تحولت أزمة العبور الجماعي من المغرب في 30 يوليوز الماضي إلى ساحة تنازع إعلامي داخل إسبانيا، بين روايات متضاربة وقصص إنسانية سريعة حول شباب وأطفال يقولون إنهم يريدون الدراسة والعمل ولا يرغبون في الرجوع إلى عائلاتهم.
انزياح مهني عن الحقيقة
في 19 غشت الجاري، نشرت “إل باييس” الإسبانية شريطا قصيرا عن وفاء عتيد، وعرّفها منذ البداية بأنها مغربية في الثامنة والعشرين دخلت سبتة سباحة.
ركزت الصحيفة على روايتها بشأن الخلاف مع أسرتها، ورفضها ارتداء الحجاب، وشعورها بأن النساء في المغرب في مرتبة أدنى من الرجال.
غير أن المعالجة المهنية غابت عن “إل باييس”، لأنها قدّمت قصة فردية عالية التأثير، مبنية أساسا على قول صاحبتها، من دون أن تضع أمام القارئ في اللحظة نفسها سجلها السابق الذي يغيّر صورة المرأة “المكبلة” إلى امرأة غادرت بيت أسرتها منذ سنوات، وعملت وسافرت، ثم تعذر عليها تثبيت إقامة قانونية خارج المغرب.
بعد تصاعد الانتقادات، نشرت “إل باييس” في 21 غشت الجاري تقريرا أطول قالت في إن عتيد ليست مهاجرة باحثة عن ظروف اقتصادية مواتية، ونقلت عنها: “لست فقيرة”، وذكرت أنها عملت في الاستقبال وأقامت في الإمارات وسافرت إلى دول في الشرق الأوسط وإفريقيا، لكنها جاءت بعد أن انتشرت النسخة المختصرة المضللة والأكثر عاطفية من القصة.
وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورا لعتيد وهي في قطر في دجنبر 2025، لمساندة المنتخب المغربي بملعب لوسيل حيث أجرب نهائي كأس العرب بين المغرب والأردن، وهو تناقض صارخ مع أي ادعاء مطلق بأنها لم تكن قادرة على السفر أو العمل.
وانتقلت بعض المنابر الإسبانية إلى إصدار أحكام حاهزة، على غرار “إل ديباتي” التي أكدت أن وسائل الإعلام جعلت عتيد “لاجئة”، كما استخدمت مواقع أخرى تعبير “القادمة من الفقر”، مع أن متابعة “إل باييس” نقلت عنها العكس.

من شهادات فردية إلى فخ التعميم
وركزت الصحافة الإسبانية أيضا على القاصرين المغاربة غير المصحوبين، ففي 5 غشت الجاري، نشرت “إل فارو دي سوتا” شهادة يوسف، وهو فتى قال إن عمره 17 عاما وإن والدته مريضة ولا تملك الأسرة مالا لعلاجها، وأضاف أنه يريد العمل في إسبانيا ويفضل شوارع سبتة على العودة.
وفي 14 شغت، نقلت “إل باييس” عن سراج، وسنه لا يتجاوز 16 عاما، أنه يريد البقاء لدراسة التكنولوجيا، وأنه سيحاول متابعة الدراسة في المغرب والعودة قانونيا إذا رُحّل. كما حرصت “إل إسبانيول” على وضع عبارة “لن نعود إلى المغرب” في عنوان “شامل” لآلاف القصارين، رغم أن المقال لم يتضم لا عدد ولا أوضاع هؤلاء القاصرين.
وفي 20 و21 غشت، كررت “كادينا سير” و”20 مينوتوس” تصريح المدعية المنسقة لشؤون القاصرين، تيريسا خيسبرت، بأن القاصرين الذين كانت تُجرى معهم مقابلات لا يريدون العودة بل الانتقال إلى شبه الجزيرة، وأن آباء اتصلوا مرحبين بإيواء أبنائهم في نظام الحماية الإسباني.
عودة أكثر من 95% تكذب الرواية الإسبانية
تبدو الرواية التي قدمت المشاركين في أحداث 30 يوليوز باعتبارهم كتلة بشرية قطعت صلتها بالمغرب ورفضت العودة إليه رواية مهترئة أمام الأرقام الإسبانية نفسها.
فقد أعلن وزير الداخلية الإسباني أن نحو 72 ألف شخص دخلوا سبتة خلال تلك الأحداث، بينما غادرها نحو 70 ألفا وعادوا باتجاه المغرب، أي ما يعادل أكثر من 97 في المئة من مجموع الوافدين. وهي نسبة لا تسمح بتقديم الواقعة باعتبارها هجرة جماعية نهائية لشباب يرفضون بلدهم، بل تؤكد أن الأغلبية الساحقة تراجعت وعادت خلال فترة قصيرة.
هذه النسبة الصادرة عن السلطات الإسبانية، لا عن جهة مغربية. تؤكد أنه لم يبق في سبتة سوى جزء محدود من المشاركين، بينما عاد معظمهم طوعا، وهو معطى يناقض الصورة التي روجتها بعض المنابر الإسبانية عن عشرات الآلاف من المغاربة المصممين على عدم العودة، ويكشف أن حالات فردية جرى تضخيمها وتحويلها إلى موقف جماعي لا تدعمه الوقائع.
وسقطت الصحافة الإسبانية في التعميم الإعلامي الذي اختزل الواقعة في عبارة “مغاربة يفرون من الفقر ويرفضون العودة”، متناسية نتائج التحقيقات الإسبانية، والتي أظهرت أن نسبة كبيرة من المشاركين في أحداث 30 و31 يوليوز الفارط تحركت تحت تأثير دعوات رقمية وصور مضللة واعتقاد بأن الطريق نحو أوروبا أصبح مفتوحا، ثم عادت عندما اصطدمت بحقيقة الحصار داخل سبتة واستحالة العبور نحو شبه الجزيرة الإيبيرية.

من وعود العبور إلى العراء
وجد المهاجرون غير النظاميون الذين ظلوا في سبتة أنفسهم أمام وضع إنساني مأساوي، فآلاف الأشخاص ناموا في الشوارع وعلى الشواطئ وفوق قطع الكرتون، بينما أقام آخرون ملاجئ بدائية وسط غياب الغذاء الكافي والمرافق الصحية وخدمات النظافة والرعاية الطبية.
وتحولت سبتة المحتلة، التي قدمتها منشورات مواقع التواصل بوصفها بوابة سهلة نحو أوروبا، إلى فضاء مغلق يعيش فيه العالقون تحت المراقبة وفي ظروف شديدة الهشاشة.
ولم يشكل القاصرون الاستثناء، فقد كشف الإعلام الإسباني الرسمي بأن مراكز سبتة كانت تستقبل في بداية الأزمة 862 قاصرا، رغم أن طاقتها النظامية لم تكن تتجاوز 29 سريرا، أي بنسبة اكتظاظ قاربت ثلاثة آلاف في المئة.
وفي الوقت نفسه، ظل أطفال آخرون يتجولون في الشوارع أو يختبئون خوفا من إعادتهم، ومن بينهم أطفال صغار كانوا يبحثون عن هاتف للاتصال بأمهاتهم في المغرب وفق “RTVE” الإسبانية,
ولم تكن مراكز إيواء البالغين في وضع أفضل، فقد تجاوز عدد المقيمين في أحد مراكز الاستقبال 700 شخص، رغم أن طاقته لا تتعدى 500 سرير، في حين اضطرت نساء إلى الإقامة داخل مخيمات وملاجئ عشوائية قرب المركز.
وسجلت سلطات سبتة شكايات مرتبطة باعتداءات جنسية، كان معظم الضحايا المبلغ عنهم من القاصرين، ما يكشف عجز منظومة الاستقبال الإسبانية عن توفير الحماية الأساسية للأشخاص الذين شجعتهم صور “الفردوس الأوروبي” على دخول المدينة، لينتقل القاصرون خلال ساعات من وهم السفر نحو أوروبا إلى واقع النوم في العراء والاكتظاظ والخوف والاستغلال.

المغرب يفتح باب الإعادة السريعة
في مقابل هذا الوضع، أعلن المغرب فتح أبوابه أمام الراغبين في العودة، وأكد استعداده لاستقبال قاصريه، داعيا السلطات الإسبانية إلى تسريع الإجراءات المتعلقة بإعادة الأطفال إلى أسرهم في المغرب، وتجاوز التعقيدات الإدارية والقضائية التي تؤخر لمّ شملهم، مع مراعاة المصلحة الفضلى لكل قاصر.
ويتعلق الأمر باستقبال فوري من الجانب المغربي وتسريع ملفات الإعادة الفردية، وليس بإعادة جماعية آلية تتجاوز الضمانات القانونية.
وأمس الجمعة، قال وزير العدل عبد اللطيف وهبي، في تصريحات للقناة الثانية، إن المغرب يتمسك بضرورة تسريع ملف عودة القاصرين المغاربة في إسبانيا، والتي يضعها على رأس أولوياته في النقاش الجاري مع مدريد والاتحاد الأوروبي، مجددا التأكيد أن “المغرب يريد عودة قاصريه، بل أكثر من ذلك نحن مستعدون لنبعث الحافلات لنقلهم إلى المغرب، ونحن مستعدون للتعاون مع الإسبان لإعادتهم”.
ويربط وهبي هذا الموقف بضرورة إيجاد معالجة تتجاوز الحلول الظرفية، معتبرا أن استمرار الوضع الحالي لا يخدم أي طرف، مشددا على أن “هذا الموضوع يهمنا نحن وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، ويجب أن نتعاون من أجل إيجاد حل لهذا المشكل، ليس حلا جزءيا أو ظرفيا، بل حلا طويل الأمد ونهائيا للتعامل مع هذا الموضوع وإيقافه، لأنه يؤدي إلى مآس إنسانية واجتماعية”.
ويرى المغرب أن هؤلاء القاصرين فئة جرى التغرير بها، إذ ربطت وزارة الداخلية المغربية أحداث 30 يوليوز بالاستغلال المضلل للفضاء الرقمي، ونشر معلومات مغلوطة، وتحركات شبكات الاتجار بالبشر، فضلا عن ترويج تفسيرات خاطئة لبعض القرارات القانونية والإدارية الإسبانية، بما خلق وهما بإمكان دخول أوروبا والبقاء فيها من دون شروط أو عواقب.

اترك تعليقاً