التصنيف: تحت المجهر

  • اتفاقية تسليم المطلوبين بين المغرب وإسبانيا.. لماذا تلوّح الرباط بتعليقها؟

    اتفاقية تسليم المطلوبين بين المغرب وإسبانيا.. لماذا تلوّح الرباط بتعليقها؟

    تدرس الحكومة المغربية إمكانية تعليق العمل باتفاقية تسليم المطلوبين المبرمة بين الرباط ومدريد، وفق ما أكده وزير العدل عبد اللطيف وهبي.

    وقال وهبي في تصريحات لوكالة الأنباء الإسبانية “إيفي”: “نناقش حاليا في وزارة العدل إمكانية تعليق العمل باتفاقية تسليم المطلوبين بين المغرب وإسبانيا”، مرجعا ذلك إلى مشكلات مرتبطة بعدم تنفيذ مدريد لطلبات المغرب تسليم أشخاص مطلوبين أمام محاكمه.

    وأوضح وهبي أنه توجد حالات تقوم فيها إسبانيا في البداية بإيقاف الشخص المطلوب، ثم تحدد موعدا لتنفيذ عملية تسليمه، قبل ألا تتم عملية التسليم في نهاية المطاف، مشددا على أن المغرب يطبق الإجراء ذاته، لكننا نسلم بالفعل جميع الأشخاص الذين يطلب الإسبان تسليمهم”.

    ودعا وزير العدل إسبانيا إلى التعامل بالجدية اللازمة مع إجراءات تسليم المطلوبين، منبها إلى أن المغرب “لم يعد يقبل الانخراط في عمليات تسليم لا يتم تنفيذها في نهاية المطاف”.

    لكن قبل أن تلوّح الرباط بإمكانية تعليق تطبيق اتفاقية تسليم المطلوبين مع إسبانيا، كانت جهة رسمية إسبانية قد سجلت بالفعل وجود صعوبات في هذا المسار، وهو ما يمنح تصعيد لهجة الخطاب المغربي تجاه جاره الشمالي بعدا يتجاوز التوتر الظرفي المرتبط بأزمة الهجرة الحالية.

    رد إسباني

    لم يتأخر رد الحكومة الإسبانية، حيث استبعد وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا، أمس الخميس في زيارة لسبتة المحتلة، احتمال أن يؤدي تهديد الرباط إلى تعليق الاتفاقية.

    وقال مارلاسكا ردا على سؤال حول تصريحات وهبي: “لا أتوقع أي مشكلة تتعلق بما تقولونه”، مؤكدا أن “التعاون والتنسيق في مسائل تسليم المطلوبين مع المملكة المغربية، وكذلك في التعاون القضائي، كان ولا يزال وسيظل استثنائيا“.

    أكد وزير الداخلية أن العلاقة بين البلدين تقوم على “الثقة والولاء” اللذين تعززا خلال السنوات القليلة الماضية، مبرزا أن”العلاقات الثنائية في جميع المجالات وثيقة للغاية وقائمة على الولاء… أنا على دراية تامة بالتعاون القائم دائما مع المغرب”.

    وتكشف معطيات رسمية قدمتها الحكومة الإسبانية في 29 يونيو الماضي، رفض ما مجموعه 574 طلب تسليم سنة 2025، وتصدر المغرب لائحة الدول صاحبة الطلبات المرفوضة بـ92 حالة، تلته بيرو والمكسيك، في وقت لم تحدد مدريد أسباب الرفض، التي قد ترتبط بأسباب مختلفة ينص عليها التشريع الإسباني.

    إقرار إسباني بصعوبات أحادية الجانب

    أقر “تقرير قضاة الارتباط لسنة 2024” الصادر عن المديرية العامة للتعاون القانوني الدولي التابعة لوزارة العدل الإسبانية، بوجود بعض التحديات، بشكل خاص في عمليات “التسليم السلبي” نحو المغرب، أي الحالات التي تطلب فيها السلطات المغربية من إسبانيا تسليم أشخاص موجودين على الأراضي الإسبانية.

    ووصف التقرير، في القسم المخصص لوضعية تسليم المطلوبين مع المغرب، التعاون القضائي بأنه سلس عموما ودون عقبات كبيرة، لكنه يميز في المقابل بين طلبات التسليم الإسبانية إلى المغرب، والتي يقول إنها لا تواجه عادة مشاكل كبيرة، وبين تلك التي تقدمها السلطات المغربية لنظيرتها الإسبانية، حيث يسجل استمرار تحديات خاصة.

    ولم يقف التقرير عند تسجيل الصعوبات، بل ربط جانبا منها بالتطور الذي عرفه الاجتهاد القضائي الإسباني، مشيرا في هذا الصدد إلى حكم المحكمة الدستورية الإسبانية رقم 17/2024  الصادر في 31 يناير 2024، الذي رفض طعنا تقدم به مواطن مغربي ضد قرار قضائي أجاز تسليمه إلى المغرب.

    وأكدت المحكمة الدستورية في قرارها أن الوثائق المقدمة من السلطات المغربية تضمنت معطيات كافية حول الوقائع والأسانيد، ولم تجد انتهاكا للحقوق الأساسية، لكن الحكم أوضح المعايير التي يتعين على القضاء الإسباني مراعاتها عند فحص طلبات التسليم، سيما ما يتعلق بكفاية المعطيات التي تبرر تبرر طلب التسليم، ومدى استيفائه معايير الضرورة والتناسب.

    هذا التعقيد في المساطر يعد جوهر الشكاوى المغربية بشأن بعض الملفات التي يتم فيها توقيف المطلوب في إسبانيا، ثم تحديد ترتيبات تسليمه، قبل أن تتعثر العملية في مرحلة التنفيذ، وهي المشكلات التي تحدث عنها وزير العدل عبد اللطيف وهبي في مرحلة التسليم الفعلي رغم استكمال إجراءات الطلب.

    ويفسر الإقرار الإسباني بوجود عقبات في أحد اتجاهي التعاون القضائي، إلى جانب تصريحات وهبي، تحول ملف تسليم المطلوبين إلى نقطة توتر في العلاقات القضائية بين البلدين.

    ماذا تقول اتفاقية التسليم بين الرباط ومدريد؟

    يتوفر المغرب وإسبانيا على اتفاقية ثنائية لتسليم المطلوبين، تحدد الشروط التي يمكن بموجبها للبلدين طلب تسليم أشخاص مبحوث عنهم من طرف سلطاتهما القضائية.

    وقد حل الاتفاق الحالي الموقع في يونيو 2009، والذي دخل حيز التنفيذ في شتنبر 2012، محل اتفاقية سنة 1997، وتم وضعه بهدف تعزيز التعاون القضائي بين البلدين، وتحديد قيود على عمليات التسليم، من بينها عدم تسليم أي من الطرفين مواطنيه.

    وتنص الاتفاقية على التزام الطرفين بتسليم الأشخاص الموجودين في أراضي أحدهما والملاحقين قضائيا أو المحكوم عليهم في الدولة الأخرى، وفق شروط محددة، من بينها أن تكون الأفعال موضوع المتابعة معاقبا عليها في قانوني البلدين بعقوبة حبسية لا تقل عن سنتين، أو أن يكون قد صدر حكم بعقوبة حبسية لا تقل عن ستة أشهر.

    وتضع الاتفاقية عددا من القيود على التسليم، من أبرزها عدم تسليم أي من البلدين مواطنيه، مع إمكانية تولي الدولة التي يحمل الشخص جنسيتها محاكمته، بناء على طلب الدولة الأخرى والوثائق القضائية ذات الصلة.

    وتنظم الاتفاقية إجراءات الاعتقال المؤقت وطلبات التسليم، وتتيح في الحالات المستعجلة اللجوء إلى قنوات مثل الإنتربول، إلى جانب مسطرة للتسليم المبسط عندما يوافق الشخص المطلوب صراحة أمام السلطة المختصة على تسليمه.

    وتكتسي المادة 13 أهمية خاصة في مرحلة تنفيذ التسليم، إذ تنص على تحديد مكان وتاريخ العملية بعد الموافقة عليها، وعلى استعداد الدولة الطالبة لتسلم الشخص بواسطة أعوانها خلال أجل أقصاه 45 يوما من التاريخ المحدد للتسليم.

    وإذا لم يتم التسليم خلال هذه المهلة، يفرج عن الشخص، مع إمكانية تحديد موعد جديد في حال وجود ظروف استثنائية حالت دون تنفيذ العملية، شريطة إبلاغ الطرف الآخر بذلك قبل انتهاء الأجل.

    أما بشأن مستقبل الاتفاقية، فإن المادة 27 تنص على أنها أبرمت لمدة غير محددة، لكنها تتيح لأي من الطرفين إنهاءها عبر إشعار كتابي يوجه بالطريق الدبلوماسي، على أن يصبح الإنهاء نافذا بعد سنة من تاريخ الإشعار، بينما يظل “التعليق” أو “التجميد” إجراء مختلفا من حيث الأثر والأساس القانوني، ولم تتطرق إليه الاتفاقية.

    صعوبات أم مماطلة؟

    في أبريل 2024، شاركت وزارة العدل المغربية في الاجتماع السادس للجنة المشتركة المغربية الإسبانية في المجال الجنائي، الذي احتضنته العاصمة مدريد، في محطة كان يفترض أن تعطي دفعة جديدة للتعاون القضائي بين البلدين.

    بلاغ للوزارة، اتفق الجانبان خلال الاجتماع على “اتخاذ التدابير اللازمة لضمان وتسهيل عملية نقل وتسليم الأشخاص”، إلى جانب مراجعة اتفاقية المساعدة القضائية في المادة الجنائية واعتماد آليات للتبادل الإلكتروني لطلبات التعاون القضائي ومآلات تنفيذها.

    وجاء تسهيل عمليات التسليم ضمن الملفات العملية المطروحة خلال الاجتماع لتعزيز التعاون الجنائي بين الرباط ومدريد، بما يفترض أن يجعل انتقال طلب التسليم من مرحلة المراسلات والإجراءات القضائية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي أكثر سلاسة، زيادة على الاتفاق على تتبع مآلات طلبات التعاون القضائي إلكترونيا، وهو ما كان يفترض أن يحد من حالات التعثر ويتيح للسلطات المعنية معرفة مصير الملفات والمرحلة التي بلغتها كل عملية.

    لكن ما ورد لاحقا في “تقرير قضاة الارتباط لسنة 2024” الصادر عن المديرية العامة للتعاون القانوني الدولي التابعة لوزارة العدل الإسبانية، يشير إلى أن الصعوبات التي كان يفترض أن تعالجها تلك التدابير ظلت قائمة، ففي الوقت الذي اتفق فيه الطرفان على اتخاذ إجراءات لتسهيل وتسريع عمليات نقل وتسليم الأشخاص، كان التقرير الإسباني نفسه يسجل استمرار الصعوبات في الاتجاه المعاكس، أي عندما يكون المغرب الدولة الطالبة للتسليم.

    ملف القاصرين.. صفحات من التعثر

    تأتي رغبة المغرب في إعادة النظر في اتفاقية تسليم المطلوبين في سياق توتر بين الرباط ومدريد عقب أحداث سبتة نهاية يوليوز الفائت، لكنها تستند، بحسب وزير العدل، إلى إشكالات قائمة في مسار تسليم المطلوبين.

    ولا يأتي ملف القاصرين منفصلا عن هذا السياق، إذ تحمل الرباط الجارة الشمالية مسؤولية الإخفاق في تدبير الوضع على الحدود في 30 و31 يوليوز، بعدما انساق الآلاف وراء تأويل مضلل لحكم المحكمة العليا الإسبانية على منصات التواصل الاجتماعي، يفيد بسحب سلطة الإعادة الفورية للمهاجرين الواصلين إلى سبتة بحرا.

    بَيْدَ أن 95 في المئة من المشاركين في محاولات العبور غير النظامي عادوا إلى المغرب، فيما ما تزال السلطات الإسبانية تحاول تسريع إجراءات الترحيل للباقين.

    وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، كان قد حمل السلطات الإسبانية مسؤولية عرقلة عودة القاصرين المغاربة، الذين تسللوا إلى سبتة المحتلة عبر الهجرة غير النظامية.

    وشدد وهبي على أن ملف إعادة القاصرين المغاربة مطروح بين الرباط ومدريد منذ أكثر من خمس سنوات، وليس وليد أحداث سبتة الأخيرة، مبرزا أن نقطة الخلاف تبدأ بعد التأكد من أن القاصر مغربي، إذ تتأخر السلطات الإسبانية في تنفيذ الإعادة، وتبرر ذلك أحيانا بهروب القاصرين من مراكز الإيواء وعدم إمكانية استمرار احتجازهم.

    وتساءل الوزير عن سبب عدم إعادة القاصر بمجرد استكمال إجراءات التحقق من هويته، مؤكدا أن المغرب يطالب بتسريع المسطرة ومستعد لاستقبالهم وإعادتهم إلى أسرهم، في وقت تقف المساطر الإدارية والقضائية بمدريد حجر عثرة أمام عودتهم إلى أسرهم.

    وفي جوهر هذا الخلاف، تبرز مسألة المعاملة بالمثل باعتبارها الاختبار المستقبلي للتعاون القضائي بين الرباط ومدريد، لأن المغرب، وفق ما يؤكده وزير العدل، لا يعترض على مبدأ التعاون أو على تسليم المطلوبين، وإنما على استمرار وضع يرى فيه أن طلباته لا تنتهي دائما إلى التسليم الفعلي، رغم استكمال مراحلها، في مقابل تأكيده تنفيذ الطلبات الإسبانية.

  • بعدما عاد إلى نقطة البداية دستوريا.. أي مسار ينتظر قانون المحاماة؟

    بعدما عاد إلى نقطة البداية دستوريا.. أي مسار ينتظر قانون المحاماة؟

    بعدما قطع مسارا تشريعيا طويلا بين غرفتي البرلمان، عاد القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة إلى نقطة الصفر في مسار الرقابة الدستورية الذي كان يفترض أن يشكل محطته الأخيرة قبل إصدار الأمر بتنفيذه.

    ولم تفحص المحكمة الدستورية مادة واحدة من مواد القانون، ولم تقل كلمتها في مدى مطابقة مقتضياته للدستور، بعدما تبين لها أن ملف الإحالة المقدم من رئيس مجلس النواب لا يتضمن الصيغة النهائية للنص كما وافق عليها البرلمان.

    وأصبح قانون “أصحاب البذلة السوداء” عالقا بين مسار تشريعي اكتمل داخل البرلمان ورقابة دستورية لم تبدأ فعليا، ما يعيد مسار فحصه الدستوري إلى نقطة الانطلاق، ويجعل أي نظر في مضمونه رهين إحالة جديدة تتضمن الصيغة النهائية المعتمدة.

    من الحكومة إلى البرلمان

    بدأ المسار المؤسساتي لمشروع القانون رقم 66.23 في 8 يناير 2026، عندما تداول فيه مجلس الحكومة وصادق عليه، بعد تقديمه من طرف وزير العدل عبد اللطيف وهبي، مع الأخذ بعين الاعتبار، بحسب البلاغ الحكومي، مجموعة من الملاحظات المثارة بشأنه.

    وانتقل المشروع بعد ذلك إلى البرلمان، وسط نقاش مهني رافق مضامينه منذ البداية، قبل أن يصل إلى أول محطة حاسمة داخل مجلس النواب. ففي 19 ماي 2026، صادق مجلس النواب بالأغلبية على المشروع في قراءة أولى، بـ163 صوتا مقابل 57 معارضا، دون تسجيل أي امتناع.

    وفي اليوم الموالي، 20 ماي، ورد النص على مجلس المستشارين، وأحيل في 22 ماي على لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان. وتظهر المعطيات الرسمية لمجلس المستشارين حجم النقاش الذي رافق هذه المرحلة، إذ تقدمت مكونات المجلس بـ266 تعديلا، وأسفرت أشغال اللجنة الفرعية عن إدخال 48 تعديلا همت 35 مادة، قبل أن يوافق مجلس المستشارين على المشروع معدلا خلال جلسته العامة المنعقدة في 23 يونيو 2026.

    وأعادت هذه التعديلات المشروع إلى مجلس النواب في إطار قراءة ثانية، ليدخل خلال الأسبوع الأول من يوليوز مرحلته التشريعية الأخيرة، ليصادق مجلس النواب في 6 يوليوز 2026 على النص في قراءة ثانية بعد تعديله وإعادة ترتيب عدد من مواده، في جلسة سبقتها محاولات من المعارضة لإعادة المشروع إلى لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان قبل التصويت عليه.

    وبسبب التعديلات التي أدخلها مجلس النواب، عاد النص مرة أخرى إلى مجلس المستشارين في 7 يوليوز، وأحيل في اليوم نفسه على لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، التي وافقت عليه بالأغلبية، قبل أن يصادق عليه مجلس المستشارين في قراءة ثانية خلال جلسة عامة عقدت في التاريخ نفسه.

    وبهذه المصادقة، اكتمل المسار التشريعي للنص داخل غرفتي البرلمان، وانتقل القانون من مرحلة المناقشة والتعديل إلى المرحلة التي تسبق إصدار الأمر بتنفيذه، لكن قبل ذلك فتح أمامه مسار آخر يتعلق بالرقابة الدستورية.

    جدل قانون المهنة أمام المحكمة الدستورية

    بعد يوم واحد من مصادقة مجلس المستشارين في القراءة الثانية، سجلت الأمانة العامة للمحكمة الدستورية، في 8 يوليوز 2026، رسالة إحالة من رئيس مجلس النواب، يطلب بموجبها البت في مطابقة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة للدستور.

    ويتيح الفصل 132 من الدستور إحالة القوانين، قبل إصدار الأمر بتنفيذها، على المحكمة الدستورية من طرف الملك أو رئيس الحكومة أو رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس المستشارين، كما يمكن أن تتم الإحالة من طرف خمس أعضاء مجلس النواب أو أربعين عضوا من مجلس المستشارين.

    ولم تكن إحالة القانون رقم 66.23 على المحكمة الدستورية مرحلة إلزامية في مساره، باعتباره قانونا عاديا وليس قانونا تنظيميا يخضع وجوبا للرقابة الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذه.

    لكنها جاءت في إطار الرقابة الدستورية القبلية والاختيارية التي يتيحها الفصل 132 من الدستور، والذي يمنح لرئيس مجلس النواب، إلى جانب جهات أخرى، صلاحية إحالة القوانين على المحكمة قبل إصدار الأمر بتنفيذها، قصد البت في مدى مطابقتها للدستور.

    وفي حالة القانون المنظم لمهنة المحاماة، استعمل رئيس مجلس النواب هذه الصلاحية وأحال النص على المحكمة في 8 يوليوز 2026، غداة استكمال المصادقة عليه داخل البرلمان، سيما بعد الجدل الكبير الذي أثاره القانون، وسلسلة إضرابات المحامين الرافضين للنص الذين يعتبرونه “مساسا باستقلالية” المهنة.

    هل يمكن إعادة الإحالة؟

    بعد صدور القرار، لم يعد السؤال مرتبطا فقط بسبب توقف الرقابة الدستورية، وإنما بالخطوة التي يمكن أن تليه. فهل يمكن تقديم إحالة جديدة مرفقة هذه المرة بالنص النهائي المطابق للأصل؟ وهل يعني تعبير “على حالها” أن المانع مرتبط بالإحالة كما قدمت، وليس بإمكانية مراقبة القانون من حيث المبدأ؟

    في قراءة قانونية للقرار، توضح محامية بهيئة الرباط، فضلت عدم ذكر اسمها، أن التصريح بـ”تعذر البت” يفترض وجود مانع إجرائي حال دون انتقال المحكمة الدستورية إلى مرحلة النظر في مدى مطابقة النص للدستور من الناحية الموضوعية.

    وتوضح أن هذا الوضع يختلف عن قرار تفصل من خلاله المحكمة في دستورية المقتضيات المعروضة عليها، سواء انتهت إلى عدم دستوريتها أو إلى مطابقتها للدستور.

    وبحسب المحامية، فإن القرار رقم 277/26 ركز على الجانب الإجرائي الذي أحيل به النص، ولم ينتقل إلى بحث مدى توافق مقتضيات القانون رقم 66.23 مع الدستور من حيث الجوهر.

    وترى أنه، من هذه الزاوية، “يظل من الممكن، من حيث المبدأ، أن تتم إحالة النص من جديد على المحكمة الدستورية متى استوفت الإحالة شروطها الدستورية والإجرائية، وتوفرت المحكمة على الصيغة النهائية المعتمدة من البرلمان”.

    من يستطيع إعادة القانون للميزان الدستوري؟

    لا يحصر الفصل 132 إمكانية إحالة القوانين في رئيس مجلس النواب، فإلى جانب الملك، يمنح الدستور هذه الصلاحية لرئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين، كما يمنحها لخمس أعضاء مجلس النواب أو أربعين عضوا من مجلس المستشارين، شريطة أن تتم الإحالة قبل إصدار الأمر بتنفيذ القانون.

    وبالتالي، فإن النقاش لا يرتبط فقط بإمكانية تحرك رئيس مجلس النواب من جديد، بل بإمكانية تقديم إحالة جديدة من إحدى الجهات المخول لها دستوريا ذلك، متى ظلت شروط الرقابة السابقة متوفرة.

    وفي هذا الصدد، تؤكد المحامية أن الجهات المخولة دستوريا بالإحالة مطالبة بمراعاة الشروط والضوابط الشكلية والإجرائية عند ممارسة هذا الاختصاص، حتى لا يتكرر المانع الذي حال دون نظر المحكمة في الموضوع.

    وتشدد على أن رقابة المحكمة لا تنصب على مجرد نسخة من النص موجودة لدى أحد مجلسي البرلمان، وإنما على الصيغة النهائية التي أقرها البرلمان بمجلسيه، مضيفة أن التحقق من هذه الصيغة يعد أساسيا قبل الانتقال إلى فحص المضمون، لأن عدم توفر المحكمة على النص الذي يمثل التعبير النهائي عن الإرادة التشريعية للبرلمان قد يحول دون ممارسة الرقابة الموضوعية عليه.

    عامل الزمن يدخل المعادلة

    يأتي قرار المحكمة بعد استكمال مراحل المصادقة البرلمانية على القانون، وفي وقت تقترب فيه الولاية الانتدابية الحالية من نهايتها، ما يطرح سؤال الزمن المتاح أمام أي إحالة جديدة.

    ويحدد الفصل 132 للمحكمة الدستورية أجل شهر للبت في القوانين المحالة عليها، ابتداء من تاريخ الإحالة، ويمكن خفض هذا الأجل إلى ثمانية أيام في حالة الاستعجال بطلب من الحكومة، كما تؤدي الإحالة إلى وقف سريان أجل إصدار الأمر بالتنفيذ إلى حين بت المحكمة.

    أما انتهاء الولاية الانتدابية، فإن المهام الانتدابية لمجلس النواب تظل سارية حتى الانتخابات المقبلة، بعد افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية في أكتوبر القبل. ويبقى الشرط الأساسي في أي إحالة جديدة أن تتم قبل إصدار الأمر بتنفيذ القانون، وهو شرط سبق للمحكمة الدستورية أن تحققت منه عند نظرها في إحالات لقوانين عادية أخرى.

  • كيف أعاد المغرب رسم الخريطة الاقتصادية لأقاليمه الجنوبية بعد 47 سنة من استرجاع وادي الذهب؟

    كيف أعاد المغرب رسم الخريطة الاقتصادية لأقاليمه الجنوبية بعد 47 سنة من استرجاع وادي الذهب؟

    تحولت الداخلة، بعد 47 سنة على استرجاع إقليم وادي الذهب، إلى واحدة من أبرز واجهات الدينامية التنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية للمملكة، حيث تعكس المشاريع الكبرى والاستثمارات والمؤشرات الاقتصادية مسارا انتقل من تجهيز المجال وتعزيز ارتباطه بباقي التراب الوطني إلى تثمين موقعه كحلقة وصل بين المغرب وعمقه الإفريقي.

    وتعكس الأرقام جزءا من هذا التحول، ففي جهة يبلغ عدد سكانها نحو 220 ألف نسمة، وصل الناتج الداخلي الإجمالي إلى 20.288 مليار درهم سنة 2024، وسجل الاقتصاد نموا بـ7 في المئة، مقابل 4.4 في المئة على المستوى الوطني، فيما بلغ الناتج الداخلي الإجمالي للفرد 92 ألفا و904 دراهم، وهو أعلى مستوى بين جهات المملكة.

    ولا يتعلق الأمر بمؤشرات اقتصادية معزولة، بل بمسار تدعمه مشاريع مهيكلة جاءت في إطار الرؤية الملكية السامية لتنمية الأقاليم الجنوبية، من المحور الطرقي تيزنيت-الداخلة وميناء الداخلة الأطلسي، إلى الطاقة والقطاعات المنتجة والاستثمارات الجديدة.

    وتتقاطع في جهة الداخلة-وادي الذهب، هذه المشاريع التنموية مع موقع جغرافي يفتح الجهة على المحيط الأطلسي من جهة، وعلى موريتانيا وغرب إفريقيا من جهة أخرى، لتصبح التنمية المحلية جزءا من امتداد اقتصادي أوسع للمملكة نحو القارة.

    من استرجاع الإقليم إلى بناء قطب اقتصادي

    شكل استرجاع إقليم وادي الذهب في 14 غشت 1979 محطة أساسية في مسار استكمال الوحدة الترابية للمملكة، لتدخل المنطقة بعد ذلك مرحلة أخرى عنوانها البناء والتجهيز وتعزيز اندماجها الاقتصادي والاجتماعي في محيطها الوطني.

    وأخذ هذا المسار دفعة جديدة مع إطلاق جلالة الملك محمد السادس، في نونبر 2015، النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، ضمن برنامج تنموي مندمج بغلاف مالي يتجاوز 77 مليار درهم، بهدف إطلاق دينامية اقتصادية واجتماعية وخلق فرص الشغل والاستثمار وتوفير البنيات التحتية والمرافق الضرورية.

    وشمل هذا التوجه مجموعة من الأوراش الكبرى، من الطريق والربط الكهربائي والطاقات المتجددة إلى تثمين منتجات الصيد البحري وميناء الداخلة الأطلسي، ضمن رؤية تجمع بين الاستثمار في البنيات التحتية وتطوير القطاعات المنتجة.

    وفي هذا السياق، أكد جلالة الملك محمد السادس، في خطاب المسيرة الخضراء لسنة 2022، أن الصحراء المغربية شكلت عبر التاريخ صلة وصل إنسانية وروحية وحضارية واقتصادية بين المغرب وعمقه الإفريقي، معتبرا أن العمل التنموي يروم ترسيخ هذا الدور وجعله أكثر انفتاحا على المستقبل.

    وعلى هذا الأساس، برزت الداخلة-وادي الذهب باعتبارها واحدة من المناطق التي تتجسد فيها هذه الرؤية الملكية بشكل واضح، بالنظر إلى مواردها البحرية والفلاحية والطاقية، وإلى موقعها على الواجهة الأطلسية وعلى المحور البري الممتد نحو إفريقيا.

    اقتصاد بمؤشرات تتجاوز المتوسط الوطني

    تكشف الحسابات الجهوية لسنة 2024، التي نشرتها المندوبية السامية للتخطيط خلال صيف 2026، عن دينامية واضحة في اقتصاد جهة الداخلة-وادي الذهب.

    فقد ارتفع الناتج الداخلي الإجمالي للجهة، بالأسعار الجارية، من 18.444 مليار درهم سنة 2023 إلى 20.288 مليار درهم في 2024، لترتفع مساهمتها في الناتج الداخلي الإجمالي الوطني من 1.2 إلى 1.3 في المئة.

    وفي الوقت نفسه، سجل اقتصاد الجهة نموا حقيقيا بلغ 7 في المئة خلال سنة 2024، مقابل 4.4 في المئة للاقتصاد الوطني.

    أما نصيب الفرد من الناتج الداخلي الإجمالي، فبلغ 92 ألفا و904 دراهم، مقابل 43 ألفا و891 درهما وطنيا، لتحتل الداخلة-وادي الذهب المرتبة الأولى بين جهات المملكة وفق هذا المؤشر.

    وتكشف بنية الاقتصاد المحلي أيضا عن تحول تدريجي في الأنشطة؛ فإلى جانب الوزن الذي يحتفظ به الصيد البحري، ارتفعت بالقيمة الجارية خلال 2024 أنشطة البناء بـ14 في المئة، والنقل والتخزين بـ49.6 في المئة، والفنادق والمطاعم بـ39.7 في المئة، والصناعة التحويلية بـ7.2 في المئة.

    ويرى محمد أمين سامي، الخبير والمستشار الدولي في مجال الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي، أن هذه المؤشرات تعكس تحولا فعليا في البنية الاقتصادية للجهة.

    ويقول سامي، في تصريح لـAM+ MEDIA، إن “الداخلة انتقلت تدريجيا من اقتصاد يعتمد بشكل أساسي على الصيد البحري والأنشطة الأولية إلى اقتصاد أكثر تنوعا، تدخل فيه اللوجستيك والصناعة والطاقات المتجددة والخدمات المرتبطة بالتجارة والنقل”، موضحا أن “هذا التحول يرتبط بشكل مباشر بالمشاريع الكبرى التي عرفتها الجهة، وفي مقدمتها ميناء الداخلة الأطلسي والمحور الطرقي تيزنيت-الداخلة”.

    أكثر من ملياري درهم من الاستثمارات في سنة

    تظهر الدينامية نفسها في أرقام الاستثمار بالجهة، حيث تمت خلال سنة 2024، المصادقة على 118 مشروعا استثماريا بقيمة إجمالية تفوق ملياري درهم، يرتقب أن تساهم في إحداث 2707 مناصب شغل مباشرة، وفق المعطيات الرسمية لوزارة الاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية.

    وتتوزع مؤهلات الجهة بين الصيد البحري والصناعات المرتبطة به، والفلاحة والسياحة والخدمات والطاقات المتجددة، فيما توسع البنيات الكبرى مجالات الاستثمار باتجاه الصناعة واللوجستيك والتجارة.

    وبهذا الصدد، يرى محمد أمين سامي أن قيمة المشاريع الكبرى التي تعرفها الداخلة “لا تقاس فقط بكلفتها المالية، وإنما بما أنتجته وما ستنتجه حولها من أنشطة اقتصادية جديدة”، مسترسلا “مثلا، ميناء الداخلة لا يمثل مجرد منشأة لاستقبال السفن، بل قاعدة لاستقطاب وحدات صناعية ولوجستية، وتثمين المنتجات المحلية وربط المستثمرين والأسواق”.

    وتابع بالقول: “التحول الذي تحقق على مستوى البنية التحتية وفر للجهة قاعدة قوية لاستثمارات منتجة وفرص شغل وقيمة مضافة محلية، وهو ما يعزز انتقال الداخلة نحو منظومة اقتصادية أكثر تكاملا”.

    ميناء الداخلة بوابة بحرية على الأطلسي

    في قلب هذه المنظومة يبرز ميناء الداخلة الأطلسي، باعتباره واحدا من أبرز المشاريع المهيكلة التي تجسد المرحلة الجديدة من تنمية الأقاليم الجنوبية، وركيزة لتطوير قطب يجمع بين أنشطة التجارة والصيد البحري والصناعة واللوجستيك، ويرتبط بمنطقة مخصصة للأنشطة الاقتصادية، بما يسمح باستقطاب استثمارات جديدة وتثمين جزء أكبر من موارد المنطقة محليا.

    ويكتسب المشروع أهميته من موقعه المطل على المحيط الأطلسي وبالقرب من محور بري يمتد نحو موريتانيا وغرب إفريقيا، ما يمنح البنية المينائية وظيفة تتجاوز حاجيات السوق الجهوية إلى دعم المبادلات الوطنية والقارية.

    وكان المشروع ضمن الأوراش التي وضعها البرنامج التنموي للأقاليم الجنوبية في صلب التحول الاقتصادي للمنطقة، إلى جانب الطريق والطاقات المتجددة والربط بالشبكة الكهربائية الوطنية.

    ومع تواصل أشغاله خلال سنة 2026، يضيف الميناء إلى الوظيفة البرية للداخلة امتدادا بحريا، ويعزز تشكل منظومة تجمع بين الإنتاج والتصنيع والتخزين والنقل والتصدير.

    1055 كيلومترا تعزز الربط بين الشمال والجنوب

    وإذا كان ميناء الداخلة الأطلسي يعزز الواجهة البحرية للجهة، فإن المحور الطرقي تيزنيت-الداخلة رسخ ارتباطها البري بباقي المملكة.

    ويمتد المشروع على 1055 كيلومترا، في واحد من أكبر الأوراش الطرقية التي عرفتها الأقاليم الجنوبية، ويجمع بين الطريق السريع تيزنيت-العيون وتوسيع وتقوية الطريق الوطنية رقم 1 في المقطع الرابط بين العيون والداخلة.

    وأكدت وزارة التجهيز والماء في يونيو 2026 أن هذا المحور يشكل شريانا استراتيجيا للربط بين شمال المملكة وجنوبها ودعم الاندماج الاقتصادي والاجتماعي.

    ولا تقتصر أهميته على تحسين تنقل الأشخاص، بل تمتد إلى حركة البضائع والمنتجات وربط مناطق الإنتاج بالموانئ والأسواق، وتقليص أثر المسافات الطويلة التي كانت تمثل أحد تحديات الاستثمار في المنطقة.

    ومن الداخلة، يستمر الامتداد البري عبر الكركرات نحو موريتانيا ودول غرب إفريقيا، ما يمنح المحور وظيفة تتجاوز الربط الداخلي للمملكة.

    من ثروة الصيد البحري إلى التثمين

    ويظل الصيد البحري أحد أبرز مرتكزات اقتصاد الداخلة-وادي الذهب، وفق ما تؤكده أحدث الحسابات الجهوية للمندوبية السامية للتخطيط.

    وارتفعت القيمة المضافة للقطاع بالجهة من 2.542 مليار درهم سنة 2023 إلى 2.968 مليار درهم سنة 2024، بزيادة بلغت 16.8 في المئة بالأسعار الجارية.

    ومثلت الداخلة-وادي الذهب خلال السنة نفسها 33.8 في المئة من القيمة المضافة الوطنية لقطاع الصيد البحري، ما يعكس الوزن الذي تحتله الجهة داخل الاقتصاد البحري للمملكة.

    غير أن التحول الذي تعرفه المنطقة لم يعد يقوم فقط على استغلال هذه الثروة، بل على تثمينها محليا عبر التحويل والتبريد والتخزين والصناعات الغذائية والخدمات اللوجستية، ما يسمح بربط الموارد البحرية بالصناعة والنقل والتصدير، والاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة المضافة داخل الجهة، إلى جانب توسيع أثر القطاع على الاستثمار والتشغيل.

    وسيعزز ميناء الداخلة الأطلسي والمناطق الاقتصادية المرتبطة به هذا المسار، من خلال توفير بنية قادرة على ربط الإنتاج البحري بالتصنيع والأسواق الوطنية والخارجية.

    الهيدروجين الأخضر يوسع خريطة الاستثمار

    وإلى جانب القطاعات التي راكمت فيها الداخلة حضورا اقتصاديا، بدأت مجالات جديدة تدخل خريطة الاستثمار في الجهة.

    ففي يونيو 2026، وقفت لجنة تتبع مشروع مندمج لإنتاج الهيدروجين الأخضر بجهة الداخلة-وادي الذهب على مدى تقدم المشروع، وصادقت على أولى مخرجات الدراسات الجارية، في إطار تنزيل “عرض المغرب” للهيدروجين الأخضر.

    ويضيف هذا المشروع بعدا جديدا للاقتصاد المحلي، ويربط الموارد الطاقية التي تتوفر عليها المنطقة بالتحول الذي يعرفه المغرب في مجالات الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، كما يعكس استمرار الدينامية الاستثمارية إلى غاية سنة 2026، وانتقال الجهة من القطاعات التقليدية إلى أنشطة جديدة ذات ارتباط بالتحول الطاقي والأسواق الدولية.

    حين تتحول الجغرافيا إلى قوة اقتصادية

    شكلت المسافة التي تفصل الداخلة عن المراكز الاقتصادية الكبرى للمملكة، في مراحل سابقة، أحد تحديات الاستثمار وحركة السلع، لكن تطوير البنيات التحتية أعاد تدريجيا صياغة هذه المعادلة.

    وأصبحت الداخلة توجد اليوم في نقطة اتصال بين السوق الوطنية شمالا وموريتانيا وغرب إفريقيا جنوبا، بينما تمنحها واجهتها الأطلسية منفذا على حركة التجارة البحرية.

    ويؤكد ذلك الخبير والمستشار الدولي في مجال الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي محمد أمين سامي، موضحا أن “الداخلة توجد اليوم في نقطة تقاطع استراتيجية بين ثلاثة مجالات: السوق المغربية شمالا، والعمق الإفريقي جنوبا، والمسارات البحرية على الواجهة الأطلسية غربا. والمشاريع التي تم إنجازها والجاري استكمالها حولت هذه الجغرافيا إلى ميزة تنافسية حقيقية”س.

    ويضيف سامي أن “محور تيزنيت-الداخلة عزز حركة الأشخاص والبضائع داخل المملكة، بينما سيمنح ميناء الداخلة الأطلسي هذا الامتداد منفذا بحريا كبيرا، والتكامل بين الطريق والميناء والمناطق الصناعية واللوجستية يجعل الداخلة منصة طبيعية للتجارة والاستثمار والربط مع الأسواق الإفريقية”.

    الداخلة.. بوابة المغرب نحو إفريقيا

    اكتسب هذا الموقع بعدا أكبر مع الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 48 للمسيرة الخضراء سنة 2023، حين أكد الملك محمد السادس أن الواجهة الأطلسية هي بوابة المغرب نحو إفريقيا، ودعا إلى استكمال المشاريع الكبرى في الأقاليم الجنوبية وتعزيز البنيات التحتية والنقل واللوجستيك.

    وفي الخطاب نفسه، أطلق الملك المبادرة الدولية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، مع إعلان استعداد المغرب لوضع بنياته التحتية الطرقية والمينائية والسككية رهن إشارة هذه الدول.

    ويمنح هذا التوجه للمشاريع المنجزة والجارية في الأقاليم الجنوبية وظيفة تتجاوز التنمية المحلية، إذ تصبح البنيات الطرقية والمينائية جزءا من رؤية أوسع للربط الاقتصادي مع إفريقيا.

    وفي هذا السياق، رسخت الداخلة موقعها كإحدى البوابات الرئيسية للمغرب نحو عمقه الإفريقي، بما تتوفر عليه من اتصال بري مع موريتانيا وغرب القارة، وواجهة أطلسية، وموارد واستثمارات ومشاريع لوجستية وصناعية.

    ويقول محمد أمين سامي لـ”AM+ MEDIA” إن الداخلة “أصبحت اليوم جزءا فعليا من الرؤية الاقتصادية المغربية تجاه إفريقيا، فالموقع والبنية التحتية والاستثمارات لم تعد عناصر منفصلة، وإنما مكونات لمنظومة تربط المغرب بغرب إفريقيا ودول الساحل، وتفتح أمام المنطقة فرصا أكبر في التجارة واللوجستيك والصناعة”.

    وهكذا، تحمل ذكرى 14 غشت، إلى جانب رمزيتها الوطنية المرتبطة باسترجاع وادي الذهب واستكمال الوحدة الترابية، صورة مسار تنموي متواصل على الأرض، تعكسه الطرق والموانئ والاستثمارات والمؤشرات الاقتصادية، وتشهد على الانتقال من استرجاع المجال إلى تثمينه، ومن تعزيز ارتباطه إلى ترسيخ موقعه كحلقة وصل بين المغرب وعمقه الإفريقي وواجهته الأطلسية.

  • استرجاع وادي الذهب.. يوم ربطت حنكة الملك شمال المغرب بجنوبه

    استرجاع وادي الذهب.. يوم ربطت حنكة الملك شمال المغرب بجنوبه

    لم يكن يوم 14 غشت 1979 مجرد تاريخ أضيف إلى رزنامة الأعياد الوطنية، ولا مجرد انتقال إداري لإقليم من وضع إلى آخر، ففي الذاكرة المغربية، يمثل استرجاع وادي الذهب لحظة التقت فيها روابط البيعة الموروثة، وإرادة سكان الإقليم، والتضحيات العسكرية، بجهود استكمال الوحدة الترابية للمملكة.

    ولا تكتمل قراءة هذه الذكرى من خلال مشهد البيعة الذي احتضنه القصر الملكي بالرباط وحده، بل ينبغي وضعها ضمن تسلسل تاريخي انطلق من انسحاب موريتانيا من الإقليم، ومعركة بئر أنزران في 11 غشت 1979، فبيعة وفود قبائل وادي الذهب للملك الحسن الثاني في 14 غشت، ثم إدماج الإقليم في التنظيم الإداري للمملكة وزيارة الملك الراحل الحسن الثاني للداخلة سنة 1980.

    حلقة في مسار استكمال الاستقلال

    تنظر الذاكرة الوطنية المغربية إلى استرجاع وادي الذهب باعتباره حلقة ضمن مسار طويل لم ينته بحصول المغرب على استقلاله سنة 1956، حيث استُرجعت طرفاية في 15 أبريل 1958، ثم سيدي إفني في 30 يونيو 1969، قبل أن تفتح المسيرة الخضراء في 6 نونبر 1975 الطريق أمام إنهاء الوجود الاستعماري الإسباني في الصحراء.

    وسبق المسيرة الخضراء صدور الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في 16 أكتوبر 1975، والذي أقر بوجود روابط قانونية من البيعة بين سلطان المغرب وبعض قبائل الصحراء، ما اعتبرته الرباط إقرارا بروابط البيعة وتثبيتا لعنصر أساسي في الحجة التاريخية المغربية.

    وفي اليوم نفسه أعلن الملك الحسن الثاني تنظيم المسيرة الخضراء باعتبارها وسيلة سلمية لاسترجاع الأقاليم الصحراوية. “محكمة العدل الدولية.

    وأفضت اتفاقية مدريد الموقعة في 14 نونبر 1975 إلى إنهاء الوجود الإسباني وتقاسم إدارة الإقليم بين المغرب وموريتانيا، فأصبحت الساقية الحمراء تحت الإدارة المغربية، بينما تولت موريتانيا إدارة الجزء الجنوبي المعروف بوادي الذهب.

    غير أن التطورات السياسية والعسكرية التي عرفتها موريتانيا دفعتها، في مطلع غشت 1979، إلى إنهاء وجودها في وادي الذهب.

    وفي أعقاب هذا الانسحاب، أبرمت السلطات الموريتانية اتفاقا مع ميليشيا البوليساريو في الجزائر، تخلت بموجبه عن مطالبها في الجزء الذي كانت تسيطر عليه، وهو ما فتح الباب أمام تحول جديد في وضع وادي الذهب.

    وبعد الانسحاب الموريتاني، اعتبر المغرب أن تخلي نواكشوط عن الإقليم لصالح البوليساريو يخلق وضعا يهدد مصالحه ووحدته الترابية، فتدخلت القوات المغربية في غشت 1979 وبسطت سيطرتها على المنطقة بعد انسحاب موريتانيا.

    الانسحاب الموريتاني وخطاب الحسم

    وتطرق الملك الحسن الثاني إلى الانسحاب الموريتاني من الصحراء ووضع وادي الذهب بوضوح في خطاب ألقاه خلال افتتاح الدروس الحسنية يوم 2 غشت 1979، أي بعد أسابيع قليلة من “الانقلاب” في موريتانيا وقبل تقديم وفود وادي الذهب بيعتها له.

    موقف الملك الراحل كان أن على موريتانيا عدم تجاهل الالتزامات الدولية والاتفاقيات التي أبرمتها، وقال إن الاتفاقيات الدولية تلزم الدول الموقعة عليها، مضيفا أن نواكشوط لا يمكنها اتخاذ تشريع داخلي يتجاهل الاتفاقات المبرمة مع المغرب.

    والأهم أنه ربط احتمال تخلي موريتانيا عن التزاماتها بمسؤولية المغرب في الدفاع عن مصالحه، قائلا إن المغرب سيكون عندها أمام “المسؤولية الوحيدة الضرورية الواجبة، وهي مسؤولية الدفاع عن البقاء”.

    وبعد استرجاع وادي الذهب، عاد الملك الراحل الحسن الثاني إلى الموضوع في ندوة صحافية بفاس يوم 19 غشت 1979، وصف فيها ما سمي بـ”اتفاق الجزائر”، الذي أنهى الوجود الموريتاني في المنطقة، بأنه “بطاقة تافهة وقعت في لحظة عابرة”، عادا أن الاتفاق جعل وادي الذهب “أرضا خلاء” من الناحية القانونية لأنه أراد تسليمها إلى جهة لا يعترف بوجودها، أي الجبهة الانفصالية البوليساريو.

    وشدد الحسن الثاني على أن توجه المغرب إلى الداخلة واستقباله سكانها كان دفاعا عن المشروعية وعن قرار محكمة العدل الدولية.

    معركة السلاح دفاع عن الوحدة الترابية

    قبل ثلاثة أيام فقط من احتفال المغرب باسترجاع وادي الذهب، شهدت منطقة بئر أنزران، في 11 غشت 1979، واحدة من أبرز المعارك في تاريخ القوات المسلحة الملكية بالصحراء.

    فقد تعرض الموقع العسكري المغربي لهجوم واسع نفذته مرتزقة البوليساريو، وكان الهدف منه السيطرة على بئر أنزران وقطع الطريق أمام تثبيت الحضور المغربي في وادي الذهب.

    وتدخل في المعركة الطيران المغربي، وغار فيها على قافلة من 500 سيارة مصفحة للعدو، واستشهد فيها 125 جنديا مغربيا، وتركت ميليشيا الجبهة الانفصالية ما يفوق 500 قتيل بالإضافة إلى خسائره في العتاد والذخيرة الحربية.

    وبعد هذه المعركة دخل الجيش المغربي إلى إقليم وادي الذهب، وضمه إلى أقاليم المملكة، وأطلق على هذا الدخول “عملية قدر”.

    لذلك، تحتل المعركة مكانة خاصة في الذاكرة العسكرية المغربية لأنها جاءت في لحظة حاسمة، كان يتقرر فيها مصير الإقليم بعد الانسحاب الموريتاني، ولهذا لا يمكن فصل استرجاع وادي الذهب عن تضحيات الجنود المغاربة الذين دافعوا عن بئر أنزران.

    تجديد البيعة ووصل الجنوب بالشمال

    في 14 غشت 1979، استقبل الملك الحسن الثاني بالقصر الملكي في الرباط وفدا ضم علماء ووجهاء وأعيان وشيوخ قبائل وادي الذهب.

    وجاء الوفد ليعلن تجديد البيعة للملك، مستحضرا روابط البيعة التي جمعت قبائل المنطقة بسلاطين المغرب عبر التاريخ.

    ووقع وثيقة البيعة ممثلو قبائل أولاد دليم، والرقيبات أولاد الشيخ، وسكارنا، وآيت لحسن، وفيلالا، وآيت با عمران، وأولاد تيدرارين، والشيخ ماء العينين، وال محمد سالم، وتندغة.

    وضمت أيضا لائحة الموقعين كلا من آل بارك الله، ويكوت، والميراكن، والرقيبات أولاد داود، والعروسيين، والزرفيين، والرقيبات السواعد، وأولاد اللب، وإد يقب، والمناصير.

    ولخص الملك الراحل الحسن الثاني دلالة اللحظة مخاطبا علماء ووجهاء وأعيان وشيوخ قبائل وادي الذهب: “إننا قد تلقينا منكم اليوم البيعة، وسوف نرعاها ونحتضنها كأثمن وأغلى وديعة. فمنذ اليوم، بيعتنا في أعناقكم ومنذ اليوم، من واجباتنا الذود عن سلامتكم والحفاظ على أمنكم والسعي دوما إلى إسعادكم، وإننا لنشكر الله سبحانه وتعالى أغلى شكر وأغزر حمد على أن أتم نعمته علينا فألحق الجنوب بالشمال ووصل الرحم وربط الأواصر”.

    وقام الملك الراحل بتوزيع السلاح رمزيا على ممثلي القبائل، في إشارة إلى أن البيعة تقترن بمسؤولية مشتركة في الدفاع عن الوحدة الترابية وحماية الإقليم، في مشهد جمع رمزية العرش، وتمثيلية القبائل، وإرادة الانتماء، وواجب الدفاع عن الأرض.

    حضور مؤسساتي ورسائل لأعداء الوحدة الترابية

    لم تتوقف عملية استرجاع إقليم وادي الذهب عند مراسم البيعة، إذ في اليوم نفسه، صدر المرسوم رقم 2.79.430 الذي أدرج وادي الذهب ضمن التقسيم الإداري للمملكة باعتباره الإقليم السادس والثلاثين.

    ثم صدر في 20 غشت 1979 المرسوم رقم 2.79.659 المتعلق بتنظيم الدوائر والقيادات والجماعات التابعة للإقليم. وتكشف هذه الدقة الزمنية أن الدولة المغربية أرادت تحويل الدلالة التاريخية والسياسية للبيعة إلى حضور إداري ومؤسساتي مباشر. “التسلسل القانوني لأحداث سنة 1979.

    وفي مارس 1980، انتقل الملك الحسن الثاني إلى الداخلة، حيث احتفل بعيد العرش وأقيمت مراسم الولاء، لتكون هذه الزيارة بمثابة تثبيت رمزي لوجود الدولة في الإقليم، ورسالة لأعداء الوحدة الترابية أن الداخلة لم تعد منطقة بعيدة عن مركز القرار، بل أصبحت فضاء يحتضن أحد أهم الطقوس السياسية في الدولة المغربية.

    وبعد سبعة وأربعين عاما، يظل 14 غشت حاضرا في الوعي المغربي باعتباره اليوم الذي انتقلت فيه وادي الذهب من منطقة مهددة بالفراغ إلى عنوان لاستكمال الوحدة الترابية.

    غير أن قصة الداخلة لم تتوقف عند لحظة الاسترجاع، فـ”لؤلؤة الجنوب”، التي دخلت التاريخ الوطني من بوابة الوحدة الترابية، أصبحت اليوم في قلب تحول اقتصادي وجيوسياسي أوسع، تقوده مشاريع الميناء الأطلسي والطريق السريع والطاقات المتجددة، إلى جانب المبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي.

    وإذا كان عام 1979 قد حسم سؤال الانتماء، فإن التحولات الجارية تطرح سؤال الوظيفة، وكيف انتقلت الداخلة من رمز تاريخي للوحدة إلى قطب اقتصادي وبوابة للمغرب نحو عمقه الإفريقي.

  • دعوات مضللة وخوارزميات عمياء.. تعبئة رقمية للهجرة نحو المجهول

    دعوات مضللة وخوارزميات عمياء.. تعبئة رقمية للهجرة نحو المجهول

    بعد أقل من أسبوعين على الأحداث التي أعادت ملف الهجرة غير النظامية عبر سبتة المحتلة إلى واجهة النقاش، عادت دعوات مضللة للظهور على منصات التواصل الاجتماعي، تحث على التوجه نحو المدينة ومحاولة العبور، في موجة جديدة تعيد وضع الدور المتنامي للفضاء الرقمي في التعبئة للهجرة تحت المجهر.

    وتأتي هذه الدعوات، التي قال مرصد الشمال لحقوق الإنسان إنها مجهولة المصدر، في أعقاب أحداث نهاية يوليوز، وفي وقت بات فيه البعد الرقمي جزءا أساسيا من فهم ما يسبق تحرك الراغبين في الهجرة نحو المناطق الحدودية.

    ولا يقتصر تكرار هذه الدعوات خلال فترة زمنية قصيرة على ما يحدث عند الحدود، بل يطرح أسئلة أوسع حول الأسباب الكامنة وراء سرعة تجدد التعبئة، وكيف يمكن لدعوة مجهولة المصدر أن تنتقل من منشور أو مقطع فيديو محدود التداول إلى محتوى واسع الانتشار، بما يعيد طرح سؤال آخر حول ما إذا كانت مراقبة المحتوى الرقمي والتدخل المبكر عبر المنصات أصبحت جزءا من الوقاية من موجات قد تنتقل في وقت قصير من الفضاء الافتراضي إلى أرض الواقع.

    السلطات تتعبأ وتتوعد المروجين

    وكشفت وزارة الداخلية، اليوم الأربعاء، إنها رصدت تداول منشورات ورسائل مجهولة المصدر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تحرض على تنظيم محاولات للعبور الجماعي غير القانوني نحو مدينتي سبتة ومليلية، محذرة من الانسياق وراء هذه الدعوات بالنظر إلى ما تنطوي عليه من مخاطر على سلامة الأشخاص، وما قد يترتب عنها من متابعات قانونية في حق المشاركين فيها أو المتورطين في الترويج لها.

    وأكدت وزارة الداخلية أن السلطات تتابع الوضع عن كثب، وأن جاهزية الأجهزة الأمنية لا ترتبط بتاريخ محدد، بل تدخل ضمن منظومة يقظة مستمرة، خصوصا في المناطق القريبة من سبتة ومليلية، يجري تعزيزها وتكييفها تبعا لتطور الوضع الميداني.

    ووصفت الوزارة هذه الممارسات بأنها تسعى إلى استغلال قضية الهجرة في أعمال تحريضية يجرمها القانون، في إشارة واضحة إلى أن التعامل مع الظاهرة لن يقتصر على إحباط محاولات العبور ميدانيا، وإنما سيشمل أيضا تتبع الجهات والأشخاص الذين يقفون وراء الدعوات الرقمية أو يساهمون في نشرها.

    وأعلنت الداخلية أنها ستتخذ جميع التدابير الضرورية للتصدي لمحاولات العبور غير القانوني واعتراض كل من يسعى إلى المشاركة فيها، بالتوازي مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حق كل من يثبت تورطه في أعمال مخالفة للقانون، بما في ذلك مروجي هذه الدعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

    وفي هذا السياق، كشفت الداخلية أن التحركات الأمنية المرتبطة بهذه الدعوات أفضت بالفعل إلى توقيف مجموعة من الأشخاص يشتبه في قيامهم بأعمال تحريضية.

    وتم إخضاع الموقوفين لمسطرة البحث القضائي تحت إشراف النيابة العامة المختصة، في خطوة تعكس انتقال التعامل مع الدعوات المتداولة من مرحلة الرصد والتحذير إلى مباشرة الإجراءات القضائية بشأن الحالات التي تشتبه السلطات في تورطها في التحريض.

    لماذا عادت الدعوات بهذه السرعة؟

    أظهرت محاولات 30 و31 يوليوز الماضي أن انتهاءها على الأرض لا يعني بالضرورة انتهاء أثرها رقميا، إذ تنتج كل موجة صورا وفيديوهات وشهادات تستمر في التداول بعد انتهاء الحدث، ويمكن أن تعود إلى الواجهة بمجرد ظهور دعوة جديدة.

    غير أن خالد مونة، أستاذ علم الاجتماع بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، يرى أن المنصات الرقمية لا تخلق الرغبة في الهجرة من الصفر، لكنها أصبحت جزءا من البيئة التي يتشكل داخلها القرار.

    ويوضح في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن الدوافع تختلف باختلاف الأفراد والأوضاع الاجتماعية، غير أن تكرار الصور والدعوات على منصات التواصل الاجتماعي يمكن أن يسرع الانتقال من التفكير إلى الفعل، خصوصا عندما يشعر الشاب بأن آخرين يستعدون للتحرك أيضا.

    ويضيف أن “فهم هذه الموجات يقتضي عدم الاكتفاء بما يحدث عند الحدود، بل دراسة الفئات التي تتفاعل مع هذه الدعوات، ودوافعها، وكيف أصبحت المنصات والشبكات الاجتماعية جزءا من الطريقة التي يتخذ بها قرار الهجرة”.

    حكم قضائي عابر للحدود

    أحداث نهاية يوليوز الفائت تقدم نموذجا عمليا للطريقة التي يمكن أن تنتقل بها المعلومة من سياقها الأصلي إلى سردية مختلفة داخل المنصات، إذ ربط المجلس الوطني لحقوق الإنسان تصاعد المضامين الرقمية بصدور قرار المحكمة العليا الإسبانية رقم 814/2026 في 8 يوليوز، والمتعلق بالمسطرة القانونية الواجب اتباعها عند اعتراض مهاجرين في البحر.

    لكن مضمون الحكم سرعان ما خضع لتأويلات مختلفة على شبكات التواصل الاجتماعي. ففي اليوم نفسه، رصد المجلس محتوى على صفحة “فيسبوكية” يتجاوز عدد متابعيها 90 ألف شخص، يقدم الحكم على أساس أن المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر عند العبور إلى سبتة أو مليلية “لا يمكن إرجاعهم”.

    وبعد خمسة أيام فقط، ظهر مضمون مشابه داخل مجموعة يتجاوز عدد أعضائها 124 ألف شخص، وكانت تنشر بمعدل يصل إلى 231 تدوينة يوميا.

    وبحسب رصد المجلس، استخدمت حسابات ومجموعات رقمية التضليل والترويج والتنسيق والإرشاد والتعبئة لتقديم رسالة أكثر تبسيطا وإغراء، مفادها أن الوصول عن طريق البحر يعني عدم إمكانية الإرجاع.

    من منشور متفرق إلى موجة رقمية

    قد تبدأ الدعوة بمنشور أو فيديو محدود، ثم يعاد نشره عبر حسابات أخرى، قبل أن ينتقل من منصة إلى أخرى أو إلى مجموعات التراسل الخاصة، وخلال هذه العملية، قد تضاف إلى المحتوى الأصلي معلومات وتعليقات جديدة، إلى درجة يصبح معها تحديد مصدر الرسالة الأولى أكثر صعوبة.

    ومع تكرار المعلومة نفسها من حسابات مختلفة، قد يتولد لدى المستخدم انطباع بأن تعدد الجهات التي تتداولها دليل على صحتها، رغم أن الجميع قد يكون في الواقع بصدد إعادة إنتاج الرسالة المضللة الأولى نفسها.

    وتكشف معطيات الرصد التي قدمها المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول أحداث نهاية يوليوز حجم البيئة الرقمية التي يمكن أن تتحرك داخلها هذه المضامين، فقد تابع المجلس منشورات 23 مجموعة على “فيسبوك” تضم مجتمعة أكثر من مليون و86 ألف عضو، وكانت تنتج أكثر من 1400 تدوينة يوميا في المتوسط، خلال الأيام التي سبقت أحداث سبتة الأخيرة.

    كما امتد الرصد إلى “تيك توك” و”إنستغرام” و”إكس”، فضلا عن مجموعات مغلقة أو شبه مغلقة على “واتساب” و”تلغرام”.

    ولم يقتصر الأمر على تداول صور أو نقاشات عامة حول الهجرة، إذ رصد المجلس داخل بعض هذه الفضاءات تبادل معلومات مرتبطة بالعبور، من نقاط الالتقاء وطرق الوصول إلى سبتة إلى تقاسم روابط مجموعات خاصة لمواصلة التنسيق بعيدا عن الفضاءات المفتوحة.

    وتدخل أنظمة التوصية “الخوارزميات” بدورها في هذه المعادلة، إذ تقترح على المستخدم محتويات بناء على أنماط مشاهدته وتفاعله السابق، ما قد يجعل الشخص المهتم بموضوع الهجرة أكثر تعرضا لمحتويات مشابهة.

    وتوضح لبنى الخواجة، الباحثة في الإعلام والتواصل الرقمي، أن “خطورة التضليل لا ترتبط فقط بالمعلومة غير الصحيحة، وإنما أيضا بسرعة تداولها وتكرارها، لأن ظهور الرسالة نفسها من حسابات متعددة قد يمنح المستخدم انطباعا بأنها مؤكدة، فيما يمكن لأنظمة التوصية أن توسع وصول المحتوى إلى أشخاص سبق أن أبدوا اهتماما بالموضوع”.

    وتنبه الخواجة في حديثها لجريدة “AM+ MEDIA” في المقابل إلى أن “الانتشار الواسع لا يكفي وحده للحديث عن حملة منظمة، لأن إثبات التنسيق يحتاج إلى تحليل مصادر المنشورات وتوقيتاتها ومسارات انتشارها، لذلك تبرز أهمية الرصد والتفنيد السريع والتعاون مع المنصات، مع احترام الخصوصية وحرية التعبير”.

    تعبئة جديدة نحو المجهول

    بعد فترة قصيرة من أحداث نهاية يوليوز، عادت المؤشرات الرقمية للظهور، فقد أعلن مرصد الشمال لحقوق الإنسان رصده دعوات مجهولة المصدر متداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تدعو إلى محاولة عبور جديدة نحو سبتة.

    وطالب المرصد بالتحقيق في مصادر هذه الدعوات والجهات التي تقف وراءها، في ظل المخاطر التي يمكن أن تترتب عن انتقال التعبئة مجددا من العالم الرقمي إلى تحركات ميدانية.

    وتكمن حساسية الدعوات الجديدة في انتقالها من الحديث العام عن الرغبة في الهجرة إلى تحديد تاريخ بعينه، لأن وصول الرسالة نفسها إلى عدد كبير من الأشخاص خلال فترة زمنية متقاربة قد يجعل قرارات فردية منفصلة تتزامن في المكان والزمان.

    وهو ما يعيد طرح السؤال نفسه الذي فرضته أحداث نهاية يوليوز؛ هل ينبغي انتظار وصول الموجة إلى الحدود، أم يمكن التدخل عندما تكون مؤشراتها لا تزال رقمية؟

    هل أصبح ضبط الخوارزميات ضروريا؟

    لم يعد التعامل مع هذا النوع من المحتوى مرتبطا بمحاربة الأخبار الزائفة فقط، بعدما أظهرت الأحداث الأخيرة أن التعبئة الرقمية يمكن أن تنتقل خلال فترة قصيرة إلى تحركات ميدانية.

    ومن هذه الزاوية، يصبح التعاون مع المنصات جزءا من مقاربة وقائية أوسع، هدفها التقاط المؤشرات المبكرة والحد من انتشار المضامين المضللة أو الدعوات التي يمكن أن تعرض سلامة الأشخاص والأمن العام للخطر.

    وقد دخل هذا الخيار بالفعل مرحلة التطبيق، بعدما وافقت شركتا “ميتا” و”تيك توك” على اتخاذ إجراءات مرتبطة بالمحتويات المتعلقة بعبور الحدود إلى إسبانيا.

    وفعلت المنصتان بروتوكولات للأزمات وآلية خاصة للتعاون مع مدققي الحقائق، إلى جانب إجراءات للتعامل مع المحتويات المخالفة المرتبطة بتهريب الأشخاص.

    وبذلك لم يعد دور شبكات التواصل الاجتماعي مجرد موضوع للنقاش حول تأثيرها في الشباب، بل أصبح جزءا من التعامل المؤسساتي مع تداعيات موجات العبور والتضليل الرقمي.

    هل يحتاج المغرب إلى مرصد وطني للهجرة؟

    تكرار موجات التعبئة يطرح في المقابل سؤالا مؤسساتيا حول إمكانية تجميع مختلف المؤشرات المرتبطة بالهجرة داخل آلية واحدة للمعرفة والتحليل والاستباق.

    فالمعطيات المتعلقة بالظاهرة موزعة بين قطاعات ومؤسسات متعددة، في وقت أصبحت فيه الهجرة تتقاطع مع عوامل اقتصادية واجتماعية وديمغرافية ونفسية وأمنية ورقمية.

    ومن هنا يمكن طرح فكرة مرصد وطني للهجرة، لا باعتباره جهازا لمراقبة شبكات التواصل الاجتماعي، وإنما آلية تجمع ما هو موزع اليوم بين المعطيات الميدانية والبحث العلمي والدراسات الاجتماعية والديمغرافية والمؤشرات الرقمية العامة.

    وتشير لبنى الخواجة في هذا السياق أن المغرب اليوم في حاجة إلى مرصد وطني للهجرة لكن بشرط ألا يكون مجرد مؤسسة إضافية تنتج التقارير والأرقام، لأن المطلوب هو آلية تشتغل بشكل مستمر على رصد الظاهرة وفهم التحولات التي تعرفها خصوصا أننا لم نعد أمام هجرة مرتبطة فقط بالوضع الاقتصادي أو البحث عن العمل.

    وأبرزت أن هناك تأثير واضح لمواقع التواصل الاجتماعي وتغير في الفئات العمرية وفي طريقة اتخاذ قرار الهجرة وحتى في سرعة انتشار الدعوات إلى العبور، موضحة أن وجود مرصد يمكن أن يسمح بتجميع المعطيات الموجودة لدى مختلف القطاعات وتحليلها وربط ما يحدث في الفضاء الرقمي بما يحدث على الأرض.

    وشددت على أن هذا مهم لأننا في كثير من الأحيان نبدأ في مناقشة الهجرة عندما يصل الشباب إلى الحدود بينما السؤال الأساسي ماذا حدث قبل ذلك؟ لماذا قرر هؤلاء الشباب الهجرة ومن أين حصلوا على المعلومات؟ وكيف تحولت دعوات متفرقة على مواقع التواصل إلى تحرك جماعي؟”، مضيفة أنه إذا استطعنا الإجابة عن هذه الأسئلة بشكل مبكر يمكن أن ننتقل من رد الفعل إلى الاستباق”.

  • الزمن الميسر يعيد ترتيب العرض الجامعي لمضاعفة المقاعد بالجامعات المغربية

    الزمن الميسر يعيد ترتيب العرض الجامعي لمضاعفة المقاعد بالجامعات المغربية

    قبل أسابيع من انطلاق الموسم الجامعي 2026-2027، تمضي مجالس جامعات مغربية في اتجاه إقرار رسوم موحدة للتكوين بالتوقيت الميسر، وسط اعتراضات نقابية ترى في الأداء مساسا بالمجانية وتكافؤ الفرص، في وقت تقدم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الصيغة باعتبارها وسيلة لتوسيع العرض، وفصل حاجات الطلبة المتفرغين عن حاجات الموظفين والأجراء، واستعمال مرافق الجامعة خارج التوقيت العادي.

    وخرج الخلاف عن كونه خلافا قانونيا بعد صدور القانون رقم 59.24، الذي أجاز صراحة تنظيم تكوين أساسي مؤدى عنه في توقيت ميسر، لينتقل مركز الجدل إلى قيمة الرسوم، وكلفة التكوين.

    وفي تصريح للجريدة، قال مسؤول جامعي فضل عدم الكشف عن اسمه إن جزءا من الجدل الجاري هو، في تقديره، “حق أريد به باطل”، معتبرا أن الاعتراض المشروع على الكلفة يجري توظيفه للضغط على الوزارة قبيل الدخول الجامعي، بينما تسعى هذه الأخيرة إلى المحافظة على عرض جامعي واسع وتوسيعه، سيما في سلك الماستر ثم الدكتوراه.

    تصعيد نقابي

    واتهم المسؤول الجامعي نقابات للموظفين بالبحث عن ملفات قابلة للتعبئة قبل بداية الموسم الجامعي، وقال إن النقاش انتقل من الاعتراض على الرسوم إلى المطالبة بإلغاء التوقيت الميسر كله، وقارن بين 15 ألف درهم سنويا للماستر في الجامعة العمومية وبين مبالغ قال إن موظفين يؤدونها في جامعات خاصة، تتراوح بين 30 و35 ألف درهم للسنة.

    ويبرز المصدر أن اتساع عرض التوقيت الميسر في الجامعات العمومية سيؤدي إلى سحب جزء من الطلب الذي تستقطبه الجامعات الخاصة، وربط بعض حملات الرفض بحسابات انتخابية ونقابية وبمصالح خاصة في قطاع التعليم الخاص.

    واعتبر المسؤول أن الموظف الراغب في متابعة الدراسة مطالب بالتوفيق بين التزاماته المهنية وشروط الحضور والتقييم، وأن تكييف الزمن لا ينبغي أن يتحول إلى تخفيف للمتطلبات البيداغوجية.

    في المقابل، يستندون المعارضون في مواقفهم إلى حجج مختلفة، من بينها عدم احترام مبلغ الأداء الفوارق الكبيرة بين أجور العاملين والتزاماتهم الأسرية، كما تعتبر فعاليات أخرى أن بقاء التوقيت العادي مجانيا لا يحسم الإشكال بالنسبة إلى موظف لا يستطيع، بحكم ساعات العمل، الاستفادة منه عمليا.

    رسوم موحدة وإعفاءات

    وتحدد التعريفة التي أوصى بها منتدى رؤساء الجامعات، وتعمل مجالس الجامعات على اعتمادها انطلاقا من الموسم الجامعي المقبل، الواجبات السنوية للراغبين في الدراسة وفق نظام الزمن الميسر.

    وحددت التعريفة التي تم تداولها على نطاق واسع واجبات سنوية قدرها 5000 درهم في الإجازة، و18 ألف درهم في “الباشلور”، و15 ألف درهم في الماستر، و20 ألف درهم في الدكتوراه؛ أي 30 ألف درهم بالنسبة لسنيتن في الماستر، و80 ألف درهم للدكتوراه في 4 سنوات.

    وعلى الصعيد الاجتماعي، أكد منتدى رؤساء الجامعات إعفاء الموظفين والأجراء الذين لا يتجاوز دخلهم الشهري الحد الأدنى للأجر، مع الحديث عن تسهيلات في الأداء وحالات خاصة، في وقت تربط بعض الجامعات نسبة الإعفاءات بعدد المسجلين والتكوينات، فيما تتجه جامعات أخرى إلى إعفاء موظفيها من الرسوم.

    غير أنه إلى حدود اللحظة فالجامعات لم تحدد بعد تفاصيل تنزيل الإعفاء، سيما بالنسبة إلى موظفي الجامعات ومن يتجاوزون الحد الأدنى للأجر بقليل.

    رسوم لا تغطي التكاليف

    قدم المسؤول الجامعي في حديثه للجريدة مثالا للدفاع عن رسوم التسجيل في الماستر بنظام الزمن الميسر، موضحا أنه “إذا سجل مسلك واحد 40 طالبا، ستبلغ المداخيل الإجمالية 600 ألف درهم في السنة، وإذا علمنا أن التكوين يتضمن 12 وحدة، لا تقل كلفة كل واحدة منها عن عشرة آلاف درهم في حد أدنى، فيما تحصل الجامعة على 12.5 في المئة وتحصل الكلية على النسبة نفسها، فلن تكفي الحصة المتبقية، لتغطية باقي نفقات التدريس والتدبير والتجهيزات.

    في هذا السياق، كشف بلاغ منتدى رؤساء الجامعات أن خصوصية سلك الدكتوراه، باعتباره قائما أساسا على البحث العلمي والتأطير، تستلزم تعبئة الأساتذة الباحثين والأطر الإدارية والتقنية، فضلا عن مختبرات البحث ومختلف مرافق الجامعة وتجهيزاتها، لذلك روعي في تحديد واجبات التسجيل ما يقتضيه الارتقاء بجودة البحث وتأمين شروط التأطير.

    وأكد أن 40 بالمئة من مداخيل الرسوم تخصص لميزانية التسيير أو الاستثمار، و60 بالمئة تُسْتَغلُ لدعم البحث العلمي وتعويض الأساتذة الباحثين، بعد إتمام مختلف عمليات التتبع والتأطير والمواكبة ومناقشة الأطروحات المعنية.

    رهان مضاعفة مقاعد الماستر

    الحجة المركزية في دفاع وزارة التعليم العالي على رسوم الزمن الميسر لا تتعلق بالمداخيل وحدها، بل بما يمكن أن تفتحه من مقاعد إضافية، ستوسع قاعدة العرض الجامعي.

    وأوضح المسؤول الجامعي للجريدة أن التوقيت الميسر سيشجع الأساتذة والمؤسسات على اقتراح مسالك ماستر جديدة أو استقبال أفواج إضافية في المسالك القائمة، لأن الموارد ستغطي جزءا من ساعات التدريس والتدبير خارج الزمن العادي.

    وضرب مثالا بمسلك كان يستقبل 45 طالبا، مكونين من موظفين وطلاب متفرغين معا، سينتقل إلى 90 طالبا موزعين على فئتين وفق نظام الزمن الميسر، ما يضاعف الطاقة الاستيعابية دون أن يؤثر ذلك في عدد المقاعد المخصصة للطلبة المتفرغين.

    ووصف المصدر هذه المقاربة بـ”الذكية”، معتبرا أنها تشرح حديث وزير التعليم العالي، عز الدين ميداوي، عن توسيع الولوج إلى الماستر.

    وبحسب منطقه، لن يصبح الوصول أوسع بقرار إداري يلغي الانتقاء أو المباريات فقط، بل بزيادة عدد المسالك والأفواج حتى يقترب العرض من عدد الحاصلين على الإجازة، مضيفا أن الحكم على الإصلاح ينبغي أن ينتظر ظهور نتائج في الموسم الجديد.

    ويستند حديث المصدر إلى مشكلة واقعية ظهرت في الموسم الجامعي الماضي (2025-2026)، عندما أعلنت مؤسسات جامعية عن تعذر فتح بعض مسالك الماستر بالتوقيت الميسر لعدم توافر الشروط اللازمة، رغم إجراء عمليات انتقاء في بعض الحالات، ما يعني أن توفير الموارد قد يحول مسالك معلنة على الورق إلى عرض فعلي.

    رؤية أوسع لفرص أكبر

    في يونيو من العام الفائت، أكد وزير التعليم العالي خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس النواب،  دعمه لتوسيع أو تعميم الولوج إلى الماستر ورفع عدد المقبولين، بمعنى الولوج المباشر إلى الماستر للحاصلين على الإجازة، من أجل عرض أوسع.

    ويندرج هذا التوجه في ظل التحديات البنيوية التي تواجهها الجامعة المغربية وتتطلب إصلاحا عميقا، إذ كشف ميداوي في 11 يونيو 2025 أن أحد أبرز الإشكالات تتمثل في ضعف الكم، وأن عدد المهندسين والدكاترة الذين يتم تخريجهم سنويا لا يرقى إلى مستوى حاجيات المغرب.

    وأشار إلى أن عدد الطلبة المسجلين حاليا في سلك الدكتوراه لا يتجاوز 40 ألف طالب، 45 في المئة منهم موظفون أو يعملون في شركات ومقاولات، في حين ينبغي أن يتراوح العدد بين 150 و200 ألف طالب، بالنظر إلى العدد الإجمالي لطلبة الجامعات المغربية.

    وفي خطوة أولى، أصبح دفتر الضوابط البيداغوجية ينص حاليا على أن الولوج إلى سلك الماستر يتم عن طريق الانتقاء بعد دراسة ملفات الترشيح وفق معايير المسلك المعتمد، مع استثناء وحيد للحاصلين على الإجازة في إطار “مراكز التميز”، إذ يتاح لهم الولوج التلقائي إلى الماستر الذي تحتضنه تلك المراكز.

    وتضع وزارة التعليم العالي رهان توسيع العرض الجامعي ضمن مشروع أكبر للخريطة الجامعية، إذ وضعت إصلاحا يشمل إحداث 26 مؤسسة جامعية جديدة، بهدف معالجة الاكتظاظ، إضافة إلى رفع سعة الأحياء الجامعية، وإعادة الهيكلة الداخلية للجامعات والكليات، حتى تتأقلم مع الحاجيات المحلية ومتطلبات سوق الشغل.

    ماذا يقول القانون؟

    ويستحضر معارضو رسوم التوقيت الميسر قرار محكمة النقض عدد 16 الصادر في 3 يناير 2019، الذي رفض طعن جامعة القاضي عياض وأيد إلغاء رسوم عشرة آلاف درهم فرضت على موظف للترشح إلى الدكتوراه.

    وأكدت المحكمة حينها أن الحق في التعليم مكفول دستوريا، وأن كلفة الحصص المنظمة أيام الجمعة والسبت والأحد لا تمنح الجامعة حق إنشاء شرط مالي من دون أساس قانوني.

    غير أن القرار صدر في ظل القانون رقم 01.00، وبنت المحكمة تعليلها على أن المادة 18 منه أجازت رسوم التكوين المستمر، ولم تجز رسوما على التكوين الأساسي الذي تندرج ضمنه الدكتوراه.

    غير أن هذا الوضع القانوني تغير خلال العام الجاري، فالقانون رقم 59.24، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 7485 في 23 فبراير 2026، عرف في مادته الثانية التكوين الأساسي بأنه تكوين معتمد يلقن في التوقيت العادي أو الميسر، ثم نصت المادة 81 منه صراحة على إمكان تنظيم تكوينات مؤدى عنها في إطار التكوين الأساسي الملقن في توقيت ميسر.

    هذا المستجد القانوني الذي دفع النقاش إلى مستوى آخر، إذ تحول من قانونية رسوم الزمن الميسر إلى إلى حدود سلطة الجامعات في تحديد قيمة الرسوم.

    التوقيت الميسر مربح للجميع

    يرى المسؤول الجامعي الذي تحدث للجريدة أن الجدل الجاري محاولة للضغط لا غير بعد أن أصبح القانون نافذا، وأن التوقيت الميسر سيجعل “الكل رابحا”، لأن الطالب المتفرغ سيتوفر على مقاعد قد تصل الضعف في بعض الحالات التي كانت تشهد إقبالا كبيرا من غير المتفرغين، والموظف سيحصل على زمن ملائم في أوقات فراغه، والأستاذ الجامعي سيجد موارد لتأطير فوج إضافي، والجامعة ستوسع عرضها الجامعي وترفع جودته.

    في الجهة المقابلة، يخشى المعارضون أن تتحول الصيغة الموازية إلى مسار إلزامي لكل موظف، وأن تصبح القدرة على الأداء معيارا فعليا للولوج، أو أن تتراجع المقاعد المجانية تحت ضغط البحث عن الموارد الذاتية.

    أجندات سياسوية خلف الستار

    غير أن السعيد المسكيني، عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالجديدة، يشدد على أنه الجدل الذي يسبق الموسم الجامعي الجديد حول رسوم الزمن الميسر “يستهدف، في عمقه، نسف كل هذه المجهودات وإفراغها من محتواها، خدمةً لأجندات سياسوية يغيب عنها الحس الوطني النبيل الذي يقدم المصلحة العامة على أي اعتبارات أخرى”.

    وأوضح المسكيني، في مقال رأي توصلت به الجريدة، أن السجال الدائر يحاول أن “يتمظهر بلبوس الدفاع عن الجامعة، لكنه في الحقيقة مجرد مزايدات شعبوية غير مسؤولة، تحاول اللعب على حبل قطاع هام، ذي حساسية مفرطة ورهانات مجتمعية كبيرة، ألا وهو قطاع التعليم العالي، الذي يحتاج إلى تعبئة وطنية واسعة يشارك فيها الجميع بروح من المسؤولية والموضوعية، وبعيدا عن دغدغة العواطف، خدمةً لرهانات ظرفية تسمو عليها مصلحة الوطن وقضاياه الاستراتيجية الكبرى”.

    ويشدد على أن رسوم الزمن الميسر ليست ضربا لمجانية التعليم في السلك العالي، كما أُريد الترويج لذلك عمدا، على اعتبار أن مجانية هذه الرسوم ستستمر سارية في حق كل الطلبة الذين لا دخل لهم، والذين لا ينتمون إلى واحدة من الفئتين المعنيتين بالقرار، وهما فئة الموظفين ثم أجراء القطاع الخاص”.

    وأبرز السعيد أن نظام التكوين بالتوقيت المستمر نظام معمول به في أغلب الجامعات بالعالم، في فرنسا وكندا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وفي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وبالتالي فهو ليس انفرادا مغربيا، كما جاء في بعض الادعاءات، بل نظام كان من المفروض العمل به منذ زمن، ما دامت غايته تجويد مستوى التكوين، وإعطاء قيمة للشواهد الجامعية، وضمان مبدأ الدراسة مدى الحياة.

    وأوضح أن الغاية من فرض هذه الرسوم هي الرفع من جودة التكوين، على اعتبار أن قسطًا من المداخيل سيوجَّه إلى تجهيز المؤسسات الجامعية ومختبرات البحث فيها بكل ما يلزم من معدات لوجستيكية مساعدة على الرفع من جودة التكوين (حواسيب، لوحات إلكترونية، مراجع ورقية، برمجيات…)، وغيرها من اللوازم التي سيستفيد منها، في آن واحد، كل من الطالب المعفى (غير القادر على الأداء) والطالب المؤدي، في إطار نوع من التضامن الطلابي وخدمة للمشروع الجماعي الناجح وذي الجودة.

    ويبرز عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالجديدة أن التكوين سيكون ميسرًا هو صياغة أجندات زمنية مناسبة لفئتي الموظفين والأجراء، بحيث لا تتأثر التزاماتهم المهنية مع العلمية، مشددا على أن غاية هذا التكوين هي تحقيق نوع من الملاءمة المريحة بين واجب الحضور الفعلي بمقرات العمل وواجب الحضور الفعلي بقاعات الدراسة.

  • ماذا بعد أحداث سبتة؟ نهاية منطق “دركي الحدود” وشراكة الهجرة أمام رهانات جديدة

    ماذا بعد أحداث سبتة؟ نهاية منطق “دركي الحدود” وشراكة الهجرة أمام رهانات جديدة

    أعادت أحداث العبور الجماعي نحو سبتة ملف الهجرة غير النظامية إلى الواجهة، وطرحت من جديد سؤال المقاربة المعتمدة في تدبير الحدود بين المغرب وإسبانيا.

    وخلال السنوات الماضية، عزز البلدان تعاونهما في مراقبة الحدود وتبادل المعلومات ومحاربة شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، ضمن شراكة أوسع تجمع المغرب بالاتحاد الأوروبي في مجال الهجرة.

    لكن الأحداث الأخيرة أظهرت أن التدخل الأمني يبدأ أساسا في المرحلة الأخيرة من مسار الهجرة، عندما يصل المهاجر إلى الحدود، فيما تتشكل دوافع الظاهرة قبل ذلك بكثير.

    ولا يتعلق السؤال بما إذا كان المغرب سيغير موقعه داخل هذه الشراكة، فهو شريك أساسي فيها، وإنما بما إذا كانت أحداث سبتة ستدفع نحو توسيع مجالات التعاون، من تدبير الحدود إلى معالجة مختلف أبعاد الهجرة وتقاسم المسؤولية بين ضفتي المتوسط.

    شراكة قائمة منذ سنوات

    يشكل المغرب منذ سنوات شريكا رئيسيا لإسبانيا والاتحاد الأوروبي في تدبير الهجرة على الطريق الغربي للمتوسط.

    ولا يقتصر التعاون على اعتراض محاولات العبور، بل يشمل تبادل المعلومات، ومكافحة شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، والتعاون الشرطي، إلى جانب ملفات العودة وإعادة الإدماج.

    وفي يوليوز 2022، عزز المغرب والاتحاد الأوروبي هذا المسار بإطلاق شراكة عملياتية لمكافحة تهريب المهاجرين، تقوم على دعم إدارة الحدود وتقوية التعاون الشرطي ومواجهة الشبكات الإجرامية.

    وبموازاة ذلك، طور المغرب مقاربته الخاصة من خلال الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء، باعتباره بلدا للمنشأ والعبور والاستقبال في الوقت نفسه.

    ويجعل هذا تدبير الهجرة بالنسبة إلى المملكة يتجاوز مسألة منع العبور، ليرتبط أيضا باعتبارات الأمن والسيادة والاستقبال والإدماج والتعاون مع دول المنشأ والاستقبال.

    الحدود.. آخر مراحل الهجرة

    وتظل مراقبة الحدود ومواجهة شبكات تهريب البشر جزءا أساسيا من تدبير الهجرة غير النظامية، سواء لحماية الأمن أو للحد من المخاطر التي يتعرض لها المهاجرون خلال محاولات العبور.

    غير أن الوصول إلى الحدود يمثل المرحلة الأخيرة من مسار يبدأ قبل ذلك، فقرار الهجرة يرتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية، وبفرص العمل والتنقل، إلى جانب نشاط شبكات تستفيد من الرغبة في الوصول إلى أوروبا.

    ويعالج إحباط محاولات العبور جانبا أساسيا من الظاهرة، لكنه لا يختزل مختلف أبعادها، خاصة عندما تتداخل في مسارات الهجرة دول المنشأ والعبور والاستقبال.

    ويرى عبد الفتاح الزين، الأستاذ والباحث المتخصص في قضايا الهجرة، أن أحداث سبتة تؤكد الحاجة إلى النظر إلى الهجرة باعتبارها مسارا متكاملا، وليس فقط لحظة وصول المهاجر إلى الحدود.

    ويعتبر الزين أن المقاربة الأمنية تظل ضرورية لحماية الحدود والتصدي للشبكات التي تستفيد من الهجرة غير النظامية، لكنها تحتاج إلى أن تندرج ضمن رؤية أوسع تشتغل أيضا على العوامل التي تسبق قرار الهجرة.

    ويضيف أن موقع المغرب كبلد منشأ وعبور واستقبال يجعله معنيا بمختلف أبعاد الظاهرة، وهو ما يفرض أن تقوم الشراكة مع أوروبا على مسؤولية مشتركة تشمل دول المنشأ والعبور والاستقبال.

    التمويل.. أحد مكونات الشراكة

    يشكل التمويل أحد مكونات التعاون المغربي الأوروبي في مجال الهجرة، لكنه لا يمثل مقابلا ماليا عن مراقبة الحدود، كما لا يوجد مبلغ سنوي ثابت يمنحه الاتحاد الأوروبي للمغرب مقابل منع عمليات العبور.

    وتظهر معطيات المفوضية الأوروبية أن صندوق الطوارئ الأوروبي لإفريقيا التزم، بين 2015 و2021، بما مجموعه 234 مليون يورو لدعم برامج مرتبطة بالهجرة في المغرب، عبر عقود ثنائية وإقليمية.

    ومن هذا المبلغ، خُصص 179 مليون يورو للإدارة المندمجة للحدود ومكافحة تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، فيما توزعت اعتمادات أخرى على الحماية والاستقرار المجتمعي، وحكامة الهجرة والعودة الطوعية، ودعم هجرة اليد العاملة.

    ومع دورة التعاون الجديدة، أعلنت المفوضية الأوروبية عن غلاف دعم تأشيري يصل إلى 500 مليون يورو للمغرب في مجال الهجرة خلال الفترة 2021-2027.

    وفي هذا الإطار، وقع الاتحاد الأوروبي والمغرب، في مارس 2023، برنامجا شاملا للهجرة بقيمة 152 مليون يورو، ولمدة أقصاها أربع سنوات، يشمل دعم تدبير الحدود ومكافحة شبكات التهريب، إلى جانب الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء، والعودة الطوعية وإعادة إدماج المهاجرين في بلدانهم الأصلية.

    التعاون أكبر من التمويل

    ولا تختزل هذه الأرقام طبيعة التعاون المغربي الأوروبي في ملف الهجرة، الذي يمتد إلى جوانب أمنية وقضائية وتنموية، فضلا عن العودة وإعادة الإدماج والتنقل.

    وفي قراءته لهذا الجانب، يشدد عبد الفتاح الزين على أن العلاقة بين المغرب والاتحاد الأوروبي في ملف الهجرة لا ينبغي قراءتها من زاوية التمويل وحده، بالنظر إلى تعدد مستويات التعاون بين الجانبين.

    ويرى أن الدعم المالي يمثل أداة ضمن شراكة تشمل الأمن والتنمية والعودة وإعادة الإدماج والتنقل، وليس مقابلا عن قيام المغرب بمراقبة حدوده، باعتبار أن هذه الأخيرة ترتبط أساسا بممارسة الدولة لمسؤولياتها السيادية.

    وبحسب الزين، فإن الرهان، بعد أحداث سبتة يكمن في توسيع المجالات الوقائية داخل هذه الشراكة، من خلال الاستثمار والتكوين والتنقل القانوني والهجرة الدائرية، بما يسمح بالتعامل مع جزء من دوافع الهجرة قبل انتقالها إلى محاولة عبور غير نظامية.

    المغرب شريك وليس حارسا

    هنا تبرز الدلالة السياسية والدبلوماسية لرفض اختزال دور المغرب في حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.

    فالمغرب لا يطالب بموقع داخل تدبير ملف الهجرة، لأنه شريك قائم بالفعل لإسبانيا والاتحاد الأوروبي، كما أن مراقبة حدوده ليست خدمة مرتبطة بمقابل خارجي، بل تدخل في صميم مسؤوليات الدولة عن أمنها وسيادتها ومحاربة الشبكات الإجرامية.

    وفي هذا الإطار، يعتبر عبد الفتاح الزين أن رفض وصف المغرب بـ”دركي أوروبا” يحمل أساسا دلالة سيادية تتعلق بموقع المملكة داخل منظومة التعاون حول الهجرة.

    ويوضح أن المغرب يتعامل مع الهجرة انطلاقا من مصالحه والتزاماته ومسؤوليته في حماية حدوده، وليس باعتباره طرفا مكلفا بحراسة المجال الأوروبي، مشيرا إلى أن التعاون مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي يقوم على مصالح متبادلة وليس على تفويض مهمة حماية الحدود لطرف واحد.

    ويرى الزين أن أحداث سبتة تعيد إبراز أهمية هذا التمييز، لأن المسؤولية المشتركة تفترض أن يقوم كل طرف بدوره، سواء قبل العبور أو خلاله أو بعد وصول المهاجر إلى الضفة الأخرى.

    ماذا قد يتغير مع إسبانيا؟

    لا تشير الأحداث الأخيرة إلى اتجاه نحو تراجع التعاون بين المغرب وإسبانيا، بل أظهرت مجددا أهمية التنسيق بين البلدين في ملف يرتبط مباشرة بأمنهما ومصالحهما المشتركة.

    لذلك، فإن ما يمكن أن يتغير بعد سبتة ليس مبدأ التعاون، وإنما نطاقه.

    فمراقبة الحدود وتبادل المعلومات ومحاربة شبكات التهريب ستظل عناصر أساسية، لكن ما يحدث بعد تجاوز الحدود يفتح ملفات أخرى، من تحديد الهوية والعودة إلى التنسيق الإداري والقضائي وتدبير أوضاع القاصرين غير المصحوبين.

    وقد يدفع ذلك نحو تعزيز التنسيق في المراحل التي تلي الوصول، وليس فقط في منع العبور، خاصة في ما يتعلق بسرعة تبادل المعطيات، والتحقق من الهوية، وتنفيذ إجراءات العودة.

    كما تظل الهجرة القانونية والتنقل المهني وإعادة الإدماج مجالات تسمح بتوسيع البعد الوقائي للتعاون، بحيث يصبح الجانب الأمني جزءا من منظومة أشمل لتدبير الهجرة، وليس عنوانها الوحيد.

    القاصرون.. المسؤولية بعد العبور

    يقدم ملف القاصرين المغاربة غير المصحوبين أحد أبرز الاختبارات العملية لهذا التعاون.

    فبعد أحداث سبتة، أعلن المغرب استعداده للتعاون مع إسبانيا من أجل تحديد هويات القاصرين المغاربة غير المصحوبين والعمل على إعادتهم إلى المملكة، في وقت ما تزال تعقيدات المساطر القانونية في إسبانيا تحول دون ذلك.

    ويأتي ذلك امتدادا للموقف المغربي القائم على الاستعداد لاستعادة القاصرين بعد استكمال المساطر القانونية اللازمة.

    وفي هذا السياق، أكد وزير العدل عبد اللطيف وهبي تمسك المغرب بإعادة القاصرين الموجودين في إسبانيا إلى أسرهم.

    وأوضح وهبي أول أمس الثلاثاء في حوار صحفي أن الرباط عقدت اجتماعات متعددة مع الجانب الإسباني بشأن الملف، وأن المغرب أبدى استعداده لاستعادة القاصرين، معتبرا أن استمرار الإشكال يرتبط بتعثر إجراءات إعادتهم من الجانب الإسباني.

    وتخضع إعادة القاصرين لضمانات قانونية مرتبطة بالتحقق من الهوية والوضع العائلي والمصلحة الفضلى للطفل، ما يجعلها أكثر تعقيدا من إجراءات إعادة البالغين.

    ويرى الأستاذ والباحث المتخصص في قضايا الهجرة عبد الفتاح الزين أن ملف القاصرين يمثل اختبارا عمليا لمفهوم المسؤولية المشتركة بين المغرب وإسبانيا، لأنه ينقل التعاون من مرحلة منع العبور إلى مرحلة تدبير نتائجه.

    ويعتبر أن إعلان المغرب استعداده لاستعادة القاصرين يضع الطرفين أمام ضرورة تسريع التنسيق القانوني والإداري، مع احترام الضمانات المرتبطة بحماية الطفل، حتى لا تتحول تعقيدات المساطر إلى عائق دائم أمام معالجة الملف.

    ويخلص الزين إلى أن تطوير التعاون بعد سبتة يقتضي أن يشمل مختلف مراحل الهجرة، لأن الشراكة لا يمكن أن تقتصر على ما يحدث قبل الوصول إلى الحدود، بل يجب أن تشمل أيضا العودة وإعادة الإدماج وتدبير أوضاع من وصلوا بالفعل إلى الجانب الآخر.

  • من الأخبار الزائفة لاستهداف الحياة الخاصة.. تحديات رقمية تسبق انتخابات 2026

    من الأخبار الزائفة لاستهداف الحياة الخاصة.. تحديات رقمية تسبق انتخابات 2026

    لم تعد الأخبار الزائفة خلال الفترات الانتخابية مرتبطة فقط بمنشور يتضمن معلومة غير صحيحة أو اتهاما يصعب إثباته، فتطور أدوات الذكاء الاصطناعي أضاف إلى المشهد تسجيلات صوتية يمكن استنساخها، وصورا قابلة للتعديل، وتصريحات يمكن تركيبها، إلى جانب فيديوهات حقيقية تقتطع من سياقها ويعاد نشرها بطريقة تغير مضمونها.

    ومع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، يطرح هذا التحول تحديا يتعلق بطبيعة النقاش السياسي، خصوصا عندما تنتقل المواجهة من مناقشة البرامج والكفاءة والحصيلة إلى استهداف السمعة والحياة الخاصة والعائلة.

    وتظهر حساسية هذه الممارسات بشكل أكبر بالنسبة للنساء الحاضرات في المجال السياسي، بالنظر إلى أن حملات الاستهداف الرقمي قد تتجاوز عملهن ومواقفهن إلى حياتهن الشخصية والعائلية، وقد تأخذ في بعض الحالات شكل إيحاءات أو شائعات ذات طبيعة جنسية.

    وخلال الفترة الأخيرة، أعادت حالات طالت شخصيات سياسية، من بينها فاطمة الزهراء المنصوري ونجوى ككوس، إلى جانب قضية سابقة مرتبطة بعبد اللطيف وهبي، طرح الحدود بين النقد السياسي المشروع والتشهير، في وقت تستعد فيه المنظومة الانتخابية لاختبار مقتضيات جديدة لمواجهة الأخبار الزائفة والمحتويات المفبركة.

    من مساءلة المسؤول إلى الافتراء واستهداف السمعة

    أثار ملف أراضي تسلطانت جدلا حول وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فاطمة الزهراء المنصوري، وعائلتها، بعد اتهامات بشأن طبيعة العقار ووضعه التعميري واستغلال النفوذ، غير أن المنصوري كذّبت كل الشائعات وأوضحت الحقيقة أمام الرأي العام، قبل أن تلجأ في أبريل 2026 إلى القضاء ضد الادعاءات الكاذبة والمعطيات التشهيرية.

    وعاد العنف الرقمي إلى الواجهة مع نجوى ككوس، رئيسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، التي أعلنت تعرضها لحملات ممنهجة من التشهير والسب والقذف والمس بالسمعة، معلنة لجوءها إلى القضاء، مشددة على أن استهداف النساء سياسيا قد يتجاوز النقد المشروع للأداء إلى المس بالحياة الخاصة والعائلة، بما يحول التشهير إلى وسيلة للضغط والإقصاء من المجال العام.

    وسبق لوزير العدل عبد اللطيف وهبي أن لجأ إلى القضاء في قضية مرتبطة بمحتويات اعتبرها متضمنة لأخبار وادعاءات كاذبة تمس بسمعته، وانتهت ابتدائيا سنة 2024 بإدانة المشتكى به على خلفية تهم مرتبطة ببث وتوزيع ادعاءات ووقائع كاذبة بقصد التشهير والقذف والسب العلني.

    وفي هذا السياق، يرى حاتم بومهود، الباحث في علوم المعلومة والتواصل، أن سرعة تداول المحتوى على المنصات الرقمية أفرزت تحديات جديدة تتعلق بمصداقية المعلومات وحيادها، في ظل قدرة هذه المنصات على نشر المعلومة بشكل فوري بصرف النظر عن طبيعتها أو مدى صحتها.

    ويحذر بومهود من تحول بعض المنصات الرقمية إلى فضاءات لصناعة وتداول المحتويات العنيفة، معتبرا أن انعكاسات هذه الظاهرة لا تقف عند المستخدمين، بل يمكن أن تمتد إلى المجتمع والممارسة الديمقراطية، خصوصا في ظل ما تعرفه الهوية والحياة الشخصية من اختراقات داخل الفضاء الرقمي.

    العنف الرقمي.. عقبة إضافية أمام النساء

    لم تنتظر أشكال العنف الموجه ضد النساء انطلاق الحملة الانتخابية لتظهر في الفضاء الرقمي، إذ سجل المرصد الوطني للحماية من العنف الرقمي، خلال يوليوز المنصرم وبداية غشت الجاري، تنامي حالات استهداف لنساء مرشحات عبر منصات التواصل الاجتماعي، في وقت ما تزال فيه الاستعدادات للاستحقاق التشريعي المقرر في 23 شتنبر في مراحلها الأولى.

    وبحسب المعطيات التي أوردها المرصد في بلاغ له، اتخذت هذه الاعتداءات صورا متعددة، تراوحت بين السب والقذف والتشهير، والمساس بالحياة الخاصة والكرامة، وصولا إلى تداول ادعاءات ومضامين مسيئة تستهدف المرشحات على المستويين الشخصي والسياسي.

    ولا يتعلق الأمر، وفق المصدر ذاته، بوقائع متفرقة فقط، إذ كشفت عمليات الرصد عن حالات اتخذ فيها الاستهداف طابعا متكررا أو منظما، بما يجعل الفضاء الرقمي يتحول تدريجيا إلى إحدى ساحات الضغط على النساء المقبلات على المنافسة الانتخابية، حتى قبل اكتمال الصورة النهائية للترشيحات النسائية.

    وتتجاوز خطورة هذه الممارسات، في تقدير المرصد، حدود الضرر الذي يلحق بالنساء المستهدفات مباشرة، لتطال شروط المشاركة السياسية نفسها، لأن التشهير والتهديد والمساس بالحياة الخاصة يمكن أن تؤثر في قدرة المرشحات على خوض المنافسة والتعبير عن مواقفهن ومواصلة مسارهن السياسي، كما قد يبعث برسالة ردع إلى نساء أخريات يفكرن في دخول المجال العام.

    وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية في انتخابات 2026، التي ستكون، بحسب المرصد، أول استحقاق لاختبار المقتضيات الزجرية الجديدة التي جاء بها القانون التنظيمي رقم 53.25، ولا سيما المادة 51 المكررة، في مواجهة الأفعال المرتكبة عبر الوسائط الرقمية خلال العملية الانتخابية.

    المادة 51 المكررة.. حماية السمعة تدخل القانون الانتخابي

    وتجرم المادة 51 المكررة استخدام وسائل تكنولوجيا الإعلام والتواصل الحديثة لبث أو توزيع تركيبة مكونة من أقوال شخص أو صورته دون موافقته، أو نشر وتوزيع أخبار زائفة أو ادعاءات ووقائع كاذبة أو مستندات مختلقة أو مدلس فيها، عندما يكون القصد المس بالحياة الخاصة للناخبين أو المترشحين أو التشهير بهم.

    وتمتد المقتضيات إلى نشر الإشاعات أو الأخبار الزائفة بقصد التشكيك في مصداقية ونزاهة الانتخابات، فيما حددت العقوبة في الحبس من سنتين إلى خمس سنوات وغرامة من 50 ألفا إلى 100 ألف درهم.

    وفي المقابل، يرتبط التجريم بتوافر القصد الجنائي ونية الإضرار أو التأثير غير المشروع، بما يضع فاصلا من حيث المبدأ بين النقد والمساءلة السياسية وبين نشر محتوى كاذب بقصد التشهير أو التأثير في العملية الانتخابية.

    وفي هذا السياق، يرى حميد بلغيث، أستاذ القانون الدستوري، أن المقتضيات الجديدة تعكس محاولة من المشرع لمواكبة التحول الذي عرفته الحملات الانتخابية مع توسع استخدام المنصات الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي.

    وأبرز في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن “المادة 51 المكررة لا تستهدف النقد السياسي أو حق المواطنين والصحافة في مساءلة المترشحين، وإنما تتجه إلى الأفعال التي تقوم على نشر أخبار أو ادعاءات كاذبة، أو تركيب أقوال وصور، بقصد التشهير أو المس بالحياة الخاصة أو التأثير في نزاهة العملية الانتخابية”، مبرزا أن “هذا التمييز مهم لأن حرية التعبير تظل مضمونة، لكن ممارستها لا تعني إباحة المس بسمعة الأشخاص أو صناعة محتوى زائف ونسبه إليهم”.

    وأضاف أن أهمية هذه المقتضيات تزداد مع تطور الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح يسمح باستنساخ الأصوات وتركيب الصور والفيديوهات وإنتاج تصريحات تبدو حقيقية، لافتا إلى أن التحدي لن يكون في وجود النص القانوني فقط، بل في إثبات التلاعب وتحديد مصدر المحتوى والمسؤول عن إنتاجه ونشره، خاصة بالنظر إلى سرعة تداوله على المنصات الرقمية

    وشدد على أن التطبيق العملي للمادة ومدى سرعة التعامل مع المخالفات عنصر أساسي في تحقيق التوازن بين حماية نزاهة الانتخابات والحياة الخاصة للمترشحين وبين ضمان حرية الرأي والتعبير.

    الذكاء الاصطناعي.. تحد جديد

    يمكن اليوم استنساخ صوت شخصية سياسية، أو تركيب تصريح لم يصدر عنها، أو تعديل صورة وفيديو، فضلا عن استخدام محتوى حقيقي بطريقة مضللة عبر اقتطاع جزء منه وإخراجه من سياقه.

    وهذا التطور غير طبيعة الأخبار الزائفة، ولم يعد التحقق مقتصرا على السؤال عن صحة المعلومة، بل أصبح يشمل أصالة الصوت والصورة والفيديو والسياق الذي أخذ منه التصريح.

    ولا يحتاج المحتوى المفبرك بالضرورة إلى إقناع جميع المتلقين، فقد يكون تسجيل أو فيديو مثير كافيا لخلق جدل أو زرع الشك حول شخصية سياسية، بينما يحتاج التحقق منه أو نفيه إلى وقت أطول، كما أن التصحيح لا يضمن الوصول إلى الجمهور نفسه الذي شاهد المحتوى الأصلي.

    وتزداد حساسية هذا التفاوت خلال الفترات الانتخابية، حيث يمكن لمحتوى ينتشر خلال ساعات أن يؤثر على النقاش حول مترشح قبل التأكد من صحته.

    الهاكا” تطوق التضليل بالذكاء الاصطناعي

    وبالتوازي مع المقتضيات القانونية، وضع المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري ضوابط للأخبار الزائفة والذكاء الاصطناعي ضمن القواعد المؤطرة لتغطية انتخابات 2026.

    ويلزم القرار رقم 50-26 خدمات الاتصال السمعي البصري بالمساهمة في محاربة الأخبار الزائفة التي يمكن أن تؤثر على السير العادي للانتخابات أو تمس سلامة المعلومة الانتخابية، إلى جانب رفع يقظة الجمهور تجاه الأخبار المضللة بهدف صون الاختيار الحر والتصويت الواعي.

    ويمنع القرار بث أي محتوى انتخابي مركب أو مولد بواسطة الذكاء الاصطناعي من شأنه تضليل الجمهور أو المساس بنزاهة وصدقية النقاش الانتخابي.

    أما استخدام المحتوى الاصطناعي لأغراض إخبارية أو تفسيرية أو للتحقق، فيشترط الكشف عن طبيعته بشكل واضح، كما يجب أن يكون المحتوى المولد أو المعدل اصطناعيا قابلا للتعرف عليه، مع التنبيه إلى أي استنساخ أو محاكاة لصوت أو مظهر أو هوية شخص حقيقي.

    ويمتد التنظيم إلى المحتوى الحقيقي المستخدم بشكل مضلل، إذ يلزم القرار وسائل الاتصال السمعي البصري بعدم فصل مقتطفات تصريحات وتعليقات الفاعلين السياسيين عن سياقها.

  • البطالة تحت مجهر المنهجية الجديدة.. كيف يُقرأ تراجع البطالة في المغرب؟

    البطالة تحت مجهر المنهجية الجديدة.. كيف يُقرأ تراجع البطالة في المغرب؟

    حين أعلنت المندوبية السامية للتخطيط أن معدل البطالة بالمفهوم الضيق استقر عند 9.5 في المئة خلال الفصل الثاني من سنة 2026، بعد 10.8 في المئة خلال الفصل الأول، بدا الرقم في ظاهره مؤشرا إيجابيا على تطور سوق الشغل.

    غير أن الجدل لم ينصب على الرقم في حد ذاته، بقدر ما انصب على الطريقة التي احتُسب بها، بعدما انتقل المغرب لأول مرة إلى منهجية جديدة لقياس سوق الشغل، أعادت تعريف مفاهيم أساسية مثل البطالة والتشغيل والقوى العاملة.

    السؤال يجد مبرره في كون سنة 2026 شكلت بداية العمل بـ”بحث القوى العاملة” (EMO 2026)، الذي حل محل “البحث الوطني حول التشغيل” (ENE)، وفق إطار يستند إلى المعايير الدولية الحديثة التي أقرتها المؤتمرات الدولية لإحصائيات العمل.

    ولم يمس التغيير تعديل معادلة حسابية، بقدر ما يمس تعريف الشغل والعاطل والقوى العاملة نفسها.

    تشخيص أدق لسياسيا أكثر استهدافا

    لسنوات، شكل معدل البطالة المؤشر الأكثر حضورا عند تقييم سوق الشغل، إذ يشكل ارتفاعه اتساع صعوبات الولوج إلى العمل، وانخفاضه يقدم كإشارة إلى تحسن الوضع، غير أن تطور سوق العمل أفرز حالات لا يستطيع مؤشر واحد التعبير عنها بالكامل.

    وتشمل هذه الحالات من يشتغل ساعات أقل مما يرغب فيه، ومن يريد العمل ومستعد له لكنه توقف عن البحث بعد فقدان الأمل، إلى جانب اتساع التشغيل غير المنظم وتعدد أشكال العمل الموسمي والمؤقت.

    وعلى هذا الأساس، اتجهت منظمة العمل الدولية منذ مؤتمر خبراء إحصاءات العمل سنة 2013 إلى توسيع مفهوم قياس “عدم استغلال اليد العاملة”، بحيث لا تبقى البطالة المؤشر الوحيد، ليصبح الإطار الدولي يميز بين البطالة، والعمل الناقص المرتبط بمدة العمل، والقوى العاملة المحتملة، ثم مؤشرات تجمع هذه الحالات لقياس الضغط الحالي والمحتمل على سوق العمل.

    وهنا توجد إحدى أهم خلفيات انتقال المغرب إلى البحث الجديد، إذ لم تعد المسألة معرفة عدد العاطلين فقط، وإنما فهم الفئات التي لا تجد ما يكفي من العمل، أو التي توجد على هامش سوق الشغل رغم رغبتها في دخوله.

    وفي تفسيره لخلفيات الانتقال إلى المنهجية الجديدة، يرى الخبير الاقتصادي، خالد أشيبان، أن التحول الذي اعتمدته المندوبية السامية للتخطيط لا يعكس بالضرورة تغيرا في واقع سوق الشغل، بقدر ما يعكس تغيرا في طريقة قياسه وفق المعايير الدولية الجديدة التي اعتمدتها منظمة العمل الدولية.

    ويوضح أن المنهجية السابقة كانت تعتمد مفهوما أوسع للتشغيل والبطالة، بينما تقوم المنهجية الجديدة على تعريف أكثر صرامة للفئة النشيطة، إذ لم يعد يُحتسب ضمن العاطلين إلا الأشخاص الذين لا يشتغلون، ويبحثون بشكل فعلي عن عمل، ويكونون مستعدين للالتحاق به فورا، كما لم تعد بعض الأنشطة التي تُمارس دون أجر تدخل ضمن مفهوم التشغيل كما كان معمولا به سابقا.

    ويضيف أشيبان أن هذا التحول يجعل المقارنة المباشرة بين الأرقام الصادرة وفق المنهجية الجديدة وتلك التي كانت تعتمد في السابق أمرا يحتاج إلى كثير من الحذر، لأن جزءا من الفوارق يعود إلى اختلاف معايير القياس وليس بالضرورة إلى تغير الواقع الاقتصادي.

    ويرى أن أهمية المنهجية الجديدة لا تكمن في تأثيرها على معدل البطالة وحده، وإنما في قدرتها على توفير قراءة أكثر تفصيلا لمختلف أوضاع سوق الشغل، بما يساعد على تشخيص الاختلالات بشكل أدق وبناء سياسات تشغيل أكثر استهدافا.

    لكن.. من هو العاطل وفق المنهجية الجديدة؟

    ويعد أبرز تغيير في المنهجية الجديدة طريقة احتساب البطالة نفسها، إذ لم يعد يكفي أن يكون الشخص بدون عمل حتى يُعتبر عاطلا، بل يجب أيضا أن يكون يبحث بشكل فعلي عن وظيفة، وأن يكون مستعدا للالتحاق بها فورا.

    أما الأشخاص الذين توقفوا عن البحث عن عمل، رغم رغبتهم في الاشتغال، فلم يعودوا يُحتسبون ضمن معدل البطالة، بل يُدرجون ضمن فئة “القوى العاملة المحتملة”.

    وبذلك، لم يعد قياس البطالة يقتصر على حصر عدد الأشخاص الذين لا يشتغلون، بل أصبح يمر عبر تصنيف السكان في سن النشاط إلى فئات مختلفة وفق معايير محددة.

    وتبدأ المندوبية أولا بتحديد الأشخاص الذين يزاولون عملا مقابل أجر أو بهدف تحقيق ربح، ثم تميز داخل غير المشتغلين بين من يبحثون بشكل فعلي عن عمل ويستوفون شروط البطالة بالمفهوم الضيق، وبين أشخاص آخرين ما يزالون على صلة بسوق الشغل، مثل المستعدين للعمل الذين توقفوا عن البحث أو الذين يشتغلون لساعات أقل مما يرغبون.

    ومن خلال هذا التصنيف، لا تقتصر نتائج البحث على معدل البطالة فقط، بل تشمل أيضا مؤشرات أخرى تعكس مختلف أشكال ضعف الاندماج في سوق الشغل، ما يمنح صورة أكثر شمولا عن واقع التشغيل.

    ولتقريب الصورة، إذا كان شاب تخرج من الجامعة وظل يبحث عن عمل لفترة طويلة ثم توقف عن إرسال طلبات التوظيف بعدما فقد الأمل، فإنه لا يختفي من الإحصاءات، لكنه لا يُصنف بالطريقة نفسها التي يُصنف بها شخص ما يزال يبحث عن وظيفة بشكل نشط.

    حتى تعريف “المشتغل” تغير

    وطال التغيير أيضا، وفق “EMO 2026″، التشغيل الذي أصبح محصورا في النشاط المنجز مقابل أجر أو بهدف تحقيق ربح، في حين لم تعد بعض الأنشطة الموجهة أساسا للاستهلاك الذاتي داخل وحدات غير سوقية تصنف تشغيلا، بل إنتاجا للاستخدام الخاص.

    في المقابل، فالمنهجية السابقة، القائمة على المعايير الدولية الأقدم، كانت تعتمد تعريفا أوسع للتشغيل يسمح بإدراج بعض أنشطة الإنتاج للاستهلاك الذاتي، بينما تفصل المعايير الجديدة بين “العمل” باعتباره مفهوما واسعا، و”التشغيل” باعتباره عملا مقابل أجر أو ربح.

    وارتفع حجم العينة السنوية التي تعتمدها المندوبية من نحو 90 ألفا إلى 135 ألف أسرة، أي بزيادة تناهز 50 في المئة؛ كما انتقلت المعاينة من تصميم من ثلاث درجات إلى تصميم من درجتين، وأصبحت تعتمد قاعدة جديدة مستخرجة من إحصاء 2024.

    ووفق المذكرة التقنية للمندوبية، يستهدف ذلك تقليص أخطاء المعاينة وتحسين متانة المؤشرات، خصوصا على المستويات الجهوية والإقليمية.

    وأُدخل كذلك نظام جديد لتناوب الأسر يسمح بمتابعة جزء منها عبر الزمن، فيما اتسع مضمون البحث ليشمل التشغيل غير المنظم، وصعوبات الولوج إلى سوق العمل، والتكوين مدى الحياة، وأشكال عدم استغلال اليد العاملة.

    وبذلك، فإن القول إن المنهجية الجديدة “تخفض البطالة” يبسط تحولا أكثر تعقيدا؛ فهي من جهة تضيق تعريف بعض المؤشرات، لكنها من جهة أخرى توسع مساحة الرصد لتشمل أوضاعا كانت تحتاج إلى مؤشرات منفصلة وأكثر وضوحا.

    لماذا لا يمكن مقارنة 9.5% مباشرة بالأرقام القديمة؟

    تنبه المندوبية السامية للتخطيط نفسها إلى أن نتائج “EMO2026” غير قابلة للمقارنة مباشرة مع النتائج المنشورة سابقا وفق “ENE”، بسبب القطيعة المفاهيمية والمنهجية بين البحثين.

    ولهذا أعادت احتساب المؤشرات الفصلية الرئيسية للفترة بين 2017 و2025 وفق الإطار الجديد، حتى تتيح سلسلة تاريخية يمكن مقارنتها بنتائج 2026، غير أنها لا تزال مؤقتة، على أن تصدر النسخة النهائية بالتزامن مع النتائج السنوية لسنة 2026.

    وهنا ينبغي التمييز بين مسألتين، فمقارنة 9.5 في المئة بأرقام قديمة منشورة وفق “ENE” قد تخلط أثر الاقتصاد بأثر تغيير المنهجية، أما المقارنة بين 10.8 في المئة في الفصل الأول و9.5 في المئة في الفصل الثاني من 2026 فهي مختلفة، لأن الرقمين أُنتجا داخل EMO2026 نفسها؛ لذلك، لا يمكن تفسير انخفاض 1.3 نقطة بين الفصلين بمجرد تغيير طريقة الحساب.

    وفي هذا السياق، يرى الخبير في السياسات العمومية، رضوان الرياش، أن أول ما ينبغي الانتباه إليه عند قراءة نتائج “بحث القوى العاملة” هو أن المقارنة بين الأرقام الحالية وتلك الصادرة وفق “البحث الوطني حول التشغيل” يجب أن تتم بحذر، لأن الأمر يتعلق بمنهجيتين مختلفتين في التعاريف وأدوات القياس.

    ويوضح الرياش في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن المندوبية نفسها أعادت احتساب السلاسل الإحصائية للفترة الممتدة بين 2017 و2025 وفق المنهجية الجديدة، حتى تتيح تتبع تطور المؤشرات داخل مرجعية موحدة، وهو ما يؤكد أن المقارنة المباشرة مع الأرقام القديمة قد تؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة.

    ويضيف أن الانخفاض المسجل في معدل البطالة من 10.8 في المئة خلال الفصل الأول إلى 9.5 في المئة خلال الفصل الثاني من سنة 2026 لا يمكن تفسيره بتغيير المنهجية، لأن المؤشرين أُنتجا وفق الإطار الإحصائي نفسه، لذلك، فإن الحكم على أداء سوق الشغل يقتضي قراءة هذا التطور إلى جانب مؤشرات أخرى، مثل حجم القوى العاملة، ومعدل النشاط، وعدد مناصب الشغل المحدثة، والعمل الناقص، والقوى العاملة المحتملة، حتى يمكن التمييز بين التحسن الظرفي والتحولات الاقتصادية الأكثر استدامة.

    ويؤكد الخبير في السياسات العمومية أن القيمة الحقيقية للمنهجية الجديدة لا تكمن في إنتاج معدل مختلف للبطالة، وإنما في توسيع قاعدة المعلومات المتاحة أمام صناع القرار، مردفا أنه “كلما أصبحت المعطيات أكثر تفصيلا، أصبح بالإمكان الانتقال من معالجة البطالة كمؤشر عام إلى تصميم سياسات تشغيل أكثر استهدافا، تستجيب لاختلاف أوضاع الشباب والنساء والعاملين في القطاع غير المنظم، وتوجه التدخلات العمومية نحو مكامن الخلل الحقيقية في سوق الشغل”.

  • منطق جديد للاقتصاد.. السيادات تعيد رسم أولويات النمو في المغرب

    منطق جديد للاقتصاد.. السيادات تعيد رسم أولويات النمو في المغرب

    لم تعد الأزمات العالمية التي عرفها العالم خلال السنوات الأخيرة أحداثا ظرفية تنتهي بانتهاء أسبابها، بل تحولت إلى منعطفات أعادت تشكيل أولويات الدول، وغيرت نظرتها إلى مفاهيم الأمن والتنمية والسيادة.

    من جائحة كورونا، إلى الحرب الروسية الأوكرانية، وأزمة الطاقة، والتضخم، وصولا إلى التغيرات المناخية والجفاف، أصبح العالم يعيش مرحلة عنوانها الأساسي عدم اليقين، ما دفع عددا من الدول إلى مراجعة نماذجها الاقتصادية.

    وفي المغرب، لم تقتصر الاستجابة على تدبير آثار هذه الأزمات، بل اتجهت، تنفيذا للتوجيهات الملكية، نحو إعادة بناء الأولويات الوطنية على أسس جديدة، تقوم على تعزيز السيادة في القطاعات الحيوية، وتقليص التبعية للأسواق الخارجية، وبناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود أمام التحولات الدولية.

    اليوم، لم تعد مفاهيم مثل الأمن الصحي، والأمن الغذائي، والأمن المائي، والسيادة الطاقية، والسيادة الصناعية، مجرد شعارات سياسية، بل أصبحت محاور تؤطر عددا من الأوراش الكبرى التي انخرط فيها المغرب خلال السنوات الأخيرة، في إطار رؤية استراتيجية تعتبر أن التنمية لم تعد تقاس فقط بنسبة النمو، وإنما أيضا بقدرة الدولة على حماية مصالحها الحيوية في أوقات الأزمات.

    كورونا.. عندما أصبحت السيادة الصحية ضرورة استراتيجية

    كانت جائحة كورونا أول اختبار حقيقي لقدرة الدول على حماية أمنها الصحي؛ ففي الوقت الذي أغلقت فيه الحدود، وتعطلت سلاسل الإمداد، واحتفظت العديد من الدول بإنتاجها من اللقاحات والأدوية، أدرك العالم أن الصحة لم تعد مجرد خدمة اجتماعية، بل أصبحت جزءا من الأمن القومي.

    بالنسبة للمغرب، شكلت الجائحة نقطة تحول في الرؤية الاستراتيجية للدولة، حيث وجه جلالة الملك محمد السادس، خلال فترة الجائحة، نحو بناء منظومة صحية أكثر استقلالية، قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية، وعدم الارتهان للأسواق الخارجية.

    وترجمة لهذه التوجيهات، أطلق المغرب مشروع “Marbio” ببنسليمان، الذي يعد من أكبر المشاريع الصناعية في مجال اللقاحات والمنتجات البيوتكنولوجية بإفريقيا، إلى جانب تعزيز الاستثمار في الصناعة الدوائية الوطنية، وتشجيع تصنيع الأدوية محليا.

    ولا يتعلق الأمر فقط بإنتاج اللقاحات، بل ببناء منظومة صناعية وصحية تجعل المغرب أكثر قدرة على الاستجابة للأزمات، وتمنحه مكانة إقليمية في مجال الأمن الصحي.

    وفي هذا السياق، يرى نجيب الشرفي الإدريسي،  الباحث  في تنزيل السياسات العمومية، أن جائحة كورونا كشفت أن الأمن الصحي لم يعد يقتصر على جودة الخدمات الطبية، بل أصبح مرتبطا أيضا بقدرة الدولة على إنتاج احتياجاتها الاستراتيجية.

    وأبرز الإدريسي في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن المغرب، تنفيذا للتوجيهات الملكية، اتجه إلى تعزيز الصناعة الدوائية، في تحول يعكس الانتقال من تدبير أزمة صحية ظرفية إلى بناء سيادة صحية قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية وتقليص التبعية للأسواق الخارجية”. 

    الجفاف.. الماء يتحول إلى قضية سيادية

    إذا كانت كورونا قد غيرت مفهوم الأمن الصحي، فإن سنوات الجفاف المتتالية غيرت مفهوم الأمن المائي.

    فالمغرب، الذي يواجه واحدة من أطول فترات الجفاف في تاريخه الحديث، لم يعد يتعامل مع ندرة المياه باعتبارها أزمة موسمية، بل باعتبارها تحديا هيكليا يفرض إعادة بناء السياسة المائية.

    ومن هذا المنطلق، جاءت التوجيهات الملكية الداعية إلى جعل الماء أولوية وطنية، من خلال إطلاق البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي، وتسريع بناء السدود، وإنجاز مشاريع الربط بين الأحواض المائية، والتوسع في إنشاء محطات تحلية مياه البحر.

    ويشكل مشروع الربط بين حوضي سبو وأبي رقراق، إلى جانب محطات التحلية في أكادير والدار البيضاء والداخلة، تحولا من تدبير آثار الجفاف إلى بناء أمن مائي طويل الأمد.

    ولا تقتصر أهمية هذه المشاريع على توفير مياه الشرب، بل تمتد إلى حماية النشاط الفلاحي، وضمان استقرار الاستثمار، وتأمين احتياجات الصناعة، بما يجعل الماء عنصرا أساسيا في معادلة السيادة الوطنية.

    الأمن الغذائي.. الفلاحة تدخل مرحلة جديدة

    لم تكن الحرب الروسية الأوكرانية؛ المستمرة منذ فبراير 2024، مجرد أزمة سياسية، بل أعادت طرح سؤال الأمن الغذائي على المستوى العالمي.

    فارتفاع أسعار الحبوب، واضطراب سلاسل الإمداد، أظهرا أن الدول التي تعتمد بشكل كبير على الخارج تبقى أكثر عرضة للتقلبات.

    في المغرب، جاء هذا التحول ليعزز الرؤية الملكية التي تعتبر الفلاحة قطاعا استراتيجيا، ليس فقط لدوره الاقتصادي، بل أيضا لارتباطه بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.

    ومنذ إطلاق مخطط المغرب الأخضر، عملت المملكة على تحديث القطاع الفلاحي، وتطوير سلاسل الإنتاج، وتحسين مردودية الضيعات، قبل أن تتعزز هذه الرؤية، خلال سنوات الجفاف، بتوجيهات ملكية تدعو إلى ترشيد استعمال المياه، وتشجيع الزراعات الملائمة للمناخ، وتوسيع مشاريع السقي الموضعي، وربط التنمية الفلاحية بالحفاظ على الموارد المائية.

    واليوم، لم تعد الفلاحة مجرد قطاع للإنتاج أو التصدير، بل أصبحت إحدى ركائز السيادة الوطنية، بالنظر إلى دورها في ضمان استقرار السوق الداخلية، والحد من تأثير الأزمات العالمية على الأمن الغذائي للمغاربة.

    الطاقة.. من الانتقال الطاقي إلى بناء السيادة

    إذا كانت جائحة كورونا قد أعادت تعريف مفهوم الأمن الصحي، والجفاف قد جعل الأمن المائي أولوية وطنية، فإن الحرب الروسية الأوكرانية أعادت رسم خريطة الطاقة في العالم، بعدما كشفت هشاشة الاقتصادات التي تعتمد بشكل كبير على الواردات لتأمين احتياجاتها.

    وبالنسبة للمغرب، لم يكن الرهان على الطاقات المتجددة وليد هذه الأزمة، بل جاء امتدادا لتوجيهات ملكية انطلقت منذ سنوات، غير أن التحولات الدولية سرعت وتيرة تنزيل هذا الورش، وأعطته بعدا استراتيجيا جديدا.

    فالمملكة لم تعد تنظر إلى الطاقة المتجددة باعتبارها خيارا بيئيا فقط، بل كركيزة لتعزيز السيادة الطاقية، وتقليص التبعية للخارج، ورفع تنافسية الاقتصاد الوطني.

    ومن هذا المنطلق، شكل مركب نور ورزازات أحد أبرز المشاريع التي وضعت المغرب ضمن الدول الرائدة في إنتاج الطاقة الشمسية، قبل أن تتوسع الاستثمارات في الطاقة الريحية، وتطلق المملكة “عرض المغرب” للهيدروجين الأخضر، تنفيذا للتوجيهات الملكية، بهدف التموقع داخل الأسواق العالمية للطاقة النظيفة.

    كما تعزز هذا التوجه بمواصلة مشاريع الربط الكهربائي مع إسبانيا، وإعادة إطلاق مشروع الربط مع البرتغال، فضلا عن المباحثات المتعلقة بتوسيع الربط مع فرنسا، بما يعزز موقع المغرب كشريك استراتيجي في أمن الطاقة الأوروبي.

    ولم يعد الهدف إنتاج الكهرباء فقط، بل بناء منظومة طاقية تجعل المملكة أكثر قدرة على مواجهة تقلبات الأسواق العالمية، وأكثر جاذبية للاستثمارات الصناعية.

    ومن هذا المنطلق، يعتبر نجيب الشرفي الإدريسي،  الباحث  في تنزيل السياسات العمومية، أن الاستثمار في الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر لم يعد خيارا بيئيا أو اقتصاديا فقط، بل أصبح رهانا سياديا يهدف إلى تعزيز الأمن الطاقي، وتقوية تنافسية الاقتصاد المغربي، وترسيخ موقع المملكة كشريك استراتيجي في التحول الطاقي العالمي”.

    الصناعة… من جلب الاستثمار إلى بناء السيادة الصناعية

    كشفت الأزمات العالمية المتتالية في السنوات الأخيرة أن الدول التي تمتلك قاعدة صناعية قوية تكون أكثر قدرة على حماية اقتصادها، وتأمين احتياجاتها، والحفاظ على تنافسيتها.

    وفي هذا السياق، واصل المغرب، تنفيذا للتوجيهات الملكية، تطوير صناعاته الاستراتيجية، عبر تعزيز منظومة صناعة السيارات، وصناعة الطيران، والانفتاح على الصناعات المرتبطة بالبطاريات الكهربائية، والهيدروجين الأخضر، والصناعات الدوائية.

    ولم يعد الهدف استقطاب المستثمرين فقط، بل رفع نسبة الإدماج المحلي، وتطوير منظومات صناعية متكاملة، قادرة على خلق قيمة مضافة، ونقل التكنولوجيا، وتوفير فرص الشغل.

    وتعكس الاستثمارات المرتبطة ببطاريات السيارات الكهربائية، إلى جانب توسع صناعة السيارات التي جعلت المغرب من بين أبرز المنتجين في إفريقيا، وتطور صناعة الطائرات في المغرب التي أصبحت قطاعا استراتيجيا متكاملا، يضم أكثر من 150 شركة عالمية ويحقق صادرات تتجاوز 29 مليار درهم، انتقال المملكة إلى مرحلة جديدة، تسعى فيها إلى الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، وليس الاكتفاء بدور منصة للتجميع.

    ويبرز هذا التوجه أن مفهوم السيادة الصناعية لم يعد يعني الانغلاق على الذات، بل بناء اقتصاد قادر على المنافسة، وأكثر قدرة على مواجهة اضطرابات التجارة الدولية.

    وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي يوسف كيراوي فيلالي، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن التحول الذي يشهده المغرب لم يكن وليد الظرفية الدولية، بل هو ثمرة مسار تراكمي انطلق منذ سنوات، موضحا أن “هذا التميز تطلب المرور بعدة مراحل، بدأت بتطوير البنيات التحتية واللوجستية، وإرساء ترسانة قانونية للمناطق الحرة ومناطق التسريع الصناعي، وهو ما مكن المملكة من استقطاب استثمارات كبرى ورفع نسب الاندماج المحلي، خاصة في قطاعي السيارات والطيران”.

    وأضاف أن التحولات العالمية الأخيرة “أعطت لهذه المكتسبات بعدا جديدا، بعدما أصبحت الصناعة الوطنية جزءا من مفهوم السيادة الاقتصادية، في ظل التوجه نحو تطوير مشاريع استراتيجية، مثل صناعة البطاريات، ومحركات وأنظمة هبوط الطائرات، إلى جانب تنزيل “عرض المغرب” في مجال الهيدروجين الأخضر”.

    البنية التحتية.. عندما أصبح اللوجستيك جزءا من السيادة

    لا تقتصر السيادة الاقتصادية على الإنتاج فقط، بل تشمل أيضا القدرة على نقل السلع، وربط الأسواق، واستقطاب الاستثمارات.

    ومن هذا المنطلق، واصل المغرب تنفيذ رؤية ملكية طويلة المدى لتطوير بنيته التحتية، من خلال مشاريع كبرى مثل ميناء طنجة المتوسط، الذي تحول إلى أحد أكبر موانئ البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، ومشروع ميناء الناظور غرب المتوسط، إلى جانب ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يرتقب أن يعزز الواجهة الأطلسية للمملكة ويربطها بعمقها الإفريقي.

    كما يندرج ضمن هذه الرؤية توسيع شبكة السكك الحديدية، وإنجاز الخط فائق السرعة نحو مراكش، وتطوير الشبكة الطرقية، باعتبارها مشاريع لا تستهدف تحسين التنقل فقط، بل تعزيز القدرة اللوجستية للمغرب، وترسيخ مكانته كمركز إقليمي للتجارة والاستثمار.

    وتؤكد هذه المشاريع أن الاستثمار في البنيات التحتية لم يعد يقتصر على مواكبة النمو الاقتصادي، بل أصبح أداة لتعزيز السيادة الاقتصادية، وربط المغرب بشكل أفضل بسلاسل التجارة العالمية.

    وتكشف هذه الأوراش أيضا أن المغرب دخل خلال السنوات الأخيرة مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من تدبير الأزمات إلى بناء مقومات السيادة في مختلف القطاعات الاستراتيجية؛ إذ لم تعد السيادة الصحية، والمائية، والغذائية، والطاقية، والصناعية رهانات قطاعية، بل أصبحت ركائز لمشروع تنموي متكامل.

    غير أن قيمة هذه الأوراش لا تقاس بإطلاقها فقط، بل بمدى استمرارية تنزيلها وتحقيق أهدافها، فالتجارب الدولية تؤكد أن المشاريع الاستراتيجية تحتاج إلى نفس طويل، لأنها تمثل خيارات دولة تتجاوز الولاية الحكومية.

    وبهذا الصدد، يؤكد كيراوي فيلالي أن المرحلة المقبلة تستوجب الانتقال إلى مستوى جديد من البناء الاقتصادي، موضحا أن “تعزيز السيادة الاقتصادية لا يقتصر على استقطاب الاستثمارات الأجنبية، بل يقتضي بناء نسيج مقاولاتي وطني، وعلامات مغربية قادرة على الابتكار، وتدبير التكنولوجيا، وخلق قيمة مضافة محلية”.

    واعتبر أن نجاح هذا التحول “يبقى رهينا باستمرارية تنزيل التوجيهات الملكية بنفس الرؤية الاستراتيجية، لأن هذه الأوراش تمثل خيارات دولة طويلة المدى، وتتطلب حكومة قادرة على مواصلة التنفيذ ورفع النجاعة، حتى يواصل المغرب الصاعد ترسيخ مكانته الاقتصادية وتعزيز قدرته على مواجهة التحولات العالمية”.

    ومن هذا المنطلق، تبرز المرحلة المقبلة باعتبارها محطة حاسمة لترسيخ هذا المسار، من خلال مواصلة تنفيذ التوجيهات الملكية، وتسريع إنجاز المشاريع المفتوحة، ورفع نجاعتها، وتعزيز الالتقائية بين مختلف السياسات العمومية.

    ويكتسي هذا الرهان أهمية خاصة في سنة انتخابية، إذ لا يتعلق الأمر فقط باختيار حكومة جديدة، بل بضمان وجود حكومة قادرة على مواصلة هذه الأوراش بنفس الرؤية الاستراتيجية، وتحويلها إلى نتائج ملموسة تعزز السيادة الاقتصادية وترسخ تنافسية المملكة.