إعلان وجدته على الإنترنت، قبل أن تجري أول مقابلة عن بعد، أما والدتها، لم تكن هذه الجغرافيا المهنية موجودة أصلا في شبابها، وتقول: “باش تقلبي على خدمة، خاصك تعرفي فين تمشي وتسولي وتدفعي وراقك، لكن اليوم تقدر تقلب على عشرات العروض وهي (سلمى) فالدار”.

لكن سهولة الوصول إلى الإعلان لم تجعل المنافسة عليه أسهل، فالشاب الذي يستطيع رؤية فرص أكثر يرى في الوقت نفسه عدد المرشحين لها، ويجد أمامه متطلبات تتغير باستمرار، من اللغات، والبرمجيات، والخبرة، إلى الشهادات الإضافية والقدرة على التعلم السريع.

كما أن الإنترنت غيّر معيار المقارنة، فلم يعد شاب مدينة صغيرة يقارن نفسه فقط بأقرانه في الحي أو المدينة، بل يرى يوميا كيف يدرس ويعمل ويعيش شباب في مدن مغربية أخرى وفي الخارج، ويعرف الرواتب والجامعات والمهن والفرص التي لم يكن الجيل السابق يعرف عنها بالسرعة نفسها، وهذا يعني أن المسافة إلى العالم أصبحت أقصر لكن المسافة إلى الفرصة لم تختف.

الرحيل نفسه لأسباب مختلفة

تظهر الفوارق بصورة أوضح خارج المحاور الحضرية الكبرى، فسعد شاب ولد في بلدة صغيرة نواحي تاونات، واحتاج إلى مغادرتها بعد البكالوريا لمتابعة دراسته الجامعية، أما والده فقد غادر المنطقة نفسها وهو أصغر سنا، لكن بحثا عن العمل.

يقول سعد في حديث لجريدة “AM+ MEDIA”: “أبي خرج من المدينة لأنه ما كانش عندو فين يخدم، أنا خرجت باش نقرا، الفرق أنني قدرت نوصل للجامعة، لكن من بعد التخرج رجعت نطرح تقريبا السؤال نفسه ديالو: فين غادي نخدم؟”.

في جملة واحدة تلتقي تجربتان تفصل بينهما عقود، فوالده غادر بموارد تعليمية محدودة بحثا عن دخل، أما الابن فقد غادر للحصول على شهادة، ثم وجد نفسه بعد التخرج أمام تمركز جانب من الفرص المهنية في المدن والأقطاب الاقتصادية الكبرى.

أما الأب فيصف الفارق على طريقته: “هو عندو قراية وحاسوب ولغات وأنا ما كانش عندي هادشي، أنا كنت كنمشي فين كاينة الخدمة، وهو حتى دابا خاصو يمشي فين كاينة الخدمة، غير كل واحد فينا بطريقتو”.

هذه المقارنة تضع مسألة المجال في مكانها الصحيح، وصول الإنترنت أو تحسن الطريق أو توسع التعليم لا يعني بالضرورة أن الوظيفة انتقلت إلى المكان نفسه، وقد يصبح الوصول إلى الفرصة أسهل من الناحية المادية، فيما يظل الحصول عليها مشروطا بالانتقال إلى مركز اقتصادي آخر.

لهذا يصعب الحديث عن مواليد 1999 باعتبارهم جيلا بتجربة واحدة، شاب ولد في الدار البيضاء داخل أسرة قادرة على تمويل دراسته وتعلم اللغات لا يبدأ من النقطة نفسها التي يبدأ منها شاب في منطقة بعيدة عن الجامعة، أو فتاة تحتاج إلى الانتقال إلى مدينة أخرى لمتابعة تخصص غير متاح قرب أسرتها، فالعمر واحد أما نقطة الانطلاق فليست كذلك.

وظائف لم يكن الآباء يعرفون أسماءها

حين دخل مواليد 1999 المدرسة، لم تكن صناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة والخدمات الرقمية تحتل داخل الاقتصاد المغربي الموقع الذي وصلت إليه اليوم، من تخصصات ومهن جديدة، وتغير طبيعة المهارات التي يبحث عنها المشغلون.

عماد مثلا، الذي يعمل في البرمجيات بالعاصمة الرباط، يقول للجريدة إن والديه؛ على الرغم من مستواهما التعليمي المتقدم “احتاجا وقتا لفهم بالضبط ماذا يفعل”، ومبرزا مفارقة بين جيلين، فعدد من المهن التي يعمل فيها شباب اليوم لم تكن جزءا من القاموس المهني للأسر عندما دخل أبناؤها المدرسة.

في المقابل، لا تعني كثرة المسارات المهنية أن الدخول إليها أصبح تلقائيا، فالاقتصاد الذي خلق وظائف جديدة رفع أيضا مستوى المهارات المطلوبة، وأصبح الانتقال بين الجامعة والعمل يمر بالنسبة إلى كثيرين عبر التدريب والتخصص واللغات والمهارات الرقمية.

وحين ولد أبناء 1999، كان الشغل حاضرا منذ البداية في تصور العهد الجديد لموقع الشباب داخل مشروع التنمية، ففي أول خطاب للعرش وضع جلالة الملك محمد السادس التعليم في صدارة الأولويات، وربطه صراحة بإعداد الأجيال للولوج إلى الحياة العملية ومواجهة البطالة.

وظل تشغيل الشباب خلال السنوات اللاحقة، ملازما للنقاش حول الاستثمار والتعليم والتنمية البشرية وتحديث الاقتصاد، لكن البيئة الاقتصادية التي كان يفترض أن يعمل داخلها هؤلاء الأطفال لم تكن قد تشكلت بعد بالصورة التي نعرفها اليوم.

فميناء طنجة المتوسط لم يكن قد دخل الخدمة، والقطار فائق السرعة لم يكن موجودا، وشبكة الطرق السيارة كانت أصغر بكثير، فيما لم تكن صناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة قد بلغت الوزن الذي ستكتسبه لاحقا.

لذلك، فإن جيل 1999 لم يكبر فقط داخل اقتصاد توسع حجمه، بل عاصر انتقال المغرب إلى نموذج راهن بقوة على البنية التحتية لجذب الاستثمار وربط المملكة بالأسواق الدولية.

هذا الاختيار ظهر مبكرا في التوجيهات الملكية، ففي خطاب العرش لسنة 2005، تحدث جلالة الملك عن المضي في إنجاز المشاريع الهيكلية الكبرى، وفي مقدمتها طنجة المتوسط وتوسيع شبكة الطرق السيارة، وربط ذلك بتحسين مناخ الاستثمار المنتج.

وفي السنة نفسها، أطلقت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، واضعة تقليص العجز الاجتماعي وإحداث الأنشطة المدرة للدخل والشغل ضمن محاورها الأساسية.

وبالنسبة إلى مواليد 1999، كانت هذه الأوراش تتقدم فيما كانوا ينتقلون من المدرسة إلى الجامعة ثم إلى سوق العمل، وعندما بلغوا سن البحث عن أول وظيفة، كانت خريطة الاقتصاد قد تغيرت فعلا.

طنجة على سبيل المثال، لم تعد المدينة الاقتصادية نفسها التي كانت عليها في طفولتهم، فالمركب المينائي والصناعي لطنجة المتوسط تحول إلى منصة مرتبطة بسلاسل الإنتاج والتجارة الدولية، ونمت حوله أنشطة صناعية ولوجستية وخدماتية.

وفي الجهة الشرقية، يستعد ميناء الناظور غرب المتوسط للدخول إلى التشغيل خلال الربع الأخير من 2026، في استمرار لخيار ربط الاقتصاد المغربي بسلاسل القيمة العالمية الذي تضعه الرؤية الملكية السامية في صلب تطوير البنيات المينائية.

وتغيرت الصناعة بدورها، فالمغرب الذي كان يستقبل أبناء 1999 في مدارسهم الأولى ليس هو المغرب الصناعي الذي دخلوا سوق عمله بعد عقدين، كما توسعت صناعة السيارات والطيران، ونمت منظومات مرتبطة بالإلكترونيات واللوجستيك والطاقات المتجددة، وأصبحت المهن التقنية والهندسية والرقمية جزءا أكبر من الطلب على الكفاءات.

هنا تظهر واحدة من أهم نتائج التحول الذي جرى خلال “العهد الجديد”، إذ لم يعد مسار التشغيل مرتبطا أساسا بالإدارة والفلاحة والقطاعات التقليدية والخدمات البسيطة، كما أصبحت هناك خريطة أوسع للمهن والاستثمار، وأصبح بإمكان شاب مغربي أن يعمل داخل سلسلة إنتاج صناعية موجهة إلى الأسواق العالمية من مصنع في طنجة أو القنيطرة أو الدار البيضاء.

لكن بناء الاقتصاد الجديد لم يحسم تلقائيا معضلة الشغل، فقد حضرت داخل الخطاب الملكي نفسه على امتداد العهد الجديد، ففي خطاب سابق للعرش وضع الملك السؤال بصيغة تربط قيمة المشاريع الكبرى بأثرها الفعلي على حياة المواطنين، بعدما استعرض التحولات في الموانئ والطرق والطاقة والتنمية البشرية.

وبعد سنوات، تظهر أرقام سوق الشغل لماذا بقي هذا السؤال قائما، ففي 2025، أحدث الاقتصاد المغربي 193 ألف منصب صاف، أكثر من ضعف 82 ألف منصب المحدثة في السنة السابقة، لكن توزيعها يكشف أين يتحرك الاقتصاد الجديد، فالخدمات أضافت 123 ألف وظيفة، والبناء والأشغال العمومية 64 ألفا، والصناعة 46 ألفا، بينما فقدت الفلاحة والغابات والصيد 41 ألف منصب.

الأكثر دلالة أن المدن أحدثت 203 آلاف وظيفة، في حين فقد الوسط القروي 10 آلاف، وهذا يعني أن الوظيفة تتحرك أكثر نحو المدينة والخدمات والصناعة، أي نحو المجالات نفسها التي تركزت فيها خلال العهد الجديد استثمارات الطرق والموانئ والمناطق الصناعية والبنيات اللوجستية.

وهكذا، فإنه بعد سبعة وعشرين عاما، يصل مواليد 1999 إلى سنّ يفترض أن يكونوا فيها قد انتقلوا من مقاعد الدراسة إلى قلب الاقتصاد والمجتمع.

ويختلف المغرب الذي يستقبلهم اليوم جذريا عن البلد الذي ولدوا فيه، طرق وموانئ وصناعات وبنيات رقمية وفرص ومهن لم تكن موجودة، واقتصاد أصبح أكثر اتصالا بالأسواق العالمية، لكن تجربة هذا الجيل تكشف أيضا أن بناء الفرصة لا يعني بالضرورة القدرة على الوصول إليها، فالفجوة بين المدينة والقرية، وبين التكوين وسوق الشغل، وبين الشهادة والاستقلال الاقتصادي، ما تزال ترسم مسارات شبابه بشكل غير متساو.

وإذا كان ربع القرن الأول من العهد الجديد قد غيّر البنية التي يعيش داخلها هذا الجيل، فإن الرهان الذي يواجه المغرب اليوم هو أن تتحول مكاسب هذا المسار إلى أثر ملموس في حياته، من شغل، ودخل، واستقلال، وقدرة على بناء المستقبل، عندها تصبح المقارنة بين مغرب 1999 ومغرب 2026 أكثر من مقارنة بين ما شيّد في البلاد وتصبح قياسا لما تغيّر فعلا في حياة من كبروا معها.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *