التصنيف: تحت المجهر

  • المغرب بعد حرب غزة.. دبلوماسية تعزز موقعها في هندسة الاستقرار

    المغرب بعد حرب غزة.. دبلوماسية تعزز موقعها في هندسة الاستقرار

    يشكل انضمام المغرب إلى قوة الاستقرار الدولية في قطاع غزة محطة جديدة في مسار الدبلوماسية المغربية، إذ يعكس توجها نحو توسيع أدوار المملكة في تدبير الأزمات، بالانتقال من الوساطة والدعم الإنساني إلى المساهمة في تنفيذ ترتيبات مرحلة ما بعد الحرب.

    ويأتي هذا الانخراط، امتدادا لنهج دبلوماسي راكمت من خلاله المملكة حضورا متناميا في تدبير الأزمات، مستندة إلى رصيد من الوساطة والدعم الإنساني والعلاقات المتوازنة مع مختلف الأطراف، مع الحفاظ على ثوابتها في دعم القضية الفلسطينية وتعزيز جهود السلم والاستقرار.

    أبعاد المشاركة في قوة الاستقرار الدولية

    شكل توقيع المغرب على الإطار القانوني المؤطر لمختلف الجوانب التقنية والعملياتية لمشاركته في قوة الاستقرار الدولية في غزة، انتقالا من مستوى الدعم السياسي والدبلوماسي إلى مستوى التنفيذ والحضور الميداني في ترتيبات ما بعد الحرب.

    وجرى توقيع الاتفاقية يوم 15 يوليوز 2026 بالرباط، خلال اجتماع حضره وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، والوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بإدارة الدفاع الوطني، عبد اللطيف لوديي، إلى جانب نيكولاي ملادينوف، المبعوث السامي لمجلس السلام إلى غزة، الذي ترأس وفدا ضم قائد قوة الاستقرار الدولية وعدداً من مسؤولي المجلس.

    وستساهم المملكة في قوة الاستقرار الدولية من خلال نشر ضباط كبار ضمن القيادة المشتركة للقوة، إلى جانب عناصر من الشرطة والدرك، وإقامة مستشفى ميداني عسكري، بما يعكس مشاركة تجمع بين البعدين الأمني والإنساني، وستسهم في حماية المدنيين، وتأمين إيصال المساعدات الإنسانية، ودعم جهود إعادة الإعمار، والمواكبة الأمنية للمرحلة الانتقالية، بما في ذلك المساهمة في تدريب وبناء قدرات أجهزة الشرطة الفلسطينية، تجسيدا لتشبث المغرب بقيم السلام والتعاون والتضامن الدولي، وحرصه على الإسهام في ترسيخ الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.

    وفي هذا السياق، أكد عبد الرزاق كواري، الخبير في القانون الدولي والعلاقات الدولية، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن الحديث عن انضمام المغرب إلى قوة الاستقرار الدولية في غزة لا يُعد تحولا جديدا في سياسته الخارجية، بل يندرج في إطار انخراط تاريخي للمملكة في دعم السلم وترجيح كفة الحوار والتسوية السلمية في حل النزاعات.

    وأضاف المتحدث أن دور المغرب في القضية الفلسطينية لم يكن يوما دورا تقليديا أو جامدا، بل ظل يتطور بتطورات الأزمة، مبرزا أن المملكة تعد من أكثر الدول حضورا في المنطقة من خلال الأطقم الطبية والمستشفيات الميدانية، فضلا عن نجاحها في إيصال المساعدات الإنسانية مباشرة إلى قطاع غزة خلال ذروة الحصار، معتبرا أن هذه الاستباقية تعكس إرادة ملكية متواصلة للإسهام في تحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.

    رصيد دبلوماسي وإنساني

    لم يكن انخراط المغرب في قوة الاستقرار الدولية في غزة معزولا عن مساره الدبلوماسي، بل استند إلى رصيد سياسي وإنساني راكمته المملكة على مدى عقود في دعم القضية الفلسطينية، وهو ما جعلها تحظى بثقة مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، إذ ظل المغرب يؤكد، في مختلف المحافل الدولية، تمسكه بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على أساس حل الدولتين، بالتوازي مع انخراطه العملي في دعم الفلسطينيين عبر مبادرات إنسانية وتنموية متواصلة.

    ويبرز هذا الرصيد من خلال الدور الذي يضطلع به الملك محمد السادس بصفته رئيسا للجنة القدس، حيث يواصل الإشراف على دعم صمود الفلسطينيين، لاسيما بمدينة القدس، عبر وكالة بيت مال القدس الشريف، التي تنفذ مشاريع اجتماعية وصحية وتعليمية وإسكانية لفائدة المقدسيين، بما يعكس استمرارية الالتزام المغربي بالقضية الفلسطينية، سواء خلال فترات النزاع أو في مرحلة إعادة الإعمار.

    وعزز المغرب حضوره الإنساني خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة، إذ أعطى الملك محمد السادس، في 24 يونيو 2024، تعليماته بإطلاق عملية إنسانية مكنت المغرب من إيصال 40 طنا من المساعدات الطبية إلى قطاع غزة عبر مسار بري مباشر وغير مسبوق، انطلاقا من معبر كرم أبو سالم، في خطوة عكست حرص المملكة على ضمان وصول المساعدات الإنسانية مباشرة إلى سكان القطاع رغم الظروف الأمنية المعقدة.

    واستمرت المملكة في هذا الانخراط خلال سنة 2025، بإرسال نحو 295 طنا من المساعدات الإنسانية، شملت مواد غذائية وأدوية ومستلزمات أساسية لفائدة الأسر النازحة في قطاع غزة.

    وفي هذا الصدد، قال المحلل السياسي وأستاذ القانون العام، العباس الوردي، في تصريح لجريدة “AM+MEDIA”، إن الموقف المغربي الداعم للقضية الفلسطينية، يندرج في إطار الانخراط المغربي المتواصل في دعم الشعب الفلسطيني، من خلال مواكبة مشاريع إعادة الإعمار وإقامة البنيات الاجتماعية والتنموية داخل الأراضي الفلسطينية.

    وأشار إلى أن هذا الدعم يمتد إلى تمويل عدد من المشاريع عبر وكالة بيت مال القدس الشريف، تحت الإشراف المباشر للملك محمد السادس بصفته رئيسا للجنة القدس، ما يعكس استمرارية الالتزام المغربي بالقضية الفلسطينية، سواء خلال فترات النزاع أو في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب وإعادة الإعمار.

    من جانبه، أوضح عبد الرزاق كواري أن المغرب يلعب دور الوسيط النشيط في القضية الفلسطينية، من خلال إطلاق عدد من المبادرات الرامية إلى دعم عملية السلام، سواء عبر المساهمة في جهود إعادة إعمار غزة، أو من خلال الدعم المعنوي والمادي الذي توفره لجنة القدس، الذي يعد المغرب من أبرز مؤسسيها، ويترأسها جلالة الملك محمد السادس.

    وأضاف أن المغرب ساهم فعليا في احتضان الحوار بين مختلف الأطراف، وسعى بشكل متواصل إلى احتواء الأزمة والدفع نحو تحقيق السلام والأمن في المنطقة.

    ومن ثم، فإن المغرب يلعب دورا مهما في تخفيف التوترات المرتبطة بأمن الأماكن المقدسة في القدس أو في المساهمة في احتواء الأزمات الدبلوماسية بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، بما عزز صورته كفاعل معتدل يسعى إلى ترسيخ السلم والاستقرار في المنطقة.

    من الوساطة إلى التنفيذ

    لا يمثل انضمام المغرب إلى قوة الاستقرار الدولية في غزة تحولا مفاجئا في سياسته الخارجية، بقدر ما يعكس امتدادا لمسار دبلوماسي راكمت خلاله المملكة خبرة في تدبير الأزمات والمساهمة في جهود تعزيز السلم والاستقرار.

    منذ سنوات، اعتمد المغرب دبلوماسية تقوم على الحوار وتغليب الحلول السلمية، مستفيدا من شبكة علاقاته المتوازنة مع مختلف الأطراف، وهو ما مكنه من الاضطلاع بأدوار وساطة في عدد من الملفات الإقليمية والدولية.

    وفي هذا الصدد، أكد الوردي أن المغرب اكتسب عبر تجربته في تدبير الأزمات وتقديم الحلول، مكانة جعلته فاعلا موثوقا في تسوية المنازعات الدولية، من خلال تبنيه الحلول السلمية ومواكبته المستمرة للجهود الدولية تحت مظلة الشرعية الدولية والأمم المتحدة ومجلس الأمن، بما يكرس السلم والأمن على المستويات الإقليمي والقاري والدولي، معتبرا أن هذا الدور يحظى بتقدير من مختلف القوى الدولية والإقليمية، بفضل ما راكمته الدبلوماسية المغربية من مصداقية وحضور داخل المحافل الدولية.

    وتبرز هذه الخبرة من خلال عدد من المحطات، من بينها احتضان المملكة للاتفاق السياسي الليبي سنة 2015، المعروف باتفاق الصخيرات، الذي شكل إحدى أبرز محطات الحوار بين الأطراف الليبية برعاية الأمم المتحدة، كما قاد الملك محمد السادس، في دجنبر 2024، وساطة لدى رئيس جمهورية بوركينافاسو إبراهيم تراوري، أفضت إلى إطلاق سراح أربعة مواطنين فرنسيين كانوا محتجزين في واغادوغو، منذ دجنبر 2023، وذلك استجابة لطلب الملك.

    وأبرزت هذه المبادرة الإنسانية قدرة المغرب على توظيف علاقاته الثنائية لخدمة الجهود الإنسانية والإسهام في تسوية الأزمات عبر الحوار والوساطة.

    وتعكس هذه التجارب انتقالا تدريجيا في أدوار الدبلوماسية المغربية، من توفير فضاءات الحوار وتقريب وجهات النظر، إلى الانخراط العملي في تنفيذ ترتيبات الاستقرار والمساهمة في تدبير مرحلة ما بعد الأزمات، وهو ما تجسده اليوم مشاركته في قوة الاستقرار الدولية في غزة، باعتبارها خطوة تعزز حضور المملكة كفاعل في تنفيذ مسارات السلام.

    معادلة التوازن في السياسة الخارجية المغربية

    يحرص المغرب على توطيد علاقاته وشراكاته مع مختلف الفاعلين الدوليين، دون أن يمس ذلك بموقفه الثابت تجاه القضية الفلسطينية، انطلاقا من قناعته بأن التسوية السياسية لهذا النزاع تظل رهينة بوقف العنف، وتكثيف الجهود الدولية، واعتماد الحوار باعتباره المدخل الأساسي لتحقيق سلام عادل ودائم.

    ومنذ أن أعلن المغرب، في دجنبر 2020، عن استئناف العلاقات الدبلوماسية الثنائية مع إسرائيل، وإعادة فتح مكتبي الاتصال في كل من الرباط وتل أبيب، في إطار الإعلان الثلاثي بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل، حافظت المملكة على تأكيدها أن هذه الخطوة لا تمس بموقفها الثابت الداعم للقضية الفلسطينية، ولا بسياساتها القائمة على حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.

    كما تعززت الشراكة الاستراتيجية بين المغرب والولايات المتحدة، خاصة عقب اعتراف واشنطن، في 10 دجنبر 2020، بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وهو ما فتح آفاقا جديدة للتعاون السياسي والأمني والاقتصادي بين البلدين، غير أن هذا التقارب لم يمنع استمرار المملكة في الدفاع عن القضية الفلسطينية داخل مختلف المحافل الدولية، والدعوة إلى وقف إطلاق النار، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، والتشبث بحل الدولتين باعتباره الإطار الأمثل لتسوية النزاع.

    وفي هذا الصدد، أكد عبد الرزاق كواري أن وساطة المغرب في القضية الفلسطينية ومشاركته في قوة الاستقرار الدولية لن تؤثرا على علاقاته الاستراتيجية مع مختلف أطراف النزاع، بل قد يشكل ذلك عاملا إيجابيا في مسار تسوية الأزمة.

    وأوضح أن المملكة ستعمل على توظيف سمعتها الدبلوماسية وعلاقات الاحترام والتقدير التي تجمعها بالولايات المتحدة وإسرائيل، من أجل الإسهام في تحقيق السلم والاستقرار الذي تتطلع إليه منطقة الشرق الأوسط والعالم.

    وأضاف كواري أن الثقة التي تحظى بها المملكة لدى مختلف الأطراف، إلى جانب مصداقيتها، يمكن أن تسهم في تسهيل جهود إعادة الإعمار وبناء المنطقة في إطار من التوافق بين الأطراف المعنية.

    ويعكس هذا النهج حرص الدبلوماسية المغربية على تحقيق توازن بين متطلبات الشراكات الاستراتيجية ومقتضيات ثوابتها الدبلوماسية، بما يسمح للمملكة بالحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف، مع الاستمرار في الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، والمساهمة في جهود السلام والاستقرار في المنطقة.

    ومن هذا المنطلق، تشكل مشاركة المغرب في قوة الاستقرار الدولية في غزة امتدادا لمسار دبلوماسي راكمت خلاله المملكة خبرة في الوساطة والعمل الإنساني ودعم جهود السلم والاستقرار، أكثر مما تمثل تحولا في ثوابتها الدبلوماسية، لأن المغرب، الذي ظل حاضرا في القضية الفلسطينية من خلال رئاسة الملك محمد السادس للجنة القدس، والإشراف على وكالة بيت مال القدس الشريف، وتقديم المساعدات الإنسانية، أصبح اليوم يوسع نطاق حضوره ليشمل المساهمة في تنفيذ ترتيبات مرحلة ما بعد انتهاء الحرب.

  • قانون جديد يعيد ترتيب سوق التجزئات لكسر دوامة التعثر

    قانون جديد يعيد ترتيب سوق التجزئات لكسر دوامة التعثر

                           

    ظلت لسنوات مشاريع عقارية عالقة بين الأشغال التي لم تستكمل، والتجهيزات التي تأخرت، والمساطر التي لم تجد طريقها إلى الحسم، وفي كل مرة يتعثر فيها مشروع من هذا النوع، لا يتوقف الاستثمار وحده، بل تتأخر معه مساكن يفترض أن تستقبل سكانا، وطرق وشبكات تنتظر الاستكمال، ومرافق عمومية مرتبطة بتوسع عمراني يفترض أن يتم في إطار منظم.

    ومع مرور الوقت، تحولت هذه الوضعيات إلى واحدة من أكثر النقاط تعقيدا في تدبير المجال العمراني، بما لها من كلفة على المستثمرين والجماعات والسكان على حد سواء.

    هذا التراكم هو ما أعاد إلى الواجهة الحاجة إلى مراجعة الإطار القانوني المنظم للتجزئات العقارية، الذي يعود في صيغته الأساسية إلى سنة 1992.

    وبعد سنوات من النقاش حول سبل معالجة المشاريع المتعثرة وتجاوز الاختلالات التي أفرزتها الممارسة، جاء مشروع القانون رقم 34.21، القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات وعمليات التهيئة الكبرى ذات النفع العام، حاملا تعديلات تروم إعادة ترتيب عدد من القواعد المرتبطة بالتجزئات والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات، مع توسيع نطاق النص ليشمل أيضا عمليات التهيئة الكبرى ذات النفع العام.

    وصادق مجلس النواب على المشروع القانون في 8 يونيو 2026، بموافقة 120 نائبا وامتناع 50، قبل أن يصادق عليه مجلس المستشارين بالإجماع في 30 يونيو، ليقترب هذا الورش من نهايته التشريعية بعد سنوات من التعثر الذي طبع عددا من الملفات المرتبطة بالتجزئات العقارية.

    ويأتي القانون في إطار تفعيل توصيات الحوار الوطني حول التعمير والإسكان الذي أطلقته فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في شتنبر 2022، وذلك بالنظر للدور الذي تلعبه مشاريع التجزئات العقارية في تأطير نمو المجالات العمرانية، وتشجيع مختلف الأنشطة الاقتصادية وإنتاج عرض سكني ومرافق عمومية.

    قانون يعود إلى واقع عمراني مختلف

    صدر القانون رقم 25.90 سنة 1992 في سياق كانت فيه مشاريع التجزئة أقل حجماً وتعقيداً، قبل أن تتوسع المدن وتتزايد حاجيات السكن والمرافق وتتعدد المؤسسات المتدخلة في الترخيص والتجهيز والتسلم.

    وأظهرت الممارسة بعد أكثر من ثلاثة عقود أن القواعد نفسها لا يمكن أن تطبق بالكفاءة ذاتها على تجزئة محدودة المساحة ومشروع يمتد على مئات الهكتارات.

    وكان أجل الإذن من أبرز مصادر الإشكال، فالمشروع قد يظل قانونياً مرتبطاً بمدة محددة، رغم أن إنجازه يتوقف على مراحل تقنية وتمويلية وعلى تدخل الجماعات والوكالات الحضرية والمحافظة العقارية والجهات المكلفة بشبكات الماء والكهرباء والتطهير؛ وعند انتهاء الأجل قبل استكمال الأشغال، يصبح المشروع معرضاً للتوقف أو لإعادة ترتيب وضعيته القانونية، حتى عندما يكون التأخير ناتجاً عن أسباب لا يتحكم فيها صاحبه.

    لذلك، لا يقدم القانون الجديد رقم 34.21 تمديداً شكلياً للرخص، بل يغير طريقة احتساب الزمن المخصص للمشروع، بعدما اعتبر أن حجم العملية وطبيعتها يجب أن يدخلا في تحديد أجل إنجازها.

    آجال ترتبط بحجم المشروع

    اعتمد النص آجالاً جديدة ومتدرجة بحسب مساحة التجزئة، تبدأ من ثلاث سنوات بالنسبة إلى المشاريع الصغيرة، وترتفع تدريجياً لتصل إلى 15 سنة عندما تتجاوز مساحة المشروع 400 هكتار.

    ويمنح هذا التدرج صاحب المشروع قدرة أكبر على برمجة الأشغال والتمويل، بدل إخضاع جميع العمليات لأجل لا يراعي تفاوت أحجامها وتعقيدها.

    ولا يعني ذلك منح المستثمر مهلة مفتوحة، بل الانتقال من أجل موحد إلى أجل يفترض أن يكون متناسباً مع المشروع، لأن التجزئة الكبرى تحتاج إلى إنجاز الطرق والشبكات والمرافق على مراحل، وقد ترتبط بموافقات متعددة يصعب استكمالها خلال المدة نفسها التي يحتاج إليها مشروع صغير.

    كما يسمح القانون بإيقاف سريان أجل الإذن إذا توقفت أشغال التجهيز اضطرارياً بسبب ظروف خارجة عن إرادة صاحب المشروع، بمعنى أنه عندما يثبت وجود عائق قهري، تتوقف “الساعة القانونية” إلى حين زواله، بدلاً من استمرار احتساب أجل لا يستطيع المستثمر خلاله مواصلة الأشغال.

    ويمثل هذا المقتضى انتقالاً من التعامل مع كل تأخير باعتباره تقاعساً، إلى التمييز بين المشروع الذي يتوقف بسبب صاحبه والمشروع الذي تعرقله ظروف خارجية.

    وفي هذا السياق، يرى المنعش العقاري عمر رحال أن القانون الجديد رقم 34.21 جاء لمعالجة عدد من الإشكالات التي ظل القطاع يواجهها لسنوات، خاصة تلك المرتبطة بآجال إنجاز المشاريع وسقوط الرخص قبل استكمال الأشغال.

    ويؤكد رحال في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن المشاريع الكبرى تحتاج بطبيعتها إلى مراحل متعددة تشمل الدراسات والتجهيز والتمويل، ما يجعل اعتماد آجال متدرجة بحسب حجم المشروع، مع إمكانية توقيف سريانها في الحالات الخارجة عن إرادة المستثمر، من بين أهم المستجدات التي يمكن أن تحد من التعثر المرتبط بالجوانب القانونية والإدارية أكثر من ارتباطه بالجوانب التقنية.

    هل ينهي القانون تعثر التجزئات؟

    يعالج النص بصورة مباشرة أسباباً قانونية ظلت تضع مشاريع أمام خطر فقدان الإذن، كما يفتح، بصفة استثنائية، إمكانية منح أجل إضافي لبعض التجزئات التي سقطت أذونها، تحدده لجنة تقنية بغرض استكمال أشغال التجهيز.

    وهذا يعني أن الإصلاح يمكنه إنقاذ مشاريع لم تتوقف بسبب غياب الأرض أو الطلب، بل بسبب انتهاء الأجل أو تعقد الوضعية الإدارية، وسيكون فتح المجال أمام استكمالها بمثابة تحرير لاستثمارات مجمدة وتسريع لدخول بقع ومساكن وتجهيزات جديدة إلى المجال العمراني.

    نقل المرافق وحسم الوضعية القانونية

    من المستجدات المهمة أيضا في القانون الجديد النقل التلقائي والمجاني إلى الملك العام للجماعة للطرق والشبكات والمساحات غير المبنية المغروسة، بعد التسلم المؤقت لأشغال التجهيز.

    ويهدف هذا المقتضى إلى إنهاء وضعيات كانت فيها مرافق مستعملة من السكان من دون أن تُحسم سرعة إدماجها في الملك العام للجماعة.

    ويساعد النقل التلقائي الجماعة على تولي تدبير هذه المرافق وصيانتها داخل إطار قانوني واضح، لكنه يضعها أيضاً أمام مسؤولية مالية وتقنية أكبر.

    وفي مقابل منح القانون مرونة أكبر في الإنجاز، إذ يقوي مسؤولية المجزئ عن جودة الأشغال؛ فإذا ظهرت عيوب خلال السنة الموالية للتسلم المؤقت، وامتنع صاحب التجزئة عن إصلاحها، يمكن لرئيس مجلس الجماعة تحصيل المصاريف المرتبطة بالإصلاح، كما أن هذا المقتضى يمنع نقل كلفة العيوب مباشرة إلى الجماعة أو السكان، ويجعل التبسيط الإداري مقروناً بالمسؤولية عن جودة التجهيز.

    مناخ الاستثمار.. تقليص المخاطر

    يحمل القانون رقم 34.21 رسالة إيجابية للمستثمر، لأنه يمنحه رؤية أوضح حول مدة الإذن ومآل المشروع عند حدوث توقف اضطراري، ويقدم حلولاً لاستكمال بعض العمليات بدل سقوطها نهائياً.

    ويتقاطع هذا الإصلاح مع توجه أوسع لتبسيط الإجراءات وتحسين مناخ الاستثمار الذي يشهده المغرب في السنوات الأخيرة، ومع الحاجة إلى تسريع إنتاج السكن والتجهيزات في ظل توسع المدن والأوراش العمرانية الكبرى.

    ويرى المنعش العقاري عمر رحال أن أهمية هذا الإصلاح لا تكمن فقط في المقتضيات الجديدة التي جاء بها، وإنما في كيفية تنزيلها على أرض الواقع، موضحا أن نجاح القانون سيظل رهينا بتبسيط المساطر، وتسريع معالجة الملفات، وتحسين التنسيق بين مختلف الإدارات المتدخلة.

    وأضاف أن تحقيق هذه الشروط من شأنه أن يعزز ثقة المستثمرين، ويخفض جزءاً من المخاطر المرتبطة بالتأخير الإداري، ويساهم في تسريع إنجاز المشاريع وتوفير عرض عقاري وسكني أكبر، بما ينعكس إيجاباً على دينامية الاستثمار في القطاع.

    التهيئة الكبرى والبعد الاجتماعي

    ويشكل توسيع النص ليشمل عمليات التهيئة الكبرى ذات النفع العام ما يمنحه وظيفة تتجاوز التجزئات التجارية التقليدية، كما يؤطر الإنجاز التدريجي لأشغال التجهيز في عمليات تنجزها الدولة أو الجماعات الترابية أو المؤسسات والمقاولات العمومية، خصوصاً لإعادة إسكان ضحايا الكوارث الطبيعية، ومحاربة السكن غير اللائق، أو تنفيذ مشاريع للمنفعة العامة.

    وتتيح هذه المرونة التدخل بسرعة في الحالات الاجتماعية والاستعجالية، من دون اشتراط استكمال جميع مراحل المشروع دفعة واحدة.

    وفي قراءته لمستقبل هذا الإصلاح، يؤكد عمر رحال أن القانون يمثل خطوة مهمة نحو تحديث الإطار القانوني المنظم للتجزئات العقارية، لكنه يشدد على أن الأثر الحقيقي سيقاس بمدى انعكاسه على أرض الواقع.

    وأوضح المتحدث ذاته أن المستثمر لا يبحث فقط عن نصوص قانونية جديدة، بل عن مساطر واضحة، وآجال معقولة، وقرارات إدارية منسجمة، معتبراً أن نجاح هذا الورش رهين بتعبئة جميع المتدخلين، من جماعات ترابية ووكالات حضرية وإدارات معنية، لضمان تنزيل المقتضيات الجديدة بالنجاعة والسرعة المطلوبتين.

    وأضاف أن تحقيق هذا التكامل من شأنه أن يرفع ثقة المستثمرين، ويقلص المشاريع المتعثرة، ويساهم في تطوير عرض عمراني أكثر تنظيماً واستجابة لحاجيات التنمية.

  • قانون المحاماة.. لماذا أثار الجدل وكيف سيُغير حياة المواطن داخل المحاكم؟

    قانون المحاماة.. لماذا أثار الجدل وكيف سيُغير حياة المواطن داخل المحاكم؟

    أثار قانون مهنة المحاماة واحدا من أكثر النقاشات القانونية والمهنية حدة، بعدما تجاوز الخلاف تفاصيل الصياغة والاختصاصات لأسئلة أعمق حول ما إذا كان أصحاب البذلة السوداء يخشون اتساع الرقابة والمحاسبة  دفاعا عن مصالح خاصة، وهل حقا الحكومة تسعى إلى حماية المصلحة العامة وتخليق المهنة، أم تستخدم هذا العنوان لتوسيع تدخل السلطة التنفيذية في مؤسسة يفترض أن تظل مستقلة.

    وبين الموقفين، يقف المواطن المتقاضي في قلب الجدل، حتى وإن ظل بعيدا عن النقاش، إذ تقدم الحكومة، من خلال وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، القانون باعتباره إصلاحا يرمي إلى حماية أموال الموكلين، وضبط الولوج إلى المهنة، ورفع جودة التكوين، وتعزيز الشفافية والمساءلة، مقابل موقف رافض من المحامون، الذين يرون أن بعض مقتضياته لا تكتفي بتنظيم المهنة، بل تمس استقلالها وحرية الدفاع والسر المهني.

    وعلى هذا الأساس، تحول قانون المحاماة إلى مواجهة تتداخل فيها رهانات الإصلاح مع صراع الصلاحيات، ومطالب التخليق مع هواجس الوصاية، وحقوق المحامين مع مصالح المتقاضين، قبل أن يصادق عليه البرلمان بغرفتيه بعد إدخال بعض التعديلات على قوانينه.

    وبعد مسار جدلي طبعه الأخذ والرد واحتجاجات المحامين والإضرابات، انتقل قانون مهنة المحاماة من ساحة المواجهة السياسية والمهنية إلى المحكمة الدستورية، التي ستحسم في مدى توافق مقتضياته مع الدستور، ليصبح النقاش متعلقا بسلامة النص وحدود ما يتيحه الدستور لكل طرف.

    المحامي شريك في تحقيق العدالة

    وتكشف المقتضيات الجديدة المنظمة لمهنة المحاماة عن تحول يراد منه أن تصبح العلاقة بين المحامي وموكله أكثر وضوحا وأمانا وخضوعا للمحاسبة.

    ولم يكتف القانون رقم 28.08 المنظم لمهنة المحاماة، بإعادة ترتيب المهنة من الداخل، بل جاء بجملة من المستجدات التي يفترض أن تنعكس مباشرة على المتقاضين، بدءا من حماية أموالهم وملفاتهم، مرورا بتنظيم الأتعاب والمساعدة القضائية، ووصولا إلى ضمان استمرارية الدفاع ومواجهة السمسرة وانتحال صفة المحامي.

    وفي هذا السياق، لم يعد القانون يعرف المحامي باعتباره مجرد مساعد للقضاء، بل عرفته المادة الأولى بأنه مساهم في تحقيق العدالة وجزء من أسرة القضاء.

    فالمحامي بهذ المعنى لم يعد وسيطا إداريا بين المواطن والمحكمة، ولا تُختزل مهمته في تحرير مقال أو حضور جلسة، بل أصبح طرفا أساسيا في حماية الحقوق، وتوضيح الوقائع، ومراقبة سلامة الإجراءات، وضمان أن يجد صوت المواطن طريقه إلى القضاء.

    غير أن هذه المكانة التي منحها القانون لـ”أصحاب البذلة السوداء” تقابلها مسؤولية أكبر؛ فإذا كان المحامي مساهما في العدالة، فإن سلوكه المهني، وطريقة تدبيره للملفات والأموال، وعلاقته بموكليه، تصبح جميعها جزءا من الثقة العامة في العدالة نفسها.

    الصلح قبل أبواب المحاكم

    من بين المستجدات التي تلامس حياة المواطنين مباشرة تخويل المحامي إمكانية العمل على فض النزاع عن طريق الصلح أو الوسائل البديلة قبل اللجوء إلى القضاء، انطلاقا من مبدأ أن كل نزاع ليس في حاجة إلى سنوات من الجلسات والمذكرات والطعون، إذا كانت هناك إمكانية اتفاق متوازن يحفظ حقوق الطرفين.

    وتنص المادة 43 من قانون المحاماة على أن يحث المحامي موكله على فض النزاع عن طريق الصلح أو بواسطة الطرق البديلة الأخرى قبل اللجوء إلى القضاء.

    بالنسبة إلى المواطن، يعني هذا المقتضى، في حال سلوكه، اقتصادا في الوقت والمصاريف، وتقليلا للضغط النفسي المصاحب للمحاكم، كما قد يسمح بحماية العلاقات الإنسانية والتجارية التي يصعب إصلاحها بعد نزاع قضائي طويل.

    ويراهن المشرع من خلال هذا المستجد على تحول الصلح إلى ممارسة فعلية، لا مجرد احتمال وارد في النص، كون المواطن يحتاج إلى محام ينصحه أحيانا بعدم رفع الدعوى، بالقدر نفسه الذي يحتاج فيه إلى محام يترافع عنه إذا أصبح القضاء ضروريا.

    ضوابط جديدة لشفافية أكبر لأموال الموكلين

    وتعد أكثر المقتضيات أهمية بالنسبة إلى المتقاضين، والأكثر جدلا بالنسبة للمحامين، تلك المتعلقة بالأموال التي يتسلمها المحامي في إطار عمله.

    فالقانون أصبح يلزم، بموجب المواد من 54 إلى 57، المحامي بألا يتسلم نقودا أو سندات أو قيما إلا مقابل وصل مرقم، يتضمن اسم المحامي، واسم صاحب الأداء، وسببه، وتاريخه، وكيفية دفعه، وهي تفاصيل تلعب دورا فاصلا عند وقوع خلاف، كونها تحمي المواطن من الإنكار أو الغموض، وتحدد بدقة مقدار ما دفعه وسبب الأداء والجهة التي تسلمته.

    وإلى جانب ذلك، ألزم القانون المحامي بمسك دفتر يومي تسجل فيه المداخيل والمصاريف والودائع، وبفتح حساب خاص بملف كل موكل، مع منح النقيب صلاحية فحص هذه الحسابات والتحقق من وضعية الودائع مرة واحدة سنويا على الأقل، وكلما دعت الحاجة إلى ذلك.

    من بين المستجدات أيضا إحداث حساب للودائع والأداءات على مستوى كل هيئة للمحامين، تودع فيه وجوبا المبالغ المسلمة إلى المحامين على سبيل الوديعة، وتمر عبره الأداءات المهنية المنجزة لفائدة الموكلين أو الغير.

    وقد ذهب القانون أبعد من ذلك، عندما قرر أن الأداء المخالف لهذه القواعد لا تكون له قوة إبرائية، مع إمكان ترتيب المسؤولية عن المبالغ المستحقة، أي أن المشرع استهدف بناء مسار مالي قابل للتتبع، والحد من النزاعات والشكايات المتعلقة بالودائع، والتي تعد أكثر الملفات حساسية لأنها تمس الثقة في العلاقة بين المحامي وموكله.

    من الاتفاق الغامض حول الأتعاب إلى الطعون

    ووضع القانون قواعد أكثر وضوحا في باب الاتفاق حول الأتعاب، وجعلها محل اتفاق بين الطرفين، مع منع الاتفاق المسبق الذي يمنح المحامي حصة من نتيجة القضية، بهدف ألا تتحول العدالة إلى مضاربة، والحؤول دون أن يصبح المحامي صاحب مصلحة شخصية مباشرة في المال أو الحق المتنازع عليه.

    وتنص المادة 45 على أن لا يجوز للمحامي أن يتفق مسبقا مع موكله على الأتعاب المستحقة عن أي قضية، ارتباطا بالنتيجة التي يقع التوصل إليها، كما حظرت أن يقتني المحامي، بطريق التفويت، حقوقا متنازعا فيها قضائيا، أو أن يستفيد هو أو زوجه أو فروعه بأي وجه كان، من القضايا التي يتولى الدفاع بشأنها.

    وعند نشوء خلاف بشأن الأتعاب، يختص النقيب بالنظر في النزاع، ويحق للمحامي والموكل الطعن في القرار أمام الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف داخل الأجل القانوني.

    ونظم القانون مسألة الاحتفاظ بملف القضية عند انتهاء مهمة المحامي، فالملف ليس وسيلة ضغط مطلقة في مواجهة الموكل، والقرار المتعلق بالاحتفاظ به يخضع بدوره للضوابط وإمكانية الطعن، حتى لا يظل المواطن عالقا بين حاجته إلى وثائقه واعتراضه على مبلغ الأتعاب.

    وبهذا الصدد، نصت المادة 49 على أنه لا يحق للمحامي أن يحتفظ بالملف المسلم إليه من طرف موكله، ولو في حالة عدم أداء ما وجب له من المصروفات والأتعاب، ما لم يرخص له النقيب ذلك، بمقتضى قرار خاص اعتمادا على ما يدلي به من مبررات.

    المحامي قبل النزاع وأثناءه وبعده

    وسع القانون، في المادة 30، مجال الخدمات التي يمكن للمحامي تقديمها، فبدل الاقتصار على المرافعة أمام المحكمة، أصبحت تشمل تمثيل المواطن أمام الإدارات، وتقديم الاستشارات، وإعداد الدراسات القانونية، وتحرير العقود، ومباشرة الإجراءات غير القضائية، والحصول على الوثائق، وتتبع تنفيذ الأحكام والاتفاقات.

    وراهن المشرع في هذا المقتضى على مبدأ “الوقاية خير من العلاج”، إذ إن استشارة المحامي قبل توقيع عقد قد تكون أقل تكلفة بكثير من اللجوء إليه بعد نشوء نزاع.

    وفي المقابل، وضع القانون حاجزا ضد تضارب المصالح، فمنع المحامي الذي حرر عقدا بين طرفين من تمثيل أحدهما ضد الآخر في نزاع ناشئ عن العقد نفسه، ومنع المحامين العاملين في إطار مهني مشترك من تمثيل أطراف متعارضة المصالح، حرصا على ألا تتحول المعلومات التي يحصل عليها المحامي بحكم الثقة لاحقا إلى سلاح ضد صاحبها.

    حماية أكبر لحقوق الموكلين

    عند ممارسة المهنة في إطار المشاركة، أقر القانون المسؤولية المدنية التضامنية للمحامين الشركاء تجاه موكليهم، لتوفير مجال أوسع للمطالبة بالتعويض إذا ثبت وقوع خطأ مهني سبب له ضررا.

    وتنص المادة 28 على أن المحامين الشركاء مسؤلون مدنيا على وجه التضامن إزاء موكليهم، كما منعتهم من النيابة أو مؤازرة أو تمثيل أطراف لها مصالح متعارضة.

    كما ألزم القانون، من خلال المادة 91، مجالس هيئات المحامين بإبرام عقود للتأمين عن المسؤولية المهنية لأعضائها، وألزم الشركات المدنية المهنية للمحامين بالتأمين عن مسؤوليتها.

    مسار زمني صارم للشكايات

    وسع القانون، من خلال منطوق المادة 61، نطاق التأديب ليشمل مخالفة النصوص القانونية والتنظيمية وقواعد المهنة وأعرافها، والإخلال بالمروءة والشرف، حتى عندما يتعلق الأمر بأفعال وقعت خارج المجال المهني.

    وتتدرج العقوبات بين الإنذار والتوبيخ والإيقاف عن ممارسة المهنة والتشطيب من الجدول، لكن المستجد الأهم هو إخضاع الشكاية لمسار محدد.

    فالشكايات المقدمة ضد المحامين، وفق المادة 67، تحال على النقيب، الذي يتعين عليه اتخاذ قرار معلل بالحفظ أو المتابعة داخل ثلاثة أشهر، وإلا اعتبر سكوته قرارا ضمنيا بالحفظ، وأتاح القانون للأطراف المعنية الطعن في عدد من المقررات أمام محكمة الاستئناف.

    وخولت المادة المادة 69 لمجلس الهيئة أن يضع يده تلقائيا، على كل إخلال بالنصوص القانونية أو التنظيمية، أو قواعد المهنة أو أعرافها، أو أي إخلال بالمروءة والشرف، ويجري المسطرة التأديبية في مواجهة المحامي المعني بالأمر، مباشرة.

    ومنحت المادة 67 للوكيل العام للملك، وحده، وفق المادة ذتها، أن يطعن في قرار الحفظ الصادر عن النقيب، ضمنيا أو صراحة، بعد تبليغه بالقرار، وفي حال ألغت محكمة الاستئناف مقرر النقيب بالحفظ، تحيل الملف، وجوبا، من جديد، لعرضه على مجلس الهيئة لمواصلة إجراءات المتابعة.

    هذه الآجال والطعون تمنح المواطن وسيلة لمواجهة الصمت أو التأخير، وتخرج الرقابة، جزئيا، من المجال المهني الداخلي إلى رقابة القضاء، وهو مقتضى أثار رفضا المحامين بشدة.

    عقوبات مشددة للسماسرة والمنتحلين

    درءا للوسطاء والسماسرة الذين يوهمون بحكم مضمون، أو نفوذ داخل المحكمة، أو تسوية سريعة للقضايا، شدد القانون العقوبة على سمسرة الزبناء وجلبهم، سواء ارتكب الفعل وسيط أو ساهم فيه محام.

    وجرم القانون أيضا الاعتياد على مباشرة المساطر القضائية لفائدة الغير دون سند قانوني، وانتحال صفة محام، واستعمال وسائل توهم المواطنين بممارسة المهنة، بل وحتى ارتداء بذلة المحامي دون حق.

    ويعاقب، وفق المادة 98، كل شخص ثبت أنه يباشر بصفة اعتيادية، إجراء أي مسطرة قضائية لفائدة الغير دون أن يكون مخولا قانونا لذلك، بالحبس من سنة إلى سنتين وبغرامة من عشرة آلاف إلى عشرين ألف درهم، ما لم تكن الأفعال أو انتحل صفة محام، أو استعمل أي معاقبا عليها بعقوبة أشد.

    ويعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في الفصل 381 من القانون الجنائي كل شخص نسب لنفسه صفة محام علانية، ومن غير حق، أو انتحل صفة محام، أو استعمل أي وسيلة قصد إيهام الغير بأنه يمارس مهنة المحاماة أو انه مستمر في ممارستها، أو انه مأذون له في ذلك، حسب المادة المادة 99.

    ويعاقب كل شخص ارتدى، عن غير حق، أمام أي محكمة من المحاكم، أو أمام مجلس من المجالس التأديبية بذلة المحامي أو بذلة تشابهها، يمكن أن توهم أنه يمارس مهنة المحاماة بالعقوبات المنصوص عليها في الفصل 382 من القانون الجنائي.

    وتعاقب المادة 100 كل شخص قام بسمسرة الزبناء أو جلبهم، بالحبس من سنتين إلى أربع سنوات، وبغرامة من عشرين ألفا إلى أربعين ألف درهم، فيما يعاقب المحامي الذي ثبت عليه القيام بالفعل نفسه، بصفته فاعلا أصليا أو مشاركا، بالعقوبة نفسها ما لم تكن الأفعال معاقبا عليها بعقوبة أشد.

    ماذا يقلق المحامين من قانون المهنة؟

    تتلخص أبرز مواقف المحامين في التمسك باستقلال المحاماة، إذ يعتبرون أن استقلال هيئاتهم ونقبائهم ومجالسهم امتداد لاستقلال القضاء وضمانة أساسية لحقوق المتقاضين، وليس مجرد امتياز مهني.

    ويرفض “أصحاب البذلة السوداء” الوصاية المالية، إذ يعترضون على إخضاع حساب ودائع المحامين للرقابة، بدعوى أن هذه الأموال خاصة وتعود إلى المحامين وموكليهم، وليست أموالا عمومية، كما يرون أن هذه الرقابة قد تمس بالسر المهني وخصوصية العلاقة بين المحامي وموكله.

    ويدافعون أيضا عن حماية اختصاصات الهيئات، إذ يعترضون على أن منح جهات إدارية أو قضائية صلاحيات يعتبرونها من الاختصاص الحصري للنقيب ومجلس الهيئة، خصوصا في القيد والتأديب وتدبير الشؤون المهنية.

    أيضا، يرفض المحامون ما جاءت به المادة 78، لأن تمكين القاضي من تحرير محضر ضد المحامي بسبب أفعال أو أقوال أثناء الجلسة، بحسبهم، قد يؤثر في حرية الدفاع، ويخلق ضغطا على المحامي، ويمس حق المتقاضي في دفاع حر وقاض مستقل ومحايد.

    ومن بين النقاط التي أثارت غضب المحامين، تخويل وزير العدل صلاحية قبول المكاتب الأجنبية، إذ ينتقدون المادة 35 التي تتيح للوزير الإذن لمكاتب محاماة أجنبية بالممارسة، معتبرين أنها تنتزع جزءا من صلاحيات الهيئات، وتفتح الباب أمام التمييز بين المحامي المغربي والأجنبي، فضلا عن غموض حقوق هذا الأخير وواجباته.

    وينتقد المحامون أيضا المواد المنظمة لتأديب الطلبة التي تخلط بين الطالب والمحامي المتمرن، رغم أن الأول لم يكتسب بعد صفة مهنية، ويخضع لمؤسسة تكوين تشرف عليها وزارة العدل.

    ويطالب محامو المغرب بجودة التشريع، لأن قانون المهنة يتضمن، في نظرهم، عبارات غامضة وتداخلا في الاختصاصات وتناقضات مع قوانين قائمة، بما قد يفتح المجال لتأويلات متعارضة.

    وفي المجمل، يتلخص موقف المحامين في أن معركتهم ليست دفاعا عن امتيازات مهنية، بل عن استقلال المحاماة باعتباره شرطا لحرية الدفاع وضمانة لحقوق المتقاضين، وينتظرون من المحكمة الدستورية حسم مدى توافق المواد الخلافية مع مبادئ فصل السلط والمساواة والأمن القانوني والحق في محاكمة عادلة.

    وهبي: مصلحة المتقاضي فوق الحسابات المهنية

    في رده على الجدل الذي تثيره تصريحاته، يقول وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، إنه لن يكون وزيرا صامتا لأن من حقه التعبير عن قناعاته السياسية والفكرية، مع احترام المساطر والمؤسسات التي يفرضها الدستور.

    ويضيف أن الاختلاف معه لا يبرر مطالبته بالصمت، بل يقتضي مواجهته برأي آخر وترك الحكم للرأي العام، مشددا في الوقت نفسه على أن القوانين الكبرى، ومنها القانون الجنائي وقانون المحاماة، تناقش داخل المؤسسات الدستورية، عبر الحكومة والبرلمان وممثلي الأمة، لا بمنطق الحسم في الشارع.

    وفي مواجهة الانتقادات التي أثارها قانون مهنة المحاماة، يدافع وهبي، في جل خرجاته الإعلامية، عن تصور يقوم، بحسبه، على تحديث المهنة وتقوية مؤسساتها، مع إخضاعها لقواعد المسؤولية والشفافية، بما يضمن حماية المتقاضين ويحافظ على انتظام سير العدالة.

    ويرى أن الخلاف القائم مع الهيئات المهنية لا يتعلق برفض الحوار، بل باختلاف جوهري حول طريقة إعداد القانون وحدود مشاركة المحامين في صياغته، مؤكدا أن وزارة العدل عقدت أكثر من ثمانية اجتماعات مع ممثلي المهنة، إلى جانب لقاءات متعددة مع رئيس جمعية هيئات المحامين، كما تلقت ملاحظاتهم في أكثر من مناسبة.

    غير أن الوزير يعترض على تقديم الاستشارة المهنية كما لو كانت حقا في صياغة القانون بصورة نهائية، موضحا أن دور وزير العدل لا يقتصر على نقل مطالب فئة معينة إلى البرلمان، ويقول، في هذا السياق، إن الوزير “ليس ساعي بريد”، بل طرف في العملية التشريعية، يستمع إلى مختلف المتدخلين ثم يصوغ مشروعا يراعي المصلحة العامة.

    وينطلق دفاع وهبي من أن قانون المحاماة لا ينظم شؤون المحامين فقط، بل يحدد علاقتهم بالقضاة والمتقاضين والنيابة العامة والشرطة القضائية والإدارات والمؤسسات العمومية وبقية مكونات منظومة العدالة.

    وعلى هذا الأساس، يعتبر أن التشاور مع المحامين ضروري، لكنه لا يمنحهم سلطة احتكار مضمون القانون، فالدولة، بحسب تصوره، مطالبة بالاستماع إلى المهنيين، وفي الوقت نفسه إلى باقي الجهات التي تتقاطع مصالحها ومسؤولياتها مع عمل المحامي.

    وأبرز أن الحوار حول قانون المحاماة كان مفتوحا، مع المحامين، والسلطة القضائية، والنيابة العامة، وجميع الوزارات، والأمانة العامة للحكومة، مشيرا إلى أن “مشروع القانون نتاج تراكمات لقرابة 30 عاما، بمعنى أن الحوار كان مفتوحا منذ 30 سنة، حتى وصلنا إلى صيغة اليوم التي قدمتها أنا اليوم”.

    ويشدد المسؤول الحكومي على أن الوثائق التي عرضتها الوزارة على الهيئات المهنية كانت معدة للاستشارة ولم تكن نصوصا نهائية، وانتقد تسريبها وتداولها خارج إطار الحوار، رغم أنها، وفق قوله، لم تكن قد اعتُمدت أصلا.

    ويؤكد الوزير أن الدولة لا يمكن أن تخضع في ممارسة اختصاصها التشريعي لأي جهة، مهما كانت مكانتها، فالحوار، في نظره، لا يعني المساومة على سلطة المؤسسات المنتخبة، وإنما الاستماع إلى الآراء قبل المرور عبر الأمانة العامة للحكومة والمجلس الحكومي والبرلمان.

    ثنائية الحقوق والمحاسبة

    يقول وهبي إن القانون يمنح المحامين حقوقا وضمانات مهمة، لكنه يضع في المقابل قواعد للعقاب والمتابعة والمسؤولية، لأن الاستقلال المهني، بحسب تصوره، لا يعني أن تصبح المحاماة خارج النظام العام أو بمنأى عن الرقابة.

    ويرى أن قوة المحاماة لا تقاس بحجم الامتيازات الممنوحة لها فقط، بل أيضا بقدرتها على محاسبة أعضائها وحماية المواطنين من الأخطاء والتجاوزات، لهذا، يدافع عن إعادة النظر في آلية الحفظ الضمني للشكايات، معتبرا أن تخليق المهنة يقتضي اتخاذ قرارات واضحة ومعللة بدل ترك الملفات تنتهي دون حسم صريح.

    واستند الوزير إلى رقم مفاده أن نحو 95 في المئة من الشكايات ضد المحامين تنتهي بالحفظ الضمني، منتقدا اضطرار النيابة العامة إلى استئناف عدد كبير منها.

    في المقابل، يرد ممثلو المحامين بأن الشكايات لا تشمل سوى نسبة محدودة لا تتجاوز 7 بالمئة من مجموع 15 ألف محام، ويعتبرون أن الحديث عن نسبة الحفظ دون وضعها في سياق العدد الإجمالي للمهنيين يعطي صورة غير مكتملة عن واقع المهنة.

    لكن وزير العدل يصر على أن حماية المتقاضي تفرض عدم قياس خطورة الإخلال بعدد مرتكبيه فقط، فحتى إذا تعلق الأمر بأقلية، فإن كل ملف مهمل أو وديعة متنازع بشأنها أو شكوى غير محسومة تمس مواطنا وضع ثقته في مؤسسة الدفاع.

    الضرائب.. مساواة أمام القانون

    ومن القضايا التي أثارت توترا بين الوزارة والمحامين ربط ممارسة المهنة بالوضعية الجبائية والاجتماعية، إذ يدافع وهبي عن إلزام المحامي بإثبات تسجيله لدى الإدارة الضريبية، إلى جانب تسوية الوضعية الاجتماعية للعاملين في مكتبه.

    واعتبر الوزير أن المحامي، بحكم وظيفته في الدفاع عن الحقوق وتطبيق القانون، ينبغي أن يكون في مقدمة الملتزمين بالواجبات الضريبية، موردا في هذا السياق أن 9 آلاف محام، من أصل 15 ألفا، غير مسجلين لدى إدارة الضرائب.

    وبالنسبة إلى وهبي، لا تستهدف هذه الإجراءات التضييق على المهنة، بل تكريس المساواة أمام القانون وحماية حقوق موظفي مكاتب المحامين في التغطية الاجتماعية، لأن المحامي الذي يطالب الدولة بتطبيق القانون، لا يمكن أن يضع نفسه خارجه.

    وفي جانب التكوين يقوم تصور قانون المحاماة على أن النظام القائم، المبني أساسا على الحصول على الإجازة واجتياز امتحان الأهلية ثم قضاء فترة التمرين، لم يعد كافيا لإعداد محام قادر على مواجهة التحولات الاقتصادية والقانونية.

    ويستحضر في هذا السياق انفتاح المغرب على الاستثمارات الدولية والاستعداد لاستضافة تظاهرات عالمية، وفي مقدمتها كأس العالم، وما يصاحب ذلك من عقود ونزاعات ذات طبيعة مالية وضريبية ورياضية وتجارية عابرة للحدود.

    من هذا المنطلق، يدافع وزير العدل عن تكوين مؤسساتي قريب من نموذج المعهد العالي للقضاء، يرفع مستوى التأهيل ويتيح التخصص في مجالات مثل الضرائب والمالية والرياضة والاستثمار، مع تركيز كبير على ضرورة إتقان اللغات، حتى يكون المحامي المغربي قادرا على منافسة المكاتب الدولية المتوقع توسع حضورها في السوق الوطنية.

  • شريك بسيادته لا حارس حدود.. المغرب يغيّر قواعد الهجرة مع أوروبا

    شريك بسيادته لا حارس حدود.. المغرب يغيّر قواعد الهجرة مع أوروبا

    تعيد الأحداث الأخيرة المسجلة عند نقاط العبور نحو سبتة ومليلية المحتلتين ملف الهجرة غير النظامية إلى واجهة النقاش، في وقت يؤكد المغرب أنه يواصل الاضطلاع بدور محوري في تأمين حدوده والحد من نشاط شبكات الاتجار بالبشر.

    وأظهرت طريقة تدبير هذه الأحداث من الجانب المغربي اعتماد مقاربة استباقية جمعت بين المراقبة الميدانية والإنقاذ والتنسيق، بما ساعد على احتواء الوضع وتفادي حصيلة أكثر مأساوية.

    ويستند المغرب في الدفاع عن حصيلة عمله إلى أرقام تعكس حجم الجهد المبذول خلال السنوات الأخيرة، إذ أحبطت نحو 160 ألف محاولة للهجرة غير النظامية خلال سنتي 2024 و2025، وفككت 632 شبكة، إلى جانب تنفيذ أكثر من 32 ألف عملية إنقاذ في البحر.

    هذه النتائج ساهمت في جعل الواجهة الغربية للبحر الأبيض المتوسط أقل ضغطا على أوروبا، كما عززت مكانة المملكة شريكا موثوقا في التعاون الأمني والإنساني، سيما مع الجار الشمالي إسبانيا.

    غير أن تطورات الثغرين المحتلين تؤكد أن الظاهرة لا يمكن تطويقها بالإجراءات الأمنية وحدها، خصوصا مع تنامي تأثير المعلومات المضللة والتأويلات الخاطئة لبعض القرارات القانونية واستمرار نشاط شبكات التهريب.

    وتبدو دعوة الرباط الاتحاد الأوروبي إلى تقاسم المسؤولية والأعباء منسجمة مع واقع ملف تتداخل فيه اعتبارات الأمن والتنمية وحماية الأرواح، فيما يظل نجاح المقاربة المغربية مرتبطا أيضا باستمرار التنسيق مع الشركاء الأوروبيين وتعزيز التواصل الدقيق حول الوقائع والأرقام.

    من لغة الأرقام إلى لغة الرسائل السياسية

    طوال السنوات الماضية، كانت البلاغات المتعلقة بالهجرة تركز أساسا على حصيلة العمليات الأمنية، وعدد الشبكات المفككة، ومحاولات العبور التي جرى إحباطها، غير أن الموقف الأخير، المعبر عنه في قصاصة لوكالة الأنباء المغربية الرسمية “لاماب” منسوبة إلى مصدر حكومي، فلم يقتصر على مجرد سرد للأرقام.

    وتعكس العبارات التي تكررت، من قبيل “شريك ذو سيادة”، و”لم يخضع يوما للضغط”، و”لم يتحرك تحت وطأة الابتزاز”، أن المغرب أراد نقل النقاش من الجانب الأمني إلى مستوى آخر يرتبط بطبيعة العلاقة مع أوروبا، لأن المسألة اليوم لم تعد تقتصر على قدرة المملكة على حماية حدودها والنظر إليها كـ”حارس حدود” لأوروبا، بل أصبحت تشمل أيضا الكيفية التي يريد أن ينظر بها إلى هذا الدور وإلى موقعه داخل معادلة تدبير الهجرة.

    وفي هذا السياق، اعتبر السوسيولوجي المغربي عبد الفتاح الزين، في تصريح لـ “AM+ MEDIA”، أن اللغة التي اعتمدها المغرب في هذه المرحلة تكشف أن الهجرة لم تعد تُطرح باعتبارها ملفا أمنيا فقط، بل أصبحت تحمل أبعادا دبلوماسية وسياسية.

    وأضاف الزين أن الرسائل التي وجهها المغرب لأوروبا، من قبيل التشديد على مفاهيم مثل “السيادة” و”الشراكة” تعكس رغبة المملكة في إعادة تعريف موقعها داخل هذا الملف، باعتبارها شريكا يساهم في صياغة قواعد التعاون، لا مجرد طرف يقتصر دوره على حماية الحدود الأوروبية.

    وحرصت الرباط على أن تضع حدا لصورة ظلت تتكرر في بعض النقاشات الأوروبية، والتي تقدم المغرب باعتباره مجرد خط دفاع متقدم عن الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي، لذلك أكدت أن التعاون في مكافحة الهجرة غير النظامية ليس استجابة لضغوط خارجية، وإنما خيار سيادي تمليه المصالح الوطنية والالتزامات الدولية للمملكة.

    وأصبحت المقاربة الدبلوماسية المغربية، تربط التعاون الدولي بشكل أوضح بمبدأ السيادة، فالمغرب يؤكد استمرار انخراطه في الجهود المشتركة لمكافحة الهجرة غير النظامية، لكنه في المقابل يشدد على أن هذا التعاون ينبغي أن يقوم على الاعتراف المتبادل بالأدوار التي يؤديها كل طرف، وبالكلفة التي يتحملها في مواجهة ظاهرة عابرة للحدود.

    وفي الوقت نفسه، لم يتخل المغرب عن إبراز حجم المجهود الذي يبذله ميدانيا، مذكرا بإحباط عشرات الآلاف من محاولات الهجرة خلال العامين الأخيرين، وتفكيك مئات الشبكات الإجرامية، وإنقاذ آلاف الأشخاص في عرض البحر.

    غير أن هذه الأرقام لم تُقدم فقط لإبراز النجاعة الأمنية، بل للتأكيد أن استقرار الواجهة الغربية للبحر الأبيض المتوسط هو نتيجة تعبئة بشرية وتقنية ومالية متواصلة، وليس معطى قائما بذاته.

    إعادة تعريف الشراكة مع أوروبا

    ومن بين أكثر العناصر دلالة في الموقف المغربي، الإصرار على مفهوم “المسؤولية المشتركة”، إذ تكررت هذه العبارة أكثر من مرة، بما يعكس رغبة المغرب في التأكيد أن الهجرة ليست مسؤولية دولة العبور وحدها، وإنما ظاهرة عابرة للحدود تتداخل فيها عوامل أمنية وقانونية واقتصادية وإنسانية.

    وفي هذا السياق، جاء موقف وزارة الداخلية الذي عرض الإجراءات التي اتخذتها السلطات المغربية، بل أشارت أيضا إلى عوامل مرتبطة بالجانب الأوروبي، من بينها التأويلات التي صاحبت بعض القرارات القضائية الإسبانية، والتي ساهمت في ترسيخ اعتقاد لدى بعض المهاجرين بإمكانية تفادي الإعادة الفورية عبر سلوك مسارات معينة.

    من جانبه، اعتبر عبد الصادق حيدر، الخبير في قضايا الهجرة ومدير مركز إدماج المهاجرين، في تصريح لـ “AM+ MEDIA”، أن المغرب لم يعد يتعامل مع ملف الهجرة باعتباره مهمة أمنية يؤديها نيابة عن أوروبا، بل كقضية إقليمية تستدعي شراكة متكافئة تقوم على المسؤولية المشتركة.

    وأوضح حيدر أن الرسالة التي يحملها الخطاب الرسمي تتمثل في أن دور المملكة لا يقتصر على حماية الحدود، وإنما يمتد إلى المساهمة في بلورة مقاربة شاملة للهجرة تراعي الأبعاد الأمنية والتنموية والإنسانية.

    وأضاف أن التشديد على مفاهيم مثل “السيادة” و”الشراكة المتوازنة” يعكس توجها لإعادة تعريف العلاقة مع أوروبا، بما يجعل المغرب شريكا في صياغة المقاربات وتدبير هذا الملف، وليس مجرد طرف يقتصر دوره على تنفيذها.

    ويلاحظ أيضا أن الموقف الرسمي تجنب لغة التصعيد أو المواجهة مع الشركاء الأوروبيين، إذ حافظ على التأكيد بأن التعاون مع إسبانيا يظل “نموذجيا”، لكنه في الوقت نفسه أعاد رسم الإطار السياسي لهذا التعاون، مشيرا إلى أنه توازن يعكس رغبة في الجمع بين استمرار التنسيق الميداني، وبين تثبيت خطاب دبلوماسي يؤكد أن التعاون لا يتعارض مع الدفاع عن السيادة الوطنية أو مع المطالبة بتقاسم الأعباء بشكل أكثر توازنا.

    ويأتي هذا التحول في وقت تعرف فيه أوروبا نقاشا متزايدا حول مستقبل سياسات الهجرة، وكيفية تقاسم أعباء تدبيرها مع دول الجوار.

  • صعود مغربي يعيد رسم خريطة أمن الطاقة في أوروبا

    صعود مغربي يعيد رسم خريطة أمن الطاقة في أوروبا

    غيّر الانقطاع الواسع للتيار الكهربائي الذي شهدته إسبانيا والبرتغال في أبريل 2025 طريقة تعاطي أوروبا مع ملف أمن الطاقة، إذ لم يعد التوسع في إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة كافيا، وبرزت أولوية جديدة تتمثل في بناء شبكات أكثر ترابطا ومرونة، قادرة على ضمان استمرارية الإمدادات والحد من آثار الأعطال الكبرى.

    كما أن أوروبا، لم تعد تنظر للملف الطاقي كأنه مجرد قطاع اقتصادي أو مورد استراتيجي، بل أصبح أحد أبرز أدوات إعادة تشكيل العلاقات الدولية، سيما مع التحولات التي فرضتها الحرب في أوكرانيا، والبحث الأوروبي عن بدائل للغاز الروسي زيادة على أزمة مضيق هرمز، وتسارع الانتقال نحو الطاقات المتجددة، ما أدخل القارة العجوز مرحلة جديدة في مقاربتها لأمنها الطاقي، تقوم على تنويع الشركاء وتقليص الاعتماد على مصادر تقليدية.

    في هذا السياق، برز المغرب باعتباره أحد أبرز الفاعلين الصاعدين في جنوب المتوسط، مستفيدا من موقعه الجغرافي، واستثماراته المتواصلة في الطاقة الشمسية والريحية، ومشاريعه في الهيدروجين الأخضر والربط الكهربائي.

    وفي السنوات الأخيرة، لم يعد ينظر المغرب بوصفه سوقا للطاقة فقط، بل كشريك قادر على الإسهام في تلبية جزء من احتياجات أوروبا المستقبلية، ضمن رؤية تقوم على المصالح المتبادلة والتكامل الإقليمي.

    فكيف تطور موقع المغرب داخل المنظومة الكهربائية الأوروبية؟ وما الذي يمكن أن تجنيه المملكة اقتصاديا واستراتيجيا من مشاريع الربط الجديدة؟

    من الربط مع إسبانيا إلى رؤية أوروبية أوسع

    لم يبدأ حضور المغرب في منظومة الربط الكهربائي الأوروبية بعد أزمة 2025، بل يعود إلى ما يقارب ثلاثة عقود، عندما دخل أول خط للربط الكهربائي بين المغرب وإسبانيا الخدمة سنة 1997، قبل أن يتعزز بخط ثان سنة 2006، ليشكل أول جسر كهربائي مباشر بين إفريقيا وأوروبا، ويتيح تبادل الكهرباء وتعزيز استقرار الشبكتين.

    ومع التحولات التي شهدها قطاع الطاقة، ولا سيما التوسع في إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة، انتقل التعاون المغربي الإسباني إلى مرحلة جديدة، تُوجت سنة 2019 بالاتفاق على تطوير مشروع ربط كهربائي ثالث يهدف إلى رفع قدرة التبادل ومواكبة الطلب المتزايد على شبكات أكثر كفاءة ومرونة.

    ورغم أن هذه المشاريع سبقت أزمة انقطاع الكهرباء التي شهدتها شبه الجزيرة الإيبيرية سنة 2025، فإنها اكتسبت بعدها بعدا استراتيجيا مختلفا، إذ لم يعد ينظر إلى الربط الكهربائي باعتباره وسيلة لتبادل الطاقة فحسب، بل أحد مكونات أمن الطاقة، لما يوفره من قدرة على دعم استقرار الشبكات والمساهمة في استعادة الإمدادات عند وقوع الأعطال الكبرى.

    أزمة 2025.. المغرب شريك في أمن الطاقة لأوروبا

    شكّل الانقطاع الواسع للتيار الكهربائي الذي ضرب إسبانيا والبرتغال في 28 أبريل 2025 اختبارا حقيقيا لقدرة الشبكة الكهربائية الأوروبية على مواجهة الأزمات، إذ كشفت الحادثة محدودية الربط الكهربائي لشبه الجزيرة الإيبيرية مع بقية أوروبا، إذ لا تتجاوز نسبة الربط نحو 3 في المئة من القدرة الكهربائية، بينما يطمح الاتحاد الأوروبي إلى رفعها إلى 15 في المئة بحلول سنة 2030.

    وأبرزت الأزمة اعتماد البرتغال على إسبانيا باعتبارها منفذها الكهربائي الوحيد نحو الخارج، وهو ما أعاد النقاش حول ضرورة تنويع مسارات الربط وتعزيز مرونة الشبكات الأوروبية.

    وفي خضم هذه الأزمة، برزت أهمية الربط الكهربائي مع المغرب، فبحسب المعطيات التقنية الصادرة عن الشبكة الأوروبية لمشغلي أنظمة نقل الكهرباء (ENTSO-E)، استعانت إسبانيا، خلال مراحل إعادة تشغيل الشبكة، بروابطها الكهربائية مع كل من فرنسا والمغرب، ما جعل الربط المغربي جزءا من عملية استعادة الإمدادات، وأبرز دوره في دعم استقرار الشبكات الإقليمية عند الأزمات، إلى جانب وظيفته التقليدية في تبادل الكهرباء.

    وأعادت هذه التطورات صياغة النظرة الأوروبية إلى مشاريع الربط مع المملكة، إذ لم تعد تعامل باعتبارها مجرد بنية تحتية لنقل الكهرباء، بل كأداة لتعزيز أمن الطاقة ومرونة الشبكات في مواجهة الاضطرابات.

    ومن هذا المنطلق، اكتسبت مشاريع الربط الجديدة مع المغرب زخما إضافيا، وفي مقدمتها مشروع الربط مع البرتغال، إلى جانب المباحثات المتعلقة بإنشاء خط مباشر مع فرنسا، في إطار توجه أوروبي يروم تنويع مسارات الإمداد وتقوية الترابط الكهربائي بين ضفتي المتوسط.

    وفي هذا السياق، يرى الخبير في قضايا الطاقة والانتقال الطاقي، محمد بوحاميدي، أن أزمة انقطاع الكهرباء التي عرفتها إسبانيا والبرتغال في أبريل 2025 لم تكن مجرد حادث تقني، بل شكلت تحولا في المقاربة الأوروبية لأمن الطاقة، بعدما أبرزت أن الاستثمار في إنتاج الكهرباء وحده لم يعد كافيا، وأن قوة المنظومات الكهربائية أصبحت تقاس أيضا بقدرتها على الترابط واستعادة الإمدادات عند الأزمات.

    وأضاف بوحاميدي في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن مشاريع الربط الكهربائي مع المغرب اكتسبت، بعد هذه الأزمة، بعدا استراتيجيا جديدا، لأنها توفر منفذا إضافيا لشبه الجزيرة الإيبيرية، وتعزز مرونة الشبكات الأوروبية، موضحا أن المملكة أصبح ينظر إليها كشريك قادر على المساهمة في تعزيز أمن الطاقة الأوروبي، وليس فقط كمنتج للطاقات المتجددة.

    مشروع المغرب والبرتغال.. أكثر من مجرد ربط كهربائي

    في خضم هذا التحول، اتفق المغرب والبرتغال، خلال اجتماع وزيري الطاقة في لشبونة، الشهر الماضي، على إعادة إطلاق مشروع الربط الكهربائي بين البلدين، بعد سنوات من الدراسات التي انطلقت سنة 2018، في خطوة تعكس تنامي الرهان على تعزيز الترابط الكهربائي بين أوروبا وإفريقيا.

    وترى الحكومة البرتغالية أن المشروع يتجاوز كونه مجرد بنية تحتية لنقل الكهرباء، ليشكل رافعة لتعزيز أمن الطاقة والتعاون بين القارتين.

    وأعلنت وزيرة البيئة والطاقة البرتغالية ماريا دا غراسا كارفالو، يوليوز المنصرم، أن الرباط ولشبونة ستتقدمان بطلب إلى المفوضية الأوروبية لتصنيف المشروع ضمن المشاريع المهمة ذات الاهتمام الأوروبي المشترك (IPCEI)، بما يتيح الاستفادة من آليات التمويل الأوروبية، إلى جانب تعبئة استثمارات من القطاع الخاص لتقاسم كلفة الإنجاز.

    وأوضحت أن البلدين يعتمدان مسارين متوازيين لتسريع المشروع؛ الأول يهم البحث عن تمويل عبر الآليات الأوروبية، والثاني يقوم على استقطاب مشغلي الشبكات وشركات الطاقة، بما يضمن إنجاز المشروع دون تحميل المستهلكين أو دافعي الضرائب أعباء إضافية.

    وأشارت إلى أن التقديرات المالية التي وُضعت سنة 2018، والتي قدرت الكلفة بحوالي 800 مليون يورو، أصبحت بحاجة إلى مراجعة في ضوء ارتفاع تكاليف الإنجاز والتطور الذي شهدته تقنيات الربط الكهربائي.

    ومن الجانب المغربي، أكدت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بنعلي أن المشروع يندرج ضمن رؤية مشتركة تروم تعزيز التعاون الطاقي بين البلدين، مع التركيز على خفض تكاليف الطاقة وتحسين القدرة على الولوج إليها بأسعار معقولة لفائدة المواطنين والقطاعات الاقتصادية.

    ويعكس هذا التوجه، بحسب الوزيرة، إرادة مشتركة لجعل الربط الكهربائي أداة لدعم التنمية الاقتصادية وتعزيز أمن الإمدادات، وليس مجرد مشروع تقني لتبادل الكهرباء.

    ومن المرتقب أن يواصل البلدان تنسيق مواقفهما مع المفوضية الأوروبية خلال المرحلة المقبلة، تمهيدا لعرض المشروع على آليات التمويل الأوروبية، ومواصلة النقاش بشأن خياراته التقنية والمالية في إطار القمة المغربية البرتغالية المرتقبة.

    جاذبية متزايدة.. فرنسا تدخل على الخط

    ولم يعد الاهتمام الأوروبي بالربط الكهربائي مع المغرب مقتصرا على البرتغال، إذ برز خلال الأشهر الأخيرة مشروع لدراسة إنشاء خط كهربائي مباشر بين المغرب وفرنسا، في إطار توجه يروم توسيع منافذ الربط مع المملكة وعدم الاكتفاء بالمسار التقليدي عبر إسبانيا.

    ورغم أن المشروع لا يزال في مرحلة الدراسات التقنية، فإنه يعكس إدراكا أوروبيا متزايدا لأهمية تنويع مسارات نقل الكهرباء وتعزيز قدرة الشبكات على مواجهة الاضطرابات.

    وتكتسي فرنسا أهمية خاصة داخل المنظومة الكهربائية الأوروبية، باعتبارها إحدى أكبر الدول المنتجة والمصدرة للكهرباء في القارة، كما تمثل بوابة رئيسية لربط شبه الجزيرة الإيبيرية بباقي الشبكة الأوروبية.

    ومن شأن أي ربط مباشر مع المغرب، إذا تم إنجازه، أن يوسع خيارات تبادل الكهرباء بين الضفتين، ويعزز مرونة الشبكة الأوروبية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى بنية تحتية أكثر ترابطا وقدرة على استيعاب التحولات التي يشهدها قطاع الطاقة.

    وفي 16 يوليوز الماضي، كشف سيباستيان لوكورنو، رئيس الحكومة الفرنسي، في الدورة الخامسة عشرة للاجتماع رفيع المستوى بين المغرب وفرنسا بالرباط، أن المغرب وفرنسا يرسمان معا معالم المستقبل من خلال مشاريع اقتصادية طموحة تخلق تكاملا جديدا بين شركاتنا، من خلال قطاعات حيوية كالنقل والطاقة والتكنولوجيات المتقدمة، وأيضا المبادرات المتعددة للمقاولات الصغرى والمتوسطة النشطة التي تعمل معا على ضفتي المتوسط، كما يشمل الأمر مشاريع الربط الطاقي الكبرى، خاصة مع إطلاق طلب لإبداء الاهتمام في مجال الربط الكهربائي”.

    وفي حال استكمال هذا المشروع، سيصبح المغرب مرتبطا بثلاثة محاور رئيسية مع أوروبا، تشمل إسبانيا والبرتغال وفرنسا، بما يعزز مكانته داخل شبكة الربط الكهربائي الإقليمية ويمنحه دورا أكبر في منظومة أمن الطاقة الأوروبية.

    واعتبر محمد بوحاميدي أن مشاريع الربط المرتقبة مع البرتغال، إلى جانب دراسة إنشاء خط مباشر مع فرنسا، تمثل انتقالا من تعاون ثنائي مع إسبانيا إلى شبكة ربط أوروبية أكثر تنوعا، ما يمنح الشبكات الكهربائية مرونة أكبر في مواجهة الاضطرابات، ويعكس مستوى الثقة الذي أصبح يحظى به المغرب لدى شركائه الأوروبيين.

    وأكد الخبير الطاقي أن هذه المشاريع لا تقتصر على إنشاء خطوط جديدة لنقل الكهرباء، بل تعكس تحولا في النظرة الأوروبية إلى المملكة باعتبارها شريكا استراتيجيا في استقرار الشبكات الكهربائية، خاصة مع تسارع التحول نحو الطاقات المتجددة داخل أوروبا.

    منافذ إضافية.. ماذا ستستفيد أوروبا؟

    لا تقتصر مكاسب أوروبا من مشاريع الربط الكهربائي مع المغرب على إنشاء خطوط جديدة لنقل الكهرباء، بل تمتد إلى تعزيز مرونة الشبكات وتنويع مسارات الإمداد، خاصة بعد الدروس التي أفرزتها أزمة انقطاع الكهرباء في شبه الجزيرة الإيبيرية خلال أبريل 2025.

    بالنسبة لإسبانيا والبرتغال، يوفر الربط مع المغرب منفذا إضافيا يخفف الضغط على المسارات التقليدية، ويمنح مشغلي الشبكات خيارات أوسع للحفاظ على استقرار الإمدادات واستعادة الخدمة عند وقوع الأعطال.

    كما ينسجم هذا التوجه مع استراتيجية الاتحاد الأوروبي الرامية إلى رفع مستوى الترابط الكهربائي بين دوله وشركائه، بما يعزز أمن الطاقة، ويواكب الارتفاع المتزايد في حصة الطاقات المتجددة داخل المزيج الكهربائي الأوروبي، وهي مصادر تتطلب شبكات أكثر ترابطا ومرونة لضمان استقرارها.

    منصة إقليمية رائدة.. لماذا تراهن أوروبا على المغرب؟

    لا يقتصر الرهان الأوروبي على الموقع الجغرافي للمغرب، بل يستند أيضا إلى ما راكمته المملكة من خبرة في مجال الربط الكهربائي منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، وإلى استثماراتها في تطوير البنية التحتية الكهربائية، فضلا عن استقرارها المؤسساتي، وهي عوامل جعلت منها شريكا موثوقا في مشاريع الربط الطاقي.

    كما أن تموقع المغرب عند بوابة أوروبا وإفريقيا يمنحه مؤهلات للقيام بدور منصة إقليمية لتبادل الكهرباء، خاصة في ظل توجه الاتحاد الأوروبي نحو تنويع مسارات الإمداد والبحث عن شبكات أكثر مرونة بعد أزمة 2025.

    ومن هذا المنطلق، لم تعد مشاريع الربط مع المملكة تُنظر إليها باعتبارها مشاريع ثنائية فحسب، بل أصبحت جزءا من رؤية أوروبية أوسع لتعزيز أمن الطاقة وتقوية الترابط الكهربائي بين القارتين.

    مكاسب متعددة.. ماذا سيستفيد المغرب؟

    بالنسبة للمغرب، لا تقتصر أهمية هذه المشاريع على توسيع الربط الكهربائي مع أوروبا، بل تمتد إلى تعزيز مكانته الاقتصادية والاستراتيجية؛ فمن الناحية الاقتصادية، من شأن خطوط الربط الجديدة أن تستقطب استثمارات إضافية في البنية التحتية الكهربائية، وتدعم تحديث الشبكات الوطنية، كما تفتح آفاقا أوسع لتبادل الكهرباء مع الأسواق الأوروبية، إلى جانب الاستفادة من آليات التمويل الأوروبية المخصصة للمشاريع الاستراتيجية.

    أما على المستوى الاستراتيجي، فإن تعدد منافذ الربط مع أوروبا يعزز موقع المملكة داخل المنظومة الطاقية الإقليمية، ويكرس حضورها كشريك في أمن الطاقة الأوروبي، ويمنحها أفضلية في استقطاب الاستثمارات الصناعية التي تبحث عن بنية كهربائية مستقرة ومتصلة بعدة أسواق، بما يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني على المدى المتوسط والبعيد.

    وبخصوص المكاسب التي يمكن أن يجنيها المغرب، أوضح الخبير الطاقي محمد بوحاميدي في حديثه لجريدة “AM+ MEDIA” أن هذه المشاريع ستنعكس إيجابا على جاذبية المملكة للاستثمارات، سواء في مجال البنية التحتية الكهربائية أو الأنشطة الصناعية المرتبطة بالطاقة، كما ستعزز موقعها داخل الفضاء الأورو-متوسطي.

    وأضاف أن تعدد منافذ الربط الكهربائي مع أوروبا يمنح المغرب قيمة استراتيجية أكبر، ويؤهله مستقبلا للاضطلاع بدور منصة إقليمية لتبادل الكهرباء بين إفريقيا وأوروبا، وهو ما ينسجم مع التحولات التي يشهدها سوق الطاقة على المستوى الدولي.

    المغرب.. من بلد عبور إلى شريك في أمن الطاقة

    وتكشف المشاريع التي يطورها المغرب مع شركائه الأوروبيين أن التحولات الجارية في قطاع الطاقة لم تعد تقاس فقط بحجم إنتاج الكهرباء أو تنوع مصادرها، بل أيضا بقدرة الدول على الاندماج في شبكات إقليمية أكثر ترابطا ومرونة.

    وأظهرت أزمة انقطاع الكهرباء في شبه الجزيرة الإيبيرية سنة 2025 أن أمن الطاقة أصبح يرتبط بامتلاك مسارات متعددة لنقل الكهرباء، وبالقدرة على استعادة الإمدادات بسرعة عند حدوث الأزمات، لذلك، لا يراهن المغرب على توسيع شبكة الربط الكهربائي مع أوروبا فحسب، بل يعمل على ترسيخ موقعه كشريك في أمن الطاقة الإقليمي، مستفيدا من موقعه الجغرافي، واستثماراته في البنية التحتية الكهربائية، وخبرة تمتد لقرابة ثلاثة عقود في الربط مع الشبكة الأوروبية.

  • أحداث سبتة تكشف وجها جديدا للهجرة تقودها خوارزميات جهات أجنبية للتضليل بالمنصات الرقمية

    أحداث سبتة تكشف وجها جديدا للهجرة تقودها خوارزميات جهات أجنبية للتضليل بالمنصات الرقمية

    لم تعد محاولات الهجرة غير النظامية تبدأ عند الحدود، بل أضحت تنطلق في كثير من الأحيان من شاشة هاتف. فمن خلال منشورات ومقاطع مصورة ورسائل متداولة، تبنى تصورات عن سهولة العبور، وتُحدَّد الوجهات والمواعيد، وقد تتحول المعلومة المضللة في وقت وجيز إلى أداة تعبئة تدفع أعدادا من الشباب إلى اتخاذ قرارات محفوفة بالمخاطر.

    وتبرز الدعوات الرقمية إلى التوجه نحو مدينة سبتة المحتلة مثالا دالا على هذا التحول؛ إذ لم تعد منصات التواصل مجرد وسيلة لتبادل المعلومات، بل أصبحت فضاء لصناعة التوقعات وتضخيم فرص النجاح والتقليل من المخاطر الأمنية والإنسانية.

    استغلال مغرض للفضاء الرقمي

    ويوم أمس الأحد، أكدت وزارة الداخلية أن مختلف المعطيات التي تم تجميعها وتحليلها بخصوص الأحداث التي عرفتها مؤخرا نقاط العبور المؤدية إلى مدينتي سبتة ومليلية، أبانت أن هذه الأحداث لم تكن وليدة عوامل ظرفية أو تلقائية، وإنما جاءت نتيجة تفاعل عدة عوامل متداخلة.

    وأبرزت أن في مقدمة هذه العوامل الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضلَلة، ودور عصابات الإتجار بالبشر، والتأويلات الخاطئة لمعطيات قانونية وإدارية، استهدفت الإيهام بإمكانية الولوج إلى الفضاء الأوروبي بسهولة ودون تبعات قانونية

    ولفت المصدر على وجه الخصوص، إلى القرارات الأخيرة الصادرة عن السلطات القضائية الإسبانية بشأن تقييد إمكانية تطبيق إجراء الإعادة الفورية على بعض المهاجرين غير النظاميين الذين يتم اعتراضهم في عرض البحر، مشيرا إلى أنها أفضت، في ظل ما صاحبها من تأويلات مغلوطة وتداول مضلَل، إلى ترسيخ قناعة لدى بعض الراغبين في العبور بإمكانية تفادي الإعادة الفورية.

    وشددت وزارة الداخلية على أن هذه المعلومات وما رفقها من حملات تضليلية أسهمت في بروز نمط أوحد من محاولات الهجرة غير النظامية، قوامه العبور سباحة، باعتباره الوسيلة التي اعتقد البعض أنها توفر فرصا أكبر للإفلات من الإعادة الفورية.

    وبهذا الصدد، أعاد تقرير استخباراتي أعده المحلل الإسباني المتخصص في الأمن والاستخبارات والإرهاب الدولي شيما جيل (Chema Gil)، بطلب من عدد من المؤسسات الإسبانية، مستندا إلى تقنيات استخبارات المصادر المفتوحة (OSINT) واستخبارات وسائل التواصل الاجتماعي (SOCMINT)، بناء التسلسل الزمني للحملة الرقمية وتحليل دورها في نشر المعلومات ورسائل التعبئة المرتبطة بمحاولة الدخول الجماعي إلى التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة الأسبوع المنصرم.

    الفضاء الرقمي.. بيئة خصبة للتعبئة نحو الهجرة غير النظامية

    ويساهم التحول الرقمي في إعادة تشكيل بعض ديناميات الهجرة غير النظامية، بعدما أصبحت منصات التواصل الاجتماعي فضاء لتداول المعلومات والروايات المتعلقة بطرق العبور والوجهات المحتملة.

    وفي هذا السياق، أعادت محاولة الدخول الجماعي إلى سبتة المحتلة يومي 30 و31 يوليوز 2026 الجدل حول الدور المتنامي للفضاء الرقمي في الهجرة غير النظامية، فقد كشفت تقارير إسبانية، استنادا إلى تقرير استخباراتي، أن هذه المحاولة سبقتها حملة رقمية واسعة انطلقت منذ بداية يوليوز عبر منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة، وشهدت تداول رسائل تتعلق بمسارات الوصول، ووسائل النقل، ومواعيد التحرك، ونقاط الالتقاء، في إطار ما وصفه التقرير بحملة تعبئة رقمية سبقت الأحداث الميدانية.

    وأشار التقرير الاستخباراتي الإسباني إلى أن الحملة الرقمية التي بدأت مع مطلع شهر يوليوز، حققت أكثر من 11 مليون ظهور، من خلال حسابات تنشط في أساسا في الجزائر وتونس وفرنسا، إلى جانب حسابات أخرى في المغرب والولايات المتحدة، قبل أن تتسارع وتيرتها عقب صدور قرار للمحكمة العليا الإسبانية رقم 814/2026 في الأيام الأولى من الشهر، والذي اعتبر أن الأشخاص الذين يدخلون إسبانيا عبر البحر لا يمكن إعادتهم فورا عند الحدود.

    ووفقا للتقرير، استُخدم هذا القرار على نطاق واسع داخل المنصات الرقمية لترويج روايات حول سهولة العبور، وهو ما أسهم في تكثيف تداول المحتوى المرتبط بسبتة عبر منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة.

    ومنذ ذلك الحين، رصد التقرير تصاعدًا تدريجيًا في وتيرة المنشورات ومقاطع الفيديو والرسائل المتعلقة بالمدينة، قبل أن تبلغ الحملة الرقمية ذروتها خلال الأيام التي سبقت مباشرة احتفالات عيد العرش بالمغرب.

    عندما تصنع الخوارزميات واقعا جديدا

    تكمن خطورة هذا النوع من الحملات في أن المنصات الرقمية لا تكتفي باستضافة المحتوى، بل تعمل خوارزمياتها على توسيع نطاق انتشاره كلما ارتفعت معدلات التفاعل معه، لأن المقاطع القصيرة والمنشورات التي توحي بسهولة العبور أو تبرز تجارب ناجحة تجذب مستويات عالية من التفاعل، مما يزيد من احتمال ظهورها لمستخدمين آخرين، ويمنحها قدرة أكبر على الوصول والانتشار في فترة وجيزة.

    وفي هذا السياق، أكد الخبير في الأمن السيبراني الطيب الهزاز في تصريحه لجريدة “AM+MEDIA”، أن المنصات الرقمية أصبحت تؤدي دورا محوريا في توجيه الهجرة غير النظامية، إذ لم تعد تقتصر على نقل المعلومات، بل باتت تسهم في الترويج لما يسميه بـ”حلم الهجرة” بشكل مضلل عبر إبراز صور النجاح في أوروبا وإغفال المخاطر الحقيقية التي قد تواجه المهاجرين.

    ويضيف أن بعض المجموعات المغلقة على تطبيقات مثل “واتساب” و”تيليغرام” تُستخدم لتبادل المعلومات المتعلقة بتحديد التوقيت، والمسارات، ونقاط العبور، إلى جانب تداول تعليمات حول كيفية التعامل مع الرحلة، وتجاوز الحدود، والتعامل مع الأمن، وهو ما يحول المنصات الرقمية، في بعض الحالات، إلى فضاء للتنسيق والتعبئة.

    وأشار المتحدث، إلى أن هذا النوع من المحتوى يستهدف، في الغالب، الفئات الهشة، وخاصة الشباب الذين يعانون من البطالة أو الإحباط، من خلال خطاب يستغل تطلعاتهم إلى تحسين أوضاعهم.

    وأشار الخبير في الأمن السيبراني في تصريحه إلى أن المنصات الرقمية لم تعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت، في بعض السياقات، بنية تحتية رقمية تستغل في تنظيم وتيسير الهجرة غير النظامية.

    من التعبئة الرقمية إلى التحرك الميداني

    أوضح التقرير الاستخباراتي أنه في منتصف يوليوز، انتقلت الحملة من مرحلة الترويج الرقمي إلى مرحلة التعبئة الميدانية، إذ رصد التحقيق تزايد وصول أشخاص من مدن مغربية إلى مدينة الفنيدق، بالتزامن مع ارتفاع النشاط داخل مجموعات على فيسبوك وقنوات للمراسلة الموجودة مسبقا، والتي كانت تستخدم لتبادل المعلومات العملية تتعلق بالجداول الزمنية وظروف السفر.

    وفي 28 يوليوز، رصد التقرير إحدى أبرز نقاط الاتصال خلال الفترة المدروسة وهي تحديد مجموعة مراسلة عامة تحمل اسم “هجمة كرياج سبتة” (Hijma Kiraj Sebta)، تُدار من رقم هاتف يبدأ بالمفتاح الدولي الجزائري (213+).

    وبحسب التقرير، استخدمت المجموعة لتبادل المعلومات اللوجستية المتعلقة بالتعبئة نحو سبتة، بما في ذلك التنسيق بين المشاركين وتداول المعطيات العملية.

    وأشار التقرير إلى أن أهمية هذه المجموعة تتعلق بالدور الذي أدته كمنصة للتنسيق داخل البنية الرقمية للحملة.

    ووفقا للتقرير، بلغت الحملة الرقمية ذروتها يومي 29 و30 يوليوز، إذ شهدت المنصات الرقمية تصاعدا ملحوظا في وتيرة المنشورات، بالتزامن مع تداول تعليمات أكثر تحديدا بشأن الجداول الزمنية، ونقاط التجمع، والمعدات الموصى بها، وظروف السفر.

    وفي الوقت نفسه، نشرت حسابات مختلفة مقاطع فيديو تُظهر رحلات باتجاه الفنيدق، فيما تداولت حسابات أخرى صورًا للمنطقة الحدودية ورسائل هدفت إلى الحفاظ على زخم التعبئة.

    وكشف التقرير أن الحملة بلغت ذروة تأثيرها الميداني خلال الساعات الأولى من صباح يومي 30 و31 يوليوز، مع محاولة جماعية لدخول الأراضي الإسبانية عبر سبتة المحتلة.

    ومع انطلاق الأحداث على أرض الواقع، شهد النشاط الرقمي تحولا في طبيعته؛ إذ لم تعد المنشورات تقتصر على الدعوة إلى العبور أو الاستعداد له، بل اتجهت إلى نقل صور ومقاطع من الميدان، وتداول معلومات حول استجابة السلطات، إلى جانب نشر توصيات للموجودين في المنطقة ورسائل تتعلق بمسارات دخول بديلة محتملة.

    وأبرز التقرير أن المرحلة الأخيرة، الممتدة من 31 يوليوز إلى 2 غشت، اتسمت باستجابة مؤسساتية هدفت إلى الحد من استمرار الحملة الرقمية، وشملت إغلاق عدد من المجموعات العامة التي استُخدمت في تنسيق التعبئة، إلى جانب تعزيز أنشطة الرصد عبر الإنترنت وعند المعابر الحدودية.

    وفي المقابل، لفت “شيما جيل” في تقريره إلى أن هذه الإجراءات لم توقف تداول المحتوى بشكل كامل، إذ استمر انتشاره عبر حسابات مؤقتة، ومجتمعات رقمية جديدة، وقنوات بديلة، وهو ما يعكس، بحسب التقرير، قدرة هذه الشبكات على التكيف السريع، ويبرز أهمية الرصد المستمر لمثل هذه الظواهر.

    تعزيز الأمن الرقمي لمواجهة الهجرة غير النظامية

    أصبح الفضاء الرقمي أحد الأبعاد الأساسية في فهم الظواهر المرتبطة بالهجرة غير النظامية، بعدما تجاوز دوره نقل المعلومات إلى التأثير في تشكيل الروايات وتداولها وأنماط التعبئة.

    وتكشف التطورات التي رافقت أحداث سبتة أن الظواهر المرتبطة بالهجرة غير النظامية لم تعد تقتصر على تأمين الحدود أو مواجهة شبكات التهريب، بل أصبحت تشمل أيضا فهم الفضاء الرقمي الذي تتشكل داخله الروايات الداعية إلى الهجرة غير النظامية، وتنتشر عبره المعلومات، وتتبلور من خلاله ديناميات التعبئة.

    وفي هذا السياق، يخلص التقرير الاستخباراتي إلى أن ما شهدته سبتة المحتلة لا يمكن تفسيره من منظور الحدود المادية وحده، بل يبرز الدور الذي اضطلع به البعد الرقمي في التأثير على مسار الأحداث، بما يجعل فهم هذا المكون المعلوماتي ضرورة لتوقع تحليل الظواهر ذات الخصائص المماثلة.

    ويرى الهزاز أن مواجهة هذا النوع من الحملات تستدعي الانتقال من منطق المراقبة الشاملة إلى مقاربة تقوم على الرصد الذكي للمخاطر، موضحا أن ذلك يمر عبر توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد الأنماط السلوكية، والاستفادة من تحليل البيانات المفتوحة (OSINT) بدل اللجوء إلى أساليب التجسس المباشر، أي مراقبة ما هو متاح للجميع، مع وضع إطار قانوني واضح يحدد ضوابط التدخل ويخضع للرقابة القضائية، إلى جانب تعزيز الشراكات مع المنصات الرقمية “Telegram” و”Meta” و”whatsapp”، للحد من المحتوى التحريضي والشبكات المنظمة، وإشراك المجتمع المدني في جهود التوعية.

    وتبرز هذه المقاربة أن حماية الحدود لم تعد تنفصل عن حماية الفضاء الرقمي، وأن الحد من مخاطر الهجرة غير النظامية يقتضي بناء وعي رقمي، ورصدا مبكرا للمحتوى المضلل، وتعاونا بين المؤسسات العمومية والمنصات الرقمية والمجتمع المدني.

  • الدولة الاجتماعية بالمغرب.. خريطة ربع قرن من الإصلاحات

    الدولة الاجتماعية بالمغرب.. خريطة ربع قرن من الإصلاحات

    على امتداد أكثر من عقدين، انتقلت الدولة الاجتماعية في المغرب من مفهوم يطرح في النقاشات العمومية إلى ورش إصلاحي واسع تتقاطع فيه السياسات الصحية والاجتماعية والاقتصادية.

    ولم يكن التحول نتيجة برنامج حكومي محدود، بل جاء ضمن رؤية قادها الملك محمد السادس، انطلقت من تشخيص مواطن الهشاشة والفوارق الاجتماعية، قبل أن تترجم إلى إصلاحات متتالية شملت الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والدعم المباشر للأسر وسياسات السكن وتأهيل الخدمات الأساسية.

    ومن خلال تتبع الخطب الملكية ومحطات إطلاق هذه الأوراش، تتضح معالم مسار اعتمد التدرج في الإصلاح وربط التشخيص بالتنزيل والمتابعة.

    من محاربة الفقر إلى الاستثمار في الإنسان

    شكل إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في 18 ماي 2005 إحدى المحطات الأولى التي رسمت التوجه الاجتماعي للعهد الجديد، بنقل تدخل الدولة من مساعدات متفرقة إلى مشاريع تنطلق من حاجيات السكان، وتشمل فك العزلة، ودعم التمدرس، وتحسين الولوج إلى الماء والصحة، ومواكبة الأشخاص في وضعية هشاشة.

    ومع إطلاق المرحلة الثالثة من المبادرة سنة 2018، اتسع مجال تدخلها ليشمل تنمية الرأسمال البشري، والطفولة، وتحسين الدخل، والإدماج الاقتصادي للشباب.

    ولم تعد محاربة الفقر، وفق المقاربة الملكية لجلالة الملك محمد السادس، مرتبطة فقط بتقديم مساعدة آنية، وإنما بمعالجة أسبابه منذ السنوات الأولى لحياة المواطن، انطلاقا من الأوراش التي مولتها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، فالطفل الذي يستفيد من التعليم الأولي والتغذية والنقل المدرسي تكون فرصته في مواصلة الدراسة أكبر من طفل تحدد هشاشة أسرته مساره منذ البداية.

    خطاب العرش 2018.. إعادة ترتيب السياسة الاجتماعية

    في خطاب عيد العرش ليوم 29 يوليوز 2018، وضع الملك محمد السادس البعد الاجتماعي في صدارة أولويات المرحلة، مؤكدا أن “الشأن الاجتماعي يحظى عندي باهتمام وانشغال بالغين، كملك وكإنسان”.

     ولم يكتف الخطاب بتأكيد مركزية هذا الورش، بل قدم تشخيصا واضحا للاختلالات التي كانت تحد من نجاعة منظومة الدعم الاجتماعي، مشيرا إلى أن تعدد البرامج، رغم الاعتمادات المالية المهمة التي ترصدها الدولة، لم يكن كفيلا بتحقيق الأثر المطلوب بسبب تشتت المتدخلين، وضعف التنسيق، وعدم دقة آليات استهداف المستفيدين.

    ومن هذا المنطلق، وجه الملك إلى إحداث السجل الاجتماعي الموحد واعتماد معايير دقيقة وموضوعية لتحديد الأسر المستحقة، بما يؤسس لمرحلة جديدة تقوم على توحيد منظومة الاستهداف وربط الاستفادة بالوضعية الاجتماعية والاقتصادية للأسر، عوض الاعتماد على لوائح وبرامج متفرقة.

    وفي قراءته لهذا المسار، يرى الخبير الاستراتيجي والاقتصادي، محمد أمين سامي، أن الدولة الاجتماعية في المغرب لم تكن نتاج قرار واحد، بل ثمرة رؤية ملكية متدرجة قادها جلالة الملك محمد السادس، انطلقت مع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005، ثم تعززت بدسترة الحقوق الاجتماعية سنة 2011، قبل أن تدخل مرحلة إعادة هيكلة منظومة الحماية الاجتماعية ابتداء من خطاب العرش لسنة 2018.

    ويوضح سامي في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن هذا المسار يعكس انتقالا تدريجيا من معالجة مظاهر الفقر والهشاشة إلى بناء الأسس القانونية والمؤسساتية للدولة الاجتماعية، عبر توحيد منظومة الدعم، وتحسين آليات الاستهداف، وربط السياسات الاجتماعية بالنجاعة والأثر الفعلي على حياة المواطنين.

    خطاب العرش 2020.. الحماية الاجتماعية لكل المغاربة

    سرّعت جائحة كورونا هذا المسار، بعدما كشفت أن فئات واسعة من المهنيين والفلاحين والتجار والحرفيين والعاملين لحسابهم الخاص ظلت خارج أنظمة التأمين، وأن توقف النشاط أو المرض يمكن أن يفقد الأسرة دخلها في وقت قصير.

    وفي خطاب عيد العرش بتاريخ 29 يوليوز 2020، أعلن جلالة الملك محمد السادس التوجه نحو “توفير الحماية الاجتماعية لكل المغاربة، التي ستبقى شغلنا الشاغل حتى نتمكن من تعميمها على جميع الفئات الاجتماعية”.

    وربط الخطاب هذا القرار بالعدالة الاجتماعية والمجالية، معتبرا أن تعميم الحماية ينبغي أن يشمل جميع الفئات، وليس فقط العاملين في الوظيفة العمومية أو القطاع الخاص المنظم.

    وفي خطاب افتتاح البرلمان في 9 أكتوبر 2020 بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية العاشرة، نقلت التوجيهات الملكية المشروع من الإعلان السياسي إلى جدول للتنفيذ، يقوم على أربعة مكونات هي تعميم التأمين الإجباري عن المرض، والتعويضات العائلية، وتوسيع التقاعد، ثم التعويض عن فقدان الشغل.

    14 أبريل 2021.. من التوجيه إلى التنفيذ

    في 23 مارس 2021، صدر القانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية، ليمنح المشروع مرجعية قانونية تتجاوز البرامج الحكومية الظرفية.

    وبعد ذلك، ترأس الملك محمد السادس يوم 14 أبريل 2021، بالقصر الملكي بفاس، حفل إطلاق تنزيل مشروع تعميم الحماية الاجتماعية وتوقيع الاتفاقيات الأولى المتعلقة به.

    ومثلت هذه الخطوة بداية إدماج تدريجي للفئات التي ظلت لسنوات خارج منظومة التأمين الصحي، مما مكن فئات مهنية واجتماعية جديدة من الولوج إلى التغطية الصحية والاستفادة من خدماتها في مواجهة تكاليف العلاج.

    وفي 13 يوليوز 2022، ترأس جلالة الملك مجلسا وزاريا جرى خلاله التداول في مشروع القانون الإطار رقم 06.22 المتعلق بالمنظومة الصحية الوطنية.

    وجاء المشروع لتوفير الشروط الضرورية لإنجاح تعميم الحماية الصحية، من خلال حكامة جديدة، وتأهيل العرض الصحي، وتثمين الموارد البشرية، ورقمنة الخدمات، وضمان توزيع أكثر إنصافا للعلاجات بين مختلف مناطق المملكة.

    ومن أبرز مكونات الإصلاح إحداث المجموعات الصحية الترابية، التي تهدف إلى تدبير المؤسسات الصحية داخل كل جهة ضمن شبكة منسجمة، بدل استمرار المستشفيات والمراكز في العمل بصورة منفصلة.

    ويعتبر محمد أمين سامي أن الانتقال من تعميم التغطية الصحية إلى إصلاح المنظومة الصحية يعكس تطورا في الرؤية الملكية من ضمان الحق في التأمين إلى ضمان الحق في العلاج، موضحا أن “الحماية الاجتماعية لا تتحقق بمجرد منح المواطن بطاقة التأمين، وإنما بتوفير مستشفى قريب، وأطر صحية كافية، وتجهيزات ملائمة، وحكامة قادرة على ضمان جودة الخدمات”.

    وتابع أنه لهذا الغرض جاء إصلاح المنظومة الصحية مكملا لورش الحماية الاجتماعية، حتى يتحول الحق الدستوري في العلاج إلى خدمة عمومية متاحة لجميع المواطنين بمختلف جهات المملكة.

    تدشينات تواكب تعميم التغطية

    سبق إصلاح المنظومة الصحية إعطاء الملك، في 5 ماي 2022، انطلاقة أشغال المركز الاستشفائي الجامعي الجديد ابن سينا بالرباط، باستثمار يناهز 6 مليارات درهم.

    ولا يقتصر دور المشروع على زيادة الطاقة الاستيعابية، بل يشمل التخصصات الدقيقة والتكوين والبحث الطبي، فالمستشفى الجامعي يعالج المرضى، لكنه يكوّن أيضا الأطباء والممرضين الذين تحتاج إليهم المؤسسات الصحية في باقي الجهات.

    كما أعطى الملك في يناير 2022 انطلاقة مشروع وحدة صناعية لإنتاج اللقاحات ببنسليمان، ضمن توجه يهدف إلى تحقيق السيادة الصحية وتقليص التبعية للأسواق الخارجية.

    وإلى جانب المؤسسات الكبرى، جرى نشر وحدات صحية متنقلة ومتصلة لفائدة المناطق القروية والنائية، قبل إطلاق مرحلة إضافية في 26 مارس 2024 شملت 50 وحدة جديدة.

    وتستجيب هذه الوحدات لمشكلة عملية تواجه سكان القرى والجبال على رأسها المسافة بين المواطن والطبيب، إذ بدلا من تحمل تكاليف النقل والإقامة، تصل بعض الفحوصات والاستشارات إلى منطقته، مع إمكانية الاستعانة بالطب عن بعد.

    2023.. استهداف مباشر للدعم والسكن

    بعد التغطية الصحية، انتقلت الدولة الاجتماعية إلى حماية دخل الأسر، ففي خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية الحادية عشرة يوم 13 أكتوبر 2023، أكد جلالته أن الدعم المباشر ينبغي أن يشمل الأطفال المتمدرسين، والأطفال في وضعية إعاقة، وحديثي الولادة، والأسر التي تعيل مسنين.

    وقال العاهل المغربي ” وسنشرع، بعون الله وتوفيقه، في نهاية هذه السنة، في تفعيل برنامج الدعم الاجتماعي المباشر. وتجسيدا لقيم التضامن الاجتماعي، الراسخة عند المغاربة، فقد قررنا ألا يقتصر هذا البرنامج، على التعويضات العائلية فقط؛ بل حرصنا على أن يشمل أيضا بعض الفئات الاجتماعية، التي تحتاج إلى المساعدة”.

    وبعد أيام، ترأس جلالة الملك مجلسا وزاريا يوم 19 أكتوبر 2023، جرى خلاله عرض التوجهات المالية للبرنامج، مع التأكيد على ألا يقل الدعم عن 500 درهم شهريا لكل أسرة مستهدفة، مهما كانت تركيبتها.

    وبدأ صرف الدفعة الأولى من الدعم في 28 دجنبر 2023، تنفيذا للتوجيه الملكي القاضي بإطلاقه قبل نهاية السنة.

    وفي 17 أكتوبر 2023، ترأس الملك جلسة عمل خصصت لقطاع السكن، جرى خلالها تقديم برنامج الدعم المباشر للسكن للفترة 2024-2028.

    وحدد البرنامج مساعدة بقيمة 100 ألف درهم لاقتناء سكن لا يتجاوز ثمنه 300 ألف درهم، و70 ألف درهم للسكن الذي يتراوح ثمنه بين 300 ألف و700 ألف درهم.

    الجديد هنا هو توجيه الدعم إلى المقتني بدل ربطه بالمنعش أو المشروع العقاري. وبالنسبة إلى الأسرة، يمكن للمساعدة أن تغطي جزءا من التسبيق، وتخفض قيمة القرض والأقساط الشهرية.

    لا مجال لمغرب بسرعتين

    وفي خطاب عيد العرش يوم 29 يوليوز 2025، وضع جلالة الملك معيارا أكثر صرامة لقياس نتائج التنمية، قائلا “لن أكون راضيا، مهما بلغ مستوى التنمية الاقتصادية والبنيات التحتية، إذا لم تساهم، بشكل ملموس، في تحسين ظروف عيش المواطنين”، مضيفا “فلا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين”.

    ودعا جلالته إلى جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، يركز على التشغيل والتعليم والصحة والماء وتأهيل المناطق الأكثر هشاشة.

    ويحمل هذا التوجيه انتقالا من توسيع البرامج الاجتماعية على المستوى الوطني إلى مساءلة أثرها داخل كل جهة، فقد يستفيد مواطنان من التأمين والدعم نفسيهما، لكن وضعهما يظل مختلفا إذا كان أحدهما يعيش قرب مستشفى ومدرسة وفرص للعمل، بينما يبعد الآخر عشرات الكيلومترات عن أبسط الخدمات.

    وفي قراءته لهذه المرحلة، يرى المحلل الاستراتيجي والاقتصادي محمد أمين سامي أن انتقال الأوراش الملكية من تعميم الحماية الاجتماعية إلى ترسيخ العدالة المجالية يعكس تطورا في فهم أسباب الهشاشة.

    ويوضح ذلك بأن الفوارق الاجتماعية لا ترتبط فقط بدخل الأسرة، بل أيضا بالمجال الذي تعيش فيه، فالمواطن قد يستفيد من التأمين الصحي أو الدعم المباشر، لكنه يظل في وضع هش إذا كان بعيدا عن المستشفى أو المدرسة أو الماء أو فرص الشغل.

    لذلك، يضيف سامي، أن الرؤية الملكية انتقلت من حماية الفرد داخل مجال هش إلى تأهيل المجال نفسه، عبر ربط العدالة الاجتماعية بالتنمية الترابية المندمجة، بما يجعل مكان الولادة أو الإقامة أقل تأثيرا في فرص المواطن في الولوج إلى الخدمات الأساسية وتحسين ظروف العيش.

    ويؤكد المحلل ذاته أن عبارة جلالة الملك محمد السادس “لا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين”، لا تمثل مجرد شعار سياسي، بل تؤسس لمرحلة جديدة في تقييم السياسات العمومية، قوامها الانتقال من الاكتفاء بالمؤشرات الوطنية العامة إلى قياس أثر التنمية داخل كل جهة ومجال ترابي.

    وأبرز أن المطلوب لم يعد يقتصر على معرفة نسبة النمو الاقتصادي، بل يشمل أيضا تحديد أماكن إنتاج الثروة، وعدد مناصب الشغل اللائقة التي تم إحداثها، وحجم القيمة المضافة التي بقيت داخل المجالات الترابية، ومدى تحسن الولوج إلى الصحة والتعليم، وتطور دخل النساء والشباب، وتراجع الهجرة الاضطرارية.

    وشدد محمد أمين سامي على أن الرؤية الملكية لا تستهدف الحد من دينامية الجهات الأكثر تقدما، وإنما تسريع وتيرة تنمية المجالات الأقل استفادة وربطها بمحركات النمو الوطنية، بما يرسخ عدالة مجالية حقيقية داخل إطار الدولة الاجتماعية.

  • 27 سنة من الرؤية الملكية.. هندسة متعددة الأبعاد للعقيدة الأمنية المغربية في مواجهة الإرهاب

    27 سنة من الرؤية الملكية.. هندسة متعددة الأبعاد للعقيدة الأمنية المغربية في مواجهة الإرهاب

    منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش سنة 1999، أصبح ملف مكافحة الإرهاب أحد أبرز أولويات الدولة المغربية، في سياق إقليمي ودولي مطبوع بصعود التنظيمات المتطرفة وتنامي المخاطر العابرة للحدود.

    وجعل المغرب بقيادة جلالة الملك محمد السادس، جعل من مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أولوية وطنية واستراتيجية، بما ينسجم مع خياره الدستوري الثابت في ترسيخ دولة الحق والقانون، وتعزيز مكانته داخل المنظومة المالية الدولية.

    وخلال سبعة وعشرين سنة من الحكم، تبلورت استراتيجية شمولية انتقلت بالمغرب من دولة مهددة إلى دولة مرجعية في إدارة المخاطر الإرهابية، تجمع بين المقاربة الأمنية الصارمة، والإصلاحات القانونية، وإعادة هيكلة الحقل الديني، فضلا عن الانخراط في المبادرات الدولية والإفريقية لمحاربة الإرهاب والتطرف العنيف.

    إعادة بناء المنظومة الأمنية

    وتزامن جزء كبير من عهد جلالة الملك محمد السادس مع حدثين مفصليين، هما هجمات 11 شتنبر 2001 في الولايات المتحدة، وتفجيرات الدار البيضاء سنة 2003، اللذان كشفا هشاشة المنظومة الأمنية التقليدية وفرضا مراجعة شاملة للأدوات المعتمدة في مواجهة الإرهاب.

    وساهمت التحولات في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، وصعود جماعات مثل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، في دفع المغرب إلى بناء رؤية استباقية تتجاوز الدفاع عن الحدود الوطنية إلى المشاركة النشطة في أمن الفضاء الإقليمي الأوسع.

    وأعاد المغرب هيكلة أجهزته الأمنية والاستخباراتية، وعزز التنسيق بين المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، والأمن الوطني، والدرك الملكي، ما مكّن من الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل الاستباقي.

    وشكّل إحداث المكتب المركزي للأبحاث القضائية سنة 2015 نقطة تحول، حيث أصبح هذا الجهاز المتخصص في جرائم الإرهاب أحد الفاعلين الرئيسيين في تفكيك الخلايا المتطرفة وضربها في مهدها قبل المرور إلى التنفيذ.

    وبعد أحداث الدار البيضاء سنة 2003، اعتمد المغرب قانونا خاصا بمكافحة الإرهاب يجرّم الأعمال الإرهابية ويحدد صور الجريمة عندما تستهدف النظام العام بالتخويف أو العنف، مع تشديد العقوبات على الانضمام للتنظيمات الإرهابية وتمويلها.

    وتطورت هذه الترسانة مع قوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، التي سمحت برفع السرية البنكية في حالات الاشتباه، واعتماد آليات مثل التسليم المراقب، واعتراض الاتصالات، وتوسيع الاختصاص القضائي لملاحقة المتورطين داخل وخارج التراب الوطني.

    البعد الديني والفكري في رؤية الملك 

    وتبنى المغرب، منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه، فلسفة أن الأمن لا يتحقق فقط عبر الزجر، بل يتطلب أيضا “أمنا روحيا” يحول دون استغلال الدين في نشر خطاب الكراهية والتكفير، لذلك أعيد تنظيم الحقل الديني عبر المجلس العلمي الأعلى، وتقنين الفتوى، وإعادة هيكلة وزارة الأوقاف.

    كما أطلقت برامج نوعية مثل برنامج “مصالحة” داخل السجون، الذي يقوم على إعادة التأهيل الديني والمواكبة النفسية، ونشر ثقافة حقوق الإنسان، ما يعكس محاولة معالجة جذور التطرف، لا الاكتفاء بالعقاب الزجري.

    وفي نونبر الماضي، أعلنت المندوبية العامة لإدارة السجون أنه تم الإفراج عن 288 سجينا مدانين بقضايا “التطرف والإرهاب” منذ إطلاق البرنامج عام 2017.

    وأوضحت أن “198 سجينا استفادوا من برنامج المصالحة بإطلاق سراحهم بعفو ملكي و90 سجينا الباقون انتهت مدة سجنهم”.

    نجاح البرنامج شكل منطلقا حاسما للعبور نحو مرحلة جديدة عنوانها ترسيخ نهج المأسسة، وفق ما أكده رئيس مركز “مصالحة”، أحمد عبادي، يوليوز الماضي، معلنا إطلاق برنامج خاص بالعائدين من بؤر التوتر.

    وكشف أن البرنامج انطلق بمشاركة الفوج الأول الذي يضم 21 نزيلا، موضحا أن هذا البرنامج يأتي في سياق استكمال وتطوير المقاربة الوطنية في مجال الوقاية من التطرف العنيف وإعادة التأهيل والإدماج، من خلال توفير مواكبة متعددة الأبعاد لهذه الفئة تراعي خصوصيات مساراتها، وتستجيب لحاجياتها النفسية والاجتماعية والفكرية، وتلبي متطلبات إدماجها الآمن والمسؤول داخل حضن المجتمع.

    الأمن الاستباقي بلغة الأرقام

    وأصبح المغرب نموذجا في استباق الخطر الإرهابي محليا وإقليميا ودوليا، إذ كشفت وزارة الداخلية عن تفكيك أكثر من 200 خلية إرهابية منذ سنة 2002 إلى غاية نونبر 2025، من بينها ثلاث خلايا خلال 2025، وخمس خلايا خلال سنة 2024.

     وأظهرت الأبحاث ارتباط عدد من أفراد هذه الخلايا بتنظيمات إرهابية تنشط، على الخصوص، بمنطقة الساحل والصحراء، وهو ما يعكس استمرار التهديدات الإقليمية وتطورها.

    وأكدت الداخلية أن مواجهة هذه الأخطار تقوم على مقاربة استباقية ترتكز على الرصد المبكر، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز التعاون الدولي، وهو ما مكن المغرب من الإسهام في إحباط عدد من المخططات الإرهابية وتعزيز مكانته كشريك موثوق في جهود مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.

    ولم تعد المقاربة الاستباقية تقتصر على المجال الميداني، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، حيث واصلت المديرية العامة لأمن نظم المعلومات، التابعة لإدارة الدفاع الوطني، تنزيل الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني في أفق 2030. وخلال سنة 2025،

     تم رصد 879 حادثا سيبرانيا، استدعى 109 منها تدخلا مباشرا من مركز اليقظة والرصد والتصدي للهجمات المعلوماتية، كما خضعت 76 منصة وتطبيقا إلكترونيا لعمليات افتحاص أمني، كشفت عن 20 ثغرة أمنية حرجة تمت معالجتها، إلى جانب مواصلة تأهيل مقدمي خدمات افتحاص أمن نظم المعلومات وخدمات الثقة الرقمية، بما يعزز حماية البنيات التحتية الحيوية ويكرس الأمن السيبراني كركيزة أساسية في منظومة الأمن الوطني.

    تدخلات متعددة الأبعاد

    ولا يمكن اختزال المقاربة الأمنية الاستباقية التي يعتمدها المغرب في مكافحة الإرهاب فقط، إذ باتت تقوم على مواجهة مختلف التهديدات العابرة للحدود، من الجريمة المنظمة والاتجار الدولي بالمخدرات إلى التهريب والجرائم السيبرانية.

    وتعكس حصيلة سنة 2025 توسيع نطاق هذه المقاربة، من خلال تعزيز القدرات الاستخباراتية والتقنية، وتكثيف العمليات الميدانية، وتطوير آليات التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية.

    وتظهر حصيلة المديرية العامة للأمن الوطني برسم سنة 2025 استمرار تنفيذ الاستراتيجية المرحلية لمكافحة الجريمة للفترة الممتدة بين 2022 و2026، عبر تقوية بنيات مكافحة الجريمة، وتطوير مختبرات الشرطة العلمية والتقنية، وتوسيع استخدام الاستعلام الجنائي والدعم التقني في الأبحاث.

    وأسفرت هذه الجهود عن تفكيك 1112 شبكة إجرامية وتوقيف 1737 شخصا مرتبطين بها، إلى جانب حجز 166 سيارة و112 دراجة نارية استُعملت في أنشطتها.

    وتكتسب هذه الأرقام أهميتها بالنظر إلى الطبيعة المركبة للشبكات الإجرامية، التي تنشط في تهريب المخدرات والأشخاص، واستعمال الوثائق المزورة، وتبييض الأموال، مع امتدادات تتجاوز الحدود الوطنية.

    وفي السياق نفسه، سجلت وحدات الدرك الملكي خلال سنة 2025 ما يناهز 9000 قضية مرتبطة بتهريب المخدرات، مكنت من تفكيك 75 شبكة إجرامية، وحجز أزيد من 500 طن من المخدرات بمختلف أنواعها، إضافة إلى أكثر من 1812 وسيلة نقل استُعملت في الأنشطة الإجرامية.

    المخدرات جسر الجريمة إلى التمويل

    وتشكل المخدرات أحد أهم مصادر الدخل بالنسبة إلى شبكات الجريمة المنظمة، كما أن عائداتها قد تمر عبر الوسطاء وشركات الواجهة والتحويلات المالية والعقارات قبل إعادة إدماجها في الدورة الاقتصادية.

    وخلال سنة 2025، عالجت مصالح الأمن الوطني 106 آلاف و117 قضية مرتبطة بالمخدرات، وأوقفت 134 ألفا و126 شخصا، من بينهم 378 أجنبيا من جنسيات مختلفة.

    وبلغت المحجوزات 170 طنا و796 كيلوغراما من الحشيش ومشتقاته، وطنا و731 كيلوغراما و558 غراما من الكوكايين، و5 كيلوغرامات و996 غراما من الهيروين، فضلا عن مليون و591 ألفا و455 قرصا من المؤثرات العقلية، من بينها 350 ألفا و572 قرصا من مخدر “الإكستازي”.

    ولا تعكس هذه الأرقام فقط حجم سوق المخدرات، بل تظهر الطابع الدولي للشبكات المتورطة فيه، فقد شهدت سنة 2025 تنفيذ ست عمليات للتسليم المراقب بتنسيق مع إسبانيا، أسفرت عن حجز 55 طنا و471 كيلوغراما من مخدر الشيرا وتوقيف 38 شخصا يشتبه في تورطهم في الاتجار الدولي بالمخدرات.

    وتختلف عملية التسليم المراقب عن الحجز التقليدي، إذ تسمح للأجهزة الأمنية بمتابعة الشحنة تحت المراقبة، بهدف الوصول إلى باقي أعضاء الشبكة، وتحديد أماكن التخزين والتوزيع، وكشف الوسطاء والجهات التي تتولى تمويل العملية أو غسل عائداتها.

    وهذا النوع من العمليات يوضح كيف تتحول مكافحة المخدرات إلى مدخل للتعاون الاستخباراتي، لأن الشحنة قد تنطلق من دولة، وتعبر عدة بلدان، ويجري تمويلها من جهة أخرى، بينما توجد وجهتها النهائية داخل السوق الأوروبية.

    ما وراء الهجرة غير النظامية

    غالبا ما يظهر ملف الهجرة غير النظامية في صورة مجموعات من الأشخاص تحاول عبور الحدود أو الوصول إلى السواحل الأوروبية، لكن خلف هذه الصورة توجد شبكات تنظم النقل، وتجمع الأموال، وتوفر أماكن الإيواء، وتزور الوثائق، وتنسق مواعيد العبور.

    وخلال سنة 2025، فككت مصالح الأمن الوطني 105 شبكات تنشط في تنظيم الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، وأوقفت 415 منظما ووسيطا، كما حجزت 684 وثيقة سفر مزورة.

    وتمكنت العمليات الأمنية من إحباط محاولات هجرة غير نظامية كان يستعد لتنفيذها 34 ألفا و211 شخصا، من بينهم 7008 أجانب ينتمون إلى جنسيات إفريقية وعربية وآسيوية.

    وتظهر هذه المعطيات أن التعامل الأمني مع الهجرة لم يعد يقتصر على منع العبور، بل يتجه نحو تفكيك الشبكات التي تستفيد ماليا من المهاجرين. وهو تحول مهم، لأن المرشح للهجرة قد يكون ضحية للاستغلال أو الاتجار بالبشر، بينما يوجد المستفيد الحقيقي بعيدا عن نقطة الانطلاق أو العبور.

    كما أن شبكات الهجرة غير النظامية تمتلك خبرة في المسارات السرية وتزوير الوثائق وإخفاء الأشخاص ونقل الأموال. وهذه القدرات قد تجعلها موضع استغلال من شبكات أخرى تعمل في المخدرات أو تهريب المطلوبين، وقد تستفيد منها تنظيمات متطرفة في تحريك عناصر أو توفير دعم لوجستي.

    لذلك، أصبح التعاون المغربي الأوروبي في ملف الهجرة يشمل تبادل المعلومات حول المنظمين والوسطاء ومسارات الأموال والوثائق المزورة، وليس فقط مراقبة الحدود البحرية والبرية.

    الفضاء الرقمي “نواة” الاهتمام المغربي

    إلى جانب الطرق التقليدية للتهريب والتنقل، أصبح الإنترنت مجالا أساسيا لنشاط الجماعات المتطرفة والشبكات الإجرامية. فمن خلاله يجري الاستقطاب ونشر الدعاية وتبادل التعليمات وجمع الأموال والتنسيق بين أفراد لا يلتقون بالضرورة على أرض الواقع.

    وخلال سنة 2025، عالجت مصالح الأمن الوطني 13 ألفا و643 قضية مرتبطة بالتكنولوجيات الحديثة والابتزاز المعلوماتي، ورصدت 3131 محتوى ذا طبيعة إجرامية، كما بلغ عدد الانتدابات الدولية الموجهة في هذه القضايا 1036 انتدابا، فيما تم توقيف وإحالة 415 شخصا على العدالة.

    ومنذ إطلاق منصة “إبلاغ” في يونيو 2024، توصلت المنصة بـ25 ألفا و876 إشعارا وبلاغا، شملت التشهير والتحريض والتهديد بارتكاب جرائم والابتزاز الجنسي وانتحال الصفة والإشادة بالأعمال الإرهابية.

    وفي الشق المتعلق بالإرهاب والتطرف، أحالت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية خلال سنة 2025 ما مجموعه 21 شخصا على النيابة العامة المختصة، دون احتساب الملفات التي عالجها المكتب المركزي للأبحاث القضائية التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.

    وتوزعت الحالات بين ثمانية أشخاص للاشتباه في ارتباطهم بخلية إرهابية والإعداد لأعمال إرهابية والإشادة بها، وسبعة أشخاص من أجل تحريض الغير على الالتحاق بتنظيمات إرهابية في الخارج، وشخصين للاشتباه في التخطيط لعمل إرهابي ضمن عصابة إجرامية، وأربعة أشخاص من أجل التهديد بارتكاب عمل إرهابي.

    ولا تمثل هذه الأرقام الحصيلة الكاملة لمكافحة الإرهاب في المغرب، لأنها لا تشمل القضايا التي باشرها المكتب المركزي للأبحاث القضائية، لكنها تكشف تعدد المراحل التي يمكن أن يتدخل فيها العمل الاستباقي، من الإشادة والتحريض إلى التجنيد والتخطيط.

    الساحل… مصدر للتهديد ومحرك للتحالفات

    تكتسب الشراكات الأمنية التي يبنيها المغرب بتوجيهات ملكية سامية أهميتها في سياق إقليمي مضطرب، فقد ساهمت الانقلابات العسكرية التي شهدتها مالي وبوركينا فاسو والنيجر، إلى جانب انسحاب أو تقليص حضور عدد من بعثات حفظ السلام الأممية، في تغيير موازين القوة داخل الساحل.

    وفي المناطق التي تراجع فيها حضور الدولة، وجدت التنظيمات المتطرفة مجالا أوسع للتحرك، وفرض الإتاوات، والسيطرة على بعض الطرق، واستغلال التجارة غير المشروعة، كما أصبحت قادرة على بناء علاقات مع شبكات محلية تنشط في تهريب الوقود والذهب والأسلحة والمخدرات والبشر.

    ولا يعني ذلك بالضرورة وجود اندماج كامل بين كل الشبكات الإجرامية والجماعات الإرهابية، لكن الطرفين قد يستفيدان من الطرق نفسها والوسطاء أنفسهم، فقد تدفع جماعة مسلحة مقابلا لشبكة تهريب من أجل نقل عناصر أو أسلحة، بينما تستفيد الشبكة الإجرامية من حالة الفراغ الأمني التي تفرضها الجماعة داخل منطقة معينة.

    وهنا يكمن الخطر بالنسبة إلى المغرب ودول جنوب أوروبا، فالمسافة الجغرافية بين مناطق نشاط الجماعات الإرهابية في الساحل وبين السواحل المتوسطية لم تعد حاجزا أمنيا كافيا، خصوصا مع وجود مسارات للتهريب وشبكات دعم لوجستي واتصالات رقمية تسمح بإدارة العمليات عن بعد.

    وأظهرت عملية أمنية مشتركة نفذها المغرب وإسبانيا في 25 مارس 2026 هذا الترابط بين التهديد الإفريقي والخطر الأوروبي، بعدما جرى تفكيك خلية مرتبطة بتنظيم “داعش”، بعد توقيف عنصرين في طنجة ومشتبه فيه ثالث في جزيرة مايوركا الإسبانية، وأفادت المعطيات المنشورة بأن التحقيقات شملت شبهات تتعلق بتمويل الإرهاب والإعداد لتنفيذ هجوم داخل إسبانيا.

    وتعكس هذه العملية انتقال التعاون المغربي الإسباني إلى مستوى التدخل المتزامن، فبدلا من أن يعمل كل جهاز بصورة منفصلة، أصبحت التحقيقات تدار بطريقة تسمح بتوقيف أعضاء الشبكة في أكثر من دولة وفي توقيت متقارب، بما يقلل من إمكانية فرار المشتبه فيهم أو إتلاف الأدلة.

    كما تعكس العملية تغير طبيعة الخلايا الإرهابية نفسها، إذ لم تعد الخلية بالضرورة مجموعة مجتمعة في مكان واحد، بل قد يكون أعضاؤها موزعين بين مدينتين أو دولتين، ويتولون أدوارا مختلفة تشمل التمويل والاستقطاب والتواصل وجمع المعلومات والتحضير الميداني.

    وفي قراءته لهذا التحول، يرى الخبير في القضايا الأمنية محمد شقير، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن ما يميز التجربة المغربية اليوم هو أنها لم تعد تقتصر على تبادل المعلومات الأمنية مع الشركاء الدوليين، بل أصبحت تساهم في إنتاج المعلومة الاستخباراتية التي تُبنى عليها تحقيقات وعمليات دولية معقدة.

    ويؤكد شقير أن الثقة التي تحظى بها الأجهزة المغربية لم تأت من فراغ، وإنما هي نتيجة سنوات من اعتماد المقاربة الاستباقية، وتطوير قدرات الرصد والتحليل، والنجاح في تفكيك الخلايا الإرهابية قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ، وهو ما جعل المغرب ينتقل تدريجيا من دولة تتلقى المعلومات الأمنية إلى شريك يشارك في إنتاج الأمن الإقليمي والدولي.

    من حماية الداخل إلى المساهمة في الأمن الدولي

    وأصبح المغرب، بفضل هذه الاستراتيجية المتعددة الأبعاد، شريكا رئيسيا للعديد من الدول الأوروبية والإفريقية في تبادل المعلومات الاستخباراتية حول الشبكات الإرهابية، وساهمت معطياته في إحباط عمليات خارج حدوده الوطنية.

    المغرب اليوم، بفضل الرؤية الملكية، أضحى أيضا مرجعا في المقاربة الشمولية لمكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، وهو ما يتجلى في انتخابه لرئاسة المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب وتجديد الثقة فيه داخل الأطر متعددة الأطراف.

    وبُنيت المقاربة المغربية في مكافحة الإرهاب على فكرة أساسية هي عدم انتظار وصول الخطر إلى مرحلة التنفيذ، وهو ما يفسر حضور مفهوم “الأمن الاستباقي” في الخطاب الأمني المغربي، باعتباره عملا يبدأ بجمع المعطيات وتحليلها، ويمر برصد مؤشرات التطرف والتجنيد والتمويل، وينتهي بالتدخل قبل الانتقال إلى الفعل الإرهابي.

    لكن قيمة هذه المقاربة لم تعد تقاس فقط بعدد الخلايا التي يجري تفكيكها داخل المغرب، بل أيضا بقدرة الأجهزة المغربية على توفير معلومات تسمح بإحباط عمليات أو تفكيك شبكات خارج التراب الوطني.

    وتكشف قضايا دولية عرضت أمام القضاء الأمريكي أن العلاقة الأمنية بين المغرب والولايات المتحدة تجاوزت مستوى التعاون التقليدي، من خلال تبادل المعلومات أو تقديم الدعم التقني، بل اتخذ طابعا عملياتيا مباشرا.

    ففي مارس الفارط، كشفت وثائق قضائية صادرة عن مكتب المدعي العام للولايات المتحدة للمنطقة الشرقية لولاية فيرجينيا، في قضية تسليح كارتل “خاليسكو الجيل الجديد”، أن الأجهزة الأمنية المغربية نفذت عملية توقيف المتهم الكيني إليشا أوديامبو أسومو بالدار البيضاء، قبل استكمال إجراءات تسليمه إلى الولايات المتحدة، في خطوة اعتبرتها واشنطن حاسمة في تفكيك الشبكة

     وفي قضية ثانية خاصة بـ”الناركو-إرهاب” متعلقة بأنطوان قسيس، فقد ساهمت المديرية العامة للأمن الوطني في دعم التحقيق الدولي عبر توفير معطيات أمنية واستخباراتية ضمن فريق دولي تقوده إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية، ما أسهم في جمع الأدلة التي قادت إلى إدانة المتهم.

    ويعكس هذا التدخل المباشر انتقال المغرب إلى موقع الشريك التنفيذي في العمليات الأمنية الدولية، إذ لم يعد مجرد طرف يقدم المساندة أو يتجاوب مع طلبات التعاون القضائي.

    أيضا، يعد التعاون الأمني بين المغرب وإسبانيا نموذجا واضحا لشراكة تتجاوز البعد الثنائي التقليدي نحو تنسيق استراتيجي قائم على الثقة وتبادل الخبرات.

    وأضحت المملكة المغربية، في السياق الأوروبي والمتوسطي، ينظر إليها باعتبارها فاعلا أمنيا لا يكتفي بحماية حدوده ومجاله الداخلي، بل يساهم أيضا في دعم الاستقرار الإقليمي عبر عمل استخباراتي وعملياتي متقدم، خاصة في ملفات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية.

    هذا التحول يعكس مكانة المغرب كقوة أمنية ذات وزن متزايد في محيطه الجغرافي، وقادرة على بناء شراكات عملية مع الدول الأوروبية الأكثر احتياجا إلى التنسيق الأمني.

    وتبرز أهمية هذا التعاون أيضا في كونه تعاونا وظيفيا وميدانيا، لا يقتصر على اللقاءات الدبلوماسية أو البروتوكولات الرسمية، بل يمتد إلى عمليات مشتركة وتبادل للمعلومات أفضى في أكثر من مناسبة إلى تفكيك شبكات إجرامية عابرة للحدود.

    وفي هذا السياق، يظهر المغرب كشريك أمني موثوق لدى مدريد، بالنظر إلى خبرته في تتبع التهديدات الإرهابية وتفكيك الشبكات الدولية المرتبطة بتهريب المخدرات والاتجار غير المشروع.

    كما اكتسبت الشراكة الأمنية المغربية بعدا دوليا أوسع مع مساهمة الأجهزة المغربية في تأمين مونديال قطر 2022، حيث تم الاستعانة بالخبرة المغربية ضمن الجهود الأمنية المرتبطة بهذا الحدث العالمي.

    وقد عكس ذلك اعترافا عمليا بالكفاءة التي راكمتها الأجهزة الأمنية المغربية في إدارة المخاطر الكبرى وتأمين التظاهرات ذات الحساسية العالية، وهو ما عزز صورة المغرب كفاعل أمني دولي قادر على تصدير خبرته خارج حدوده.

    تحول عميق في العقيدة الأمنية

    ويرى الخبير محمد شقير، أن الأرقام المسجلة لا تعكس فقط كفاءة في ضبط الجريمة، بل تحولا عميقا في العقيدة الأمنية المغربية، التي انتقلت من التدخل بعد وقوع الجريمة إلى استباقها وضرب بنيتها التنظيمية والمالية واللوجستية قبل أن تتحول إلى تهديد فعلي.

    ويوضح، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن هذا التحول هو نتيجة تراكم خبرة استخباراتية امتدت لعقود، بدأت مع مواجهة التنظيمات المتطرفة منذ سبعينيات القرن الماضي، ثم تعززت بعد هجمات الدار البيضاء سنة 2003، حيث طور المغرب منظومة متكاملة تجمع بين العمل الاستخباراتي والبحث القضائي والتنسيق الميداني.

    ويؤكد أن التعاون الأمني المغربي الأمريكي دخل مرحلة جديدة بعد هجمات 11 شتنبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ لم يعد المغرب مجرد متلق للمعلومات، بل أصبح شريكا يساهم في إنتاجها وتحليلها، وشارك في تحقيقات مرتبطة بعناصر متطرفة بفضل الخبرة التي راكمها محققوه في فهم بنية التنظيمات الإرهابية وخطابها وأساليب تجنيدها.

    وأسهمت معلومات قدمتها الأجهزة المغربية في إحباط مخططات إرهابية خارج المملكة، سواء في الولايات المتحدة أو في عدد من الدول الأوروبية، وهو ما رسخ مصداقية الاستخبارات المغربية لدى شركائها الدوليين.

    ويضيف شقير أن نجاح المقاربة الاستباقية لم يرتبط فقط بقدرات التدخل، وإنما ببناء منظومة استخباراتية متكاملة تضم المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، والمديرية العامة للدراسات والمستندات، والمكتب المركزي للأبحاث القضائية، إلى جانب توظيف الوسائل الرقمية والرصد الإلكتروني والعمل الميداني، ما أتاح تكوين بنك معلومات واسع حول تحركات التنظيمات الإرهابية، خصوصا بعد انتقال نشاط تنظيم “داعش” إلى منطقة الساحل.

    ويبرز الخبير ذاته أن هذه المعطيات جعلت المغرب فاعلا أساسيا في الأمن الإقليمي، وأحد أبرز الشركاء الذين تعتمد عليهم الدول الغربية في مواجهة التهديدات الإرهابية العابرة للحدود، ما يفسر اتساع نطاق التعاون الأمني وتزايد الإشادة الدولية بالتجربة المغربية وتكريم مسؤوليها الأمنيين.

  • حقوق المرأة والأسرة في “العهد الجديد”.. مسار إصلاحي متجدد

    حقوق المرأة والأسرة في “العهد الجديد”.. مسار إصلاحي متجدد

    منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، عرفت قضايا المرأة والأسرة والحقوق والحريات في المغرب مسارا متدرجا من الإصلاح، جعل من هذه الملفات واحدة من أبرز واجهات التحول الاجتماعي والتشريعي الذي عرفته المملكة خلال أكثر من ربع قرن.

    وإذا كان إصلاح مدونة الأسرة سنة 2004 قد شكل نقطة انطلاق أساسية في إعادة ترتيب العلاقات داخل الأسرة المغربية، فإن المسار لم يتوقف عند حدود النص القانوني، بل امتد إلى تعزيز حضور المرأة في الحياة العامة والسياسية والاقتصادية، وتطوير الإطار المؤسساتي والقانوني لمحاربة العنف والتمييز، ثم فتح نقاش أوسع حول الحريات الفردية وحدود تدخل القانون في الحياة الخاصة.

    وبعد أكثر من عقدين على إصلاح مدونة الأسرة، عاد الملف إلى الواجهة من جديد، في سياق تغيرات عميقة مست بنية الأسرة المغربية وأدوار أفرادها، وفرضت مراجعة عدد من المقتضيات التي أظهرت الممارسة العملية محدوديتها أو الحاجة إلى تطويرها، لينتقل المسار من إصلاح أول سنة 2004 إلى مراجعة جديدة تسعى إلى مواكبة تحولات المجتمع.

    مدونة 2004 ورهانات النهوض بأوضاع المرأة

    شكل تعزيز تماسك الأسرة واستقرارها أحد الأبعاد الأساسية في مسار الإصلاح الذي عرفه المغرب خلال عهد جلالة الملك محمد السادس، باعتبار الأسرة نواة المجتمع وفضاء أساسيا لترسيخ قيم المواطنة والتماسك الاجتماعي؛ وهو توجه عبر عنه جلالة الملك في عدد من خطاباته، من خلال الربط بين بناء المجتمع الديمقراطي والحداثي وبين النهوض بالمؤسسات الاجتماعية، وفي مقدمتها الأسرة.

    وفي خطاب عيد العرش لسنة 2003، أكد جلالة الملك أن “كلنا مسؤولون فرادى وجماعات سلطات وهيآت أحزابا وجمعيات عن البناء الجماعي لمجتمعنا الديمقراطي الحداثي الذي هو مشروع الأمة بأسرها”.

    وانطلاقا من هذا التوجه، شكل إصلاح مدونة الأسرة سنة 2004 إحدى أبرز محطات إعادة تنظيم العلاقات الأسرية، قبل أن يتطور المسار ليشمل تعزيز حماية الأطفال وضمان حقوقهم، وتطوير آليات معالجة النزاعات الأسرية، ومواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي أثرت في بنية الأسرة وأدوار أفرادها.

    ويعكس هذا التوجه تصورا للأسرة باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للمجتمع، وهو ما جعل إصلاح مدونة الأسرة جزءا من مسار أوسع يروم تعزيز تماسكها ومواكبة التحولات التي عرفتها، إلى جانب تقوية حماية الأطفال وضمان حقوقهم، وتطوير آليات معالجة النزاعات الأسرية.

    وفي الثالث من فبراير 2004، صدر الظهير الشريف رقم 1.04.22 القاضي بتنفيذ القانون رقم 70.03 بمثابة مدونة الأسرة، لتحل المدونة الجديدة محل مدونة الأحوال الشخصية التي كانت سارية منذ سنة 1958.

    ولم يكن تغيير الاسم مجرد تحول شكلي، بل عكس انتقالا في تصور المشرع من تنظيم “الأحوال الشخصية” إلى تنظيم العلاقات الأسرية باعتبار الأسرة مؤسسة قائمة على حقوق وواجبات متبادلة بين مختلف أفرادها.

    وتميزت المدونة الجديدة بصياغة قانونية أكثر وضوحا ودقة، بما ينسجم مع طبيعة النصوص التشريعية ويسهل فهم مقتضياتها وتطبيقها، ويحد من الحاجة إلى تأويلات معقدة.

    وقد حملت مدونة 2004 مجموعة من المقتضيات التي عززت حماية حقوق المرأة والطفل، من خلال تكريس أهلية المرأة الراشدة في الزواج، وتشديد الرقابة القضائية على تعدد الزوجات، وتوسيع إمكانيات التطليق، وتعزيز حقوق الأطفال ومراعاة مصلحتهم في الحضانة، إلى جانب تنظيم تدبير الأموال المكتسبة أثناء الزواج ورفع سن الزواج إلى 18 سنة مع الإبقاء على الاستثناء القضائي، وأقرت آليات أكثر تنظيما لإنهاء العلاقة الزوجية.

    وتؤكد قلوب فيطح، رئيسة منظمة نساء حزب الأصالة والمعاصرة، أنه “فمنذ اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله عرش أسلافه الميامين، جعل قضية المرأة المغربية في صلب الإصلاحات الكبرى التي شهدتها المملكة، وقد حملت السنوات السبع والعشرون الماضية إصلاحات نوعية شكّلت محطات فارقة في مسار النهوض بأوضاع المرأة المغربية، من خلال أوراش دستورية وتشريعية ومؤسساتية عززت مكانتها، ووسعت آفاق مشاركتها في الحياة العامة، ورسّخت حضورها كشريك أساسي في بناء الوطن”.

    وشددت على أن إصلاح مدونة الأسرة سنة 2004 كان محطة مفصلية في هذا المسار، إذ شكَّل صدورها آنذاك ثورة تشريعية مجتمعية هادئة أنصفت المرأة المغربية من مظاهر الحيف التي كانت تطبع بعض الممارسات القانونية، وعزَّزت الحماية القانونية للأسرة، وكرَّست لمبدأ المسؤولية المشتركة بين الزوجين في تدبير شؤونها بما يحقق التوازن ويحفظ كرامة جميع أفرادها.

    دعوة ملكية جديدة لمراجعة المدونة

    غير أن مرور أكثر من عقدين على اعتماد المدونة، وما فرضه التطبيق الفعلي من تحديات وتحولات اجتماعية واقتصادية، أعاد النقاش حول مدى قدرة مقتضياتها على مواكبة الواقع الأسري الجديد.

    وامتدادا لمسار الإصلاح لسنة 2004، دعا جلالة الملك محمد السادس، في خطاب الذكرى الثالثة والعشرين لعيد العرش سنة 2022، إلى ضرورة تقييم مقتضيات مدونة الأسرة ومدى ملاءمتها للتحولات التي عرفها المجتمع المغربي، مشددا على أن المدونة، رغم ما شكلته من قفزة إلى الأمام، فإنها أصبحت غير كافية؛ لأن التجربة أبانت أن هناك عدة عوائق، تقف أمام استكمال هذه المسيرة، وتحول دون تحقيق أهدافها.

    وذكر جلالته في الخطاب بالمكانة التي خص بها المرأة والنهوض بأوضاعها وفسح آفاق الارتقاء أمامها، وإعطائها المكانة التي تستحقها، منذ اعتلائه العرش، مشيرا أن الإصلاحات التي قام بها “لا تتعلق بمنح المرأة امتيازات مجانية؛ وإنما بإعطائها حقوقها القانونية والشرعية. وفي مغرب اليوم، لا يمكن أن تحرم المرأة من حقوقها”.

    وفي 26 شتنبر 2023، دعا جلالة الملك محمد السادس، في رسالة وجهها إلى رئيس الحكومة، إلى إعادة النظر في بعض مضامين مدونة الأسرة، حيث قال: “ورغم ما جسدته من مميزات، وما أفرزته من دينامية تغيير إيجابي، من خلال منظورها للمساواة والتوازن الأسري، وما أتاحته من تقدم اجتماعي كبير، فإن مدونة الأسرة أضحت اليوم في حاجة إلى إعادة النظر بهدف تجاوز بعض العيوب والاختلالات، التي ظهرت عند تطبيقها القضائي، ومواءمة مقتضياتها مع تطور المجتمع المغربي ومتطلبات التنمية المستدامة، وتأمين انسجامها مع التقدم الحاصل في تشريعنا الوطني”.

    وفي هذا السياق، أكدت نجية تزروت، رئيسة شبكة الرابطة إنجاد ضد عنف النوع، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن الإصلاحات التي عرفتها المنظومة القانونية خلال العقدين الماضيين ساهمت في تحسين الوضع القانوني للنساء وتعزيز شعورهن بالأمن القانوني مقارنة بما كان عليه الوضع قبل سنة 2004.

    وتشير نجية تزروت بهذا الصدد إلى أن مدونة الأسرة لسنة 2004 شكلت محطة إصلاحية بارزة في مسار تعزيز حقوق النساء بالمغرب، وأسهمت في تحديث الإطار القانوني للأسرة.

    غير أن التجربة العملية، توضح المتحدثة، أظهرت أن ترسيخ المساواة الفعلية يظل رهينا باستكمال الإصلاح القانوني وتوفير شروط حسن تطبيقه، وتعزيز التمكين الاقتصادي والاجتماعي للنساء، إلى جانب تغيير العقليات وترسيخ ثقافة المساواة والعدالة داخل الأسرة والمجتمع.

    امتداد لمسار الإصلاح في “العهد الجديد”

    وانسجاما مع التوجيهات الملكية، انطلق سنة 2023 ورش مراجعة مدونة الأسرة، باعتباره امتدادا للإصلاح الذي دشّنته مدونة سنة 2004، ومرحلة جديدة تستهدف تطوير مكتسباتها ومعالجة الإشكالات التي أفرزها التطبيق، بما يواكب التحولات التي يشهدها المجتمع المغربي، ويعزز التوازن داخل الأسرة ويحافظ على تماسكها.

    وحدد جلالة الملك، في رسالته السامية، معالم هذا الورش، بعدما كلف وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة بالإشراف عليه، مع التأكيد على إشراك المجلس العلمي الأعلى، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والقطاع الحكومي المكلف بالتضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، إلى جانب الانفتاح على فعاليات المجتمع المدني والباحثين والخبراء، بما يضمن مقاربة تشاركية واسعة.

    وفي هذا السياق، أكدت رئيسة منظمة نساء الأصالة والمعاصرة أن مراجعة مدونة الأسرة تمثل محطة جديدة في مسلسل الإصلاح الذي يقوده جلالة الملك، وتروم تعزيز العدالة والإنصاف داخل الأسرة المغربية، بما يستجيب للتحولات المجتمعية ويحافظ، في الآن ذاته، على المرجعية الدستورية والثوابت الوطنية للمملكة.

    وأثمر هذا الورش حزمة من المقترحات همّت عددا من المقتضيات المرتبطة بالزواج والطلاق، والحضانة والنيابة القانونية عن الأطفال، والنفقة، وتدبير الأموال المكتسبة أثناء الزواج، فضلا عن مراجعة بعض الأحكام المتعلقة بالوصية والهبة والإرث.

    وتستهدف هذه التعديلات تطوير المكتسبات التي أقرها إصلاح سنة 2004، وتجاوز الإشكالات التي كشفت عنها الممارسة العملية، بما يعزز حماية الأسرة ويكفل حقوق مختلف أفرادها، في انسجام مع التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.

    وفي قراءة حقوقية لهذه المراجعة، ترى جميلة السيوري، المحامية بهيئة الرباط ورئيسة جمعية عدالة، أن المقترحات استجابت لعدد من التحولات التي عرفها المجتمع المغربي، من خلال مراجعة قواعد الزواج والطلاق والنفقة والحضانة، لكنها تعتبر، في المقابل، أنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من التطوير لترسيخ تصور يقوم على الشراكة والمساواة والمسؤولية المشتركة داخل الأسرة.

    إصلاح المدونة وتمكين المرأة

    اتخذ مسار تعزيز حقوق المرأة خلال عهد جلالة الملك محمد السادس أبعادا أوسع، ليشمل حضورها في الحياة العامة ومشاركتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب تطوير الإطار القانوني والمؤسساتي لحمايتها وتعزيز مبدأ المساواة.

    وقد ربط جلالة الملك محمد السادس بين إصلاح مدونة الأسرة وتمكين المرأة، مؤكدا في خطاب عيد العرش لسنة 2022 أن الأمر “لا يتعلق بمنح المرأة امتيازات مجانية؛ وإنما بإعطائها حقوقها القانونية والشرعية”، داعيا في الوقت نفسه إلى تفعيل المؤسسات المعنية بحقوق الأسرة والمرأة وتحيين الآليات والتشريعات الوطنية للنهوض بوضعيتها.

    وقد جاء دستور 2011 ليمنح هذا المسار سندا دستوريا أكثر وضوحا، من خلال تكريس مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، والنص على السعي إلى تحقيق المناصفة.

    وتعزز الإطار القانوني لحماية النساء من العنف، خصوصا مع دخول القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء حيز التنفيذ سنة 2018، ويهدف القانون إلى توفير الحماية القانونية للنساء ضحايا العنف، من خلال أربعة أبعاد، تهدف إلى ضمان الوقاية والحماية وعدم الإفلات من العقاب والتكفل الجيد بالضحايا.

    كما شهد حضور النساء في الحياة السياسية والمؤسساتية تطورا تدريجيا، وأصبح تمثيلهن في المؤسسات المنتخبة ومواقع المسؤولية جزءا من النقاش حول المناصفة والمشاركة في صناعة القرار.

  • من خطاب أجدير إلى التفعيل.. رحلة الأمازيغية في 27 سنة من “العهد الجديد”

    من خطاب أجدير إلى التفعيل.. رحلة الأمازيغية في 27 سنة من “العهد الجديد”

    على امتداد 27 سنة، انتقلت الأمازيغية في المغرب من مرحلة المطالبة بالاعتراف بمكانتها ضمن الهوية الوطنية، إلى لغة رسمية بنص الدستور، ثم إلى ورش مؤسساتي وقانوني يستهدف إدماجها في مختلف مجالات الحياة العامة.

    هذا التحول يعكس مسارا متدرجا لإعادة صياغة مفهوم الهوية المغربية في العهد الجديد، على أساس تعدد روافدها وتكامل مكوناتها، بما جعل الأمازيغية تنتقل من مستوى الاعتراف بمكانتها الثقافية إلى ترسيخ حضورها ضمن البناء الدستوري والمؤسساتي للدولة.

    فمنذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، دخلت الأمازيغية مرحلة جديدة اتسمت بانتقال التعامل معها من مستوى الاعتراف الثقافي إلى بناء مسار مؤسساتي للنهوض بها، توالت ضمنه محطات أساسية شملت خطاب أجدير وإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ثم الاعتراف الدستوري بها لغة رسمية، وصولا إلى وضع إطار قانوني لتفعيل هذا الطابع الرسمي وإدماجها في مجالات الحياة العامة.

    وفي “العهد الجديد”، لم تعد الأمازيغية موضوعا ثقافيا فحسب، بل أصبحت جزءا من السياسة اللغوية للدولة، ومسارا مؤسساتيا يرتبط بالتعليم والإدارة والقضاء والإعلام وغيرها من مجالات الحياة العامة.

    خطاب أجدير.. تأكيد الاعتراف باللغة الأمازيغية

    شكل خطاب أجدير الذي وجهه جلالة الملك محمد السادس في 17 أكتوبر 2001، محطة مفصلية في تاريخ المغرب، إذ مهد لمرحلة جديدة مع اللغة والثقافة الأمازيغيتين، حاملا دعوة واضحة إلى بناء وعي يقوم على الاعتراف بتعدد مكونات الهوية المغربية وتكاملها.

    وتجاوز خطاب أجدير التعامل مع الأمازيغية باعتبارها قضية لغوية أو ثقافية محددة، ليضعها في صلب الهوية الوطنية المشتركة، وجعل “تيفيناغ” جزءا أصيلا من الهوية المغربية الجامعة.

    وأكد جلالته في خطابه أن “الأمازيغية، التي تمتد جذورها في أعماق تاريخ الشعب المغربي، هي ملك لكل المغاربة بدون استثناء”، في تأكيد لموقعها ضمن الهوية المغربية الجامعة، وهو التوجه الذي تُرجم مؤسساتيا بإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في أكتوبر 2001، ليشكل إطارا مؤسساتيا للنهوض باللغة والثقافة الأمازيغيتين.

    وفي هذا السياق، أكد عبد الله بادو، عضو المكتب التنفيذي للشبكة الأمازيغية، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن خطاب أجدير شكل منعطفا تاريخيا حاسما في مسار القضية الأمازيغية، حيث نقلها من وضعية “الإنكار” إلى مرحلة “الاعتراف الرسمي والمأسسة”.

    فبفضل التوجيهات الملكية المتعاقبة، التي بدأت بـ”انفراج رمزي” في خطاب 20 غشت 1994 وتجذرت بـخطاب أجدير، تم إخراج الأمازيغية من دائرة “المطالبة الهامشية” إلى رحاب “الالتزام المؤسساتي”، يؤكد بادو.

    وأضاف أن “هذا الخطاب أسس لمرحلة “المأسسة” من خلال إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، كما أعطى للأمازيغية صفة “الرصيد المشترك” لكل المغاربة، مما وضع حدا للإنكار الرسمي وفتح المجال للعمل العلمي واللساني”.

    المعهد الملكي ركيزة النهوض بالأمازيغية

    منذ تأسيسه، اضطلع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بدور محوري في النهوض باللغة والثقافة الأمازيغيتين، وإدماجهما تدريجيا في مجالات حيوية، من قبيل التربية والتعليم والإعلام والثقافة، مستندا في ذلك إلى شبكة من الشراكات مع مؤسسات عمومية وقطاعات حكومية.

    وبعد مرور أكثر من عقدين على إحداثه، راكم المعهد حصيلة واسعة في مجالات البحث اللساني والإنساني، والتعليم والترجمة والنشر والإعلام، بما أسهم في بناء أدوات معرفية ولغوية مهدت للانتقال بالأمازيغية من مرحلة الاعتراف إلى مرحلة التفعيل المؤسساتي.

    ووفق المعطيات التي قدمها المعهد بمناسبة الذكرى الرابعة والعشرين لخطاب أجدير، تجاوز إنتاجه المعرفي 500 إصدار في الترجمة والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وغيرها، إلى جانب تنظيم نحو 75 ندوة خلال 24 سنة، بما يعكس حجم العمل المؤسساتي الذي واكب مسار النهوض بالأمازيغية منذ سنة 2001.

    وفي هذا المسار، برزت محطات مؤسساتية ورمزية أخرى عززت مكانة الأمازيغية، إذ تم سنة 2003 اعتماد حرف “تيفيناغ” لكتابة وتدريس اللغة الأمازيغية، في قرار ملكي جاء استجابة لرأي المجلس الإداري للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.

    وشكل القرار خطوة في مسار بناء منظومة لغوية مكتوبة لها أدواتها ومعاييرها الخاصة، وهو ما واكبته جهود المعهد في تنميط الحرف وتهيئة اللغة وإعداد المعاجم والموارد التعليمية.

    اعتراف يكرسه الدستور والقانون التنظيمي

    وإذا كان خطاب أجدير قد أطلق المسار المؤسساتي، فإن دستور 2011 شكل لحظة التحول الكبرى من الاعتراف السياسي والمؤسساتي إلى الاعتراف الدستوري بتنصيص الفصل الخامس على أن الأمازيغية لغة رسمية للدولة إلى جانب اللغة العربية، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء، وأحال إلى قانون تنظيمي يحدد كيفيات إدماج اللغة الأمازيغية في مجال التعليم، وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية.

    وبذلك، لم تعد مكانة الأمازيغية مرتبطة فقط بإرادة سياسية أو ببرامج ومؤسسات للنهوض بها، وإنما أصبحت التزاما دستوريا على الدولة، الأمر الذي يمثل أحد أبرز التحولات التي طبعت تدبير اللغة الأمازيغية، إذ انتقل المسار من سؤال “الاعتراف” إلى سؤال “كيفيات الترسيم”.

    وهو ما أكده بادو بقوله إن “الاعتراف الدستوري لسنة 2011 أحدث تحولا جذريا في طبيعة الترافع الأمازيغي؛ إذ لم يعد النقاش متمحورا حول أحقية وجود الأمازيغية، بل حول كيفية تفعيل رسميتها”، مبرزا أنه “من خلال الفصل الخامس، تحولت الأمازيغية إلى التزام دستوري صريح يفرض على الدولة التخطيط والميزانية والتقييم، مما مهد الطريق لإصدار القانون التنظيمي 26.16”.

     ويوضح عضو المكتب التنفيذي للشبكة الأمازيغية أن وضع الدستور حدا قانونيا لـ”مرحلة التجاهل”، وجعل من الأمازيغية مكونا بنيويا في الشخصية المغربية، نقل الملف من كونه قضية ثقافية أو حقوقية إلى ورشٍ مؤسساتي خاضع للمساءلة القانونية.

    القانون التنظيمي رقم 26.16.. ترجمة الالتزام الدستوري

    ويأتي القانون التنظيمي رقم 26.16، الصادر سنة 2019، ليترجم هذا الالتزام الدستوري إلى إطار قانوني يحدد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في التعليم ومختلف مجالات الحياة العامة ذات الأولوية.

    وأدخل القانون التنظيمي الورش مرحلة جديدة لم يعد فيها التحدي الأساسي هو تثبيت مكانة الأمازيغية، وإنما توفير الشروط البشرية والمؤسساتية والمالية والتقنية اللازمة لتحويل الترسيم إلى ممارسة فعلية.

    ويوضح بادو أن الاعتراف الدستوري بالأمازيغية سنة 2011 نقل مركز النقاش من المطالبة بالاعتراف إلى البحث في كيفية تفعيل طابعها الرسمي، ثم من مطلب ثقافي أو حقوقي إلى التزام دستوري صريح بموجب الفصل الخامس، بما فرض على الدولة التزامات قانونية ومالية مرتبطة بالتخطيط والميزانية والتقييم، ومهد الطريق لإصدار القانون التنظيمي رقم 26.16.

    وفي الوقت نفسه، يضيف المتحدث، وضع الاعتراف الدستوري حدا لمرحلة تجاهل أو إقصاء اللغة والثقافة الأمازيغيتين، ورسخ التعامل معهما باعتبارهما مكونا بنيويا في الشخصية المغربية وليس كملف ثانوي.

    وانعكس هذا التحول تدريجيا على الحضور في القطاعات الحيوية، حيث تعزز حضور الأمازيغية وتزايد الاهتمام بها، لتنتقل من موقع محدود إلى مكون أكثر حضورا في قطاع التعليم، الإدارة، والمشهد الإعلامي الوطني.

    حضور الأمازيغية في القطاعات الأساسية

    لم يعد تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية مرتبطا فقط بالنصوص القانونية، بل بدأ ينعكس تدريجيا على عدد من المجالات التي تلامس الحياة اليومية للمواطن.

    ويحدد القانون التنظيمي رقم 26.16 مجالات واسعة لهذا الإدماج، تشمل التعليم والإعلام والإدارات والمرافق العمومية والتقاضي والفضاءات العمومية.

    ففي مجال التدريس، انتقلت الأمازيغية تدريجيا من مرحلة الإدماج المحدود إلى توسيع نطاق تدريسها في التعليم الابتدائي، في إطار مخطط يستهدف تعميمها على مختلف المؤسسات التعليمية.

    وأشار الناشط الأمازيغي ذاته إلى أن الوضع انتقل من الغياب أو التهميش إلى توسع كمي ملحوظ، حيث بلغت نسبة التغطية في التعليم الابتدائي حوالي 32 بالمئة من المؤسسات سنة 2024، مع وجود 16.530 قسما.

    وفي مجال الإدارة، بدأ التفعيل ينتقل من وضع الإطار القانوني إلى توفير خدمات فعلية باللغة الأمازيغية، من خلال الاستقبال والتوجيه والإرشاد، ومراكز الاتصال، وترجمة بعض اللوحات وعلامات التشوير، وإدماج الأمازيغية في المواقع والخدمات الرقمية.

    وفي قطاع الإعلام، بعدما كان حضور الأمازيغية في الإعلام العمومي يقتصر على مساحات زمنية أكبر، فإن تأسيس القناة الأمازيغية سنة 2010، وفر فضاء لإنتاج الأخبار والبرامج الثقافية والوثائقية والدرامية والرياضية بالأمازيغية.

    ومنذ انطلاقتها، راكمت القناة إنتاجا متنوعا يشمل البرامج الإخبارية والثقافية والترفيهية والوثائقية، بمختلف روافد اللغة الأمازيغية، وأسهمت في تثمين التراث والثقافة الأمازيغيين وتعزيز حضور اللغة في الفضاء الإعلامي الوطني، كما أتاحت للناطقين بها متابعة مضامين إعلامية بلغتهم، لتشكل إحدى أولى صور الحضور المنتظم للأمازيغية داخل المرفق الإعلامي العمومي.

     2023.. زخم متواصل

    واكتسب مسار تفعيل الأمازيغية زخما جديدا، بعد القرار الملكي الصادر في ماي 2023 بإقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية رسمية مدفوعة الأجر، على غرار رأس السنة الميلادية وفاتح محرم.

    وقد حمل القرار دلالة تتجاوز الجانب الاحتفالي، باعتباره إدماجا لمناسبة مرتبطة بالثقافة والتاريخ الأمازيغيين ضمن الأجندة الوطنية الرسمية، بما يعكس الانتقال من الاعتراف بالأمازيغية كمكون من مكونات الهوية إلى جعل رموزها حاضرة في الحياة العامة للمغاربة.