لم تعد الأخبار الزائفة خلال الفترات الانتخابية مرتبطة فقط بمنشور يتضمن معلومة غير صحيحة أو اتهاما يصعب إثباته، فتطور أدوات الذكاء الاصطناعي أضاف إلى المشهد تسجيلات صوتية يمكن استنساخها، وصورا قابلة للتعديل، وتصريحات يمكن تركيبها، إلى جانب فيديوهات حقيقية تقتطع من سياقها ويعاد نشرها بطريقة تغير مضمونها.
ومع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، يطرح هذا التحول تحديا يتعلق بطبيعة النقاش السياسي، خصوصا عندما تنتقل المواجهة من مناقشة البرامج والكفاءة والحصيلة إلى استهداف السمعة والحياة الخاصة والعائلة.
وتظهر حساسية هذه الممارسات بشكل أكبر بالنسبة للنساء الحاضرات في المجال السياسي، بالنظر إلى أن حملات الاستهداف الرقمي قد تتجاوز عملهن ومواقفهن إلى حياتهن الشخصية والعائلية، وقد تأخذ في بعض الحالات شكل إيحاءات أو شائعات ذات طبيعة جنسية.
وخلال الفترة الأخيرة، أعادت حالات طالت شخصيات سياسية، من بينها فاطمة الزهراء المنصوري ونجوى ككوس، إلى جانب قضية سابقة مرتبطة بعبد اللطيف وهبي، طرح الحدود بين النقد السياسي المشروع والتشهير، في وقت تستعد فيه المنظومة الانتخابية لاختبار مقتضيات جديدة لمواجهة الأخبار الزائفة والمحتويات المفبركة.
من مساءلة المسؤول إلى الافتراء واستهداف السمعة
أثار ملف أراضي تسلطانت جدلا حول وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فاطمة الزهراء المنصوري، وعائلتها، بعد اتهامات بشأن طبيعة العقار ووضعه التعميري واستغلال النفوذ، غير أن المنصوري كذّبت كل الشائعات وأوضحت الحقيقة أمام الرأي العام، قبل أن تلجأ في أبريل 2026 إلى القضاء ضد الادعاءات الكاذبة والمعطيات التشهيرية.
وعاد العنف الرقمي إلى الواجهة مع نجوى ككوس، رئيسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، التي أعلنت تعرضها لحملات ممنهجة من التشهير والسب والقذف والمس بالسمعة، معلنة لجوءها إلى القضاء، مشددة على أن استهداف النساء سياسيا قد يتجاوز النقد المشروع للأداء إلى المس بالحياة الخاصة والعائلة، بما يحول التشهير إلى وسيلة للضغط والإقصاء من المجال العام.
وسبق لوزير العدل عبد اللطيف وهبي أن لجأ إلى القضاء في قضية مرتبطة بمحتويات اعتبرها متضمنة لأخبار وادعاءات كاذبة تمس بسمعته، وانتهت ابتدائيا سنة 2024 بإدانة المشتكى به على خلفية تهم مرتبطة ببث وتوزيع ادعاءات ووقائع كاذبة بقصد التشهير والقذف والسب العلني.
وفي هذا السياق، يرى حاتم بومهود، الباحث في علوم المعلومة والتواصل، أن سرعة تداول المحتوى على المنصات الرقمية أفرزت تحديات جديدة تتعلق بمصداقية المعلومات وحيادها، في ظل قدرة هذه المنصات على نشر المعلومة بشكل فوري بصرف النظر عن طبيعتها أو مدى صحتها.
ويحذر بومهود من تحول بعض المنصات الرقمية إلى فضاءات لصناعة وتداول المحتويات العنيفة، معتبرا أن انعكاسات هذه الظاهرة لا تقف عند المستخدمين، بل يمكن أن تمتد إلى المجتمع والممارسة الديمقراطية، خصوصا في ظل ما تعرفه الهوية والحياة الشخصية من اختراقات داخل الفضاء الرقمي.
العنف الرقمي.. عقبة إضافية أمام النساء
لم تنتظر أشكال العنف الموجه ضد النساء انطلاق الحملة الانتخابية لتظهر في الفضاء الرقمي، إذ سجل المرصد الوطني للحماية من العنف الرقمي، خلال يوليوز المنصرم وبداية غشت الجاري، تنامي حالات استهداف لنساء مرشحات عبر منصات التواصل الاجتماعي، في وقت ما تزال فيه الاستعدادات للاستحقاق التشريعي المقرر في 23 شتنبر في مراحلها الأولى.
وبحسب المعطيات التي أوردها المرصد في بلاغ له، اتخذت هذه الاعتداءات صورا متعددة، تراوحت بين السب والقذف والتشهير، والمساس بالحياة الخاصة والكرامة، وصولا إلى تداول ادعاءات ومضامين مسيئة تستهدف المرشحات على المستويين الشخصي والسياسي.
ولا يتعلق الأمر، وفق المصدر ذاته، بوقائع متفرقة فقط، إذ كشفت عمليات الرصد عن حالات اتخذ فيها الاستهداف طابعا متكررا أو منظما، بما يجعل الفضاء الرقمي يتحول تدريجيا إلى إحدى ساحات الضغط على النساء المقبلات على المنافسة الانتخابية، حتى قبل اكتمال الصورة النهائية للترشيحات النسائية.
وتتجاوز خطورة هذه الممارسات، في تقدير المرصد، حدود الضرر الذي يلحق بالنساء المستهدفات مباشرة، لتطال شروط المشاركة السياسية نفسها، لأن التشهير والتهديد والمساس بالحياة الخاصة يمكن أن تؤثر في قدرة المرشحات على خوض المنافسة والتعبير عن مواقفهن ومواصلة مسارهن السياسي، كما قد يبعث برسالة ردع إلى نساء أخريات يفكرن في دخول المجال العام.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية في انتخابات 2026، التي ستكون، بحسب المرصد، أول استحقاق لاختبار المقتضيات الزجرية الجديدة التي جاء بها القانون التنظيمي رقم 53.25، ولا سيما المادة 51 المكررة، في مواجهة الأفعال المرتكبة عبر الوسائط الرقمية خلال العملية الانتخابية.
المادة 51 المكررة.. حماية السمعة تدخل القانون الانتخابي
وتجرم المادة 51 المكررة استخدام وسائل تكنولوجيا الإعلام والتواصل الحديثة لبث أو توزيع تركيبة مكونة من أقوال شخص أو صورته دون موافقته، أو نشر وتوزيع أخبار زائفة أو ادعاءات ووقائع كاذبة أو مستندات مختلقة أو مدلس فيها، عندما يكون القصد المس بالحياة الخاصة للناخبين أو المترشحين أو التشهير بهم.
وتمتد المقتضيات إلى نشر الإشاعات أو الأخبار الزائفة بقصد التشكيك في مصداقية ونزاهة الانتخابات، فيما حددت العقوبة في الحبس من سنتين إلى خمس سنوات وغرامة من 50 ألفا إلى 100 ألف درهم.
وفي المقابل، يرتبط التجريم بتوافر القصد الجنائي ونية الإضرار أو التأثير غير المشروع، بما يضع فاصلا من حيث المبدأ بين النقد والمساءلة السياسية وبين نشر محتوى كاذب بقصد التشهير أو التأثير في العملية الانتخابية.
وفي هذا السياق، يرى حميد بلغيث، أستاذ القانون الدستوري، أن المقتضيات الجديدة تعكس محاولة من المشرع لمواكبة التحول الذي عرفته الحملات الانتخابية مع توسع استخدام المنصات الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي.
وأبرز في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن “المادة 51 المكررة لا تستهدف النقد السياسي أو حق المواطنين والصحافة في مساءلة المترشحين، وإنما تتجه إلى الأفعال التي تقوم على نشر أخبار أو ادعاءات كاذبة، أو تركيب أقوال وصور، بقصد التشهير أو المس بالحياة الخاصة أو التأثير في نزاهة العملية الانتخابية”، مبرزا أن “هذا التمييز مهم لأن حرية التعبير تظل مضمونة، لكن ممارستها لا تعني إباحة المس بسمعة الأشخاص أو صناعة محتوى زائف ونسبه إليهم”.
وأضاف أن أهمية هذه المقتضيات تزداد مع تطور الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح يسمح باستنساخ الأصوات وتركيب الصور والفيديوهات وإنتاج تصريحات تبدو حقيقية، لافتا إلى أن التحدي لن يكون في وجود النص القانوني فقط، بل في إثبات التلاعب وتحديد مصدر المحتوى والمسؤول عن إنتاجه ونشره، خاصة بالنظر إلى سرعة تداوله على المنصات الرقمية
وشدد على أن التطبيق العملي للمادة ومدى سرعة التعامل مع المخالفات عنصر أساسي في تحقيق التوازن بين حماية نزاهة الانتخابات والحياة الخاصة للمترشحين وبين ضمان حرية الرأي والتعبير.
الذكاء الاصطناعي.. تحد جديد
يمكن اليوم استنساخ صوت شخصية سياسية، أو تركيب تصريح لم يصدر عنها، أو تعديل صورة وفيديو، فضلا عن استخدام محتوى حقيقي بطريقة مضللة عبر اقتطاع جزء منه وإخراجه من سياقه.
وهذا التطور غير طبيعة الأخبار الزائفة، ولم يعد التحقق مقتصرا على السؤال عن صحة المعلومة، بل أصبح يشمل أصالة الصوت والصورة والفيديو والسياق الذي أخذ منه التصريح.
ولا يحتاج المحتوى المفبرك بالضرورة إلى إقناع جميع المتلقين، فقد يكون تسجيل أو فيديو مثير كافيا لخلق جدل أو زرع الشك حول شخصية سياسية، بينما يحتاج التحقق منه أو نفيه إلى وقت أطول، كما أن التصحيح لا يضمن الوصول إلى الجمهور نفسه الذي شاهد المحتوى الأصلي.
وتزداد حساسية هذا التفاوت خلال الفترات الانتخابية، حيث يمكن لمحتوى ينتشر خلال ساعات أن يؤثر على النقاش حول مترشح قبل التأكد من صحته.
“الهاكا” تطوق التضليل بالذكاء الاصطناعي
وبالتوازي مع المقتضيات القانونية، وضع المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري ضوابط للأخبار الزائفة والذكاء الاصطناعي ضمن القواعد المؤطرة لتغطية انتخابات 2026.
ويلزم القرار رقم 50-26 خدمات الاتصال السمعي البصري بالمساهمة في محاربة الأخبار الزائفة التي يمكن أن تؤثر على السير العادي للانتخابات أو تمس سلامة المعلومة الانتخابية، إلى جانب رفع يقظة الجمهور تجاه الأخبار المضللة بهدف صون الاختيار الحر والتصويت الواعي.
ويمنع القرار بث أي محتوى انتخابي مركب أو مولد بواسطة الذكاء الاصطناعي من شأنه تضليل الجمهور أو المساس بنزاهة وصدقية النقاش الانتخابي.
أما استخدام المحتوى الاصطناعي لأغراض إخبارية أو تفسيرية أو للتحقق، فيشترط الكشف عن طبيعته بشكل واضح، كما يجب أن يكون المحتوى المولد أو المعدل اصطناعيا قابلا للتعرف عليه، مع التنبيه إلى أي استنساخ أو محاكاة لصوت أو مظهر أو هوية شخص حقيقي.
ويمتد التنظيم إلى المحتوى الحقيقي المستخدم بشكل مضلل، إذ يلزم القرار وسائل الاتصال السمعي البصري بعدم فصل مقتطفات تصريحات وتعليقات الفاعلين السياسيين عن سياقها.

اترك تعليقاً