بعد أقل من أسبوعين على الأحداث التي أعادت ملف الهجرة غير النظامية عبر سبتة المحتلة إلى واجهة النقاش، عادت دعوات مضللة للظهور على منصات التواصل الاجتماعي، تحث على التوجه نحو المدينة ومحاولة العبور، في موجة جديدة تعيد وضع الدور المتنامي للفضاء الرقمي في التعبئة للهجرة تحت المجهر.
وتأتي هذه الدعوات، التي قال مرصد الشمال لحقوق الإنسان إنها مجهولة المصدر، في أعقاب أحداث نهاية يوليوز، وفي وقت بات فيه البعد الرقمي جزءا أساسيا من فهم ما يسبق تحرك الراغبين في الهجرة نحو المناطق الحدودية.
ولا يقتصر تكرار هذه الدعوات خلال فترة زمنية قصيرة على ما يحدث عند الحدود، بل يطرح أسئلة أوسع حول الأسباب الكامنة وراء سرعة تجدد التعبئة، وكيف يمكن لدعوة مجهولة المصدر أن تنتقل من منشور أو مقطع فيديو محدود التداول إلى محتوى واسع الانتشار، بما يعيد طرح سؤال آخر حول ما إذا كانت مراقبة المحتوى الرقمي والتدخل المبكر عبر المنصات أصبحت جزءا من الوقاية من موجات قد تنتقل في وقت قصير من الفضاء الافتراضي إلى أرض الواقع.
السلطات تتعبأ وتتوعد المروجين
وكشفت وزارة الداخلية، اليوم الأربعاء، إنها رصدت تداول منشورات ورسائل مجهولة المصدر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تحرض على تنظيم محاولات للعبور الجماعي غير القانوني نحو مدينتي سبتة ومليلية، محذرة من الانسياق وراء هذه الدعوات بالنظر إلى ما تنطوي عليه من مخاطر على سلامة الأشخاص، وما قد يترتب عنها من متابعات قانونية في حق المشاركين فيها أو المتورطين في الترويج لها.
وأكدت وزارة الداخلية أن السلطات تتابع الوضع عن كثب، وأن جاهزية الأجهزة الأمنية لا ترتبط بتاريخ محدد، بل تدخل ضمن منظومة يقظة مستمرة، خصوصا في المناطق القريبة من سبتة ومليلية، يجري تعزيزها وتكييفها تبعا لتطور الوضع الميداني.
ووصفت الوزارة هذه الممارسات بأنها تسعى إلى استغلال قضية الهجرة في أعمال تحريضية يجرمها القانون، في إشارة واضحة إلى أن التعامل مع الظاهرة لن يقتصر على إحباط محاولات العبور ميدانيا، وإنما سيشمل أيضا تتبع الجهات والأشخاص الذين يقفون وراء الدعوات الرقمية أو يساهمون في نشرها.
وأعلنت الداخلية أنها ستتخذ جميع التدابير الضرورية للتصدي لمحاولات العبور غير القانوني واعتراض كل من يسعى إلى المشاركة فيها، بالتوازي مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حق كل من يثبت تورطه في أعمال مخالفة للقانون، بما في ذلك مروجي هذه الدعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي هذا السياق، كشفت الداخلية أن التحركات الأمنية المرتبطة بهذه الدعوات أفضت بالفعل إلى توقيف مجموعة من الأشخاص يشتبه في قيامهم بأعمال تحريضية.
وتم إخضاع الموقوفين لمسطرة البحث القضائي تحت إشراف النيابة العامة المختصة، في خطوة تعكس انتقال التعامل مع الدعوات المتداولة من مرحلة الرصد والتحذير إلى مباشرة الإجراءات القضائية بشأن الحالات التي تشتبه السلطات في تورطها في التحريض.
لماذا عادت الدعوات بهذه السرعة؟
أظهرت محاولات 30 و31 يوليوز الماضي أن انتهاءها على الأرض لا يعني بالضرورة انتهاء أثرها رقميا، إذ تنتج كل موجة صورا وفيديوهات وشهادات تستمر في التداول بعد انتهاء الحدث، ويمكن أن تعود إلى الواجهة بمجرد ظهور دعوة جديدة.
غير أن خالد مونة، أستاذ علم الاجتماع بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، يرى أن المنصات الرقمية لا تخلق الرغبة في الهجرة من الصفر، لكنها أصبحت جزءا من البيئة التي يتشكل داخلها القرار.
ويوضح في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن الدوافع تختلف باختلاف الأفراد والأوضاع الاجتماعية، غير أن تكرار الصور والدعوات على منصات التواصل الاجتماعي يمكن أن يسرع الانتقال من التفكير إلى الفعل، خصوصا عندما يشعر الشاب بأن آخرين يستعدون للتحرك أيضا.
ويضيف أن “فهم هذه الموجات يقتضي عدم الاكتفاء بما يحدث عند الحدود، بل دراسة الفئات التي تتفاعل مع هذه الدعوات، ودوافعها، وكيف أصبحت المنصات والشبكات الاجتماعية جزءا من الطريقة التي يتخذ بها قرار الهجرة”.
حكم قضائي عابر للحدود
أحداث نهاية يوليوز الفائت تقدم نموذجا عمليا للطريقة التي يمكن أن تنتقل بها المعلومة من سياقها الأصلي إلى سردية مختلفة داخل المنصات، إذ ربط المجلس الوطني لحقوق الإنسان تصاعد المضامين الرقمية بصدور قرار المحكمة العليا الإسبانية رقم 814/2026 في 8 يوليوز، والمتعلق بالمسطرة القانونية الواجب اتباعها عند اعتراض مهاجرين في البحر.
لكن مضمون الحكم سرعان ما خضع لتأويلات مختلفة على شبكات التواصل الاجتماعي. ففي اليوم نفسه، رصد المجلس محتوى على صفحة “فيسبوكية” يتجاوز عدد متابعيها 90 ألف شخص، يقدم الحكم على أساس أن المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر عند العبور إلى سبتة أو مليلية “لا يمكن إرجاعهم”.
وبعد خمسة أيام فقط، ظهر مضمون مشابه داخل مجموعة يتجاوز عدد أعضائها 124 ألف شخص، وكانت تنشر بمعدل يصل إلى 231 تدوينة يوميا.
وبحسب رصد المجلس، استخدمت حسابات ومجموعات رقمية التضليل والترويج والتنسيق والإرشاد والتعبئة لتقديم رسالة أكثر تبسيطا وإغراء، مفادها أن الوصول عن طريق البحر يعني عدم إمكانية الإرجاع.
من منشور متفرق إلى موجة رقمية
قد تبدأ الدعوة بمنشور أو فيديو محدود، ثم يعاد نشره عبر حسابات أخرى، قبل أن ينتقل من منصة إلى أخرى أو إلى مجموعات التراسل الخاصة، وخلال هذه العملية، قد تضاف إلى المحتوى الأصلي معلومات وتعليقات جديدة، إلى درجة يصبح معها تحديد مصدر الرسالة الأولى أكثر صعوبة.
ومع تكرار المعلومة نفسها من حسابات مختلفة، قد يتولد لدى المستخدم انطباع بأن تعدد الجهات التي تتداولها دليل على صحتها، رغم أن الجميع قد يكون في الواقع بصدد إعادة إنتاج الرسالة المضللة الأولى نفسها.
وتكشف معطيات الرصد التي قدمها المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول أحداث نهاية يوليوز حجم البيئة الرقمية التي يمكن أن تتحرك داخلها هذه المضامين، فقد تابع المجلس منشورات 23 مجموعة على “فيسبوك” تضم مجتمعة أكثر من مليون و86 ألف عضو، وكانت تنتج أكثر من 1400 تدوينة يوميا في المتوسط، خلال الأيام التي سبقت أحداث سبتة الأخيرة.
كما امتد الرصد إلى “تيك توك” و”إنستغرام” و”إكس”، فضلا عن مجموعات مغلقة أو شبه مغلقة على “واتساب” و”تلغرام”.
ولم يقتصر الأمر على تداول صور أو نقاشات عامة حول الهجرة، إذ رصد المجلس داخل بعض هذه الفضاءات تبادل معلومات مرتبطة بالعبور، من نقاط الالتقاء وطرق الوصول إلى سبتة إلى تقاسم روابط مجموعات خاصة لمواصلة التنسيق بعيدا عن الفضاءات المفتوحة.
وتدخل أنظمة التوصية “الخوارزميات” بدورها في هذه المعادلة، إذ تقترح على المستخدم محتويات بناء على أنماط مشاهدته وتفاعله السابق، ما قد يجعل الشخص المهتم بموضوع الهجرة أكثر تعرضا لمحتويات مشابهة.
وتوضح لبنى الخواجة، الباحثة في الإعلام والتواصل الرقمي، أن “خطورة التضليل لا ترتبط فقط بالمعلومة غير الصحيحة، وإنما أيضا بسرعة تداولها وتكرارها، لأن ظهور الرسالة نفسها من حسابات متعددة قد يمنح المستخدم انطباعا بأنها مؤكدة، فيما يمكن لأنظمة التوصية أن توسع وصول المحتوى إلى أشخاص سبق أن أبدوا اهتماما بالموضوع”.
وتنبه الخواجة في حديثها لجريدة “AM+ MEDIA” في المقابل إلى أن “الانتشار الواسع لا يكفي وحده للحديث عن حملة منظمة، لأن إثبات التنسيق يحتاج إلى تحليل مصادر المنشورات وتوقيتاتها ومسارات انتشارها، لذلك تبرز أهمية الرصد والتفنيد السريع والتعاون مع المنصات، مع احترام الخصوصية وحرية التعبير”.
تعبئة جديدة نحو المجهول
بعد فترة قصيرة من أحداث نهاية يوليوز، عادت المؤشرات الرقمية للظهور، فقد أعلن مرصد الشمال لحقوق الإنسان رصده دعوات مجهولة المصدر متداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تدعو إلى محاولة عبور جديدة نحو سبتة.
وطالب المرصد بالتحقيق في مصادر هذه الدعوات والجهات التي تقف وراءها، في ظل المخاطر التي يمكن أن تترتب عن انتقال التعبئة مجددا من العالم الرقمي إلى تحركات ميدانية.
وتكمن حساسية الدعوات الجديدة في انتقالها من الحديث العام عن الرغبة في الهجرة إلى تحديد تاريخ بعينه، لأن وصول الرسالة نفسها إلى عدد كبير من الأشخاص خلال فترة زمنية متقاربة قد يجعل قرارات فردية منفصلة تتزامن في المكان والزمان.
وهو ما يعيد طرح السؤال نفسه الذي فرضته أحداث نهاية يوليوز؛ هل ينبغي انتظار وصول الموجة إلى الحدود، أم يمكن التدخل عندما تكون مؤشراتها لا تزال رقمية؟
هل أصبح ضبط الخوارزميات ضروريا؟
لم يعد التعامل مع هذا النوع من المحتوى مرتبطا بمحاربة الأخبار الزائفة فقط، بعدما أظهرت الأحداث الأخيرة أن التعبئة الرقمية يمكن أن تنتقل خلال فترة قصيرة إلى تحركات ميدانية.
ومن هذه الزاوية، يصبح التعاون مع المنصات جزءا من مقاربة وقائية أوسع، هدفها التقاط المؤشرات المبكرة والحد من انتشار المضامين المضللة أو الدعوات التي يمكن أن تعرض سلامة الأشخاص والأمن العام للخطر.
وقد دخل هذا الخيار بالفعل مرحلة التطبيق، بعدما وافقت شركتا “ميتا” و”تيك توك” على اتخاذ إجراءات مرتبطة بالمحتويات المتعلقة بعبور الحدود إلى إسبانيا.
وفعلت المنصتان بروتوكولات للأزمات وآلية خاصة للتعاون مع مدققي الحقائق، إلى جانب إجراءات للتعامل مع المحتويات المخالفة المرتبطة بتهريب الأشخاص.
وبذلك لم يعد دور شبكات التواصل الاجتماعي مجرد موضوع للنقاش حول تأثيرها في الشباب، بل أصبح جزءا من التعامل المؤسساتي مع تداعيات موجات العبور والتضليل الرقمي.
هل يحتاج المغرب إلى مرصد وطني للهجرة؟
تكرار موجات التعبئة يطرح في المقابل سؤالا مؤسساتيا حول إمكانية تجميع مختلف المؤشرات المرتبطة بالهجرة داخل آلية واحدة للمعرفة والتحليل والاستباق.
فالمعطيات المتعلقة بالظاهرة موزعة بين قطاعات ومؤسسات متعددة، في وقت أصبحت فيه الهجرة تتقاطع مع عوامل اقتصادية واجتماعية وديمغرافية ونفسية وأمنية ورقمية.
ومن هنا يمكن طرح فكرة مرصد وطني للهجرة، لا باعتباره جهازا لمراقبة شبكات التواصل الاجتماعي، وإنما آلية تجمع ما هو موزع اليوم بين المعطيات الميدانية والبحث العلمي والدراسات الاجتماعية والديمغرافية والمؤشرات الرقمية العامة.
وتشير لبنى الخواجة في هذا السياق أن المغرب اليوم في حاجة إلى مرصد وطني للهجرة لكن بشرط ألا يكون مجرد مؤسسة إضافية تنتج التقارير والأرقام، لأن المطلوب هو آلية تشتغل بشكل مستمر على رصد الظاهرة وفهم التحولات التي تعرفها خصوصا أننا لم نعد أمام هجرة مرتبطة فقط بالوضع الاقتصادي أو البحث عن العمل.
وأبرزت أن هناك تأثير واضح لمواقع التواصل الاجتماعي وتغير في الفئات العمرية وفي طريقة اتخاذ قرار الهجرة وحتى في سرعة انتشار الدعوات إلى العبور، موضحة أن وجود مرصد يمكن أن يسمح بتجميع المعطيات الموجودة لدى مختلف القطاعات وتحليلها وربط ما يحدث في الفضاء الرقمي بما يحدث على الأرض.
وشددت على أن هذا مهم لأننا في كثير من الأحيان نبدأ في مناقشة الهجرة عندما يصل الشباب إلى الحدود بينما السؤال الأساسي ماذا حدث قبل ذلك؟ لماذا قرر هؤلاء الشباب الهجرة ومن أين حصلوا على المعلومات؟ وكيف تحولت دعوات متفرقة على مواقع التواصل إلى تحرك جماعي؟”، مضيفة أنه إذا استطعنا الإجابة عن هذه الأسئلة بشكل مبكر يمكن أن ننتقل من رد الفعل إلى الاستباق”.

اترك تعليقاً