وضعت موجهة الهجرة غير القانونية التي شهدتها سبتة المحتلة أواخر يوليوز الماضي الرباط ومدريد أمام أزمة تتجاوز مراقبة الحدود، سيما بعد أزمة إعادة القاصرين، التي ما تزال توتر الأجواء بين البلدين الجارين.
ولم تتوقف المطالب المغربية عند تشديد المراقبة، بل تتجه إلى تسريع إجراءات التعرف على المهاجرين، وتحديد من يمكن إعادته، وتوضيح مسؤوليات إسبانيا والاتحاد الأوروبي، خصوصا في ملفات القاصرين غير المصحوبين، وهي النقطة التي تنقل النقاش من المجال السياسي إلى المجال القانوني، لأن إعادة القاصر لا تخضع للشروط نفسها المطبقة على الشخص البالغ.
القاصرون.. رقم سياسي!
في 31 مارس 2026، كان في إسبانيا 10.216 مغربيا ضمن فئة “القاصرين غير المصحوبين والشباب الذين غادروا نظام الوصاية”، يمثلون 48 بالمئة من إجمالي هذه الفئة في البلاد، البالغ 21.104 أشخاص، شكل منهم الذكور نسبة 94 بالمئة، مقابل 6 بالمئة للإناث.
ومن أصل 10.216 شخصا، كان 1539 فقط في سن 16 و17 عاما، أي 15 بالمئة، بينما كان 8677 شخصا، أي 85 بالمئة، شبابا بين 18 و23 عاما سبق أن خضعوا لنظام حماية القاصرين.
وتكشف هذه الأرقام الإسبانية الرسمية، التي أعلن عنها منتصف يوليوز المنصرم، تحولا في تركيبة هذه الفئة، فقد انخفض عدد المغاربة فيها بنسبة 8.9 بالمئة خلال سنة، وتراجعت حصتهم من 59 بالمئة في مارس 2025 إلى 48 بالمئة في مارس 2026.
وعلى المدى الأطول، تراجعت حصتهم من 73 بالمئة في مارس 2022 إلى 48 بالمئة قبل أزمة يوليوز الماضي، مقابل ارتفاع وزن جنسيات أخرى، خصوصا غامبيا والجزائر والسنغال.
أما من حيث الوضع القانوني، فكان 4012 منهم يحملون وثيقة أولية، و3758 انتقلوا إلى وثيقة معدّلة، و957 حصلوا على تجديد أول، و483 على تجديد ثان، بينما توزع 1006 الباقون على أوضاع أخرى. ويعكس هذا التوزيع مسارا إداريا مستمرا بين الحماية في سن القصور والحاجة إلى تثبيت الإقامة بعد بلوغ 18 عاما.
وعقب أحداث 30 يوليوز الأخيرة، تضاربت الأرقام الحكومية الإسبانية حول عدد القاصرين الذين عبروا الحدود صوب سبتة المحتلة، وتشير التقديرات إلى ما بين 1800 و2500 قاصر ما يزالون في الثغر المحتل.
معطيات جديدة تقفز إلى 2500 قاصر
تواصل إسبانيا رفع أرقام القاصرين الوافدين إلى سبتة المحتلة خلال موجة العبور الجماعي في 30 يوليوز الماضي، بعدما أعلنت وزيرة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة الإسبانية، إلما سايز، أن السلطات تمكنت إلى حدود اليوم الأحد 23 غشت 2026، من تحديد هوية 2500 قاصر ممن وصلوا إلى المدينة خلال الأزمة.
وتكشف هذه الحصيلة عن فارق كبير مقارنة بالأرقام التي قدمتها السلطات الإسبانية في الأيام الأولى للأزمة، بعدما ظلت المعطيات الرسمية ترتفع تدريجيا مع تقدم عمليات تحديد الهوية، في وقت تواجه فيه السلطات صعوبة في ضبط الأعداد بسبب انتشار الوافدين في الشوارع وتغير أماكن وجودهم.
وقالت سايز، في مقابلة مع صحيفة “إل باييس”، إن وزارة الداخلية تمكنت من إنجاز ملفات 2500 قاصر، موضحة أن العملية ليست آلية أو سريعة، بل تتطلب موظفين مؤهلين يتابعون مع كل حالة المعطيات المرتبطة بمسار حياة الشخص وظروفه.
ويبرز حجم التغير في الأرقام عند مقارنتها بالمعطيات التي قدمتها السلطات الإسبانية منذ بداية الأزمة، ففي 5 غشت، تحدث مندوب الحكومة الإسبانية في سبتة، ميغيل أنخيل بيريز تريانو، عن وجود نحو 2500 مهاجر في المدينة بأكملها، من بينهم حوالي 500 قاصر.
وبعد يومين فقط، رفعت وزيرة الشباب والطفولة، سيرا ريغو، تقديرات عدد القاصرين غير النظاميين الموجودين في سبتة إلى 1342 قاصرا، مشيرة إلى وصول عدد أكبر من الفتيات غير المصحوبات، إضافة إلى أطفال ذكور في سن صغيرة مقارنة بموجة الهجرة التي شهدتها المدينة في ماي 2021.
وفي 10 غشت، رفع وزير السياسة الترابية، أنخيل فيكتور توريس، العدد إلى نحو 1400 قاصر، قبل أن تعلن وزارة الداخلية، في 13 غشت، أن عدد القاصرين الذين تم تحديد هوياتهم بلغ 1800.
وبحلول 18 غشت، ارتفع الرقم إلى 2168 قاصرا، قبل أن يصل، وفق آخر معطيات أعلنتها وزيرة الهجرة، إلى 2500 قاصر.
المغرب: الحل الأمني ليس جوابا
في هذا السياق، جاءت تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي اعتبر أن الحل الأمني لا يمكن أن يشكل جوابا مستداما لمشكل الهجرة، ودعا إلى اتفاق نهائي بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي يحدد بصورة واضحة قواعد المنع والقبول والإعادة وتدبير الحدود، بما في ذلك وضع القاصرين غير المصحوبين.
وتنطلق المطالب المغربية من ملاحظة أن الرباط تعبئ الشرطة والسلطات لتشديد المراقبة ومنع العبور، في حين تستقبل إسبانيا من ينجحون في تجاوز الحدود وتخضعهم لمساطرها الداخلية.
لذلك، يريد المغرب الانتقال من إدارة ظرفية للأزمة إلى إجراءات محددة وسريعة، تتيح التعرف على الأشخاص المعنيين وتحديد من يمكن إعادته وكيفية تنفيذ العودة.
وفي قراءتها لهذا المطلب، تعتبر حنان السرغيني، الأستاذة بجامعة القاضي عياض بمراكش والباحثة بالمعهد المغربي لتحليل السياسات وعضو الجمعية المغربية للدراسات والأبحاث في الهجرة، أن العودة السريعة يمكن أن تؤدي وظيفة ردعية إذا كانت واضحة ومنظمة وقابلة للتنفيذ، لكنها تشدد على ضرورة الفصل بين تسريع المسطرة وإلغائها، وتلخص موقفها بالقول: “الإعادة السريعة نعم، الإعادة الفورية بمعنى تجاوز التقييم الفردي لا، لأن السرعة في تنفيذ القانون قد تكون رادعة، أما تجاوز القانون فلا يمكن أن يكون سياسة ردع مستدامة”.
وترى السرغيني، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أنه يمكن تسريع عودة الشخص البالغ الذي لا يملك حقا قانونيا في البقاء، وهو توجه ينسجم مع السياسة الأوروبية الجديدة الرامية إلى رفع فعالية قرارات العودة، غير أنها ترى أن تطبيق المنطق نفسه آليا على القاصر غير المصحوب يصطدم بضمانات خاصة، في مقدمتها تقييم مصلحته الفضلى وتمكينه من التمثيل والمساعدة خلال المسطرة.
وتستند في هذه القراءة إلى اللائحة الأوروبية 2024/1348 المرتبطة بجالات طلب الحماية الدولية، التي تمنح القاصرين، سيما غير المصحوبين، ضمانات إجرائية خاصة، كما تربط إمكان نقل القاصر إلى دولة ثالثة بالتأكد مسبقا من استقباله وحصوله على حماية فعلية، لا بمجرد موافقة تلك الدولة على استعادته.
اتفاق إعادة القاصرين بلا أثر
على المستوى الثنائي، ترى السرغيني أن المطلب المغربي لا يحتاج إلى اختراع آلية قانونية جديدة من الصفر، وتُحيل في هذا الصدد على الاتفاق المغربي الإسباني الموقع في 6 مارس 2007، والنافذ منذ أكتوبر 2012، بشأن الوقاية من هجرة القاصرين غير المصحوبين وحمايتهم وإعادتهم المتفق عليها.
وتوضح أن فلسفة الاتفاق لا تقوم على ترحيل القاصر وتسليمه عند الحدود، بل على عودة مساعدة إلى أسرته أو إلى مؤسسة وصاية، مقرونة بالحماية وإعادة الإدماج.
ويوزع الاتفاق الأدوار بين الطرفين؛ إذ يتولى المغرب المساعدة في تحديد هوية القاصر وأسرته وإثبات جنسيته، بينما تتخذ السلطات الإسبانية قرار العودة في إطار قانونها والتزاماتها الدولية.
ومن هذا المنطلق، تقرأ الباحثة بالمعهد المغربي لتحليل السياسات المطالب المغربية بتبسيط المساطر باعتبارها مطالبة بتسريع التعاون وتبادل المعلومات والتحقق من الهوية وتحديد الأسرة وجهة الاستقبال، وليس باعتبارها دعوة إلى إلغاء التقييم الفردي السابق لقرار العودة.
وتضع موضع الخلل في الجانب العملي، قائلة إن “المشكلة ليست بالضرورة في وجود عوائق قانونية أمام العودة، وإنما في طول المسطرة وتعدد المتدخلين وغياب آليات سريعة وفعالة”.
ووفق هذه القراءة، لا تكفي موافقة المغرب على استقبال القاصر حتى تنفذ إسبانيا الإعادة مباشرة، لأن الموافقة المغربية عنصر أساسي في العملية، لكنها تظل رهينة سلسة إجراءات طويلة من الجانب الإسباني، فالمادة 35 من قانون الأجانب الإسباني تلزم إدارة الدولة، قبل فتح ملف الإعادة، بطلب معلومات عن الوضع العائلي للقاصر، ثم الاستماع إليه والاستناد إلى تقارير أجهزة حماية الطفولة والنيابة العامة، وتحصر الإعادة، وفقا لمصلحته الفضلى، في لمّ شمله بأسرته أو تسليمه إلى أجهزة حماية قادرة على تولي رعايته.
ويفصل المرسوم 1155/2024 هذه المسطرة في مواده من 167 إلى 170، التي تتحدث عن أن مندوبية الحكومة أو المندوبية الفرعية المختصة تتولى جمع المعلومات وفتح الملف والبت فيه، بعد إشعار القاصر والنيابة العامة والجهة التي تتولى وصايته.
وتمنح هذه المسطرة القاصر والجهة الوصية مهلة لتقديم الملاحظات والأدلة، قبل عقد جلسة استماع يحضرها ممثلو الحماية والنيابة، ثم إصدار قرار بالإعادة أو البقاء داخل أجل أقصاه ستة أشهر من تاريخ فتح المسطرة.
ويعزز الاجتهاد القضائي الإسباني هذا القيد؛ إذ أكدت المحكمة العليا الإسبانية في حكمها رقم 86/2024، الصادر في 22 يناير 2024، عدم قانونية إعادة قاصرين مغاربة من سبتة إلى المغرب عقب أحداث غشت 2021، بعدما نفذتها السلطات استنادا إلى الاتفاق الثنائي وحده، من دون فتح ملفات إدارية فردية أو الاستماع إلى المعنيين وإشراك النيابة العامة وتقييم ظروف كل حالة.
وقررت المحكمة أن الاتفاق المغربي الإسباني لا يشكل بمفرده سندا كافيا للإعادة، وأن موافقة المغرب لا تعفي الإدارة الإسبانية من التقيد بقانونها الداخلي وضماناته، معتبرة إعادة عدد كبير من القاصرين من دون مسطرة فردية طردا جماعيا محظورا.
وتبرز هذه المفارقة تناقضا بين الموقفين المغربي والإسباني، فمن زاوية الرباط، يؤدي استقبال من ينجح في عبور الحدود إلى إضعاف أثر المنع والردع وتشجيع محاولات جديدة، لكن من زاوية مدريد، يترتب على وصول القاصر إلى الأراضي الإسبانية التزام قانوني بفحص وضعه وتوفير الحماية له قبل اتخاذ أي قرار بإعادته.
إجراءات بسرعتين
ويستغرب المغرب عدم استجابة إسبانيا لموقف المفوضية الأوروبية الأخير، الذي يدعم إعادة القاصرين إلى المغرب.
وأكدت المفوضية الأوروبية، الثلاثاء الماضي، أن جميع الأشخاص المقيمين بشكل غير قانوني في مدينة سبتة سيعادون إلى بلدانهم، عقب التدفق الكبير للمهاجرين الذي شهدته المدينة في أواخر يوليوز.
وأوضح المتحدث باسم المفوضية الأوروبية، ماركوس لامرت، أن “الأولوية الآن لدى السلطات الإسبانية والمغربية هي الإبقاء على السيطرة على الوضع وضمان إعادة سريعة لجميع من يقيمون بشكل غير قانوني في سبتة”.
وشدد لامرت على أن عمليات الإعادة مشمولة بقانون الاتحاد الأوروبي، مضيفا أنها تنظم بموجب “توجيه العودة” ثم “لائحة العودة الخاصة بالاتحاد الأوروبي”، مشيرا إلى أن هناك أيضا أحكاما خاصة بإعادة المهاجرين المقيمين بشكل غير قانوني في الأراضي، بمن فيهم القاصرين غير المصحوبين.
ولا تعتبر الأستاذة الجامعية حنان السرغيني أن الاتجاه الأوروبي الجديد يقف ضد المغرب، فهي ترى وجود تقاطع بين الأطراف الثلاثة، فالمغرب يريد تبسيط إجراءات الإعادة، وإسبانيا تريد تخفيف الضغط عن سبتة، والاتحاد الأوروبي يريد رفع فعالية نظام العودة.
لكنها تشير إلى أن هذا التقاطع يتوقف عند شروط التنفيذ بالنسبة إلى القاصرين، لأن القواعد الرئيسية لميثاق الهجرة واللجوء، المطبقة منذ 12 يونيو 2026، استثنت القاصرين غير المصحوبين، كقاعدة عامة، من مسطرة الحدود المعجلة إلا في حالات مرتبطة بتهديد أمني.
وتجعل المادتان 22 و23 من اللائحة الأوروبية 2024/1348 المصلحة الفضلى للطفل اعتبارا أساسيا، وتفرضان تمثيل القاصر غير المصحوب ومساعدته خلال المسطرة. وحتى عند تطبيق مفهوم الدولة الثالثة الآمنة، يشترط القانون ألا تتعارض العودة مع مصلحة القاصر، وأن تحصل الدولة الأوروبية مسبقا على ضمان بتكفل الدولة المستقبلة به وتمكينه من حماية فعالة.
وتشدد عضو الجمعية المغربية للدراسات والأبحاث في الهجرة على أن المطالب المغربية يمكن أن تجد تجاوبا سياسيا داخل إسبانيا، لكن تنفيذها سيظل محكوما بضمانات قانونية لا تستطيع مدريد تجاوزها، حيث إن المساحة المتاحة للتفاوض توجد، وفق تحليلها، في تقليص آجال التحقق وتنسيق عمل المؤسسات وتحديد جهات الاستقبال، لا في تنفيذ إعادة فورية تسبق فحص حالة القاصر.

اترك تعليقاً