الوسم: عيد الشباب

  • طواف المشاعل يضيء سماء المضيق وتطوان احتفالا بعيد الشباب

    طواف المشاعل يضيء سماء المضيق وتطوان احتفالا بعيد الشباب

    عاشت مدينتا المضيق وتطوان، مساء أمس الجمعة، على إيقاع الطواف التقليدي بالمشاعل، الذي أضفى على شوارع المدينتين أجواء من البهجة والفرح والاعتزاز بالهوية الوطنية، وذلك تخليدا للذكرى الثالثة والستين لعيد الشباب السعيد.

    وانطلقت هذه الاحتفالات من كورنيش شاطئ المضيق وساحة المشور السعيد بمدينة تطوان قبل أن تمر عبر شوارع المدينتين، حيث قدمت تشكيلات من الموسيقيين والمشاة والخيالة وحملة المشاعل التابعة للحرس الملكي استعراضات احتفالية بديعة، اتسمت بالدقة العالية والانضباط والتناغم، وسط أجواء احتفالية طبعتها الهيبة والبهاء.

    وتابع سكان المدينتين وزوارهما لوحات استعراضية جمعت بين الأناقة والتناسق والإتقان، على إيقاع معزوفات مستوحاة من غنى وتنوع الريبرتوار الموسيقي الوطني، حيث تفاعل الجمهور مع جميع المعزوفات التي قدمتها الفرق الموسيقية العسكرية.

    وقد استقطبت هذه العروض جمهورا غفيرا اصطف على جنبات المسارات لمتابعة هذا الموعد الاحتفالي، الذي أبان عن مستوى عال من الانسجام بين مختلف التشكيلات المشاركة.

    وأبدعت عناصر الحرس الملكي في عروض فنية متنوعة، شملت حركات دقيقة في التحكم بالبنادق، ورسم تشكيلات هندسية متناغمة على شكل مربعات ودوائر ونجمة خماسية ورسم خريطة المملكة، فيما قدم حملة المشاعل والخيالة عروضا أدهشت المتتبعين.

    كما زادت اللوحات الفنية، التي قدمتها الفرقة الموسيقية التابعة لفوج المقر العام وتلك التابعة للقوات المسلحة الملكية الجوية والفرقة الموسيقية التابعة للدرك الملكي والفرقة الموسيقية التابعة للبحرية الملكية، من جمالية العروض التي عرفتها الأمسية، حيث أثارت عروضهم إعجاب الحاضرين بما حملته من تنوع إيقاعي وبصري، يعكس روح الانضباط والإبداع في صفوف القوات المسلحة الملكية.

    ويعتبر الطواف بالمشاعل من بين مظاهر الإبداع المغربي المتفرد والأصالة المغربية، وأضحى بما يحمله من رمزية تقليدا سنويا دأب على إنجازه بإتقان كبير الحرس الملكي منذ سنوات عديدة، خاصة خلال الاحتفال بعيدي العرش والشباب.

    ويتنافس حملة المشاعل والخيالة والموسيقيون على السواء لجعل بذلاتهم في أبهى حلة، ولتقديم أجمل العروض لإمتاع الجمهور ومشاركة الشعب المغربي احتفالاته بالأعياد الوطنية التي لها وقع خاص في نفوس المغاربة من كل الأجيال.

    تجدر الإشارة إلى أنه تم تنظيم الطواف بالمشاعل بمناسبة عيد العرش لأول مرة سنة 1947 انطلاقا من القصر الملكي بالرباط ليجوب أهم شوارع المدينة، على وقع نغمات الموسيقى العسكرية وفق نظام محكم.

    ومنذ سنة 1992، تم إغناء الطواف بالمشاعل باستعراض عسكري في المدينة التي تحتضن الاحتفالات الرسمية، لكن قبل ثلاث سنوات، أدخل الحرس الملكي عروضا كوريغرافية مقدمة من عسكريين شباب على هذا الطواف الذي صار يجتذب كل سنة الآلاف من المتفرجين، وهي عروض مصممة من طرف الحرس الملكي وتتطلب دقة متناهية لرسم لوحات بحركات الجنود.

  • جيل وُلد مع العهد الجديد.. 27 عاما غيّرت المغرب فهل تغيّرت معها شروط حياة الشباب؟

    جيل وُلد مع العهد الجديد.. 27 عاما غيّرت المغرب فهل تغيّرت معها شروط حياة الشباب؟

    سبعة وعشرون عاما تفصل بين مغرب 1999 ومغرب 2026، وهي بالضبط سنوات عمر جيل ولد مع بداية عهد جلالة الملك محمد السادس، وكبر بينما كانت البلاد تغيّر طرقها ومدنها واقتصادها ومدارسها ووسائل اتصالها، وتعيد رسم علاقتها بالعالم وبالمستقبل.

    جيل لم يعرف مغربا قبل “محمد السادس”العهد الجديد”، وفتح عينيه على بلد كان الإنترنت فيه في بداياته، قبل أن يبلغ السابعة والعشرين في مغرب وصلت فيه نسبة التمدن إلى 62.8 في المئة، وتوسعت فيه البنيات التحتية وشبكات الاتصال، وظهرت صناعات ومهن وفرص لم تكن جزءا من المشهد الاقتصادي عند ولادته.

    لكن التحولات التي شهدها المغرب بين 1999 و2026 لا تكتمل قراءتها من خلال الطرق والموانئ وشبكات الاتصال والمؤشرات الاقتصادية وحدها، سيما وأن جزء آخر من الصورة يوجد في المسار الذي قطعه الشباب أنفسهم، من المدرسة والجامعة إلى أول وظيفة وأول هاتف، ومن الاعتماد على الأسرة إلى البحث عن دخل واستقلال وحياة خاصة.

    الشاب المغربي الذي يبلغ اليوم 27 عاما نشأ في عالم أكثر اتصالا، وأمام مصادر أوسع للمعرفة والتكوين والعمل، غير أن وصوله إلى سن الاندماج المهني يكشف أن اتساع الخيارات لم يحسم واحدة من أقدم معضلات الشباب وهي العثور على موقع داخل سوق الشغل.

    وتظهر معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن حواليي 2.9 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة يوجدون خارج الشغل والدراسة والتكوين، ويتركز قرابة نصفهم في الفئة العمرية بين 25 و29 سنة.

    تلك هي إحدى المفارقات التي طبعت مسار هذا الجيل، فقد تغير المغرب الذي ولد فيه، وتعددت مسارات الدراسة والتكوين والوصول إلى المعرفة وظهرت قطاعات ومهن جديدة لكن الاستفادة من هذه التحولات لم تكن متساوية، وظلت القدرة على تحويلها إلى وظيفة ودخل واستقلال مرتبطة بالتكوين والمجال الذي يعيش فيه الشاب والفرص التي يتيحها الاقتصاد.

    ومن هذه الزاوية، يتيح عيد الشباب فرصة لقراءة سبعة وعشرين عاما من التحولات من خلال أثرها على جيل عاشها كاملة، فقراءة لمغرب 1999 من موقع 2026، من خلال جيل ولد في بداية العهد وكبر مع تحولاته يصل اليوم إلى مرحلة يفترض أن ينتقل فيها من الاستفادة من الفرص التي صنعها هذا المسار إلى المشاركة في صناعة المرحلة المقبلة.

    ولدوا سنة 1999.. أي مغرب كان ينتظرهم؟

    لا توجد صورة إحصائية خاصة بالمغرب سنة 1999، إذ جاءت تلك السنة بين إحصائي 1994 و2004، لكن المؤشرات المحيطة بها تسمح باستعادة ملامح البلد الذي بدأ فيه هذا الجيل حياته، من أسرة أكبر حجما، ومجتمع أقل تمدنا، وإنترنت محدود الانتشار، وسوق عمل لم تكن قطاعات؛ أصبحت اليوم من أعمدة الصناعة والتصدير، قد أخذت داخله موقعها الحالي.

    أقرب تعداد إلى تلك المرحلة، وهو إحصاء 2004 الذي يقدم نقطة انطلاق مفيدة، ففي عشرين عاما تراجع متوسط حجم الأسرة المغربية من 5.3 أفراد إلى 3.9 أفراد سنة 2024، فيما أصبح 23.1 مليون مغربي يعيشون في الوسط الحضري.

    لكن التحول داخل الأسرة، يظهر بصورة أوضح حين يوضع شاب في السابعة والعشرين إلى جانب أبيه عندما كان في العمر نفسه.

    أمين ذو 27 عاما، شخصية مركبة في هذه المسودة، فهو حاصل على شهادة جامعية وتكوين إضافي ولم يحصل على أول عقد عمل إلا بعد المرور من تدريبين في العمر نفسه، فيما كان والده قد راكم سنوات من العمل وبدأ تحمل أعباء أسرته.

    يختصر أمين، في حديثه لجريدة “AM+ MEDIA” الفارق في صياغة نموذجية بالقول: “والدي بدأ العمل في سن مبكرة، وفي السابعة والعشرين كان قد استقر مهنيا وتزوج، أما أنا فقضيت سنوات أكثر في الدراسة، وبعدها احتجت إلى التكوين والتداريب قبل الحصول على أول عقد لدي”، مضيفا “لدي اختيارات ووسائل راحة وإمكانيات بصدق لم تكن متاحة له، لكن الوصول إلى الاستقرار أخذ مني وقتا أطول”.

    والده سعيد، ينظر إلى المسألة من الجهة الأخرى، إذ لم تكن أمامه، كما يقول في الشهادة النموذجية قائمة طويلة من الاختيارات المهنية “كنا نبحث عن العمل أولا، ولم نكن نفكر كثيرا في أن يكون مطابقا لما نريده، ابني مثلا يستطيع اختيار تخصصه وتغيير عمله والبحث عن فرص حتى خارج المغرب، لكن المطلوب منه اليوم أكبر شهادة ولغات وحاسوب وتجربة، وكلما حصل على شيء اكتشف أن عليه إضافة شيء آخر”.

    وبين المسارين تغير أكثر من سوق العمل، فقد تغير توقيت الانتقال إلى حياة الراشدين نفسها، فسنوات الدراسة والتكوين أطول بالنسبة إلى شرائح من الشباب، وشروط الولوج إلى عدد من الوظائف أصبحت أكثر تعقيدا، فيما لم يعد الحصول على شهادة يعني بالضرورة الانتقال المباشر إلى العمل.

    حين أصبحت المدينة أكبر من البيت

    بالتوازي مع تغير الأسرة، تغير المجال العيش، فخلال العقود الأخيرة واصل الثقل السكاني انتقاله نحو المدن، ولم يكن ذلك مجرد حركة للسكان، بل انتقالا للضغط على السكن والنقل والتعليم والصحة والعمل إلى المجالات الحضرية، مع توسع الضواحي وظهور أحياء ومراكز عمرانية جديدة.

    وتكشف المقارنة بين سلمى ووالدتها وجها آخر لهذا التحول، فسلمى في السابعة والعشرين تتابع دراستها في سلك الدكتوراه بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، وتعمل في الدار البيضاء كما تسكن مع أسرتها، أما والدتها كانت في العمر نفسه متزوجة وتعيش في بيت مستقل عن والديها.

    سلمى، ترفض اختزال الفرق في تأخر الزواج، وتقول لـ “AM+MEDIA”: “أمي في عمري كانت عندها حياتها ودارها، لكن حياتها المهنية لم تكن مثل حياتي فأنا أدرس، أشتغل وأتنقل وحدي بين المدينتين وأدبر أموري المادية وأستطيع السفر ومتابعة تكويني، لكن فكرة أن أكتري وحدي وأتحمل جميع المصاريف، أو حتى الزواج والاستقرار وبيت، تجعلني أفضل البقاء مع أسرتي حاليا”.

    وترد والدتها من زاوية مختلفة: “كانت عندنا مصاريف أقل واختيارات أقل أيضا، اليوم البنت كتقرا أكثر وكتخدم وكتفكر في مسارها قبل الزواج، ما يمكنش نقارن غير شكون خرج من دار والديه بكري”.

    هذه التفاصيل تمنع المقارنة من السقوط في حنين سهل إلى الماضي، فالاستقلالية لم تعد تعني الشيء نفسه تماما بالنسبة إلى جيل سابق كان يمكن أن يرتبط بالزواج وتأسيس بيت في سن مبكرة، أما بالنسبة إلى جزء من شباب اليوم، فقد أصبح يرتبط أولا بالقدرة على تمويل حياة مستقلة والمحافظة في الوقت نفسه على مستوى الدراسة والعمل والتنقل والاستهلاك الذي أصبح جزءا من حياته.

    من أول اتصال بالإنترنت إلى البحث عن العمل من الهاتف

    إذا كان تغير الأسرة والمدينة يحتاج إلى أرقام ومقارنات، فإن المسافة الرقمية بين الجيلين تكاد تكون مرئية بالعين، فمواليد 1999 عاشوا طفولة سبقت الهاتف الذكي وشبكات التواصل الاجتماعي بصورتها الحالية، ثم دخل الإنترنت تدريجيا إلى المدرسة والجامعة والعمل والحياة اليومية.

    وتوثق بيانات الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات التوسع الكبير الذي عرفه استخدام الإنترنت والاتصالات في المملكة خلال هذه الفترة، غير أن أثر هذا التحول لا يقف عند الاتصال، فحين بحث والد أمين عن أول وظيفة، كان مجال البحث محكوما إلى حد بعيد بالمكان الذي يعيش فيه وبالإعلانات والمباريات وشبكة العلاقات المباشرة، أما ابنه فيستطيع اليوم أن يتقدم في صباح واحد إلى وظائف في الرباط والدار البيضاء وطنجة، أو أنا يجتاز مقابلة عمل عن بعد مع مؤسسة خارج المغرب.

    وتحكي سلمى أنها حصلت على إحدى فرصها المهنية عبر إعلان وجدته على الإنترنت، قبل أن تجري أول مقابلة عن بعد، أما والدتها، لم تكن هذه الجغرافيا المهنية موجودة أصلا في شبابها، وتقول: “باش تقلبي على خدمة، خاصك تعرفي فين تمشي وتسولي وتدفعي وراقك، لكن اليوم تقدر تقلب على عشرات العروض وهي (سلمى) فالدار”.

    لكن سهولة الوصول إلى الإعلان لم تجعل المنافسة عليه أسهل، فالشاب الذي يستطيع رؤية فرص أكثر يرى في الوقت نفسه عدد المرشحين لها، ويجد أمامه متطلبات تتغير باستمرار، من اللغات، والبرمجيات، والخبرة، إلى الشهادات الإضافية والقدرة على التعلم السريع.

    كما أن الإنترنت غيّر معيار المقارنة، فلم يعد شاب مدينة صغيرة يقارن نفسه فقط بأقرانه في الحي أو المدينة، بل يرى يوميا كيف يدرس ويعمل ويعيش شباب في مدن مغربية أخرى وفي الخارج، ويعرف الرواتب والجامعات والمهن والفرص التي لم يكن الجيل السابق يعرف عنها بالسرعة نفسها، وهذا يعني أن المسافة إلى العالم أصبحت أقصر لكن المسافة إلى الفرصة لم تختف.

    الرحيل نفسه لأسباب مختلفة

    تظهر الفوارق بصورة أوضح خارج المحاور الحضرية الكبرى، فسعد شاب ولد في بلدة صغيرة نواحي تاونات، واحتاج إلى مغادرتها بعد البكالوريا لمتابعة دراسته الجامعية، أما والده فقد غادر المنطقة نفسها وهو أصغر سنا، لكن بحثا عن العمل.

    يقول سعد في حديث لجريدة “AM+ MEDIA”: “أبي خرج من المدينة لأنه ما كانش عندو فين يخدم، أنا خرجت باش نقرا، الفرق أنني قدرت نوصل للجامعة، لكن من بعد التخرج رجعت نطرح تقريبا السؤال نفسه ديالو: فين غادي نخدم؟”.

    في جملة واحدة تلتقي تجربتان تفصل بينهما عقود، فوالده غادر بموارد تعليمية محدودة بحثا عن دخل، أما الابن فقد غادر للحصول على شهادة، ثم وجد نفسه بعد التخرج أمام تمركز جانب من الفرص المهنية في المدن والأقطاب الاقتصادية الكبرى.

    أما الأب فيصف الفارق على طريقته: “هو عندو قراية وحاسوب ولغات وأنا ما كانش عندي هادشي، أنا كنت كنمشي فين كاينة الخدمة، وهو حتى دابا خاصو يمشي فين كاينة الخدمة، غير كل واحد فينا بطريقتو”.

    هذه المقارنة تضع مسألة المجال في مكانها الصحيح، وصول الإنترنت أو تحسن الطريق أو توسع التعليم لا يعني بالضرورة أن الوظيفة انتقلت إلى المكان نفسه، وقد يصبح الوصول إلى الفرصة أسهل من الناحية المادية، فيما يظل الحصول عليها مشروطا بالانتقال إلى مركز اقتصادي آخر.

    لهذا يصعب الحديث عن مواليد 1999 باعتبارهم جيلا بتجربة واحدة، شاب ولد في الدار البيضاء داخل أسرة قادرة على تمويل دراسته وتعلم اللغات لا يبدأ من النقطة نفسها التي يبدأ منها شاب في منطقة بعيدة عن الجامعة، أو فتاة تحتاج إلى الانتقال إلى مدينة أخرى لمتابعة تخصص غير متاح قرب أسرتها، فالعمر واحد أما نقطة الانطلاق فليست كذلك.

    وظائف لم يكن الآباء يعرفون أسماءها

    حين دخل مواليد 1999 المدرسة، لم تكن صناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة والخدمات الرقمية تحتل داخل الاقتصاد المغربي الموقع الذي وصلت إليه اليوم، من تخصصات ومهن جديدة، وتغير طبيعة المهارات التي يبحث عنها المشغلون.

    عماد مثلا، الذي يعمل في البرمجيات بالعاصمة الرباط، يقول للجريدة إن والديه؛ على الرغم من مستواهما التعليمي المتقدم “احتاجا وقتا لفهم بالضبط ماذا يفعل”، ومبرزا مفارقة بين جيلين، فعدد من المهن التي يعمل فيها شباب اليوم لم تكن جزءا من القاموس المهني للأسر عندما دخل أبناؤها المدرسة.

    في المقابل، لا تعني كثرة المسارات المهنية أن الدخول إليها أصبح تلقائيا، فالاقتصاد الذي خلق وظائف جديدة رفع أيضا مستوى المهارات المطلوبة، وأصبح الانتقال بين الجامعة والعمل يمر بالنسبة إلى كثيرين عبر التدريب والتخصص واللغات والمهارات الرقمية.

    وحين ولد أبناء 1999، كان الشغل حاضرا منذ البداية في تصور العهد الجديد لموقع الشباب داخل مشروع التنمية، ففي أول خطاب للعرش وضع جلالة الملك محمد السادس التعليم في صدارة الأولويات، وربطه صراحة بإعداد الأجيال للولوج إلى الحياة العملية ومواجهة البطالة.

    وظل تشغيل الشباب خلال السنوات اللاحقة، ملازما للنقاش حول الاستثمار والتعليم والتنمية البشرية وتحديث الاقتصاد، لكن البيئة الاقتصادية التي كان يفترض أن يعمل داخلها هؤلاء الأطفال لم تكن قد تشكلت بعد بالصورة التي نعرفها اليوم.

    فميناء طنجة المتوسط لم يكن قد دخل الخدمة، والقطار فائق السرعة لم يكن موجودا، وشبكة الطرق السيارة كانت أصغر بكثير، فيما لم تكن صناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة قد بلغت الوزن الذي ستكتسبه لاحقا.

    لذلك، فإن جيل 1999 لم يكبر فقط داخل اقتصاد توسع حجمه، بل عاصر انتقال المغرب إلى نموذج راهن بقوة على البنية التحتية لجذب الاستثمار وربط المملكة بالأسواق الدولية.

    هذا الاختيار ظهر مبكرا في التوجيهات الملكية، ففي خطاب العرش لسنة 2005، تحدث جلالة الملك عن المضي في إنجاز المشاريع الهيكلية الكبرى، وفي مقدمتها طنجة المتوسط وتوسيع شبكة الطرق السيارة، وربط ذلك بتحسين مناخ الاستثمار المنتج.

    وفي السنة نفسها، أطلقت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، واضعة تقليص العجز الاجتماعي وإحداث الأنشطة المدرة للدخل والشغل ضمن محاورها الأساسية.

    وبالنسبة إلى مواليد 1999، كانت هذه الأوراش تتقدم فيما كانوا ينتقلون من المدرسة إلى الجامعة ثم إلى سوق العمل، وعندما بلغوا سن البحث عن أول وظيفة، كانت خريطة الاقتصاد قد تغيرت فعلا.

    طنجة على سبيل المثال، لم تعد المدينة الاقتصادية نفسها التي كانت عليها في طفولتهم، فالمركب المينائي والصناعي لطنجة المتوسط تحول إلى منصة مرتبطة بسلاسل الإنتاج والتجارة الدولية، ونمت حوله أنشطة صناعية ولوجستية وخدماتية.

    وفي الجهة الشرقية، يستعد ميناء الناظور غرب المتوسط للدخول إلى التشغيل خلال الربع الأخير من 2026، في استمرار لخيار ربط الاقتصاد المغربي بسلاسل القيمة العالمية الذي تضعه الرؤية الملكية السامية في صلب تطوير البنيات المينائية.

    وتغيرت الصناعة بدورها، فالمغرب الذي كان يستقبل أبناء 1999 في مدارسهم الأولى ليس هو المغرب الصناعي الذي دخلوا سوق عمله بعد عقدين، كما توسعت صناعة السيارات والطيران، ونمت منظومات مرتبطة بالإلكترونيات واللوجستيك والطاقات المتجددة، وأصبحت المهن التقنية والهندسية والرقمية جزءا أكبر من الطلب على الكفاءات.

    هنا تظهر واحدة من أهم نتائج التحول الذي جرى خلال “العهد الجديد”، إذ لم يعد مسار التشغيل مرتبطا أساسا بالإدارة والفلاحة والقطاعات التقليدية والخدمات البسيطة، كما أصبحت هناك خريطة أوسع للمهن والاستثمار، وأصبح بإمكان شاب مغربي أن يعمل داخل سلسلة إنتاج صناعية موجهة إلى الأسواق العالمية من مصنع في طنجة أو القنيطرة أو الدار البيضاء.

    لكن بناء الاقتصاد الجديد لم يحسم تلقائيا معضلة الشغل، فقد حضرت داخل الخطاب الملكي نفسه على امتداد العهد الجديد، ففي خطاب سابق للعرش وضع الملك السؤال بصيغة تربط قيمة المشاريع الكبرى بأثرها الفعلي على حياة المواطنين، بعدما استعرض التحولات في الموانئ والطرق والطاقة والتنمية البشرية.

    وبعد سنوات، تظهر أرقام سوق الشغل لماذا بقي هذا السؤال قائما، ففي 2025، أحدث الاقتصاد المغربي 193 ألف منصب صاف، أكثر من ضعف 82 ألف منصب المحدثة في السنة السابقة، لكن توزيعها يكشف أين يتحرك الاقتصاد الجديد، فالخدمات أضافت 123 ألف وظيفة، والبناء والأشغال العمومية 64 ألفا، والصناعة 46 ألفا، بينما فقدت الفلاحة والغابات والصيد 41 ألف منصب.

    الأكثر دلالة أن المدن أحدثت 203 آلاف وظيفة، في حين فقد الوسط القروي 10 آلاف، وهذا يعني أن الوظيفة تتحرك أكثر نحو المدينة والخدمات والصناعة، أي نحو المجالات نفسها التي تركزت فيها خلال العهد الجديد استثمارات الطرق والموانئ والمناطق الصناعية والبنيات اللوجستية.

    وهكذا، فإنه بعد سبعة وعشرين عاما، يصل مواليد 1999 إلى سنّ يفترض أن يكونوا فيها قد انتقلوا من مقاعد الدراسة إلى قلب الاقتصاد والمجتمع.

    ويختلف المغرب الذي يستقبلهم اليوم جذريا عن البلد الذي ولدوا فيه، طرق وموانئ وصناعات وبنيات رقمية وفرص ومهن لم تكن موجودة، واقتصاد أصبح أكثر اتصالا بالأسواق العالمية، لكن تجربة هذا الجيل تكشف أيضا أن بناء الفرصة لا يعني بالضرورة القدرة على الوصول إليها، فالفجوة بين المدينة والقرية، وبين التكوين وسوق الشغل، وبين الشهادة والاستقلال الاقتصادي، ما تزال ترسم مسارات شبابه بشكل غير متساو.

    وإذا كان ربع القرن الأول من العهد الجديد قد غيّر البنية التي يعيش داخلها هذا الجيل، فإن الرهان الذي يواجه المغرب اليوم هو أن تتحول مكاسب هذا المسار إلى أثر ملموس في حياته، من شغل، ودخل، واستقلال، وقدرة على بناء المستقبل، عندها تصبح المقارنة بين مغرب 1999 ومغرب 2026 أكثر من مقارنة بين ما شيّد في البلاد وتصبح قياسا لما تغيّر فعلا في حياة من كبروا معها.

  • “أجدير إيزوران” بخنيفرة تحتفي بثورة الملك والشعب وعيد الشباب

    “أجدير إيزوران” بخنيفرة تحتفي بثورة الملك والشعب وعيد الشباب

    انطلقت، مساء أمس الجمعة بخنيفرة، فعاليات الدورة السابعة للمهرجان الدولي “أجذير إيزوران”، في مرحلته الصيفية، وذلك في إطار الاحتفال بذكرى ثورة الملك والشعب وعيد الشباب، في موعد يروم إبراز غنى الثقافة الأمازيغية وتثمين التراث اللامادي بالمناطق الجبلية.

    وتنظم هذه الدورة، التي تتواصل تحت شعار “الثقافة والتراث اللامادي مرتكز لاستدامة التنمية بالمناطق الجبلية”، تخليدا للذكرى الخامسة والعشرين للخطاب الملكي السامي الذي ألقاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس بأجدير في 17 أكتوبر 2001، والذي شكل محطة بارزة في مسار النهوض باللغة والثقافة الأمازيغيتين، باعتبارهما مكونا أصيلا للهوية الوطنية.

    ويهدف هذا الموعد الثقافي، المنظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وبدعم من عدد من الشركاء المؤسساتيين على المستويات الوطنية والجهوية والمحلية، إلى استحضار مضامين الخطاب الملكي السامي بأجذير، والتعريف بالثقافة الأمازيغية والتراث اللامادي وتثمينهما، بما يعزز إسهامهما في التنمية المستدامة بالمناطق الجبلية.

    وشهد حفل افتتاح الدورة، الذي ترأسه عامل إقليم خنيفرة، محمد عادل إهوران، بحضور عدد من المسؤولين ورؤساء المصالح الخارجية وفعاليات مدنية وثقافية، بث مقتطف من الخطاب الملكي السامي الذي ألقاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس بأجذير سنة 2001، قبل تنظيم حفل لتكريم عدد من الشخصيات التي قدمت إسهامات في مجالات الفن والتوثيق والرياضة.

    وفي كلمة بالمناسبة، أكد رئيس مؤسسة “روح أجذير الأطلس” بخنيفرة، محمد ياسين، أن إقليم خنيفرة يزخر برصيد حضاري وثقافي غني، ويضطلع بدور مهم في الحفاظ على الثقافة الأمازيغية والنهوض بها، مبرزا حرص المؤسسة على توجيه برامجها السنوية لخدمة الإقليم وإبراز مؤهلات المناطق الجبلية والاستجابة لانتظارات ساكنتها.

    وأضاف أن الدورة السابعة للمهرجان تشكل محطة لتثمين التراث الأمازيغي بالأطلس المتوسط باعتباره رافدا من روافد التنمية الشاملة، مبرزا أن هذه الدورة تكتسي رمزية خاصة لتزامنها مع الذكرى الخامسة والعشرين للخطاب الملكي السامي بأجذير لسنة 2001.

    وأشار رئيس المؤسسة إلى أن المهرجان يواصل تعزيز إشعاعه الوطني والدولي من خلال مرحلتيه الصيفية والخريفية، موضحا أن محطته المقبلة، المقررة خلال شهر أكتوبر، ستعرف إصدار “أنطولوجيا الأغنية الأمازيغية في الأطلس المتوسط”.

    ويتضمن برنامج الدورة عروضا فنية وموسيقية تستلهم الموروث الثقافي الأمازيغي بإقليم خنيفرة ومنطقة الأطلس المتوسط، إلى جانب مشاركات لفنانين ومبدعين من مختلف جهات المملكة، بما يبرز تنوع وتعدد روافد المشهد الثقافي الوطني.

    وبالمناسبة ذاتها، تم افتتاح معرض للمنتجات المجالية والفلاحية بساحة 20 غشت بالمدينة، تنظمه مؤسسة “روح أجذير الأطلس” بدعم من وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، خلال الفترة الممتدة من 21 إلى 30 غشت الجاري.

    ويروم هذا المعرض التعريف بالمؤهلات الفلاحية والمجالية للإقليم، ودعم التعاونيات والمنتجين المحليين، وتشجيع تثمين وتسويق المنتجات المجالية، بما يسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي ودعم التنمية المستدامة بالمناطق الجبلية.

  • ربع قرن من الرؤية الملكية للشباب.. مسار متكامل من التكوين إلى المشاركة

    ربع قرن من الرؤية الملكية للشباب.. مسار متكامل من التكوين إلى المشاركة

    على امتداد أكثر من ربع قرن، اتسعت الرؤية الملكية لقضايا الأجيال الصاعدة، من سؤال الإدماج في مسلسل الإنتاج ومحاربة البطالة، إلى إصلاح التعليم والتكوين، وتشجيع المبادرة والمقاولة، ثم الانفتاح على التكنولوجيا ومهن المستقبل، وتوسيع مجالات الثقافة والرياضة والتطوع، وصولا إلى المشاركة في الحياة العامة وصناعة القرار.

    وفي ذكرى عيد الشباب، التي يحتفل بها المغاربة في 21 غشت من كل سنة، تسمح العودة إلى الخطب والرسائل الملكية، وربطها بالأوراش التي تبلورت على امتداد سنوات العهد الجديد، بقراءة مسار لم يتشكل دفعة واحدة، وإنما تطور مع تغير حاجيات المجتمع والاقتصاد، فكلما برز تحد جديد أمام الشباب، اتسعت معه الإجابة، من الوظيفة إلى الكفاءة، ومن الكفاءة إلى المبادرة، ومن المبادرة إلى الابتكار، ومن ذلك كله إلى المشاركة.

    وهكذا، فإن الخيط الناظم لهذا المسار، الذي حظي بعناية ملكية خاصة، لا يكمن في تعدد البرامج والمشاريع، بقدر ما يكمن في انتقال تدريجي من منطق توفير الفرصة للشباب إلى بناء الشروط التي تمكنه من صناعة الفرصة والمساهمة في صناعة المستقبل.

    حين كان السؤال هو إدماج الشباب في الإنتاج

    في السنوات الأولى للعهد الجديد، كان التشغيل في صلب الرؤية الملكية تجاه الشباب، باعتباره مدخلا للإدماج الاقتصادي والاجتماعي.

    ففي الرسالة الملكية الموجهة إلى الوزير الأول حول المخطط الخماسي في دجنبر 1999، دعا جلالة الملك محمد السادس إلى “إدماج الشباب وفي مقدمته الشباب المتعلم في مسلسل الإنتاج”، مع استثمار طاقاته ومؤهلاته وتحفيزه على الإبداع والابتكار والاعتماد على الذات.

    وبعد أسابيع، في يناير 2000، وضع جلالة الملك بطالة الشباب ضمن إطار أوسع، مؤكدا أن معالجتها لا تكتسي أبعادا اقتصادية فقط، وإنما لها أيضا أبعاد اجتماعية وثقافية.

    ثم جاء خطاب ثورة الملك والشعب في 20 غشت 2000 ليمنح عيد الشباب نفسه معنى يتجاوز الاحتفال بالمناسبة، فقد قدم الملك الذكرى باعتبارها فرصة للالتقاء بـ”الأجيال الصاعدة والتواصل معها”، وإثارة القضايا والمشاكل التي تواجهها والبحث عن حلول ناجعة لها، حتى تنفتح على المجتمع وتندمج فيه بمواطنة إيجابية وفاعلة.

    التعليم يدخل قلب معادلة التشغيل

    مع مرور السنوات، أخذت العلاقة بين التعليم والتكوين والتشغيل مكانة أكبر في الخطاب الملكي؛ ففي خطاب عيد العرش لسنة 2009، ارتبط إصلاح التربية والتعليم والتكوين بتأهيل الموارد البشرية والبحث والابتكار وبناء اقتصاد المعرفة وتوفير الشغل المنتج للشباب.

    لكن محطة 20 غشت 2018 ستمنح هذا التحول صياغة أكثر وضوحا، ففي خطاب ثورة الملك والشعب، اعتبر الملك الشباب “الثروة الحقيقية للبلاد”، مؤكدا أنه لا يمكن مطالبة الشاب بأداء دوره “دون تمكينه من الفرص والمؤهلات اللازمة لذلك”.

    وفي الخطاب نفسه، انتقل التشخيص إلى جوهر العلاقة بين الشهادة وسوق العمل، بالتأكيد أنه “لا يمكن أن نقبل لنظامنا التعليمي أن يستمر في تخريج أفواج من العاطلين”، مع الدعوة إلى إعطاء الأولوية للتخصصات التي توفر الشغل، واعتماد التوجيه المبكر، وإعادة النظر في تخصصات التكوين المهني حتى تستجيب لحاجيات المقاولات والقطاع العام وتواكب التحولات التي تعرفها الصناعات والمهن.

    مدن المهن والكفاءات تجسد التحول

    لم يبق هذا التصور والتوجيهات الملكية في مستوى الخطاب، إذ انتقلت إلى ورش مؤسساتي مع خارطة الطريق لتطوير التكوين المهني التي قدمت أمام جلالته سنة 2019، وكان مشروع مدن المهن والكفاءات أحد أبرز مكوناتها.

    ولم تكن الفكرة مجرد إحداث بنايات جديدة، بل بناء جيل جديد من مؤسسات التكوين، يقوم على المهارات التطبيقية، والانفتاح على المهن الجديدة، وربط التخصصات بحاجيات الاقتصاد والجهات.

    وفي خطاب 20 غشت 2019، أكد جلالة الملك أهمية التكوين المهني في تأهيل الشباب، وخاصة في القرى وضواحي المدن، للاندماج المنتج في سوق الشغل، قبل أن يلخص التحول في معنى المسار الدراسي بالقول: “فالحصول على الباكالوريا، وولوج الجامعة، ليس امتيازا، ولا يشكل سوى مرحلة في التعليم. وإنما الأهم هو الحصول على تكوين، يفتح آفاق الاندماج المهني، والاستقرار الاجتماعي”.

    وسيأخذ هذا التصور شكلا ملموسا مع تدشين الملك محمد السادس، في 30 ماي 2023، لمدينة المهن والكفاءات لجهة الرباط-سلا-القنيطرة بتمسنا، باعتبارها منشأة من جيل جديد، تستهدف توفير تكوينات مرتبطة بحاجيات سوق الشغل والقطاعات الواعدة.

    وبذلك، أصبحت مدن المهن والكفاءات ترجمة مباشرة لفكرة ظل الخطاب الملكي يؤكدها: قيمة التكوين لا تقاس فقط بالحصول على شهادة، وإنما بما يمنحه من قدرة على الاندماج والتطور المهني.

    ويرى ياسين اصبويا، الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، أن هذا التحول يعكس انتقالا في طريقة بناء السياسات الموجهة إلى الشباب، موضحا أن الرؤية لم تعد تتعامل معه باعتباره فقط فئة تحتاج إلى وظيفة، وإنما باعتباره طاقة بشرية تحتاج إلى بناء مسار كامل قبل الوصول إلى سوق الشغل، بما يجعل التكوين والمهارات والقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية عناصر أساسية في عملية التمكين.

    من انتظار الوظيفة إلى صناعة الفرصة

    ولم تحصر الرؤية الملكية مستقبل الشباب في الوظيفة، ففي خطاب عيد العرش لسنة 2007، دعا جلالة الملك إلى دعم المبادرات الحرة وتشجيع وتحفيز الشباب على إحداث المقاولات الصغرى والمتوسطة، قبل أن تتجدد الدعوة في خطاب 2018 إلى خلق المقاولات ودعم التشغيل الذاتي والمقاولات الاجتماعية.

    وفي أكتوبر 2019، دخل التمويل بشكل مباشر في المعادلة، عندما وجه جلالة الملك الحكومة وبنك المغرب إلى التنسيق مع القطاع البنكي لوضع برنامج خاص لدعم الخريجين الشباب وتمويل المشاريع الصغرى للتشغيل الذاتي، مع توفير المواكبة الضرورية.

    وفي امتداد لهذا التوجه، ظهرت خلال السنوات اللاحقة برامج لخلق فرص العمل وتعزيز قابلية التشغيل بهدف خلق مداخل مختلفة للإدماج.

    ويقول اصبويا في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” إن “تشجيع المبادرة والمقاولة يعكس انتقالا من تصور يجعل الشاب في موقع الباحث عن فرصة فقط، إلى تصور يمنحه أيضا إمكانية صناعة هذه الفرصة”، مضيفا “لكن هذا الانتقال لا ينجح بالتمويل وحده، لأن المشروع يحتاج إلى المواكبة والتأطير والولوج إلى السوق والقدرة على الاستمرار”.

    ويشير المتحدث عينه إلى أن “تمكين الشباب اقتصاديا ينبغي أن يقاس بقدرته على بناء استقلالية حقيقية، وإنتاج الدخل وخلق فرص أخرى، وليس فقط بعدد المشاريع التي تم إطلاقها”.

    من محاربة الهشاشة إلى بناء الاستقلالية

    وتقدم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية مسارا آخر لفهم تطور موقع الشباب داخل السياسات العمومية، فمع المرحلة الثالثة، أصبح تحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب محورا قائما بذاته، من خلال دعم ريادة الأعمال والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، إلى جانب منصات الشباب التي تستقبل حاملي الأفكار وتوجههم وتواكب مشاريعهم.

    وهنا يتضح أن الشباب ليس كتلة واحدة تحتاج إلى الحل نفسه، فهناك من يحتاج إلى التكوين، ومن يحتاج إلى التوجيه، ومن يملك فكرة لكنه يحتاج إلى التمويل، ومن يحتاج إلى مواكبة تساعده على تحويل الفكرة إلى نشاط اقتصادي قابل للاستمرار.

    الشباب ليس اقتصادا فقط

    في خطاب 20 غشت 2012، أكد جلالة الملك محمد السادس أن “قضايا الشباب لا تتعلق فقط بالمجال الخاص أو العائلي، أو بما هو مرتبط بالتربية والتكوين والتعليم، وإنما هي قضية المجتمع برمته”.

    وكانت هذه العبارة مؤشرا على اتساع المقاربة، لأن تمكين الشباب لا يقتصر على الدخل، وإنما يشمل أيضا الثقافة والرياضة والتطوع والفضاءات الشبابية والمشاركة الاجتماعية.

    وأصبحت السياسة الشبابية من هذه الزاوية تسأل أيضا عن قدرة الشاب على ممارسة الرياضة، واكتشاف مواهبه، والولوج إلى الثقافة، والمشاركة في العمل التطوعي، وبناء علاقات أكثر قوة مع المجتمع.

    وهكذا انتقل مفهوم التمكين من الإدماج الاقتصادي إلى بناء شخصية شابة أكثر حضورا وفاعلية داخل المجتمع.

    إعداد جيل لاقتصاد يتغير

    ومع التحول الرقمي، ظهر سؤال جديد: إذا كانت السياسات السابقة تستهدف إدماج الشباب في اقتصاد قائم، فكيف يمكن إعدادهم أيضا لاقتصاد تتغير مهنه بسرعة؟

    وتحدث الملك منذ سنة 2000 عن قدرة التطور السريع للتكنولوجيات الحديثة على فتح المجال أمام “قدرات شبابنا الخلاقة”، ومع مرور السنوات، تحول هذا الرهان من مجرد استعمال التكنولوجيا إلى بناء قطاعات اقتصادية جديدة.

    وتبرز صناعة الألعاب الإلكترونية نموذجا واضحا، ففي ماي 2026، ترأس صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن الرباط افتتاح الدورة الثالثة من معرض المغرب لصناعة الألعاب الإلكترونية “Morocco Gaming Expo 2026″، المنظم تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس.

    وأكدت البوابة الرسمية أن افتتاح المعرض من طرف ولي العهد يجسد العناية الملكية المتواصلة بالشباب وتكوينه وانفتاحه على التكنولوجيات الحديثة، بما يمكنه من الاندماج في اقتصاد المستقبل.

    كما أن دورة 2026، المنظمة تحت شعار “Talent Marocain”، ركزت على إبراز إبداع ومهارات الشباب المغربي وربط الفاعلين في القطاع بفرص الأعمال والتكوين والاستثمار.

    التنمية الترابية تدخل معادلة الشباب

    ولا يمكن أن يكتمل هذا المسار دون ربط الشباب بالمجال الذي يعيش فيه، ففي خطاب 2025، برز رهان ملكي على جيل جديد من برامج التنمية الترابية، يقوم على وتيرة أسرع وأثر أقوى، وعلى اعتماد معطيات ميدانية دقيقة واستعمال التكنولوجيات الرقمية، مع إقامة علاقات أكثر تكاملا بين المجالات الحضرية والقروية.

    وتهم هذه الرؤية الشباب بصورة مباشرة، لأن الكفاءة وحدها لا تكفي إذا كان المجال الذي يعيش فيه الشاب لا يوفر فرصا اقتصادية وتكوينية وثقافية كافية.

    ومن هنا يلتقي رهان الشباب مع رهان التنمية الترابية، فكلما أصبح المجال قادرا على إنتاج الفرص، أصبح نجاح الشاب أقل ارتباطا بضرورة مغادرة مدينته أو قريته.

    الشباب يقترب من مربع السياسة

    وصلت دائرة التمكين إلى المجال السياسي، حيث لم يعد الشباب في “العهد الجديد” مجرد مستفيد من السياسات العمومية، وإنما أصبح طرفا في إنتاجها وصناعة القرار بشأنها.

    وكان الملك محمد السادس قد أكد في خطاب افتتاح البرلمان سنة 2017 أن تأهيل الشباب المغربي وانخراطه الإيجابي والفعال في الحياة الوطنية يعد من أهم التحديات التي ينبغي رفعها، مع التأكيد أن الشباب، الذي يمثل أكثر من ثلث السكان، يجب اعتباره محركا للتنمية وليس عائقا أمامها.

    وقبل ذلك، ربط جلالة الملك، في خطاب 20 غشت 2011، ربط الدينامية الخلاقة للشباب بمواصلة حمل مشعل بناء المغرب، وبالمواطنة والمشاركة في رفع تحديات البلاد.

    وفي أفق الانتخابات التشريعية لسنة 2026، يكتسب دعم حضور الشباب داخل المؤسسات المنتخبة معنى يتجاوز مجرد تجديد النخب، فالمسار الذي بدأ من المدرسة والتكوين، ثم انتقل إلى الشغل والمبادرة والابتكار، يطرح في نهايته سؤال امتلاك الشباب موقعا في صناعة القرار الذي يرسم مستقبل البلاد.

    ويقول ياسين اصبويا، الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، إن “دعم مشاركة الشباب في انتخابات 2026 يكتسب أهميته لأنه ينقل مفهوم التمكين من المجال الاقتصادي والاجتماعي إلى المجال السياسي، لكن التحدي لا يكمن فقط في وصول الشباب إلى المؤسسات، وإنما في أن يتحول حضورهم إلى مشاركة مؤثرة في صناعة السياسات والقرارات”.

    وأضاف أن “التمثيلية لا تكتمل بمجرد وجود شاب داخل لائحة انتخابية، وإنما عندما يصبح الشباب جزءا من عملية إنتاج القرار نفسها، وتصبح الأحزاب والمؤسسات أكثر انفتاحا على الأجيال الجديدة وقدرة على بناء الثقة معها”.

    من “الثروة الحقيقية” إلى الجيل الذي يصنع المستقبل

    وعند جمع هذه المحطات، لا تظهر أمامنا برامج متفرقة بقدر ما يظهر مسار تطور في مفهوم الشباب نفسه، ففي البداية، كان السؤال هو البطالة وإدماج الشباب في مسلسل الإنتاج، ثم أصبح السؤال مرتبطا بجودة التعليم والتكوين وملاءمتهما مع حاجيات الاقتصاد، وبعدها توسع الرهان إلى المقاولة والتمويل والإدماج الاقتصادي، ثم إلى الثقافة والرياضة والتطوع والتكنولوجيا ومهن المستقبل، قبل أن يصل إلى المشاركة في الحياة العامة.

    ويأتي خطاب عيد العرش لسنة 2023 ليمنح هذه الرؤية بعدا آخر، عندما قال الملك محمد السادس: “فالشباب المغربي، متى توفرت له الظروف، وتسلح بالجد وبروح الوطنية، دائما ما يبهر العالم”، مستحضرا الإنجاز التاريخي للمنتخب الوطني في كأس العالم قطر 2022.

    ومن هنا يمكن قراءة أكثر من ربع قرن من التوجيهات الملكية في عيد الشباب في أن الرهان لم يعد فقط على ما يمكن أن تقدمه الدولة للشباب، وإنما على بناء الشروط التي تمكن الشباب من تقديم ما لديهم للمغرب.

    وفي ذكرى عيد الشباب، تبدو هذه المحطات حلقات داخل تصور أوسع يجعل من الأجيال الصاعدة جزءا من مشروع المغرب الصاعد، فالمغرب الذي يراهن على موقع متقدم في الاقتصاد والتكنولوجيا والرياضة والتنمية لا يحتاج فقط إلى شباب يبحث عن مكان له داخله، وإنما إلى جيل يمتلك الكفاءة، ويصنع الفرصة، ويشارك في القرار، ويجد في بلده المجال الذي يسمح له بتحويل طموحه إلى إنجاز.

  • جلالة الملك يعفو على 667 شخصا بمناسبة عيد الشباب

    جلالة الملك يعفو على 667 شخصا بمناسبة عيد الشباب

    أصدر صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، بمناسبة عيد الشباب السعيد لهذه السنة، أمره السامي بالعفو على 667 شخصا، منهم المعتقلون ومنهم الموجودون في حالة سراح، المحكوم عليهم من طرف مختلف محاكم المملكة.

    وفي ما يلي نص بلاغ وزارة العدل بهذا الخصوص:”بمناسبة عيد الشباب السعيد لهذه السنة 1448 هجرية 2026 ميلادية، تفضل جلالة الملك أدام الله عزه ونصره، فأصدر حفظه الله أمره السامي المطاع بالعفو على مجموعة من الأشخاص منهم المعتقلين ومنهم الموجودين في حالة سراح، المحكوم عليهم من طرف مختلف محاكم المملكة الشريفة وعددهم 667 شخصا وهم كالآتي :

    المستفيدون من العفو الملكي السامي الموجودون في حالة اعتقال وعددهم 526 نزيلا وذلك على النحو التالي:

    – العفو مما تبقى من عقوبة الحبس أو السجن لفائدة: 07 نزلاء – التخفيض من عقوبة الحبس أو السجن لفائدة : 517 نزيلا – تحويل السجن المؤبد إلى السجن المحدد لفائدة: 02 نزيلين اثنين المستفيدون من العفو الملكي السامي الموجودون في حالة سراح وعددهم 141 شخصا موزعين كالتالي:

    – العفو من العقوبة الحبسية أو مما تبقى منها لفائدة: 62 شخصا – العفو من العقوبة الحبسية مع إبقاء الغرامة لفائدة: 13 شخصا – العفو من الغرامة لفائدة: 59 شخصا – العفو من عقوبتي الحبس والغرامة لفائدة: 07 أشخاص المجموع : 667

    أبقى الله سيدنا المنصور بالله ذخرا وملاذا لهذه الأمة، ومنبعا للرأفة والرحمة، وأعاد أمثال هذا العيد على جلالته بالنصر والتمكين وأقر عينه بولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن وجميع أفراد الأسرة الملكية الشريفة إنه سميع مجيب، والسلام”.