التصنيف: تحت المجهر

  • مدريد تُخفي العصا خلف ابتساماتها.. هل يدفع المغاربة على شبابيك “الفيزا” ثمن أزمة سبتة؟

    مدريد تُخفي العصا خلف ابتساماتها.. هل يدفع المغاربة على شبابيك “الفيزا” ثمن أزمة سبتة؟

    بين شواطئ الطرخال والبنزو التي شهدت في 30 و31 يوليوز الماضي، أكبر موجة عبور جماعي نحو الجيب الإسباني منذ سنوات، وبين شبابيك مراكز BLS International بالدار البيضاء والرباط وطنجة التي تعرف اكتظاظا غير مسبوق في مواعيد التأشيرات، ترسم اليوم خريطة أزمة جديدة لا تحتاج إلى بيان رسمي كي تقرأ، ما يجري على الحدود ينعكس ولو بشكل غير معلن على قنوات التنقل الشرعية بين ضفتي المتوسط، فحين تنسحب الدبلوماسيات إلى غرف مغلقة يبقى المسافر العادي والطالب والرياضي ورجل الأعمال في مواجهة شباك القنصلية وحده.

    من أزمة حدود إلى أزمة تأشيرات

    المفتاح السياسي لفهم ما يجري لا يوجد في الرباط ولا في مدريد بل في بروكسل، ففي 6 غشت الجاري وفي خضم تداعيات أزمة سبتة، دعا المفوض الأوروبي للداخلية والهجرة ماغنوس برونر، الدول الأعضاء الـ27 إلى استعمال “سياسة التأشيرات والتجارة” لضمان تعاون الرباط في ملف الهجرة أي أن “التأشيرات أصبحت أداة ضغط”

    الجملة، في القاموس الأوروبي ذات معنى واحد لا يقبل التأويل هي المادة 25 مكرر من مدوّنة تأشيرات شنغن، تلك التي تتيح للاتحاد الأوروبي أن يقلّص عدد التأشيرات ويطيل آجال معالجتها ويرفع رسومها، ويقيّد المدد الممنوحة حين يرى أن دولة ثالثة “لا تتعاون بما فيه الكفاية” في ملف الترحيلات وضبط الحدود، وهي الأداة نفسها التي استعملتها فرنسا ضد المغرب في خريف 2021، حين خفّضت 50% من التأشيرات الممنوحة للمغاربة، قبل أن يطوى الملف مع عودة العلاقات إلى مسارها.

    الفارق أن دعوة برونر جاءت هذه المرة بشكل جماعي على مستوى الاتحاد، وأن الجهة الأولى المعنية بتنفيذها ولو بشكل صامت وغير معلن هي إسبانيا نفسها، الجارة المباشرة ووجهة أكثر من نصف مليون طلب تأشيرة سنويا من المغرب.

    حالة الرجاء: الشاهد الذي لا يمكن إخفاؤه

    في 11 غشت الجاري، كشفت صحيفة إسبانية أن المباراة الودية المقرّرة بين الرجاء الرياضي وفريق فالنسيا الإسباني أصبحت “غير مؤكدة” بفعل “صعوبات في التأشيرات والسفر”.

    وفي 12 غشت، أعلنت إدارة النادي الأخضر رسميا إلغاء الرحلة إلى إسبانيا، وتحويل المعسكر الإعدادي إلى مدينة أكادير لمدة عشرة أيام، وذلك “بسبب عدم استخراج التأشيرات اللازمة”.

    المسألة لا تتعلق بلاعب هاو يبحث عن موعد صيفي، بل بـناد محترف ذي شأن رياضي وإداري ثقيل وتنسّق أموره القنصلية عبر قنوات رسمية، وتحمل رحلاته طابعا بروتوكوليا، وبالتالي حين يفشل ناد بهذا الحجم في الحصول على تأشيرات وفد رياضي في الآجال، فإن السؤال المفروض هنا هو هل نحن أمام رسالة صامتة ترسل من مدريد إلى الرباط عبر البوابة القنصلية؟.

    الرجاء لم يعلّق سياسيا، وهذا مفهوم فحين تختصر رحلة كاملة إلى إسبانيا في سطرين رسميين يقولان “بسبب التأشيرة”، فإن اللغة الدبلوماسية للفرق الرياضية تكون قد قالت كل شيء.

    المواعيد اختفت من الموقع

    خلال الأسابيع التي أعقبت أزمة سبتة، تحوّل الواقع إلى لوحة حيّة للشكاوى عبر مجموعات الفيسبوك المتخصصة في تأشيرات شنغن وحسابات تيك توك ويوتيوب، حيث تراكم فيها المحتوى بشكل غير مسبوق حول مواعيد BLS التي “تختفي في ثوان”، ملفات “معلّقة بلا رد” منذ ستة أسابيع، طلبات تجديد لتأشيرات كانت سارية سنوات “ترفض بلا تعليل”.

    من بين ما رصدته “AM+MEDIA” في تتبّعها لهذه الشهادات المتداولة علنا على مواقع التواصل الاجتماعي ، لـ “س. ب” هو مقاول من الدار البيضاء يحمل تأشيرة شنغن إسبانية متعددة السفرات منذ 2021، قدّم طلب تجديد في نهاية يوليوز عبر مسطرة “بدون موعد مسبق” المخصّصة لأصحاب التأشيرات السابقة الصالحة أقل من أربع سنوات.

     تلقّى الرفض في منتصف غشت بصيغة نمطية “الغرض من الإقامة والشروط لم يتم إثباتها بشكل موثوق”، ويقول في تسجيل نشره على إحدى المجموعات”نفس الملف، نفس البنك، نفس العمل، نفس شركاء التجارة في إسبانيا، وتأشيرة خمس سنوات جدّدتها ثلاث مرات، اليوم فجأة غير ‘موثوق’ ماذا تغيّر؟ أنا لم أتغيّر”.

    أما ن. ع.، وهي طالبة مغربية مقبولة في ماستر بجامعة قرطاجنة (إسبانيا)، انتظرت موعدا في مسار الطلبة (SSU/SLU) عبر منصة BLS من منتصف يوليوز حتى منتصف غشت دون أن يتاح لها موعد واحد، في وقت يقترب فيه موعد الالتحاق تقول “الجامعة تنتظرني في شتنبر، القنصلية تفتح المواعيد الثلاثاء على الساعة الخامسة، وتستنفد قبل الخامسة والدقيقة، صرت أختار بين تأجيل التسجيل سنة كاملة أو التخلي عن المنحة”.

    من جانبها، ح. ز.، أرملة سبعينية من إقليم الناظور رفض طلبها لتأشيرة قصيرة الأمد لزيارة مدينة سبتة، حيث عاشت طفولتها حين كان والدها يعمل هناك، علّلت القنصلية الإسبانية الرفض بـ”عدم الموثوقية” بين الهدف المعلن (زيارة ذكريات الطفولة) والوضع الحالي، وأيّدت المحكمة العليا بمدريد القرار في أبريل 2026 القرار سابقٌ لأزمة يوليوز لكنه يكشف البنية القضائية-الإدارية التي أصبحت اليوم مستدعاة للاشتغال بوتيرة أعلى.

    الشكاوى تتقاطع في ثلاث نقاط ثابتة، وهي صعوبة الوصول إلى الموعد نظام BLS الجديد المعلن يوم 27 يوليوز 2026، أي قبل ثلاثة أيام فقط من أحداث سبتة  يقسّم طالبي التأشيرة إلى أربع فئات G1 وG2 وG3 وG4، مع طرح المواعيد يومي الثلاثاء والجمعة فقط، إطالة آجال المعالجة التي تجاوزت في بعض الحالات المدة القانونية (15 يوما حسب مدوّنة شنغن، قابلة للتمديد إلى 45)، وغياب التعليل الفعلي للرفض خصوصا في ملفات التجديد لأصحاب سجل سفر نظيف.

    ذاكرة قصيرة، سوابق طويلة

    من يقرأ التاريخ الأوروبي-المغاربي لا يفاجأ، ففي شتنبر 2021 وفي عزّ الأزمة الفرنسية المغربية حول الترحيلات وسلم القنصليات، أعلنت باريس تخفيض 50% من التأشيرات الممنوحة للمغاربة، دون أن تعلن ذلك بوصفه عقوبة سياسية، بل كـ”استجابة لغياب التعاون في إعادة القبول” وهي الصيغة نفسها التي يستعملها اليوم المفوّض الأوروبي.

    نفس القاعدة تعمل الآن على الجبهة الإسباني، فلا قرار معلن، لا بيان رسمي، لا تصعيد دبلوماسي، فقط ضغط ملموس على شبابيك القنصلية وتباطؤ في المعالجة، وتقييد للمواعيد وارتفاع في نسب الرفض وهو ما يصعب إثباته إحصائيا في الوقت الفعلي، لكن يحسّه المتقدمون بشكل جماعي وموثّق.

    الأخطر أن السياق الإسباني الحالي يختلف عن الفرنسي، فبينما كانت فرنسا تعبّر عن استياء من الرباط، تقدّم إسبانيا نفسها اليوم كـشريك استراتيجي للمغرب، ووزير داخليتها وصف الرباط في غشت 2026 بـ”الشريك الوفي” مع رفض تمديد صلاحيات الوكالة الأوروبية للحدود (فرونتكس) إلى سبتة، بحجّة أن “الموارد الوطنية والتعاون المغربي كافيان”، فأين إذن يتموقع تشدّد التأشيرة؟.

    الإجابة الأكثر دقة، أنه في المنطقة الرمادية بين رسالة سياسية علنية دافئة، وسلوك إداري بارد يلقي بثقله على الموطن العادي وهذه المنطقة الرمادية هي بالضبط ما يحوّل التأشيرة من إجراء قنصلي إلى قناة نقل للضغط بين حكومات لا تريد أن تصعّد علنا.

    الأرقام التي لا تكذب

    يحتجّ المدافعون عن القنصلية الإسبانية بالضغط الموسمي، فصيف 2026 يشهد ذروة الطلب، خصوصا من الجالية والزوّار ومراكز BLS الست في المملكة (الدار البيضاء، الرباط، طنجة، الناظور، أكادير، تطوان) تعمل بأقصى طاقتها وهذا صحيح، لكن الضغط الموسمي يفسّر التأخير في الموعد، لا الرفض بلا تعليل لملفات التجديد، ولا صياغات جديدة في قرارات الرفض تتحدث عن “عدم الموثوقية” لطلبات كانت تقبل روتينيا في السنوات السابقة.

    ثم إن المغرب حسب أرقام مديرية الهجرة، كان يسجّل تاريخيا أدنى معدلات رفض التأشيرات في المنطقة، وذلك على أساس ما يزيد عن 500.000 طلب سنويا، أيّ تحوّل ملموس في هذه النسب حتى لو ظلّ غير معلن رسميا يمثّل انزياحا سياسيا واضحا.

    النظام الجديد الذي أعلنته BLS في 27 يوليوز الماضي، أي قبل ثلاثة أيام من أحداث سبتة، أطلق تحت شعار “تسهيل الحجز ومحاربة السمسرة”  لكن أثره الفعلي حسب متقدمين كان تعقيد المسطرة بتقسيم الطالبين إلى أربع فئات، وحصر أيام طرح المواعيد في اثنين فقط أسبوعيا، مع الإبقاء على “الإيداع بدون موعد مسبق” لفئة محدودة فقط.

    هذا التقاطع الزمني بين الإصلاح المعلن وأزمة سبتة يطرح كصدفة، لكنه ينتج نتيجة واحدة هي تدفق أضيق للمواعيد في لحظة يزداد فيها الطلب وتحت ضغط سياسي أوروبي يدعو صراحة إلى استعمال التأشيرات كأداة.

    بين الشرعية والاستنسابية.. ماذا يقول القانون؟

    مدوّنة تأشيرات شنغن (لائحة الاتحاد الأوروبي 2009/810) واضحة، للسلطات القنصلية سلطة تقديرية في دراسة الملفات لكن كل قرار رفض يجب أن يكون معللا كتابيا وأن يستند إلى الأسباب المذكورة في المادة 32، وأن يخضع لحق الطعن فالقضية ليست في الحق بالرفض بل في كيف يمارس.

    حين تعلل حالات الرفض بصيغة نمطية واحدة، فإن “الغرض من الإقامة لم يثبت بشكل موثوق”، المعلومات المقدمة تفتقر إلى المصداقية وتنطبق هذه الصيغة على ملفات فيها كل الوثائق وتطبق على أشخاص لهم سجل سفر متكرر، وهنا السؤال المشروع هو هل نحن أمام سلطة تقديرية فردية، أم أمام سياسة تصنيف جديدة يطبّقها الموظف القنصلي دون أن يعلن عنها؟  الأول خطأ إداري قابل للتصحيح بالطعن، والثاني توجّه سياسي مخفى تحت غطاء إداري وهو بالضبط ما يخشاه المراقبون بعد دعوة برونر الأوروبية.

    ما وراء الشباك..البعد السياسي للتأشيرة

    هل تبقى التأشيرة أداة قنصلية محضة، أم تتحول إلى ورقة تفاوض سياسية؟، الجواب في العلاقات الدولية معروف منذ عقود فالتأشيرة كانت دائما أداة سياسية لكنها كانت تستعمل بشكل مضبوط ومعلن حين يكون التصعيد مقصودا، وبالتالي الجديد في الحالة الإسبانية-المغربية سنة 2026 هو الاستعمال الصامت لهذه الأداة، في ظل خطاب رسمي يتحدث عن الشراكة الاستراتيجية.

    هذه الازدواجية تنتج ثلاث تكلفات مباشرة على المغرب والمغاربة، التكلفة الأولى، اقتصادية لأن قطاع السياحة الإسباني يستقبل سنويا مئات الآلاف من المغاربة، وحركة رجال الأعمال بين البلدين تقدر بمليارات اليوروهات أيّ اضطراب في التأشيرات ينعكس مباشرة على العقود والاستثمارات والصفقات.

    التكلفة الثانية اجتماعية، وهي عائلات مغربية إسبانية مختلطة، جالية مغربية بإسبانيا تقدر بأكثر من مليون شخص، طلاب في الجامعات الإسبانية، مرضى في مستشفيات مدريد وبرشلونة كلهم يجدون أنفسهم رهائن لتأخيرات لم يتسبّبوا فيها.

    أما التكلفة الثالثة فهي رمزية، لأن كل رفض غير معلل يعزّز شعور “المواطن من الدرجة الثانية” في العلاقة الأوروبية المغاربية وهذا الشعور حين يتراكم يشكّل بيئة مناسبة لكل السرديات الشعبوية على ضفتي المتوسط.

  • هل ترفع رقمنة الوكالة مشاركة مغاربة العالم في الانتخابات؟

    هل ترفع رقمنة الوكالة مشاركة مغاربة العالم في الانتخابات؟

    يستعد مغاربة العالم للمشاركة في الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر المقبل وفق المسطرة المعمول بها في الاستحقاقات السابقة، إذ سيظل الناخب المقيم خارج المملكة مطالبا بتوكيل شخص داخل المغرب للتصويت باسمه، غير أن إنجاز هذه الوكالة سيعرف تغييرا مع اعتماد إمكانية إتمامها عن بعد عبر منصة إلكترونية.

    ويهم هذا التغيير مرحلة إعداد الوكالة فقط، دون أن يمتد إلى طريقة الإدلاء بالتصويت، إذ لن يكون بإمكان مغاربة العالم التصويت إلكترونيا أو الإدلاء بأصواتهم في مكاتب اقتراع ببلدان الإقامة، ليظل التصويت الفعلي داخل المغرب بواسطة الوكيل الذي يختاره الناخب.

    ويأتي اعتماد الوكالة الإلكترونية في سياق توجه نحو تبسيط الإجراءات المرتبطة بمشاركة مغاربة العالم في الاستحقاقات الانتخابية، من خلال تقليص التنقلات والخطوات الإدارية التي كانت تسبق إنجاز الوكالة.

    صوت يصل إلى الصندوق بالوكالة

    لفهم ما تغير في مشاركة الجالية في انتخابات 2026، ينبغي العودة أولا إلى الطريقة التي شارك بها مغاربة العالم في الاستحقاقات السابقة.

    فدستور 2011 نص في فصله 17 على تمتع المغاربة المقيمين في الخارج بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشيح في الانتخابات، وأحال إلى القانون تحديد شروط وكيفيات الممارسة الفعلية لهذه الحقوق انطلاقا من بلدان الإقامة.

    واعتمد التصويت بالوكالة عمليا باعتباره الآلية التي تسمح للناخب المقيد في اللوائح الانتخابية العامة والمقيم خارج المملكة بالمشاركة دون الحضور شخصيا إلى المغرب يوم الاقتراع.

    وبدل وجود مكاتب اقتراع في باريس أو مدريد أو بروكسيل أو روما، يرتبط صوت الناخب بالدائرة الانتخابية التي يقيد في لوائحها داخل المغرب؛ وإذا لم يكن موجودا في المملكة يوم الاقتراع، يمكنه اختيار شخص آخر يمنحه وكالة للتصويت نيابة عنه.

    هكذا حضرت الوكالة في الانتخابات التشريعية التي أعقبت دستور 2011، واستمرت الآلية نفسها خلال استحقاقي 2016 و2021، ليظل صوت المغربي المقيم بالخارج محسوبا داخل الدائرة الانتخابية التي يرتبط بها في المملكة، وليس ضمن دائرة خاصة بالجالية في بلد إقامته.

    وسبق للمحكمة الدستورية أن تناولت هذه المسألة عند فحص القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، معتبرة أن اعتماد التصويت بالوكالة بالنسبة إلى المغاربة المقيمين بالخارج يندرج ضمن الكيفيات القانونية لممارسة الحق الانتخابي.

    سعد القطيب: المسطرة كانت تبعد جزءا من المصوتين

    يرى سعد القطيب، وهو مغربي مقيم في فرنسا، أن عدم مشاركة جزء من الجالية لا ينبغي تفسيره دائما بعدم الاهتمام بالانتخابات، لأن الطريقة التي يتعين على الناخب المرور منها للوصول إلى التصويت يمكن أن تؤثر بدورها في قرار المشاركة.

    ويقول القطيب في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” إن “عددا من مغاربة العالم يتابعون ما يجري داخل المغرب، سواء الانتخابات أو النقاش السياسي أو القرارات التي تمس حياتهم وعائلاتهم، لكن المشاركة كانت تتطلب إجراءات إضافية بالنسبة إلى شخص يعيش في الخارج”.

    ويضيف أن “التصويت بالوكالة كان حلا لمن لا يستطيع العودة إلى المغرب، لكن عندما تكون المسطرة مرتبطة بالتنقل والوقت، يمكن أن تجد شخصا يريد التصويت في البداية ثم يتراجع، خصوصا أن الجالية لا تعيش كلها بالقرب من القنصليات”.

    وبالنسبة إلى القطيب، فإن تبسيط الوصول إلى الوكالة يمكن أن يزيل واحدا من الحواجز العملية أمام المشاركة، حتى وإن ظل التصويت نفسه يتم داخل المغرب.

    الرقمنة وحدها لا تكفي

    وبعد استكمال المعلومات والتأكد من صحتها، يتم إنجاز الوكالة وفق المسطرة المحددة، حتى يتمكن الشخص الذي اختاره الناخب من استعمالها يوم الاقتراع.

    عمليا، لم يتغير جوهر الوكالة، وإنما تغير الطريق إليها، إذ يعني ذلك لناخب يعيش بعيدا عن أقرب تمثيلية قنصلية، تقليص الحاجة إلى التنقل والوقت المرتبط بإنجاز المسطرة، وهي تحديدا النقطة التي يمكن أن تجعل الاستفادة منها أسهل مقارنة بالاستحقاقات السابقة.

    ويرى سعد القطيب أن هذا التحول يمكن أن يظهر أثره خلال انتخابات شتنبر، موضحا أن “رقمنة الوكالة يمكن أن ترفع نسبة مشاركة مغاربة العالم، لأنها تجعل العملية أسهل بالنسبة إلى الأشخاص الذين كانوا يترددون بسبب الإجراءات أو التنقل”.

    ويضيف أن “الشخص عندما يعرف أنه يستطيع إنجاز المسطرة من مكان إقامته، دون أن يضطر إلى قطع مسافة طويلة أو تخصيص جزء من يومه لإجراء إداري، ستكون لديه فرصة أكبر لإتمام العملية بدل تأجيلها أو التخلي عنها”.

    الرقمنة وحدها لا تكفي

    تستطيع الرقمنة تقريب الوكالة من الناخب وتخفيف الإجراءات، لكنها لا تغير طبيعة التمثيلية الناتجة عنها، فمغاربة العالم سيصوتون في انتخابات 2026 ضمن الدوائر الموجودة داخل المغرب، وليس داخل دوائر انتخابية خاصة بهم في بلدان الإقامة.

    ولهذا ظل مطلب التمثيلية المباشرة حاضرا لدى جزء من فعاليات الجالية خلال الاستحقاقات السابقة، سواء عبر المطالبة بإحداث دوائر انتخابية بالخارج أو تخصيص مقاعد برلمانية ينتخبها مغاربة العالم مباشرة.

    وتكتسب هذه المطالب بعدا آخر بالنظر إلى خصوصية القضايا التي تواجه الجالية، من الخدمات القنصلية والإجراءات الإدارية إلى الاستثمار وقضايا الأسر والتنقل والإقامة، وهي ملفات تختلف طبيعتها أحيانا باختلاف بلدان الاستقبال.

    ويشدد القطيب في هذا السياق على أن “الرقمنة لن تكون وحدها كافية، لأن هناك أيضا الثقة والاهتمام بالبرامج ومعرفة المرشحين والشعور بأن المشاركة يمكن أن تحدث فرقا”، مشيرا إلى أن “إزالة العراقيل العملية تبقى خطوة مهمة ويمكن أن يظهر أثرها في حجم المشاركة”.

    23 شتنبر.. اختبار لما بعد تبسيط المسطرة

    وتدخل مشاركة مغاربة العالم محطة جديدة دون أن تغادر نظام الوكالة، فالناخب الموجود في الخارج سيظل محتاجا إلى شخص داخل المغرب يضع الصوت نيابة عنه، لكن المسافة التي تفصله عن بداية العملية أصبحت أقصر مع رقمنة المسطرة.

    وانطلاقا من هذه التعديلات، لن يقاس أثر المستجد الإجرائي بنجاح المنصة تقنيا فقط، وإنما بقدرته على تحويل تبسيط الإجراءات إلى مشاركة فعلية.

    أما إذا لم يتغير الإقبال رغم تبسيط المسطرة، فستظهر حدود الحل التقني بشكل أوضح، وسينتقل النقاش من سؤال كيفية تسهيل التصويت إلى سؤال ما يحتاجه مغاربة العالم حتى تتحول علاقتهم بالانتخابات من حق يمكن ممارسته عن بعد إلى مشاركة سياسية أكثر حضورا وتأثيرا.

  • القانون 87.21.. فلسفة جديدة لتدبير الأزمات البنكية في المغرب

    القانون 87.21.. فلسفة جديدة لتدبير الأزمات البنكية في المغرب

    لم يعد التعامل مع تعثر مؤسسات الائتمان في المغرب رهينا بالتدخل بعد وقوع الأزمة، فالقانون الجديد رقم 87.21 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها يضع مسارا يبدأ قبل الانهيار، من خلال التخطيط الوقائي والتقويم، ويمر بالتدخل المبكر والإدارة المؤقتة، وصولا إلى تسوية منظمة عندما يصبح فشل المؤسسة واقعا أو وشيكا.

    ويكشف هذا المسار عن تحول في فلسفة تدبير الأزمات البنكية، لا يقوم فقط على محاولة إنقاذ المؤسسة في شكلها الحالي، وإنما على حماية استمرار الوظائف الحيوية، وحماية الودائع وأموال الزبناء، والحفاظ على الاستقرار المالي، مع تقليص كلفة الأزمة على المال العمومي.

    تحرك قانوني قبل الانهيار

    يبدأ القانون من مرحلة تسبق الفشل البنكي نفسه، من خلال إلزام مؤسسات الائتمان ذات المخاطر الخاصة أو الأهمية الشمولية بإعداد مخطط وقائي للتقويم.

    ويمكن أن يتضمن هذا المخطط تكوين احتياطيات لتغطية المخاطر، والحد من توزيع الأرباح، والرفع من رأس المال، وإعادة تنظيم المؤسسة، أو إغلاق أو تفويت بعض فروعها وشركاتها التابعة، إلى جانب البحث عن مساهمين أو شركاء جدد.

    لكن المقتضى الأكثر دلالة أن المخطط الوقائي لا يمكن أن يفترض اللجوء إلى الدعم المالي العمومي الاستثنائي، أي أن أراد أن تبدأ المؤسسة بمحاولة معالجة اختلالاتها من داخلها، قبل أن تتحول الأزمة إلى مسؤولية على الدولة، لينتقل القانون من منطق انتظار الأزمة إلى منطق الاستعداد لها والتدخل في مراحلها الأولى.

    ويخول القانون لبنك المغرب فرض تنفيذ تدابير محددة لإعادة الوضع إلى مساره الطبيعي في حال لاحظ أن وضعية المؤسسة تستدعي التقويم.

    ومع ارتفاع مستوى المخاطر، تتسع أدوات التدخل لتشمل فرض قيود إضافية مرتبطة بالملاءة والسيولة والمخاطر، أو توقيف بعض الأنشطة، أو تقليص شبكة المؤسسة، أو إعادة هيكلة الديون، أو تغيير بعض هياكلها القانونية والتنظيمية، زيادة على إمكانية الحد من توزيع الأرباح والمكافآت المتغيرة، والدعوة إلى عقد جمعية عامة، أو العمل على إدخال مساهمين جدد.

    الإدارة المؤقتة

    ويفتح القانون الباب أمام مرحلة أكثر تدخلا إذا لم تعد إجراءات التقويم كافية، من خلال تعيين مدير مؤقت تتوفر فيه الاستقلالية والكفاءة والخبرة في المجالات البنكية أو المالية أو القانونية، يتولى فعليا صلاحيات أجهزة الإدارة والرقابة والتسيير.

    وفي هذه الحالة، تتوقف الأجهزة المعنية عن ممارسة صلاحياتها، كما تتوقف اجتماعات الجمعية العامة، لتنتقل سلطة القرار إلى الإدارة المؤقتة خلال الفترة التي تقتضيها معالجة وضعية المؤسسة.

    ويقرأ الخبير والمستشار الدولي المغربي في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي، محمد أمين سامي، هذا التحول باعتباره انتقالا من منطق التدخل المتأخر إلى بناء قدرة مؤسساتية على استباق المخاطر.

    وأوضح سامي، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن أهمية الإطار الجديد تكمن في عدم انتظار وصول المؤسسة إلى مرحلة الانهيار قبل استعمال أدوات التقويم، لأن كلفة التدخل ترتفع كلما تأخر التعامل مع الاختلالات.

    إنقاذ الوظائف وليس البنك

    اللافت في القانون الجديد أنه لا يجعل هدف التسوية إنقاذ المؤسسة في شكلها الحالي بأي ثمن، وإنما يربطها بالحفاظ على وظائفها الحيوية، وحماية الاستقرار المالي، وتقليص اللجوء إلى المال العمومي، وحماية الودائع المشمولة بالضمان وأموال وأصول الزبناء.

    ولتدبير هذه المرحلة، يمنح القانون هيئة التسوية مجموعة من الأدوات، من بينها تفويت جزء من أنشطة المؤسسة أو أصولها والتزاماتها إلى مشترٍ، أو نقل بعض أو كل هذه العناصر إلى مؤسسة جسر، أو فصل بعض الأصول ونقلها إلى بنية متخصصة في تدبيرها.

    وتكتسب مؤسسة الجسر أهمية خاصة، لأنها تتيح استمرار الأنشطة الحيوية خلال فترة مؤقتة، في انتظار إعادة تفويت ما تم نقله إليها وفق الشروط والآجال التي تحددها هيئة التسوية.

    من يتحمل الخسائر؟

    إذا كان القانون يضع حماية الودائع والاستقرار المالي ضمن أهدافه، فإنه في المقابل يحدد من يتحمل تكلفة الفشل، إذ يضع المساهمين والشركاء في مقدمة من يتحملون الخسائر، يليهم أصحاب الديون المقرونة بشروط، ثم الدائنون العاديون، مع ضمان ألا يتحمل الدائن خسارة أكبر مما كان سيتحملها في حالة تصفية المؤسسة.

    أما الودائع المشمولة بالضمان، فتحظى بالحماية التي يقررها النظام القانوني للضمان.

    ويعتبر محمد أمين سامي في حديثه للجريدة أن هذا الجانب من الإطار الجديد مهم من زاوية الاستقرار المالي، لأن وضوح ترتيب تحمل الخسائر يساهم في تحديد المسؤوليات وتقليص حالة عدم اليقين عند وقوع الأزمة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حماية المودعين والوظائف الأساسية للمؤسسة.

    المال العمومي.. آخر الخيارات

    لم يغلق القانون الباب بشكل مطلق أمام تدخل الدول، فالدعم المالي العمومي الاستثنائي يظل ممكنا في حالات محددة، عندما يتبين أن أدوات التسوية الأخرى لن تكون كافية، وبعد المرور عبر المساطر والشروط التي يحددها القانون.

    لكن الفارق الأساسي أن الدعم العمومي لم يعد يمثل نقطة الانطلاق في معالجة الأزمة، وإنما خيارا استثنائيا وأخيرا، وهذه النقطة تعيد ترتيب العلاقة بين الدولة والمؤسسة البنكية عند الفشل، لأن الدولة تتدخل لحماية الاستقرار عندما تصبح الضرورة قائمة، لكنها لا تتحول تلقائيا إلى جهة تتحمل الخسائر التي كان يمكن تدبيرها داخل المؤسسة.

    حماية الزبون تتجاوز الوديعة

    لا يحصر القانون الحماية في الودائع المشمولة بالضمان، بل يربط التسوية أيضا بحماية أموال وأصول الزبناء واستمرار الخدمات والبنيات التحتية الحيوية، لأن أزمة مؤسسة ائتمان لا تتوقف آثارها عند ميزانيتها، بل يمكن أن تمتد إلى الأفراد والمقاولات والعمليات اليومية المرتبطة بالنظام المالي.

    لذلك، فإن استمرار الوظائف الحيوية للمؤسسة يصبح في حد ذاته هدفا من أهداف التسوية، حتى إذا كان مصير المؤسسة الأصلية هو التفويت أو إعادة الهيكلة أو تغيير الملكية.

    لكن القانون، في المقابل، وضع آلية للطعن في قرارات هيئة التسوية أمام محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء بالنسبة لكل شخص ذاتي أو اعتباري له مصلحة.

  • المغرب يمنع وإسبانيا تستقبل.. من يحسم معادلة إعادة القاصرين من سبتة؟

    المغرب يمنع وإسبانيا تستقبل.. من يحسم معادلة إعادة القاصرين من سبتة؟

    وضعت موجهة الهجرة غير القانونية التي شهدتها سبتة المحتلة أواخر يوليوز الماضي الرباط ومدريد أمام أزمة تتجاوز مراقبة الحدود، سيما بعد أزمة إعادة القاصرين، التي ما تزال توتر الأجواء بين البلدين الجارين.

    ولم تتوقف المطالب المغربية عند تشديد المراقبة، بل تتجه إلى تسريع إجراءات التعرف على المهاجرين، وتحديد من يمكن إعادته، وتوضيح مسؤوليات إسبانيا والاتحاد الأوروبي، خصوصا في ملفات القاصرين غير المصحوبين، وهي النقطة التي تنقل النقاش من المجال السياسي إلى المجال القانوني، لأن إعادة القاصر لا تخضع للشروط نفسها المطبقة على الشخص البالغ.

    القاصرون.. رقم سياسي!

    في 31 مارس 2026، كان في إسبانيا 10.216 مغربيا ضمن فئة “القاصرين غير المصحوبين والشباب الذين غادروا نظام الوصاية”، يمثلون 48 بالمئة من إجمالي هذه الفئة في البلاد، البالغ 21.104 أشخاص، شكل منهم الذكور نسبة 94 بالمئة، مقابل 6 بالمئة للإناث.

    ومن أصل 10.216 شخصا، كان 1539 فقط في سن 16 و17 عاما، أي 15 بالمئة، بينما كان 8677 شخصا، أي 85 بالمئة، شبابا بين 18 و23 عاما سبق أن خضعوا لنظام حماية القاصرين.

    وتكشف هذه الأرقام الإسبانية الرسمية، التي أعلن عنها منتصف يوليوز المنصرم، تحولا في تركيبة هذه الفئة، فقد انخفض عدد المغاربة فيها بنسبة 8.9 بالمئة خلال سنة، وتراجعت حصتهم من 59 بالمئة في مارس 2025 إلى 48 بالمئة في مارس 2026.

    وعلى المدى الأطول، تراجعت حصتهم من 73 بالمئة في مارس 2022 إلى 48 بالمئة قبل أزمة يوليوز الماضي، مقابل ارتفاع وزن جنسيات أخرى، خصوصا غامبيا والجزائر والسنغال.

    أما من حيث الوضع القانوني، فكان 4012 منهم يحملون وثيقة أولية، و3758 انتقلوا إلى وثيقة معدّلة، و957 حصلوا على تجديد أول، و483 على تجديد ثان، بينما توزع 1006 الباقون على أوضاع أخرى. ويعكس هذا التوزيع مسارا إداريا مستمرا بين الحماية في سن القصور والحاجة إلى تثبيت الإقامة بعد بلوغ 18 عاما.

    وعقب أحداث 30 يوليوز الأخيرة، تضاربت الأرقام الحكومية الإسبانية حول عدد القاصرين الذين عبروا الحدود صوب سبتة المحتلة، وتشير التقديرات إلى ما بين 1800 و2500 قاصر ما يزالون في الثغر المحتل.

    معطيات جديدة تقفز إلى 2500 قاصر

    تواصل إسبانيا رفع أرقام القاصرين الوافدين إلى سبتة المحتلة خلال موجة العبور الجماعي في 30 يوليوز الماضي، بعدما أعلنت وزيرة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة الإسبانية، إلما سايز، أن السلطات تمكنت إلى حدود اليوم الأحد 23 غشت 2026، من تحديد هوية 2500 قاصر ممن وصلوا إلى المدينة خلال الأزمة.

    وتكشف هذه الحصيلة عن فارق كبير مقارنة بالأرقام التي قدمتها السلطات الإسبانية في الأيام الأولى للأزمة، بعدما ظلت المعطيات الرسمية ترتفع تدريجيا مع تقدم عمليات تحديد الهوية، في وقت تواجه فيه السلطات صعوبة في ضبط الأعداد بسبب انتشار الوافدين في الشوارع وتغير أماكن وجودهم.

    وقالت سايز، في مقابلة مع صحيفة “إل باييس”، إن وزارة الداخلية تمكنت من إنجاز ملفات 2500 قاصر، موضحة أن العملية ليست آلية أو سريعة، بل تتطلب موظفين مؤهلين يتابعون مع كل حالة المعطيات المرتبطة بمسار حياة الشخص وظروفه.

    ويبرز حجم التغير في الأرقام عند مقارنتها بالمعطيات التي قدمتها السلطات الإسبانية منذ بداية الأزمة، ففي 5 غشت، تحدث مندوب الحكومة الإسبانية في سبتة، ميغيل أنخيل بيريز تريانو، عن وجود نحو 2500 مهاجر في المدينة بأكملها، من بينهم حوالي 500 قاصر.

    وبعد يومين فقط، رفعت وزيرة الشباب والطفولة، سيرا ريغو، تقديرات عدد القاصرين غير النظاميين الموجودين في سبتة إلى 1342 قاصرا، مشيرة إلى وصول عدد أكبر من الفتيات غير المصحوبات، إضافة إلى أطفال ذكور في سن صغيرة مقارنة بموجة الهجرة التي شهدتها المدينة في ماي 2021.

    وفي 10 غشت، رفع وزير السياسة الترابية، أنخيل فيكتور توريس، العدد إلى نحو 1400 قاصر، قبل أن تعلن وزارة الداخلية، في 13 غشت، أن عدد القاصرين الذين تم تحديد هوياتهم بلغ 1800.

    وبحلول 18 غشت، ارتفع الرقم إلى 2168 قاصرا، قبل أن يصل، وفق آخر معطيات أعلنتها وزيرة الهجرة، إلى 2500 قاصر.

    المغرب: الحل الأمني ليس جوابا

    في هذا السياق، جاءت تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي اعتبر أن الحل الأمني لا يمكن أن يشكل جوابا مستداما لمشكل الهجرة، ودعا إلى اتفاق نهائي بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي يحدد بصورة واضحة قواعد المنع والقبول والإعادة وتدبير الحدود، بما في ذلك وضع القاصرين غير المصحوبين.

    وتنطلق المطالب المغربية من ملاحظة أن الرباط تعبئ الشرطة والسلطات لتشديد المراقبة ومنع العبور، في حين تستقبل إسبانيا من ينجحون في تجاوز الحدود وتخضعهم لمساطرها الداخلية.

    لذلك، يريد المغرب الانتقال من إدارة ظرفية للأزمة إلى إجراءات محددة وسريعة، تتيح التعرف على الأشخاص المعنيين وتحديد من يمكن إعادته وكيفية تنفيذ العودة.

    وفي قراءتها لهذا المطلب، تعتبر حنان السرغيني، الأستاذة بجامعة القاضي عياض بمراكش والباحثة بالمعهد المغربي لتحليل السياسات وعضو الجمعية المغربية للدراسات والأبحاث في الهجرة، أن العودة السريعة يمكن أن تؤدي وظيفة ردعية إذا كانت واضحة ومنظمة وقابلة للتنفيذ، لكنها تشدد على ضرورة الفصل بين تسريع المسطرة وإلغائها، وتلخص موقفها بالقول: “الإعادة السريعة نعم، الإعادة الفورية بمعنى تجاوز التقييم الفردي لا، لأن السرعة في تنفيذ القانون قد تكون رادعة، أما تجاوز القانون فلا يمكن أن يكون سياسة ردع مستدامة”.

    وترى السرغيني، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أنه يمكن تسريع عودة الشخص البالغ الذي لا يملك حقا قانونيا في البقاء، وهو توجه ينسجم مع السياسة الأوروبية الجديدة الرامية إلى رفع فعالية قرارات العودة، غير أنها ترى أن تطبيق المنطق نفسه آليا على القاصر غير المصحوب يصطدم بضمانات خاصة، في مقدمتها تقييم مصلحته الفضلى وتمكينه من التمثيل والمساعدة خلال المسطرة.

    وتستند في هذه القراءة إلى اللائحة الأوروبية 2024/1348 المرتبطة بجالات طلب الحماية الدولية، التي تمنح القاصرين، سيما غير المصحوبين، ضمانات إجرائية خاصة، كما تربط إمكان نقل القاصر إلى دولة ثالثة بالتأكد مسبقا من استقباله وحصوله على حماية فعلية، لا بمجرد موافقة تلك الدولة على استعادته.

    اتفاق إعادة القاصرين بلا أثر

    على المستوى الثنائي، ترى السرغيني أن المطلب المغربي لا يحتاج إلى اختراع آلية قانونية جديدة من الصفر، وتُحيل في هذا الصدد على الاتفاق المغربي الإسباني الموقع في 6 مارس 2007، والنافذ منذ أكتوبر 2012، بشأن الوقاية من هجرة القاصرين غير المصحوبين وحمايتهم وإعادتهم المتفق عليها.

    وتوضح أن فلسفة الاتفاق لا تقوم على ترحيل القاصر وتسليمه عند الحدود، بل على عودة مساعدة إلى أسرته أو إلى مؤسسة وصاية، مقرونة بالحماية وإعادة الإدماج.

    ويوزع الاتفاق الأدوار بين الطرفين؛ إذ يتولى المغرب المساعدة في تحديد هوية القاصر وأسرته وإثبات جنسيته، بينما تتخذ السلطات الإسبانية قرار العودة في إطار قانونها والتزاماتها الدولية.

    ومن هذا المنطلق، تقرأ الباحثة بالمعهد المغربي لتحليل السياسات المطالب المغربية بتبسيط المساطر باعتبارها مطالبة بتسريع التعاون وتبادل المعلومات والتحقق من الهوية وتحديد الأسرة وجهة الاستقبال، وليس باعتبارها دعوة إلى إلغاء التقييم الفردي السابق لقرار العودة.

    وتضع موضع الخلل في الجانب العملي، قائلة إن “المشكلة ليست بالضرورة في وجود عوائق قانونية أمام العودة، وإنما في طول المسطرة وتعدد المتدخلين وغياب آليات سريعة وفعالة”.

    ووفق هذه القراءة، لا تكفي موافقة المغرب على استقبال القاصر حتى تنفذ إسبانيا الإعادة مباشرة، لأن الموافقة المغربية عنصر أساسي في العملية، لكنها تظل رهينة سلسة إجراءات طويلة من الجانب الإسباني، فالمادة 35 من قانون الأجانب الإسباني تلزم إدارة الدولة، قبل فتح ملف الإعادة، بطلب معلومات عن الوضع العائلي للقاصر، ثم الاستماع إليه والاستناد إلى تقارير أجهزة حماية الطفولة والنيابة العامة، وتحصر الإعادة، وفقا لمصلحته الفضلى، في لمّ شمله بأسرته أو تسليمه إلى أجهزة حماية قادرة على تولي رعايته.

    ويفصل المرسوم 1155/2024 هذه المسطرة في مواده من 167 إلى 170، التي تتحدث عن أن مندوبية الحكومة أو المندوبية الفرعية المختصة تتولى جمع المعلومات وفتح الملف والبت فيه، بعد إشعار القاصر والنيابة العامة والجهة التي تتولى وصايته.

    وتمنح هذه المسطرة القاصر والجهة الوصية مهلة لتقديم الملاحظات والأدلة، قبل عقد جلسة استماع يحضرها ممثلو الحماية والنيابة، ثم إصدار قرار بالإعادة أو البقاء داخل أجل أقصاه ستة أشهر من تاريخ فتح المسطرة.

    ويعزز الاجتهاد القضائي الإسباني هذا القيد؛ إذ أكدت المحكمة العليا الإسبانية في حكمها رقم 86/2024، الصادر في 22 يناير 2024، عدم قانونية إعادة قاصرين مغاربة من سبتة إلى المغرب عقب أحداث غشت 2021، بعدما نفذتها السلطات استنادا إلى الاتفاق الثنائي وحده، من دون فتح ملفات إدارية فردية أو الاستماع إلى المعنيين وإشراك النيابة العامة وتقييم ظروف كل حالة.

    وقررت المحكمة أن الاتفاق المغربي الإسباني لا يشكل بمفرده سندا كافيا للإعادة، وأن موافقة المغرب لا تعفي الإدارة الإسبانية من التقيد بقانونها الداخلي وضماناته، معتبرة إعادة عدد كبير من القاصرين من دون مسطرة فردية طردا جماعيا محظورا.

    وتبرز هذه المفارقة تناقضا بين الموقفين المغربي والإسباني، فمن زاوية الرباط، يؤدي استقبال من ينجح في عبور الحدود إلى إضعاف أثر المنع والردع وتشجيع محاولات جديدة، لكن من زاوية مدريد، يترتب على وصول القاصر إلى الأراضي الإسبانية التزام قانوني بفحص وضعه وتوفير الحماية له قبل اتخاذ أي قرار بإعادته.

    إجراءات بسرعتين

    ويستغرب المغرب عدم استجابة إسبانيا لموقف المفوضية الأوروبية الأخير، الذي يدعم إعادة القاصرين إلى المغرب.

    وأكدت المفوضية الأوروبية، الثلاثاء الماضي، أن جميع الأشخاص المقيمين بشكل غير قانوني في مدينة سبتة سيعادون إلى بلدانهم، عقب التدفق الكبير للمهاجرين الذي شهدته المدينة في أواخر يوليوز.

    وأوضح المتحدث باسم المفوضية الأوروبية، ماركوس لامرت، أن “الأولوية الآن لدى السلطات الإسبانية والمغربية هي الإبقاء على السيطرة على الوضع وضمان إعادة سريعة لجميع من يقيمون بشكل غير قانوني في سبتة”.

    وشدد لامرت على أن عمليات الإعادة مشمولة بقانون الاتحاد الأوروبي، مضيفا أنها تنظم بموجب “توجيه العودة” ثم “لائحة العودة الخاصة بالاتحاد الأوروبي”، مشيرا إلى أن هناك أيضا أحكاما خاصة بإعادة المهاجرين المقيمين بشكل غير قانوني في الأراضي، بمن فيهم القاصرين غير المصحوبين.

    ولا تعتبر الأستاذة الجامعية حنان السرغيني أن الاتجاه الأوروبي الجديد يقف ضد المغرب، فهي ترى وجود تقاطع بين الأطراف الثلاثة، فالمغرب يريد تبسيط إجراءات الإعادة، وإسبانيا تريد تخفيف الضغط عن سبتة، والاتحاد الأوروبي يريد رفع فعالية نظام العودة.

    لكنها تشير إلى أن هذا التقاطع يتوقف عند شروط التنفيذ بالنسبة إلى القاصرين، لأن القواعد الرئيسية لميثاق الهجرة واللجوء، المطبقة منذ 12 يونيو 2026، استثنت القاصرين غير المصحوبين، كقاعدة عامة، من مسطرة الحدود المعجلة إلا في حالات مرتبطة بتهديد أمني.

    وتجعل المادتان 22 و23 من اللائحة الأوروبية 2024/1348 المصلحة الفضلى للطفل اعتبارا أساسيا، وتفرضان تمثيل القاصر غير المصحوب ومساعدته خلال المسطرة. وحتى عند تطبيق مفهوم الدولة الثالثة الآمنة، يشترط القانون ألا تتعارض العودة مع مصلحة القاصر، وأن تحصل الدولة الأوروبية مسبقا على ضمان بتكفل الدولة المستقبلة به وتمكينه من حماية فعالة.

    وتشدد عضو الجمعية المغربية للدراسات والأبحاث في الهجرة على أن المطالب المغربية يمكن أن تجد تجاوبا سياسيا داخل إسبانيا، لكن تنفيذها سيظل محكوما بضمانات قانونية لا تستطيع مدريد تجاوزها، حيث إن المساحة المتاحة للتفاوض توجد، وفق تحليلها، في تقليص آجال التحقق وتنسيق عمل المؤسسات وتحديد جهات الاستقبال، لا في تنفيذ إعادة فورية تسبق فحص حالة القاصر.

  • المغرب يُطوّق القرصنة الرقمية بقانون جديد يلاحق شبكة الاستغلال غير المشروع

    المغرب يُطوّق القرصنة الرقمية بقانون جديد يلاحق شبكة الاستغلال غير المشروع

    دخل القانون رقم 013.26، القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 2.00 المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، حيز التنفيذ في المغرب، في وقت أصبحت فيه طرق إنتاج المحتوى وتوزيعه واستهلاكه مختلفة بشكل كبير عما كانت عليه عند وضع الإطار القانوني السابق، حيث لم يعد المحتوى يصل إلى الجمهور عبر التلفزيون أو وسائل التوزيع التقليدية فقط، بل أصبح ينتقل أيضا عبر الإنترنت والمنصات الرقمية والتطبيقات والخوادم.

    ويأتي القانون الجديد لتحديث هذا الإطار، من خلال توسيع عدد من المفاهيم المرتبطة بالبث والنقل إلى الجمهور، وإدخال تعريف صريح للقرصنة يشمل الاستغلال غير المرخص للمحتويات المحمية عبر الوسائل الرقمية، إلى جانب تعزيز آليات البحث والمعاينة وإمكانية تدخل القضاء لوقف الاعتداءات على الحقوق المحمية.

    وبذلك، لا يتعلق الأمر بقانون خاص بتقنية معينة مثل “IPTV”، وفق ما تم تداوله مؤخرا، وإنما بإعادة تكييف قواعد حماية حقوق المؤلف والحقوق المجاورة مع واقع رقمي أصبحت فيه إعادة بث القنوات والأفلام والمنافسات الرياضية وغيرها من المحتويات تتم بوسائل أكثر تعقيدا وأوسع انتشارا.

    ومن هنا تبرز أهمية قراءة القانون من زاوية ما الذي تغير فعليا وكيف أعاد المشرع تعريف القرصنة؟ وما الأدوات الجديدة التي وضعها لمواجهة الاستغلال غير المرخص؟ وإلى أي حد أصبحت القواعد القانونية قادرة على مواكبة سوق محتوى تغيرت طريقة إنتاجه وتوزيعه واستهلاكه؟

    من وسيلة البث إلى فعل الاستغلال

    أبرز ما يميز القانون الجديد أنه لا يحاول ملاحقة تقنية محددة، وإنما يعيد صياغة المفاهيم القانونية بما يجعلها قابلة للتطبيق على وسائل مختلفة.

    فمفهوم “البث الإذاعي والتلفزي” أصبح يشمل تبليغ المصنفات والأداءات والتسجيلات إلى الجمهور، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عبر وسائل الإرسال السلكية أو اللاسلكية وبأي وسيلة كانت، بما فيها الأقمار الاصطناعية والشبكات الإلكترونية، كما جرى توسيع مفهوم “النقل إلى الجمهور” ليشمل النقل الرقمي عبر الإنترنت بالصوت أو الصورة.

    لكن التحول الأبرز يتمثل في إدخال تعريف قانوني صريح لـ”القرصنة”، باعتبارها كل استغلال غير مرخص لمصنف أو أداء أو تسجيل صوتي أو سمعي بصري، أيا كانت الوسيلة المستخدمة، بما فيها الوسائل الرقمية وشبكة الإنترنت.

    وهنا لا تكمن أهمية التعديل فقط في إضافة مصطلح جديد، وإنما في الانتقال من حماية كانت مرتبطة بدرجة كبيرة بوسائل الاستغلال التقليدية إلى حماية تركز على فعل استغلال المحتوى نفسه، بصرف النظر عن الأداة التقنية المستخدمة.

    ويعتبر الطيب الهزاز، الخبير في الأمن السيبراني، أن عدم تخصيص القانون لمصطلح “IPTV” بشكل مستقل يمكن اعتباره اختيارا أكثر مرونة، لأن التقنيات المستخدمة في القرصنة تتغير باستمرار، بينما يركز النص على الفعل غير المشروع، أي استغلال أو إعادة نقل المحتوى المحمي دون الترخيص اللازم.

    ويوضح الهزاز أن ربط التجريم بتقنية محددة قد يجعل النص متجاوزا مع ظهور وسائل جديدة، في حين أن توسيع مفاهيم البث والنقل إلى الجمهور يسمح للمنظومة القانونية باستيعاب أشكال مختلفة من القرصنة الرقمية.

    IPTV.. تطبيق عملي لقواعد أوسع

    في هذا الإطار، تبرز خدمات “IPTV” باعتبارها واحدة من أكثر الأمثلة وضوحا على التحول الذي يحاول القانون مواكبته، ففالنص لا يذكرها بالاسم، ولا ينشئ جريمة مستقلة تحمل اسم قرصنة “IPTV”، كما لا يحصر المقتضيات في القنوات التلفزيونية أو المباريات الرياضية، غير أن إعادة بث محتوى محمي عبر تطبيقات أو خوادم دون الحصول على حقوق الاستغلال وإعادة البث يمكن، بحسب طبيعة كل حالة، أن تدخل ضمن الاستغلال غير المرخص والقرصنة والنقل إلى الجمهور.

    وهنا يجب التمييز بين التقنية وطريقة استعمالها؛ فـ”IPTV”  كوسيلة لنقل المحتوى لا يعني في حد ذاته قرصنة، وإنما تطرح المسؤولية القانونية عندما تستعمل التكنولوجيا لإعادة توزيع محتوى محمي خارج شروط الترخيص.

    وبذلك، اختار المشرع صياغة قاعدة أوسع من مجرد تسمية تقنية، بما يسمح لها بمواكبة سوق تتغير أدواتها بسرعة.

    من ملاحقة المحتوى إلى إمكانية وقف النقل

    ولا يتوقف الإصلاح عند تعريف القرصنة، بل يمتد إلى وسائل وقف الاعتداء، إذ تنص المادة 61 بصيغتها الجديدة على إمكانية إصدار المحكمة حكما أو أمرا بمنع أو إيقاف أو إنهاء أي خرق لحق يحميه القانون.

    وفي حالة الخرق عن طريق “النقل إلى الجمهور”، يمكن أن يستهدف الحكم أو الأمر الشخص الذاتي أو الاعتباري الذي تكون لديه، بحكم وظيفته أو اختصاصاته، القدرة على وقف عملية النقل.

    وتكتسي هذه المقتضيات أهمية خاصة في البيئة الرقمية، حيث قد لا يكون الشخص الذي يقف وراء المحتوى غير المرخص هو نفسه الجهة التي تملك القدرة التقنية على إيقاف عملية نقله.

    ويشير الهزاز إلى أن القرصنة الرقمية أصبحت تعتمد، في عدد من الحالات، على منظومات تقنية تضم خوادم وتطبيقات وشبكات لإعادة نقل المحتوى إلى أعداد كبيرة من المستخدمين، لذلك، فإن إمكانية التدخل لوقف عملية النقل تكتسي أهمية خاصة، لأنها تفتح المجال أمام استهداف سلسلة التوزيع غير المشروع، وليس فقط ملاحقة المستخدم النهائي.

    لكن ذلك لا يعني أن القانون أقر حجبا إداريا تلقائيا للمواقع أو الخوادم؛ فالتدخل في هذا المجال يمر عبر القضاء، الذي يمكنه إصدار الأوامر اللازمة وفق الشروط والمساطر القانونية.

    ملاحقة البنية التقنية للقرصنة

    ولمواجهة طبيعة المخالفات الرقمية، عزز القانون أدوات المعاينة والبحث، إذ يتيح للأعوان المؤهلين الولوج إلى المحلات والأماكن ونظم المعلومات ووسائل النقل، والاطلاع على السجلات والمستندات والوثائق وأخذ نسخ منها، والحصول على المعلومات الضرورية للبحث، فضلا عن حجز المعدات والوسائل والأدوات والوثائق المرتبطة بالمخالفات.

    وتحرر بشأن المخالفات محاضر قبل إحالتها على النيابة العامة المختصة، ما يعني أن المواجهة لم تعد موجهة فقط إلى المحتوى الذي يصل إلى الجمهور، وإنما يمكن أن تمتد إلى الأدوات والبنية التقنية التي تسمح بإعادة توزيعه بشكل غير قانوني.

    العقوبة ليست وحدها عنوان الإصلاح

    على المستوى الزجري، يحيل القانون المعدل على منظومة العقوبات المنصوص عليها في المادة 64 من القانون رقم 2.00، مع إدخال مقتضيات جديدة وتوسيع بعض حالات الاستغلال غير المرخص، فضلا عن تجريم عرقلة الأعوان المؤهلين أثناء قيامهم بمهامهم.

    وبالنسبة إلى عدد من الانتهاكات العمدية، يمكن أن تصل العقوبة إلى الحبس من شهرين إلى ستة أشهر وغرامة من 10 آلاف إلى 100 ألف درهم، أو إحدى هاتين العقوبتين، فيما يمكن أن ترتفع في حالة العود إلى الحبس من سنة إلى أربع سنوات وغرامة من 60 ألفا إلى 600 ألف درهم، وفق الحالات والشروط المحددة في القانون.

    قانون يتجاوز القرصنة إلى اقتصاد المحتوى

    سيكون اختزال القانون في خدمات “IPTV” قراءة ناقصة، لأن التعديل يأتي ضمن ورش أوسع لتحديث منظومة حقوق المؤلف والحقوق المجاورة ومواكبة أنماط استهلاك المصنفات عبر المنصات الإلكترونية.

    وسبق لوزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد أن أكد أن الإصلاح بمواكبة التطورات التكنولوجية والتحولات الرقمية والاستحقاقات الرياضية الكبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، بما يجعل حماية حقوق البث واستغلال المحتويات الرياضية جزءا من رهانات أوسع مرتبطة بسوق المحتوى.

    ومن هذه الزاوية، لا يتعامل المشرع مع الإنترنت فقط باعتباره فضاء للمخالفات، وإنما باعتباره سوقا جديدة للمحتوى تحتاج إلى قواعد واضحة للاستغلال والتوزيع والاستفادة الاقتصادية.

    ويخلص الهزاز إلى أن الرهان الحقيقي للقانون الجديد لا يتمثل فقط في العقوبات، وإنما في الانتقال من التعامل مع القرصنة بعد انتشار المحتوى إلى محاولة تعطيل منظومة الاستغلال غير المشروع نفسها.

    ويعتبر الخبير في الأمن السيبراني أن الجمع بين التعريف القانوني الأوسع للقرصنة، وصلاحيات البحث والمعاينة، وإمكانية اللجوء إلى القضاء لوقف النقل، يمكن أن يوفر أساسا أكثر ملاءمة لمواجهة القرصنة الرقمية، شرط أن تواكب هذه المقتضيات آليات تقنية قادرة على الرصد والتحديد السريع لمصادر البث غير المرخص.

  • الإعلام الإسباني يسقط في فخ التضليل وانتقائية شهادات قاصرين لمهاجمة المغرب

    الإعلام الإسباني يسقط في فخ التضليل وانتقائية شهادات قاصرين لمهاجمة المغرب

    تحولت أزمة العبور الجماعي من المغرب في 30 يوليوز الماضي إلى ساحة تنازع إعلامي داخل إسبانيا، بين روايات متضاربة وقصص إنسانية سريعة حول شباب وأطفال يقولون إنهم يريدون الدراسة والعمل ولا يرغبون في الرجوع إلى عائلاتهم.

    انزياح مهني عن الحقيقة

    في 19 غشت الجاري، نشرت “إل باييس” الإسبانية شريطا قصيرا عن وفاء عتيد، وعرّفها منذ البداية بأنها مغربية في الثامنة والعشرين دخلت سبتة سباحة.

    ركزت الصحيفة على روايتها بشأن الخلاف مع أسرتها، ورفضها ارتداء الحجاب، وشعورها بأن النساء في المغرب في مرتبة أدنى من الرجال.

    غير أن المعالجة المهنية غابت عن “إل باييس”، لأنها قدّمت قصة فردية عالية التأثير، مبنية أساسا على قول صاحبتها، من دون أن تضع أمام القارئ في اللحظة نفسها سجلها السابق الذي يغيّر صورة المرأة “المكبلة” إلى امرأة غادرت بيت أسرتها منذ سنوات، وعملت وسافرت، ثم تعذر عليها تثبيت إقامة قانونية خارج المغرب.

    بعد تصاعد الانتقادات، نشرت “إل باييس” في 21 غشت الجاري تقريرا أطول قالت في إن عتيد ليست مهاجرة باحثة عن ظروف اقتصادية مواتية، ونقلت عنها: “لست فقيرة”، وذكرت أنها عملت في الاستقبال وأقامت في الإمارات وسافرت إلى دول في الشرق الأوسط وإفريقيا، لكنها جاءت بعد أن انتشرت النسخة المختصرة المضللة والأكثر عاطفية من القصة.

    وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورا لعتيد وهي في قطر في دجنبر 2025، لمساندة المنتخب المغربي بملعب لوسيل حيث أجرب نهائي كأس العرب بين المغرب والأردن، وهو تناقض صارخ مع أي ادعاء مطلق بأنها لم تكن قادرة على السفر أو العمل.

    وانتقلت بعض المنابر الإسبانية إلى إصدار أحكام حاهزة، على غرار “إل ديباتي” التي أكدت أن وسائل الإعلام جعلت عتيد “لاجئة”، كما استخدمت مواقع أخرى تعبير “القادمة من الفقر”، مع أن متابعة “إل باييس” نقلت عنها العكس.

    من شهادات فردية إلى فخ التعميم

    وركزت الصحافة الإسبانية أيضا على القاصرين المغاربة غير المصحوبين، ففي 5 غشت الجاري، نشرت “إل فارو دي سوتا” شهادة يوسف، وهو فتى قال إن عمره 17 عاما وإن والدته مريضة ولا تملك الأسرة مالا لعلاجها، وأضاف أنه يريد العمل في إسبانيا ويفضل شوارع سبتة على العودة.

    وفي 14 شغت، نقلت “إل باييس” عن سراج، وسنه لا يتجاوز 16 عاما، أنه يريد البقاء لدراسة التكنولوجيا، وأنه سيحاول متابعة الدراسة في المغرب والعودة قانونيا إذا رُحّل. كما حرصت “إل إسبانيول” على وضع عبارة “لن نعود إلى المغرب” في عنوان “شامل” لآلاف القصارين، رغم أن المقال لم يتضم لا عدد ولا أوضاع هؤلاء القاصرين.

    وفي 20 و21 غشت، كررت “كادينا سير” و”20 مينوتوس” تصريح المدعية المنسقة لشؤون القاصرين، تيريسا خيسبرت، بأن القاصرين الذين كانت تُجرى معهم مقابلات لا يريدون العودة بل الانتقال إلى شبه الجزيرة، وأن آباء اتصلوا مرحبين بإيواء أبنائهم في نظام الحماية الإسباني.

    عودة أكثر من 95% تكذب الرواية الإسبانية

    تبدو الرواية التي قدمت المشاركين في أحداث 30 يوليوز باعتبارهم كتلة بشرية قطعت صلتها بالمغرب ورفضت العودة إليه رواية مهترئة أمام الأرقام الإسبانية نفسها.

    فقد أعلن وزير الداخلية الإسباني أن نحو 72 ألف شخص دخلوا سبتة خلال تلك الأحداث، بينما غادرها نحو 70 ألفا وعادوا باتجاه المغرب، أي ما يعادل أكثر من 97 في المئة من مجموع الوافدين. وهي نسبة لا تسمح بتقديم الواقعة باعتبارها هجرة جماعية نهائية لشباب يرفضون بلدهم، بل تؤكد أن الأغلبية الساحقة تراجعت وعادت خلال فترة قصيرة.

    هذه النسبة الصادرة عن السلطات الإسبانية، لا عن جهة مغربية. تؤكد أنه لم يبق في سبتة سوى جزء محدود من المشاركين، بينما عاد معظمهم طوعا، وهو معطى يناقض الصورة التي روجتها بعض المنابر الإسبانية عن عشرات الآلاف من المغاربة المصممين على عدم العودة، ويكشف أن حالات فردية جرى تضخيمها وتحويلها إلى موقف جماعي لا تدعمه الوقائع.

    وسقطت الصحافة الإسبانية في التعميم الإعلامي الذي اختزل الواقعة في عبارة “مغاربة يفرون من الفقر ويرفضون العودة”، متناسية نتائج التحقيقات الإسبانية، والتي أظهرت أن نسبة كبيرة من المشاركين في أحداث 30 و31 يوليوز الفارط تحركت تحت تأثير دعوات رقمية وصور مضللة واعتقاد بأن الطريق نحو أوروبا أصبح مفتوحا، ثم عادت عندما اصطدمت بحقيقة الحصار داخل سبتة واستحالة العبور نحو شبه الجزيرة الإيبيرية.

    من وعود العبور إلى العراء

    وجد المهاجرون غير النظاميون الذين ظلوا في سبتة أنفسهم أمام وضع إنساني مأساوي، فآلاف الأشخاص ناموا في الشوارع وعلى الشواطئ وفوق قطع الكرتون، بينما أقام آخرون ملاجئ بدائية وسط غياب الغذاء الكافي والمرافق الصحية وخدمات النظافة والرعاية الطبية.

    وتحولت سبتة المحتلة، التي قدمتها منشورات مواقع التواصل بوصفها بوابة سهلة نحو أوروبا، إلى فضاء مغلق يعيش فيه العالقون تحت المراقبة وفي ظروف شديدة الهشاشة.

    ولم يشكل القاصرون الاستثناء، فقد كشف الإعلام الإسباني الرسمي بأن مراكز سبتة كانت تستقبل في بداية الأزمة 862 قاصرا، رغم أن طاقتها النظامية لم تكن تتجاوز 29 سريرا، أي بنسبة اكتظاظ قاربت ثلاثة آلاف في المئة.

    وفي الوقت نفسه، ظل أطفال آخرون يتجولون في الشوارع أو يختبئون خوفا من إعادتهم، ومن بينهم أطفال صغار كانوا يبحثون عن هاتف للاتصال بأمهاتهم في المغرب وفق “RTVE” الإسبانية,

    ولم تكن مراكز إيواء البالغين في وضع أفضل، فقد تجاوز عدد المقيمين في أحد مراكز الاستقبال 700 شخص، رغم أن طاقته لا تتعدى 500 سرير، في حين اضطرت نساء إلى الإقامة داخل مخيمات وملاجئ عشوائية قرب المركز.

    وسجلت سلطات سبتة شكايات مرتبطة باعتداءات جنسية، كان معظم الضحايا المبلغ عنهم من القاصرين، ما يكشف عجز منظومة الاستقبال الإسبانية عن توفير الحماية الأساسية للأشخاص الذين شجعتهم صور “الفردوس الأوروبي” على دخول المدينة، لينتقل القاصرون خلال ساعات من وهم السفر نحو أوروبا إلى واقع النوم في العراء والاكتظاظ والخوف والاستغلال.

    المغرب يفتح باب الإعادة السريعة

    في مقابل هذا الوضع، أعلن المغرب فتح أبوابه أمام الراغبين في العودة، وأكد استعداده لاستقبال قاصريه، داعيا السلطات الإسبانية إلى تسريع الإجراءات المتعلقة بإعادة الأطفال إلى أسرهم في المغرب، وتجاوز التعقيدات الإدارية والقضائية التي تؤخر لمّ شملهم، مع مراعاة المصلحة الفضلى لكل قاصر.

    ويتعلق الأمر باستقبال فوري من الجانب المغربي وتسريع ملفات الإعادة الفردية، وليس بإعادة جماعية آلية تتجاوز الضمانات القانونية.

    وأمس الجمعة، قال وزير العدل عبد اللطيف وهبي، في تصريحات للقناة الثانية، إن المغرب يتمسك بضرورة تسريع ملف عودة القاصرين المغاربة في إسبانيا، والتي يضعها على رأس أولوياته في النقاش الجاري مع مدريد والاتحاد الأوروبي، مجددا التأكيد أن “المغرب يريد عودة قاصريه، بل أكثر من ذلك نحن مستعدون لنبعث الحافلات لنقلهم إلى المغرب، ونحن مستعدون للتعاون مع الإسبان لإعادتهم”.

    ويربط وهبي هذا الموقف بضرورة إيجاد معالجة تتجاوز الحلول الظرفية، معتبرا أن استمرار الوضع الحالي لا يخدم أي طرف، مشددا على أن “هذا الموضوع يهمنا نحن وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، ويجب أن نتعاون من أجل إيجاد حل لهذا المشكل، ليس حلا جزءيا أو ظرفيا، بل حلا طويل الأمد ونهائيا للتعامل مع هذا الموضوع وإيقافه، لأنه يؤدي إلى مآس إنسانية واجتماعية”.

    ويرى المغرب أن هؤلاء القاصرين فئة جرى التغرير بها، إذ ربطت وزارة الداخلية المغربية أحداث 30 يوليوز بالاستغلال المضلل للفضاء الرقمي، ونشر معلومات مغلوطة، وتحركات شبكات الاتجار بالبشر، فضلا عن ترويج تفسيرات خاطئة لبعض القرارات القانونية والإدارية الإسبانية، بما خلق وهما بإمكان دخول أوروبا والبقاء فيها من دون شروط أو عواقب.

  • ربع قرن من الرؤية الملكية للشباب.. مسار متكامل من التكوين إلى المشاركة

    ربع قرن من الرؤية الملكية للشباب.. مسار متكامل من التكوين إلى المشاركة

    على امتداد أكثر من ربع قرن، اتسعت الرؤية الملكية لقضايا الأجيال الصاعدة، من سؤال الإدماج في مسلسل الإنتاج ومحاربة البطالة، إلى إصلاح التعليم والتكوين، وتشجيع المبادرة والمقاولة، ثم الانفتاح على التكنولوجيا ومهن المستقبل، وتوسيع مجالات الثقافة والرياضة والتطوع، وصولا إلى المشاركة في الحياة العامة وصناعة القرار.

    وفي ذكرى عيد الشباب، التي يحتفل بها المغاربة في 21 غشت من كل سنة، تسمح العودة إلى الخطب والرسائل الملكية، وربطها بالأوراش التي تبلورت على امتداد سنوات العهد الجديد، بقراءة مسار لم يتشكل دفعة واحدة، وإنما تطور مع تغير حاجيات المجتمع والاقتصاد، فكلما برز تحد جديد أمام الشباب، اتسعت معه الإجابة، من الوظيفة إلى الكفاءة، ومن الكفاءة إلى المبادرة، ومن المبادرة إلى الابتكار، ومن ذلك كله إلى المشاركة.

    وهكذا، فإن الخيط الناظم لهذا المسار، الذي حظي بعناية ملكية خاصة، لا يكمن في تعدد البرامج والمشاريع، بقدر ما يكمن في انتقال تدريجي من منطق توفير الفرصة للشباب إلى بناء الشروط التي تمكنه من صناعة الفرصة والمساهمة في صناعة المستقبل.

    حين كان السؤال هو إدماج الشباب في الإنتاج

    في السنوات الأولى للعهد الجديد، كان التشغيل في صلب الرؤية الملكية تجاه الشباب، باعتباره مدخلا للإدماج الاقتصادي والاجتماعي.

    ففي الرسالة الملكية الموجهة إلى الوزير الأول حول المخطط الخماسي في دجنبر 1999، دعا جلالة الملك محمد السادس إلى “إدماج الشباب وفي مقدمته الشباب المتعلم في مسلسل الإنتاج”، مع استثمار طاقاته ومؤهلاته وتحفيزه على الإبداع والابتكار والاعتماد على الذات.

    وبعد أسابيع، في يناير 2000، وضع جلالة الملك بطالة الشباب ضمن إطار أوسع، مؤكدا أن معالجتها لا تكتسي أبعادا اقتصادية فقط، وإنما لها أيضا أبعاد اجتماعية وثقافية.

    ثم جاء خطاب ثورة الملك والشعب في 20 غشت 2000 ليمنح عيد الشباب نفسه معنى يتجاوز الاحتفال بالمناسبة، فقد قدم الملك الذكرى باعتبارها فرصة للالتقاء بـ”الأجيال الصاعدة والتواصل معها”، وإثارة القضايا والمشاكل التي تواجهها والبحث عن حلول ناجعة لها، حتى تنفتح على المجتمع وتندمج فيه بمواطنة إيجابية وفاعلة.

    التعليم يدخل قلب معادلة التشغيل

    مع مرور السنوات، أخذت العلاقة بين التعليم والتكوين والتشغيل مكانة أكبر في الخطاب الملكي؛ ففي خطاب عيد العرش لسنة 2009، ارتبط إصلاح التربية والتعليم والتكوين بتأهيل الموارد البشرية والبحث والابتكار وبناء اقتصاد المعرفة وتوفير الشغل المنتج للشباب.

    لكن محطة 20 غشت 2018 ستمنح هذا التحول صياغة أكثر وضوحا، ففي خطاب ثورة الملك والشعب، اعتبر الملك الشباب “الثروة الحقيقية للبلاد”، مؤكدا أنه لا يمكن مطالبة الشاب بأداء دوره “دون تمكينه من الفرص والمؤهلات اللازمة لذلك”.

    وفي الخطاب نفسه، انتقل التشخيص إلى جوهر العلاقة بين الشهادة وسوق العمل، بالتأكيد أنه “لا يمكن أن نقبل لنظامنا التعليمي أن يستمر في تخريج أفواج من العاطلين”، مع الدعوة إلى إعطاء الأولوية للتخصصات التي توفر الشغل، واعتماد التوجيه المبكر، وإعادة النظر في تخصصات التكوين المهني حتى تستجيب لحاجيات المقاولات والقطاع العام وتواكب التحولات التي تعرفها الصناعات والمهن.

    مدن المهن والكفاءات تجسد التحول

    لم يبق هذا التصور والتوجيهات الملكية في مستوى الخطاب، إذ انتقلت إلى ورش مؤسساتي مع خارطة الطريق لتطوير التكوين المهني التي قدمت أمام جلالته سنة 2019، وكان مشروع مدن المهن والكفاءات أحد أبرز مكوناتها.

    ولم تكن الفكرة مجرد إحداث بنايات جديدة، بل بناء جيل جديد من مؤسسات التكوين، يقوم على المهارات التطبيقية، والانفتاح على المهن الجديدة، وربط التخصصات بحاجيات الاقتصاد والجهات.

    وفي خطاب 20 غشت 2019، أكد جلالة الملك أهمية التكوين المهني في تأهيل الشباب، وخاصة في القرى وضواحي المدن، للاندماج المنتج في سوق الشغل، قبل أن يلخص التحول في معنى المسار الدراسي بالقول: “فالحصول على الباكالوريا، وولوج الجامعة، ليس امتيازا، ولا يشكل سوى مرحلة في التعليم. وإنما الأهم هو الحصول على تكوين، يفتح آفاق الاندماج المهني، والاستقرار الاجتماعي”.

    وسيأخذ هذا التصور شكلا ملموسا مع تدشين الملك محمد السادس، في 30 ماي 2023، لمدينة المهن والكفاءات لجهة الرباط-سلا-القنيطرة بتمسنا، باعتبارها منشأة من جيل جديد، تستهدف توفير تكوينات مرتبطة بحاجيات سوق الشغل والقطاعات الواعدة.

    وبذلك، أصبحت مدن المهن والكفاءات ترجمة مباشرة لفكرة ظل الخطاب الملكي يؤكدها: قيمة التكوين لا تقاس فقط بالحصول على شهادة، وإنما بما يمنحه من قدرة على الاندماج والتطور المهني.

    ويرى ياسين اصبويا، الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، أن هذا التحول يعكس انتقالا في طريقة بناء السياسات الموجهة إلى الشباب، موضحا أن الرؤية لم تعد تتعامل معه باعتباره فقط فئة تحتاج إلى وظيفة، وإنما باعتباره طاقة بشرية تحتاج إلى بناء مسار كامل قبل الوصول إلى سوق الشغل، بما يجعل التكوين والمهارات والقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية عناصر أساسية في عملية التمكين.

    من انتظار الوظيفة إلى صناعة الفرصة

    ولم تحصر الرؤية الملكية مستقبل الشباب في الوظيفة، ففي خطاب عيد العرش لسنة 2007، دعا جلالة الملك إلى دعم المبادرات الحرة وتشجيع وتحفيز الشباب على إحداث المقاولات الصغرى والمتوسطة، قبل أن تتجدد الدعوة في خطاب 2018 إلى خلق المقاولات ودعم التشغيل الذاتي والمقاولات الاجتماعية.

    وفي أكتوبر 2019، دخل التمويل بشكل مباشر في المعادلة، عندما وجه جلالة الملك الحكومة وبنك المغرب إلى التنسيق مع القطاع البنكي لوضع برنامج خاص لدعم الخريجين الشباب وتمويل المشاريع الصغرى للتشغيل الذاتي، مع توفير المواكبة الضرورية.

    وفي امتداد لهذا التوجه، ظهرت خلال السنوات اللاحقة برامج لخلق فرص العمل وتعزيز قابلية التشغيل بهدف خلق مداخل مختلفة للإدماج.

    ويقول اصبويا في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” إن “تشجيع المبادرة والمقاولة يعكس انتقالا من تصور يجعل الشاب في موقع الباحث عن فرصة فقط، إلى تصور يمنحه أيضا إمكانية صناعة هذه الفرصة”، مضيفا “لكن هذا الانتقال لا ينجح بالتمويل وحده، لأن المشروع يحتاج إلى المواكبة والتأطير والولوج إلى السوق والقدرة على الاستمرار”.

    ويشير المتحدث عينه إلى أن “تمكين الشباب اقتصاديا ينبغي أن يقاس بقدرته على بناء استقلالية حقيقية، وإنتاج الدخل وخلق فرص أخرى، وليس فقط بعدد المشاريع التي تم إطلاقها”.

    من محاربة الهشاشة إلى بناء الاستقلالية

    وتقدم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية مسارا آخر لفهم تطور موقع الشباب داخل السياسات العمومية، فمع المرحلة الثالثة، أصبح تحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب محورا قائما بذاته، من خلال دعم ريادة الأعمال والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، إلى جانب منصات الشباب التي تستقبل حاملي الأفكار وتوجههم وتواكب مشاريعهم.

    وهنا يتضح أن الشباب ليس كتلة واحدة تحتاج إلى الحل نفسه، فهناك من يحتاج إلى التكوين، ومن يحتاج إلى التوجيه، ومن يملك فكرة لكنه يحتاج إلى التمويل، ومن يحتاج إلى مواكبة تساعده على تحويل الفكرة إلى نشاط اقتصادي قابل للاستمرار.

    الشباب ليس اقتصادا فقط

    في خطاب 20 غشت 2012، أكد جلالة الملك محمد السادس أن “قضايا الشباب لا تتعلق فقط بالمجال الخاص أو العائلي، أو بما هو مرتبط بالتربية والتكوين والتعليم، وإنما هي قضية المجتمع برمته”.

    وكانت هذه العبارة مؤشرا على اتساع المقاربة، لأن تمكين الشباب لا يقتصر على الدخل، وإنما يشمل أيضا الثقافة والرياضة والتطوع والفضاءات الشبابية والمشاركة الاجتماعية.

    وأصبحت السياسة الشبابية من هذه الزاوية تسأل أيضا عن قدرة الشاب على ممارسة الرياضة، واكتشاف مواهبه، والولوج إلى الثقافة، والمشاركة في العمل التطوعي، وبناء علاقات أكثر قوة مع المجتمع.

    وهكذا انتقل مفهوم التمكين من الإدماج الاقتصادي إلى بناء شخصية شابة أكثر حضورا وفاعلية داخل المجتمع.

    إعداد جيل لاقتصاد يتغير

    ومع التحول الرقمي، ظهر سؤال جديد: إذا كانت السياسات السابقة تستهدف إدماج الشباب في اقتصاد قائم، فكيف يمكن إعدادهم أيضا لاقتصاد تتغير مهنه بسرعة؟

    وتحدث الملك منذ سنة 2000 عن قدرة التطور السريع للتكنولوجيات الحديثة على فتح المجال أمام “قدرات شبابنا الخلاقة”، ومع مرور السنوات، تحول هذا الرهان من مجرد استعمال التكنولوجيا إلى بناء قطاعات اقتصادية جديدة.

    وتبرز صناعة الألعاب الإلكترونية نموذجا واضحا، ففي ماي 2026، ترأس صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن الرباط افتتاح الدورة الثالثة من معرض المغرب لصناعة الألعاب الإلكترونية “Morocco Gaming Expo 2026″، المنظم تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس.

    وأكدت البوابة الرسمية أن افتتاح المعرض من طرف ولي العهد يجسد العناية الملكية المتواصلة بالشباب وتكوينه وانفتاحه على التكنولوجيات الحديثة، بما يمكنه من الاندماج في اقتصاد المستقبل.

    كما أن دورة 2026، المنظمة تحت شعار “Talent Marocain”، ركزت على إبراز إبداع ومهارات الشباب المغربي وربط الفاعلين في القطاع بفرص الأعمال والتكوين والاستثمار.

    التنمية الترابية تدخل معادلة الشباب

    ولا يمكن أن يكتمل هذا المسار دون ربط الشباب بالمجال الذي يعيش فيه، ففي خطاب 2025، برز رهان ملكي على جيل جديد من برامج التنمية الترابية، يقوم على وتيرة أسرع وأثر أقوى، وعلى اعتماد معطيات ميدانية دقيقة واستعمال التكنولوجيات الرقمية، مع إقامة علاقات أكثر تكاملا بين المجالات الحضرية والقروية.

    وتهم هذه الرؤية الشباب بصورة مباشرة، لأن الكفاءة وحدها لا تكفي إذا كان المجال الذي يعيش فيه الشاب لا يوفر فرصا اقتصادية وتكوينية وثقافية كافية.

    ومن هنا يلتقي رهان الشباب مع رهان التنمية الترابية، فكلما أصبح المجال قادرا على إنتاج الفرص، أصبح نجاح الشاب أقل ارتباطا بضرورة مغادرة مدينته أو قريته.

    الشباب يقترب من مربع السياسة

    وصلت دائرة التمكين إلى المجال السياسي، حيث لم يعد الشباب في “العهد الجديد” مجرد مستفيد من السياسات العمومية، وإنما أصبح طرفا في إنتاجها وصناعة القرار بشأنها.

    وكان الملك محمد السادس قد أكد في خطاب افتتاح البرلمان سنة 2017 أن تأهيل الشباب المغربي وانخراطه الإيجابي والفعال في الحياة الوطنية يعد من أهم التحديات التي ينبغي رفعها، مع التأكيد أن الشباب، الذي يمثل أكثر من ثلث السكان، يجب اعتباره محركا للتنمية وليس عائقا أمامها.

    وقبل ذلك، ربط جلالة الملك، في خطاب 20 غشت 2011، ربط الدينامية الخلاقة للشباب بمواصلة حمل مشعل بناء المغرب، وبالمواطنة والمشاركة في رفع تحديات البلاد.

    وفي أفق الانتخابات التشريعية لسنة 2026، يكتسب دعم حضور الشباب داخل المؤسسات المنتخبة معنى يتجاوز مجرد تجديد النخب، فالمسار الذي بدأ من المدرسة والتكوين، ثم انتقل إلى الشغل والمبادرة والابتكار، يطرح في نهايته سؤال امتلاك الشباب موقعا في صناعة القرار الذي يرسم مستقبل البلاد.

    ويقول ياسين اصبويا، الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، إن “دعم مشاركة الشباب في انتخابات 2026 يكتسب أهميته لأنه ينقل مفهوم التمكين من المجال الاقتصادي والاجتماعي إلى المجال السياسي، لكن التحدي لا يكمن فقط في وصول الشباب إلى المؤسسات، وإنما في أن يتحول حضورهم إلى مشاركة مؤثرة في صناعة السياسات والقرارات”.

    وأضاف أن “التمثيلية لا تكتمل بمجرد وجود شاب داخل لائحة انتخابية، وإنما عندما يصبح الشباب جزءا من عملية إنتاج القرار نفسها، وتصبح الأحزاب والمؤسسات أكثر انفتاحا على الأجيال الجديدة وقدرة على بناء الثقة معها”.

    من “الثروة الحقيقية” إلى الجيل الذي يصنع المستقبل

    وعند جمع هذه المحطات، لا تظهر أمامنا برامج متفرقة بقدر ما يظهر مسار تطور في مفهوم الشباب نفسه، ففي البداية، كان السؤال هو البطالة وإدماج الشباب في مسلسل الإنتاج، ثم أصبح السؤال مرتبطا بجودة التعليم والتكوين وملاءمتهما مع حاجيات الاقتصاد، وبعدها توسع الرهان إلى المقاولة والتمويل والإدماج الاقتصادي، ثم إلى الثقافة والرياضة والتطوع والتكنولوجيا ومهن المستقبل، قبل أن يصل إلى المشاركة في الحياة العامة.

    ويأتي خطاب عيد العرش لسنة 2023 ليمنح هذه الرؤية بعدا آخر، عندما قال الملك محمد السادس: “فالشباب المغربي، متى توفرت له الظروف، وتسلح بالجد وبروح الوطنية، دائما ما يبهر العالم”، مستحضرا الإنجاز التاريخي للمنتخب الوطني في كأس العالم قطر 2022.

    ومن هنا يمكن قراءة أكثر من ربع قرن من التوجيهات الملكية في عيد الشباب في أن الرهان لم يعد فقط على ما يمكن أن تقدمه الدولة للشباب، وإنما على بناء الشروط التي تمكن الشباب من تقديم ما لديهم للمغرب.

    وفي ذكرى عيد الشباب، تبدو هذه المحطات حلقات داخل تصور أوسع يجعل من الأجيال الصاعدة جزءا من مشروع المغرب الصاعد، فالمغرب الذي يراهن على موقع متقدم في الاقتصاد والتكنولوجيا والرياضة والتنمية لا يحتاج فقط إلى شباب يبحث عن مكان له داخله، وإنما إلى جيل يمتلك الكفاءة، ويصنع الفرصة، ويشارك في القرار، ويجد في بلده المجال الذي يسمح له بتحويل طموحه إلى إنجاز.

  • تزامنا وأزمة سبتة.. منصة حكومية إسبانية تفصل الصحراء رقميا عن المغرب وتخترِع “جنسية صحراوية”

    تزامنا وأزمة سبتة.. منصة حكومية إسبانية تفصل الصحراء رقميا عن المغرب وتخترِع “جنسية صحراوية”

    في مفارقة صريحة وغريبة مع الموقف السياسي للدولة الذي أعلنته مدريد منذ 2022، فصلت منصة رسمية تابعة للحكومة الإسبانية الأقاليم الجنوبية عن باقي تراب المملكة، سواء في الخريطة أو في تصنيفاتها الإحصائية إذ أفرد المرصد الدائم للهجرة لما يسميه “الصحراء الغربية” ملفا مستقلا عن المغرب، فيما تذهب قواعد البيانات الحكومية أبعد من الفصل الجغرافي باستخدام توصيف “مواطنين من الصحراء الغربية” وإدراج الإقليم ضمن خانة “بلد الجنسية” وهو تصنيف صادر من داخل الإدارة الإسبانية يضعها أمام تناقض مع موقف حكومة بيدرو سانشيز.

    وبينما تواصل مدريد، على منصات الدبلوماسية الرسمية للبلاد وفي أروقة الأمم المتحدة، التمسك بموقفها المعلن منذ 14 مارس 2022، والقاضي باعتبار مبادرة الحكم الذاتي المغربية “الأساس الأكثر جدية ومصداقية وواقعية” لتسوية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، خرجت المنصة التابعة للحكومة الإسبانية نفسها لتبرز هذا الشرخ العميق داخل الجهاز الإداري للدولة، والذي لم يعد ممكنا إخفاؤه أو ردّه إلى “خطأ فني” غير مقصود سيما وأن  الإدارة الإسبانية تشغّل، بصمت ودأب، سردية موازية تنفي ما اعترف به رئيس حكومتها في رسالته إلى جلالة الملك محمد السادس.

    ففي 16 يوليوز الجاري، حدّث المرصد الدائم للهجرة التابع لوزارة الضمان الاجتماعي والهجرة الإسبانية، أداته الإحصائية المعروفة بـ”مؤشرات الهجرة حسب الجنسية”، وهي أداة تبدو للوهلة الأولى، بيروقراطية محضة تتضمن خرائط، جداول، قوائم منسدلة، مذكرة تفسيرية من 26 صفحة، لكن القراءة المتأنية لبنيتها والتي أجرتها “AM+MEDIA” تكشف أن المنصة ليست أداة محايدة لتوليد أرقام بل بنية سياسية إدارية كاملة تنتج، على مدار الساعة، سردية معاكسة تماما للموقف الرسمي للدولة الإسبانية.

    اللافت أن ما يقدم في الواجهة بوصفه “توصية فنية من المعهد الوطني للإحصاء (INE) وأوروستات”، وهي الحجة الدفاعية الجاهزة التي تضعها المنصة في تذييل خرائطها، ينهار عند أول اختبار.

    فالمنصة نفسها في تقريرها المخصص للصحراء، تعترف صراحة بأن “المعهد الوطني للإحصاء الإسباني لا يفرد الصحراء الغربية بخانة مستقلة، بل يدرج الأشخاص القادمين منها ضمن خانة ‘بلدان إفريقية أخرى’، أي أن المرصد الدائم للهجرة بشكل استثنائي ومقصود، خرج عن مرجعيته الإحصائية الوطنية ليتبنّى تصنيفا أشد حدة، وأكثر توافقا مع أطروحات جبهة البوليساريو الانفصالية منه مع الموقف الرسمي للدولة التي يشتغل تحت لوائها، والتي تدافع عن سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية في أروقة الأمم المتحدة.

    هنا يطرح السؤال الأول الذي لن تستطيع مدريد التهرّب منه، سيما وأننا في قلب أزمة بين البلدين تتعلق أساسا بالهجرة، وهو من أعطى وزارة حكومية صلاحية الذهاب أبعد من التوصيات الرسمية للمعهد الوطني للإحصاء، في اتجاه يناقض السياسة الخارجية للدولة؟

    ولم يعد ممكنا وصف ما نشرته المنصة واطلعت عليه “AM+MEDIA”، بأنه “زلّة إدارية أو تقنية”، فالفصل بين المغرب والصحراء جازم ومتعدد الطبقات، سواء على مستوى القائمة المنسدلة “بلد الجنسية” (País de nacionalidad)، التي تظهر “Marruecos” وما تصفه زورا بـ”Sahara Occidental” كخانتين مستقلتين ضمن 203 مداخل، وحين يختار المستخدم ما يوصف بـ”الصحراء الغربية”، يتم تصنيفها آليا كبلد ضمن منطقة “إفريقيا”، منفصل عن المغرب.

    على مستوى الخريطة التفاعلية، يطبع الإسمان جنبا إلى جنب كتسميتين مستقلتين، وحين ينقر المستخدم على المنطقة الجنوبية، تنقله المنصة إلى ملف منفصل تماما عن ملف المغرب.

    على مستوى الملفات والتقارير، للصحراء رابط خاص بها يتضمّن خمسة أقسام إحصائية، مقابل تقرير المغرب في المسار الذي يضم 13 قسما، أي أن الفصل ليس مجرد خانة في قائمة، بل بنية توثيقية موازية تنتج وثيقتين مستقلتين لدولة واحدة.

    على مستوى الملحق التفسيري الرسمي، وهذا هو الأخطر، يتضمّن الملحق الثاني من المذكرة التفسيرية جدولا ثلاثي الأعمدة يوزّع الأقاليم على بلدان الجنسية والمناطق الجغرافية، والفحص الدقيق الذي قامت به “AM+MEDIA” لهذا الجدول يكشف مفارقة لا تحتمل التأويل، فبورتوريكو تنسب إلى الولايات المتحدة، وكاليدونيا الجديدة، ومايوت، وريونيون تنسب إلى فرنسا، وجزر مالوين، وجزر العذراء تنسب إلى المملكة المتحدة.

    أما الصحراء المغربية فتنسب إلى نفسها، أي أن الأقاليم غير السيادية في العالم كلها تلحق، في وثائق مدريد نفسها، بدولها المدبِّرة، باستثناء وحيد ومقصود هو الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، وهذا ليس تصنيفا فنيا بل موقفا سياسيا مرمزا في جدول إحصائي.

    وتذهب المنصة وفق ما عاينته “AM+MEDIA” أبعد من الفصل الجغرافي إلى إنتاج معجم سياسي بأكمله، فالتقرير المخصص للصحراء لا يتردد في استعمال عبارات من قبيل “الجنسية الصحراوية” “”nacionalidad saharaui” أو”مواطنو الصحراء الغربية”، و”أشخاص قادمون من الصحراء الغربية”، كما يقدّم أرقاما تفصيلية تكرّس هذا المعجم في المتخيل الإداري، بما فيها أن 1328 شخصا من “الجنسية الصحراوية” منخرطون في الضمان الاجتماعي الإسباني إلى غاية 29 ماي 2026، و13 شخصا من “مواطني الصحراء الغربية” طلبوا الحماية الدولية سنة 2025، و1472 شخصا “قادمون من الصحراء الغربية” طلبوا وضع اللاجئ عديم الجنسية خلال سنة 2024، أي 71% من إجمالي طلبات “انعدام الجنسية” في إسبانيا، و192 شخصا “من جنسية صحراوية سابقة” حصلوا على الجنسية الإسبانية منذ 2009.

    الأخطر أن المنصة تقرّ صراحة بأن السجل المركزي للأجانب “RCE” يقبل ما يصفه بـ”الصحراء الغربية” كبلد جنسية لصاحب وثيقة الإقامة، أي أن الدولة الإسبانية من خلال إدارتها الداخلية، تصدر وثائق رسمية تحمل شعارها تسجل فيها “جنسية صحراوية” لأشخاص هم وفق الاعتراف السياسي الذي أعلنته الحكومة نفسها مغاربة، وهذا ليس تفصيلا بيروقراطيا بل إنتاجا يوميا لواقع قانوني مضاد لموقف الدولة يتراكم منذ سنوات ويترسّخ في السجلات والملفات وقواعد البيانات.

    ثمة مفارقة إضافية تستحق التوقف، وهي أن التقرير نفسه يعترف بأن 82 بالمئة من الأشخاص الذين حصلوا في إسبانيا على وضع اللاجئ “عديم الجنسية” إلى غاية مارس 2026 ولدوا في الصحراء المغربية، أي أن الإدارة الإسبانية تستقبل وتنظّم وتحصي وتموّل  ضمنا بنية كاملة لمنح صفة “انعدام الجنسية” لأبناء إقليم تعترف حكومتها رسميا بمغربيته، وهو ما يعني بلغة السياسة أن دافع الضرائب الإسباني يموّل عبر آليات إدارية بنية إنتاجِ “لا مغربية” لا يقرّها موقف حكومته الرسمي.

    يكتسب هذا التناقض حدته حين يقرأ على خلفية التسلسل الدبلوماسي الذي راكمته مدريد منذ 2022، ففي 14 مارس 2022، وجّه بيدرو سانشيز رسالته الشهيرة إلى الملك محمد السادس، معلنا التحول التاريخي في موقف إسبانيا.

    وفي أبريل من السنة نفسها، اجتمع في الرباط مع الملك محمد السادس ليطلقا “مرحلة جديدة” في العلاقات الثنائية، كما أنه وفي فبراير 2023 رسّخ الاجتماع رفيع المستوى الثاني عشر بالرباط هذا الموقف في إعلان مشترك.

    و في 31 أكتوبر 2025، أصدر مجلس الأمن الدولي قراره التاريخي رقم 2797، الذي كرّس أن “حكما ذاتيا حقيقيا تحت السيادة المغربية يشكّل الحل الأكثر واقعية” لحل النزاع المفتعل حول الصحراء، وتلاه ترحيب مدريد، في دجنبر من العام ذاته، بهذا القرار خلال الاجتماع الرفيع المستوى الثالث عشر بالعاصمة الإسبانية، مؤكدة في النقطة الثامنة من الإعلان المشترك “التزامها بموقفها المعبر عنه منذ 7 أبريل 2022”.

    وهذا يعني، أن أربع سنوات وأربعة أشهر من البناء الدبلوماسي، التي توجه تحت مؤطر قرار أممي صريح يتحدث عن “السيادة المغربية”، رحّبت به مدريد رسميا، ومع ذلك، بعد ثمانية أشهر فقط من ذلك القرار، تحدّث وزارة إسبانية منصتها الرقمية، فتبقي على “الصحراء الغربية” بلد جنسية مستقلا وتبقي على “الجنسية الصحراوية” فئة إدارية سارية وتبقي على الخريطة المفصولة كما هي.

    ولا يحتمل هذا التناقض سوى قراءتين، كلتاهما تحرج الحكومة الإسبانية، الأولى، مفادها أن ما يجري هو عجز إداري عن ترجمة القرار السياسي إلى بنية تصنيفية، وهي قراءة إن قبلتها مدريد تفضح ضعف قبضة الحكومة على أجهزتها، وتطرح تساؤلا مؤسّسا حول جدية الالتزامات الإسبانية تجاه شراكتها الاستراتيجية مع الرباط،وهي الشراكة التي أعادت إحياء ملفات الهجرة والأمن والاستثمار والتبادل التجاري.

    القراءة الثانية الأشد خطورة، أن قطاعات داخل الإدارة الإسبانية، وربما داخل بعض الوزارات الحساسة، تمارس شكلا من المقاومة الصامتة للتحول الذي أقرّه رئيس الحكومة، وتواصل تشغيل بنى تصنيفية موروثة من الحقبة الاستعمارية وهي أن الصحراء كانت مستعمرة إسبانية حتى 1975 أو متأثرة بجماعات ضغط إسبانية تاريخيا هي قريبة من جبهة البوليساريو الانفصالية.

    هذه القراءة تحوّل السؤال إلى سياسي صرف حول هوية من يقف داخل الجهاز الإداري الإسباني ويقاوم قرار سانشيز ويسمح له بذلك، سيما وأن هذا يتزامن والأزمة بين البلدين بسبب ملف الهجرة، وإصرار الجانب الإسباني على الإبقاء على القاصرين غير المصحوبين فوق أراضيها رغم المطالب المتكررة للمغرب.

    وخطورة ما يحدث يكمن في أنه مع استمرار هذه المنصة الاشتغال بمعجمها الحالي، تنتج آثارا عملية، إذ تتراكم في السجلات الإسبانية آلاف الوثائق التي تثبت ما تصفه افتراء”جنسية صحراوية” لأشخاص يحمل أغلبهم قانونيا الجنسية المغربية، وهذه الوثائق ستتحول مع الزمن إلى مادة أرشيفية قانونية يمكن استعمالها في سياقات تقاض دولية أو في ملفات لجوء أو في نزاعات إدارية، لصالح أطروحات تناقض موقف الدولة الإسبانية المعلن.

    وتشكّل هذه المنصة أيضا مرجعا مفتوحا يستشهد به الباحثون والصحافيون والمنظمات غير الحكومية والبرلمانيون الأوروبيون كوثيقة حكومية إسبانية رسمية، أي أن الدولة الإسبانية تنتج ذخيرة حجج لخصوم الموقف الذي تتبناها هي نفسها.

    الأخطر، أن استمرار هذا الوضع يقدّم لكل الفاعلين الدوليين المتردّدين رسالة ضمنية مفادها أن الاعتراف الإسباني بالمبادرة المغربية للحكم الذاتي قد لا يكون التزاما كاملا للدولة، بل موقفا سياسيا ظرفيا لرئيس الحكومة، قابلا للنقض من داخل جهازه الإداري.

    وفي العلاقات الدولية، السيادة تقاس بالتفاصيل، فحين توقّع دولة ما إعلانا مشتركا تقرّ فيه بأن الحكم الذاتي سيمارس “تحت السيادة المغربية”، وهي الصيغة التي استعادها الإعلان الأخير لمدريد في دجنبر 2025، فإن أدنى مستويات الاتساق تقتضي أن تنعكس هذه السيادة في وثائق الدولة، وفي خرائطها، وفي سجلاتها، وفي منصاتها الرقمية.

    ولا يكفي أن توقّع مدريد رسائل إلى الملك وبيانات في مجلس الأمن، وإعلانات مشتركة في القمم الرفيعة المستوى، فالمطلوب اليوم فعل إداري ملموس يكمن في حذف كل ما يمس بالوحدة الترابية للمغرب، بدمج تقارير المرصد الدائم للهجرة في وثيقة واحدة تعكس الوحدة الترابية للمملكة المغربية كما اعترف بها رئيس الحكومة الإسبانية.

  • ثورة الملك والشعب.. من منفى محمد الخامس إلى فجر الاستقلال

    ثورة الملك والشعب.. من منفى محمد الخامس إلى فجر الاستقلال

    دخل المغرب صيف 1953 واحدة من أكثر لحظات تاريخه المعاصر حساسية، بعدما بلغ التوتر بين السلطان محمد الخامس وسلطات الحماية مستوى لم تعد معه الضغوط السياسية كافية لضبط المشهد، في وقت كانت فيه الحركة الوطنية توسع مطالبها، ويتقدم التقارب بينها وبين القصر حول مستقبل البلاد.

    اختارت سلطات الحماية أن تكسر هذه المعادلة من أعلى سلطة في البلاد، ففي 20 غشت، أبعدت السلطان محمد الخامس رفقة أسرته عن المغرب، ونصبت محمد بن عرفة مكانه، في رهان لم يكن يستهدف تغيير السلطان فقط، بل فصل العرش عن الحركة الوطنية وإعادة ترتيب موازين القوة بما يسمح باستمرار الحماية.

    لكن القرار أعطى نتيجة معاكسة لما كانت تنتظره سلطات الحماية، فبعد نفي محمد الخامس، أولا إلى كورسيكا ثم إلى مدغشقر، تصاعد رفض المغاربة للقرار، واتسعت المقاومة، وأصبحت المطالبة بعودة السلطان ترتبط أكثر فأكثر بالمطالبة بإنهاء الحماية واستقلال المغرب.

    وبين 20 غشت 1953 و16 نونبر 1955، انقلبت المعادلة، ونجحت سلطات الحماية في إبعاد محمد الخامس عن بلاده، لكنها لم تنجح في نقل شرعيته إلى البديل الذي اختارته.

    حين أصبح الخلاف حول مستقبل المغرب

    وتروي كتب التاريخ أن الأزمة لم تبدأ في غشت 1953، بل سبقتها سنوات من التوتر المتصاعد بين القصر وسلطات الحماية، بالتوازي مع تطور الحركة الوطنية وانتقال مطالبها تدريجيا من الإصلاح إلى المطالبة بالاستقلال.

    وشكل تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944 محطة أساسية في هذا المسار، قبل أن تأتي زيارة “أب الأمة” محمد الخامس إلى طنجة في أبريل 1947 لتمنح المرحلة دلالة سياسية أكبر، في وقت كان فيه النقاش حول مستقبل المغرب ووحدته وسيادته يتقدم داخل الحركة الوطنية.

    ومع بداية الخمسينيات، لم يعد الخلاف مع الإقامة العامة مرتبطا بملفات متفرقة، بل أصبح موقع السلطان نفسه داخل المعادلة التي أقامتها الحماية منذ 1912 جزءا من الأزمة، فقد تعزز التقارب بين السلطان محمد الخامس والحركة الوطنية، في مقابل ضغوط متزايدة لإبعاده عنها ودفعه إلى مواقف أكثر انسجاما مع ما تريده سلطات الحماية.

    لذلك، لم يكن 20 غشت حدثا مفاجئا أو معزولا، بل جاء في نهاية مسار من الضغط والتوتر ومحاولات إعادة ضبط موقع القصر داخل المشهد السياسي.

    وفي قراءة لهذه المرحلة، يعتبر المؤرخ نور الدين بلحداد أن قرار النفي لا يمكن فصله عن السياق الذي سبقه، موضحا أن “نفي السلطان محمد الخامس في 20 غشت 1953 لا يمكن فهمه وحده دون العودة إلى المسار الذي سبق هذه المرحلة، خصوصا وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944، وخطاب طنجة سنة 1947، والتقارب الذي بدأ يكبر بين السلطان والحركة الوطنية”.

    لكن بلحداد أكد أن المسار غير تدريجيا نظرة سلطات الحماية إلى محمد الخامس، بعدما بدأت ترى أنه “لم يعد مجرد سلطان يمكن ممارسة الضغط عليه، وإنما أصبح رمزا وطنيا يلتقي حوله العرش والحركة الوطنية وجزء كبير من المغاربة”.

    ويضيف أن “الهدف من النفي لم يكن فقط إبعاد محمد الخامس عن القصر، وإنما كان كذلك محاولة لضرب العلاقة التي كانت تتقوى بين العرش والحركة الوطنية واسترجاع التحكم في المشهد السياسي”.

    وفي الأيام التي سبقت النفي، تسارعت التحركات المعارضة لمحمد الخامس بدعم من سلطات الحماية، وصولا إلى الدفع بمحمد بن عرفة، لتحاصر القوات التابعة للإقامة العامة القصر الملكي بالرباط في 20 غشت، قبل إبعاد السلطان محمد الخامس وأسرته عن البلاد، أولا إلى كورسيكا ثم إلى مدغشقر.

    من البيعة إلى ثورة الملك والشعب

    لم تبدأ علاقة العرش العلوي بمكونات المجتمع المغربي مع أحداث 20 غشت، إذ شكلت البيعة تاريخيا إحدى الآليات التي انتظمت عبرها العلاقة بين السلاطين العلويين ومكونات المجتمع، ضمن استمرارية الدولة المغربية قبل فرض الحماية سنة 1912.

    وجاءت مرحلة محمد الخامس لتضيف إلى هذا الامتداد التاريخي بعدا وطنيا ارتبط بالتحولات التي عاشها المغرب خلال سنوات الحماية، وبالتقارب الذي تشكل بين السلطان والحركة الوطنية في سياق تصاعد مطلب الاستقلال.

    وهذه الخلفية تساعد على تفسير أحد جوانب الخطأ في الحسابات الفرنسية، فسلطات الحماية استطاعت تغيير الشخص الموجود في القصر، لكنها تعاملت مع الأمر كما لو أن تغيير السلطان يكفي تلقائيا لنقل المكانة والقبول اللذين أصبح محمد الخامس يحظى بهما إلى البديل الذي اختارته.

    ويتوقف بلحداد عند هذه النقطة، معتبرا أن فرنسا “كانت تراهن على أن تنصيب محمد بن عرفة يمكن أن يفرض واقعا جديدا، لكن هذا كان واحدا من الأخطاء الكبيرة، لأنها تعاملت مع العرش وكأنه مجرد موقع سياسي يمكن تغيير الشخص الموجود فيه وتستمر الأمور بشكل عادي”.

    ويربط المؤرخ ذلك بالامتداد التاريخي للعلاقة بين العرش والمغاربة، موضحا أن سلطات الحماية “لم تستوعب بشكل كاف أن العلاقة بين المغاربة والعرش لها امتداد تاريخي، وأن البيعة كانت دائما جزءا من هذه العلاقة، ومع محمد الخامس أضيف إليها بعد وطني مرتبط بالتحرر والاستقلال”.

    ويمتد هذا المعطى، بحسب بلحداد، إلى المناطق الصحراوية، حيث يستحضر روابط البيعة التاريخية بين قبائل صحراوية والسلاطين العلويين، إلى جانب مظاهر التضامن مع محمد الخامس والمطالبة بعودته خلال مرحلة النفي.

    بهذا المعنى، لم تكن المشكلة التي واجهت سلطات الحماية مرتبطة فقط بمن يوجد داخل القصر، وإنما بقدرتها على جعل التغيير الذي فرضته من الأعلى مقبولا على الأرض.

    سلطان في المنفى

    على الورق، بدا مخطط سلطات الحماية قادرا على إنتاج واقع جديد، فالسلطان الشرعي محمد الخامس خارج البلاد، ومحمد بن عرفة على العرش، والإقامة العامة أمام فرصة لإعادة الإمساك بالمشهد.

    لكن ما لم تستطع القوة فرضه كان قبول المغاربة بهذا الترتيب، إذ يختصر بلحداد هذه المفارقة بالقول: “استطاعوا نفي محمد الخامس بالقوة، لكنهم لم يستطيعوا نقل شرعيته بالطريقة نفسها إلى محمد بن عرفة، لأن الشرعية لا تنتقل بقرار إداري، وليس مجرد وضع شخص على العرش يعني أنه سيأخذ المكانة نفسها لدى المغاربة”.

    وتشكل هذه العبارة مدخلا لفهم ما جرى بعد 20 غشت، فسلطات الحماية امتلكت الوسائل التي مكنتها من تغيير السلطان، لكنها لم تستطع أن تمنح البديل المكانة نفسها التي راكمها محمد الخامس خلال السنوات السابقة.

    وبدل أن يؤدي النفي إلى إنهاء حضوره في المشهد، أصبح السلطان المنفي أكثر ارتباطا بخطاب الحركة الوطنية والمقاومة، فيما تحولت المطالبة بعودته إلى أحد العناوين المركزية للمواجهة مع سلطات الحماية.

    وبدأت تداعيات القرار تظهر سريعا، وشهد المغرب احتجاجات وتحركات مقاومة، وتشكلت خلايا فدائية وتنظيمات سرية، وتصاعدت العمليات ضد الوجود الاستعماري.

    وفي 11 شتنبر 1953، بعد أسابيع قليلة من النفي، حاول المقاوم علال بن عبدالله استهداف محمد بن عرفة، في واقعة ستصبح واحدة من أبرز رموز المقاومة المغربية خلال تلك المرحلة.

    ولم يظل الرفض محصورا داخل الحركة الوطنية أو في بعض المراكز الحضرية، إذ يشير بلحداد إلى أن رد الفعل امتد إلى مناطق مختلفة من المغرب، وهو ما يعكس، في قراءته، أن القضية تجاوزت حدود صراع سياسي بين الإقامة العامة والتنظيمات الوطنية.

    وبذلك بدأت معادلة 20 غشت تنقلب، فأصبح محمد الخامس خارج المغرب، لكنه حاضر في قلب المواجهة داخله، بينما يوجد محمد بن عرفة في البلاد دون أن يتمكن من اكتساب الشرعية التي كان يفترض أن تسمح بتثبيت الوضع الجديد.

    حين تحولت عودة السلطان إلى معركة استقلال

    راكمت الحركة الوطنية قبل 1953 سنوات من العمل السياسي والتنظيمي والاحتجاجي، لكن نفي محمد الخامس نقل المواجهة إلى مرحلة مختلفة، فالمساس بالعرش وسع دائرة الأزمة إلى أبعد من التنظيمات السياسية، وأصبحت المطالبة بعودة السلطان تتقاطع بصورة متزايدة مع مطلب إنهاء الحماية.

    ويرى بلحداد أن النفي “غير طبيعة المواجهة”، موضحا أن الحركة الوطنية كانت قبل 1953 تراكم العمل السياسي والمطالبة بالإصلاح ثم الاستقلال، قبل أن يدخل المغرب بعد نفي محمد الخامس مرحلة اتسعت فيها المقاومة والعمل الفدائي.

    ومع مرور الأشهر، تصاعدت العمليات الفدائية والمقاومة المسلحة، قبل انطلاق عمليات جيش التحرير في شمال المغرب في أكتوبر 1955، في وقت كانت فيه سلطات الحماية تواجه أزمة لم يعد ممكنا احتواؤها بالطريقة التي سبقت قرار النفي.

    ويشرح بلحداد هذا التحول قائلا: “مع الوقت أصبح مطلب رجوع محمد الخامس مرتبطا بشكل مباشر بإنهاء الحماية والاستقلال، وهنا وقع العكس مما كانت تريده سلطات الحماية. فبدل أن يضعف النفي الحركة الوطنية ويعزل السلطان عنها، زاد من تقارب العرش والشعب ووسع دائرة المواجهة ضد الحماية”.

    من النفي إلى العودة

    فصلت سنتان وثلاثة أشهر تقريبا بين خروج السلطان محمد الخامس من المغرب وعودته إليه، لكنها كانت كافية لتغيير ميزان الأزمة.

    وتواصلت المقاومة واتسعت، ولم ينجح تنصيب محمد بن عرفة في إنتاج الاستقرار الذي كانت تنتظره سلطات الحماية، فيما ازدادت القضية المغربية تعقيدا بالنسبة إلى فرنسا، بالتزامن مع تصاعد حركات التحرر في شمال إفريقيا.

    ومع استمرار الأزمة، أصبح البحث عن تسوية سياسية يمر عبر السلطان الشرعي محمد الخامس نفسه، ويرى بلحداد أن هذه الحصيلة تجعل قرار النفي “واحدا من أكبر الأخطاء السياسية لسلطات الحماية”، لأنها أرادت “أن تفرق الملك عن الشعب، لكن النتيجة كانت أنها زادت من تقاربهما”.

    وفي 16 نونبر 1955، عاد محمد الخامس إلى المغرب، ولم تكن العودة مجرد نهاية لمنفى بدأ في غشت 1953، بل جاءت في سياق تغيرت فيه موازين المواجهة وسقط فيه عمليا رهان السلطان البديل.

    ويعتبر بلحداد أن عودة محمد الخامس “لم تعد مجرد مسألة رجوع سلطان إلى العرش، وإنما أصبحت جزءا أساسيا من حل الأزمة والمسار الذي سيقود إلى استقلال المغرب”.

    وكان السلطان الذي أخرج من البلاد لإضعاف موقعه يعود إليها وقد أصبحت عودته جزءا من الحل السياسي، بينما دخل المغرب المرحلة الحاسمة من المسار الذي سيقود خلال 1956 إلى إنهاء نظام الحماية واستعادة الاستقلال.

    وانتهت بذلك تجربة بدأت بمحاولة إبعاد السلطان محمد الخامس عن المعادلة بنتيجة معاكسة، وسقط رهان محمد بن عرفة، فيما أصبحت نهاية الحماية أقرب مما كانت عليه لحظة اتخاذ قرار النفي.

    من معركة التحرير إلى مغرب اليوم

    بعد أكثر من سبعة عقود، لا تستعيد ذكرى ثورة الملك والشعب واقعة نفي محمد الخامس وحدها، بل تستحضر واحدة من اللحظات التي كشفت طبيعة العلاقة بين العرش والمغاربة في مرحلة حاسمة من تاريخ المغرب.

    وبالنسبة إلى بلحداد، فإن “ثورة الملك والشعب ليست فقط حدثا وقع في 20 غشت 1953، وإنما لحظة تاريخية بينت بشكل واضح طبيعة العلاقة بين العرش والمغاربة في ظرف كان حاسما”.

    لكن المؤرخ ذاته لا يحصر دلالة هذه العلاقة في مرحلة الحماية، إذ يعتبر أنها “لم تبدأ سنة 1953 ولم تنته مع الاستقلال، وإنما الذي تغير هو طبيعة التحديات التي يجتمع عليها المغرب”.

    ففي الخمسينيات كان التحدي هو التحرر والاستقلال، قبل أن تنتقل الوحدة الترابية إلى قلب مرحلة أخرى من تاريخ المملكة، وهو ما يربطه بلحداد بالمسيرة الخضراء باعتبارها إحدى المحطات الكبرى التي جاءت لاحقا.

    أما اليوم، فيرى أن طبيعة الرهانات تغيرت وأصبحت مرتبطة أكثر “بالتنمية والسيادة والدفاع عن الوحدة الترابية وتقوية موقع المغرب ومصالحه الاستراتيجية”.

    وتسمح هذه القراءة بنقل الذكرى من مجرد استعادة سنوية لأحداث 1953 إلى سؤال ما الذي تقوله تلك الأحداث للأجيال التي لم تعش الحماية ولا معركة الاستقلال.

    ويخلص بلحداد إلى أن “هذه هي الدلالة التي يجب أن تصل إلى الجيل الجديد من ذكرى ثورة الملك والشعب، حتى لا تبقى مجرد ذكرى نعود فيها إلى أحداث الماضي، وإنما تكون كذلك مدخلا لفهم مسار الدولة المغربية وعلاقتها بتاريخها”.

  • من الدعم الاجتماعي إلى الشغل.. المغرب يعيد ترتيب العلاقة بين الإعانة والعمل

    من الدعم الاجتماعي إلى الشغل.. المغرب يعيد ترتيب العلاقة بين الإعانة والعمل

    قد يكون الحصول على فرصة عمل بداية لتحسن دخل أسرة تستفيد من الدعم الاجتماعي المباشر، غير أن الانتقال إلى الوظيفة كان يمكن أن يتزامن مع فقدان الإعانات التي ظلت تشكل جزءا من مواردها، بمجرد تغير وضعيتها والتصريح برب الأسرة أو أحد الزوجين لدى نظام الضمان الاجتماعي في القطاع الخاص.

    وتحاول الحكومة جعل المسافة بين الاستفادة من الدعم والاستقرار داخل سوق الشغل أكثر أمانا، من خلال آلية جديدة تمنح الأسر المعنية فترة انتقالية قد تصل إلى سنة، تحصل خلالها على مبلغ يعادل الإعانات التي كانت تستفيد منها قبل فقدان أهليتها بسبب الالتحاق بعمل مصرح به.

    ودخل الإجراء مرحلته التطبيقية بعد استكمال الإطار القانوني والتنظيمي للمنحة الاستثنائية التي أحدثها القانون رقم 41.26، المغير والمتمم للقانون رقم 58.23 المتعلق بنظام الدعم الاجتماعي المباشر، قبل أن يأتي المرسوم رقم 2.26.434 ليحدد مدة الاستفادة منها في اثني عشر شهرا، متصلة أو غير متصلة.

    ويكشف هذا التغيير عن مرحلة جديدة في تطور نظام الدعم الاجتماعي المباشر بعد ما يقارب ثلاث سنوات من إطلاقه، إذ لم يعد الرهان مرتبطا فقط بإيصال الإعانة إلى الأسر المستحقة، بل بدأ يمتد إلى مواكبتها عندما تتحسن وضعيتها وتنتقل نحو النشاط الاقتصادي، بما يجعل الحماية الاجتماعية أقرب إلى جسر نحو الشغل بدل أن تنتهي بمجرد الحصول على أول وظيفة.

    من حماية الأسرة إلى مواكبتها نحو الشغل

    انطلق نظام الدعم الاجتماعي المباشر نهاية سنة 2023 باعتباره إحدى الركائز الأساسية لورش الحماية الاجتماعية، قبل أن تتوسع قاعدة المستفيدين منه لتشمل، وفق معطيات قدمتها الحكومة أمام البرلمان، أكثر من أربعة ملايين أسرة.

    ومع توسع البرنامج، أتاح التطبيق العملي الوقوف عند جوانب تحتاج إلى التطوير، من بينها العلاقة بين الاستفادة من الدعم وتغير الوضعية المهنية للأسرة.

    فالتصريح برب الأسرة أو أحد الزوجين لدى نظام الضمان الاجتماعي في القطاع الخاص يمكن أن يؤدي، إذا ترتب عنه فقدان شروط الأهلية، إلى خروج الأسرة من نظام الدعم.

    وفي المقابل، لا يعني الحصول على أول وظيفة بالضرورة أن الاستقرار المالي تحقق منذ الشهر الأول، خصوصا عندما يتعلق الأمر ببداية مسار مهني جديد.

    وهنا ظهرت الحاجة إلى حلقة انتقالية بين الوضعيتين، تسمح للأسرة بالانتقال إلى العمل المصرح به دون أن تفقد بشكل مفاجئ موردا كانت تعتمد عليه، وتمنحها في الوقت نفسه فرصة لبناء استقرارها انطلاقا من الدخل الناتج عن العمل.

    وحضر هذا التوجه خلال إعداد القانون رقم 41.26 ومناقشته داخل البرلمان، إذ قدمت الحكومة التعديل باعتباره جزءا من معالجة ما كشفه التطبيق العملي، وربطته بتعزيز الإدماج الاقتصادي وتحقيق تكامل أكبر بين آليات الدعم الاجتماعي وآليات التشغيل.

    وخلال مناقشة المشروع داخل البرلمان، توقف الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، عند هذا الجانب، موضحا أن التطبيق أظهر وجود مستفيدين يترددون في ولوج سوق الشغل خشية فقدان الدعم، إلى جانب حالات قد يفضل فيها المعنيون الاشتغال دون التصريح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي حفاظا على الاستفادة.

    ومن هنا جاء التعديل ليعيد ترتيب العلاقة بين الاثنين، إذ لا ينبغي للحصول على عمل مصرح به أن يضع الأسرة أمام فقدان فوري لشبكة الحماية، بل يمكن أن يشكل بداية انتقال تدريجي من الإعانة إلى دخل مهني أكثر استدامة.

     في هذا السياق، يرى محمد أمين سامي، الخبير الاقتصادي والباحث في السياسات العمومية، أن أهمية هذا التحول تكمن في أخذه بعين الاعتبار طبيعة المرحلة الأولى من الاندماج المهني، موضحا أن “الأسرة المستفيدة لا تقارن فقط بين قيمة الدعم وقيمة الراتب الجديد، بل تأخذ بعين الاعتبار مدى استقرار الوظيفة وإمكانية استمرارها، إضافة إلى المصاريف التي قد ترافق بداية العمل، من نقل وغيره”.

    ويضيف سامي في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن “وجود فترة انتقالية يخفف حالة عدم اليقين التي يمكن أن ترافق بداية العمل، ويمنح الأسرة الوقت الكافي للتكيف مع مصدر دخل جديد، بدل الانتقال بشكل مفاجئ من وضعية إلى أخرى”.

    12 شهرا بين الدعم والاستقرار في الشغل

    ترجم القانون رقم 41.26 هذا التوجه إلى آلية عملية، من خلال إحداث منحة استثنائية لفائدة الأسر التي تفقد حقها في الاستفادة من الإعانات نتيجة التصريح بأحد الزوجين أو رب الأسرة لدى نظام الضمان الاجتماعي المعمول به في القطاع الخاص.

    وبموجب المقتضيات الجديدة، أصبح بإمكان الأسرة المعنية الاستفادة من منحة تعادل مبلغ الإعانة أو الإعانات التي كانت تستفيد منها في إطار نظام الدعم الاجتماعي المباشر.

    وحدد القانون مبدأ هذه الاستفادة، بينما ترك مدتها للنص التنظيمي، قبل أن يأتي المرسوم رقم 2.26.434، المتمم للمرسوم المتعلق بتطبيق قانون الدعم الاجتماعي المباشر، ليحدد سقفها في اثني عشر شهرا، متصلة أو غير متصلة.

    وكان مجلس الحكومة قد صادق على مشروع المرسوم في 22 يوليوز 2026، قبل نشره في الجريدة الرسمية عدد 7530 الصادرة في 30 يوليوز، ليستكمل بذلك الإطار التنظيمي لتنزيل الآلية الجديدة.

    وتحتسب مدة الاستفادة ابتداء من تاريخ التصريح بنظام الضمان الاجتماعي، في حدود اثني عشر شهرا، فيما ترتبط قيمة المنحة بالإعانات التي كانت تحصل عليها الأسرة قبل تغير وضعيتها.

    وتمنح هذه القاعدة للأسرة فترة للتكيف مع انتقالها من مورد اجتماعي إلى دخل مهني، بحيث لا يصبح أول راتب نقطة توقف مباشرة للدعم الذي اعتادت عليه، وإنما بداية مسار تدريجي يفترض أن يقود في نهايته إلى الاستقلال الاقتصادي.

    كما أن إمكانية احتساب الأشهر الاثني عشر بشكل متصل أو غير متصل تمنح الآلية قدرا من المرونة، بالنظر إلى أن بداية المسار المهني لا تكون دائما مستقرة أو متواصلة منذ أول تجربة.

    خطوة نحو توسيع العمل المصرح به

    لا تتوقف دلالة التعديل عند حماية دخل الأسرة خلال فترة محددة، إذ يحمل أيضا رهانا يرتبط بتوسيع دائرة العمل المصرح به والاندماج في الاقتصاد المهيكل، لأن الربط المباشر بين الحصول على وظيفة وفقدان الدعم كان يمكن أن يجعل بعض المستفيدين أكثر تحفظا تجاه العمل المصرح به، وهو ما حاول القانون الجديد تجاوزه عبر توفير مرحلة انتقالية تجعل الانتقال إلى الوظيفة أكثر سلاسة.

    ولهذا ربطت الحكومة القانون، منذ المصادقة على مشروعه في مجلس الحكومة في 21 ماي 2026، بتعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للمستفيدين، وبإقامة تكامل وظيفي بين آليات الدعم الاجتماعي وآليات التشغيل.

    وتبرز هنا دلالة تتجاوز المستفيد المباشر، لأن الانتقال إلى العمل المصرح به يعني أيضا دخول الأجير إلى منظومة الضمان الاجتماعي والاستفادة من الحقوق المرتبطة بها، بما يجعل الانتقال من الدعم إلى الشغل انتقالا نحو شكل آخر من أشكال الحماية الاجتماعية المرتبطة بالنشاط المهني.

    ويعتبر محمد أمين سامي أن هذه النقطة تمثل أحد الأبعاد الاقتصادية المهمة للإجراء، موضحا أن “المنحة لا ينبغي النظر إليها فقط باعتبارها استمرارا للدعم لمدة إضافية، بل باعتبارها أيضا آلية يمكن أن تشجع على الانتقال إلى العمل المصرح به، لأن تقليص كلفة الانتقال بالنسبة للأسرة يزيل أحد العوامل التي قد تجعلها مترددة في دخول سوق الشغل المهيكل”.

    ويضيف الخبير الاقتصادي أن “توسيع العمل المهيكل له أثر يتجاوز الدخل الذي يحصل عليه المستفيد، لأنه يعني أيضا توسيع التغطية المرتبطة بالضمان الاجتماعي وتعزيز التصريح بالأجراء، وفي المقابل يسمح للأسرة بأن تنتقل تدريجيا من الاعتماد على التحويلات الاجتماعية إلى دخل ناتج عن النشاط الاقتصادي”.

    فقدان العمل لا يغلق باب الدعم

    وتكتمل هذه المقاربة بمقتضى آخر يعالج الاتجاه المعاكس، أي ما يحدث إذا لم تستمر تجربة العمل بعد خروج الأسرة من نظام الدعم.

    فبداية العمل لا تضمن دائما استمرار الوظيفة، خصوصا في المراحل الأولى من المسار المهني، ولذلك جاءت التعديلات لتتيح للأسرة العودة إلى الاستفادة من الدعم الاجتماعي المباشر عند فقدان رب الأسرة أو أحد الزوجين للعمل، دون التقيد بالمدة التي كانت تفرضها القواعد السابقة، مع ضرورة استيفاء باقي شروط الاستفادة.

    ويعني ذلك أن النظام الجديد لا يواكب الأسرة فقط عند خروجها من الدعم، وإنما يحتفظ لها بإمكانية العودة إلى شبكة الحماية إذا تعثر انتقالها إلى النشاط المهني.

    وهكذا تتحرك الآلية في اتجاهين، تمنح فترة أمان عند الانتقال إلى الشغل، وتبقي باب الحماية الاجتماعية مفتوحا عندما لا يستمر مصدر الدخل الجديد.

    وتعطي هذه المرونة معنى أوسع للمقتضيات الجديدة، لأنها تتعامل مع الاندماج الاقتصادي باعتباره مسارا قد يحتاج إلى وقت حتى يستقر، بدل اعتباره تحولا نهائيا يتحقق بمجرد أول تصريح لدى نظام الضمان الاجتماعي.

    سنة للانتقال.. والرهان على الاستقرار بعدها

    توفر الأشهر الاثنا عشر للأسرة وقتا إضافيا لبناء استقرارها المهني، لكن نجاح الآلية في تحقيق غايتها سيظهر أساسا فيما يحدث بعد انتهاء هذه الفترة.

    فإذا استطاع المستفيد الاستمرار في وظيفته وتحسين دخله، تكون المنحة قد قامت بدورها باعتبارها جسرا ساعد الأسرة على الانتقال تدريجيا من الدعم إلى مورد ناتج عن العمل، دون صدمة مفاجئة في دخلها.

    وهنا يرى الخبير الاقتصادي محمد أمين سامي أن “السنة الانتقالية توفر هامشا مهما للأسرة حتى تدخل سوق الشغل في ظروف أكثر أمانا، لكنها تظل جزءا من منظومة أوسع، لأن الاستقرار بعد انتهائها سيبقى مرتبطا بمستوى الأجر واستمرارية الوظيفة وجودة فرصة العمل التي حصل عليها المستفيد”.

    وبالنسبة إلى سامي، فإن المؤشر الأهم لقياس أثر الآلية لن يكون فقط عدد الأسر التي حصلت على المنحة، بل أيضا “عدد الأسر التي استطاعت خلال هذه الفترة تثبيت موقعها داخل سوق الشغل والانتقال إلى دخل مهني مستقر يسمح لها تدريجيا بالاستغناء عن الدعم”.

    ومن هذه الزاوية، تصبح السنة الانتقالية نقطة التقاء بين الحماية الاجتماعية وسياسة التشغيل، فالأولى توفر للأسرة الأمان عندما تحتاج إليه، والثانية يفترض أن تمنحها فرصة بناء دخل يجعل حاجتها إلى الإعانة تتراجع مع مرور الوقت.