بعد أحداث سبتة أرقام الكناري تكشف الوجه الآخر.. الهجرة تتراجع بـ59.6% ومدريد تشيد بتعاون المغرب

بعد أيام من الأحداث التي أعادت الهجرة غير النظامية عبر سبتة إلى صدارة النقاش بين المغرب وإسبانيا، قدمت السلطات الإسبانية معطيات جديدة عن المسار الأطلسي للهجرة تكشف اتجاها مغايرا تماما لما شهدته الحدود الشمالية للمملكة.

فمنذ بداية 2026 وحتى نهاية يوليوز، انخفض عدد الوافدين بحرا بطريقة غير نظامية إلى جزر الكناري بنسبة 59.6 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، وسط إشادة إسبانية واضحة بتعاون دول المنشأ والعبور، وتقييم وُصف بـ”اللافت جدا” للتعاون مع المغرب.

الأرقام كشف عنها، أنسيلمو بيستانا، مندوب الحكومة الإسبانية في جزر الكناري، الذي أفاد بوصول 4675 شخصا إلى الأرخبيل منذ بداية السنة وحتى 31 يوليوز، مقابل 11575 شخصا خلال الفترة نفسها من سنة 2025.

وبلغة الأرقام، استقبلت جزر الكناري خلال الأشهر السبعة الأولى من السنة 6900 وافد أقل من الفترة نفسها من العام الماضي، لكن قراءة هذه الأرقام لا تتوقف عند حجم الانخفاض وحده، فتصريحات المسؤول الإسباني تقدم مجموعة من المؤشرات بشأن الطريقة التي تنظر بها مدريد إلى التحولات الجارية على مسارات الهجرة في غرب إفريقيا بما فيها استمرار العوامل التي تدفع إلى المغادرة، وتراجع قدرة الشبكات على تنظيم العبور في بعض المسارات، وارتفاع مستوى تعاون دول المنشأ والعبور، ثم توقع عودة نسبية للضغط خلال الأشهر الأخيرة من السنة.

ويظهر المغرب داخل هذه المعادلة باعتباره شريكا أساسيا بالنسبة إلى إسبانيا، فبيستانا تحدث عن “ضبط للتدفقات” من الجانب المغربي، وشدد على ضرورة الحفاظ على “أفضل العلاقات الممكنة” مع المملكة، قبل أن يلخص طبيعة العلاقة التي تفرضها الجغرافيا وحركة الهجرة بالقول إن المغرب وإسبانيا “ملزمان بالتعاون والتفاهم”.

وعندما سئل مباشرة عن تقييم مدريد للعمل الذي تقوم به الرباط، أكد أن السلطات الإسبانية “راضية إلى حد كبير حتى الآن عن هذا التعاون” واصفا إياه بأنه “لافت جدا”.

6900 وافد أقل في سبعة أشهر.. ماذا تقول الأرقام؟

المؤشر الأكثر وضوحا في تصريحات مندوب الحكومة الإسبانية يتعلق بالتراجع الكمي في الوصول إلى جزر الكناري.

بين فاتح يناير و31 يوليوز 2025، بلغ عدد الوافدين بطريقة غير نظامية عبر البحر 11575 شخصا، وخلال الفترة نفسها من 2026، انخفض العدد إلى 4675 شخصا، أي أن الأرخبيل سجل 6900 وافد أقل، بما يمثل تراجعا بنسبة 59.6 في المائة على أساس سنوي وهو انخفاض كبير بالنسبة إلى مسار ظل خلال السنوات الأخيرة إحدى أبرز بوابات الهجرة البحرية نحو الأراضي الإسبانية.

وقدم بيستانا هذا التحول باعتباره، بدرجة أساسية، نتيجة لتحسن التعاون مع سلطات الدول التي تشكل نقاط انطلاق أو عبور للمهاجرين، وليس دليلا على انتهاء الضغط على الطريق الأطلسي أو اختفاء الرغبة في الوصول إلى أوروبا.

ولهذا السبب تحديدا، لا تتوقع السلطات الإسبانية أن تحافظ نسبة الانخفاض على مستواها الحالي حتى نهاية السنة.

مدريد تتوقع عودة الضغط خلال الأشهر المقبلة

رغم انخفاض الوافدين بنسبة 59.6 في المائة إلى غاية نهاية يوليوز، يتوقع مندوب الحكومة الإسبانية أن تنتهي سنة 2026 بتراجع سنوي أقل، يتراوح بين 30 و40 في المائة.

وهذا الفارق بين حصيلة الأشهر السبعة الأولى والتوقع السنوي يحمل دلالة مهمة، فإذا انتقلت نسبة الانخفاض من نحو 60 في المائة حاليا إلى ما بين 30 و40 في المائة عند نهاية السنة، فإن ذلك يعني أن التقديرات الإسبانية تأخذ في الاعتبار ارتفاعا نسبيا في أعداد الوافدين خلال الأشهر الخمسة الأخيرة من 2026.

وبعبارة أخرى، لا تعتبر مدريد أن المستوى الحالي من الانخفاض سيستمر بالحدة نفسها.

فالمسؤول الإسباني لم يقدم في تصريحاته رقما محددا لعدد الأشخاص المتوقع وصولهم بين غشت ودجنبر، لكنه وضع تقديرا واضحا للحصيلة السنوية، بما يشير إلى أن السلطات الإسبانية تستعد لاحتمال عودة جزء من الضغط على الطريق الأطلسي خلال ما تبقى من السنة.

لماذا انخفضت أعداد القوارب؟

بالنسبة إلى بيستانا، يرتبط التفسير الأول بما وصفه بـ”التعاون الجيد جدا من جانب سلطات الدول” التي توجد على مسارات الهجرة.

وخص المسؤول الإسباني بالذكر موريتانيا والسنغال، وهما بلدان يشكلان جزءا رئيسيا من الخريطة التي تمر عبرها تدفقات الهجرة باتجاه الأرخبيل.

لكنه توقف أيضا عند المغرب، وتحدث بيستانا عن وجود “ضبط للتدفقات في المغرب” رابطا النتائج المسجلة بعمل السلطات في الدول الإفريقية المعنية.

وتشير هذه القراءة إلى تحول مهم في طريقة تفسير انخفاض الوصول إلى الكناري فالمسألة بحسب المسؤول الإسباني، لا تتعلق بانتهاء دوافع الهجرة، وإنما بقدرة السلطات على التدخل قبل انطلاق القوارب، وملاحقة الشبكات التي تنظم عمليات العبور، وتعزيز التعاون بين دول المنشأ والعبور والاستقبال.

ويقول بيستانا إن نتيجة ذلك أصبحت ملموسة في جزر الكناري نفسها، حيث بات وصول القوارب أكثر تباعدا وأقل تواترا لكنها لم تختف وهذا التمييز أساسي لفهم الأرقام فالطريق الأطلسي لم يغلق، وإنما تراجعت كثافة استخدامه خلال الأشهر السبعة الأولى من السنة.

المغرب.. تقييم إسباني “لافت جدا

حين انتقل النقاش إلى المغرب تحديدا، لم يكتف مندوب الحكومة الإسبانية بالإشارة إلى مساهمته ضمن مجموعة دول العبور، بل قدم تقييما سياسيا مباشرا لمستوى التعاون بين الرباط ومدريد.

وقال بيستانا إن السلطات الإسبانية “راضية إلى حد كبير حتى الآن عن هذا التعاون، وهو تعاون لافت جدا” كما اعتبر أن على إسبانيا الحفاظ على “أفضل العلاقات الممكنة” مع المملكة وذهب أبعد من ذلك عندما قال إن البلدين “ملزمان بالتعاون والتفاهم”

وأهمية هذه العبارات لا تنفصل عن توقيتها، فهي تأتي مباشرة بعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها سبتة، والتي أعادت الهجرة إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي، وفتحت جدلا بشأن إدارة الحدود والتعاون المغربي الإسباني.

لكن تصريحات بيستانا تقدم من داخل الإدارة الإسبانية، تقييما مختلفا يستند إلى ما يحدث على مسار الكناري، حيث ترى مدريد أن تعاون المغرب جزء من العوامل التي ساهمت في تراجع الضغط.

اتفاقيات أوروبية خلف تراجع التدفقات

بيستانا لم يحصر تفسيره للانخفاض في الإجراءات التي تتخذها السلطات المحلية في الدول الإفريقية، بل وضعه ضمن سياسة أوسع اعتمدتها إسبانيا والاتحاد الأوروبي تجاه دول المنشأ والعبور.

وأشار إلى الاتفاقيات التي أبرمت مع الدول الشريكة بدفع من رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.

هذه الاتفاقيات، وفق التصريحات، لا تقوم على التعاون الأمني وحده فهي تجمع بين الاستثمارات والالتزامات المالية والتعاون مع الدول المعنية لمواجهة الشبكات المرتبطة بالهجرة غير النظامية.

المنطق الذي تقوم عليه هذه المقاربة يتجاوز مراقبة الحدود البحرية إلى محاولة التدخل في مختلف حلقات المسار من دول المنشأ إلى دول العبور، بالتوازي مع استهداف الشبكات التي تنظم عمليات الانتقال.

وبالنسبة إلى مدريد، بدأت نتائج هذا التعاون تظهر في انخفاض عدد القوارب التي تصل إلى الكناري.

من ضبط الحدود إلى تقليص الوفيات في البحر

وقدم مندوب الحكومة الإسبانية بعدا آخر لهذا التعاون، يتعلق بالخسائر البشرية، فالطريق الأطلسي لا يمثل بالنسبة إلى السلطات الإسبانية تحديا أمنيا وهجراتيا فقط، بل مسارا يرتبط أيضا بحوادث الغرق والوفيات خلال محاولات الوصول إلى الأرخبيل.

ووصف بيستانا هذا الطريق بأنه الأكثر فتكا، معتبرا أن التعاون مع دول المنشأ والعبور يساهم في “تفادي عدد كبير من الوفيات في البحر”

وتقوم هذه القراءة على أن الحد من انطلاق القوارب لا يخفض عدد الواصلين فقط، وإنما يقلص أيضا عدد الأشخاص الذين يخوضون رحلات بحرية محفوفة بالمخاطر.

كما يربط المسؤول الإسباني هذا الجانب بمحاربة الشبكات التي تنظم الهجرة غير النظامية، والتي تضع المرشحين للمغادرة أمام رحلات يمكن أن تكون مميتة.

أسباب الهجرة لم تختف

وراء الانخفاض الكبير في أعداد الوافدين، يظل التشخيص الإسباني واضحا بشأن استمرار أسباب الهجرة فبيستانا أقر، بعد موجات المغادرة الجماعية الأخيرة نحو سبتة، بأن جزءا مهما من الفئات المعنية سيواصل محاولة الوصول إلى أوروبا.

وحدد أربعة عوامل رئيسية تدفع هذه التحركات بما فيها النزاعات، والجوع، والفقر، وتداعيات التغير المناخي كما اعتبر أن الضغط يأتي “بشكل أساسي من منطقة الساحل”

وهنا تظهر المفارقة الأساسية في الأرقام الحالية، فالتراجع في الوصول إلى الكناري لا يعني وفق المسؤول الإسباني نفسه، انخفاضا موازيا في عدد الأشخاص الراغبين في الهجرة، وإنما يعكس بالدرجة الأولى تغيرا في قدرة السلطات على ضبط عمليات المغادرة.

ما الذي تغير إذن؟

جواب بيستانا كان مباشرا “تعاون السلطات المحلية والتزامها”، أي أن المتغير الرئيسي في تقديره، يوجد على مستوى الاستجابة المؤسساتية وليس بالضرورة على مستوى الدوافع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تنتج الهجرة.

وتحدث في هذا السياق عن توقيف مسؤولين عسكريين وأشخاص يشغلون وظائف عمومية للاشتباه في مشاركتهم في هياكل إجرامية مرتبطة بالهجرة.

ويرى أن استمرار هذا المستوى من الالتزام سيتيح الحفاظ على درجة مرتفعة من الحد من عمليات المغادرة فيما تعكس هذه القراءة انتقال المواجهة من اعتراض القوارب بعد انطلاقها فقط إلى استهداف الشبكات والجهات التي تسهل تنظيم الرحلات قبل الوصول إلى البحر.

ورغم أن الأرقام التي قدمها بيستانا تخص جزر الكناري، لم تغب أحداث سبتة الأخيرة عن تصريحاته، فقد وصف مندوب الحكومة الإسبانية ما حدث بأنه “مأساة مروعة” مشيرا إلى أن الأحداث خلفت أكثر من 130 وفاة، وفقا للأرقام التي استشهد بها.

أما الخلاصة السياسية التي استخرجها بيستانا من أحداث سبتة، فهي مجددا الحاجة إلى التعاون بين المغرب وإسبانيا لمنع تكرار مثل هذه الأحداث.

واستحضر المسؤول الإسباني في هذا السياق التاريخ المرتبط بالهجرة في جزر الكناري، مذكرا بأن جزءا من سكان الأرخبيل نفسه اضطر إلى الهجرة خلال القرن الماضي.

بعد سبتة.. ملف القاصرين ينتقل إلى الداخل الإسباني

لم يتوقف المسؤول الإسباني عند التعاون مع المغرب أو دول الساحل فالوجه الآخر لأزمة الهجرة يوجد داخل إسبانيا نفسها، حيث يثير توزيع القاصرين المهاجرين غير المرفوقين خلافات بين الحكومة المركزية وبعض الأقاليم ذاتية الحكم.

وتوجد جزر الكناري تحت نظام “طوارئ الهجرة” في ظل الضغط الذي تواجهه منظومة استقبال القاصرين.

وأوضح بيستانا أن مندوبية الحكومة الإسبانية تواصل توقيع قرارات نقل القاصرين من الأرخبيل إلى مناطق أخرى من البلاد ما تزال تتوفر على قدرات للاستقبال فيما تتواصل هذه العملية في الوقت الذي يستمر فيه وصول قاصرين جدد إلى جزر الكناري.

وتتمسك بعض الأقاليم بعدم توفرها على المنشآت أو القدرات الملائمة لاستقبال هؤلاء القاصرين، وهي الحجة التي رفضها بيستانا واستند في رده إلى تجربة الكناري نفسها.

فالأرخبيل بحسب المسؤول الإسباني، اضطر أمام الضغط الذي تعرض له إلى إحداث قدرات طارئة للاستقبال، ولذلك لا يرى مبررا لرفض الأقاليم الأخرى تحمل جزء من المسؤولية وقال في هذا الصدد إن “على الجميع تحمل مسؤولياتهم”

لكن تحذير مندوب الحكومة لم يبق في حدود السجال السياسي بين مدريد والأقاليم، فبيستانا ذكر بأن الحكومات الإقليمية ملزمة بتطبيق التشريع الخاص بالتكفل بالقاصرين المهاجرين، وأن الأمر يتعلق بتنفيذ مقتضيات قانونية وليس بمجرد ترتيبات اختيارية بين السلطات المركزية والمحلية.

وفي حال استمرار رفض استقبال القاصرين أو الامتناع عن تنفيذ القانون، حذر من إمكانية الانتقال إلى تدخل أكثر صرامة وقد يصل الأمر، بحسب تصريحاته، إلى تدخل النيابة العامة وفتح إجراءات جنائية في مواجهة السلطات المعنية.

مساران مختلفان وضغط واحد

ما تكشفه تصريحات مندوب الحكومة الإسبانية في جزر الكناري هو أن ملف الهجرة لا يتحرك في اتجاه واحد.

فبينما سجل الطريق الأطلسي انخفاضا بنسبة 59.6 في المائة خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، شهد مسار سبتة أخيرا ضغطا حادا أعاد الهجرة إلى واجهة الأحداث.

وهذا التباين يؤكد أن انخفاض الضغط على مسار معين لا يعني بالضرورة تراجع الهجرة في مجموعها، فالأسباب التي تدفع إلى المغادرة ما تزال قائمة بحسب التشخيص الإسباني نفسه، وخصوصا في منطقة الساحل.

وعندما يشتد ضبط أحد المسارات، تظل إمكانية انتقال جزء من الضغط إلى طرق أخرى قائمة، بينما تستمر الشبكات في البحث عن مسالك بديلة ولهذا لا يقرأ بيستانا رقم 59.6 في المائة باعتباره نهاية للمشكلة.

وتوقعه بأن ينخفض المعدل السنوي في نهاية المطاف إلى ما بين 30 و40 في المائة يؤكد أن مدريد نفسها تتوقع أن تكون الأشهر المقبلة أكثر ضغطا من الأشهر السبعة الأولى.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *