من 46 إلى 182 مليار دولار.. كيف تضاعف الاقتصاد المغربي أربع مرات في 27 سنة؟

في 30 يوليوز 1999، حين ألقى الملك محمد السادس خطابه الأول من جامع فاس الكبير، كان المغرب اقتصادا هشا بالمقاييس الدولية بمعدل 46 مليار دولار فقط كناتج داخلي إجمالي، وبطالة تلامس 14 في المئة، وفقر يطال أكثر من مغربي واحد من كل سبعة.

سبعة وعشرون عاما بعد ذلك، تُعد المملكة اليوم أول مصدّر للسيارات في إفريقيا، وقطبا صناعيا للطيران، وموطنا لأكبر ميناء حاويات في القارة، وسوقا استقطبت رقما قياسيا من السياح تجاوز 19.8 مليون زائر سنة 2025.

وبين هذين المشهدين، تروي الأرقام الرسمية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومكتب الصرف المغربي حكاية تحول اقتصادي عميق، لكنها حكاية لم تخل من تفاوتات وتحديات اجتماعية لا تزال قائمة، أبرزها بطالة تقاوم كل محاولات الإصلاح، وفيما يستعد المغاربة للاحتفال بالذكرى 27 لعيد العرش، وضعت “AM+ MEDIA” محطات هذا التحول تحت المجهر.

اقتصاد تضاعف حجمه أربع مرات

الرقم الأكثر دلالة على حجم التحول هو الناتج الداخلي الإجمالي، فمن 46.27 مليار دولار سنة 1999 إلى 182.37 مليار دولار سنة 2025، أي ما يقارب أربعة أضعاف قيمته الأصلية خلال ثلاثة عقود، وقد ورافق هذا التوسع ارتفاع نصيب الفرد من الثروة الوطنية من 1635 إلى 4672 دولارا، ما يعني أن المغربي العادي يملك اليوم قدرة شرائية تقارب ثلاثة أضعاف ما كان يملكه جيل والديه عند مطلع الألفية.

لكن وتيرة هذا النمو لم تكن خطا مستقيما صاعدا، بل رحلة تخللتها فترات ازدهار وانكسار، فقد سجل الاقتصاد الوطني أعلى معدلات نموه في العشرية الأولى من العهد، بمتوسط بلغ 4.9 في المئة سنويا بين 2000 و2007، قبل أن تتباطأ الوتيرة إلى 3.69 في المئة بين 2008 و2019 تحت وطأة الأزمة المالية العالمية، ثم تتلقى صدمة قاسية سنة 2020 حين انكمش الاقتصاد بنسبة 7.18 في المئة جراء جائحة كوفيد-19 وتوالي سنوات الجفاف.

بيد أن المفاجأة جاءت في السنوات الأخيرة، حين استعاد الاقتصاد عافيته بقوة، محققا نموا بلغ 4.6 في المئة سنة 2025 حسب تقديرات البنك الدولي، في إشارة إلى أن المغرب ربما يكون قد طوى صفحة سنوات الجفاف المتتالية وبدأ يجني ثمار استثماراته الصناعية.

حين يصبح المغرب وجهة للمستثمرين

لم يكن هذا التوسع الاقتصادي ممكنا دون تحول جذري في نظرة المستثمرين الأجانب إلى المملكة، فقد قفزت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الصافية من 827 مليون دولار فقط سنة 1999 إلى رقم قياسي غير مسبوق بلغ 3.32 مليارات دولار سنة 2025، وهو رقم يعكسه أيضا مكتب الصرف الذي رصد مداخيل استثمار أجنبي إجمالية بلغت 56.05 مليار درهم سنة 2025، بقفزة قدرها 28 في المئة مقارنة بسنة 2024.

هذه الثقة المتنامية انعكست مباشرة على حجم المبادلات التجارية للمملكة مع العالم، فصادرات السلع التي لم تكن تتجاوز 4.87 مليارات دولار سنة 1999 بلغت 43.72 مليار دولار سنة 2025، أي تضاعفت تسع مرات، فيما تضخمت الواردات بالوتيرة نفسها تقريبا من 8.15 إلى 77.18 مليار دولار حسب البنك الدولي، ورغم أن هذا التوسع لم يُفلح بعد في سد الفجوة التجارية، التي بلغت 152.5 مليار درهم سنة 2025 بمعدل تغطية للواردات بالصادرات لم يتجاوز 82.6 في المئة، فحجم التبادل التجاري في حد ذاته يعكس اقتصادا بات أكثر اندماجا في السلاسل الصناعية العالمية.

من الصفر إلى قائد إفريقيا في صناعة السيارات والطائرات

لعل القصة الأكثر إثارة في هذه الحصيلة هي قصة نجاح قطاع صناعة السيارات، التي لم يكن لها وجود يُذكر في المغرب عند مطلع الألفية، ففي سنة 2004 فقط، لم يتجاوز إنتاج المركبات في المملكة 13 ألف وحدة سنويا وهو رقم هامشي بكل المقاييس، فيما اليوم، يخرج من المصانع المغربية أكثر من نصف مليون سيارة سنويا، بعدما بلغ الإنتاج رقما قياسيا وصل إلى 559.645 وحدة سنة 2024، قبل أن يستقر عند 501.965 وحدة سنة 2025.

نقطة التحول الحاسمة جاءت مع افتتاح مصنع “رونو” العملاق بطنجة (مليوسة) سنة 2012، تلاه افتتاح مصنع “ستيلانتيس” (بيجو-سيتروين سابقا) بالقنيطرة سنة 2019، هذان المصنعان صدّرا معا 539.362 مركبة سنة 2024، ليحتل المغرب مرتبة الدولة الإفريقية الأولى في تصدير السيارات، مستحوذا على 58 في المئة من إجمالي الصادرات القارية ومتجاوزا جنوب إفريقيا، القوة الصناعية التاريخية في القارة.

ولم يعد القطاع مجرد وحدات تجميع، إذ باتت صادراته تبلغ 157.59 مليار درهم سنة 2024، أي أكثر من ثلث صادرات السلع الوطنية بأكملها، ليتصدر بذلك قائمة القطاعات المصدّرة قبل الفوسفاط نفسه، أما الطموح المغربي فهو لا يتوقف عند هذا الحد، بطاقة إنتاجية حالية تبلغ 700 ألف وحدة سنويا، يسعى المسؤولون إلى رفعها إلى مليون سيارة في السنوات المقبلة.

بالتوازي مع السيارات، نما قطاع صناعة الطيران من الصفر تقريبا إلى أن أصبح المغرب يُعرف اليوم بـ”القطب الإفريقي الأول” في هذا المجال الحساس والدقيق.

القطاع الذي انطلق فعليا سنة 2001 مع تأسيس شركة “ماتيس” في شراكة بين عملاق الطيران الأمريكي بوينغ ومجموعة سافران والخطوط الملكية الجوية، لم يكن يضم آنذاك سوى نحو عشر شركات و300 موظف.

أما اليوم، يوظف القطاع أكثر من 26 ألف شخص موزعين على نحو 150 شركة، بمعدل اندماج صناعي محلي بلغ 42 في المئة، وحقق صادرات بقيمة 29.09 مليار درهم سنة 2025، بعد ارتفاع تجاوز 14 في المئة سنة 2024.

شمس الصحراء تضيء المزيج الطاقي

في بلد يستورد جزءا كبيرا من احتياجاته من الطاقة الأحفورية، شكّل الرهان على الطاقات المتجددة أحد أكثر الخيارات الاستراتيجية جرأة خلال العهد الجديد، واليوم تشكل الطاقات النظيفة أكثر من 46 في المئة من المزيج الكهربائي الوطني، بطاقة مركبة بلغت 4851 ميغاواط في نهاية 2025، موزعة بين الريح (2452 ميغاواط) والشمس (1086 ميغاواط) والمياه (1306 ميغاواط)، أي ضعف ما كانت عليه القدرة المركبة سنة 2016 فقط.

ويبقى مركب “نور” ورزازات، الذي دشّنه الملك شخصيا في فبراير 2016 باستثمار فاق 24 مليار درهم، رمزا لهذا الرهان بطاقة إنتاجية تبلغ 580 ميغاواط تكفي لتزويد نحو مليوني مغربي بالكهرباء، والهدف المعلن اليوم هو بلوغ 52 في المئة من المزيج الطاقي من مصادر متجددة بحلول 2030، أي موعد استضافة كأس العالم لكرة القدم.

سياحة تكسر كل الأرقام القياسية

في القطاع السياحي أيضا تروي الأرقام قصة نجاح لافتة، فقد انتقل عدد الزوار الوافدين على المغرب من 4.09 ملايين سنة 1999 إلى رقم تاريخي بلغ 19.8 مليون زائر سنة 2025، بارتفاع 14 في المئة مقارنة بسنة 2024 التي شهدت بدورها 17.4 مليون وافد.

ولم تقتصر هذه الطفرة على عدد الزوار فحسب، بل امتدت إلى العائدات المالية التي بلغت 138.1 مليار درهم سنة 2025، أي أعلى بنسبة 75 في المئة مقارنة بمستويات ما قبل الجائحة سنة 2019، ما يمنح المغرب زخما إضافيا وهو يستعد لاستضافة تظاهرات رياضية كبرى، أبرزها كأس إفريقيا للأمم وكأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال.

على الصعيد الاجتماعي، تحمل الحصيلة وجهين متناقضين، فمن جهة سجل معدل الفقر تراجعا لافتا من 15.3 في المئة ما بين 2000 و2001 إلى 3.9 في المئة فقط سنة 2022 وفق بيانات المندوبية السامية للتخطيط والبنك الدولي، كما تراجع الفقر متعدد الأبعاد من 11.9 في المئة سنة 2014 إلى 6.8 في المئة سنة 2024، رغم أن ثلاثة أرباع هؤلاء الفقراء لا يزالون يتركزون في العالم القروي.

وارتقى المغرب في مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة من 0.528 نقطة سنة 2000 إلى 0.710 نقطة سنة 2023، ليدخل للمرة الأولى في تاريخه نادي الدول ذات “التنمية البشرية المرتفعة”، محتلا المرتبة 120 من أصل 193 دولة، وهو إنجاز توَّج به مسارا طويلا من الإصلاحات.

الحماية الاجتماعية للجميع.. حلم يقترب من التحقق

من أكبر الأوراش الاجتماعية التي طبعت السنوات الأخيرة من العهد الجديد، برز مشروع تعميم الحماية الاجتماعية الذي أطلقه الملك محمد السادس سنة 2021، واليوم، بات أكثر من 32 مليون مغربي؛ 88 في المئة من سكان المملكة، مستفيدين من التأمين الإجباري عن المرض، مقابل تغطية لم تكن تتجاوز 42 في المئة من السكان قبل انطلاق الإصلاح في واحد من أكبر أوراش العدالة الاجتماعية التي عرفتها المملكة في تاريخها الحديث.

ولم يكن هذا التحول بلا كلفة مالية، فقد بلغ الدين العمومي للخزينة 67.2 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2025 (أي 1163 مليار درهم)، مع عجز في الميزانية بلغ 60.5 مليار درهم، ما يعادل 3.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، ويتوقع صندوق النقد الدولي أن تنخفض هذه النسبة تدريجيا إلى 60.5 في المائة بحلول أفق 2031، في ظل التزام الحكومة بمسار للتقشف المتدرج والإصلاح الضريبي.

بنية تحتية غيّرت جغرافيا البلاد

من الصعب الحديث عن حصيلة 27 سنة دون التوقف عند البنية التحتية التي أعادت رسم الخريطة الاقتصادية للمملكة، فميناء طنجة المتوسط، الذي دخل الخدمة سنة 2007، تحوّل خلال أقل من عقدين إلى أكبر ميناء للحاويات في إفريقيا وحوض المتوسط، بعدما عالج 11.1 مليون حاوية مكافئة سنة 2025 وحدها (بارتفاع 8.4 في المئة)، بطاقة استيعابية إجمالية تبلغ 9 ملايين حاوية موزعة على أربع محطات تربط 180 ميناء في 70 دولة حول العالم.

وفي مجال النقل السككي، أصبح القطار فائق السرعة “البراق”، الذي يربط طنجة بالقنيطرة منذ سنة 2018 بكلفة بلغت 22.9 مليار درهم، رمزا للحداثة، بعدما نقل 5.6 مليون مسافر سنة 2025 وحدها، فيما انطلقت في أبريل 2025 أشغال توسعة الخط ليصل مراكش على مسافة 430 كيلومترا إضافيا بكلفة 53 مليار درهم، استعدادا لموسم رياضي حافل. أما شبكة الطرق السيارة، فقد توسعت من نحو 400 كيلومتر فقط سنة 1999 إلى ما يقارب 1800 كيلومتر اليوم، لتحتل المرتبة الثانية إفريقيا، مع هدف الوصول إلى 3000 كيلومتر بحلول 2030.

وهذا التحول البنيوي انعكس بشكل مباشر على نظرة المؤسسات الدولية إلى مناخ الأعمال بالمملكة، فقد قفز ترتيب المغرب في مؤشر “ممارسة أنشطة الأعمال” التابع للبنك الدولي من المرتبة 128 من أصل 183 دولة سنة 2010 إلى المرتبة 53 من أصل 190 دولة سنة 2020، أي تقدم بواقع 75 مرتبة خلال عقد واحد فقط، ليواصل تقدمه في المؤشر الخلَف لسنة 2025 بنقطة 63.44 من أصل 100، محتلا المرتبة الثانية على المستويين الإفريقي والعربي .

أي أفق اقتصادي بانتظار المغرب؟

وفيما يستعد المغاربة للاحتفال بالذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش، تختلف توقعات المؤسسات الاقتصادية بخصوص وتيرة النمو المرتقبة لسنة 2026، إذ يتوقع صندوق النقد الدولي نموا بنسبة 4.4 في المئة بينما تراهن المندوبية السامية للتخطيط على 5.0 في المئة، في حين يذهب بنك المغرب إلى توقع أكثر تفاؤلا بلغ 5.6 في المئة، بينما يبقى البنك الدولي أكثر تحفظا بتوقع لا يتجاوز 4.2 في المائة.

وهذا التباين في التقديرات، الذي يعكسه بشكل رئيسي عاملان أساسيان هما حجم المحصول الفلاحي المرتقب وحجم استثمارات البنية التحتية المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، يلخص في حد ذاته طبيعة التحدي الذي لا يزال الاقتصاد المغربي يواجهه، بما فيه اقتصاد أصبح أكثر تنوعا وصناعة من أي وقت مضى، لكنه لا يزال إلى حد بعيد رهين تقلبات الطبيعة والمناخ.

سبعة وعشرون عاما بعد ذلك الخطاب الأول، يبدو المغرب اليوم بلدا مختلفا تماما، أكثر انفتاحا على العالم وأكثر تصنيعا، وأكثر ربطا ببنية تحتية حديثة.

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *