التصنيف: تحت المجهر

  • يأس الشباب يتحول إلى عملة للمافيات.. “موسم الهجرة إلى الشمال” يسائل حصيلة السياسات العمومية

    يأس الشباب يتحول إلى عملة للمافيات.. “موسم الهجرة إلى الشمال” يسائل حصيلة السياسات العمومية

    حين تحولت سبتة المحتلة خلال 48 ساعة فقط، إلى مسرح لعبور عشرات الآلاف من الشباب المغربي، طرح كثيرون سؤالا أمنيا بامتياز مفاده من فتح الحدود؟ في وقت أن السؤال الأعمق والأكثر إزعاجا وهو لماذا كان هناك أصلا عشرات الآلاف من الشباب جاهزين للمخاطرة بحياتهم سباحة نحو ضفة أخرى؟

    الجواب لا يوجد في تحليل ساعات الأزمة بل في عقدين على الأقل من سياسات عمومية للتعليم والصحة والتشغيل لم تفلح في احتواء جيل كامل، تاركة إياه فريسة سهلة، ليس فقط لليأس بل لشبكات التهريب والاتجار في البشر، التي حوّلت هذا اليأس إلى تجارة منظمة.

    صورة الهارب.. من هم هؤلاء الشباب؟

    خلافا للصورة النمطية التي تحصر العابرين في شباب مدن الشمال وحدها، كشفت معطيات جمعيات حقوقية بالمغرب أن الوافدين إلى سبتة خلال الأزمة الأخيرة قدموا من مدن متفرقة داخل المغرب، من القنيطرة والدار البيضاء إلى الجديدة، إلى جانب قاصرين ونساء وحتى عائلات كاملة حاولت العبور سباحة.

    هذا الاتساع الجغرافي للظاهرة يفنّد أي تفسير يختزلها في خصوصية محلية لمدن الحدود، ويؤشر بدل ذلك على أزمة وطنية الطابع، عنوانها “شبان أرسلتهم مدنهم البعيدة عن الحدود بحثا عن أفق لم يجدوه في محيطهم القريب”.

    وقد حذرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان من تحول سواحل الفنيدق وسبتة إلى بؤرة لـ”كارثة إنسانية” تتكرر فصولها مع كل موجة هجرة جديدة.

    ويأتي هذا التحذير في وقت تظهر فيه المعطيات الرسمية الإسبانية تصاعد الضغط على المدينة المحتلة، إذ بلغ عدد الواصلين إليها بطريقة غير نظامية 2826 شخصا منذ بداية سنة 2026 إلى غاية 15 يوليوز، بزيادة تقارب 150 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، ما يجعل سبتة نقطة العبور الأكثر ضغطا على الحدود الجنوبية لإسبانيا خلال هذه الفترة.

    ولا تقتصر خطورة الوضع على ارتفاع أعداد الوافدين، بل تمتد إلى الكلفة الإنسانية لهذه المحاولات، فوفق المعطيات التي جمعتها وسائل إعلام محلية اعتمادا على تدخلات الحرس المدني الإسباني، ارتفع عدد الجثث التي انتُشلت من سواحل سبتة خلال سنة 2026 إلى 56 جثة مع نهاية يوليوز، فيما تتحدث منظمات حقوقية عن مفقودين لا يزال مصيرهم مجهولا، في ظل صعوبات مرتبطة بتحديد الهويات وإبلاغ الأسر واستكمال إجراءات التعرف على الضحايا.

    وترى الجمعية أن ما تشهده المنطقة يتجاوز كونه أزمة حدود أو تحديا أمنيا ظرفيا، ليعكس تراكما لاختلالات اجتماعية واقتصادية تدفع شبابا بينهم قاصرون، إلى اعتبار البحر آخر منفذ ممكن نحو الضفة الأخرى.

    ولذلك دعت إلى اعتماد مقاربة شاملة لا تقتصر على تشديد المراقبة أو تفكيك شبكات التهريب، بل تربط حماية الحق في الحياة بفتح تحقيقات بشأن المفقودين، وتمكين عائلاتهم من الوصول إلى المعلومات، بالتوازي مع معالجة الأسباب البنيوية للهجرة، وفي مقدمتها الهشاشة الاجتماعية، والانقطاع المبكر عن الدراسة، وصعوبة الولوج إلى سوق الشغل، وضعف آليات الإدماج الاقتصادي والاجتماعي.

    ظاهرة “النيت”.. جيل خارج كل المنظومات

    يحمل هؤلاء الشباب في الغالب سمة مشتركة ترصدها الإحصائيات الرسمية منذ سنوات وهي فئة “NEET”، أي الشباب الذين لا يشتغلون، ليسوا بالمدرسة، ولا يتابعون أي تكوين.

    وتكشف دراسة مشتركة بين المندوبية السامية للتخطيط ومنظمة العمل الدولية، صدرت في أكتوبر 2025 بتمويل من الاتحاد الأوروبي، أن 2.9 مليون شاب مغربي يوجدون في هذه الوضعية، الأخطر أن الخطر يتفاقم مع التقدم في العمر فبين سن 25 و29 سنة، يصل معدل الشباب في وضعية “NEET” إلى 50 بالمئة، بعدما كانت المرحلة الانتقالية بين 24 و29 سنة توصف بأنها “سن حرج للدخول” في هذه الوضعية بشكل دائم.

    كما أن 76 بالمئة من هذه الفئة لا يحملون أي شهادة تأهيلية، وأكثر من 70 بالمئة منهم إناث، غالبيتهن ربات بيوت غير نشيطات اقتصاديا، ما يكشف بعدا جندريا إضافيا للظاهرة يختلف عن ملف الهجرة من حيث الحدة لكنه يشترك معه في الجذر البنيوي نفسه.

    في السياق نفسه، رصدت دراسة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، قدّمت سنة 2023 وجود 1.5 مليون شاب بين 15 و24 سنة خارج منظومتي الدراسة والعمل بشكل كامل، وفق إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط لسنة 2022.

    هذا الخزان البشري الضخم، المحروم من أفق دراسي أو مهني، هو بالضبط ما يجعل عرض “العبور نحو أوروبا” مغريا، مهما كانت مخاطره، فحين لا يكون أمام الشاب لا مقعد دراسي يعود إليه ولا وظيفة تنتظره، تصبح كلفة المخاطرة بالحياة في البحر أقل إيلاما، من منظوره، من كلفة الاستمرار في الانتظار.

    إرث الحكومات المتعاقبة.. مليارات الدراهم ونتائج غائبة

    المفارقة أن هذا الوضع لم ينشأ من غياب السياسات العمومية بل رغم تعددها، فمنذ حكومة ادريس جطو وإلى حكومة سعد الدين العثماني، أُطلقت برامج “إدماج” و”تأهيل” و”تحفيز” بوعد تجاوز 100 ألف إدماج سنويا، كما أعلنت الحكومة السابقة عن إحداث أكثر من 212 ألف منصب شغل بين 2017 و2021، ورغم أنها اعتبرت الحصيلة “مشرفة” ، فمعدل البطالة بين الشباب من 15 إلى 24 سنة بقي مرتفعا عند 30.2 بالمئة سنة 2022، رغم كل هذه البرامج.

    الحكومة الحالية بدورها ضخّت استثمارات مماثلة، على غرار برنامج “أوراش” بميزانية 2.25 مليار درهم لخلق أكثر من 250 ألف فرصة عمل مؤقتة، وبرنامج “فرصة” بـ1.25 مليار درهم لدعم 10 آلاف حامل مشروع، وبرنامج “انطلاقة” بغلاف يناهز 8 مليارات درهم لتمويل مقاولات ذاتية وصغرى، خاصة في الوسط القروي، ومع ذلك، أظهر استطلاع للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول هذه البرامج تحديدا أن 71.57 بالمئة من المشاركين لم يسبق لهم الاستفادة من أي برنامج موجه للشباب على الإطلاق، وأن 49 بالمئة ممن أبدوا رأيا اعتبروها غير فعالة.

    النتيجة أن حوالي 1.7 مليون شاب مغربي ينتهي بهم المطاف في القطاع غير المهيكل أو التشغيل الذاتي الهش، منهم 88 بالمئة بلا عقد عمل ولا حماية اجتماعية تُذكر.

    هذا التراكم من الإحباط الذي يمتد لأكثر من 10 سنوات لا يبقى حبيس الإحصائيات، فبحسب البحث الوطني حول الهجرة الدولية (2018-2019) الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط، عبّر 40.3 بالمئة من الشباب المغربي بين 15 و29 سنة عن رغبة قوية في مغادرة التراب الوطني لأسباب اقتصادية واجتماعية وثقافية، أي قبل سنتين من موجة سبتة الأولى في ماي 2021، قبل أن تتكرر مجددا في اليومين الأخيرين، لكن بحدة أكبر. وبعبارة أخرى، كانت “الرغبة في الرحيل” جاهزة ومكتومة منذ سنوات، وما احتاجه الأمر فقط هو ثغرة ميدانية لتتحول من رغبة كامنة إلى فعل جماعي.

    وفي هذا السياق، وضع حزب الأصالة والمعاصرة الملف في سياق يتجاوز التدبير الأمني الآني، معتبرا أن موجة العبور الأخيرة تعكس تحديات بنيوية تستدعي مراجعة السياسات العمومية الموجهة للشباب.

    وفي هذا الإطار، كشفت فاطمة الزهراء المنصوري منسقة القيادة الجماعية للحزب، عن استعداد المكتب السياسي لعقد اجتماع استثنائي سيخصص لتدارس تطورات ما شهدته سبتة المحتلة، معتبرة أن ما وقع “لا يمكن اختزاله في قراءة بسيطة”، بل يفرض نقاشا وطنيا واسعا حول الأسباب العميقة التي دفعت مئات الشباب، ومن بينهم قاصرون، إلى المخاطرة بحياتهم.

    وربطت المنصوري بين هذه التطورات وبين عدد من الأوراش المرتبطة بالسياسات العمومية، وفي مقدمتها التعليم والتكوين والإدماج الاجتماعي وتعزيز قيم المواطنة، معتبرة أن استعادة ثقة الشباب في المستقبل تقتضي تسريع وتيرة الإصلاحات، والانتقال من تدبير تداعيات الظاهرة إلى معالجة أسبابها البنيوية.

    كما شددت على أن مواجهة هذه التحديات لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية، رغم أهميتها في حماية النظام العام، بل تستدعي التوازي الإنصات إلى انتظارات الشباب وفتح فضاء لحوار وطني يشارك فيه مختلف الفاعلين، بما يسمح بصياغة حلول أكثر استدامة واستجابة للتحولات الاجتماعية التي تعرفها المملكة.

    وفي السياق ذاته، عبرت المنصوري عن تقديرها للمجهودات التي بذلتها مختلف المصالح الأمنية خلال تدبير الأحداث، مشيرة إلى أن ما رافقها من أعمال عنف وإحراق للممتلكات يظل سلوكا مرفوضا، مؤكدة أن حماية الأمن العمومي ينبغي أن تتوازى مع سياسات تعزز الإدماج وتعيد الأمل إلى فئة واسعة من الشباب.

    وختمت بالتأكيد أن ما تشهده المملكة من أوراش إصلاحية وتنموية يشكل قاعدة يمكن البناء عليها، غير أن نجاحها يظل رهينا بقدرتها على الوصول إلى الشباب، وتعزيز شعورهم بالانتماء، وترجمة ثمار التنمية إلى فرص ملموسة تحفظ الكرامة وتحد من دوافع الهجرة غير النظامية.

    المافيا.. من يستثمر في يأس الشباب؟

    مع تشديد المراقبة الأمنية على طريق جزر الكناري الأطلسي الذي كان يُعد الممر الأخطر والأكثر استخداما للهجرة نحو أوروبا، أعادت شبكات تهريب المهاجرين توجيه نشاطها تدريجيا نحو سبتة، التي تحوّلت إلى ما يشبه “محطة لوجستية” وسيطة ضمن مسارات جديدة للهجرة غير النظام.

    ولم يعد الأمر يقتصر على تسهيل عبور فردي، بل أصبح عملا منظما على مراحل، بما فيها إدخال المهاجرين إلى سبتة بحرا، ثم إيواؤهم في شقق وبيوت آمنة تستأجرها الشبكات داخل المدينة، قبل التخطيط لنقلهم في مرحلة لاحقة نحو مدن جنوب إسبانيا، في عمليات تهدف إلى تمويه المراقبة الأمنية.

    العمليات الأمنية المتكررة خلال 2026 توثّق هذا التحول، ففي يوليوز نفّذ الحرس المدني الإسباني حملة واسعة بدعم من طائرات مسيّرة أسفرت عن اعتقال 6 أشخاص من سكان سبتة للاشتباه في انتمائهم لشبكة تهريب، فيما شهد شهر أكتوبر عملية مماثلة اعتُبرت الأكبر منذ عملية “باركيرا” السابقة، أدت أيضا إلى توقيف 6 مشتبه بهم آخرين.

    ولا تقتصر شبكة “زبائن” هذه المافيات على المغاربة وحدهم، بل تشمل مرشحين للهجرة من دول المغرب الكبير وإفريقيا جنوب الصحراء، بل ومن مناطق نزاع في الشرق الأوسط، ما يمنح هذه الشبكات قاعدة بشرية واسعة تستغلها مقابل مبالغ مالية.

    كلفة هذا التوسع في نشاط المافيا تُقاس بالأرواح، فقد سجلت سبتة وحدها 40 حالة وفاة على الأقل خلال 2025، وهو أعلى رقم يُسجَّل في السنوات الأخيرة على هذا المسار تحديدا، إضافة إلى 9 حالات وفاة أخرى مسجلة في 2026 قبل اندلاع أزمة يوليوز الأخيرة.

    الإطار المؤسسي والمالي

    ولا يقتصر التعاون المغربي الأوروبي في محاربة شبكات التهريب على تصريحات ظرفية، بل يستند إلى بنية مؤسسية ممتدة منذ سنوات، فبموجب الإعلان المشترك بين المغرب والاتحاد الأوروبي لسنة 2019، اعتُبر المغرب “شريكا رئيسيا” في تدبير الهجرة، بتمويل أوروبي منتظم لتعزيز قدرات المملكة في هذا المجال.

    وفي يوليوز 2022، أطلقت المفوضية الأوروبية أولى “شراكات التشغيل لمكافحة التهريب” مع المغرب والنيجر، في إطار خطة عمل الاتحاد الأوروبي المتجددة لمكافحة تهريب المهاجرين (2021-2025).

    وفي دجنبر من العام نفسه، أطلق الاتحاد الأوروبي “مبادرة أوروبا الموحدة” الخاصة بالمسار الأطلسي والمتوسط الغربي، بتعبئة 908 ملايين يورو لدعم التعاون مع المغرب وعدد من دول غرب إفريقيا في مجالات الحدود ومكافحة التهريب والهجرة القانونية.

    وبشكل أكثر تحديدا، خصص الاتحاد الأوروبي برنامجا بقيمة 152 مليون يورو موجها حصريا لتعزيز قدرات المغرب في إدارة الحدود ومحاربة شبكات التهريب، إلى جانب دعم الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء وبرامج العودة الطوعية.

    منعطف مأساة مليلية 2022

    تعزز هذا التعاون بشكل خاص بعد مأساة معبر مليلية في 24 يونيو 2022، التي خلّفت 23 قتيلا على الأقل، فبعد أسبوعين فقط من الحادثة، عقد اجتماع في الرباط جمع المفوضة الأوروبية للشؤون الداخلية إيلفا جوهانسون، ووزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا، ووزير الداخلية المغربي عبد الوافي لفتيت، اتفقوا خلاله على تحديث آليات التعاون لمواجهة “الأساليب التشغيلية الجديدة” التي تعتمدها شبكات التهريب، بما في ذلك تعزيز التعاون الشُّرطي وإطلاق تحقيقات مشتركة.

    وأكد البيان المشترك الصادر عن هذا اللقاء أن جهود المغرب “تمنع عشرات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين من الهجرة سرا إلى أوروبا”، مع تفكيك ما يقارب 100 شبكة إجرامية للاتجار بالبشر خلال تلك الفترة، معتبرا الاستراتيجية الوطنية المغربية للهجرة واللجوء (SNIA) “من أكثر نماذج إدارة الهجرة تقدما” على المستويين التشريعي والمؤسسي.

    وبحسب مصادر إسبانية رسمية، فقد سمحت الآليات المشتركة الجديدة آنذاك بإيقاف نحو 40 بالمئة من حركات الهجرة غير النظامية، وهو ما ترجم أيضا، بحسب التقدير نفسه، إلى تراجع بنسبة 40 بالمئة في تعريض الأرواح للخطر.

    الحصيلة الرقمية الأحدث

    تظهر بيانات وزارة الداخلية المغربية، أن هذا التعاون يترجم إلى نتائج ميدانية متجددة سنويا، فخلال 2025 وحدها أحبطت السلطات المغربية 73.640 محاولة هجرة غير نظامية، وفككت أكثر من 300 شبكة تهريب نشطة، وأنقذت 13.595 مهاجرا في عمليات تدخل بعرض البحر شملت مساعدة طبية وإيواء وتوجيها، فيما استفاد 4.372 مهاجرا من برامج العودة الطوعية الكريمة إلى بلدانهم بالتنسيق مع ممثلياتهم الدبلوماسية.

    غير أن الوزارة نفسها أقرت بأن هذا التراجع في المحاولات “لا يعني نهاية الظاهرة”، بل يعكس “إعادة تموقعها جغرافيا” نحو مناطق أخرى في غرب إفريقيا وجنوب المتوسط، وهو بالضبط ما يفسر، من منظور هذه المادة، انتقال الضغط نحو سبتة تحديدا حين ضاقت مسارات أخرى.

    وكانت عملية نفذها الدرك الملكي المغربي، انطلقت من بني ملال وامتدت دوليا، تقدم مثالا دالا، حيث تمكنت التحقيقات من تفكيك شبكة كانت تُهرّب مرشحين للهجرة عبر ليبيا نحو إيطاليا، وتحتجزهم هناك لابتزاز عائلاتهم ماليا، فيما استُخدم نظام “الحوالة” لتحويل الأموال بشكل غير مشروع، بواقع نحو 3000 عملية مالية منذ 2015 تراوحت قيمتها بين 500 و100,000 درهم للعملية الواحدة، قبل أن تحجز السلطات مبلغا ماليا ناهز 2.57 مليون درهم.

    هذا النوع من العمليات يكشف أن الشبكات لم تعد تكتفي بتهريب الأشخاص، بل طوّرت اقتصادا ماليا موازيا قائما على الابتزاز وتبييض الأموال عبر الحدود، وهو ما يفسر تمويل الاتحاد الأوروبي برنامجا إقليميا خاصا بقيمة 15 مليون يورو، عبر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، لتعزيز قدرات المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر تحديدا في التحقيق ومقاضاة قضايا تهريب البشر والاتجار به.

  • حملات مضللة تقود مهاجرين إلى سبتة المحتلة والمغرب في قلب معادلة ضبط أمن حدود أوروبا

    حملات مضللة تقود مهاجرين إلى سبتة المحتلة والمغرب في قلب معادلة ضبط أمن حدود أوروبا

    في ظرف ساعات، تحولت سبتة المحتلة إلى إحدى أكثر النقاط سخونة، بعد موجة عبور غير مسبوقة قدّرتها وزارة الداخلية الإسبانية بنحو 49 ألف شخص خلال 24 ساعة فقط، وهو رقم يفوق بأضعاف أزمة ماي 2021 التي شهدت دخول ما بين 8 و10 آلاف مهاجر خلال يومين، ووضع كل من  الرباط ومدريد أمام اختبار ميداني جديد.

    وفي وقت انشغل الرأي العام بالأرقام والصور، تبرز أسئلة أعمق تتعلق بأسباب ما جرى، وحدود التنسيق الأمني بين المغرب وإسبانيا، فضلا عن انعكاسات الأزمة على مستقبل الشراكة بين الرباط والاتحاد الأوروبي.

    ما الذي وقع فعلا؟

    صباح الخميس 30 يوليوز، تدفقت حشود كبيرة من المهاجرين، أغلبهم شبان مغاربة، سباحة ومشيا على الأقدام نحو سبتة المحتلة عبر الالتفاف حول الحاجز البحري بمحاذاة معبر تراخال، قادمين أساسا من مدينة الفنيدق، فيما العبور تواصل طيلة الليل، ولم يقتصر على الشبان بل شمل نساء وشيوخا، وأطفالا ورضع وعائلات كاملة.

    ونقلت وكالة “أسوشيتد برس” عن السلطات الإسبانية أن حصيلة الضحايا ارتفعت إلى 34 قتيلا على الأقل، بينهم أشخاص لقوا حتفهم غرقا وآخرون في حوادث تدافع خلال محاولات العبور، إضافة إلى مفقودين لا تزال عائلاتهم تبحث عن معلومات بشأن مصيرهم وفق ما نقلته وكالة “فرنس برس”، أما مراكز الاستقبال، خاصة تلك المخصصة للقاصرين غير المرافَقين، تجاوزت طاقتها الاستيعابية، ما ترك آلاف الوافدين دون مأوى في الشوارع والحدائق العامة.

    على الجانب المغربي، سُجلت مواجهات واحتراق مركبات في بني أنصار قرب الحدود مع مليلية المحتلة، فيما عمدت السلطات المغربية إلى إغلاق المعبر ونشر شاحنات مزودة بمدافع مياه.

    أما رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، فقد توجه شخصيا إلى سبتة المحتلة برفقة وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا، وعبر اليوم الجمعة، عن أسفه لارتفاع حصيلة الضحايا فى الأحداث الأخيرة، مثمنا استعداد السلطات المغربية للتعاون فى ملف إعادة المهاجرين.

    من جانبها، رفضت الحكومة المركزية طلب رئيس حكومة سبتة المحتلة خوان خيسوس فيباس إعلان “حالة طوارئ وطنية”، معتبرة أن الهجرة لا تندرج ضمن الإطار القانوني الذي يبرر هذا الإعلان، واكتفت بإعلان تعزيزات أمنية وعسكرية إضافية.

    برز في الساعات الأولى للأزمة أكثر من تفسير لمحاولة فهم أسباب موجة العبور، غير أن أيا منها لم يحظ، إلى حدود كتابة هاته الأسطر بما يكفي من المعطيات التي تسمح باعتباره تفسيرا حاسما.

    في الرواية التي تبنتها السلطات الإسبانية ونقلتها وسائل إعلام محلية، ارتبطت الموجة بحكم أصدرته المحكمة العليا الإسبانية في 8 يوليوز، قضى بعدم جواز “الإعادة الفورية” للمهاجرين الذين تعترضهم السلطات في عرض البحر أثناء محاولتهم الوصول إلى سبتة أو مليلية، بينما يظل هذا الإجراء ممكنا بالنسبة لمن يعبرون الحدود برا.

    وترى مدريد أن شبكات الاتجار بالبشر استغلت هذا القرار وروجت لتأويلات مضللة أوحت للمهاجرين بإمكانية البقاء في حال الوصول بحرا، وهو ما أشار إليه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الذي وصف ما جرى بأنه “اعتداء على السيادة الإسبانية”، متهما تلك الشبكات بتوظيف مضمون الحكم لاستقطاب مزيد من الراغبين في الهجرة.

    في المقابل، دعت قراءات أخرى إلى تجنب اختزال ما حدث في عامل قانوني واحد، ويستند هذا التوجه إلى أن موجة العبور شملت أشخاصا قدموا من مناطق مختلفة داخل المغرب، وفي ظروف اجتماعية متباينة، وهو ما يجعل من الصعب تفسيرها بحكم قضائي إسباني وحده، وفق ما يراه عدد من الفاعلين الحقوقيين المغاربة.

    وإلى جانب التفسير القانوني، برزت فرضية أخرى تداولتها مصادر ميدانية وأمنية، من بينها نقابة الحرس المدني الإسباني وفاعلون حقوقيون، تحدثت عن تراجع في مستوى المراقبة ببعض النقاط الحدودية خلال الساعات الأولى للأزمة، معتبرة أن ذلك قد يكون أسهم في وصول أعداد أكبر إلى الساحل.

    غير أن هذه الفرضية، شأنها شأن باقي القراءات المتداولة، لا تستند إلى تأكيد رسمي من السلطات المغربية التي لم تصدر، إلى حدود إعداد هذه المادة توضيحا بشأن ملابسات ما جرى أو العوامل التي أفضت إلى هذه الموجة.

    الشرخ الأوروبي

    من جهة ثانية، الأزمة لم تبق حبيسة الحدود المغربية الإسبانية، بل تحولت سريعا إلى مادة خلاف داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، ذلك أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني وصفت المشاهد القادمة من سبتة بأنها دليل على أن “الهجرة غير النظامية غير المنضبطة تشكل تهديدا حقيقيا لأمن حدود أوروبا”، معلنة استعداد بلادها “للتدخل بإجراءات استثنائية”، من بينها تعليق العمل باتفاقية شنغن مع إسبانيا.

    أما وزير خارجيتها أنطونيو تاياني فقد ذهب أبعد من ذلك، رابطا الأزمة بقرار مدريد الأخير تسوية أوضاع أكثر من 500 ألف مهاجر غير نظامي، واصفا القرار بأنه “خاطئ جدا ويشجع على الاتجار بالبشر” .

    الرد الإسباني جاء حازما، من وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس، الذي وصف تصريحات روما بأنها “لا تليق بوزير خارجية بلد شريك وصديق”، واعتبرها “مزايدة سياسية حزبية” لا تضامنا، معلنا استدعاء السفير الإيطالي للاحتجاج.

    فرنسا بدورها لم تقف على الحياد، فوزير داخليتها لوران نونيز أعلن تفعيل “قوة التدخل السريع الحدودية” وتعزيز فوري للمراقبة عند الحدود.

    و في السياق نفسه، اعتبرت وزيرة داخلية فنلندا ماري رانتانن أن “إسبانيا فشلت تماما في حماية الحدود الخارجية لمنطقة شنغن”، داعية دول الاتحاد لدعم موقف إيطاليا، فيما وصف رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون الوضع بأنه يستوجب من إسبانيا “استعادة السيطرة بسرعة والوفاء بالتزاماتها ضمن التعاون الأوروبي المشترك”.

    هذا التصعيد المتبادل بين عواصم أوروبية كبرى كشف هشاشة بنيوية أعمق، تفيد بأن الاتحاد الأوروبي يعتمد بشكل شبه كامل على المغرب كـ “حارس” فعلي لحدوده الجنوبية عند سبتة ومليلية المحتلتين باعتبارهما المعبر البري الوحيد بين القارتين الأوروبية والإفريقية، وبالتالي فإن أي تذبذب في هذا الدور مهما كان سببه، يتحول فورا إلى أزمة سياسية داخل الاتحاد نفسه، تتجاوز حدود الملف الإنساني إلى صراع نفوذ بين تيارات سياسية أوروبية متعارضة حول ملف الهجرة.

    المغرب.. خط الدفاع الأول لأوروبا

    واختزال ما جرى في سبتة في مشاهد التدافع وحدها يغفل سياقا آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالدور الذي يضطلع به المغرب منذ سنوات باعتباره أحد أبرز خطوط الدفاع الأولى للاتحاد الأوروبي في مواجهة الهجرة غير النظامية.

     فخلال العقد الأخير، لم يعد التعاطي المغربي مع الظاهرة يقتصر على حماية حدوده الوطنية، بل تحول إلى منظومة أمنية وعملياتية متكاملة تقوم على المراقبة البحرية، وتفكيك شبكات الاتجار بالبشر وتعزيز التنسيق الاستخباراتي والعملياتي مع إسبانيا والشركاء الأوروبيين.

    واكتسب هذا التعاون زخما أكبر منذ سنة 2022، في أعقاب استئناف العلاقات المغربية الإسبانية على أسس جديدة، حيث ارتفع مستوى التنسيق الميداني بين أجهزة البلدين، وتوسع تبادل المعلومات والعمليات المشتركة، قبل أن يتعزز باتفاقات التعاون الموقعة سنة 2023 في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود.

    وتعكس المؤشرات الرسمية الإسبانية حجم الأثر الذي خلفته هذه المقاربة، فقد سجلت إسبانيا خلال سنة 2025 انخفاضا إجماليا بنسبة 42.6 في المئة في عدد المهاجرين غير النظاميين الواصلين إلى أراضيها، بعدما تراجع العدد من 64,019 إلى 36,775 شخصا، وفق بيانات وزارة الداخلية الإسبانية.

    وكان الانخفاض أكثر وضوحا في مسار جزر الكناري، الذي يمثل أخطر طرق الهجرة نحو أوروبا وأكثرها نشاطا خلال السنوات الأخيرة، إذ تقلص عدد الوافدين بنسبة قاربت 62 في المئة، من 46,850 إلى 17,800 شخص.

    ولم يكن هذا التراجع ظرفيا، إذ استمرت المؤشرات الإيجابية خلال النصف الأول من سنة 2026، مع انخفاض إضافي بلغ 25 في المئة في إجمالي الوافدين إلى إسبانيا، و61 في المئة عبر مسار الكناري، وفق ما أوردته صحيفة “لوموند” استنادا إلى المعطيات الرسمية الإسبانية.

    ولم تتوقف هذه الجهود حتى مع اندلاع أحداث سبتة الأخيرة، ففي الوقت الذي كانت فيه صور محاولات العبور الجماعي تتصدر وسائل الإعلام، كانت البحرية الملكية المغربية والحرس المدني الإسباني ينفذان عمليات مشتركة لاعتراض قوارب وإنقاذ مهاجرين في عرض البحر قبالة سواحل الفنيدق، بينما عززت السلطات المغربية انتشارها الأمني عند المحاور المؤدية إلى المدينة، واستخدمت وسائل تفريق الحشود لمنع تكرار محاولات الاقتحام الجماعي، في استمرار لنهج يقوم على احتواء التدفقات قبل وصولها إلى الحدود الأوروبية.

    لكن هذه الحصيلة تبرز في الآن نفسه مفارقة معروفة في أدبيات إدارة الهجرة، فكلما نجحت السلطات في تضييق أحد مسارات العبور، تميل شبكات التهريب إلى إعادة توزيع نشاطها نحو منافذ أخرى أقل إحكاما أو أقل كلفة.

    وفي هذا السياق، يرى عدد من الباحثين أن التراجع الكبير في المسار الأطلسي ترافق مع تصاعد الضغط على بعض المعابر البرية، وفي مقدمتها سبتة التي ارتفعت فيها محاولات العبور بنسبة 42 في المئة خلال سنة 2025، من 2,386 إلى 3,396 محاولة بحسب الإحصاءات الإسبانية.

    ولا يكفي هذا المؤشر وحده لتفسير موجة يوليوز 2026، التي تداخلت فيها عوامل قانونية وأمنية واجتماعية وشبكات تهريب البشر، لكنه يؤكد أن ما وقع لا يمثل قطيعة مع ما سبقه، بقدر ما يندرج ضمن إعادة تشكل مستمرة لمسارات الهجرة كلما تغيرت موازين الرقابة على الأرض والبحر.

  • الانتخابات في “العهد الجديد”.. إصلاحات تتجاوز القوانين لـ”هندسة الثقة”

    الانتخابات في “العهد الجديد”.. إصلاحات تتجاوز القوانين لـ”هندسة الثقة”

    لم تعرف المنظومة الانتخابية بالمغرب، خلال أكثر من ربع قرن، تحولات مرتبطة فقط بتعديل القوانين أو باحترام المواعيد الدستورية للاستحقاقات، بل مرت عبر مسار إصلاحي متدرج قادته رؤية ملكية جعلت من بناء المؤسسات، وتعزيز الثقة في الانتخابات، وترسيخ سيادة القانون، مرتكزات أساسية لتطوير الممارسة الديمقراطية.

    فمنذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش في 30 يوليوز 1999، لم تعد الانتخابات تُقرأ باعتبارها محطة دورية لفرز الأغلبية والمعارضة فقط، بل باعتبارها إحدى الآليات الأساسية لإنتاج مؤسسات قوية، قادرة على مواكبة التحولات السياسية والاجتماعية والتنموية التي تعرفها المملكة.

    وفي سياق الاحتفال بعيد العرش، يبرز هذا المسار باعتباره أحد تجليات التحول المؤسساتي الذي عرفه المغرب، حيث ارتبط تطوير الانتخابات برؤية ملكية متدرجة جعلت من بناء الثقة، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز نزاهة العملية الانتخابية، مرتكزات أساسية لتقوية المؤسسات المنتخبة.

    ويكشف تتبع الخطب الملكية والمحطات الدستورية الكبرى أن إصلاح المنظومة الانتخابية لم يكن منفصلا عن باقي الأوراش التي أطلقت خلال العهد الجديد، بل تزامن مع إصلاحات مست القضاء، والإدارة، والجهوية، واللاتمركز، والحكامة، بما يعكس تصورا يعتبر أن الديمقراطية لا تختزل في صناديق الاقتراع، وإنما تقوم على وضوح القواعد، وحياد المؤسسات، وثقة المواطنين في المسار السياسي.

    “العهد الجديد”.. بناء المؤسسات قبل إصلاح الانتخابات

    عندما اعتلى الملك محمد السادس العرش سنة 1999، كان المغرب مقبلا على مرحلة جديدة عنوانها تحديث الدولة وتعزيز فعالية مؤسساتها، ففي أول خطاب للعرش، رسم جلالته الملامح العامة لهذا التوجه، من خلال تأكيد مواصلة بناء دولة المؤسسات، وخدمة المواطن، وربط ممارسة المسؤولية بالاستجابة لتطلعات المجتمع.

    ولم يتضمن خطاب 1999 توجيهات مباشرة مرتبطة بالانتخابات، لكنه وضع الإطار السياسي العام الذي ستندرج ضمنه الإصلاحات اللاحقة، إذ إن تطوير العملية الانتخابية لا ينفصل عن تحديث الإدارة، وتقوية المؤسسات، وترسيخ الثقة بين الدولة والمواطن.

    وفي هذا السياق، جاءت أول انتخابات تشريعية في العهد الجديد يوم 27 شتنبر 2002، باعتبارها أول اختبار سياسي في مرحلة جديدة. ورغم أنها جرت في ظل دستور 1996، فإنها دشنت مسارا متدرجا لمراجعة القواعد المنظمة للحياة السياسية، وتطوير آليات تدبير العمليات الانتخابية، وتأهيل المؤسسات المنتخبة لمواكبة الأوراش الكبرى التي انطلقت مع بداية الألفية الثالثة.

    ولم يعد الرهان مقتصرا على تنظيم الانتخابات في موعدها، بل أصبح مرتبطا أيضا بإرساء قواعد تنافس أكثر وضوحا، وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات المنبثقة عن الاقتراع، وهو ما جعل الإصلاح الانتخابي ورشا مفتوحا في “العهد الجديد” مع جلالة الملك مع يتطور مع تطور الحياة السياسية.

    2003.. ترسيخ الديمقراطية كخيار استراتيجي

    في خطاب افتتاح السنة التشريعية 2003-2004 بتاريخ 10 أكتوبر 2003، أكد جلالة الملك محمد السادس أن بناء المؤسسات المنتخبة يندرج ضمن مسار إصلاحي متواصل، قائلا: “إننا، بافتتاح هذه الدورة البرلمانية، نستكمل تجديد المؤسسات الدستورية، مجسدين إرادتنا الملكية الراسخة، في إعطاء المسار الديمقراطي طريقه القويم، كخيار لا رجعة فيه، مهما تكن دقة التحديات الوطنية والدولية.”

    وشدد جلالته على أن الديمقراطية ليست مجرد آليات انتخابية، بل ممارسة يومية ومسؤولية جماعية، مضيفا: “ألا ديمقراطية بدون ديمقراطيين، وأن الديمقراطية طريق شاق وطويل، وليست ميدانا صوريا لحرب المواقع، بل هي مواطنة ملتزمة، وممارسة لا محيد عنها، لحسن تدبير الشأن العام”.

    وربط الخطاب بين الانتخابات وتحقيق التنمية، معتبرا أن شرعية الاقتراع تكتمل بتحويل نتائجها إلى سياسات عمومية تستجيب لتطلعات المواطنين، عندما تساءل جلالة الملك: “هل يعد الانتخاب غاية في حد ذاته، ونهاية المطاف؟”، قبل أن يجيب ” كلا، فإن احترام الإرادة الشعبية يقتضي نبذ عقلية ديمقراطية المقاعد، والالتزام بفضيلة ديمقراطية التنمية”، مبرزا أن الجماعات المحلية تمثل “ديمقراطية القرب والمشاركة”، داعيا المنتخبين إلى “طي صفحة المنافسة الانتخابية العابرة، وفتح الأوراش الحيوية للعمل الجماعي”، ومؤكدا أن الديمقراطية المحلية هي “تواصل دائم مع المواطنين، وليست مجرد لحظة انتخابية موسمية”.

    ولم يقتصر خطاب افتتاح السنة التشريعية 2003-2004 على الدعوة إلى المشاركة السياسية، بل ربطها بالحكامة الجيدة واحترام القانون، فقد أكد جلالة الملك “وجوب التزام هذه السلطات باليقظة والحزم والمراقبة الدائمة، لنهوض المجالس المنتخبة على الوجه الأكمل، بصلاحياتها الواسعة، طبقا للقانون”، محذرا من سوء تدبير الشأن العام، قائلا: “ومع تحذيرنا من الإخلال بالمسؤولية وسوء التدبير، ولو كان صادرا عن منتخب بأغلبية واسعة”، وهي توجيهات كرست منذ بداية العهد الجديد مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وتعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة.

    خطاب 9 مارس 2011.. لحظة مفصلية في البناء الديمقراطي

    ويشكل خطاب 9 مارس 2011 إحدى أبرز المحطات السياسية في تاريخ المغرب الحديث، لأنه لم يقتصر على الإعلان عن مراجعة دستورية، بل قدم تصورا جديدا للعلاقة بين المؤسسات، ولمكانة الانتخابات داخل البناء الديمقراطي.

    وقال جلالة الملك في هذا الخطاب “قررنا إجراء تعديل دستوري شامل”، وهي عبارة دشنت ورشا دستوريا واسعا أفضى إلى اعتماد دستور جديد، أعاد توزيع الاختصاصات بين المؤسسات، وعزز مكانة الحكومة والبرلمان، ورسخ استقلال السلطة القضائية، وربط ممارسة السلطة بمبدأ المسؤولية والمحاسبة.

    كما أكد جلالة الملك في الخطاب نفسه على ضرورة: “توطيد دولة الحق والمؤسسات”، وهو توجه لم يكن منفصلا عن المنظومة الانتخابية، إذ نص الفصل الـ11 من دستور 2011 على أن الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة تشكل أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي، لتصبح نزاهة الانتخابات مبدأ دستوريا ملزما، لا مجرد مطلب سياسي أو إجراء إداري مرتبط بموعد انتخابي محدد.

    وأعاد دستور 2011 تحديد موقع الأحزاب السياسية داخل النظام المؤسساتي، باعتبارها مؤسسات تؤطر المواطنات والمواطنين، وتساهم في التعبير عن إرادتهم، وتشارك في ممارسة السلطة على أساس التعددية والتداول الديمقراطي.

    ومن هنا، لم تعد الانتخابات مجرد وسيلة لتوزيع المقاعد، بل أصبحت مصدر الشرعية السياسية للمؤسسات المنتخبة، وجزءا أساسيا من العلاقة بين الاختيار الشعبي وممارسة المسؤولية.

    الجهوية المتقدمة.. الانتخابات برهانات تنموية جديدة

    بعد اعتماد دستور 2011، انتقل المغرب إلى مرحلة جديدة مع تنزيل ورش الجهوية المتقدمة، الذي وضع إعادة تنظيم الدولة ترابيا في صلب الإصلاح المؤسساتي.

    ومع تنظيم انتخابات الرابع من شتنبر 2015، لم تعد الانتخابات الترابية تقتصر على اختيار مجالس جماعية أو إقليمية، بل أصبحت تحدد أيضا من يقود التنمية على المستوى الجهوي، بعدما منحت الجهات اختصاصات أوسع في مجالات التخطيط والاستثمار والتجهيز والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

    وأدى هذا التحول إلى توسيع معنى الاختيار الديمقراطي، إذ أصبح الناخب يساهم، من خلال صوته، في اختيار المسؤولين عن تنفيذ جزء مهم من السياسات العمومية على المستوى الترابي، لتكتسب الانتخابات الجهوية بعدا يتجاوز التدبير المحلي، لتصبح آلية لتقريب القرار، وربط المسؤولية بالمحاسبة على المستوى الترابي، وإعطاء الجهات دورا أكبر في بلورة وتنفيذ البرامج التنموية.

    من خطاب 2016 إلى تعليمات 2021.. النزاهة أساس الثقة

    إذا كان دستور 2011 قد وضع الأساس الدستوري لنزاهة الانتخابات، فإن المرحلة اللاحقة اتجهت نحو تعزيز الضمانات العملية الكفيلة بحماية الاقتراع وصيانة الإرادة الحرة للناخبين.

    وقبل الانتخابات التشريعية لسنة 2016، وجه جلالة الملك رسالة واضحة إلى مختلف المتدخلين في العملية الانتخابية، مفادها أن نجاح الاستحقاق لا يقاس فقط بنسبة المشاركة أو بنتائج صناديق الاقتراع، وإنما أيضا بمدى احترام قواعد النزاهة والشفافية.

    وأكد جلالته في خطاب العرش لسنة 2016 ضرورة “ضمان نزاهة وشفافية المسار الانتخابي”، وهو توجيه شكل آنذاك مرجعا لعمل الإدارة المشرفة على الانتخابات، إذ رسخ مبدأ حيادها باعتبارها الجهة المكلفة بالسهر على احترام القانون وتكافؤ الفرص، لا طرفا في المنافسة السياسية.

    وحمل الخطاب رسالة واضحة مفادها أن مصداقية المؤسسات المنتخبة تبدأ من سلامة المسار الذي أفرزها، وأن أي ممارسات تمس بحرية اختيار الناخبين أو تؤثر في المنافسة السياسية يجب أن تواجه في إطار القانون.

    ومع اقتراب انتخابات الثامن من شتنبر 2021، انتقلت هذه الرؤية من مستوى المبادئ العامة إلى مستوى الإجراءات المؤسساتية، إذ أصدر جلالة الملك تعليماته السامية إلى كل من وزير الداخلية ورئيس النيابة العامة، قصد السهر على نزاهة العمليات الانتخابية والتصدي لكل الممارسات المخالفة للقانون، سيما استعمال المال أو أي وسائل غير مشروعة للتأثير على الناخبين.

    ولم تبق هذه التعليمات في حدود التوجيه، بل ترجمت إلى آليات عملية، من خلال تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات، التي تضم ممثلين عن وزارة الداخلية ورئاسة النيابة العامة، إلى جانب إحداث لجان جهوية وإقليمية لتلقي الشكايات وتتبع المخالفات، وتعزيز التنسيق بين السلطات الإدارية والقضائية.

    وأتاح هذا التنسيق توسيع نطاق المراقبة ليشمل مختلف مراحل العملية الانتخابية، من الترشيح والحملة إلى يوم الاقتراع وإعلان النتائج، بما يضمن التطبيق الصارم للقانون والتدخل عند تسجيل أي إخلالات.

    وفي السياق نفسه، كثفت وزارة الداخلية لقاءاتها مع الأحزاب السياسية، وحرصت على توفير الشروط التنظيمية واللوجستية لإجراء الانتخابات، مع إصدار توجيهات للسلطات الترابية تؤكد ضرورة الالتزام بالحياد، وضمان المساواة بين جميع المرشحين، وتأمين ممارسة الحقوق التي يكفلها القانون خلال الحملة الانتخابية.

    خطاب العرش 2025.. الانتخابات تبدأ قبل يوم الاقتراع

    إذا كانت محطة 2016 قد ركزت على حياد الإدارة، وعززت تعليمات 2021 آليات حماية نزاهة الاقتراع، فإن خطاب العرش ليوم 29 يوليوز 2025 نقل النقاش إلى مستوى أكثر تقدما، يقوم على اعتبار أن نجاح الانتخابات يبدأ قبل أشهر من فتح مكاتب التصويت.

    وفي هذا السياق، قال جلالة الملك “ونحن على بعد سنة تقريبا من إجراء الانتخابات التشريعية المقبلة، في موعدها الدستوري والقانوني العادي، نؤكد على ضرورة توفير المنظومة العامة، المؤطرة لانتخابات مجلس النواب، وأن تكون معتمدة ومعروفة قبل نهاية السنة الحالية”.

    ويحمل هذا التوجيه دلالة سياسية ومؤسساتية واضحة، إذ يؤكد ضرورة أن تكون القواعد القانونية المنظمة للانتخابات معروفة ومستقرة قبل وقت كاف من موعد الاقتراع، بما يسمح للأحزاب السياسية والمرشحين والإدارة والناخبين بالاستعداد وفق مرجعية واضحة.

    ولم يكتف الخطاب بوضع هذا التوجه العام، بل حدد آلية تنزيله، حين قال جلالة الملك “وفي هذا الإطار، أعطينا توجيهاتنا السامية لوزير الداخلية، من أجل الإعداد الجيد، للانتخابات التشريعية المقبلة، وفتح باب المشاورات السياسية مع مختلف الفاعلين”.

    2026.. تنزيل عملي للتوجيهات الملكية

    وتنفيذا لهذه التوجيهات، باشرت وزارة الداخلية مشاورات مع الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، همت مراجعة عدد من النصوص القانونية والتنظيمية المرتبطة بانتخابات مجلس النواب.

    وتركزت هذه المشاورات على تهيئة الإطار التشريعي للاستحقاقات قبل موعدها بوقت كاف، بما يضمن وضوح القواعد المنظمة للعملية الانتخابية، ويتيح للفاعلين السياسيين الاستعداد على أساس قانوني مستقر.

    كما تواصل الإعداد للجوانب التنظيمية واللوجستية المرتبطة بالانتخابات، إلى جانب تفعيل آليات التتبع والتنسيق بين المؤسسات المكلفة بالسهر على احترام القانون.

    وفي قراءته للاستعدادات الجارية لانتخابات 2026، يرى أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، حميد بلغيث، أن ما يميز هذه المرحلة هو الانتقال من منطق تدبير الاستحقاقات الانتخابية عند اقتراب موعدها إلى منطق الإعداد المؤسساتي المبكر، انسجاما مع التوجيهات الملكية الواردة في خطاب العرش لسنة 2025.

    وأوضح بلغيث في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن فتح المشاورات مع الأحزاب السياسية، وتهيئة الإطار القانوني والتنظيمي للاستحقاقات، يعكسان توجها نحو ترسيخ الاستقرار التشريعي وتوفير قواعد واضحة للمنافسة السياسية، بما يعزز الثقة في المسار الانتخابي.

    وأضاف أن الرهان في انتخابات 2026 لا يقتصر على تنظيم اقتراع يحترم القانون، بل يتمثل أيضا في توفير جميع الضمانات التي تجعل مختلف الفاعلين يخوضون المنافسة في إطار من الوضوح، وتكافؤ الفرص، واحترام الإرادة الحرة للناخبين، وهو ما يعكس تطورا نوعيا في تدبير الاستحقاقات الانتخابية بالمغرب.

    مسار إصلاحي يقوم على التراكم

    وتكشف العودة إلى أبرز المحطات الانتخابية خلال عهد الملك محمد السادس أن الإصلاح لم يكن عبارة عن قرارات منفصلة، بل جاء في إطار رؤية تراكمية أضافت في كل مرحلة لبنة جديدة إلى البناء الديمقراطي.

    ففي بداية العهد الجديد، كان الرهان منصبا على تحديث مؤسسات الدولة وتعزيز الثقة فيها، ثم جاء دستور 2011 ليمنح الانتخابات سندا دستوريا واضحا، قبل أن توسع الجهوية المتقدمة رهانات الاختيار الديمقراطي على المستوى الترابي.

    وفي سنة 2016، برز حياد الإدارة باعتباره أحد شروط مصداقية الاستحقاقات، بينما عززت تعليمات 2021 آليات التنسيق والرقابة والتصدي للممارسات غير المشروعة. أما خطاب العرش لسنة 2025، فنقل النقاش إلى مرحلة الإعداد المسبق، واستقرار القواعد القانونية، وفتح المشاورات السياسية قبل موعد الاقتراع.

    ويعكس هذا التسلسل تصورا يعتبر أن الديمقراطية ليست محطة انتخابية عابرة، وإنما عملية مؤسساتية متواصلة تتطلب تحديث التشريعات، وتأهيل الفاعلين، وتطوير آليات الرقابة، وضمان احترام القانون في مختلف مراحل العملية الانتخابية.

  • “نظّارة الصحراء”.. كيف كتبت الحكمة الملكية معادلة الإجماع الدولي؟

    “نظّارة الصحراء”.. كيف كتبت الحكمة الملكية معادلة الإجماع الدولي؟

    مساء أول أمس الأربعاء، أطلّ جلالة الملك محمد السادس على شعبه بخطاب العرش السابع والعشرين، في لحظة اختزلت مفارقة جديرة بالتأمل فملف الصحراء المغربية، الذي ظل لعقود أولوية دبلوماسية قصوى استوجبت تعبئة دائمة لكل مقدرات الدولة، فيما تحوّل اليوم إلى الرافعة الأولى لمكانة المغرب الخارجية بل وأيضا إلى محكّ حقيقي تُقاس عليه جدّية أي طرف يريد بناء شراكة فعلية مع الرباط.

    لم تُغيّر سبعة وعشرون عاما من الحكم البوصلة الاستراتيجية قيد أنملة، غير أنها حوّلت “الصبر الاستراتيجي” الذي كثيرا ما وُصف به النهج الملكي من خطاب انتظار إلى رصيد سياسي ملموس لا يُقاس اليوم بلغة الشعارات بل بلغة الوقائع التي ترجمتها قرارات أممية متعاقبة، واتفاقيات ثنائية ودولية، وقنصليات مفتوحة في العيون والداخلة تعكس اعترافا متصاعدا بواقع أضحى ثابتا من ثوابت الدبلوماسية الدولية.

    هذا التحول، من موقع الترافع الدبلوماسي الدؤوب إلى موقع المبادرة وقيادة الأجندة، هو ما يمنح خطاب العرش لهذا العام بعدا يتجاوز الطقس الاحتفالي المعتاد، ليصير مناسبة لقراءة حصيلة أكثر من عقدين ونصف من إعادة تموضع المغرب في محيطه الإقليمي والدولي.

    الصحراء المغربية من ملف نزاع مفتعل إلى مرجعية أممية

    لطالما وصف جلالة الملك محمد السادس قضية الصحراء بأنها “منظار” يُقاس من خلاله جدية أي علاقة خارجية للمملكة، وما كان في السابق موقفا سياديا مغربيا صِرفا بات اليوم موقفا تتبناه أعلى هيئة أممية.

    الحدث المفصلي الأول جاء في دجنبر 2020 حين اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية رسميا بسيادة المغرب الكاملة على أقاليمه الجنوبية، اعترافٌ لم يكن عابرا كما حاول خصوم الوحدة الترابية تصويره، بل تأكّد مجددا في 19 يوليوز عندما أكدت الإدارة الأمريكية الجديدة حينها التي ترأسها جو بايدن على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية ماثيو ميلر، أن بلاده اتخذت بالفعل خطوة الاعتراف بمغربية الصحراء وأن هذا الموقف لم يتغير رغم تغير الإدارة من ترامب إلى بايدن، وفي 8 أبريل 2025 في عهد الإدارة الأمريكية الجديدة، شددت على ذلك أيضا ليصبح موقفا أمريكيا ثابتا عابرا للتقلبات الحزبية في واشنطن.

    هذا الزخم انتقل إلى الشريك الأوروبي التاريخي الأول أي فرنسا، ففي يوليوز اعترفت باريس بمغربية الصحراء، ثم في أكتوبر 2024، وخلال زيارة دولة قام بها الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الرباط، جددت تأكيدها رسميا بسيادة المغرب على صحرائه، لتُختم هذه الدينامية بعقد الاجتماع المغربي-الفرنسي الرفيع المستوى الخامس عشر في يوليوز 2026 بالرباط، الذي أفرز توقيع 14 اتفاقية في الطاقة والنقل والأمن والدفاع، إضافة إلى الشروع في صياغة “معاهدة صداقة” تُعدّ الأولى التي توقعها فرنسا مع دولة غير أوروبية، وهو ما يعكس حجم الأولوية التي أصبح المغرب يحتلها في السياسة الخارجية الفرنسية، إذ لا تزال باريس، بحكم هذه العلاقة التاريخية المتجددة، أكبر مستثمر أجنبي في المغرب، باستثمارات مباشرة بلغت 8.4 مليارات يورو.

    أما الذروة المؤسساتية لهذا المسار، فتحققت في 31 أكتوبر 2025، حين تبنّى مجلس الأمن الدولي القرار 2797، بأغلبية 11 صوتا مقابل صفر، وامتناع ثلاث دول فقط (روسيا والصين وباكستان)، بينما لم تشارك الجزائر في التصويت.

    القرار لم يقتصر على تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (مينورسو)، بل اعتبر صراحة “الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية” أساسا أكثر واقعية لحل النزاع، وأحال الأطراف إلى مبادرة الحكم الذاتي التي قدّمها المغرب منذ 2007 بوصفها القاعدة الوحيدة الجادة والموثوقة للمفاوضات، والأهم من ذلك، أن القرار سمّى الجزائر صراحة كطرف أساسي في النزاع، ودعاها إلى الانضمام إلى طاولة المفاوضات، في تحوّل قانوني وسياسي غيّر بشكل صريح وواضح معادلة “المغرب في مواجهة البوليساريو” إلى معادلة “المغرب والجزائر” الحقيقية التي حاولت الجزائر التهرّب منها لعقود.

    هذا الإجماع الدولي المتصاعد ترجمته أيضا وقائع جغرافية على الأرض، فمدينتا العيون والداخلة، عاصمتا الأقاليم الجنوبية، تحوّلتا إلى مركزين دبلوماسيين فعليين يستضيفان اليوم 12 قنصلية عامة في العيون و17 قنصلية عامة في الداخلة، أغلبها لدول إفريقية وعربية وكاريبية اختارت أن تترجم موقفها السياسي إلى تمثيل دائم على الأرض، بدل بيانات الدعم الخطابية.

    توازن الكبار.. دبلوماسية لا تراهن على معسكر واحد

    من أهمّ ما يميز دبلوماسية جلالة الملك محمد السادس أنها لا تختزل نفسها في علاقة تبعية لأي قوة كبرى، بل تحرص على تعدّد الشراكات مع الحفاظ على مسافة استراتيجية متساوية، يواصل من خلالها المغرب تعميق شراكته التاريخية مع الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، في الوقت ذاته الذي يوسّع فيه علاقاته مع الصين وروسيا وتركيا ودول الخليج، وهذا التوازن ليس شعارا بل ممارسة يومية.

    فحين تصاعد التوتر بين مدريد وواشنطن حول موقفي كل منهما من قضايا الشرق الأوسط، حرص المغرب على تجنّب الانحياز لأي طرف، حفاظا على شراكته مع كليهما دون الدخول في مواجهة مع الجارة الإسبانية التي يربطه بها ملف حساس يتعلق بسبتة ومليلية، وأيضا الشراكة الاستراتيجية بين البلدين والعلاقات المتميزة سيما عقب اعتراف هذه الأخيرة هي الأخرى بمغربية الصحراء.

    وفي أزمة أوكرانيا، اختار المغرب موقفا متوازنا يدعو إلى احترام السلامة الترابية لكل الدول، دون الانخراط في خطاب عدائي تجاه موسكو، بما يعكس عقيدة دبلوماسية تفضّل المصلحة الوطنية طويلة المدى على المكاسب السياسية السريعة.

    وعلى الصعيد الأمني، يظل المغرب الشريك الجنوبي الأكثر التزاما مع حلف شمال الأطلسي، بقيادته المشتركة لتدريبات “الأسد الإفريقي” الأكبر من نوعها في القارة، ومساهمته الفاعلة في مهام الأمن البحري ومكافحة الإرهاب، وهو ما تصفه مراكز بحثية أوروبية بأنه “قيمة عملياتية مستدامة” ينبغي أن تُترجم إلى شراكة بنيوية أكثر رسوخا داخل هياكل الحلف .

    من “العودة إلى البيت” إلى قيادة المشروع الإفريقي

    ولا يمكن فهم الدبلوماسية الملكية دون العودة إلى لحظة 30 يناير 2017، حين صوّتت 39 دولة من أصل 54 عضوا في الاتحاد الإفريقي لصالح إعادة انضمام المغرب إلى المنظمة القارية، بعد غياب دام 33 عاما، ليصبح العضو الخامس والخمسين فيها.

    في خطابه أمام قمة أديس أبابا، اختار جلالة الملك محمد السادس عبارة بقيت خالدة في الذاكرة الجماعية المغربية هي أن المغرب “عائد إلى بيته”، ولم تكن تلك العودة انتقاما من الخصوم، بقدر ما كانت تجسيدا لفلسفة ملكية معلنة قوامها أن “الجسم المريض يُعالَج من الداخل أفضل من علاجه من الخارج”.

    منذ تلك اللحظة، تحوّلت العلاقة مع إفريقيا من موقف سياسي إلى مشروع تنموي متكامل، فالملك محمد السادس قام بأكثر من 50 زيارة رسمية إلى أكثر من 30 دولة إفريقية منذ توليه العرش، ووقّع خلالها ما يقارب ألف اتفاقية تعاون في المجالات الاقتصادية والأمنية والسياسية.

    على الصعيد الاقتصادي، تقود مجموعة “المكتب الشريف للفوسفاط” ما يوصف بـ”دبلوماسية الفوسفاط”، عبر استثمارات تفوق 13 مليار دولار حتى 2027 لتوسيع الطاقة الإنتاجية للأسمدة من 12 إلى 20 مليون طن، مع تخصيص جزء كبير من هذا الإنتاج لتلبية أكثر من 90% من حاجيات دول مثل إثيوبيا ونيجيريا من الأسمدة، ما يجعل من الأمن الغذائي الإفريقي ركنا أساسيا في السياسة الخارجية المغربية

    وفي البعد الأمني والتنموي لمنطقة الساحل، أطلق الملك محمد السادس أواخر 2023 “المبادرة الأطلسية” لتمكين دول الساحل غير الساحلية -مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد- من الوصول إلى المحيط الأطلسي، ضمن مبادرة تُرجمت عمليا في أبريل 2025 حين استقبل الملك في القصر الملكي بالرباط وزراء خارجية دول تحالف الساحل لتسريع تنفيذها.

    وبلغت هذه الرؤية محطتها الأبرز في 20 يوليوز 2026، حين وقّعت الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس” في فريتاون على الاتفاق الحكومي الدولي لمدّ أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي الرابط بين نيجيريا والمغرب، مشروع بقيمة 25 مليار دولار وطول يناهز 6900 كيلومتر، انطلقت فكرته من زيارة الملك التاريخية إلى نيجيريا في دجنبر 2016، بمشاركة ودعم 13 دولة إفريقية على طول الساحل الأطلسي.

    ولا يكتمل الحديث عن الحضور المغربي في إفريقيا دون التوقف عند البعد الديني، الذي يستحضر مكانة الملك بصفته أميرا للمؤمنين، فمنذ إحداث “مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفريقيين” في يونيو 2015، التي تضم أكثر من 200 عالم دين من مختلف الدول الإفريقية، إلى تأسيس “معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات” في الرباط سنة 2015، رسّخ المغرب حضوره الروحي في القارة عبر نشر قيم الإسلام الوسطي المالكي المتسامح، بوصفه سدا في مواجهة التطرف، وامتدادا طبيعيا للروابط الصوفية التاريخية التي تجمع المغرب بغرب إفريقيا والساحل .

    الجزائر، الجار الذي لم يُغلق الملك الباب أمامه

    على النقيض من هذا المسار التصاعدي، ظلت العلاقة مع الجزائر نقطة ظل في العلاقات المغربية الخارجية، ليس بسبب أي تصلّب مغربي بل بفعل عداء جزائري متجدد ظل الملك محمد السادس يقابله بخطاب اليد الممدودة في كل خطب عيد العرش المتعاقبة، فالحدود البرية بين البلدين مغلقة منذ 1994، وأغلقت الجزائر مجالها الجوي مع المغرب سنة 2021، إضافة إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية بشكل كامل في نفس السنة.

    ومع ذلك، فإن قرار مجلس الأمن 2797 الذي سمّى الجزائر طرفا في النزاع، وطالبها رسميا بالانضمام إلى مباحثات الطاولة المستديرة، وضع الجارة الشرقية أمام عزلة دبلوماسية متصاعدة، في وقت يستمر فيه المغرب بخطاب الانفتاح تجاه “الشعب الجزائري الشقيق”، بحسب التعبير الملكي المتكرر في خطب العرش الأخيرة.

    نظّارة الصحراء التي لم تتغير

    سبعة وعشرون عاما من الحكم لم تُغيّر زاوية النظر الملكية إلى العالم، بل عمّقتها وحوّلتها إلى عقيدة دبلوماسية متكاملة بين صبر استراتيجي في ملف الصحراء أثمر إجماعا أمريكيا فرنسيا وإسبانيا وألمانيا وبريطانيا وأمميا غير مسبوق، وتوازن دقيق بين واشنطن وباريس وبكين وموسكو يجنّب المغرب فخّ الاستقطاب.

    ولم يعد الحضور المغربي في إفريقيا عنوانا لعودة دبلوماسية فحسب، بل أصبح مشروعا متكاملا تُترجمه الاستثمارات، وتدعمه الشراكات، وتمنحه الروابط الروحية عمقا استراتيجياً متجذرا في التاريخ، رسخ جلالة الملك محمد السادس في قلبه نموذجاً دبلوماسياً يقوم على منطق الإنجاز وعلى أثر المبادرات؛ وهو ما جعل من التجربة المغربية إحدى أبرز قصص التحول في القارة خلال العقود الأخيرة.

  • 27 عاما من الرؤية الملكية.. الرياضة في قلب الثورة التنموية

    27 عاما من الرؤية الملكية.. الرياضة في قلب الثورة التنموية

    على امتداد 27 عاما من حكم جلالة الملك محمد السادس، انتقلت الرياضة في المغرب من قطاع يغلب عليه منطق الرعاية والدعم العمومي إلى أحد مكونات المشروع التنموي وأدوات التموقع الدولي للمملكة.

    وكان التحول أوضح في كرة القدم، حيث تراكم الاستثمار في التكوين والمنشآت والمنتخبات، بالتوازي مع توظيف التظاهرات الكبرى في تعزيز الحضور المغربي داخل المؤسسات الرياضية الدولية.

    في هذا المسار، رسم جلالة الملك التوجهات الكبرى، عبر إطلاق المشاريع الاستراتيجية أو رعايتها ودعم ترشيحات المغرب للتظاهرات الدولية.

    ويؤكد زكرياء لحرش، الدكتور في العلوم الرياضية، أن الرياضة الوطنية عرفت تطورا وازدهارا ملحوظا منذ اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه الميامين، حيث كرست عديد القرارات السيادية معرفة المؤسسة الملكية الدقيقة بالرياضة الوطنية ومقوماتها وكذلك مشاكلها.

    ويرى لحرش، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وتوجهها نحو تنمية الرياضة، إضافة إلى تحيين أهداف الصندوق الوطني لتنمية الرياضة، ثم الرسالة الملكية السامية خلال المناظرة الوطنية للرياضة سنة 2008، وصولا إلى إقرار الرياضة كحق دستوري بنص صريح في دستور 2011، جعلت من الرياضة قاطرة أريد لها النهوض بدورها الاجتماعي سواء من حيث أهدافها العامة في تكوين مواطن مغربي متشبع بقيم وأخلاق المملكة المغربية، فاعل وواعي بدوره داخل المجتمع، أو من خلال أهدافها الخاصة المتجلية في الممارسة الرياضية الفعالة.

    التحول في “العهد الجديد”.. منعطف الصخيرات وبناء المؤسسات

    بين 1999 و2007، حضرت الرياضة أساسا داخل مشاريع التنمية البشرية والإدماج الاجتماعي، وفي برامج منشآت القرب، خصوصا بعد إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005، في وقت واصل المغرب، برعاية ملكية، ترشيحاته لتنظيم كأس العالم، واستثمر في بناء المنشآت الكبرى وتحديثها، إلى جانب دعم رياضة النخبة والمنتخبات الوطنية.

    وجاء التحول الأبرز في “العهد الجديد” مع الرسالة الملكية الموجهة إلى المشاركين في المناظرة الوطنية للرياضة، المنعقدة بالصخيرات يومي 24 و25 أكتوبر 2008، قدم خلالها تشخيصا صريحا تحدث عن الارتجال وضعف النتائج وغموض المسؤوليات وقلة تجديد النخب المسيرة، فضلا عن اختلالات الشفافية في التدبير.

    ولم تقف الرسالة عند التشخيص، بل وضعت مرتكزات سياسة رياضية جديدة تقوم على الموازنة بين رياضة النخبة والرياضة الجماهيرية، وتأهيل الرياضة المدرسية والجامعية، وتحديث التشريع، واحتراف الأندية، وتنويع التمويل، وإخضاع الدعم للتدقيق والمحاسبة.

    وشددت على توسيع الولوج إلى الممارسة لفائدة النساء وسكان المناطق المحرومة والأشخاص ذوي الإعاقة، وإشراك الجماعات الترابية والقطاع الخاص وقطاعات التعليم والصحة والسياحة، لتصبح ممارسة الرياضة، في التصور الملكي، حقا أساسيا ورافعة للتنمية البشرية والتماسك الاجتماعي، لا مجرد نشاط تنافسي أو ترفيهي.

    من التشخيص إلى الفعل.. استراتيجية الرياضة ودستور 2011

    ومن هذه المرجعية انبثقت استراتيجية الرياضة 2008-2020، قبل أن يصدر القانون 30-09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة في 24 غشت 2010.

    واعتبر القانون الأنشطة الرياضية ذات منفعة عامة، وجعل تطويرها جزءا من مهمة الخدمة العمومية، ونظم الرياضة المدرسية والجامعية، والجمعيات والعصب والجامعات، وعقود الرياضيين المحترفين، وإحداث الشركات الرياضية، وتكوين رياضيي المستوى العالي وتأهيلهم الاجتماعي والمهني.

    وتعزز البناء المؤسساتي في دستور 2011، الذي نص على دعم الرياضة وتيسير الولوج إليها وتشجيع إدماج الشباب، ثم بصدور القانون 97-12 المتعلق بمكافحة المنشطات سنة 2017 ومرسومه التطبيقي سنة 2019، قبل إحداث الوكالة المغربية لمكافحة المنشطات في يناير 2021.

    وهكذا أسست مرحلة 2008-2020 مرجعية قانونية ومؤسساتية متقدمة نسبيا. إلا أن تقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الأعلى للحسابات سجلت أن جزءا مهما من أهداف الاستراتيجية لم يتحقق، وأن أكثر من نصف أوراشها الهيكلية كان ما يزال غير منجز قبل سنة من نهايتها، مع استمرار صعوبات تطبيق القانون وضعف معايير منح بعض الإعانات وآليات التتبع والتقييم. لذلك كانت الحصيلة قوية على مستوى بناء المرجعيات، وأقل تجانسا عند التنفيذ.

    ويبرز لحرش في هذا السياق أن التطور المسجل في “العهد الجديد” المتجلي في الاستثمار في المنشآت الرياضية والترسانة القانونية وكذلك في الرأسمال البشري، جعل من الرياضة أداة فعالة حولت المغرب إلى نموذج يحتذى به في مجال التكوين الرياضي وكذلك تنظيم التظاهرات الرياضية الدولية.

    وشدد على أن الرياضة في عهد جلالة الملك محمد السادس أصبحت أيضا “أداة دبلوماسية ناعمة وفعالة، تذكرنا بما قاله الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله، عندما يتعلق الأمر بالرياضة فان المغرب يعرف بنوال المتوكل وسعيد اعويطة أكثر مما يعرف بالحسن الثاني”، لافتا إلى أن هذا اعتراف ضمني بأن الرياضة الوطنية كانت أداة دبلوماسية مهمة، أصبحت اليوم في عهد الملك محمد السادس أكثر تطورا وإنجازا.

    غير أن لحرش شدد على أن الرسالة الملكية السامية لسنة 2008، التي كانت بمثابة خارطة طريق للرياضة الوطنية عامة، لم تلتقط بشكل كاف من طرف جميع الفاعلين والمسؤولين الرياضيين، حيث إن عددا من الجامعات الوطنية ما تزال تتخبط في مشاكل تسييرية عميقة.

    ويشرح في هذا السياق أنه إذا كانت حصيلة إنجازات المنتخبات الوطنية لكرة القدم إيجابية إلى حد بعيد، فهذا ما يزال لا ينعكس بالشكل المنتظر على البطولة الوطنية وأنديتها، مشددا على أنه “إذا كانت الرسالة الملكية قد قامت بتشخيص معمق لمشاكل الرياضة الوطنية، فإن أهدافها ما زالت تستوجب تغييرا في الوعي التسييري الرياضي لبعض الفاعلين الرياضيين لتتناسق مختلف الرياضات مع الأهداف العامة للرياضة كما سطرتها مختلف المبادرات الملكية في هذا الباب”.

    أكاديمية محمد السادس.. أساس النهضة الكروية

    وفي خضم هذه الدينامية، برزت أكاديمية محمد السادس لكرة القدم التي دشنها جلالة الملك سنة 2010، مشروعا يؤسس لتحول بعيد المدى في مقاربة التكوين الكروي بالمغرب، إذ بدلاً من الاكتفاء باستقطاب المواهب بعد بروزها أو الاعتماد أساساً على اللاعبين المكونين خارج البلاد، راهنت الأكاديمية على اكتشاف اللاعب في سن مبكرة، وتأمين مسار يجمع بين الدراسة والتكوين الرياضي والإقامة والتأطير الطبي والنفسي.

    وشُيدت الأكاديمية بضواحي سلا على مساحة تقارب 18 هكتاراً، باستثمار قدره 140 مليون درهم، وجهزت وفق معايير مراكز التكوين الاحترافية.

    ويوضح الخبير الرياضي ذاته أنه يمكننا أن نقول إن كرة القدم اليوم استطاعت أن تضع المغرب في مصاف كبريات الدول كرويا وكذلك على مستوى المنشآت والتجهيزات الرياضية والبنيات التحتية المحيطة بها، مشيرا إلى أن أهم هذه المنشآت التي تعنى بالتكوين هي أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، والتي ساهمت منذ إنشائها في تكوين عدد من اللاعبين بمواصفات احترافية عالية، كرستها الإنجازات الأخيرة للمنتخبات الوطنية لكرة القدم بمختلف فئاتها السنية.

    وساهمت الأكاديمية، ضمن كتيبة قادها الناخب الوطني وليد الركراكي في مونديال قطر 2022، في جعل المغرب أول بلد إفريقي وعربي يبلغ نصف نهائي كأس العالم، قبل إنهاء البطولة في المركز الرابع.

    وتجاوز أثر الأكاديمية المنتخب الأول إلى الفئات العمرية، فقد شارك تسعة من خريجيها ضمن قائمة المنتخب المغربي لأقل من 17 سنة التي بلغت نهائي كأس إفريقيا سنة 2023، كما ساهم خريجوها في تتويج المنتخب الأولمبي بكأس إفريقيا لأقل من 23 سنة والتأهل إلى أولمبياد باريس، فيما الإنجاز الأكبر جاء بعدما قاد حسام الصادق، وياسر زابيري، وياسين خليفي، ومحمد طه مجني، وفؤاد الزهواني المنتخب المغربي لأقل من 20 عاما للتتويج بكأس العالم للشباب سنة 2025.

    وإلى جانب التكوين، اكتملت الرؤية الاجتماعية بإحداث مؤسسة محمد السادس للأبطال الرياضيين سنة 2011، بهدف مواكبة الأبطال السابقين وأسرهم صحياً واجتماعياً، ومساعدتهم خلال مرحلة ما بعد الاعتزال.

    إصرار ملكي على حلم المونديال

    لم يكن قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم في 11 دجنبر 2024، بإسناد تنظيم كأس العالم 2030 إلى المغرب وإسبانيا والبرتغال، نجاحاً مفاجئاً أو منفصلاً عن سياقه، فقد جاء تتويجاً لمسار امتد لعقود.

    وخلال عهد جلالة الملك محمد السادس، مر هذا المسار بثلاث محطات رئيسية، هي 2006، 2010، و2026، انتهت كلها بتأجيل الحلم استضافة كأس العالم، غير أن زكرياء لحرش أكد أن هذه المرحلة شكلت حافزا للمسؤولين على كرة القدم وعلى رأسهم جلالة الملك، لتسريع وتيرة التنمية الرياضية بالمملكة عبر عدد من الملاعب وتأهيل عديد منها ليصل العدد اليوم إلى 12 ملعبا معترفا بمواصفاتها من طرف الاتحاد الدولي لكرة القدم والكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم.

    ولم تنه خسارة 2026 أمام الملف الأمريكي الكندي المكسيكي الحلم المغربي، فبعد إعلان النتيجة مباشرة، صدرت تعليمات ملكية بإعداد ترشيح المغرب لمونديال 2030، لتنتقل الخيبة من نهاية لمحاولة خامسة؛ إذ سبق العهد الجديد محاولتان في عهد الملك الراحل الحسن الثاني سنتي 1994 و1998، في التاريخ المغربي، ورابعة خلال العهد الجديد، إلى نقطة انطلاق لمحاولة جديدة.

    وجاءت المحاولة السادسة في تاريخ المغرب، والرابعة في عهد جلالة الملك محمد السادس، مغايرة، بالانتقال من الترشيح المنفرد إلى شراكة مع إسبانيا والبرتغال، تجمع بين إفريقيا وأوروبا وتستند إلى القرب الجغرافي والتكامل في المنشآت والخبرات والأسواق.

    وفي رسالة ملكية إلى حفل جوائز التميز للكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم في كيغالي يوم 14 مارس 2023، أعلن جلالة الملك أن المغرب قرر، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، تقديم ترشيح مشترك لمونديال 2030، وقدم الملف باعتباره ترشيحاً للوصل بين إفريقيا وأوروبا، وشمال البحر الأبيض المتوسط وجنوبه، والعوالم الإفريقية والعربية والأورو-متوسطية.

    وفي 4 أكتوبر 2023 زف جلالة الملك نبأ اعتماد مجلس فيفا الملف الثلاثي ترشيحاً وحيداً، قبل أن يقر مؤتمر فيفا الاستثنائي، في 11 دجنبر 2024، اختيار المغرب وإسبانيا والبرتغال بالتزكية لاستضافة كأس العالم، مع إقامة 3 مباريات في كل من الأرجنتين وباراغواي وأوروغواي، احتفاء بالذكرى المئوية للمسابقة.

    مونديال 2030.. تتويج للسياسة الرياضية الملكية

    ويؤكد زكرياء لحرش أن تنظيم المغرب لتظاهرة رياضية ككأس العالم لكرة القدم، يمكن اعتباره تتويجا للسياسة الرياضية في عهد الملك محمد السادس، فمن منظوره الخاص هذا التنظيم يعد؛ إضافة إلى كونه تتويجا رياضيا وسياسيا، بداية مرحلة جديدة لتطور في التسيير الرياضي لكرة القدم الوطنية، حيث وجب ابتكار نموذج تسييري جديد يتماشى مع التطورات الحالية ويشكل قطيعة مع نظام كلاسيكي أو حتى هجين يجمع بين انتظار الدعم المادي العام وبعض المبادرات التسييرية المؤسساتية.

    وأبرز المتحدث ذاته أن هذا التغيير الحديث سواء على مستوى التدبير اليومي والحكامة الرياضية للأندية الوطنية، لا يمكن أن يكون فعالا إلا بالانخراط الإيجابي للفاعلين الرياضيين بمختلف تخصصاتهم، ومشاربهم، ووعيهم العام والخاص بأهمية التكوين الرياضي، واستثمار المقاربات العلمية في إقرار نموذج تنموي مستدام يمكن تنزيله داخل مختلف جهات المملكة عبر دراسة مميزات كل جهة جغرافيا، اجتماعيا واقتصاديا، لتساهم كل منها في تطوير الرياضة المحلية ثم الوطنية.

    وأشار إلى أن كأس العالم ستكون بالفعل فرصة استثمارية ليس فقط على مستوى التجهيزات ولكن أيضا على مستوى الخبرات الميدانية والتجارب المقارنة.

    وقبل كأس العالم المرتقبة بعد أربع سنوات، راكم المغرب سجلاً تنظيمياً استخدمه لإثبات قدرته على استضافة البطولات الكبرى، فنظم كأس العالم للأندية في نسخ 2013 و2014 و2022، كما استضاف بطولة إفريقيا للاعبين المحليين سنة 2018، وكؤوس إفريقيا لكرة القدم النسوية، ونسختي كأس إفريقيا لكرة القدم داخل القاعة في 2020 و2024، إلى جانب بطولات الفئات العمرية، ومنها كأس إفريقيا لأقل من 23 سنة 2023 وكأس إفريقيا لأقل من 17 سنة 2025.

    وفي محطة ذات حجم أكبر، استضاف المغرب كأس إفريقيا للأمم 2025 بين 21 دجنبر 2025 و18 يناير 2026، عبر تسعة ملاعب موزعة على ست مدن هي الرباط والدار البيضاء وطنجة وفاس ومراكش وأكادير.

    وتعزز هذا التراكم بمنح المغرب حق تنظيم خمس نسخ سنوية متتالية من كأس العالم للسيدات لأقل من 17 سنة، من 2025 إلى 2029.

    مغرب جديد.. كرة القدم في قلب التنمية

    إذا كان المغرب قد بنى خلال العقود الماضية جزءا كبيرا من تنافسيته على الاستثمار في البنيات التحتية، فإن تنظيم كأس العالم 2030 يمثل محطة جديدة لتسريع هذا المسار، ليس فقط على مستوى تشييد الملاعب أو تأهيل الفضاءات الرياضية، بل بإطلاق حزمة واسعة من المشاريع المهيكلة في مجالات النقل والسكك الحديدية والمطارات والطرق والموانئ والبنيات الرقمية، بما يجعل المونديال رافعة لتسريع أوراش كانت مبرمجة ضمن الرؤية التنموية للمملكة.

    وتتجلى هذه الدينامية في عدد من المشاريع الكبرى التي دخلت مرحلة الإنجاز، من بينها تمديد خط القطار فائق السرعة نحو مراكش، وتوسعة المطارات الدولية، وتعزيز شبكات النقل الحضري، إلى جانب تحديث البنيات الفندقية والخدمات اللوجستية.

    وتستهدف هذه الاستثمارات، التي تعبئ عشرات المليارات من الدراهم، الاستجابة لمتطلبات الحدث الرياضي، لكنها تؤسس في الوقت نفسه لإرث اقتصادي طويل الأمد، من خلال تحسين ربط مختلف جهات المملكة وتعزيز جاذبيتها للاستثمار والسياحة.

    ويرى عدد من الاقتصاديين أن الأثر الحقيقي لكأس العالم لن يقاس بعدد المباريات التي سيستضيفها المغرب، وإنما بقدرته على تسريع وتيرة الاستثمار العمومي والخاص، وتحفيز قطاعات البناء والصناعة والخدمات، وخلق فرص جديدة للشغل، فضلا عن رفع تنافسية الاقتصاد الوطني.

    ويشكل تنظيم المغرب لمونديال 2030، إلى جانب شريكين الإبيريين، امتدادا للرؤية الملكية التي جعلت من البنية التحتية ركيزة للتحول الاقتصادي خلال السنوات السبع والعشرين الماضية، إذ ينتظر أن يشكل هذا الحدث العالمي مرحلة جديدة لتعزيز الاندماج الترابي، وترسيخ مكانة المغرب منصة لوجستية وصناعية وسياحية بين أوروبا وإفريقيا، بما يحول المونديال من موعد رياضي محدود زمنيا إلى محرك تنموي يمتد أثره لسنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة.

  • من الإغاثة إلى الصمود.. فلسفة ملكية لإدارة الأزمات في زمن الجائحة والزلازل والفيضانات

    من الإغاثة إلى الصمود.. فلسفة ملكية لإدارة الأزمات في زمن الجائحة والزلازل والفيضانات

    على امتداد سبعة وعشرين عاما، واجه المغرب سلسلة من الأزمات التي وضعت مؤسساته أمام اختبارات غير مسبوقة، تنوعت بين كوارث طبيعية وأزمات صحية وإنسانية. فمن زلزال الحسيمة سنة 2004 إلى زلزال الحوز سنة 2023، مرورا بفيضانات ضربت عددا من المناطق وجائحة كورونا التي أربكت العالم، برزت إدارة الأزمات كأحد أبرز ملامح تدبير “العهد الجديد” تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس.

    وخلال هذه المحطات، لم يقتصر التدخل الملكي على إصدار التعليمات الاستعجالية، بل اتخذ طابعا ميدانيا ومؤسساتيا، من خلال تفقد المناطق المنكوبة، والإشراف على اجتماعات العمل، وإحداث آليات وصناديق خاصة للدعم، فضلا عن تتبع برامج الإغاثة وإعادة الإعمار، بما كرس استمرارية الدولة وسرعة تعبئة مختلف أجهزتها في مواجهة الأزمات.

    وبمناسبة عيد العرش، تقدم هذه المحطات صورة عن تطور المقاربة الملكية في مواجهة الكوارث، فقد انتقل التدخل تدريجيا من تدبير الوضع الاستعجالي إلى بناء برامج تجمع بين الإنقاذ، والتعويض، وإعادة الإعمار، وتأهيل البنيات الأساسية، مع وضع المواطن المتضرر في صلب القرارات.

    ويبرز من خلال هذا المسار حضور عدد من الثوابت التي طبعت المقاربة الملكية في تدبير الأزمات، في مقدمتها سرعة التعبئة، والتنسيق بين المؤسسات المدنية والعسكرية، وعدم الفصل بين الإغاثة الفورية وإعادة بناء المناطق المنكوبة، إلى جانب تحويل كل أزمة إلى فرصة لإطلاق إصلاحات تعزز جاهزية الدولة لمواجهة المخاطر المستقبلية.

    ولا تعكس هذه المحطات مجرد تعاقب لكوارث واجهها المغرب، بل تكشف عن تطور متواصل في فلسفة إدارة الأزمات، إذ يرى أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض، الحبيب استاتي زين الدين، أن الاحتفال بعيد العرش يشكل مناسبة لاستحضار هذا التحول، حيث انتقلت مقاربة الدولة، خلال ربع قرن، من التركيز على التدخل بعد وقوع الكارثة إلى بناء رؤية متكاملة تقوم على الوقاية والاستجابة والتعافي وإعادة البناء.

     ويضيف أن الخبرات التي راكمها المغرب، من زلزال الحسيمة إلى جائحة كورونا ثم زلزال الحوز، أسهمت في ترسيخ سياسة وطنية لتدبير المخاطر وتعزيز صمود الدولة، معتبرا أن نجاح هذا المسار يظل مرتبطا بفعالية التنفيذ الترابي، وجاهزية المؤسسات، وقدرتها على حماية المواطنين، لا سيما في المناطق الأكثر هشاشة.

    زلزال الحسيمة.. جلالة الملك ينتقل إلى قلب المنطقة المنكوبة

    في الساعات الأولى من يوم 24 فبراير 2004، ضرب زلزال قوي إقليم الحسيمة وخلف مئات الضحايا وخسائر كبيرة في المساكن والتجهيزات، خصوصا في المناطق القروية. وأمام حجم الكارثة، صدرت التعليمات الملكية بتعبئة وسائل الإنقاذ والإسعاف وإيواء الأسر التي فقدت منازلها، قبل أن ينتقل الملك محمد السادس إلى المنطقة لمتابعة التدخلات ميدانيا.

    لم تكن الزيارة الملكية إلى الحسيمة بروتوكولية أو محدودة في الزمن، إذ أعلن آنذاك أن الملك سيقيم بالمنطقة المنكوبة لمواكبة عمليات الإغاثة والوقوف على أوضاع السكان، في خطوة حملت دلالة سياسية وإنسانية واضحة: إدارة الكارثة من القرب والاستماع المباشرة إلى المتضررين.

    وفي 25 مارس 2004، أي بعد شهر تقريبا من وقوع الزلزال، ألقى الملك بالحسيمة خطابا خصص جانبا أساسيا منه لإعادة إعمار المنطقة وتأهيلها، وتجاوز الخطاب منطق إعادة بناء ما تهدم، ليضع تصورا يجمع بين معالجة الحاجيات المستعجلة وإطلاق تنمية هيكلية لمنطقة الريف.

    وأكد الملك خطابه ضرورة إعادة الإسكان والإعمار وفق المعايير اللازمة لمقاومة الزلازل، إلى جانب معالجة مظاهر العجز التي كانت تعاني منها المنطقة في التجهيزات والبنيات والخدمات، ليتحول زلزال الحسيمة من كارثة تتطلب تدخلا استعجاليا إلى مدخل لإعادة التفكير في البناء والتعمير والتنمية المجالية.

    الفيضانات.. الأولوية للإنقاذ وإعادة ربط المناطق المعزولة

    بعد زلزال الحسيمة، واجه المغرب موجات متكررة من الفيضانات، مست عددا من المناطق، خاصة الجنوب والجنوب الشرقي.

    وشكلت فيضانات كلميم ومدن مجاورة في نونبر 2014 واحدة من أكثر هذه المحطات قسوة، بعدما أدت السيول إلى سقوط ضحايا ومحاصرة مواطنين وقطع محاور طرقية.

    أمام الوضع، وتبعا للتعليمات الملكية السامية، جرت تعبئة السلطات المحلية والوقاية المدنية والقوات المسلحة الملكية والدرك الملكي، مع إحداث مركز للطوارئ لتتبع تطورات الوضع بالمناطق المتضررة.

    وأمر الملك محمد السادس بالتكفل بعلاج المصابين، فيما انصبت التدخلات الميدانية على إنقاذ المحاصرين وإجلائهم، وإعادة فتح الطرق، وإيصال المساعدات إلى القرى المعزولة.

    وامتد التدخل إلى مواكبة الأسر المتضررة، خصوصا تلك التي فقدت مساكنها أو مواردها، وإعادة تأهيل بعض البنيات الأساسية.

    ودفعت هذه الكوارث المتكررة إلى تعزيز الاهتمام بمخاطر الفيضانات، وبآليات اليقظة والوقاية، وبتمويل مشاريع حماية المدن والمراكز القروية، إذ تبعا للتوجيهات الملكية السامية، جرى تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، وتسريع إنجاز عدد من مشاريع الحماية من الفيضانات، وتقوية وسائل التدخل والإنقاذ، بما يرفع من جاهزية الدولة لمواجهة الكوارث الطبيعية.

    كورونا.. صندوق ملكي لحماية الصحة والاقتصاد والمجتمع

    مع ظهور جائحة كوفيد-19 سنة 2020، وجد المغرب نفسه أمام أزمة تختلف عن الزلازل والفيضانات، حيث لم تكن الكارثة محدودة في مجال جغرافي يمكن تطويقه، بل بأزمة صحية عالمية أصابت البلاد كلها، وأوقفت جزءا كبيرا من الأنشطة الاقتصادية، وهددت قدرة الأسر على توفير حاجياتها الأساسية.

    وفي 15 مارس 2020، أعطى الملك محمد السادس تعليماته بإحداث صندوق خاص لتدبير جائحة فيروس كورونا، برصيد أولي بلغ 10 مليارات درهم، وتُرجم القرار قانونيا بصدور المرسوم رقم 2.20.269 بتاريخ 16 مارس 2020، لإحداث حساب مرصد لأمور خصوصية يحمل اسم “الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا كوفيد-19”.

    والصندوق أحد أبرز أدوات الاستجابة للأزمة؛ إذ وُجهت موارده إلى تأهيل المنظومة الصحية واقتناء المعدات والأدوية، وإحداث وحدات استشفائية إضافية، ودعم الأسر التي فقدت مداخيلها، إلى جانب مواكبة المقاولات المتضررة والحفاظ على جزء من مناصب الشغل.

    وتحول الصندوق، بعد تبرع جلالة الملك محمد السادس بملياري درهم من حسابه الخاص، إلى إطار واسع للتضامن الوطني، بعد مساهمة مؤسسات عمومية وخاصة ومواطنين فيه، لتتحول مواجهة الوباء من مسؤولية القطاع الصحي وحده، إلى تعبئة وطنية جمعت بين القرار العمومي والتضامن المجتمعي.

    وإلى جانب الصندوق، أعطى الملك تعليماته للقوات المسلحة الملكية بإقامة مستشفيات ميدانية، ووُضعت الإمكانات الطبية العسكرية رهن إشارة المنظومة الصحية، كما ترأس جلسات عمل لتتبع الوضع الوبائي وتأمين احتياجات البلاد من الأدوية والمعدات واللقاحات.

    ويعتبر الحبيب استاتي زين الدين أن جائحة كورونا شكلت منعطفا نوعيا في تطور المقاربة الملكية، لأنها لم تكن أزمة صحية فحسب، بل مست مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

    ويوضح أن ما ميز التجربة المغربية هو السعي إلى تحقيق توازن بين حماية الحق في الحياة، وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.

    ويرى المتحدث عينه أن إحداث الصندوق الخاص بتدبير الجائحة لم يكن مجرد آلية مالية استثنائية، بل جسد تصورا يربط الأمن الصحي بالأمن الاقتصادي والاجتماعي، بعدما وفر الدعم للمنظومة الصحية، وساهم في مواكبة الأسر والأجراء والمقاولات، محولا التضامن إلى سياسة عمومية مؤسساتية.

    من تأمين اللقاح إلى البحث عن السيادة الصحية

    لم تقتصر المقاربة الملكية خلال جائحة كورونا على تدبير الإصابات اليومية، بل اتجهت مبكرا إلى تأمين اللقاحات للمغاربة، إذ أعطى جلالة الملك محمد السادس في 28 يناير 2021، الانطلاقة الفعلية للحملة الوطنية للتلقيح، بعد تلقيه الجرعة الأولى بالقصر الملكي في فاس.

    وجاءت الحملة مجانية لجميع المواطنين، وفق التعليمات الملكية، وجرى توسيعها تدريجيا لتشمل مختلف الفئات العمرية والمهنية، ليمكن الإعداد المبكر من إطلاق التلقيح في مرحلة كانت فيها دول كثيرة تواجه صعوبات في الوصول إلى الجرعات.

    غير أن الدرس الذي استخلصه المغرب من الجائحة لم يتوقف عند ضرورة اقتناء اللقاح، بل امتد إلى تقليص التبعية للخارج في المواد الطبية الحيوية، عبر إطلاق مشاريع لتطوير القدرة الوطنية على تصنيع اللقاحات والأدوية، باعتبار السيادة الصحية جزءا من الأمن الاستراتيجي للمملكة.

    وهكذا تحولت أزمة كورونا إلى نقطة انطلاق لإصلاحات أوسع، شملت تقوية المنظومة الصحية، وتسريع ورش تعميم الحماية الاجتماعية، وإعادة طرح قضية المخزون الاستراتيجي، والصناعة الدوائية، وقدرة الدولة على حماية الفئات التي تفقد دخلها في الظروف الاستثنائية.

    زلزال الحوز.. جلسة عمل في اليوم التالي للكارثة

    ليلة 8 شتنبر 2023، ضرب زلزال عنيف منطقة الحوز وامتدت آثاره إلى أقاليم مراكش وشيشاوة وتارودانت وورزازات.

    وتسببت الطبيعة الجبلية للمناطق المتضررة في تعقيد عمليات الوصول إلى عدد من الدواوير، بعد انهيار الطرق أو انقطاعها.

    في اليوم التالي مباشرة، 9 شتنبر 2023، ترأس الملك محمد السادس، مرفوقا بولي العهد الأمير مولاي الحسن، جلسة عمل خصصت لتدارس الوضع، وتم خلالها أمام الملك عرض آخر المعطيات المتعلقة بالمناطق المتضررة والإجراءات المتخذة للوصول إلى الدواوير المعزولة وإنقاذ الضحايا.

    وأصدر الملك تعليماته لتعزيز وسائل وفرق البحث والإنقاذ، وتسريع إجلاء الجرحى، وتوفير مياه الشرب والمواد الغذائية والخيام والأغطية، مع مواصلة فتح الطرق وإعادة شبكات الكهرباء والاتصالات.

    وشملت التعليمات التكفل الفوري بالأشخاص الذين فقدوا مساكنهم، خصوصا الأطفال والفئات الهشة، وإحداث لجنة وزارية لوضع برنامج استعجالي لإعادة التأهيل.

    كما أعطيت التعليمات للقوات المسلحة الملكية بنشر وسائل بشرية ولوجستية مهمة، وإقامة مستشفيات طبية جراحية ميدانية، وتسخير الطائرات والمروحيات لنقل الجرحى والمساعدات إلى المناطق التي تعذر بلوغها عبر الطرق.

    زيارة المصابين وتبرع ملكي بالدم

    وفي 12 شتنبر 2023، انتقل الملك محمد السادس إلى المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بمراكش، حيث زار المصابين الذين كانوا يتلقون العلاج عقب الزلزال واطلع على ظروف التكفل بهم.

    وخلال الزيارة، تبرع الملك بالدم، في خطوة حملت رمزية قوية وساهمت في دعم موجة التضامن التي عرفتها مختلف مدن المملكة، حيث توجه آلاف المواطنين إلى مراكز تحاقن الدم للمساهمة في إنقاذ المصابين.

    وأظهرت الزيارة أن المتابعة الملكية لم تقتصر على الاجتماعات الرسمية، بل انتقلت إلى المستشفى والاحتكاك المباشر بالمصابين والأطر الصحية، كما شكلت امتدادا للنهج الذي ظهر عقب زلزال الحسيمة، والقائم على الحضور الميداني في قلب الأزمة.

    14 شتنبر.. دعم شهري وتعويضات مباشرة لإعادة البناء

    بعد خمسة أيام من جلسة العمل الأولى، ترأس الملك في 14 شتنبر 2023 بالقصر الملكي في الرباط اجتماعا ثانيا، خصص لتفعيل البرنامج الاستعجالي لإعادة إيواء المتضررين والتكفل بالفئات الأكثر تضررا.

    وأقر الاجتماع تقديم مساعدة استعجالية بقيمة 30 ألف درهم لكل أسرة متضررة، تُصرف على مدى سنة بمعدل 2500 درهم شهريا. كما تم تحديد مساعدات مباشرة قدرها 140 ألف درهم لإعادة بناء المسكن المنهار كليا، و80 ألف درهم لتأهيل المسكن المنهار جزئيا.

    وشددت التوجيهات الملكية على ضرورة تنفيذ عمليات إعادة البناء وفق دفاتر تحملات تراعي الخصائص المعمارية والاجتماعية للمناطق، وتحترم معايير مقاومة الزلازل. كما شملت التدابير التكفل الفوري بالأطفال اليتامى الذين فقدوا أسرهم، وإحصاء المتضررين بدقة، وتأهيل المدارس والمراكز الصحية والبنيات الأساسية.

    وبذلك انتقل التدخل، في أقل من أسبوع، من مرحلة البحث عن الناجين وإيواء السكان إلى وضع آلية مالية واضحة للتعويض وإعادة البناء، وهو ما يعكس أهمية جلسات العمل الملكية في تقليص الزمن الفاصل بين تشخيص الأزمة واتخاذ القرار.

    20  شتنبر.. 120 مليار درهم لإعادة إعمار وتنمية ستة أقاليم

    في 20 شتنبر 2023، ترأس الملك جلسة عمل ثالثة خصصت لبرنامج إعادة البناء والتأهيل العام للمناطق المتضررة لنقل التدبير إلى مستوى أوسع من الإغاثة وإعادة المساكن.

    وحدد البرنامج ميزانية تقديرية بلغت 120 مليار درهم على مدى خمس سنوات، واستهدف ساكنة تقدر بنحو 4.2 ملايين نسمة في ستة أقاليم وعمالات هي الحوز، مراكش، شيشاوة، تارودانت، ورزازات وأزيلال.

    وقام البرنامج على محورين؛ الأول خصص لإعادة بناء المساكن وتأهيل البنيات التحتية المتضررة وفك العزلة، والثاني استهدف وضع مخطط لتنمية مناطق الأطلس الكبير، من خلال دعم الأنشطة الاقتصادية، وتأهيل المرافق والخدمات، وتحسين الجاذبية المجالية.

    وتكشف هندسة هذا البرنامج أن الرؤية الملكية لم تنظر إلى الزلزال باعتباره ملفا تقنيا يقتصر على إصلاح المساكن المتضررة، بل باعتباره فرصة لمعالجة اختلالات تنموية كانت قائمة قبل الكارثة، إذ لم يكن الهدف إعادة القرى إلى وضعها السابق، وإنما تحسين شروط العيش، وفك العزلة، وتأهيل البنيات والخدمات الأساسية.

    وفي هذا السياق، يؤكد أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض، الحبيب استاتي زين الدين، أن تجربة زلزال الحوز عكست مستوى متقدما في تطور إدارة الأزمات بالمغرب، من خلال سرعة الانتقال من مرحلة الإنقاذ والإيواء إلى إعادة البناء والتأهيل الشامل.

    ويوضح أن جلسات العمل الملكية أسهمت في تقليص الزمن الفاصل بين وقوع الزلزال واتخاذ القرار، عبر توحيد تشخيص الوضع وتحديد الأولويات والآجال قبل إطلاق برامج التعويض وإعادة الإعمار، معتبرا أن القيمة الحقيقية لهذه المقاربة لا تكمن فقط في سرعة اتخاذ القرار، بل في قدرتها على تحويل الخبرة المتراكمة إلى مؤسسات وسياسات دائمة، تجعل من إعادة الإعمار مدخلا للتنمية وتعزيز صمود المجالات الترابية.

    الصندوق رقم 126.. التضامن يتحول إلى آلية مؤسساتية

    بموازاة برنامج إعادة البناء، أحدث الحساب الخاص رقم 126 لتدبير الآثار المترتبة على زلزال الحوز، وفتح أمام المساهمات التضامنية للمؤسسات والمقاولات والمواطنين.

    حيث ساهم الملك محمد السادس بمبلغ مليار درهم في الصندوق، من ماله الخاص، في خطوة عززت التعبئة الوطنية وشجعت مختلف الفاعلين على الانخراط في تمويل جهود الإعمار.

    وقد مكن الصندوق من تجميع الموارد وتوجيهها نحو البرامج المخصصة للمتضررين، وأكد مرة أخرى حضور الصناديق الاستثنائية باعتبارها إحدى أدوات التدبير الملكي للأزمات؛ من صندوق كورونا الذي جمع بين حماية الصحة ودعم المجتمع والاقتصاد، إلى صندوق الزلزال الموجه إلى الإيواء وإعادة الإعمار.

    من آسفي إلى الغرب واللوكوس.. توجيهات ملكية تقود الإغاثة وإعادة الإعمار

    شهدت مدينة آسفي يوم 14 دجنبر 2025 تساقطات مطرية استثنائية خلفت أضرارا بعدد من الأحياء والبنيات التحتية. وفي إطار العناية الملكية الموصولة بالمواطنين، وتنفيذا للتعليمات السامية للملك محمد السادس، أُطلق برنامج استعجالي لإعادة تأهيل المناطق المتضررة، مع تعبئة مختلف القطاعات للتدخل السريع وإصلاح التجهيزات الأساسية.

    وبعد أسابيع، عرفت مناطق الغرب واللوكوس خلال يناير وفبراير 2026 فيضانات قوية استدعت تعبئة شاملة، حيث جرى، بتوجيهات ملكية سامية، تسخير القوات المسلحة الملكية، والسلطات الترابية، والوقاية المدنية، والدرك الملكي، لتنفيذ عمليات الإنقاذ والإجلاء، وتأمين مراكز الإيواء، وإيصال المساعدات إلى المتضررين.

    وفي تجسيد للرؤية الملكية التي تجعل مواكبة المتضررين جزءا من تدبير الأزمات، لم تقتصر التوجيهات الملكية على مرحلة الإغاثة، بل شملت إطلاق برنامج استثنائي لإعادة إعمار وتأهيل المناطق المتضررة بغلاف مالي ناهز 3 مليارات درهم، خُصص لإصلاح البنيات الأساسية، وتعويض الأسر، ودعم الأنشطة الاقتصادية والفلاحية.

    وتندرج هذه الإجراءات ضمن المقاربة الملكية الرامية إلى الانتقال من التدخل الاستعجالي إلى إعادة الإعمار والتنمية، بما يضمن حماية المواطنين، واستعادة الحياة الطبيعية، وتعزيز صمود المجالات الترابية في مواجهة الكوارث.

    من تدبير الأزمات إلى بناء دولة أكثر صمودا

    من زلزال الحسيمة إلى زلزال الحوز، ومن الفيضانات إلى جائحة كورونا، تكشف مختلف هذه المحطات أن تدبير الأزمات في المغرب يقوم على رؤية ملكية استباقية لا تقتصر على مواجهة تداعيات الكارثة، بل تمتد إلى بناء مقومات الصمود وتعزيز جاهزية الدولة للمستقبل، فالتوجيهات الملكية كانت تنطلق منذ الساعات الأولى للأزمة، قبل أن تترجم إلى برامج للإغاثة، وصناديق للدعم، ومشاريع لإعادة الإعمار والتنمية.

    ولم يقتصر هذا النهج على اتخاذ القرار من داخل المؤسسات، بل برز أيضا في الحضور الميداني للملك محمد السادس، من خلال زيارة المناطق المنكوبة، والاطلاع المباشر على أوضاع المتضررين، وزيارة الجرحى بالمستشفيات، وهو ما أضفى بعدا إنسانيا على تدبير الأزمات، وجعل المواطن في صلب الاهتمام إلى جانب سرعة التدخل وفعالية المؤسسات.

    وبمناسبة عيد العرش، تعكس هذه المحطات جانبا من المشروع الملكي الذي يجمع بين الرؤية بعيدة المدى والبعد الإنساني، حيث لا يقاس نجاح التدخل فقط بحجم الإمكانات المرصودة، بل بمدى قدرة الدولة على حماية مواطنيها، واستعادة الحياة بالمناطق المتضررة، وتحويل كل أزمة إلى فرصة لتعزيز جاهزية المغرب وصمود مؤسساته ومجتمعه.

    بعد دولي.. من حماية الداخل إلى إغاثة الخارج

    لم تقتصر المقاربة الملكية في تدبير الأزمات على مواجهة الكوارث داخل المغرب، بل امتدت إلى ترسيخ ثقافة التضامن الدولي مع الدول الصديقة، ففي 18 شتنبر 2024، وبتعليمات من الملك محمد السادس، شاركت القوات المسلحة الملكية في إخماد حرائق الغابات التي اجتاحت البرتغال، عبر إرسال طائرتين من نوع “كانادير” وطائرة دعم لوجستي، إلى جانب أربعة أطقم جوية وفريق تقني.

    واندرجت هذه المهمة ضمن تعاون متواصل، بعدما سبق للطائرات المغربية أن شاركت في عمليات مماثلة بالبرتغال سنتي 2016 و2017.

    وجسد المغرب هذا النهج أيضا خلال الفيضانات التي ضربت منطقة فالنسيا الإسبانية عقب إعصار “دانا” في 29 أكتوبر 2024، والذي خلف أكثر من 220 قتيلا وخسائر مادية واسعة.

    وتنفيذاً للتعليمات الملكية السامية للملك محمد السادس، انطلقت في 12 نونبر 2024 عملية إغاثة شملت إرسال 70 عنصرا من فرق التدخل إلى إسبانيا، مدعومين بـ24 شاحنة وآلية متخصصة لإزالة الأوحال والأنقاض وفتح الطرق، في واحدة من أكبر عمليات الدعم الدولي التي شهدتها إسبانيا عقب الكارثة.

    وتعكس هذه المحطات أن المقاربة الملكية في تدبير الأزمات لم تعد تقتصر على حماية المواطنين داخل المملكة، بل أصبحت تمتد إلى دعم الدول الصديقة عند مواجهة الكوارث الطبيعية.

  • من النمو إلى السيادة.. خطاب العرش يُحدِّد محركات المرحلة التنموية المقبلة

    من النمو إلى السيادة.. خطاب العرش يُحدِّد محركات المرحلة التنموية المقبلة

    وضع جلالة الملك محمد السادس الاستحقاقات الانتخابية المقبلة في سياق أوسع من مجرد التداول الحكومي، معلنا التطلع إلى إطلاق دورة جديدة في المسار التنموي للمغرب، تقوم على تحصين المكتسبات ومواصلة الإصلاحات الكبرى، بالتوازي مع تعزيز السيادة الوطنية وتوسيع استفادة مختلف الفئات والمجالات الترابية من ثمار النمو.

    ولم يقدم خطاب الذكرى الـ27 لاعتلاء الملك عرش أسلافه الميامين الانتخابات التشريعية المقبلة، المقررة في 23 شتنبر، باعتبارها محطة سياسية معزولة، بل ربطها بانطلاق مرحلة جديدة في المسار التنموي للمملكة، تستند، بحسب منطوق الخطاب الملكي، إلى ما راكمه المغرب خلال السنوات الماضية من مكتسبات اقتصادية واجتماعية، وتتطلع في الوقت نفسه إلى تسريع المشاريع والإصلاحات الكبرى بعد انبثاق حكومة جديدة.

    وفي هذا السياق، قال جلالة الملك في الخطاب الذي وجهه إلى شعبه الوفي مساء اليوم الأربعاء، إننا “نتطلع، بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، وانبثاق حكومة جديدة، لإطلاق دورة جديدة في مسارنا التنموي، شعارها تحصين المكاسب، ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى”.

    ويكشف هذا التوجيه أن المرحلة المقبلة ستقوم على منطق الاستمرارية الاستراتيجية، مع منح الحكومة والبرلمان المقبلين مسؤولية تحويل التوجهات الكبرى إلى سياسات عمومية ونتائج ملموسة، إذ شدد جلالته على أن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية “تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني”، باعتبارها حصيلة تراكمات متوالية واختيارات استراتيجية للدولة.

    وتؤكد ياسمين حسناوي، الأستاذة بجامعة الحسن الأول بسطات والمتخصصة في قضايا شمال إفريقيا، أن الخطاب الملكي يشكل خطابا للتثبيت والاستشراف في آن واحد، إذ لم يكتف جلالة الملك محمد السادس باستعراض حصيلة المنجزات، بل أكد أن الاختيارات الاستراتيجية التي تبناها منذ أكثر من ربع قرن بدأت تؤتي ثمارها بشكل ملموس مما يعزز مكانة المملكة إفريقيا ودوليا”.

    الاستقرار أساس الصعود الاقتصادي

    واحتل مفهوم السيادة الوطنية موقعا مركزيا في الخطاب الملكي، إذ جرى تقديم الصعود الاقتصادي للمغرب باعتباره أكثر من مجرد تحسن في مؤشرات النمو أو ارتفاع في حجم الاستثمارات، حيث أصبح المسار الاقتصادي، وفق الرؤية التي عرضها جلالة الملك، أداة لتعزيز استقلالية القرار الوطني وتقوية قدرة المملكة على مواجهة التقلبات والأزمات الدولية.

    وأكد الملك أنه “بفضل الأمن والاستقرار، ونجاعة المؤسسات، تتزايد المؤشرات الإيجابية، التي تعرفها مختلف القطاعات، بما يعزز مسار الصعود الاقتصادي، ويقوي السيادة الوطنية”.

    ويقوم هذا التصور على علاقة مترابطة بين الاستقرار السياسي والمؤسساتي من جهة، وتحسين جاذبية الاقتصاد الوطني من جهة ثانية، إذ اعتبر العاهل المغربي أن المملكة تمكنت من ترسيخ مكانتها باعتبارها فاعلا دوليا موثوقا وشريكا مطلوبا، بما يسمح لها بتنويع شراكاتها وطرح عروض تعاون جديدة تقوم على التوازن والتوجه نحو المستقبل.

    وتتأكد هذه الرؤية في ظل سياق عالمي وصفه الخطاب بعودة السياسات الحمائية وتزايد الاهتمام بتأمين سلاسل التوريد والإنتاج، ما دفع المغرب إلى جعل تقوية السيادة الوطنية والاكتفاء الاستراتيجي محورا للتنمية الصناعية، خصوصا في القطاعات المرتبطة بالأمن الغذائي والدوائي والطاقي والدفاعي.

    وتوضح الأستاذة الجامعية في هذا السياق، أن خطاب العرش لسنة 2026 يرتكز على ثلاثة رسائل أساسية، هي أن الاستقرار أساس التنمية، والسيادة بمختلف أبعادها أصبحت محورا رئيسيا لسياسات العمومية، وأخرها أن التصنيع والابتكار والاقتصاد الأخضر تمثل المحركات الجديدة للنمو الاقتصادي.

    وأبرزت حسناوي أن الخطاب الملكي يقدم صورة لمغرب واثق من إمكانياته، ويراهن على الاستثمار في الإنسان، ويعزز مكانته كقوة إقليمية صاعدة، ليس فقط بالمنجزات الاقتصادية، ولكن أيضا عبر استراتيجية بعيدة المدى، تجمع بين التنمية والسيادة والانفتاح على العالم.

    اقتصاد وطني صاعد متعدد الرافعات

    وقدم الخطاب مجموعة من المؤشرات التي تعكس، وفق منطوقه، تحولا تدريجيا في بنية الاقتصاد المغربي، إذ أشار جلالة الملك إلى بلوغ نسبة النمو نحو 4.9 في المئة خلال سنة 2025، مع توقع بلوغ المعدل نفسه أو تجاوزه في سنة 2026، بالتزامن مع موسم فلاحي جيد وتساقطات مطرية ساهمت في تعزيز الأمنين المائي والغذائي.

    غير أن أبرز ملامح التحول الاقتصادي تظهر في صعود قطاعات صناعية جديدة أصبحت تحتل موقعا متقدما داخل النسيج الإنتاجي الوطني، إذ أضحت السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية، بحسب الخطاب، ركائز أساسية لجذب الاستثمارات الخارجية وخلق الثروة وفرص الشغل.

    وأشار جلالة الملك إلى أن المغرب أصبح أول مصدر للسيارات في إفريقيا، بقدرة إنتاجية تقترب من مليون سيارة سنويا، فيما أضحت صادرات قطاعي السيارات والطيران تمثل أكثر من 40 في المئة من إجمالي الصادرات، متقدمة على صادرات الفوسفاط.

    وتؤشر هذه المعطيات على انتقال الاقتصاد الوطني من الاعتماد الكبير على القطاعات والمنتجات التقليدية إلى قاعدة إنتاجية أكثر تنوعا وارتباطا بالصناعات العالمية، في وقت يشكل إطلاق مصانع متخصصة في صناعة محركات الطائرات وأنظمة هبوطها يضع المغرب، وفق الخطاب، داخل دائرة محدودة من الدول التي تتوفر على مراكز صناعية متقدمة في هذا المجال.

    وفي الاتجاه نفسه، يراهن المغرب على الطاقات المتجددة لتقوية أمنه الطاقي وجذب الصناعات الباحثة عن طاقة تنافسية وخالية من الكربون، في إطار تنزيل “عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر”.

    وترى ياسمين حسناوي في هذا أن الخطاب الملكي أبرز بوضوح أن المغرب لم يعد يعتمد فقط على الفلاحة أو الفوسفاط فقط، بل أصبح اقتصادا صناعيا تكنولوجيا، يتجه نحو الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، مشيرة إلى أن هذا التوجه حول المغرب إلى أول مصدر للسيارات في إفريقيا.

    وذكرت في السياق ذاته قطاع الطيران، إذ لم يعد المغرب يكتفي بتصنيع الأجزاء البسيطة، بل أصبح يساهم في صناعة بعض أجزاء محركات الطائرات وأنظمة الهبوط، ما يعكس انتقال الصناعة المغربية إلى مستويات تكنولوجية متقدمة.

    وسجلت الأكاديمية ذاتها أن جلالة الملك محمد السادس أولى عناية خاصة لـ”مفهوم السيادة الوطنية، ليس بمعناها الترابي فقط، وإنما أيضا السيادات الصناعية والغذائية والدوائية والطاقية والتكنولوجية”، مبرزة أن بلادنا عملت على تطوير الصناعات الدوائية والغذائية من أجل تقليص الاعتماد على الخارج، خاصة بعد الدروس التي تعلمناها من جائحة كوفيد والأزمات الدولية.

    وأكدت حسناوي أن الخطاب الملكي تحدث أيضا عن تطوير قاعدة صناعية وطنية في مجال الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني، مشيرة إلى أنه أمر “يعكس رؤية استراتيجية تروم تعزيز السيادة التكنولوجية للمغرب وتنويع الشراكات مع الدول الرائدة في هذا المجال”.

    التحدي الاجتماعي والترابي

    على الرغم من الحضور القوي للمؤشرات الاقتصادية والصناعية، لم يفصل الخطاب الملكي السامي بين النمو الاقتصادي والبعد الاجتماعي، إذ أكد جلالة الملك مواصلة تنزيل برامج التنمية البشرية وتعميم الحماية الاجتماعية، بهدف تحسين ظروف عيش المغاربة وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية.

    وفي هذا الإطار، شدد الملك على “ضرورة التنزيل الفعال لبرامج التنمية الترابية المندمجة”، مع الحرص على أن تشمل جميع المناطق والجهات دون استثناء.

    وتوضح الأستاذة الجامعية أن خطاب الذكرى الـ27 لعيد العرش حمل شقا اجتماعيا مهما، لأن جلالة الملك محمد السادس أكد أن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تكتمل إلا إذا انعكست بشكل مباشر على حياة المواطنين.

    وأضافت ياسمين حسناوي أن جلالته شدد على “ضرورة مواصلة تعميم الحماية الاجتماعية، والتغطية الصحية الإجبارية والدعم الاجتماعي المباشر، إلى جانب الاستثمار في الصحة والتعليم وأيضا تقليص الفوارق المجالية بين مختلف جهات المملكة”.

    من تلقي العروض إلى صناعة الشراكات.. المغرب شريك موثوق

    ولم يفت الخطاب الملكي إبراز التحول الذي عرفه موقع المغرب داخل محيطه الدولي، إذ لم تعد المملكة تقدم نفسها فقط باعتبارها بلدا مستقرا وجاذبا للاستثمارات، بل فاعلا اقتصاديا يمتلك القدرة على بناء شراكات متوازنة، وصياغة مبادرات تعاون مرتبطة بالتحولات الدولية الكبرى.

    وأكد جلالة الملك محمد السادس أن المغرب تمكن من “ترسيخ مكانته كفاعل دولي موثوق، ومحترم ومسموع”، مضيفا أن المملكة أصبحت “فاعلا اقتصاديا مهما، وشريكا مطلوبا، في إطار شراكات جديدة ومتوازنة، متوجهة نحو المستقبل”.

    ويشير الخطاب إلى انتقال المغرب من موقع المتلقي لعروض التعاون إلى موقع الشريك المبادر، القادر على مساءلة شركائه “بكل ثقة ووضوح”، وتقديم عروض شراكة بناءة ومبادرات تعاون واعدة بشأن القضايا الثنائية والدولية الكبرى.

    هذا التحول، وفق الأستاذة الجامعية المتخصصة في قضايا شمال إفريقيا، يعكس ارتفاع القيمة الاستراتيجية للمملكة، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن تطور قاعدتها الصناعية والطاقية والمالية والسياحية.

    وتوضح في هذا السياق أن خطاب العرش أكد أن المغرب أصبح شريكا موثوقا، ويحظى بالاحترام على الساحة الدولية، ويتجلى ذلك في تعزيز وتنويع الشراكات الدولية، وتقوية العلاقات مع فرنسا أمريكا ودول الخليج وإسبانيا، ودول أخرى، إلى جانب الحضور الاقتصادي المتزايد في البلدان الإفريقية، مشيرة إلى أن دول مثل فرنسا أصبحت تعول على المغرب لمساعدتها لربط علاقات مع الدول الإفريقية، نظرا للوزن الاقتصادي القوي للملكة في القارة.

    وأبرزت الدكتورة ياسمين حسناوي أن هذا التوجه والثقة الدولية في المغرب، حسبها، يندرجان أيضا ضمن مبادرة الملك لتمكين دول الساحل لولوج المحيط الأطلسي باعتباره مشروعا استراتيجيا يجسد رؤية المملكة لإرساء تعاون إقليمي قائم على التنمية المشتركة.

  • جلالة الملك: نتطلع بعد الانتخابات التشريعية المقبلة لإطلاق دورة جديدة في مسارنا التنموي

    جلالة الملك: نتطلع بعد الانتخابات التشريعية المقبلة لإطلاق دورة جديدة في مسارنا التنموي

    رسم خطاب العرش ملامح مرحلة سياسية وتنموية جديدة في المغرب، تنطلق بعد الانتخابات التشريعية المرتقبة وتشكيل الحكومة المقبلة، ولا تقوم على القطع مع المنجزات السابقة، بل على تحصينها وتسريع الإصلاحات والمشاريع الكبرى.

    ووضع الخطاب الملكي السامي الاستحقاق الانتخابي في قلب انتقال مؤسساتي أوسع، يجعل المرحلة المقبلة اختبارا لقدرة الفاعلين السياسيين والاقتصاديين على تحويل التراكمات المحققة إلى نتائج ملموسة في التشغيل والعدالة الاجتماعية والمجالية.


    وأكد جلالة الملك محمد السادس أن مسارا تنمويا جديدا ينتظر المغرب بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، المقررة في 23 شتنبر المقبل، مشددا على أن المغرب عرف صعودا اقتصاديا مهما يقوي السيادة الوطنية جراء ما ينعم به من أمن واستقرار، ونجاعة المؤسسات.

    وقال مساء اليوم الأربعاء في خطاب وجهه إلى شعبه الوفي، بمناسبة عيد العرش المجيد الذي يصادف الذكرى السابعة والعشرين لتربع جلالته على عرش أسلافه الميامين، “إننا نتطلع، بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، وانبثاق حكومة جديدة، لإطلاق دورة جديدة في مسارنا التنموي، شعارها تحصين المكاسب، ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى”.

    وأشار جلالة الملك إلى أنه “تمكنا، بعون الله وتوفيقه، من ترسيخ مكانة المغرب كفاعل دولي موثوق، ومحترم ومسموع، فالمغرب اليوم ، أصبح فاعلا اقتصاديا مهما، وشريكا مطلوبا، في إطار شراكات جديدة ومتوازنة، متوجهة نحو المستقبل، وهو ما مكنه أن يسائل، بكل ثقة ووضوح، جميع شركائه، وأن يطرح عروض شراكات بناءة، ومبادرات تعاون واعدة، بخصوص مختلف القضايا الثنائية والدولية الكبرى، كما اختار، بكل التزام ومسؤولية، تنويع شراكاته، بما يساهم في تعزيز قدرات بلادنا، والرفع من قيمتها في مختلف المجالات”.

    وشدد في خطاب الذكرى الـ27 لتربعه على عرش أسلافه على أن “المكاسب الاقتصادية والاجتماعية، التي تم تحقيقها، تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني؛ فهي نتيجة سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية، وذلك بفضل التوجه الاستراتيجي، وصواب الاختيارات الكبرى لبلادنا”.

    وأشار جلالته، في سياق حديثه عن المسار التنموي والصعود الاقتصادي للمغرب، إلى أن المملكة برهنت على قدرة كبيرة في مواجهة الكوارث والأزمات، لاسيما من خلال التدبير الاستباقي للفيضانات، التي شهدتها مناطق الغرب والشمال.

    وشدد العاهل المغربي على أنه “بفضل الأمن والاستقرار، ونجاعة المؤسسات، تتزايد المؤشرات الإيجابية، التي تعرفها مختلف القطاعات، بما يعزز مسار الصعود الاقتصادي، ويقوي السيادة الوطنية”، مضيفا أن “نسبة النمو بلغت حوالي 4.9 بالمئة سنة 2025، ومن المتوقع أن تصل إلى نفس المعدل أو تتجاوزه في 2026”.

    وعلى الصعيد الفلاحي، أبرز جلالة الملك في خطاب العرش إلى أن المغرب عرف تساقطات مطرية مهمة، وموسما فلاحيا جيدا، مما ساهم في تعزيز الأمن المائي والغذائي، مردفا أن “بلادنا استطاعت تعزيز مكانتها كقطب للاستثمار الصناعي والسياحي والمالي؛ وهو ما يعكسه تطور المؤشرات لاسيما الصناعية”.

    وتابع الخطالب الملكي في الصدد ذاته “ذلك أن قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية، تعد اليوم ركائز أساسية للنسيج الإنتاجي الوطني، سواء من حيث جلب الاستثمارات الخارجية ، أو من حيث خلق الثروة وفرص الشغل”، مضيفا أن “المملكة أصبحت اليوم، أول مصدر للسيارات في إفريقيا، بقدرة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا.. وهو ما جعل صادرات المغرب من قطاعات السيارات والطيران، تفوق 40 بالمئة من إجمالي الصادرات، متقدمة في ذلك على الفوسفاط”.

    وتعزيزا لهذا التوجه، ذكر جلالته بأنه “ترأسنا في بداية السنة، حفل إطلاق مصانع جديدة، جعلت المغرب يدخل النادي المصغر، للدول التي تتوفر على أكبر المراكز الصناعية، في مجال صناعة محركات وأنظمة هبوط الطائرات”، مشيرا إلى أن “تطوير قطاع مندمج للبطاريات الكهربائية، يعكس قدرة المغرب على استباق التحولات التكنولوجية، والانخراط في سلاسل الإنتاج المرتبطة بالصناعات الاستراتيجية”.

    ولفت جلالة الملك إلى أنه “بنفس روح الابتكار والتطوير، يتم إنجاز مشاريع كبرى، تهدف إلى جعل الطاقات المتجددة ركيزة للأمن الطاقي، ورافعة لجذب الصناعات، التي تسعى لاستخدام طاقة تنافسية وخالية من الكربون.

    وشدد صاحب الجلالة على أنه “تعزيزا لهذه الاستراتيجية الطموحة، تم الشروع في تنزيل “عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر”، من خلال الترخيص لمجموعة أولى من المشاريع الكبرى”.

    وأكد الخطاب الملكي أنه أمام “سياق دولي مطبوع بعودة السياسات الحمائية، وتأمين سلاسل التوريد والإنتاج، جعلنا من تقوية السيادة الوطنية والاكتفاء الاستراتيجي، محورا للتنمية الصناعية، وخير مثال على ذلك ، الصناعات الغذائية والدوائية، التي أصبحت تغطي ما يقارب 80 بالمئة من الحاجيات الوطنية”.

    وأضاف أن “إقامة قاعدة صناعية وتكنولوجية في مجال الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني، ستساهم تدريجيا، في تعزيز السيادة الدفاعية، وخلق فرص التنمية، وترسيخ مكانة بلادنا كقوة إقليمية في هذه الصناعات.

    وعرّج الملك على القطاع السياحي، مشيرا إلى أنه سجل سنة 2025 ، إنجازا تاريخيا، يتمثل في استقبال ما يقارب 20 مليون سائح، بما في ذلك أبناء الجالية المقيمة بالخارج.

    وشدد الملك على أنه “بموازاة مع النهوض بالمجال الاقتصادي، نواصل تنزيل العديد من المبادرات وبرامج التنمية البشرية، وتعميم الحماية الاجتماعية، من أجل تحسين ظروف عيش المغاربة، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية”، مضيفا أنه “وفي هذا الإطار، نشدد على ضرورة التنزيل الفعال، لبرامج التنمية الترابية المندمجة، التي نحرص على أن تشمل كل المناطق والجهات، دون استثناء”.

    ولفت جلالة الملك إلى أن مسار التحول الاقتصادي والاجتماعي يتطلب موارد تمويلية غير مسبوقة، يتعين تعبئة الجزء الأكبر منها، عبر التمويل الداخلي”، مهيبا في هذا الصدد بالقطاع المالي الوطني، لمواصلة العمل على مواكبة الاستثمار والمشاريع الكبرى، وعلى إحداث نقلة نوعية في توسيع الولوج للتمويلات، البنكية وغير البنكية، الموجهة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة، وللابتكار والتصنيع والتصدير.

    وأبدى العاهل المغربي تطلعه إلى أن “ينكب القطاع المالي، على فتح آفاق أوسع وأكثر ابتكارا؛ بما يضمن التعبئة المثلى للادخار الوطني، لاسيما المؤسساتي وإنعاش الأسواق المالية، لتسريع الدينامية التنموية للمغرب الصاعد”.

    واغتنم جلالة الملك في ختام خطابه السامي بمناسبة الاحتفال بعيد العرش المجيد، المناسبة لتجديد التعبير عن “اعتزازنا وتقديرنا لكل مكونات قواتنا المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والإدارة الترابية، والأمن الوطني، والقوات المساعدة والوقاية المدنية، على تجندهم الدائم، تحت قيادتنا، للدفاع عن وحدة الوطن وأمنه واستقراره”، مستحضرا بكل خشوع، الأرواح الطاهرة لشهداء المغرب الأبرار، وفي مقدمتهم جدنا ووالدنا المنعمان، جلالة الملكين محمد الخامس والحسن الثاني، أكرم الله مثواهما، مستشهدا بقول الله تعالى: “إن الله لا يضيع أجر المحسنين” صدق الله العظيم.

  • الدبلوماسية الروحية.. القوة الناعمة ترسخ الحضور المغربي في قلب إفريقيا

    الدبلوماسية الروحية.. القوة الناعمة ترسخ الحضور المغربي في قلب إفريقيا

    لم تكن عودة المغرب القوية إلى إفريقيا خلال العقود الأخيرة رهانا اقتصاديا أو دبلوماسيا فحسب، بل استندت أيضا إلى رصيد تاريخي وروحي ظل حاضرا في وجدان عدد من شعوب القارة على مدى قرون.

    نسج المغرب، من الزوايا والطرق الصوفية إلى حركة العلماء والقوافل التجارية، شبكة من الروابط الدينية والثقافية التي تجاوزت الحدود الجغرافية، قبل أن تتحول، في عهد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، إلى أحد أبرز مكونات القوة الناعمة للمملكة وأداة موازية للدبلوماسية السياسية والاقتصادية.

    وخلال سبعة وعشرين عاما، لم يكتف المغرب بالحفاظ على هذا الإرث، بل عمل على مأسسته عبر مبادرات ومؤسسات دينية، وتوسيع مجالات حضوره في القارة من خلال تكوين الأئمة، وتعزيز التعاون بين العلماء، وترسيخ نموذج ديني قائم على الاعتدال والوسطية.

    وأصبحت الدبلوماسية الروحية إحدى الركائز التي دعمت الشراكات المغربية الإفريقية، وأسهمت في بناء الثقة وتهيئة الأرضية لتعاون سياسي واقتصادي وتنموي أكثر عمقا واستدامة.

    ويعكس هذا التوجه ارتباط المغرب التاريخي بإفريقيا، وهو ما سبق أن عبر عنه الملك الراحل الحسن الثاني بقوله إن “المغرب شجرة تمتد جذورها المغذية امتدادا عميقا في التراب الإفريقي، وتتنفس بفضل أوراقها التي يقويها النسيم الأوروبي”، في إشارة إلى رسوخ الانتماء الإفريقي للمملكة وتعدد دوائر ارتباطها.

    وقد اكتسب هذا البعد زخما أكبر بعد اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش، إذ تعززت من خلال زياراته المتعددة وتقوت أكثر من خلال مبادراته في القارة.

    الدبلوماسية الروحية في الخطابات الملكية

    اضطلع المغرب تاريخيا بدور مهم في نشر الإسلام وتعزيز التعليم الديني في أجزاء واسعة من إفريقيا، خصوصا في منطقة غرب القارة، من خلال حركة العلماء والفقهاء والتجار، وشبكات التجارة والقوافل التي ربطت شمال إفريقيا ببلدان الجنوب.

    ولم يقتصر هذا التفاعل على انتقال الأفكار والممارسات الدينية، بل أسهم في نشوء انصهار حضاري وثقافي بين المغرب ومحيطه الإفريقي، وأوجد روابط تتجاوز الحدود السياسية والجغرافية.

    وينعكس البعد الروحي والديني للدبلوماسية الروحية تجاه إفريقيا في الخطابات التي تعد تمهيدا وتأسيسا للتوجه المغربي تجاه إفريقيا، وقد انعكس هذا البعد في الخطابات الملكية الموجهة إلى الشعوب والبلدان الإفريقية، وفي الزيارات الملكية المتعددة إلى عدد من دول القارة، التي أتاحت للرباط توظيف المشترك الديني والثقافي باعتباره مدخلاً لتعزيز الثقة والتقارب.

    ومنذ بداية عهده، حرص الملك محمد السادس على التأكيد في خطاباته الإفريقية على أن المغرب تجمعه روابط تاريخية وروحية عميقة بالقارة، ففي خطاب تنصيب المجلس الأعلى لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة سنة 2016، ربط جلالة الملك محمد السادس صراحة بين المؤسسة و”عمق الأواصر الروحية العريقة” التي تجمع الشعوب الإفريقية جنوب الصحراء بملك المغرب وأمير المؤمنين، مستحضرا وحدة العقيدة والمذهب والتراث الحضاري المشترك.

    ويتضح ذلك أيضا في الخطاب الملكي أمام القمة الإفريقية سنة 2017، حين استُحضر الانتماء الإفريقي للمغرب باعتباره عودة إلى بيته بعد طول الغياب، بالتوازي مع إبراز حصيلة الاتفاقيات والشراكات والمشاريع التي عززت حضور المملكة في القارة.

    وتوضح هذه الإشارات أن الدبلوماسية الروحية لم تُطرح في الخطاب الملكي باعتبارها بعدا دينيا منفصلا عن السياسة الخارجية، وإنما ضمن تصور أوسع للعلاقات المغربية الإفريقية، يجمع بين الروابط الروحية والتاريخية من جهة، والتعاون السياسي والاقتصادي والتنموي من جهة أخرى.

    وتكتسب الزيارات الملكية أهمية خاصة في هذا السياق، ليس فقط باعتبارها محطات لتعزيز العلاقات الثنائية، وإنما باعتبارها فرصة لاستحضار المشترك الديني والثقافي والروحي مع عدد من الدول الإفريقية، إذ جعل الملك محمد السادس من الزيارات إلى دول جنوب الصحراء، منذ بداية عهده، إحدى آليات تكريس القرب والتضامن والتعاون، وهو ما تزامن مع بناء شبكة واسعة من الاتفاقيات والشراكات متعددة المجالات.

    وبذلك، تكشف الخطابات والزيارات الملكية خلال الفترة الممتدة من 1999 إلى 2026 عن تطور تدريجي في توظيف البعد الروحي ضمن السياسة الإفريقية للمغرب، بحيث انتقل من استحضار الروابط التاريخية والدينية المشتركة، إلى مأسسة التعاون الديني، ثم توسيع نطاقه ليشمل قضايا الأمن والاستقرار والتضامن والتنمية والشراكة متعددة الأبعاد.

    الدبلوماسية الروحية.. قوة ناعمة تجاه إفريقيا

    وتكتسب الدبلوماسية الروحية أهمية خاصة في الحالة المغربية، بالنظر إلى عمق الروابط التاريخية والدينية التي تجمع المملكة بعدد من البلدان الإفريقية، سيما في غرب القارة، بحيث لم تتشكل هذه الروابط حديثا، وإنما تعود إلى قرون من التفاعل الحضاري والتبادل الثقافي والديني، حيث أسهم المغرب، عبر طرق التجارة والعلم ورحلات العلماء وانتشار الزوايا والطرق الصوفية، في ترسيخ روابط روحية امتدت إلى مجتمعات إفريقية متعددة.

    ومع عودة المغرب بقوة إلى الفضاء الإفريقي، لم تعد هذه الروابط مجرد إرث تاريخي أو علاقات دينية عابرة للحدود، بل تحولت تدريجيا إلى أداة مؤسساتية ضمن منظومة القوة الناعمة المغربية.

    وعمل المغرب في هذا السياق على مأسسة حضوره الديني في إفريقيا من خلال تكوين الأئمة والمرشدين، وتعزيز التعاون بين العلماء، وإحداث مؤسسات متخصصة، فضلاً عن استثمار الروابط الصوفية والثقافية في توطيد علاقاته مع عدد من الدول الإفريقية.

    وإلى جانب دور الزوايا والطرق الصوفية بالمغرب في نقل الممارسات الدينية إلى دول إفريقية، فهي تساهم أيضا في تشكيل روابط روحية وثقافية عابرة للحدود، إذ كان لها حضور في بناء أنماط من الهوية الدينية والاجتماعية في عدد من المجتمعات الإفريقية، ما حافظ على امتداد الروابط الروحية بين المغرب وعمقه الإفريقي عبر الزمن.

    وفي هذا السياق، أكد عبد اللطيف التواصلي، باحث مهتم بمؤسسة إمارة المؤمنين والشأن الديني بالمغرب وإفريقيا، أن الدبلوماسية الروحية تعد من أبرز تجليات القوة الناعمة المغربية في إفريقيا، لأنها تعتمد على التأثير من خلال القيم المشتركة والروابط الثقافية والدينية وليس عبر وسائل الضغط أو الإكراه.

    وأكد التواصلي، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن المغرب استطاع أن يوظف ما راكمه عبر تاريخه من شرعية دينية ومؤسسات علمية عريقة وخبرة في تدبير الشأن الديني، ليقدم أنموذجا يحظى بالقبول والثقة لدى العديد من الدول الإفريقية.

    وأضاف المتحدث أن خصوصية القوة الناعمة المغربية تتجلى في كونها لا تنفصل عن مقاربة تنموية وإنسانية شاملة، إذ تتكامل الدبلوماسية الروحية مع التعاون الاقتصادي والاستثماري والتنموي، بما يعزز مصداقية الحضور المغربي في القارة ويمنحه قدرة أكبر على الاستمرارية والاستدامة.

    ومن جانبه، أكد عبد الوهاب رفيقي، الباحث في الفكر الديني، في تصريح خص به جريدة “AM+ MEDIA”، أن الدبلوماسية الروحية هي اليوم واحدة من أهم أدوات القوة الناعمة المغربية في إفريقيا، وربما أكثرها استدامة.

    ويشير رفيقي في معرض حديثه عن أهمية الدبلوماسية الروحية إلى أن الاقتصاد قد يتأثر بالأزمات، والتحالفات السياسية قد تتغير، أما الروابط الدينية والثقافية فتتمتع بقدرة أكبر على الاستمرار، لافتا إلى أن المغرب لم يبن حضوره الروحي في إفريقيا خلال السنوات الأخيرة، بل استند إلى تاريخ طويل من العلاقات التي صنعتها الزوايا والطرق الصوفية والعلماء والقوافل التجارية.

    بناء على ذلك، أبرز المتحدث ذاته أن المغرب لم يكن يصدّر نموذجاً جديداً، وإنما أعاد إحياء رصيد تاريخي كان موجوداً أصلاً، لا يقوم على الهيمنة ولا على تصدير الإيديولوجيا، بل على تكوين الأئمة، وتأهيل القيادات الدينية، وترسيخ قيم الاعتدال، وهو ما جعل عدداً من الدول الإفريقية تنظر إلى التجربة المغربية باعتبارها شريكاً في تحقيق الأمن الروحي، وليس مجرد فاعل ديني.

    ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الدبلوماسية الروحية باعتبارها أحد مكونات القوة الناعمة المغربية، لا باعتبارها بديلا عن الأدوات السياسية والاقتصادية، الأمر الذي يفسر استمرار حضور البعد الروحي في السياسة الإفريقية للمغرب، وانتقاله خلال “العهد الجديد” من روابط تاريخية متجذرة إلى تعاون مؤسساتي أكثر انتظاماً، ضمن رؤية أوسع للعلاقات مع القارة.

    مكانة الدبلوماسية الروحية في السياسة الخارجية المغربية

    وتحتل الدبلوماسية الروحية مكانة خاصة ضمن أدوات السياسة الخارجية المغربية، نظرا لارتباطها برصيد تاريخي وديني وثقافي تشكل عبر قرون من التفاعل بين المغرب وبلدان إفريقيا، سيما في منطقة غرب إفريقيا.

    وأسهمت هذه الروابط في الحفاظ على قنوات للتواصل والتقارب بين المغرب وعدد من المجتمعات الإفريقية، قبل أن تكتسب خلال العقود الأخيرة أبعادا أكثر حضورا ضمن السياسة الخارجية للمملكة.

    وفي عهد الملك محمد السادس، اكتسب هذا البعد حضورا أكبر ضمن السياسة الإفريقية للمغرب، في سياق تعزيز انخراط المملكة في القارة وتوسيع علاقاتها مع دولها، إذ أصبح توظيف الرصيد الديني والروحي قائما على مقاربة أكثر مؤسساتية، تستند إلى خصوصية النموذج الديني المغربي المرتكز على المذهب المالكي والتصوف السني وإمارة المؤمنين، وتقدم هذه العناصر باعتبارها إطارا لترسيخ قيم الاعتدال والوسطية والتسامح والتعايش.

    ويكشف هذا التوجه عن انتقال تدريجي من الحفاظ على روابط دينية وروحية تاريخية إلى بناء قنوات مؤسساتية للتعاون الديني، مما جعل الدبلوماسية الروحية أحد مكونات الحضور المغربي في إفريقيا.

    ولم يعد التواصل يقتصر على العلاقات الرسمية بين الحكومات، بل امتد إلى العلماء والأئمة وشيوخ الطرق الصوفية والطلبة والمؤسسات الدينية، وهو ما أتاح للمغرب بناء شبكة من العلاقات ذات طبيعة دينية وثقافية واجتماعية.

    وتُوج هذا المسار بإحداث “مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة” سنة 2015، التي شكلت نقلة نوعية في مأسسة الدبلوماسية الروحية المغربية، حيث نص الظهير المحدث لها على أهمية الروابط الدينية والتاريخية والثقافية التي تجمع المغرب بإفريقيا، وجعل من توحيد جهود العلماء المغاربة والأفارقة، والتعريف بقيم الإسلام السمحة، وتشجيع البحث والدراسة في الفكر والثقافة الإسلامية، من بين أهدافها الأساسية.

    وفي هذا السياق، حرص الملك محمد السادس، منذ توليه العرش، على مواصلة وتعزيز الروابط مع الطريقة التيجانية، سيما في السنغال، من خلال تنظيم اللقاءات وتوجيه الرسائل إلى ملتقياتها واحتضان شيوخها وزعمائها.

    وحافظت هذه الروابط على حضورها باعتبارها إحدى قنوات التواصل الروحي التي تجمع المغرب بعدد من المجتمعات الإفريقية، حيث تحظى مؤسسة إمارة المؤمنين بمكانة خاصة لدى شيوخ ومقدمي الزوايا التيجانية في السنغال.

    كما ارتبطت الدبلوماسية الروحية المغربية خلال السنوات الأخيرة برهانات تتجاوز المجال الديني، خصوصاً في ظل التحديات الأمنية التي تواجه عدداً من مناطق القارة، فقد جعل المغرب من نشر خطاب ديني قائم على الاعتدال ومواجهة التطرف أحد مداخل تعاونه مع شركائه الأفارقة، من خلال تكوين الأئمة والمرشدين وتعزيز التعاون بين العلماء.

    بهذا الصدد، تؤكد أمينة الغوباشي، باحثة في العلاقات الدولية، على أهمية الروابط الروحية التي تمتد لجذور لقرون، حيث ساهمت الطرق الصوفية مثل الزاوية التيجانية والقادرية، إلى جانب العلاقات العلمية، في بناء فضاء ديني وثقافي مشترك بين المغرب وعدد من المجتمعات الإفريقية. وقد وفرت هذه الروابط رصيدا من الثقة سهل تطوير العلاقات في مجالات متعددة وساهم في توطيد الحوار والتعاون بين المؤسسات الدينية والعلمية.

    تجليات المبادرات الملكية في الدبلوماسية الروحية

    وفي عهد الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله، عملت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على تعزيز حضورها الديني في إفريقيا، بتأسيس رابطة علماء المغرب والسنغال في 3 يونيو 1985، في إطار جهود المغرب للتعريف بالإسلام الوسطي في القارة الإفريقية، وبالتنسيق مع مختلف القطاعات والهيئات الوطنية والدولية المعنية.

    ومن خلال هذه الرابطة، نظمت المملكة مجموعة من الأنشطة الدينية والفكرية، شملت إرسال بعثات من العلماء إلى عدد من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، إلى جانب المساهمة في بناء وترميم المساجد، خاصة في السنغال وغينيا وبنين ومالي، فضلاً عن بناء عدد من المراكز الإسلامية.

    كما شملت هذه الجهود توفير نسخ من المصحف الشريف والكتب والمنشورات الإسلامية للمساجد والمدارس القرآنية والجمعيات الإسلامية في عدد من البلدان الإفريقية، من بينها السنغال وكوت ديفوار ومالي. وامتد التعاون كذلك إلى تنظيم دورات تكوينية لفائدة خطباء الجمعة القادمين من بعض الدول الإفريقية، بمسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، إلى جانب تنظيم دورات تدريبية وتكوينية لفائدة بعثات الدول الإفريقية في مجال تنظيم الحج.

    وفي السياق ذاته، حرص المغرب على تعزيز التواصل المباشر مع العلماء والفقهاء الأفارقة، من خلال توجيه دعوات دائمة ومتواصلة لهم للمشاركة في الدروس الحسنية الرمضانية، فضلا عن حضورهم في الندوات واللقاءات التي تنظمها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بما أسهم في ترسيخ قنوات للتعاون والتبادل الديني والعلمي بين المغرب وبلدان القارة.

    وتبرز تجليات الدبلوماسية الروحية أيضا بشكل خاص مع إنشاء معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات الذي دشنه جلالة الملك في مارس 2015، إلى جانب مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، التي تأسست في يونيو 2015، والتي يترأسها أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس، وعلى رأس أولوياتها توحيد الجهود في خدمة القيم الدينية المشتركة ومواجهة التطرف وتعزيز الاعتدال.

    كما عمل المغرب على توسيع مجالات التعاون مع المؤسسات الدينية الإفريقية، ففي سنة 2016، مثلا، وقع المغرب وتشاد اتفاقية للتعاون الإسلامي وبروتوكولا بشأن تكوين الأئمة، في إطار إعطاء دفعة جديدة للتعاون بين المغرب والدول الإفريقية في المجال الديني.

    وفي هذا الإطار، أشار رفيقي إلى أن المغرب استطاع أن يحول الرأسمال الديني والتاريخي إلى سياسة عمومية متكاملة، من خلال مؤسسة إمارة المؤمنين، ومعهد محمد السادس لتكوين الأئمة، وتوسيع حضور مؤسسة العلماء الأفارقة، وإعادة تأهيل الروابط مع الزوايا والمرجعيات الدينية في عدد من الدول، ما منح المغرب مصداقية لا تتوفر لكثير من القوى الإقليمية التي حاولت الحضور في إفريقيا عبر المال أو الخطاب الإيديولوجي.

    من جانبها، أكدت الغوباشي، الباحثة في العلاقات الدولية، أن هذه المؤسسات ساهمت في الانتقال من مبادرات دينية متفرقة إلى سياسة عمومية ذات بعد مؤسساتي دبلوماسي تعتمد على التكوين والتنسيق، وبناء شبكات علمية عابرة للحدود، ما عزز استمرارية هذا التوجه داخل السياسة الخارجية المغربية وجعله فاعلا إقليميا مهما.

    عبد اللطيف التواصلي بدوره يؤكد أن التجربة المغربية أظهرت خلال السنوات السبع والعشرين الماضية أن الدبلوماسية الروحية ليست بديلا عن الدبلوماسية السياسية أو الاقتصادية، وإنما رافعة مكملة لها، تسهم في بناء الثقة وتعميق الشراكات، وتؤكد أن الاستثمار في الإنسان والقيم المشتركة يظل من أنجع السبل لترسيخ علاقات إفريقية قائمة على التعاون والتضامن والتنمية المشتركة.

    من التقارب الروحي إلى الشراكات التنموية

    وساهمت الدبلوماسية الروحية في الحفاظ على روابط تاريخية وثقافية ودينية بين المغرب وعدد من البلدان الإفريقية، لا تتوقف أهميتها بالنسبة للسياسة الخارجية المغربية عند حدود المجال الديني، بل تعد منطلقا لبناء علاقات أكثر اتساعا، وانتقلت تدريجيا من التقارب الروحي والثقافي إلى التعاون السياسي والاقتصادي، ثم إلى إطلاق مشاريع واستثمارات ذات أبعاد تنموية.

    وتعد العلاقات المغربية السنغالية من أبرز النماذج التي يمكن من خلالها رصد تداخل البعد الروحي مع الأبعاد السياسية والاقتصادية، فإلى جانب الروابط التاريخية والدينية، سيما الصلات المتجذرة مع الطريقة التيجانية، تطورت العلاقات بين البلدين إلى شراكة تشمل مجالات التجارة والاستثمار والبنية التحتية والطاقة والفلاحة والصيد والتكوين.

    وفي نونبر 2025، أكدت الرباط وداكار أن علاقاتهما تقوم على روابط “تاريخية وروحية وإنسانية” استثنائية، وربطتا هذه العلاقات بتعزيز التعاون في التنمية البشرية والتجارة والاستثمار والنقل والسياحة والفلاحة والصحة والطاقة والبنية التحتية.

    وأشارت الغوباشي في هذا الإطار، إلى أن هذه الروابط الروحية ليست العامل الوحيد في توطيد العلاقات المغربية الإفريقية، فنجاحها يرتبط بالتعاون الاقتصادي، والشراكات التنموية مثل المبادرة الأطلسية، والاستقرار السياسي، واحترام خصوصيات كل دولة.

    ومن جانبه، يرى الباحث في الفكر الديني، عبد الوهاب رفيقي، أنه ينبغي ألا ننظر إلى الدبلوماسية الروحية باعتبارها إنجازاً مكتملًا، بل مشروعاً يحتاج إلى تجديد دائم.

    ويوضح وجهة نظره بالقول إن “إفريقيا اليوم تتغير بسرعة، وتعيش تحولات ديموغرافية ورقمية عميقة، كما أن المنافسة لم تعد فقط بين الدول، بل أيضاً بين المنصات الرقمية والشبكات العابرة للحدود والتيارات الدينية الجديدة، لذلك فإن نجاح الدبلوماسية الروحية في المستقبل سيكون رهيناً بقدرتها على مخاطبة الأجيال الجديدة، وربط البعد الروحي بقضايا التنمية والتعليم والرقمنة، حتى تبقى قوة ناعمة فاعلة وليست مجرد رصيد تاريخي”.

  • من 46 إلى 182 مليار دولار.. كيف تضاعف الاقتصاد المغربي أربع مرات في 27 سنة؟

    من 46 إلى 182 مليار دولار.. كيف تضاعف الاقتصاد المغربي أربع مرات في 27 سنة؟

    في 30 يوليوز 1999، حين ألقى الملك محمد السادس خطابه الأول من جامع فاس الكبير، كان المغرب اقتصادا هشا بالمقاييس الدولية بمعدل 46 مليار دولار فقط كناتج داخلي إجمالي، وبطالة تلامس 14 في المئة، وفقر يطال أكثر من مغربي واحد من كل سبعة.

    سبعة وعشرون عاما بعد ذلك، تُعد المملكة اليوم أول مصدّر للسيارات في إفريقيا، وقطبا صناعيا للطيران، وموطنا لأكبر ميناء حاويات في القارة، وسوقا استقطبت رقما قياسيا من السياح تجاوز 19.8 مليون زائر سنة 2025.

    وبين هذين المشهدين، تروي الأرقام الرسمية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومكتب الصرف المغربي حكاية تحول اقتصادي عميق، لكنها حكاية لم تخل من تفاوتات وتحديات اجتماعية لا تزال قائمة، أبرزها بطالة تقاوم كل محاولات الإصلاح، وفيما يستعد المغاربة للاحتفال بالذكرى 27 لعيد العرش، وضعت “AM+ MEDIA” محطات هذا التحول تحت المجهر.

    اقتصاد تضاعف حجمه أربع مرات

    الرقم الأكثر دلالة على حجم التحول هو الناتج الداخلي الإجمالي، فمن 46.27 مليار دولار سنة 1999 إلى 182.37 مليار دولار سنة 2025، أي ما يقارب أربعة أضعاف قيمته الأصلية خلال ثلاثة عقود، وقد ورافق هذا التوسع ارتفاع نصيب الفرد من الثروة الوطنية من 1635 إلى 4672 دولارا، ما يعني أن المغربي العادي يملك اليوم قدرة شرائية تقارب ثلاثة أضعاف ما كان يملكه جيل والديه عند مطلع الألفية.

    لكن وتيرة هذا النمو لم تكن خطا مستقيما صاعدا، بل رحلة تخللتها فترات ازدهار وانكسار، فقد سجل الاقتصاد الوطني أعلى معدلات نموه في العشرية الأولى من العهد، بمتوسط بلغ 4.9 في المئة سنويا بين 2000 و2007، قبل أن تتباطأ الوتيرة إلى 3.69 في المئة بين 2008 و2019 تحت وطأة الأزمة المالية العالمية، ثم تتلقى صدمة قاسية سنة 2020 حين انكمش الاقتصاد بنسبة 7.18 في المئة جراء جائحة كوفيد-19 وتوالي سنوات الجفاف.

    بيد أن المفاجأة جاءت في السنوات الأخيرة، حين استعاد الاقتصاد عافيته بقوة، محققا نموا بلغ 4.6 في المئة سنة 2025 حسب تقديرات البنك الدولي، في إشارة إلى أن المغرب ربما يكون قد طوى صفحة سنوات الجفاف المتتالية وبدأ يجني ثمار استثماراته الصناعية.

    حين يصبح المغرب وجهة للمستثمرين

    لم يكن هذا التوسع الاقتصادي ممكنا دون تحول جذري في نظرة المستثمرين الأجانب إلى المملكة، فقد قفزت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الصافية من 827 مليون دولار فقط سنة 1999 إلى رقم قياسي غير مسبوق بلغ 3.32 مليارات دولار سنة 2025، وهو رقم يعكسه أيضا مكتب الصرف الذي رصد مداخيل استثمار أجنبي إجمالية بلغت 56.05 مليار درهم سنة 2025، بقفزة قدرها 28 في المئة مقارنة بسنة 2024.

    هذه الثقة المتنامية انعكست مباشرة على حجم المبادلات التجارية للمملكة مع العالم، فصادرات السلع التي لم تكن تتجاوز 4.87 مليارات دولار سنة 1999 بلغت 43.72 مليار دولار سنة 2025، أي تضاعفت تسع مرات، فيما تضخمت الواردات بالوتيرة نفسها تقريبا من 8.15 إلى 77.18 مليار دولار حسب البنك الدولي، ورغم أن هذا التوسع لم يُفلح بعد في سد الفجوة التجارية، التي بلغت 152.5 مليار درهم سنة 2025 بمعدل تغطية للواردات بالصادرات لم يتجاوز 82.6 في المئة، فحجم التبادل التجاري في حد ذاته يعكس اقتصادا بات أكثر اندماجا في السلاسل الصناعية العالمية.

    من الصفر إلى قائد إفريقيا في صناعة السيارات والطائرات

    لعل القصة الأكثر إثارة في هذه الحصيلة هي قصة نجاح قطاع صناعة السيارات، التي لم يكن لها وجود يُذكر في المغرب عند مطلع الألفية، ففي سنة 2004 فقط، لم يتجاوز إنتاج المركبات في المملكة 13 ألف وحدة سنويا وهو رقم هامشي بكل المقاييس، فيما اليوم، يخرج من المصانع المغربية أكثر من نصف مليون سيارة سنويا، بعدما بلغ الإنتاج رقما قياسيا وصل إلى 559.645 وحدة سنة 2024، قبل أن يستقر عند 501.965 وحدة سنة 2025.

    نقطة التحول الحاسمة جاءت مع افتتاح مصنع “رونو” العملاق بطنجة (مليوسة) سنة 2012، تلاه افتتاح مصنع “ستيلانتيس” (بيجو-سيتروين سابقا) بالقنيطرة سنة 2019، هذان المصنعان صدّرا معا 539.362 مركبة سنة 2024، ليحتل المغرب مرتبة الدولة الإفريقية الأولى في تصدير السيارات، مستحوذا على 58 في المئة من إجمالي الصادرات القارية ومتجاوزا جنوب إفريقيا، القوة الصناعية التاريخية في القارة.

    ولم يعد القطاع مجرد وحدات تجميع، إذ باتت صادراته تبلغ 157.59 مليار درهم سنة 2024، أي أكثر من ثلث صادرات السلع الوطنية بأكملها، ليتصدر بذلك قائمة القطاعات المصدّرة قبل الفوسفاط نفسه، أما الطموح المغربي فهو لا يتوقف عند هذا الحد، بطاقة إنتاجية حالية تبلغ 700 ألف وحدة سنويا، يسعى المسؤولون إلى رفعها إلى مليون سيارة في السنوات المقبلة.

    بالتوازي مع السيارات، نما قطاع صناعة الطيران من الصفر تقريبا إلى أن أصبح المغرب يُعرف اليوم بـ”القطب الإفريقي الأول” في هذا المجال الحساس والدقيق.

    القطاع الذي انطلق فعليا سنة 2001 مع تأسيس شركة “ماتيس” في شراكة بين عملاق الطيران الأمريكي بوينغ ومجموعة سافران والخطوط الملكية الجوية، لم يكن يضم آنذاك سوى نحو عشر شركات و300 موظف.

    أما اليوم، يوظف القطاع أكثر من 26 ألف شخص موزعين على نحو 150 شركة، بمعدل اندماج صناعي محلي بلغ 42 في المئة، وحقق صادرات بقيمة 29.09 مليار درهم سنة 2025، بعد ارتفاع تجاوز 14 في المئة سنة 2024.

    شمس الصحراء تضيء المزيج الطاقي

    في بلد يستورد جزءا كبيرا من احتياجاته من الطاقة الأحفورية، شكّل الرهان على الطاقات المتجددة أحد أكثر الخيارات الاستراتيجية جرأة خلال العهد الجديد، واليوم تشكل الطاقات النظيفة أكثر من 46 في المئة من المزيج الكهربائي الوطني، بطاقة مركبة بلغت 4851 ميغاواط في نهاية 2025، موزعة بين الريح (2452 ميغاواط) والشمس (1086 ميغاواط) والمياه (1306 ميغاواط)، أي ضعف ما كانت عليه القدرة المركبة سنة 2016 فقط.

    ويبقى مركب “نور” ورزازات، الذي دشّنه الملك شخصيا في فبراير 2016 باستثمار فاق 24 مليار درهم، رمزا لهذا الرهان بطاقة إنتاجية تبلغ 580 ميغاواط تكفي لتزويد نحو مليوني مغربي بالكهرباء، والهدف المعلن اليوم هو بلوغ 52 في المئة من المزيج الطاقي من مصادر متجددة بحلول 2030، أي موعد استضافة كأس العالم لكرة القدم.

    سياحة تكسر كل الأرقام القياسية

    في القطاع السياحي أيضا تروي الأرقام قصة نجاح لافتة، فقد انتقل عدد الزوار الوافدين على المغرب من 4.09 ملايين سنة 1999 إلى رقم تاريخي بلغ 19.8 مليون زائر سنة 2025، بارتفاع 14 في المئة مقارنة بسنة 2024 التي شهدت بدورها 17.4 مليون وافد.

    ولم تقتصر هذه الطفرة على عدد الزوار فحسب، بل امتدت إلى العائدات المالية التي بلغت 138.1 مليار درهم سنة 2025، أي أعلى بنسبة 75 في المئة مقارنة بمستويات ما قبل الجائحة سنة 2019، ما يمنح المغرب زخما إضافيا وهو يستعد لاستضافة تظاهرات رياضية كبرى، أبرزها كأس إفريقيا للأمم وكأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال.

    على الصعيد الاجتماعي، تحمل الحصيلة وجهين متناقضين، فمن جهة سجل معدل الفقر تراجعا لافتا من 15.3 في المئة ما بين 2000 و2001 إلى 3.9 في المئة فقط سنة 2022 وفق بيانات المندوبية السامية للتخطيط والبنك الدولي، كما تراجع الفقر متعدد الأبعاد من 11.9 في المئة سنة 2014 إلى 6.8 في المئة سنة 2024، رغم أن ثلاثة أرباع هؤلاء الفقراء لا يزالون يتركزون في العالم القروي.

    وارتقى المغرب في مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة من 0.528 نقطة سنة 2000 إلى 0.710 نقطة سنة 2023، ليدخل للمرة الأولى في تاريخه نادي الدول ذات “التنمية البشرية المرتفعة”، محتلا المرتبة 120 من أصل 193 دولة، وهو إنجاز توَّج به مسارا طويلا من الإصلاحات.

    الحماية الاجتماعية للجميع.. حلم يقترب من التحقق

    من أكبر الأوراش الاجتماعية التي طبعت السنوات الأخيرة من العهد الجديد، برز مشروع تعميم الحماية الاجتماعية الذي أطلقه الملك محمد السادس سنة 2021، واليوم، بات أكثر من 32 مليون مغربي؛ 88 في المئة من سكان المملكة، مستفيدين من التأمين الإجباري عن المرض، مقابل تغطية لم تكن تتجاوز 42 في المئة من السكان قبل انطلاق الإصلاح في واحد من أكبر أوراش العدالة الاجتماعية التي عرفتها المملكة في تاريخها الحديث.

    ولم يكن هذا التحول بلا كلفة مالية، فقد بلغ الدين العمومي للخزينة 67.2 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2025 (أي 1163 مليار درهم)، مع عجز في الميزانية بلغ 60.5 مليار درهم، ما يعادل 3.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، ويتوقع صندوق النقد الدولي أن تنخفض هذه النسبة تدريجيا إلى 60.5 في المائة بحلول أفق 2031، في ظل التزام الحكومة بمسار للتقشف المتدرج والإصلاح الضريبي.

    بنية تحتية غيّرت جغرافيا البلاد

    من الصعب الحديث عن حصيلة 27 سنة دون التوقف عند البنية التحتية التي أعادت رسم الخريطة الاقتصادية للمملكة، فميناء طنجة المتوسط، الذي دخل الخدمة سنة 2007، تحوّل خلال أقل من عقدين إلى أكبر ميناء للحاويات في إفريقيا وحوض المتوسط، بعدما عالج 11.1 مليون حاوية مكافئة سنة 2025 وحدها (بارتفاع 8.4 في المئة)، بطاقة استيعابية إجمالية تبلغ 9 ملايين حاوية موزعة على أربع محطات تربط 180 ميناء في 70 دولة حول العالم.

    وفي مجال النقل السككي، أصبح القطار فائق السرعة “البراق”، الذي يربط طنجة بالقنيطرة منذ سنة 2018 بكلفة بلغت 22.9 مليار درهم، رمزا للحداثة، بعدما نقل 5.6 مليون مسافر سنة 2025 وحدها، فيما انطلقت في أبريل 2025 أشغال توسعة الخط ليصل مراكش على مسافة 430 كيلومترا إضافيا بكلفة 53 مليار درهم، استعدادا لموسم رياضي حافل. أما شبكة الطرق السيارة، فقد توسعت من نحو 400 كيلومتر فقط سنة 1999 إلى ما يقارب 1800 كيلومتر اليوم، لتحتل المرتبة الثانية إفريقيا، مع هدف الوصول إلى 3000 كيلومتر بحلول 2030.

    وهذا التحول البنيوي انعكس بشكل مباشر على نظرة المؤسسات الدولية إلى مناخ الأعمال بالمملكة، فقد قفز ترتيب المغرب في مؤشر “ممارسة أنشطة الأعمال” التابع للبنك الدولي من المرتبة 128 من أصل 183 دولة سنة 2010 إلى المرتبة 53 من أصل 190 دولة سنة 2020، أي تقدم بواقع 75 مرتبة خلال عقد واحد فقط، ليواصل تقدمه في المؤشر الخلَف لسنة 2025 بنقطة 63.44 من أصل 100، محتلا المرتبة الثانية على المستويين الإفريقي والعربي .

    أي أفق اقتصادي بانتظار المغرب؟

    وفيما يستعد المغاربة للاحتفال بالذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش، تختلف توقعات المؤسسات الاقتصادية بخصوص وتيرة النمو المرتقبة لسنة 2026، إذ يتوقع صندوق النقد الدولي نموا بنسبة 4.4 في المئة بينما تراهن المندوبية السامية للتخطيط على 5.0 في المئة، في حين يذهب بنك المغرب إلى توقع أكثر تفاؤلا بلغ 5.6 في المئة، بينما يبقى البنك الدولي أكثر تحفظا بتوقع لا يتجاوز 4.2 في المائة.

    وهذا التباين في التقديرات، الذي يعكسه بشكل رئيسي عاملان أساسيان هما حجم المحصول الفلاحي المرتقب وحجم استثمارات البنية التحتية المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، يلخص في حد ذاته طبيعة التحدي الذي لا يزال الاقتصاد المغربي يواجهه، بما فيه اقتصاد أصبح أكثر تنوعا وصناعة من أي وقت مضى، لكنه لا يزال إلى حد بعيد رهين تقلبات الطبيعة والمناخ.

    سبعة وعشرون عاما بعد ذلك الخطاب الأول، يبدو المغرب اليوم بلدا مختلفا تماما، أكثر انفتاحا على العالم وأكثر تصنيعا، وأكثر ربطا ببنية تحتية حديثة.