التصنيف: تحت المجهر

  • 18 عاما وسبع محطات قيادية.. “البام” باستقرار تنظيمي وخطى ثابتة نحو الانتخابات

    18 عاما وسبع محطات قيادية.. “البام” باستقرار تنظيمي وخطى ثابتة نحو الانتخابات

    منذ تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008، تعاقبت على قيادته أسماء وشخصيات اختلفت معها مراحل الحزب وموقعه داخل المشهد السياسي، من سنوات التأسيس والصعود الانتخابي، إلى تجربة المعارضة، ثم المشاركة لأول مرة في تدبير الشأن الحكومي بعد انتخابات 2021.

    لكن التحول التنظيمي الأبرز في مسار الحزب لم يرتبط بانتقاله من المعارضة إلى الأغلبية الحكومية فقط، بل جاء خلال مؤتمره الوطني الخامس في فبراير 2024، عندما قرر التخلي عن النموذج التقليدي القائم على أمين عام واحد، وتعويضه بقيادة جماعية للأمانة العامة.

    ثمانية عشر عاما بعد التأسيس، يجد الحزب نفسه أمام تجربة مختلفة عن مختلف المراحل السابقةن فالقرار لم يعد مرتبطا بشخص واحد في قمة التنظيم، بل بثلاثة أعضاء يشكلون قيادة واحدة، في نموذج يسعى الحزب من خلاله إلى توزيع المسؤولية وتوسيع دائرة اتخاذ القرار والحد من شخصنة العمل الحزبي.

    ومع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، تستعد هذه التجربة لأول اختبار انتخابي وطني لها، ما يفتح السؤال حول حصيلتها التنظيمية بعد أكثر من سنتين على اعتمادها، وحول مدى قدرتها على ركوب تحدي واحدة من أكثر المحطات حساسية في حياته السياسية.

    من ستة أمناء عامين إلى قيادة جماعية

    منذ ميلاد الأصالة والمعاصرة، ظل نموذج الأمين العام الفردي هو القاعدة التي حكمت التنظيم كباقي الأحزاب الأخرى، فتولى حسن بنعدي الأمانة العامة عند تأسيس الحزب سنة 2008، ثم انتقلت القيادة إلى محمد الشيخ بيد الله بعد المؤتمر الوطني الأول سنة 2009، فمصطفى بكوري في مؤتمر 2012، ثم إلياس العماري سنة 2016، ثم حكيم بنشماش سنة 2018، قبل أن يصل عبد اللطيف وهبي إلى الأمانة العامة عقب المؤتمر الوطني الرابع سنة 2020.

    ست قيادات فردية تعاقبت بذلك على الحزب قبل أن يأتي المؤتمر الخامس، المنعقد في بوزنيقة في فبراير 2024، ويغير للمرة الأولى البنية التي حكمت قمة “الجرار” منذ تأسيسه.

    ففي 10 فبراير 2024، صادق الحزب على صيغة القيادة الجماعية، وانتخب المجلس الوطني فاطمة الزهراء المنصوري، ومحمد مهدي بنسعيد، وصلاح الدين أبو الغالي ضمن قيادة ثلاثية للأمانة العامة، مع تولي المنصوري مهمة التنسيق الوطني للقيادة.

    وبعد التطورات التنظيمية التي عرفها الحزب خلال السنة نفسها، انتخب المجلس الوطني في 19 أكتوبر 2024 فاطمة السعدي عضوا في القيادة الجماعية خلفا لصلاح الدين أبو الغالي، لتصبح القيادة مكونة من فاطمة الزهراء المنصوري ومحمد مهدي بنسعيد وفاطمة السعدي.

    نموذج متفرد

    ولا تعد القيادة الجماعية التي اعتمدها البام في مؤتمره الوطني جديدة على المشهد السياسي، فقد سبق لأحزاب أخرى في خمسينات وستينات وتسعينات القرن الماضي تبني هذه النظام بصيغ متفاتة في وقت أزماتها الداخية، غير أنه ليس الوضع ذاته بالنسبة لحزب الأصالة والمعاصرة.

    خصوصية تجربة “البام”، ليست في وجود ثلاثة أسماء في قمة التنظيم، وإنما الطريقة التي جرى بها توزيع الصلاحيات، وربط ممارسة القيادة بالتوافق والتداول داخل الأمانة العامة والمكتب السياسي والمجلس الوطني، بما جعل القيادة الجماعية جزءا من هندسة مؤسساتية أشمل، لا مجرد ترتيب مرحلي أو صيغة انتقالية، كما هو الحال في تجاربة سابقة لأحزاب مغربية.

    وبهذا المعنى، أعاد حزب الأصالة والمعاصرة صيغة القيادة الثلاثية إلى واجهة الحياة السياسية المغربية، لكن في سياق سياسي وتنظيمي مختلف، وبكيفية ومضمون وصلاحيات وآليات تجعل تجربته مختلفة.

    لماذا أنهى البام نموذج القيادة المنفردة؟

    لم يقدم قادة الأصالة والمعاصرة قرار فبراير 2024 باعتباره مجرد تغيير في أسماء المسؤولين، بل بوصفه محاولة لإعادة النظر في طريقة ممارسة القيادة نفسها.

    محمد مهدي بنسعيد اعتبر، عقب المؤتمر الخامس، أن القيادة الجماعية تمثل خيارا استراتيجيا يروم تجديد أنماط التفكير والتنظيم والتدبير، والانتقال من التركيز على الأشخاص إلى التركيز على المشروع السياسي للحزب.

    أما فاطمة الزهراء المنصوري، فقد أوضحت، بعد المؤتمر، أن القيادة ستعمل بمنطق التوافق، وأن الأمر لا يتعلق بوجود ثلاثة رؤوس متنافسة داخل الحزب، كما ارتبط اختيار منسقة وطنية للقيادة بمتطلبات التمثيل القانوني والتنظيمي للحزب.

    وبعد أكثر من سنتين على اعتماد هذه الصيغة، لم يعد النقاش مرتبطا فقط بأسباب اختيارها، وإنما بما أنتجته فعليا داخل الحزب، ومدى قدرتها على تحويل فكرة الجماعية من مقتضى تنظيمي إلى ممارسة يومية في تدبير القرار.

    نجوى كوكوس: دينامية تنظيمات الحزب مقياس النجاح

    وترى رئيسة المجلس الوطني للحزب، نجوى كوكوس، أن تقييم التجربة يجب أن ينطلق من التحولات التي عرفها الأصالة والمعاصرة منذ مؤتمر 2020، وليس فقط من لحظة انتخاب القيادة الجديدة.

    وفي حوار مع “AM+ MEDIA”، سينشر قريبا، تعتبر كوكوس أن المؤتمر الوطني لسنة 2024 شكل محطة مفصلية، لكونه جاء بعد أول تجربة للحزب في تدبير الشأن الحكومي منذ 2021، وبعد مرحلة تنظيمية بدأت منذ مؤتمر 2020 بهدف تثمين ما تحقق داخل الحزب ومراجعة عدد من أساليب التدبير السابقة.

    وتوضح أن الانتقال إلى القيادة الجماعية لم يكن قرارا فرديا أو ظرفيا، بل جاء نتيجة نقاش داخل هياكل الحزب، وانتهى إلى اختيار نموذج يقوم على توزيع المسؤولية وتوسيع مساحة التداول حول القرارات.

    وبحسب رئيسة المجلس الوطني، فإن أبرز ما أفرزته التجربة هو تراجع مساحة القرار الفردي لصالح المؤسسات، إذ تتم مناقشة القرارات داخل القيادة الجماعية ثم المكتب السياسي، فيما تصل بعض القضايا إلى المجلس الوطني.

    وتقول كوكوس في هذا السياق إن “القيادة الجماعية أثبتت نجاعتها لأنها تقوم على إشراك الجميع في صناعة القرار، فلا مجال لقرار فردي داخل الحزب، بل إن مختلف القرارات يتم التداول بشأنها داخل القيادة الجماعية، كما تُعرض على المكتب السياسي، بل إن بعض القرارات تُحال أيضا على المجلس الوطني، وهو ما يعزز مبدأ المؤسسات ويكرس العمل الجماعي”.

    وترى أن نجاح التجربة لا يقاس فقط باستمرار القيادة نفسها، وإنما بالدينامية التي تعرفها مختلف تنظيمات الحزب، سواء على المستوى المحلي أو الجهوي أو داخل التنظيمات الموازية، معتبرة أن هذه الدينامية تندرج ضمن المبادئ التي رفعها الحزب منذ تأسيسه، وفي مقدمتها تحرير الطاقات وتجديد النخب.

    وبالنسبة إلى رئيسة المجلس الوطني، فإن التجربة حققت إلى حدود اليوم نتائج إيجابية، على أن يكون الاستحقاق التشريعي المقبل أول انتخابات وطنية يخوضها الحزب تحت هذا النموذج القيادي.

    القيادة الجماعية في اختبار الانتخابات

    ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يتحول سؤال القيادة الجماعية من مسألة تنظيمية داخلية إلى قضية مرتبطة مباشرة بإدارة الحملة السياسية.

    فالانتخابات تفرض سرعة اتخاذ القرار، ووحدة الخطاب، وتوزيع المسؤوليات، والتفاعل اليومي مع المستجدات، وهي وظائف ارتبطت تاريخيا في الأحزاب بصورة الأمين العام الذي يتحمل مسؤولية قيادة الحملة.

    لكن نجوى كوكوس ترى أن تعدد أعضاء القيادة لا يعني تعدد الخطابات، فهي تعتبر أن فاطمة الزهراء المنصوري ومحمد مهدي بنسعيد وفاطمة السعدي ينتمون إلى المسار السياسي والتنظيمي نفسه داخل الأصالة والمعاصرة، ويتقاسمون المرجعية والوثائق والمشروع السياسي ذاته، وهو ما يجعل اختلاف الأشخاص عاملا لتكامل الأدوار وليس لإنتاج مواقف متعارضة.

    وتضيف أن ما يجمع أعضاء القيادة الجماعية يتجاوز تحمل المسؤولية التنظيمية، لأنه يقوم على مسار حزبي مشترك وعلى قناعة واحدة بالمبادئ والاختيارات التي راكمها الحزب خلال مختلف محطاته.

    ومن هذا المنطلق، ترى كوكوس أن الخطاب يظل منسجما، سواء في اللقاءات الإعلامية أو في التواصل مع المناضلين، على أساس أن أعضاء القيادة يكمل بعضهم بعضا ولا يقدمون خطابات متعارضة.

    أما فيما يتعلق بتدبير المرحلة الانتخابية، فتؤكد أن هناك توزيعا واضحا للأدوار بين أعضاء القيادة الجماعية، الذين يشكلون أمانة عامة واحدة تعمل في إطار من التكامل والتنسيق المستمر، وهو ما يجعل هذا النموذج، “مصدر قوة أكثر من كونه مصدر اختلاف”. وسيكون هذا الانسجام أمام أول اختبار انتخابي وطني له خلال استحقاقات شتنبر المقبل، حين تنتقل القيادة الجماعية من تدبير الحياة التنظيمية والسياسية اليومية للحزب إلى قيادة حملة انتخابية وطنية، بما تتطلبه من سرعة في القرار وتنسيق بين الهياكل ووحدة في الخطاب السياسي.

  • من إرث التأسيس إلى طموح الصدارة.. رحلة صعود “البام” في الذكرى الـ18 لتأسيسه

    من إرث التأسيس إلى طموح الصدارة.. رحلة صعود “البام” في الذكرى الـ18 لتأسيسه

    في الثامن من غشت، التاريخ الذي يحيي فيه ذكرى تأسيسه، يدخل حزب الأصالة والمعاصرة عامه الـ18 وهو في موقع يختلف جذريا عن ذلك كان فيه سنة 2011، عندما كان “الجرار” يقاوم أزمة شرعية سياسية حادة، ويواجه اتهامات خصومه.

    لكنه اليوم، وهو يطوي الصفحة الـ18 من تاريخ تلك الأحداث بسلبياتها وإيجابياتها، يجد نفسه شريكا في الأغلبية الحكومية، ويعلن صراحة طموحه في تصدر الانتخابات التشريعية المرتقبة بعد قرابة شهرين من الآن.

    وعرف الحزب صعودا انتخابيا سريعا، واستقالات من القيادة، وصراعا تنظيميا، وتحولا من المواجهة المفتوحة في المعارضة إلى المشاركة في تدبير السلطة، ثم واجه ملفات قضائية مست بعض أبرز وجوهه، قبل أن يجرب، منذ 2024، صيغة غير مألوفة في الحياة الحزبية المغربية تقوم على “القيادة الجماعية”.

    ولا يمكن اختزال ذكرى تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة في تعاقب الأمناء العامين، أو في أزمات متواترة، لأنها في جانب كبير، قصة حزب ظل يعيد تعريف وظيفته السياسية، من مخاض البدايات، إلى حزب معارضة برلمانية، ثم إلى حزب في الحكومة يعد اليوم من أبرز المرشحين لقيادة المرحلة المقبلة.

    مخاض التأسيس العسير

    يكشف أحمد اخشيشن، رئيس أكاديمية حزب الأصالة والمعاصرة، أن مخاض تأسيس الحزب ارتبط، بأزمة أوسع عاشها الحقل السياسي المغربي أكثر مما ارتبط بمجرد قرار لإحداث تنظيم حزبي جديد.

    فاخشيشن يؤكد لجريدة “AM+ MEDIA” أن “البام” جاء “نتاج مخاض مجتمعي، وكان مشروعا جماعيا اخترقته التجاذبات بين أطراف كانت تركض خلف الغلبة لهذا الطرف أو ذاك”، بما يعكس منذ البداية تعدد الروافد والحساسيات التي التقت داخل المشروع، وما رافق ذلك من تنافس حول أهدافه.

    ويعيد اخشيشن جذور هذا المسار إلى تجربة حركة لكل الديمقراطيين، التي كان يرأسها، ومحاولة الانفتاح على مكونات سياسية مختلفة، مشيرا إلى أنه “يوم أطلقنا الحركة لكل الديمقراطيين توجهنا إلى أغلبية الأطياف السياسية، لكننا لم نجد قبولا”، مبرزا أنه كان ينظر لها بأنها منافس أكثر منه إضافة للمشهد السياسي المغربي.

    ووفق اخشيشن، جاء مشروع الحركة في سياق اتسم بتراجع الثقة في الوسائط السياسية، عبرت عنه انتخابات 2007، التي شهدت أقل نسبة مشاركة في تاريخ المغرب، والتي اعتبرها “دليلا على عدم اقتناع المواطنين بالحلول التي كانت مقدمة آن ذاك”.

    لذلك يرفض عضو المكتب السياسي لـ”الجرار” اختزال ولادة الحزب في استجابة ظرفية، مؤكدا أن “تأسيس الحزب لم يكن نزوة ظرفية، بل حركة فكرية وسياسية، اشتغلت طيلة سنتين من خلال اللقاءات والنقاشات الحقيقية”.

    لذلك، يقدم اخشيشن تأسيس “البام” باعتباره محاولة لملء فجوة بين التحولات الديمقراطية التي عرفها المغرب وبين عرض سياسي لم يواكبها بالوتيرة نفسها، وهي قراءة يدافع من خلالها أيضا عن استمرارية مشروعية الحزب.

    من الدولة الاجتماعية إلى السيادة

    يقوم المشروع السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، وفق وثيقته المرجعية، على ثلاث قيم مركزية هي، الكرامة والأمل والمواطنة، فالكرامة، وفق المصدر ذاته، ترتبط بمحاربة التهميش والتمييز والفساد والريع، وضمان الولوج العادل إلى التعليم والصحة والسكن، فيما يتأسس الأمل على الاستثمار في الشباب وخلق فرص الشغل وتشجيع المبادرة والابتكار والارتقاء الاجتماعي، أما المواطنة، فتقوم على المشاركة الفاعلة في الحياة العامة وربط الحقوق بالواجبات وإشراك المواطنين في صناعة القرار.

    اقتصاديا واجتماعيا، يدافع الحزب عن بناء دولة اجتماعية قوية تستند إلى اقتصاد منتج ومستدام، قادر على خلق الثروة وتوزيعها بصورة أكثر إنصافا، مع دعم المبادرة الخاصة وإعادة الاعتبار لقيمة العمل، إضافة إلى أن ويضع ضمن أولوياته تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتأهيل العالم القروي، وتمكين النساء والشباب، وإصلاح منظومتي التعليم والصحة، وتعزيز البحث العلمي والابتكار.

    سياسيا ومؤسساتيا، يرتكز تصور “البام” على تكريس دولة الحق والقانون، وتعزيز الحقوق والحريات، وإصلاح منظومة العدالة، وتخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد والمحسوبية، إلى جانب استكمال البناء المؤسساتي الذي أرساه دستور 2011، وتوسيع مجال الديمقراطية التشاركية، ويجعل من الجهوية المتقدمة ونقل الاختصاصات والموارد إلى الجهات رافعة لتحقيق العدالة المجالية.

    ويولي الحزب أهمية خاصة للتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والاستدامة البيئية، والأمن المائي والغذائي والطاقي والطاقات المتجددة.

    ويحتل تثمين الهوية المغربية بتعدد روافدها والانفتاح على القيم الكونية مكانة بارزة في الوثيقة المرجعية لحزب الأصالة والمعاصرة.

    ويضع أيضا، على مستوى السياسة الخارجية، الوحدة الترابية وقضية الصحراء المغربية في صدارة الأولويات، مع دعم تنويع الشراكات الدولية، وتعزيز الحضور المغربي في إفريقيا والفضاء الأطلسي، وتعبئة إمكانات مغاربة العالم لخدمة التنمية والمصالح الوطنية.

    كيف حافظ البام على تماسكه؟

    ككل الأحزاب، فتاريخ الأصالة والمعاصرة لم يكن قصة استقرار، فمنذ 2011، مر الحزب بلحظات كان يمكن لأي واحدة منها أن تنتج انشقاقا دائما أو انهيارا تنظيميا، من قبيل الضغط السياسي الذي عاشه حول صورة الحزب ومشروعيته، ومغادرة أو استقالة قيادات، وأزمة قيادة في 2017، ثم الصراع التنظيمي بين الأمانة العامة و”تيار المستقبل” بين 2018 و2020 وصل جزء منه إلى القضاء، قبل أن تأتي لاحقا ملفات قضائية مست مسؤولين وقياديين سابقين وتضع صورة الحزب أمام اختبار أخلاقي وسياسي جديد، كما واجهت القيادة الجماعية الحالية سنة 2024 أزمة صلاح الدين أبو الغالي بعد أشهر فقط من انتخابها.

    لكن القاسم المشترك بين هذه المحطات لم يكن غياب الخلاف، بل قدرة الحزب على إبقائه داخل سقف تنظيمي انتهى، في كل مرة تقريبا، إلى إعادة تركيب القيادة بدل تفكيك الحزب.

    فمرحلة 2011 أعقبها مؤتمر 2012 وقيادة جديدة؛ وانتهى الصراع الداخلي الكبير إلى مؤتمر 2020 وانتخاب عبد اللطيف وهبي؛ ثم جاء مؤتمر 2024 بصيغة القيادة الجماعية، وحتى عندما اهتزت هذه الصيغة بخلاف أبو الغالي، عوضه المجلس الوطني في أكتوبر 2024 بفاطمة السعدي، واستمرت الآلية نفسها في قيادة الحزب بثبات واستقرار قبيل شهرين من الانتخابات التشريعية المقبلة.

    ما تكشفه هذه الأزمات مجتمعة هو أن “البام” لم يكن حزبا بلا تجاذبات، وإنما حزبا طور مع الوقت قدرة أكبر على إدارة الصراع من دون أن يتحول تلقائيا إلى انشقاق، لذلك يؤكد رئيس أكاديمية “البام” أن وصول التنظيم إلى “مرحلة النضج كانت ضريبته هي كل التجاذبات والتقاطبات التي طبعت مرحلة المخاض”.

    ويوضح اخشيشن أن “18 سنة تَظهر أنها مدة زمنية طويلة، لكنها مقارنة مع تاريخ المغرب قصيرة جدا، وبالتالي هذ القياس اليوم يفيد لتقييم المسافة والمسار”.

    من 47 إلى 102 ثم 87 مقعدا

    لم يخرج حزب الأصالة والمعاصرة من دائرة القوى الكبرى منذ أول اختبار تشريعي، ففي انتخابات 2011، التي جرت في سياق سياسي استثنائي أعقب حركة 20 فبراير والإصلاح الدستوري، حصل “البام” على 47 مقعدا في مجلس النواب، وحل رابعا.

    لكن قبلها، نجح “الجرار” في السيطرة على نتائج الانتخابات الجماعية 2009، بحصده 6015 مقعدا، أي 21.7 في المئة من المقاعد، بعد اقل من سنة واحدة على تأسيسه.

    وسنة 2015، قدمت الانتخابات الجماعية مؤشرا أكثر وضوحا على قدرته على بناء نفوذ ترابي، فقد تصدر “الجرار” نتائج المجالس الجماعية بـ6655 مقعدا، أي 21.12 في المئة من المقاعد، ثم في 2016 حقق قفزة تشريعية كبيرة بحصوله على 102 مقعد، ليحل ثانيا، لكنه بدل التهافت على كرسي ضمن الائتلاف الحكومي، اختار الاصطفاف في المعارضة.

    أما في انتخابات 2021، فقد تراجع “البام” عدديا من 102 إلى 87 مقعدا، لكنه حافظ على الرتبة الثانية، وهي النتيجة التي فتحت للحزب بابا لم يدخله من قبل للمشاركة لأول مرة في الحكومة ضمن أغلبية ثلاثية مع التجمع الوطني للأحرار والاستقلال.

    معارضة بناءة

    خلال عقد المعارضة، اتخذ الحزب عددا من المواقف البرلمانية الدالة على هويته السياسية، فقد كان من أشد منتقدي حكومتي بنكيران والعثماني، ووصل الأمر سنة 2018 إلى التلويح بملتمس رقابة ضد حكومة سعد الدين العثماني، من دون أن تتحول المبادرة إلى مسطرة تنتهي بإسقاط الحكومة.

    لكن الحزب لم يصوت ضد كل مشاريع الأغلبية، في مؤشر على أنه لا يصطف في المعارضة من أجل المعارضة فقط، ففي 2019 أيد القانون الإطار 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين، بما فيه خيارات التناوب اللغوي وتدريس مواد علمية بلغات أجنبية، كما كان كان من أبرز المدافعين عن احتساب القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية سنة 2021.

    وفي ملف استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية سنة 2020، اتخذ الحزب موقفا مؤيدا للقرار في إطار الدفاع عن المصالح الاستراتيجية للمغرب، مع التأكيد على دعم القضية الفلسطينية، وأصبح خطابه أكثر تركيزا على إدانة العمليات الإسرائيلية والدفاع عن الحقوق الفلسطينية بعد الحرب على غزة.

    من امتحان المعارضة إلى عبء الحصيلة

    وانتقل “البام” بعد انتخابات 8 شتنبر 2021 لأول مرة من موقع مراقبة السياسات العمومية وانتقادها إلى موقع المسؤولية المباشرة عنها، بعدما أصبح مكونا بارزا من مكونات الأغلبية الحكومية، إلى جانب الأحرار والاستقلال.

    وتولى وزراء “البام” حقائب وزارية حساسة، من إعداد التراب الوطني والإسكان والشباب والثقافة والتواصل، إلى العدل والتشغيل والتعليم العالي ثم الانتقال الرقمي والطاقي.

    هذا التحول أعاد صياغة خطابه البرلماني والسياسي، ففي الأغلبية، صار الفريق البرلماني للحزب جزءا من صناعة وتمرير الاختيارات الحكومية، مع إبراز أولويات يعتبرها امتدادا لمرجعيته على رأسها الدولة الاجتماعية، والعدالة المجالية، والتشغيل، ودعم السكن، وتحديث التشريعات، وتوسيع مشاركة النساء والشباب، ومواكبة إصلاح مدونة الأسرة من منظور حداثي.

    طموح تصدر الانتخابات

    في 25 يوليوز 2026، لم تترك قيادة الأصالة والمعاصرة هدفها الانتخابي في منطقة التلميح، فالبيان الختامي للدور الـ32 للمجلس الوطني أعلن صراحة “طموح الحزب لتصدر نتائج الاستحقاقات الانتخابية المقبلة”.

    ويستند هذا الطموح إلى قاعدة 87 مقعدا التي انطلق منها بعد 2021، وهي ثاني أكبر كتلة حزبية أفرزتها تلك الانتخابات، إضافة إلى شبكة المنتخبين والحضور الترابي التي راكمها على امتداد سنوات، زيادة على موقعه داخل الحكومة وما وفره من حضور لعدد من قياداته في تدبير قطاعات مباشرة الصلة بالمواطنين.

    ويضاف إلى ذلك وصول القيادة الجماعية إلى الموسم الانتخابي بدرجة من الاستقرار التنظيمي، بعدما كانت انتخابات سابقة تسبقها أو ترافقها صراعات حول مركز القيادة.

    ويؤكد أحمد اخشيشن في هذا السياق أن شروط المرحلة الحالية تغيرت جذريا، لأن المطالب اختلفت بشكل كبير عن مرحلة المخاض والتأسيس، موضحا “نتحدث اليوم عن الدولة الاجتماعية، والدعم المباشر، عن الشباب وحقوق المرأة… وهي مطالب لم تكن في تلك الفترة”، وهكذا ينتقل سؤال “البام”، وفق عضو المكتب السياسي الذي يعتبره الباميون “الأب الروحي” للحزب، من مبررات التأسيس إلى مدى قدرته على تجديد عرضه السياسي لمواكبة تحولات المجتمع وانتظاراته الجديدة.

    عرض سياسي متكامل

    ويتجلى التحول الأهم في مسار حزب الأصالة والمعاصرة ليس في أمين عام أو رقم انتخابي، بل في تغير الرهان، ففي 2011 كان الحزب مطالبا بإثبات أنه قادر على البقاء في سياق سياسي صعب، ثم في 2020 كان مطالبا بمنع صراعه الداخلي من التحول إلى انقسام، وفي 2021 كان عليه أن يثبت قدرته على الانتقال من المعارضة إلى الحكومة، وفي 2024 اختار أن يختبر نموذجا جماعيا للقيادة، أما في 2026، فالمطلوب هو تحويل كل ذلك إلى عرض انتخابي مقنع.

    ويشير اخشيشن في هذا السياق إلى أن “أهم ما يمز البام اليوم أنه مكون كامل الحضور في المشهد السياسي، وأصبح قيمة مضافة للساحة السياسية”، مشيرا إلى أن الحزب قدم عرضا سياسيا متكاملا لمغرب المستقبل، سيما أن شروط المغرب الصاعد متوفرة ونموذجنا التنموي بلغ مرحلة من النضج تجعله مؤهلا لدخول ضمن الدول الصاعدة، والأصالة والمعاصرة قادر على أن يستثمر هذه الشروط في المرحلة المقبلة وتنزيلها على أرض الواقع لدخول نادي الدول الصاعدة”.

    وشدد اخشيشن على أن طموح وقناعة الأصالة والمعاصرة اليوم أن يكون الحزب حاضرا بقوة في قيادة المرحلة المقبلة، لأننا “قدمنا مشروعا يجيب عن انتظارات الشباب والمرأة وكل المغاربة”، بيد أنه أكد أن العرض السياسي للحزب لن يظل شعارات ولا حبرا على ورق “لأننا نتوفر على فرق قادرة على رفع هذا التحدي، لا تتوفر على الكفاءة فقط، بل أيضا على القدرة على الإنجاز وتنزيل السياسات”.

  • الصحراء المغربية.. كيف يخدم التحول الكولومبي موقف الرباط بمجلس الأمن؟

    الصحراء المغربية.. كيف يخدم التحول الكولومبي موقف الرباط بمجلس الأمن؟

    هذا التحول لا يستمد أهميته فقط من إضافة دولة جديدة إلى قائمة الدول التي تعزز الموقف المغربي في قضية الصحراء، بل من كون كولومبيا تعد من الدول ذات الوزن السياسي والاقتصادي في أمريكا الجنوبية، وهي منطقة احتفظت فيها ميليشيا البوليساريو تاريخيا بشبكة من العلاقات والدعم، كما أن بوغوتا تشغل حاليا مقعدا غير دائم في مجلس الأمن خلال الفترة 2026-2027.

    وبين كولومبيا التي أعادت، مع وصول غوستافو بيترو إلى السلطة سنة 2022، علاقاتها مع البوليساريو، وكولومبيا التي تعلن اليوم، في عهد الرئيس الجديد أبيلاردو دي لا إسبرييلا، الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، تغير موقع دولة كانت تحسب، إلى وقت قريب، ضمن الأصوات غير المريحة للرباط داخل مجلس الأمن.

    من بوغوتا إلى مجلس الأمن.. أكثر من اعتراف جديد

    أعلنت كولومبيا موقفها الجديد خلال لقاء جمع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، بنائب الرئيس الكولومبي خوسيه مانويل ريستريبو، بحضور وزير العلاقات الخارجية عمر بولا إسكوبار.

    وأكد إسكوبار أن بلاده “تعترف بسيادة المغرب على صحرائه”، فيما اعتبر ريستريبو أن القرار يشكل “بداية جديدة” في العلاقات بين البلدين، وذهب أبعد من ذلك بوصف المغرب بـ”حليف كولومبيا الرئيسي في إفريقيا”، معبرا عن رغبة بلاده في إقامة شراكة استراتيجية مع المملكة.

    أما وزير الخارجية المغربية، فوصف سحب بوغوتا اعترافها بالكيان الانفصالي والاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء بالقرار “التاريخي”، معتبرا أنه قادر على منح دفعة قوية للعلاقات الثنائية.

    لكن القراءة السياسية للقرار تتجاوز العلاقات بين الرباط وبوغوتا، بالنظر إلى أن كولومبيا تشغل منذ يناير 2026 مقعدا غير دائم في مجلس الأمن، وتستمر عضويتها إلى غاية نهاية 2027، وهو معطى يمنح التحول الجديد وزنا إضافيا، لأن بوغوتا ستكون حاضرة بصوتها داخل المجلس لدعم المغرب.

    أكتوبر.. أول اختبار للموقف الجديد

    يأتي التحول الكولومبي بعد أقل من سنة من اعتماد مجلس الأمن القرار رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025، الذي جدد ولاية “المينورسو” إلى غاية 31 أكتوبر 2026، ومنح مقترح الحكم الذاتي المغربي أولوية في تسوية سياسية للنزاع المفتعل.

    واعتمد القرار بـ11 صوتا دون أي صوت معارض، مقابل امتناع ثلاثة أعضاء، فيما لم تشارك الجزائر في التصويت.

    وبالتالي، سيكون أكتوبر 2026 أول موعد كبير يمكن أن تظهر فيه عمليا توجهات الدبلوماسية الكولومبية الجديدة بشأن الملف.

    واللافت أن بوغوتا كانت، إلى وقت قريب، تُقرأ في الاتجاه المعاكس، إذ في تحليل نشر في يونيو الماضي حول تركيبة مجلس الأمن وتأثيرها على ملف الصحراء، اعتبر السفير السابق والباحث في العلاقات الدولية، أحمد فوزي، أن كولومبيا كانت العضو الذي يمكن أن يعارض التطور الذي يعرفه الملف، رابطا ذلك باعتبارات إيديولوجية أكثر منها بحسابات مرتبطة بتطور النزاع نفسه.

    تحول بدلالات متعددة الأبعاد

    وفي هذا السياق، يرى محمد زكرياء أبو الذهب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن التحول الكولومبي يحمل دلالة تتجاوز العلاقات الثنائية، بالنظر إلى عضوية بوغوتا الحالية في مجلس الأمن وتوقيت القرار قبيل استحقاق أكتوبر.

    ويوضح أبو الذهب في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن “انتقال كولومبيا من الاعتراف بالكيان الانفصالي إلى الاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه يمثل تحولا سياسيا مهما في ميزان المواقف داخل مجلس الأمن، لأن الأمر يتعلق بدولة تملك اليوم صوتا داخل المجلس، ما يعزز الدينامية الدبلوماسية الداعمة للموقف المغربي، خصوصا مع اقتراب مناقشة الملف مجددا في أكتوبر المقبل”.

    ويضيف أن هذا التحول يحمل دلالة إضافية بالنظر إلى موقع كولومبيا داخل أمريكا اللاتينية، التي شكلت تاريخيا إحدى ساحات تحرك البوليساريو.

    أربع سنوات بين موقفين متناقضين

    في غشت 2022، بعد وصول الرئيس اليساري غوستافو بيترو إلى السلطة، أعادت كولومبيا علاقاتها مع ما يسمى “الجمهورية الصحراوية” الوهمية، بعدما كانت هذه العلاقات مجمدة منذ سنوات.

    وفي أبريل 2026، قبل أربعة أشهر فقط من رحيل بيترو، استقبلت الرئاسة الكولومبية أوراق اعتماد ممثل للبوليساريو بصفته سفيرا في بوغوتا.

    لكن العلاقة مع البوليساريو لم تكن تحظى بإجماع داخلي كولومبي، إذ صدرت خلال السنوات الماضية مواقف عن برلمانيين كولومبيين تنتقد توجه السلطة التنفيذية، وتدعو في المقابل إلى تعزيز العلاقات مع المغرب ودعم وحدته الترابية.

    ومع نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بدأ اتجاه السياسة الخارجية الكولومبية يتغير بعدما وصل أبيلاردو دي لا إسبرييلا إلى كرسي الرئاسة، حاملا توجها سياسيا مختلفا عن سلفه، لتظهر أولى إشارات القطيعة حتى قبل تنصيبه، عندما أعلن إعادة هيكلة الشبكة الدبلوماسية لبلاده وإغلاق عدد من السفارات، من بينها السفارة الكولومبية في الجزائر.

    وبرر الرئيس الجديد إعادة الهيكلة بالرغبة في تقليص النفقات وتوجيه الموارد إلى أولويات داخلية، مؤكدا أن إغلاق السفارات لا يعني بالضرورة قطع العلاقات مع الدول المعنية، غير أن هذه الخطوة، متبوعة بالاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه، تعكس في إعادة ترتيب أوسع لأولويات السياسة الخارجية الكولومبية بعد انتهاء مرحلة بيترو.

    ماذا يربح المغرب؟

    يشكل الموقف الكولومبي الجديد مكسبا كبيرا للمغرب، إذ على المستوى الأممي، يعد تحول موقف دولة تشغل مقعدا غير دائم في مجلس الأمن، بعدما كانت تُصنف قبل أشهر قليلة ضمن الدول التي يمكن أن تتحفظ على المسار الذي أخذه الملف، ضربة موجعة للجبهة الانفاصلية، وراعيتها الجزائر.

    لكن المكسب الأهم بالنسبة للمغرب فيتجلى في الموقف الكولومبي نفسه، فبوغوتا لم تكتف بتوصيف مبادرة الحكم الذاتي المغربية بالجدية أو المصداقية، وإنما انتقلت إلى إعلان الاعتراف بـ”سيادة المغرب على صحرائه”، وهو موقف يتجاوز مجرد دعم البحث عن حل سياسي في إطار المقترح المغربي.

    ويأتي ذلك في سياق دبلوماسي تعمل فيه الرباط على توسيع دائرة الدول التي انتقلت مواقفها من دعم مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسا للحل إلى التعبير عن مواقف أكثر وضوحا بشأن السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية.

    ماذا تريد كولومبيا من المغرب؟

    تقوم السياسة الخارجية للدول على المصالح، والتصريحات الصادرة عن القيادة الكولومبية الجديدة تكشف أن بوغوتا تبحث بدورها عن بناء علاقة مختلفة مع المغرب بعد موقفها الجديد في ملف الصحراء.

    ووصف نائب الرئيس خوسيه مانويل ريستريبو المملكة بأنها “حليف كولومبيا الرئيسي في إفريقيا” يكشف جزءا من التصور الجديد للعلاقة بين البلدين.

    وبالنسبة إلى بوغوتا، يمكن للمغرب أن يشكل بوابة لتعزيز الحضور الكولومبي في القارة الإفريقية، مستفيدا من شبكة علاقاته الاقتصادية والدبلوماسية وحضور مقاولاته واستثماراته في عدد من دول القارة.

    وفي الاتجاه المقابل، تستطيع كولومبيا أن تشكل للمغرب منصة إضافية لتعزيز حضوره الاقتصادي والسياسي في أمريكا اللاتينية، وهو ما عبر عنه ناصر بوريطة عندما أكد أن المغرب وكولومبيا يمكن أن يشكلا منصتين اقتصاديتين لبعضهما البعض، بالاستفادة من موقعيهما في إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

  • بعد طفرة الاستثمار.. الإنتاجية ترسم المرحلة المقبلة للاقتصاد المغربي

    بعد طفرة الاستثمار.. الإنتاجية ترسم المرحلة المقبلة للاقتصاد المغربي

    سجل الاقتصاد المغربي مرحلة نمو تُعد الأقوى منذ أكثر من عقد، مدعوما بطفرة في الاستثمار العمومي، خاصة في مشاريع البنية التحتية الكبرى، سيما المرتبطة بالتحضيرات لاستضافة كأس العالم 2030، إلى جانب بوادر تعافٍ في القطاع الفلاحي.

    غير أن الحفاظ على هذا الزخم الاقتصادي يطرح تساؤلات حول قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق نمو مستدام قائم على رفع الإنتاجية، وتعزيز الابتكار، وتسريع التحول الرقمي داخل المقاولات.

    وفي هذا السياق، يرى أحدث إصدار للمرصد الاقتصادي للمغرب، الصادر عن البنك الدولي تحت عنوان “ترسيخ النمو: التحول الرقمي كدافع للإنتاجية”، أن المرحلة المقبلة من الاقتصاد المغربي لن تُحسم بالاستثمار في البنيات التحتية وحده، بل بقدرة المقاولات المغربية على تعميق تحولها الرقمي، باعتباره رافعة أساسية لرفع الإنتاجية وتعزيز التنافسية وترسيخ النمو الاقتصادي.

    التحول الرقمي.. رهان المغرب لترسيخ النمو

    ويكشف تقرير البنك الدولي أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بلغ نحو 4.9 بالمئة سنة 2025، مع توقع استمرار النمو عند 4.2 بالمئة خلال سنة 2026.

    وأبرز التقرير أن الحفاظ على هذا الزخم الاقتصادي لن يتحقق بالاعتماد على الاستثمار في البنيات التحتية وحده، بل سيتوقف بدرجة كبيرة على قدرة الاقتصاد الوطني على رفع إنتاجيته، ما يجعل التحول الرقمي للمقاولات أحد أبرز رهانات الاقتصاد الوطني في المرحلة المقبلة.

    وأوضح أن الاقتصاد المغربي سجل خلال سنة 2025 أسرع وتيرة نمو منذ أكثر من عشر سنوات، مدعوما بطفرة في الاستثمارات العمومية الموجهة إلى مشاريع البنية التحتية، سيما المرتبطة بالاستعدادات لاستضافة كأس العالم 2030، إلى جانب انتعاش القطاع الفلاحي.

    في المقابل، يؤكد البنك الدولي أن المرحلة المقبلة ستتوقف على قدرة المقاولات المغربية على توسيع واعتماد التقنيات الرقمية المتقدمة لرفع الإنتاجية وتعزيز تنافسية الاقتصاد.

     ووفق التقرير، انخفض معدل التضخم بشكل حاد إلى 0.8 بالمئة، مما خفف الضغوط المتراكمة خلال السنوات السابقة على الأسر والمقاولات، وفي الوقت نفسه، أحرزت الحكومة تقدما ملحوظا على مستوى ضبط المالية العامة، بعدما نجحت في تقليص عجز الموازنة إلى 3.5 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي، تزامنا مع رفع وكالة “ستاندرد آند بورز” التصنيف الائتماني السيادي للمغرب إلى درجة الاستثمار.

    الفجوة الرقمية تكشف نقطة الضعف

    يؤكد البنك الدولي أن المغرب حقق تقدما ملحوظا في مسار التحول الرقمي، خاصة مع إطلاق استراتيجية “المغرب الرقمي 2030″، إلى جانب مبادرات دعم ريادة الأعمال، والاستعانة بمصادر خارجية، وتوسيع استخدام التكنولوجيا.

    غير أن هذا التقدم، بحسب المصدر ذاته، ما يزال يحتاج إلى تعميق على مستوى المقاولات، مفسرا ذلك بنتائج مسح اعتماد التكنولوجيا على مستوى الشركات “FAT” لسنة 2024، الذي شمل 1256 شركة وغطى أكثر من 300 تقنية.

    وكشف المسح أنه رغم تبني الشركات المغربية؛ على نطاق واسع، للأدوات الرقمية الأساسية، فإن أقل من شركة واحدة من كل خمس شركات تدمج التقنيات الرقمية المتقدمة بشكل مكثف ومتكامل في صميم عملياتها التجارية.

    وتبرز الأرقام حجم هذه المكاسب؛ إذ يبين التقرير أن المقاولات التي تعتمد استخداما مكثفا ومتكاملا للتقنيات الرقمية تحقق مكاسب في الإنتاجية قد تصل إلى 70 في المئة، وتنمو العمالة فيها بوتيرة أسرع بنسبة 10 في المئة، كما تدفع أجورا أعلى بنحو 27 في المئة في المتوسط.

    ويقدر البنك الدولي أن تقليص الفجوة الرقمية بين المغرب والبلدان النظيرة يمكن أن يرفع الإنتاجية الإجمالية للاقتصاد الوطني بما يتراوح بين 10 و15 في المئة.

    الرقمنة أكبر تحديات الاقتصادات الصاعدة

    في قراءة لمضامين التقرير، أكد الخبير الاقتصادي ياسين اعليا في تصريحه لجريدة “AM+ MEDIA”، أن البنك الدولي يرى أن تحفيز الرقمنة عامل مؤثر بشكل إيجابي على تحول الاقتصاد المغربي واستدامة النمو، موضحا أن هذا الأمر طبيعي، لأنه يسير وفق آليات التطور الاقتصادي التي يشهدها العالم في عمومه، والثورة الرقمية للأنشطة الاقتصادية.

    وأضاف أن عملية الرقمنة تشكل أحد أهم التحديات التي تواجه الاقتصادات الصاعدة، وكذلك الاقتصادات المقبلة على تحسين مستويات النمو داخلها، من أجل تقليص الهوة بينها وبين الاقتصادات المتقدمة، بالنظر إلى أن مستويات الاستدراك لهذه الفجوات بين الدول المتقدمة والدول السائرة في طريق النمو أسهل وأسرع من أشكال الاقتصاد السابقة المرتبطة أساسا بالثورة الصناعية.

    ويوضح اعليا في تصريحه للجريدة أن هذه الثورة الصناعية الرابعة يمكن أن تتيح للاقتصاد المغربي تحقيق ما عجز عن تحقيقه خلال الفترات السابقة.

    غير أنه شدد على ضرورة التوجه الرقمي في هذا المجال من أجل ضمان الاستدامة، وضمان خلق فرص الشغل، حيث إن الرفع من الإنتاجية لا يتحقق إلا بتقليص الفجوة الرقمية، مؤكدا أنه كلما نجح المغرب في تقليص هذه الفجوة بما يتراوح بين 10 و15 في المئة، سينعكس ذلك على رفع مستويات النمو ومواكبة التحول الهيكلي للاقتصاد المغربي.

    80 بالمئة من المقاولات الصغيرة بلا حضور رقمي منظم

    ومن زاوية أكثر ارتباطا بواقع المقاولات، أكد عبد الله الفركي، رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، في تصريح خص به AM+” MEDIA”، أن التحول الرقمي لم يعد رفاهية، بل أصبح شرطا للبقاء، معتبرا أن المقاولة التي لا تنخرط فيه اليوم ستجد نفسها خارج السوق غدا.

    ولفت الفركي إلى أن الدراسة الوطنية التي أجرتها الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة في مارس 2026 أظهرت أن 97 بالمئة من المقاولات الصغرى متصلة بالإنترنت، غير أن 80 بالمئة منها لا تملك أي حضور رقمي منظم، فيما لا تتجاوز نسبة استخدام الذكاء الاصطناعي 5 بالمئة.

    وأشار إلى أن الفجوة الحقيقية لا تكمن في البنية التحتية، بل في كيفية استغلال الأدوات الرقمية وتوظيفها.

    ويبرز عبدالله الفركي في هذا السياق أن المقاولات التي تجاوزت هذه الهوة الرقمية حققت نتائج ملموسة، من بينها تقليص التكاليف التشغيلية، وتسريع معالجة الملفات، والولوج إلى أسواق جديدة داخل المغرب وخارجه، مؤكدا أن أثر الرقمنة سيظل محدودا ما دامت 98 بالمئة من المقاولات المغربية، وهي المقاولات الصغرى، لم تنتقل بعد من الاستهلاك الرقمي إلى الاستثمار الرقمي.

    لماذا تتعثر رقمنة المقاولات؟

    لا يعزا تأخر التحول الرقمي داخل المقاولات المغربية إلى عامل واحد، بل يربطه بمجموعة من الإكراهات الاقتصادية والتنظيمية والبشرية، فمن جهة، تشير الشركات إلى ارتفاع كلفة الاستثمار في التقنيات الرقمية باعتباره العائق الرئيسي، ومن جهة أخرى تمثل محدودية الولوج إلى التمويل تحديا إضافيا، خاصة بالنسبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة.

    ويشير رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة إلى أن التمويل يشكل العائق الأول الذي يواجه المقاولات في مسار التحول الرقمي، موضحا أن “برنامج تسيير محاسبي، ذأو موقع إلكتروني احترافي، أو حل للأمن السيبراني، كلها تكاليف لا تتحملها مقاولة تعاني من ضعف السيولة وصعوبة الولوج إلى القرض البنكي”.

    وأضاف في تصريحه أن الكونفدرالية تطالب منذ سنوات بإحداث صندوق وطني مخصص للتحول الرقمي للمقاولات الصغرى، بشروط ميسرة وإجراءات مبسطة. وأيضا إحداث بنك عمومي لتمويل المقاولات الصغرى، لأن الأبناك الحالية كلها تجارية ولا يمكنها تمويل المقاولات الصغرى لكونها لا تتوفر على الضمانات التي تطلبها هذه الأبناك.”

    وفي هذا السياق، يوضح التقرير أن قرار المقاولات بالاستثمار في التقنيات الرقمية لا تحكمه المعيقات وحدها، بل يتأثر أيضا بجملة من الحوافز التي تدفع نحو تسريع التحول الرقمي.

    ويبين أن اعتبارات التكلفة تشكل العائق الأبرز أمام تبني التكنولوجيا لدى مختلف فئات المقاولات، مع تأثير أكبر على الشركات متوسطة الحجم، في حين تمثل صعوبة الولوج إلى التمويل قيدا إضافيا بالنسبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة، بينما تبدو أقل حدة لدى الشركات الكبرى.

    وبالنسبة إلى عبدالله الفركي، فإن التكوين يمثل العائق الثاني أمام المقاولات، مؤكدا أن “المشكل ليس في الذكاء أو الإرادة، بل في غياب تكوينات عملية وقريبة من الميدان، لأن المقاول الصغير لا يحتاج محاضرة أكاديمية، بل يحتاج شخصا يجلس معه ساعتين ويريه كيف يستخدم أداة بعينها لتطوير مبيعاته”.

    وتابع أن المواكبة تشكل العائق الثالث، مؤكدا أنه “لا توجد برامج مستدامة ترافق المقاول من التشخيص إلى التنفيذ والتقييم، والدعم الحالي متشتت وغير مستمر، ولا يصل إلى من يحتاجه فعلا، كما أن المواكبة لا تقتصر على تكوين أسبوع أو أشهر، بل على الأقل سنتين من المواكبة”.

    وشدد على أن الكونفدرالية تطالب بسياسة عمومية وطنية للتحول الرقمي تقوم على أربعة محاور واضحة: “التمويل الميسر، والتكوين الميداني، والمواكبة المستدامة، والتحفيزات الجبائية لكل مقاولة صغرى تستثمر في الرقمنة، لأن القضية لم تعد قضية تكنولوجيا، بل أصبحت قضية سيادة اقتصادية”.

    وأكد المتحدث أن مواكبة المقاولات الصغرى، التي تشكل أكثر من 98 بالمئة من مجموع المقاولات المغربية، تقتضي إنشاء وكالة وطنية متخصصة في مواكبة ودعم المقاولات الصغرى، تحت اسم “مغرب المقاولات الصغرى” أو “الوكالة الوطنية لدعم والنهوض بالمقاولات الصغرى”، تتوفر على مكاتب وفروع في جميع الأقاليم والجهات.

    وخلص الفركي إلى أن مواكبة هذه المقاولات لا يمكن أن تتم بشكل فعال من المركز فقط، بل يجب أن تتبنى سياسة قريبة من احتياجاتها المحلية، ومن خلال حضور هذه الوكالة في مختلف المناطق، تستطيع تقديم الدعم المباشر والمناسب لكل مقاولة صغيرة، بما في ذلك الموجودة في المدن النائية والقرى، مما يعزز قدرتها على المنافسة والنمو.

    التكنولوجيا وحدها لا تصنع الإنتاجية

    وانطلاقا من هذا التشخيص، أكد البنك الدولي في توصياته أن تقليص فجوة الإنتاجية الرقمية لا يتحقق بالاعتماد على الحوافز المالية وحدها، مثل الإعفاءات الضريبية أو دعم اقتناء المعدات، بل يتطلب سياسات تعزز الاستخدام الفعلي للتكنولوجيا، من خلال توفير المساعدة التقنية، وإطلاق برامج للتكوين العملي، وربط المقاولات الصغرى والمتوسطة بمزودي الحلول الرقمية.

    وأبرز أيضا أهمية تحسين البيئة التنافسية والانفتاح على الأسواق الدولية، من خلال تسهيل ولوج المقاولات إلى الأسواق، وتعزيز جاهزيتها للتصدير، واستقطاب استثمارات أجنبية مباشر، لما لذلك من دور في نقل الممارسات التكنولوجية المتقدمة وتحفيز الابتكار داخل الاقتصاد الوطني.

    ويضيف التقرير أن الوعي ببرامج الدعم العمومي لا يزال محدودا، وأن الاستفادة منها تتركز أساسا لدى المقاولات الكبرى، في حين تظل المقاولات الصغرى والمتوسطة الأقل استفادة، رغم أنها الأكثر حاجة إلى هذا الدعم.

    من هذا المنطلق، أوصى البنك الدولي باعتماد مقاربة مزدوجة تستهدف، من جهة، تمكين المقاولات المغربية الرائدة من تقليص الفجوة مع نظيراتها العالمية، مثل كوريا، ومن جهة أخرى، الرفع من مستوى المقاولات المتأخرة رقميا، بما يضمن تحقيق مكاسب اقتصادية أوسع وأكثر شمولا من التحول الرقمي.

    وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي ياسين اعليا أن تحقيق التحول الرقمي داخل المقاولات يتطلب توفير بيئة متكاملة تساعد على استخدامها بكفاءة، موضحا أن ذلك لن يتحقق إلا بتحسين جودة الاتصالات، ومواكبة التكوين، وخفض أسعار الإنترنت، واعتماد التقنيات الرقمية الحديثة من خلال الحوسبة السحابية في مراكز البيانات، وتوسيع الدعم للشركات الناشئة، وتطوير القوانين المنظمة لهذا المجال، وتحفيز التجارة الإلكترونية من أجل تعزيز الثقة بين الشركاء الاقتصاديين.

    وأضاف المتحدث أن الأرقام الحالية، رغم ما تعكسه من تقدم، لا تقدم صورة إيجابية عن مستويات اشتغال المقاولات المغربية والاقتصاد المغربي بشكل عام وفق هذا النمط الحديث.

    لذلك، خلص تقرير البنك الدولي إلى أن المغرب نجح في بناء أسس نمو اقتصادي متين، غير أن ترسيخ هذا النمو في السنوات المقبلة سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة المقاولات المغربية على الانتقال من الاستخدام المحدود للأدوات الرقمية إلى تحول رقمي متكامل يجعل التكنولوجيا محركا للإنتاجية والابتكار والتنافسية، وليس مجرد وسيلة لتحديث بعض العمليات داخل المؤسسة.

  • كيف تحول “إنتربول الرباط” لحلقة في صناعة القرار بشبكة الأمن الدولي؟

    كيف تحول “إنتربول الرباط” لحلقة في صناعة القرار بشبكة الأمن الدولي؟

    لم تعد علاقة المغرب بالمنظمة الدولية للشرطة الجنائية “الإنتربول” تقاس فقط بتاريخ عضوية يمتد منذ سنة 1957، فالأرقام التي سجلها المكتب المركزي الوطني بالرباط خلال سنة 2025 تكشف عن نشاط عملياتي يومي يربط المصالح الأمنية والقضائية المغربية بشبكة تعاون عابرة للحدود من خلال 7103 طلبات للمعلومات، و2307 ملفات مرتبطة بالاتجار الدولي في السيارات المسروقة، و395 مركبة محجوزة، و120 إنابة قضائية دولية، و127 مذكرة توقيف دولية.

    وراء هذه الأرقام توجد آلية أقل ظهورا من العمليات الأمنية الميدانية، لكنها تشكل نقطة العبور الأساسية للمعلومات بين المغرب وباقي الدول الأعضاء في الإنتربول.

    فالمكتب المركزي الوطني بالرباط هو حلقة الاتصال المغربية بالشبكة الدولية للمنظمة، التي تضم حاليا 196 دولة، ويتولى تبادل المعلومات والمعطيات الجنائية والتنسيق في القضايا والتحقيقات ذات الامتداد الدولي.

    وتوضح الإنتربول أن المكاتب المركزية الوطنية هي التي تربط أجهزة إنفاذ القانون في كل دولة بباقي المكاتب وبالأمانة العامة عبر شبكة الاتصال الشرطية المؤمن

    بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بفرع أجنبي يعمل داخل المغرب، بل بجهاز وطني يشكل نقطة الاتصال بين المصالح المغربية ومنظومة التعاون الشرطي الدولي.

    7103 طلبات في سنة واحدة.. ماذا تقول أرقام 2025؟

    تكشف حصيلة المديرية العامة للأمن الوطني لسنة 2025 عن حجم هذا النشاط، فقد عالج المكتب المركزي الوطني للإنتربول بالرباط 7103 طلبات للمعلومات خلال سنة.

    وفي ملف سرقة السيارات وحده، سهل المكتب التعاون بشأن2307 قضايا مرتبطة بالاتجار الدولي بالمركبات المسروقة، وأفضى ذلك إلى حجز 395 سيارة كانت مسجلة باعتبارها مسروقة في قواعد بيانات الإنتربول.

    لكن السيارات ليست سوى جزء من النشاط، ففي الشق القضائي، تابع المكتب تنفيذ 120 إنابة قضائية دولية صادرة عن سلطات أجنبية، كما عمم 127 مذكرة توقيف دولية.

    وتشير حصيلة الأمن الوطني المنشورة إلى أن هذا التعاون أسفر عن توقيف 144 شخصا مطلوبا دوليا من طرف السلطات القضائية المغربية.

    ويعطي هذا الرقم فكرة أوضح عن وظيفة المكتب، عندما يتحول ملف جنائي من قضية داخل حدود دولة واحدة إلى قضية يتوزع أطرافها أو المطلوبون فيها بين عدة دول، تصبح سرعة تداول المعلومة وتحديد الأشخاص والممتلكات المطلوبة جزءا أساسيا من التحقيق.

    3173 مذكرة بحث وطنية مرتبطة بطلبات أجنبية

    الأرقام الأخرى تكشف الاتجاه المعاكس لتدفق المعلومات، فالمكتب لم يكتف بإرسال الطلبات المغربية إلى الخارج، بل أصدر خلال 2025 ما مجموعه 3173 مذكرة بحث وطنية استجابة لطلبات مصالح أمنية أجنبية ولنشرات حمراء صادرة عن الإنتربول.

    كما نشر381 إشعارا البحث صادرا عن مكاتب الاتصال في الدول العربية، وعمم 858 إشعارا بوقف مذكرات البحث الدولية، إضافة إلى 1016 إشعارا بوقف البحث بناء على طلب السلطات القضائية في دول عربية.

    ويظهر هذا المعطى طبيعة التعاون الذي يديره مكتب الرباط، ففي حال أصبح شخص قد يصبح موضوع بحث دولي، ثم يلغى البحث عنه لاحقا بناء على تطور قضائي، ولذلك لا تقتصر الوظيفة على تعميم أوامر البحث، بل تشمل أيضا تحيينها وإنهاء مفعولها عندما تتغير الوضعية القانونية للمعني بالأمر.

    ومن المهم في هذا السياق التمييز بين النشرة الحمراء للإنتربول وبين مذكرة الاعتقال الدولية، فالإنتربول نفسها توضح أن النشرة الحمراء طلب موجه إلى أجهزة إنفاذ القانون عبر العالم لتحديد مكان شخص وتوقيفه مؤقتا في انتظار إجراءات قانونية لاحقة، وليست في حد ذاتها مذكرة اعتقال دولية صادرة عن المنظمة.

    المغرب في الإنتربول منذ 17 يونيو 1957

    هذا المستوى من التعاون لم يبدأ خلال السنوات الأخيرة، فالسجل الرسمي للإنتربول يحدد تاريخ انضمام المغرب إلى المنظمة في 17 يونيو 1957، أي بعد سنة واحدة من إحداث المديرية العامة للأمن الوطني سنة 1956.

    ويعني ذلك أن العلاقة المؤسساتية بين الأمن المغربي والإنتربول تقترب اليوم من سبعة عقود، لكن السنوات الأخيرة حملت انتقالا آخر في موقع المغرب داخل المنظمة، أي من دولة عضو تتبادل المعلومات عبر مكتبها الوطني، إلى حضور داخل أجهزة القرار نفسها.

    المغرب يصل إلى نيابة رئاسة الإنتربول عن إفريقيا

    في نونبر 2024، انعقدت الدورة الـ92 للجمعية العامة للإنتربول بمدينة غلاسكو البريطانية بمشاركة نحو ألف شخص، بينهم 65 رئيس شرطة، يمثلون 179 دولة.

    وخلال هذه الدورة، انتخب محمد الدخيسي، المدير المركزي للشرطة القضائية ورئيس المكتب المركزي الوطني للإنتربول بالمغرب، نائبا لرئيس المنظمة عن إفريقيا لولاية تمتد ثلاث سنوات، من 2024 إلى 2027.

    والمنصب ليس تشريفيا فقط، فاللجنة التنفيذية للإنتربول تضم 13 عضوا  بما فيها الرئيس وثلاثة نواب للرئيس وتسعة مندوبين يمثلون المناطق الأربع للمنظمة، وتجتمع ثلاث مرات في السنة، فيما تتولى تقديم التوجيه الاستراتيجي ومتابعة تنفيذ قرارات الجمعية العامة، وتؤكد اللائحة الحالية للمنظمة استمرار الدخيسي نائبا للرئيس عن إفريقيا.

    بعد غلاسكو.. الإنتربول ينتقل إلى مراكش

    بعد عام واحد فقط من انتخاب مسؤول أمني مغربي نائبا للرئيس عن إفريقيا، انتقلت الجمعية العامة نفسها إلى المغرب.

    فبين 24 و27 نونبر 2025، احتضنت مراكش الدورة الـ93 للجمعية العامة للإنتربول، وهي أعلى هيئة حاكمة داخل المنظمة والمسؤولة عن اتخاذ القرارات المتعلقة بالسياسة العامة والموارد وأساليب العمل والمالية، وجمعت الدورة مسؤولين أمنيين ورؤساء شرطة من الدول الأعضاء الـ196.

    والأهم كان مضمون الاجتماع نفسه، فقد ناقشت دورة مراكش تفكيك الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ومراكز الاحتيال الدولية وتوسيع القدرات الشرطية العالمية للإنتربول، وحضور النساء في الشرطة، إلى جانب نتائج المشروع التجريبي لـ”النشرة الفضية”.

    وفي ختامها، أقرت الدول الأعضاء بالإجماع إطارا استراتيجيا جديدا للفترة 2026-2030 لمواجهة التهديدات الجنائية المتغيرة، من الاحتيال الإلكتروني والاتجار بالبشر إلى التدفقات المالية غير المشروعة ومراكز الاحتيال.

    وهكذا جاءت استضافة مراكش في لحظة كانت فيها المنظمة تعيد رسم أولوياتها للسنوات الخمس التالية، وليس فقط لاستضافة اجتماع دوري.

    لماذا يكتسب الموقع المغربي أهمية في هذه الشبكة؟

    جزء من الجواب مرتبط بالجغرافيا، فالمغرب يوجد عند نقطة اتصال بين أوروبا وإفريقيا والفضاء العربي، وهي ثلاثة مجالات أمنية تتقاطع بينها ملفات الهجرة والاتجار بالبشر والمخدرات والسيارات المسروقة والجرائم المالية والإلكترونية والأشخاص المطلوبون قضائيا.

    لكن الجغرافيا وحدها لا تكفي لتفسير مستوى الحضور داخل الإنتربول، فالمنظمة تعتمد أساسا على قدرة الدول الأعضاء على إدخال المعلومات إلى قواعد البيانات الدولية، والاستجابة لطلبات الدول الأخرى، وتحيين المعطيات، وتنفيذ إجراءات التعاون القضائي والشرطي وفق التشريعات الوطنية.

    وهنا تكتسب أرقام مكتب الرباط دلالتها بين 7103 طلبات في سنة واحدة و2307 ملفات للاتجار الدولي بالسيارات و3173 مذكرة بحث وطنية مرتبطة بطلبات دولية تعني أن التعاون لا يقتصر على الاجتماعات أو التمثيل المؤسساتي، بل يمر عبر آلاف العمليات المعلوماتية والقضائية خلال السنة.

    ويتقاطع ذلك مع توجه أوسع داخل القارة الإفريقية، فالإنتربول سجلت في 2024 ارتفاع حجم السجلات الشرطية التي تتقاسمها الدول الإفريقية بنسبة 7% مقارنة بـ2023، بينما ارتفعت النتائج الإيجابية للاستعلامات المرتبطة بالبيانات الإفريقية بنحو 60 بالمئة كما تضم إفريقيا أربعة من المكاتب الإقليمية الستة للمنظمة.

  • ليست الهشاشة ولا البطالة.. أحداث سبتة تكشف دوافع جديدة للهجرة

    ليست الهشاشة ولا البطالة.. أحداث سبتة تكشف دوافع جديدة للهجرة

    لطالما ارتبطت الهجرة غير النظامية بصورة الشاب الباحث عن فرصة عمل أو الهارب من الفقر، غير أن أحداث العبور الجماعي نحو سبتة نهاية يوليوز الماضي أعادت طرح سؤال مختلف حول ما إذا كانت الدوافع الاقتصادية وحدها كافية لتفسير إقدام آلاف الشباب على المجازفة بحياتهم.

    هذا السؤال حضر في الخلاصات الأولية للمجلس الوطني لحقوق الإنسان حول أحداث سبتة، والذي اعتبر أن اختزال الهجرة في الفقر والهشاشة الاجتماعية لم يعد كافيا، داعيا إلى فهم التحولات التي تعرفها تطلعات الشباب، والدور المتزايد الذي أصبحت تلعبه المنصات الرقمية في تشكيل قرار الهجرة.

    فهم جديد لدوافع الهجرة غير النظامية

    واستنادا إلى الشهادات التي جمعها، يرى مجلس حقوق الإنسان أنه لا يمكن اختزال محاولات العبور الجماعي للشباب والقاصرين في المقاربة التقليدية التي تفسر الهجرة حصرا بالفقر أو الهشاشة.

    ويطرح، في المقابل، ضرورة فهم التحولات العميقة في “تطلعات” الشباب، والنظر أيضا إلى الهجرة باعتبارها قرارا شخصيا لدى المعني بها، في سياق ما يصفه بـ”مجتمعات رقمية” رافضة، في الأصل، لمنطق الحدود والحواجز.

    وفي حالة سبتة، يرسم تقرير مجلس حقوق الإنسان مسارا بدأ في 8 يوليوز بتأويل مضلل لحكم قضائي، ومر بصورة انتصار انتشرت على نطاق واسع، ثم بأخبار تقول إن “الحدود مفتوحة”، وانتهى برسائل “واتساب” تحدد موعد التوجه بعد منتصف الليل وبتدفق جماعي نحو نقاط العبور.

    وهو تسلسل يجعل التضليل الرقمي، في قراءة المجلس، أبعد من مجرد أخبار زائفة عابرة، إذ أصبح أحد العوامل المؤثرة في التعبئة واتخاذ القرار والتنظيم الميداني، في حدث انتهى إلى وفيات وإصابات وعنف واعتقالات ومس خطير بحقوق الأطفال والمهاجرين والحق في السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية.

    وتفتح هذه الخلاصة بابا أمام نقاش أوسع حول ما إذا كانت الهجرة اليوم تعكس أزمة اقتصادية فقط، أم أنها أصبحت أيضا نتيجة لتحولات اجتماعية وثقافية ورقمية غيرت نظرة جزء من الشباب إلى المستقبل، وإلى معنى النجاح وتحقيق الذات.

    واقع اجتماعي جديد للشباب

    وفي قراءته للتحولات التي تعرفها دوافع الهجرة غير النظامية، يرى الباحث في علم الاجتماع، عادل النجاري، أن الاقتصار على تفسير الظاهرة بالفقر أو البطالة لم يعد يعكس الواقع الاجتماعي الذي يعيشه الشباب اليوم، معتبرا أن الهجرة أصبحت ترتبط أيضا بتحولات عميقة في منظومة التطلعات وطريقة بناء المستقبل.

    ويوضح النجاري في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أنه “في السنوات الأخيرة، لم تعد الهجرة غير النظامية تفسر فقط باعتبارها نتيجة للفقر أو البطالة، رغم أن هذين العاملين ما يزالان حاضرين بقوة”، مبرزا أن “ما نلاحظه اليوم هو أن دوافع الهجرة أصبحت أكثر تعقيدا، لأنها ترتبط أيضا بتحول في منظومة تطلعات الشباب”.

    وأشار المتحدث ذاته إلى أن الأجيال الحالية تعيش في فضاء مفتوح على العالم، وتقارن أوضاعها بشكل يومي بما تراه على المنصات الرقمية، وهو ما يرفع سقف انتظاراتها ويجعلها تبحث عن تحقيق الذات بالسرعة نفسها التي ترى بها تجارب الآخرين.

    لذلك، يرى النجاري، أن الهجرة لم تعد بالنسبة إلى البعض مجرد وسيلة لتحسين الدخل، بل أصبحت في كثير من الحالات مشروعا لتحقيق حياة مختلفة، يختلط فيه الاقتصادي بالاجتماعي والثقافي والنفسي.

    التضليل الرقمي.. عندما يصنع الهاتف حلم الهجرة

    إذا كان المجلس الوطني لحقوق الإنسان يدعو إلى تجاوز تفسير الهجرة بالفقر وحده، فإنه في المقابل يسلط الضوء على عامل آخر لا يقل تأثيرا، يتمثل في الفضاء الرقمي.

    وفق تقرير “مجلس بوعياش”، لم تكن المنصات الاجتماعية مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل تحولت إلى فضاء للتعبئة والتنسيق، ساهم في تشكيل قناعة لدى عدد من الشباب بأن فرصة العبور أصبحت ممكنة أكثر من أي وقت مضى.

     فقد رصد المجلس انتشار منشورات ومجموعات على فيسبوك وواتساب وتلغرام تداولت معلومات وإرشادات حول مسارات العبور، ونقاط التجمع، وحتى التوقيت المناسب للتحرك، إلى جانب محتويات روجت لتأويلات خاطئة لقرار المحكمة العليا الإسبانية الصادر في 8 يوليوز 2026، ما منح هذه الرواية انتشارا واسعا بين الراغبين في الهجرة.

    وتتقاطع هذه المعطيات مع ما أكده المغرب، الذي اعتبر أن شبكات الاتجار بالبشر استغلت القرار القضائي الإسباني لتسويق فكرة مفادها أن الوصول إلى سبتة عبر البحر أصبح يضمن عدم الإرجاع، وهو ما غذى لدى عدد من الشباب صورة عن “فرصة استثنائية” للعبور.

    وفي تفسيره للدور الذي لعبه الفضاء الرقمي خلال موجة العبور الأخيرة، يعتبر عادل النجاري أن المنصات الاجتماعية لم تعد مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل تحولت إلى فضاء يعيد تشكيل تصورات الشباب ويؤثر في قراراتهم.

    الباحث في علم الاجتماع يؤكد أن الفضاء الرقمي لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، بل تحول إلى فاعل اجتماعي يؤثر في بناء التصورات والسلوكيات، فالشباب لا يتابعون فقط الأخبار المتعلقة بالهجرة، بل يتعرضون يوميا لمحتويات تقدم نماذج حياة تبدو أكثر جاذبية خارج الوطن، دون أن تنقل في الغالب الوجه الآخر لهذه التجارب”.

    واسترسل موضحا أن تزامن ذلك مع انتشار معلومات مضللة أو تأويلات خاطئة، يفرز تأثيرها أكبر، لأنها تعزز لدى بعض الشباب الاعتقاد بأن فرصة العبور أصبحت ممكنة أو أقل خطرا، وهنا لا يصنع المحتوى الرقمي قرار الهجرة من الصفر، لكنه يسرع اتخاذه ويمنحه شرعية نفسية واجتماعية”.

    بين “الفردوس الموعود” وصدمة الواقع

    غير أن الصورة التي رُسمت على المنصات الرقمية لم تصمد طويلا أمام الواقع، فبعد أيام قليلة من أحداث العبور، بدأت تتداول مشاهد عودة أعداد كبيرة من الشباب إلى المغرب، في وقت أكد فيه مصدر حكومي لوكالة الأنباء المغربية أن نحو 95 في المئة من الذين وصلوا إلى سبتة غادروها طواعية، معتبرا أن هؤلاء اكتشفوا بأنفسهم أن “الفردوس الموعود” الذي روجت له شبكات التهريب وبعض المحتويات الرقمية لا يعكس حقيقة ما ينتظرهم على الضفة الأخرى.

    وتتقاطع هذه الرواية مع جزء مما وثقه المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي سجل حالات عودة طوعية، كما رصد شهادات تحدثت عن أوضاع صعبة عاشها عدد من العابرين، من بينها الجوع والعطش، إلى جانب تعرض بعضهم لاعتداءات وممارسات عنيفة داخل سبتة.

    ووثق المجلس الوطني لحقوق الإنسان انتشار خطاب معاد للمهاجرين، واعتداءات ذات طابع عنصري استهدفت عددا من الشباب المغاربة، ما يعكس الهوة بين الصورة التي سبقت قرار الهجرة والواقع الذي واجهه عدد منهم بعد الوصول.

    وبخصوص ما كشفته العودة السريعة لعدد من الشباب بعد وصولهم إلى سبتة، يرى الباحث في علم الاجتماع أن هذه التجربة أبرزت الفارق بين الصورة التي تُبنى قبل الهجرة والواقع الذي يواجهه الشباب بعد العبور.

    ويشير النجاري إلى أن التجربة التي عاشها عدد من الشباب بعد الوصول إلى سبتة كشفت الفارق بين الصورة التي تشكلت لديهم قبل العبور والواقع الذي وجدوه بعده، الأمر الذي يؤكد أن جزءا من القرار كان مبنيا على تمثلات أكثر منه على معرفة دقيقة بالواقع

    لذلك فإن معالجة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تعتمد فقط على المقاربة الأمنية أو حتى الاقتصادية، بل تحتاج أيضا إلى العمل على مستوى الوعي، وتعزيز التفكير النقدي لدى الشباب، ومواجهة المحتويات المضللة، إلى جانب خلق آفاق حقيقية تمنحهم الثقة في المستقبل. فكلما تمكن المجتمع من تقليص الفجوة بين الواقع والتصورات التي تنتجها المنصات الرقمية، أصبح أكثر قدرة على الحد من القرارات المبنية على الوهم أو على صور غير مكتملة عن الهجرة.”

    ولذلك، فإن مواجهة الهجرة غير النظامية لم تعد تقتصر على خلق فرص الشغل أو تشديد المراقبة الأمنية، رغم أهميتهما، بل أصبحت تقتضي أيضا بناء خطاب قادر على مواجهة التضليل الرقمي، وتعزيز ثقة الشباب في مستقبلهم، وفهم التحولات التي يعرفها جيل نشأ في عالم تصنع فيه الشاشات الأحلام بالقدر نفسه الذي تصنع فيه الوقائع. وهو ما يجعل قراءة المجلس دعوة إلى توسيع زاوية النظر، والانتقال من تفسير اقتصادي أحادي إلى فهم أكثر شمولا لظاهرة أصبحت أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.

    ما بعد أحداث الفنيدق.. أي مقاربة لفهم الهجرة؟

    لعل أهم ما تكشفه أحداث الفنيدق ليس فقط أنها أعادت ملف الهجرة غير النظامية إلى الواجهة، بل أنها أظهرت محدودية التفسيرات التقليدية التي تختزل الظاهرة في البطالة أو الفقر، لأن الهجرة اليوم تبدو أكثر تعقيدا؛ إذ تتداخل فيها الإكراهات الاقتصادية مع تحولات تطلعات الشباب، وتأثير الفضاء الرقمي، والصور التي تُبنى يوميا عن الحياة في الضفة الأخرى.

    وفي هذا السياق، يشدد الباحث في علم الاجتماع عادل النجاري على أن معالجة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تعتمد فقط على المقاربة الأمنية أو حتى الاقتصادية، بل تحتاج أيضا إلى العمل على مستوى الوعي، وتعزيز التفكير النقدي لدى الشباب، ومواجهة المحتويات المضللة، إلى جانب خلق آفاق حقيقية تمنحهم الثقة في المستقبل.

    ويذهب الناجري إلى أن نجاح المجتمع في تقليص الفجوة بين الواقع والتصورات التي تنتجها المنصات الرقمية، يجعله أكثر قدرة على الحد من القرارات المبنية على الوهم أو على صور غير مكتملة عن الهجرة.

    وفي هذا السياق، تبدو أهمية خلاصات المجلس الوطني لحقوق الإنسان في أنها تنقل النقاش من سؤال “كم تبلغ نسبة البطالة؟” إلى سؤال آخر أكثر عمقا: “كيف تتشكل تطلعات الشباب اليوم؟”، لأن الهجرة، وفق هذه المقاربة، لم تعد مجرد استجابة لواقع اقتصادي صعب، بل أصبحت أيضا نتاجا لتفاعل عوامل اجتماعية وثقافية ورقمية، تجعل بعض الشباب يرى في الهجرة مشروعا لتحقيق الذات، قبل أن يصطدم في كثير من الأحيان بواقع مختلف تماما.

  • انتخابات 23 شتنبر.. بين عداد دقائق الإعلام العمومي وسرعة المنصات الرقمية

    انتخابات 23 شتنبر.. بين عداد دقائق الإعلام العمومي وسرعة المنصات الرقمية

    تدخل الأحزاب السياسية المغربية مرحلة حاسمة من التحضير للانتخابات المقررة في 23 شتنبر المقبل، و لتبدأ معها الاستعدادات التنظيمية للحملة الانتخابية مرحلة جديدة بعدما أجريت في 23 يوليوز الفائت القرعة الخاصة بتوزيع الحصص الإعلامية للأحزاب السياسية في وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية.

    وبينما تبدو العملية في ظاهرها إجراء تقنيا يقتصر على تحديد مواعيد بث الوصلات الانتخابية، فإنها تستند في الواقع إلى منظومة قانونية تنظم حضور الأحزاب في الإعلام العمومي، وتحدد كيفية تحقيق التوازن بين مبدأ تكافؤ الفرص وبين اختلاف التمثيلية السياسية للأحزاب.

    وأجرت وزارة الشباب والثقافة والتواصل، بحضور ممثلي الأحزاب السياسية ومؤسسات الإعلام العمومي، القرعة الخاصة ببرمجة الحصص الإعلامية الخاصة بالحملة الانتخابية، بعد تقسيم الأحزاب المشاركة، وعددها 27 حزبا، إلى ثلاث مجموعات وفق معيار التمثيلية البرلمانية، مع تحديد مدة البث المخصصة لكل فئة، إضافة إلى آليات تغطية التجمعات الانتخابية واستضافة ممثلي الأحزاب في النشرات الإخبارية.

    غير أن هذه العملية تطرح أسئلة تتجاوز الجانب التنظيمي، من قبيل: لماذا لا تستفيد جميع الأحزاب من المدة الزمنية نفسها؟ وما الأساس القانوني لاعتماد التمثيلية البرلمانية معيارا للتوزيع؟ وكيف يضمن الإعلام العمومي الحياد خلال الحملة الانتخابية؟

    من ينظم الظهور الإعلامي للأحزاب؟

    لا يخضع توزيع الحصص الإعلامية لاجتهادات ظرفية، وإنما تنظمه مقتضيات المرسوم رقم 2.11.610 المتعلق باستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال الحملات الانتخابية، والذي يحدد المبادئ العامة المؤطرة لحضور الأحزاب السياسية في القنوات التلفزية والإذاعات العمومية.

    وينص هذا الإطار التنظيمي على تخصيص فترات بث للأحزاب المشاركة في الانتخابات، مع مراعاة مجموعة من الضوابط، من بينها توزيع الحصص على مختلف الفترات الزمنية خلال اليوم، واستمرار حضور الأحزاب طيلة الحملة، وتفادي بث الحصة نفسها في أكثر من وسيلة إعلامية في التوقيت ذاته، بما يسمح بوصول الرسائل الانتخابية إلى أكبر شريحة من المواطنين.

    ويشمل التنظيم تغطية الأنشطة الميدانية للأحزاب، واستضافة ممثليها في النشرات الإخبارية وفق قواعد موحدة، بما يضمن حضور مختلف الفاعلين السياسيين داخل الإعلام العمومي خلال فترة الحملة.

    ويأتي هذا التنظيم في إطار تنزيل المبادئ الدستورية المرتبطة بالتعددية السياسية، وحق المواطنين في الاطلاع على البرامج الانتخابية، مع ضمان حياد وسائل الإعلام العمومية وعدم توظيفها لخدمة أي طرف سياسي.

    لماذا تختلف مدة البث بين الأحزاب؟

    أبرز ما يلفت الانتباه في توزيع الحصص الإعلامية خلال الحملة الانتخابية هو اختلاف الزمن المخصص لكل حزب، فالأحزاب التي تمتلك فريقا برلمانيا تحظى بحيز زمني أكبر، تليها الأحزاب الممثلة في البرلمان دون فريق، بينما تستفيد الأحزاب غير الممثلة من مدة أقل.

    ويستند هذا التوزيع إلى معيار التمثيلية البرلمانية التي أفرزتها آخر انتخابات تشريعية، باعتبارها مؤشرا على حجم الحضور السياسي لكل تنظيم داخل المؤسسات المنتخبة.

    ولا يقوم هذا النظام على مبدأ المساواة المطلقة في عدد الدقائق، بل على مبدأ الإنصاف القانوني، الذي يميز بين الأحزاب وفق وضعيتها التمثيلية مع ضمان حد أدنى من الحضور الإعلامي لجميع التنظيمات المشاركة في الانتخابات.

    وبهذا المعنى، فإن جميع الأحزاب تستفيد من حق الولوج إلى الإعلام العمومي، لكن حجم الاستفادة يختلف وفق معايير محددة سلفا في النصوص التنظيمية، وليس بناء على قرارات تقديرية أو اعتبارات سياسية.

    ويهدف هذا التصور إلى التوفيق بين اعتبارات متوازنة؛ فمن جهة، يمنح الأحزاب الناشئة أو الصغيرة فرصة التعريف ببرامجها والوصول إلى الناخبين، ومن جهة أخرى، يعكس الوزن الانتخابي للأحزاب التي سبق أن نالت ثقة الناخبين وحصلت على تمثيلية داخل البرلمان، انطلاقا من أن نتائج الاقتراع تشكل أساسا لتوزيع بعض الحقوق المرتبطة بالمنافسة الانتخابية.

    ورغم ذلك، يظل هذا النظام محل نقاش مع كل استحقاق انتخابي، إذ يرى مؤيدوه أنه يجسد مبدأ التمثيلية ويحترم الإرادة التي أفرزتها صناديق الاقتراع، بينما تعتبر أطراف أخرى أن التفاوت في الزمن الإعلامي، إلى جانب الفوارق في الإمكانيات التنظيمية والمالية، قد يحد من تكافؤ فرص الأحزاب الأقل تمثيلا في الوصول إلى الناخبين.

    ولا يقتصر دور الإعلام العمومي، في هذا الإطار، على بث الوصلات والرسائل الانتخابية، بل يضطلع بوظيفة ديمقراطية تتمثل في إتاحة فضاء تعددي يعرض مختلف البرامج والرؤى السياسية وفق قواعد موحدة وشفافة، بما يساعد الناخب على المقارنة بين الخيارات المطروحة وتكوين رأي قبل الإدلاء بصوته يوم الاقتراع.

    وفي تفسيره للأساس القانوني الذي يقوم عليه توزيع الحصص الإعلامية خلال الحملات الانتخابية، يرى أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، حميد بلغيث، أن اعتماد التمثيلية البرلمانية معيارا لتوزيع الزمن الإعلامي يعكس فلسفة تشريعية تسعى إلى التوفيق بين احترام نتائج الاقتراع السابق وضمان حق جميع الأحزاب المشاركة في الولوج إلى وسائل الإعلام العمومية.

    ويؤكد بلغيث، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن اعتماد المشرع معيار التمثيلية البرلمانية يستند إلى الإرادة الشعبية التي أفرزتها الانتخابات السابقة، ويعكس الوزن السياسي لكل حزب داخل المؤسسات المنتخبة”، غير أنه يشدد على أن ذلك لا يعني المساواة المطلقة في الزمن الإعلامي، بل تحقيق تكافؤ الفرص وفق معايير قانونية موضوعية.

    ويبرز أن المساواة في الزمن تختلف عن المساواة في الحقوق الانتخابية، التي تضمن لجميع الأحزاب الحق في الترشح، والولوج إلى الإعلام العمومي، والاستفادة من الضمانات القانونية نفسها، مشيرا إلى أن القانون ألزم وسائل الإعلام العمومية باحترام مبادئ الحياد والتعددية والإنصاف، مع إخضاعها لرقابة الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، التي تتولى تتبع توزيع الزمن الإعلامي ورصد مدى الالتزام بالمقتضيات القانونية، بما يضمن شفافية الحملة الانتخابية ونزاهة المنافسة السياسية.

    الإعلام العمومي.. أي دور خلال الحملة الانتخابية؟

    لا يقتصر دور وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال فترة الحملة الانتخابية على بث الوصلات الخاصة بالأحزاب، بل يمتد إلى توفير فضاء إعلامي يخضع لقواعد قانونية تضمن احترام التعددية السياسية وتكافؤ فرص الوصول إلى الناخبين.

    ولهذا السبب، لا تقتصر برمجة الحملة على الحصص الانتخابية فقط، إذ يشمل التنظيم أيضا تغطية التجمعات الانتخابية، واستضافة ممثلي الأحزاب داخل النشرات الإخبارية وفق ضوابط محددة سلفا.

    وبحسب التنظيم المعتمد، تستفيد الأحزاب الممثلة في البرلمان من فقرة “ضيف النشرات الإخبارية”، كما تتولى وسائل الإعلام العمومية تغطية تجمع انتخابي واحد لكل حزب، مع اختلاف مدة التغطية بحسب المجموعة التي ينتمي إليها الحزب.

    ويهدف هذا التنظيم إلى ضمان حد أدنى من الحضور الإعلامي لجميع الأحزاب المشاركة، مع تفادي احتكار الفضاء السمعي البصري العمومي من قبل جهة سياسية واحدة، ما يجعل الإعلام العمومي جزءا من الضمانات المؤسساتية المنظمة للعملية الانتخابية، وليس مجرد ناقل للأنشطة الحزبية.

    غير أن تحقيق الحياد لا يرتبط فقط بتوزيع الزمن الإعلامي، بل يشمل كذلك طريقة تقديم الأخبار، وترتيب المواضيع، واحترام التوازن في تغطية الأنشطة، وهي عناصر تخضع بدورها للمراقبة من قبل الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري “الهاكا”، باعتبارها المؤسسة المكلفة بالسهر على احترام قواعد التعددية داخل وسائل الإعلام السمعية البصرية.

    هل ما زال التلفزيون يصنع القرار الانتخابي؟

    خلال العقد الأخير، تغيرت أنماط استهلاك الأخبار والمضامين السياسية، وأصبحت شبكات التواصل الاجتماعي تحتل موقعا متقدما في متابعة النقاش العمومي، خصوصا لدى فئة الشباب.

    وأصبحت الأحزاب السياسية تعتمد بشكل متزايد على المنصات الرقمية لنشر برامجها، وبث لقاءاتها، والتفاعل المباشر مع المواطنين، وهو ما جعل الحملة الانتخابية لا تقتصر على الفضاء الذي ينظمه القانون داخل وسائل الإعلام العمومية، بل تمتد أيضا إلى فضاءات رقمية مفتوحة تختلف فيها قواعد المنافسة.

    ويلاحظ أن هذا التحول لا يلغي أهمية الإعلام العمومي، بل يعيد تحديد وظيفته، لأن المنصات الرقمية تمنح الأحزاب إمكانية الوصول السريع إلى جمهور واسع، لكن الإعلام العمومي يظل الفضاء الذي يخضع لضوابط قانونية واضحة، ويضمن حضور مختلف الفاعلين السياسيين وفق قواعد موحدة، بعيدا عن منطق الخوارزميات أو الإمكانيات المالية المخصصة للإعلانات الرقمية.

    وفي قراءته للتحولات التي يعرفها التواصل السياسي، يرى جلال زين العابدين، أستاذ التواصل السياسي، أن الحملات الانتخابية لم تعد تعتمد على الإعلام العمومي بالكيفية نفسها التي كانت عليها في السابق، في ظل تنامي حضور المنصات الرقمية وتغير أنماط تفاعل الناخبين مع الخطاب السياسي، وهو ما يطرح، بحسبه، تحديات جديدة أمام الإطار القانوني المنظم للحملات الانتخابية.

    ويؤكد، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن “الإعلام العمومي لا يزال يحتفظ بدور أساسي داخل الحملات الانتخابية، باعتباره فضاء يضمن حضورا مؤسساتيا متوازنا للأحزاب وفق قواعد قانونية واضحة، لكنه لم يعد الوسيلة الوحيدة المؤثرة في تشكيل الرأي العام كما كان في السابق”.

    ويشرح زين العابدين هذا التوحل بالتغيير الذي أحدثه المنصات الرقمية في قواعد التواصل السياسي، بعدما أتاحت للأحزاب الوصول المباشر إلى الناخبين، والتفاعل الفوري معهم، واستهداف فئات محددة برسائل موجهة، مشددا على أنه أصبح من الضروري أن يواكب الإطار القانوني هذا التحول، من خلال تنظيم التواصل السياسي الرقمي بما يضمن الشفافية، وتكافؤ الفرص، والحد من التضليل الإعلامي، مع الحفاظ على حرية التعبير والتنافس الديمقراطي.

    بين التنظيم القانوني والتحول الرقمي

    ويطرح هذا الواقع تحديا جديدا أمام المنظومة الانتخابية، يتمثل في كيفية الحفاظ على مبدأ تكافؤ الفرص داخل فضاء إعلامي أصبح منقسما بين وسائل إعلام عمومية منظمة قانونا، ومنصات رقمية يصعب إخضاعها للقواعد نفسها.

    ففي الوقت الذي يحدد فيه القانون مدة بث كل حزب داخل التلفزيون والإذاعة، تبقى المنافسة على المنصات الرقمية مرتبطة بقدرات الأحزاب على إنتاج المحتوى، وتدبير الحملات الرقمية، واستثمار الإعلانات الممولة، وهو ما يفتح نقاشا حول مدى الحاجة إلى تطوير الإطار القانوني المنظم للاتصال السياسي بما يواكب التحولات التكنولوجية.

    ويثير هذا التطور تساؤلات حول تأثير المحتوى الرقمي في تشكيل الرأي العام، خاصة مع تنامي استعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي، وانتشار المحتويات القصيرة، وتزايد مخاطر الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة خلال الفترات الانتخابية.

    وفي هذا السياق، يرى عدد من الباحثين أن التحدي لم يعد يقتصر على ضمان عدالة توزيع الزمن الإعلامي داخل القنوات العمومية، بل أصبح يشمل أيضا التفكير في آليات تعزز شفافية الحملات الرقمية، وتحافظ على ثقة الناخبين في سلامة المنافسة الانتخابية.

    وفي هذا السياق، يبرز تحدي تحقيق التوازن بين توسيع فضاءات التعبير السياسي وضمان منافسة نزيهة تحترم قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص، كما تزداد أهمية تطوير آليات الرقابة والتقنين بما يواكب تطور وسائل الاتصال، ويحافظ على حق المواطن في الوصول إلى معلومة سياسية دقيقة ومتوازنة بعيدا عن التضليل أو الممارسات غير المشروعة.

  • من 40 إلى 80 ألفا.. كيف كشفت “معركة الأرقام” ارتباك الرواية الإسبانية إزاء أحداث سبتة؟

    من 40 إلى 80 ألفا.. كيف كشفت “معركة الأرقام” ارتباك الرواية الإسبانية إزاء أحداث سبتة؟

    بعد ستة أيام من موجة العبور الجماعي نحو سبتة المحتلة، لم تتمكن السلطات الإسبانية من الاتفاق على رقم واحد يحدد حجم ما وقع، فبين وزارة الداخلية في مدريد، ورئيس حكومة المدينة خوان خيسوس فيفاس، تغيرت الحصيلة الرسمية أكثر من مرة، وانتقلت تقديرات الوافدين من 40 ألفا إلى 50 ألفا ثم إلى 72 ألفا، قبل أن يتحدث فيفاس عن 80 ألف شخص، فيما ظل عدد الموجودين داخل المدينة وعدد الضحايا محل خلاف بين المؤسستين.

    هذا التباين لم يقتصر على التصريحات السياسية، بل شمل المعطيات التي قدمتها الحكومة الإسبانية نفسها أمام شركائها الأوروبيين، في وقت يتمسك فيه المغرب بحصيلة رسمية أعلنها في 2 غشت تستند بحسب وزارة الداخلية، إلى أنظمة الرصد والتتبع المعتمدة ميدانيا.

    بداية الأزمة.. أرقام أولية

    عندما بدأت محاولات العبور يوم الخميس 30 يوليوز، كانت السلطات الإسبانية تتحدث عن ما بين 1500 وألفي حالة دخول غير نظامي خلال الأيام السابقة، لكن مع اتساع نطاق العبور خلال ساعات، اكتفت البيانات الرسمية بالحديث عن “آلاف” الأشخاص الذين وصلوا إلى المدينة برا وبحرا.

    وفي صباح اليوم الموالي، قدرت الأجهزة الأمنية الإسبانية عدد الوافدين بأكثر من 40 ألف شخص، وهو أول رقم كبير يصدر بعد الأحداث، قبل أن تبدأ الحصيلة في التغير يوما بعد آخر.

    أول خلاف بين مدريد وسبتة

    يوم الجمعة، أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية أن عدد الذين دخلوا سبتة بلغ نحو 50 ألف شخص، بينما أكد رئيس حكومة الثغر المحتل خوان خيسوس فيفاس أن العدد وصل إلى 60 ألفا.

    ولم يكن الخلاف مقتصرا على الوافدين، بل طال أيضا عدد العائدين إلى المغرب.

    فالوزارة أعلنت في منتصف النهار عودة 25 ألف شخص، ثم رفعت العدد بعد ساعات إلى 37 ألفا و500، قبل أن تؤكد مساء عودة 48 ألفا و300 شخص، معتبرة أن أقل من ألفي شخص ظلوا داخل المدينة.

    غير أن هذا التقدير لم يكن ينسجم مع أرقام فيفاس، فإذا كان 60 ألف شخص دخلوا المدينة، فإن عودة 48 ألفا و300 تعني بقاء أكثر من 11 ألف شخص دون تفسير أو إحصاء، وهو ما لم تقدم الحكومة الإسبانية أي توضيح بشأنه.

    مارلاسكا يرفعه الأرقام إلى 72 ألفا

    خلال عطلة نهاية الأسبوع، تمسكت مدريد برقم خمسين ألف وافد، بينما واصل رئيس حكومة سبتة الحديث عن ستين ألفا.

    وفي الاثنين 3 غشت ظهر خلاف جديد، بعدما أعلنت الحكومة المركزية أن نحو 2500 شخص ما زالوا داخل المدينة، في حين تحدثت سلطات سبتة عن وجود ما بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف شخص.

    وامتد التباين إلى حصيلة الضحايا، إذ تحدثت مدريد آنذاك عن 74 وفاة، بينما أعلنت سلطات المدينة تسجيل 88 وفاة.

    أثناء اجتماع وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي، أعلن وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا أن عدد الذين دخلوا سبتة بلغ 72 ألف شخص، مضيفا أن 70 ألفا منهم عادوا إلى المغرب، وأن نحو ألفي شخص فقط ما زالوا داخل المدينة.

    ولم يقدم الوزير أي توضيح بشأن انتقال الحصيلة من خمسين ألفا إلى اثنين وسبعين ألفا، رغم أن الفارق يبلغ 22 ألف شخص.

    فيفاس: العدد بلغ 80 ألفا

    بعد أقل من أربع وعشرين ساعة، عاد خوان خيسوس فيفاس ليطرح رواية جديدة، وقال إن عدد الوافدين بلغ نحو 80 ألف شخص، وإن قرابة ستة آلاف ما زالوا داخل سبتة، متسائلا، في تصريح للتلفزيون الإسباني الرسمي: “كيف يمكن أن نكون إلى اليوم لا نعرف عدد الأشخاص الموجودين في سبتة؟”.

    وبهذا التصريح، اتسع الفارق مع وزارة الداخلية الإسبانية إلى ثمانية آلاف شخص في عدد الوافدين، وأربعة آلاف شخص في عدد الموجودين داخل المدينة.

    أرقام المغرب

    في مقابل هذه التقديرات المتغيرة، أعلنت وزارة الداخلية المغربية، في بلاغ رسمي صدر في 2 غشت، أن نحو 40 ألف شخص شاركوا في محاولات العبور نحو سبتة، مقابل 1135 شخصا باتجاه مليلية.

    وأكدت الوزارة أن هذه الحصيلة اعتمدت على وسائل الرصد والتتبع الميداني، معتبرة إياها المرجع الرسمي.

    كما أعلنت تسجيل 11 وفاة داخل التراب المغربي، بينها عشر حالات غرق وحالة وفاة واحدة بسبب سقوط عرضي من منطقة صخرية مجاورة لسبتة، مشيرة إلى أن التنسيق مع السلطات الإسبانية ما يزال متواصلا لتحديد عدد الضحايا الذين سقطوا داخل المدينة وهوياتهم.

    أزمة تعكس أزمة تدبير

    لا يقتصر الخلاف بين مدريد وحكومة سبتة على اختلاف في طرق الإحصاء، بل يكشف أيضا عن تباين في تقييم حجم الأزمة وكيفية تدبيرها.

    فبينما سعت الحكومة المركزية إلى التأكيد أمام شركائها الأوروبيين أن الوضع أصبح تحت السيطرة وأن أغلب الوافدين عادوا إلى المغرب، واصل رئيس حكومة سبتة الحديث عن أعداد أكبر وعن ضغط مستمر على المدينة، مستندا إلى هذه الأرقام للمطالبة بنقل القاصرين غير المصحوبين إلى البر الإسباني وتوفير دعم إضافي لسلطات المدينة.

    وبعد مرور أسبوع على الأحداث، لا تزال إسبانيا تقدم أكثر من رواية حول عدد الذين دخلوا سبتة وعدد الذين غادروها وعدد الذين بقوا داخلها، في حين بقيت الحصيلة الرسمية المغربية ثابتة منذ إعلانها.

    صراع صلاحيات داخل الدولة الإسبانية

    في هذا الإطار، قال محمد مزوز، الباحث في العلاقات الدولية والهجرة وسياسات الحدود، إن المشكل في هذه الأزمة ليس أن المؤسسات الإسبانية قدمت أرقاما مختلفة فحسب، بل أن هذا الاختلاف كشف غياب تعريف موحد لما يجري إحصاؤه أصلا.

    وأوضح مزوز في حديثه لـ “AM+MEDIA”، أن هناك فرق جوهري بين عدد الأشخاص وعدد محاولات العبور وعدد من وطأت أقدامهم المجال الترابي لسبتة، وعدد من سجلتهم المصالح الأمنية أو الصحية أو الاجتماعية، وعندما لا توضح السلطات هذه الفروق، تتحول الأرقام من أداة لفهم الأزمة إلى عنصر إضافي في تعقيدها.

    ومن الناحية المؤسساتية، يرى مزوز أننا “أمام أزمة اختصاصات وتنسيق داخل الدولة الإسبانية، فسبتة تتمتع بوضع إداري خاص، لكنها لا تملك الأدوات السيادية المتعلقة بمراقبة الحدود والهجرة والإبعاد، وهي اختصاصات تعود إلى الحكومة المركزية، في المقابل، تتحمل سلطات المدينة العبء المباشر المرتبط بالإيواء، والرعاية الاجتماعية، وتدبير القاصرين، والضغط على المرافق المحلية وهذا الفصل بين الجهة التي تملك القرار والجهة التي تتحمل الكلفة اليومية يفسر جزءا من التوتر بين مدريد وسبتة”.

    ونبه المتحدث، إلى أن رئيس حكومة المدينة ينظر إلى الأزمة من داخل المجال المحلي بما فيها مراكز إيواء ممتلئة، قاصرون يحتاجون إلى الرعاية، أشخاص غير مسجلين، ومرافق عمومية تعمل فوق طاقتها، أما الحكومة المركزية فتنظر إليها من زاوية أخرى ترتبط بالسيادة، وحدود فضاء شنغن والعلاقة مع المغرب والصورة التي ستقدم إلى الاتحاد الأوروبي.

    لذلك، يعتبر أنه “لا يختلف الطرفان فقط حول الرقم، بل حول تعريف الأزمة ذاتها هل هي أزمة محلية تستوجب توزيع العبء على باقي التراب الإسباني، أم أزمة حدودية جرى احتواؤها ولا ينبغي تضخيم آثارها السياسية؟”.

    وهذا التباين، يفسر أيضا لماذا يحرص كل طرف على تثبيت روايته، فبالنسبة إلى سلطات سبتة، كلما ظهر أن عدد الموجودين في المدينة أكبر أصبحت مطالبتها بنقل القاصرين وتوفير موارد إضافية أكثر إلحاحا.

    أما بالنسبة إلى مدريد، فإن الإقرار باستمرار وجود أعداد كبيرة يعني الاعتراف بأن السيطرة لم تستعد بالكامل وأن تدبير الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي تعرض لاختلال أكبر مما قدم رسميا.

    وهناك بعد آخر يتعلق بجودة الدولة في إدارة الأزمات، فالدولة وفق الباحث لا تقاس فقط بقدرتها على نشر قواتها أو وقف التدفقات، بل أيضا بقدرتها على معرفة من دخل ومن عاد ومن بقي ومن يحتاج إلى حماية، ومن يخضع لإجراء قانوني، وغياب هذه الصورة بعد أيام من الأحداث يعني أن الاستجابة الأمنية سبقت بناء منظومة دقيقة للمعلومات، أو أن قواعد البيانات بين الأجهزة لم تكن متطابقة، أو أن التواصل المؤسساتي لم يعكس المعطيات المتوفرة فعليا، وفي الحالات الثلاث نحن أمام خلل يتجاوز الجانب الإعلامي.

    وتابع: “كما أن الارتباك الرقمي ستكون له آثار قانونية، فكل شخص يوجد داخل سبتة يفترض أن يخضع لتحديد الهوية والوضعية، هل هو راشد أم قاصر؟ هل يحتاج إلى حماية دولية؟ هل يمكن إعادته قانونيا؟ وهل دخل مرة واحدة أم ظهر اسمه في أكثر من سجل؟ من دون قاعدة بيانات موحدة، يصبح من الصعب ضمان سلامة الإجراءات، كما ترتفع احتمالات الخطأ في تصنيف الأشخاص أو تكرار تسجيلهم أو إسقاطهم من الإحصاء”.

    وأعادت الأزمة أيضا، كذلك طرح سؤال القاصرين غير المصحوبين، وهم الفئة الأكثر حساسية في هذا الملف، فهؤلاء لا يمكن التعامل معهم بمنطق التدبير الأمني نفسه المعتمد مع الراشدين، لأن وضعهم يخضع لالتزامات قانونية خاصة مرتبطة بالحماية والرعاية والتحقق من السن والمصلحة الفضلى للطفل، ولهذا فإن الخلاف بين سبتة ومدريد حول نقلهم “يعكس نقاشا قديما داخل إسبانيا بشأن توزيع المسؤولية بين الجهات، خصوصا عندما تقع مدن الحدود تحت ضغط يفوق قدراتها” وفق تعبير مزوز.

    أما في العلاقة مع المغرب، فإن تضارب الأرقام الإسبانية يضعف القدرة على إجراء تقييم مشترك للأزمة، حيث أكد المتحدث أن “التعاون الحدودي يحتاج إلى معطيات متطابقة، أو على الأقل إلى منهجية واضحة تسمح بمقارنة البيانات فعندما تعلن كل مؤسسة رقما مختلفا، يصعب تحديد حجم عمليات العودة وعدد المفقودين وهويات الضحايا، وطبيعة التدفقات وهذا يعرقل ليس فقط التواصل السياسي، بل أيضا العمل القنصلي والقضائي والإنساني”.

    مع ذلك، ينبغي الحذر من المقارنة الآلية بين الرقم المغربي والأرقام الإسبانية، حيث شدد المتحدث على أنه ” قد يكون المغرب قد أحصى المشاركين في محاولات الاقتراب والعبور، بينما أحصت جهات إسبانية عمليات وصول أو تسجيل أو تنقل داخل المدينة”، لذلك فإن الحكم على صحة رقم وخطأ آخر يتطلب أولا توحيد المفاهيم والفترة الزمنية ومكان الإحصاء أما المشكلة الأساسية ليست في أن الأرقام غير متطابقة، فهذا أمر وارد في الأزمات الواسعة، وإنما في أن السلطات لم تقدم للرأي العام تفسيرا منهجيا للفروق بينها.

    سياسيا، يتوقع الباحث أن تترك هذه الأزمة أثرا داخل إسبانيا، فالمعارضة ستستخدم التناقضات لمساءلة الحكومة عن جاهزية الحدود ودقة المعلومات، وسلطات سبتة ستضغط من أجل موارد وصلاحيات أكبر، بينما ستحاول الحكومة المركزية منع تحول الملف إلى دليل على فقدان السيطرة أو إلى أزمة أوروبية مفتوحة.

  • قُبيل أسابيع من الانتخابات.. الحكومة ترسم ملامح مالية 2027 وتستهدف عجزا بـ3% وتقليصا للدين بـ65%

    قُبيل أسابيع من الانتخابات.. الحكومة ترسم ملامح مالية 2027 وتستهدف عجزا بـ3% وتقليصا للدين بـ65%

    دخلت الحكومة مرحلة إعداد آخر مشروع قانون مالية يرتبط بولايتها الحالية بأهداف مالية واضحة، تكمن في خفض عجز الميزانية إلى 3 بالمئة من الناتج الداخلي الخام سنة 2027، وتقليص الدين العمومي إلى 65 بالمئة، مع إبقاء الإنفاق تحت المراقبة وتشديد التعليمات على نفقات السيارات والسفريات والمقرات الإدارية.

    لكن الأرقام التي يتضمنها منشور رئيس الحكومة رقم 12/2026 تكشف أن الوصول إلى هذه الأهداف سيمر عبر هامش مالي ضيق، فكلفة التدابير المتخذة لفائدة القطاع العام ستبلغ 49.7 مليار درهم سنة 2027، والدعم الاجتماعي المباشر يتجاوز 26 مليار درهم سنويا، ودعم غاز البوتان والسكر والدقيق يحتاج 13.2 مليار درهم، فيما سترتفع التحويلات إلى الجهات إلى 12 مليار درهم على الأقل سنويا، بالتزامن مع استمرار تمويل أوراش البنية التحتية والنقل والماء وإعادة إعمار الحوز.

    وتزداد معادلة مالية 2027 تعقيدا مع توقع تباطؤ النمو من 5.3 بالمئة في 2026 إلى 4.1 بالمئة في السنة المقبلة، وارتفاع عجز الحساب الجاري إلى 3.7 بالمئة من الناتج الداخلي الخام، في وقت تتقدم فيه الواردات، التي ارتفعت بـ15.3 بالمئة، بوتيرة أسرع من الصادرات التي زادت بـ9.7 بالمئة.

    وفوق هذه الحسابات الاقتصادية، تحمل الميزانية مفارقة سياسية مرتبطة بتوقيتها، فالانتخابات التشريعية مقررة في 23 شتنبر المقبل، بعد ستة أيام فقط من انتهاء لجان التحكيم الميزانياتي المبرمجة بين 7 و17 من الشهر نفسه، ما يعني أن الحكومة المنتهية ولايتها ستشارك في رسم سقوف ميزانية ستكون الحكومة المنبثقة عن صناديق الاقتراع مطالبة بتنفيذها.

    وبين هدف إعادة العجز إلى 3 بالمئة، والمحافظة على تمويل الدولة الاجتماعية، واستمرار المشاريع الكبرى المرتبطة بالماء والسكك الحديدية والموانئ والمطارات ومونديال 2030، كشف منشور إعداد مشروع قانون المالية 2027 أين توجد هوامش الإنفاق التي تريد الحكومة تقليصها، لكنه ترك رقما أساسيا خارج الوثيقة المنشورة وهو الغلاف الإجمالي للاستثمار المقرر للسنة المقبلة، فضلا عن سقوف نفقات كل قطاع وزاري الواردة في وثيقة مرفقة لم تنشر للعموم.

    نمو بـ5.3 بالمئة.. الفلاحة تدفع الأرقام إلى الأعلى

    تبدأ حسابات مالية 2027 من فرضية نمو أقل من المستوى المتوقع خلال السنة الجارية، فالمنشور يقدر نمو الاقتصاد المغربي بـ5.3 بالمئة في 2026، قبل أن تتراجع الوتيرة إلى 4.1 بالمئة في 2027، مستندا في تقييم مسار الاقتصاد والمالية العمومية إلى تقديرات صندوق النقد الدولي ووكالتي التصنيف الائتماني “ستاندرد آند بورز” و”موديز”.

    وتقدم الوثيقة توقع 5.3 بالمئة باعتباره مؤشرا على تقليص تبعية الاقتصاد المغربي للتقلبات المناخية والتساقطات المطرية، غير أن تفصيل مكونات النمو يكشف الوزن الكبير للفلاحة في انتعاش السنة الجارية.

    فالقيمة المضافة الفلاحية مرشحة للارتفاع بـ15.1 بالمئة خلال 2026، مقابل نمو بـ4.2 بالمئة للأنشطة غير الفلاحية، على أن تنتقل قيمتها من 111.6 مليار درهم في 2025 إلى 130 مليار درهم هذه السنة.

    ويضع هذا المعطى نسبة النمو المتوقعة في سياقها، خصوصا أن الحكومة نفسها تتوقع تراجعها بـ1.2 نقطة في 2027، من 5.3 إلى 4.1 بالمئة، بالتزامن مع انحسار أثر الانتعاش الفلاحي الذي ميز السنة الجارية.

    المداخيل تتحسن.. لكن النفقات ترتفع بالوتيرة نفسها تقريبا

    وتظهر أرقام تنفيذ الميزانية حتى نهاية يونيو 2026 تحسنا واضحا في موارد الدولة، فقد بلغت المداخيل العادية الصافية 225.2 مليار درهم، مقابل 195.2 مليار درهم في الفترة نفسها من 2025، مسجلة زيادة بـ15.4 بالمئة، فيما تشكل المداخيل الضريبية الجزء الأكبر من هذه الموارد بعدما بلغت 197.8 مليار درهم.

    غير أن النفقات تسير بدورها بوتيرة تصاعدية قريبة من وتيرة نمو المداخيل، فقد ارتفعت النفقات العادية بـ14.7 بالمئة إلى 203.9 مليارات درهم، أي أن الفارق بين وتيرة ارتفاع الموارد والنفقات لا يتجاوز 0.7 نقطة مئوية.

    وضمن هذه النفقات، ارتفعت فوائد الدين من 10.4 إلى 11.4 مليار درهم، بينما قفزت نفقات الاستثمار بـ20.2 بالمئة لتصل إلى 59.8 مليار درهم.

    وسمحت هذه التطورات بخفض عجز الميزانية إلى 24 مليار درهم عند نهاية يونيو، مقابل 30.8 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.

    ويأتي ذلك ضمن مسار تريد الحكومة مواصلته في 2027، بعدما انتقل العجز، بحسب المنشور، من 7.1 بالمئة من الناتج الداخلي الخام سنة 2020 إلى 3.5 بالمئة في 2025، على أن يستقر عند 3 بالمئة في السنة المقبلة.

    ويشمل الاتجاه نفسه الدين العمومي، المتوقع أن يمثل 66 بالمئة من الناتج الداخلي الخام في 2026، قبل تراجعه إلى 65 بالمئة في 2027 ونحو 63 بالمئة في أفق 2029.

    التجارة الخارجية.. الواردات تركض أسرع من الصادرات

    لكن تحسن مؤشرات المالية العمومية يقابله ضغط أكبر على الحسابات الخارجية، فخلال النصف الأول من 2026، ارتفعت الصادرات المغربية بـ9.7 بالمئة لتبلغ 260.4 مليار درهم، في حين سجلت الواردات نموا بـ15.3 بالمئة ووصلت إلى 458.8 مليار درهم، مدفوعة أساسا بارتفاع واردات سلع التجهيز والمنتجات الطاقية.

    وتنعكس هذه الفجوة على الحساب الجاري، الذي تتوقع الحكومة ارتفاع عجزه إلى 3.7 بالمئة من الناتج الداخلي الخام في 2026، بعدما بلغ 2.4 بالمئة في 2025، فيما استقر معدل تغطية الواردات بالصادرات عند 57 بالمئة خلال السنة الماضية.

    في المقابل، تستفيد الحسابات الخارجية من ثلاثة تدفقات رئيسية للعملة الصعبة، فقد ارتفعت مداخيل السفر بـ15.9 بالمئة إلى 64.9 مليار درهم في نهاية يونيو، وبلغت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج 61.5 مليار درهم، بينما وصل صافي تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى 26.2 مليار درهم.

    ويضع المنشور ضمن هذه الدينامية الأداء المسجل في القطاع السياحي، بعدما استقبل المغرب 19.8 مليون زائر خلال 2025، وبلغت المداخيل السياحية بالعملة الصعبة 138 مليار درهم.

    49.7 مليار درهم لكلفة تدابير القطاع العام

    الجانب الأكثر ضغطا على حسابات 2027 يرتبط بالنفقات التي سبق الالتزام بها، والتي لا تملك الحكومة هامشا واسعا لتقليصها.

    فالكلفة السنوية للتدابير المعتمدة لفائدة القطاع العام، بما فيها مراجعة الضريبة على الدخل، ستصل إلى 48.3 مليار درهم في نهاية 2026، قبل أن ترتفع إلى 49.7 مليار درهم في 2027.

    وإلى جانب هذه الكلفة، تحتاج الحكومة إلى 13.2 مليار درهم لمواصلة دعم غاز البوتان والسكر والدقيق الوطني، فضلا عن 3.9 مليارات درهم مخصصة للتدابير المتبقية من الحوار الاجتماعي.

    أما الدعم الاجتماعي المباشر، فتبلغ كلفته 2.2 مليار درهم شهريا، بما يتجاوز 26 مليار درهم سنويا.

    ومن المنتظر أن يضاف إلى هذه الالتزامات ارتفاع التحويلات الموجهة إلى الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم سنويا ابتداء من 2027.

    وهكذا، يدخل مشروع قانون المالية المقبل مرحلة الإعداد وجزء مهم من النفقات محدد مسبقا، بينما يفترض تحقيق هدف خفض العجز إلى 3 بالمئة مواصلة التحكم في الإنفاق دون المساس بالالتزامات الاجتماعية والاستثمارية القائمة.

    4 ملايين أسرة تستفيد من الدعم.. ومؤشرات تغيب عن المنشور

    ويخصص المنشور مساحة واسعة لحصيلة الدولة الاجتماعية، إذ يشير إلى استفادة أربعة ملايين أسرة وأكثر من خمسة ملايين طفل من الدعم الاجتماعي المباشر، وإلى صرف 64.2 مليار درهم منذ 2023.

    وفي التأمين الإجباري عن المرض، تفيد الوثيقة بأن نسبة التغطية انتقلت من 42 بالمئة قبل الإصلاح إلى أكثر من 87 بالمئة حاليا.

    غير أن الدقة التي يعتمدها المنشور في عرض عدد المستفيدين وكلفة البرامج الاجتماعية لا تمتد إلى عدد من المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية الأخرى، إذ لا يورد معدل البطالة أو التضخم أو مؤشرا للفقر النقدي.

    ويظهر هذا الغياب بشكل أكبر في الجزء المتعلق بالتشغيل، فالوثيقة تحدد ثلاثة محاور لخارطة الطريق، هي “عرض الشغل” و”الطلب على الشغل” و”آليات الوساطة”، إلى جانب إعادة هيكلة البرامج النشيطة للتشغيل، دون تحديد هدف رقمي لإحداث فرص الشغل أو أفق زمني لتحقيقه.

    أما الهدف الكمي الواضح في الجانب التعليمي، فيهم برامج الفرصة الثانية، حيث تستهدف الحكومة رفع عدد المستفيدين من 35 ألفا خلال الدخول المدرسي 2026-2027 إلى 80 ألفا بحلول 2030.

    الحوز.. إعادة الإعمار مستمرة في 2027

    ولا تنتهي الالتزامات عند البرامج الاجتماعية، إذ سيستمر تمويل إعادة إعمار وتأهيل المناطق المتضررة من زلزال الحوز ضمن حسابات السنة المقبلة.

    وإلى نهاية يونيو 2026، بلغت مدفوعات الدولة المرتبطة بهذا الورش 8.02 مليارات درهم وشملت 2.52 مليار درهم من المساعدات الشهرية، بقيمة 2500 درهم لفائدة 63 ألفا و786 أسرة، إضافة إلى 759.7 مليون درهم لإعادة بناء 5751 مسكنا، بمساعدة قدرها 140 ألف درهم لكل مسكن.

    كما جرى صرف 3.98 مليارات درهم لإعادة تأهيل 52 ألفا و240 مسكنا، بمبلغ 80 ألف درهم لكل مسكن، وخصصت الدولة بالتوازي غلافا بقيمة 6.42 مليارات درهم للأشغال القطاعية، فيما أفردت برنامجا آخر بقيمة 3 مليارات درهم لمواجهة تداعيات الفيضانات التي شهدتها مناطق شمال وغرب المملكة.

    من السيارات إلى الفنادق.. أين تريد الحكومة خفض الإنفاق؟

    أمام محدودية هامش التحرك في النفقات الاجتماعية والالتزامات القائمة، تنتقل تعليمات رئيس الحكومة إلى المصاريف الإدارية التي يمكن التحكم فيها.

    ويطالب المنشور القطاعات الحكومية بأن يكون إحداث المناصب المالية “محددا ومبررا بدقة”، وأن تعمل على ضبط نفقات الماء والكهرباء وكراء السيارات وتهيئة المقرات.

    وتشمل التعليمات أيضا نفقات التنقل داخل المملكة وخارجها، والإقامة في الفنادق والاستقبالات والحفلات والملتقيات، مع ربطها بأهداف “ميثاق مثالية الإدارة”.

    ويذهب المنشور بصورة أكثر مباشرة إلى مطالبة الإدارات بـ”تقليص نفقات اقتناء السيارات وبناء وتهيئة وتجهيز المقرات الإدارية إلى أقصى حد”.

    لكن هذه التعليمات ليست جديدة في قاموس إعداد الميزانية، إذ تعيد إلى حد بعيد مقتضيات سبق تضمينها في مناشير السنوات السابقة، ما يجعل الرهان الفعلي مرتبطا بحجم ما يمكن توفيره من هذه البنود مقارنة بالنفقات الاجتماعية والاستثمارية الكبرى.

    لا اعتمادات لمشاريع لا تستطيع القطاعات تنفيذها

    التشدد يمتد إلى الاستثمار العمومي، لكن من زاوية مختلفة، إذ يطلب المنشور من القطاعات الحكومية بناء مقترحاتها الاستثمارية انطلاقا من قدرتها الحقيقية على التنفيذ، مع مراعاة معدلات ترحيل الاعتمادات من سنة إلى أخرى.

    وتعطى الأولوية للالتزامات الناتجة عن التعليمات الملكية، فضلا عن الاتفاقيات الموقعة مع المانحين الدوليين.

    أما الإعانات الموجهة إلى المؤسسات العمومية، فسيجري صرفها بحسب تقدم المشاريع والسيولة المتوفرة لديها، بما يربط تحويل الموارد بوتيرة الإنجاز الفعلي.

    وتأتي هذه التوجيهات في سياق تعديل عدد من قواعد الصفقات العمومية، إذ ارتفع سقف سندات الطلب من 500 ألف إلى 800 ألف درهم، فيما انتقل سقف المسطرة المبسطة المعفاة من شهادات المراجع من مليون إلى 1.5 مليون درهم.

    168 مليار درهم إضافية في مداخيل الدولة

    وتراهن الحكومة في الجانب الآخر من المعادلة على استمرار تعبئة الموارد الجبائية، بحيث يؤكد المنشور مواصلة توسيع الوعاء الضريبي وترشيد الامتيازات وتشديد مكافحة الغش، مع التأكيد على أن ذلك سيتم “دون زيادة الضغط الضريبي”.

    وتظهر الأرقام التي تقدمها الوثيقة أن المداخيل العادية للدولة انتقلت من 256.2 مليار درهم سنة 2021 إلى 424.2 مليار درهم في 2025، أي بزيادة بلغت 168 مليار درهم خلال أربع سنوات.

    ويعادل ذلك متوسط نمو سنوي بـ13.5 بالمئة، فيما سجلت المداخيل الضريبية وحدها متوسط زيادة سنوية قدره 12.4 بالمئة خلال الفترة نفسها.

    ويربط المنشور هذا التطور بالقانون الإطار رقم 69.19 المتعلق بالإصلاح الجبائي، لكنه لا يفصل داخل الزيادة المسجلة بين ما نتج عن توسيع القاعدة الضريبية وما يرتبط بالنمو الاسمي للاقتصاد أو بالتضخم.

    قانون المالية نفسه على طاولة الإصلاح

    ولا تقتصر أجندة 2027 على تدبير الموارد والنفقات، بل تشمل إصلاح الإطار القانوني والمؤسساتي الذي يحكم جزءا من المالية العمومية.

    وتعلن الحكومة مراجعة القانون التنظيمي رقم 130.13 المتعلق بقانون المالية، مع توجه نحو توسيع نطاقه ليشمل المؤسسات العمومية المستفيدة من الدعم، إلى جانب اعتماد الميزنة متوسطة المدى ووضع سقف للمداخيل المرصدة.

    كما ستتواصل عملية تنزيل القانون الإطار رقم 50.21 المتعلق بالمؤسسات والمقاولات العمومية، مع إحداث هيئة مركزية مكلفة بعمليات التصفية.

    ويشير المنشور أيضا إلى مشروعي القانونين رقم 047.26 و046.26، المتعلقين بجعل المندوبية السامية للتخطيط هيئة للحكامة وإعادة تنظيم النظام الإحصائي الوطني.

    القطار والمطارات والموانئ والماء.. أوراش بلا غلاف استثماري إجمالي

    رغم التشديد على ضبط النفقات، لا تعني مالية 2027 التراجع عن الأوراش الاستثمارية الكبرى، فالمنشور يسرد مجموعة واسعة من المشاريع التي ستتواصل خلال المرحلة المقبلة، لكنه لا يحدد الغلاف الإجمالي للاستثمار المقرر للسنة المقبلة.

    في السكك الحديدية، يبرز مشروع الخط فائق السرعة القنيطرة-مراكش على امتداد 430 كيلومترا، إلى جانب شبكات القطارات السريعة الجهوية في ثلاث جهات.

    وفي النقل الجوي، تستهدف الاستراتيجية المعلنة رفع الطاقة الاستيعابية للمطارات إلى 80 مليون مسافر بحلول 2030، فيما يفترض أن يصل أسطول الخطوط الملكية المغربية إلى 200 طائرة في أفق 2037.

    وتضم لائحة الأوراش أيضا ميناء الناظور غرب المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي.

    وفي قطاع الماء، تستهدف المشاريع بلوغ قدرة لتحلية مياه البحر في حدود 1.7 مليار متر مكعب، ورفع قدرة التخزين إلى 22 مليار متر مكعب بحلول 2030.

    ويضاف إلى كل ذلك جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، تقدر الوثيقة كلفتها بنحو 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات.

  • حكم في مدريد ثم عشرات الآلاف عند الحدود.. القصة التي سبقت أحداث سبتة

    حكم في مدريد ثم عشرات الآلاف عند الحدود.. القصة التي سبقت أحداث سبتة

    لم تبدأ أزمة سبتة الأخيرة عند السياج الحدودي، ولا في مياه تراخال يوم 30 يوليوز، فخيط القصة يقود إلى مدريد، وتحديدا إلى حكم قضائي صدر قبل ذلك بأسابيع، بدا في ظاهره حسما قانونيا في قضية مهاجر جزائري واحد، قبل أن تتحول آثاره إلى معطى جديد في واحدة من أكثر الحدود حساسية بين المغرب وإسبانيا.

    في 29 يونيو، رسمت المحكمة العليا الإسبانية خطا فاصلا لم يكن واضحا من قبل بين من يعترض في البحر أثناء محاولته الوصول سباحة إلى سبتة أو مليلية ومن يقتحم السياج البري.

    واللافت أن المحكمة لم تفتح باب الإقامة ولم تمنح العابرين حصانة من الترحيل، لكنها أغلقت طريق الإعادة الفورية إلى المغرب من البحر، وفرضت المرور أولا عبر مسطرة قانونية فردية بما تتضمنه من تحديد للهوية ومساعدة قانونية وإمكانية طلب اللجوء.

    هذا التفصيل القانوني سرعان ما اكتسب قراءة مغرضة خارج قاعات المحاكم، بعدما تم تأويله في شبكات التواصل ودوائر الاتجار في البشر، برسالة أكثر إغراء مفادها أن الوصول إلى سبتة سباحة يعني أن الإعادة الفورية إلى المغرب لم تعد ممكنة.

    في هذا الرصد التحليلي، تعود جريدة “AM+ MEDIA” إلى أصل الحكم 814/2026، وتتتبع الطريق الذي قطعه من قضية مهاجر واحد إلى أزمة حدودية، ويفكك ما قررته المحكمة فعلا وما نسب إليها، وما عرفته الأجهزة الإسبانية قبل الأزمة، ثم يضع الروايتين المغربية والإسبانية جنبا إلى جنب لفهم اللحظة التي تحول فيها اجتهاد قضائي دقيق إلى عامل ميداني أعاد خلط قواعد اللعبة، وفجر الحدود بين المغرب وثغره المحتل “سبتة”.

    أزمة بدأها سباح جزائري

    بين صدور حكم المحكمة العليا الإسبانية رقم 814/2026 الصادر في 29 يونيو ونشره في 8 يوليوز، ثم التدفق الجماعي في 30 يوليوز، انتقل قرار قضائي شديد التقنية من قاعات المحاكم إلى هواتف الآلاف، لتضيع التفاصيل القانونية وسط سيل من التأويلات تكررت على شبكات التواصل في رسالة واحدة: “من يصل سباحة إلى سبتة لن يعاد إلى المغرب”.

    غير أن التتبع الدقيق لتفاصيل الأحداث، يؤكد أن القصة بدأت قبل ذلك بأكثر من عامين، فصباح 14 نونبر 2023، رصد الحرس المدني الإسباني مهاجرا جزائريا في الخليج الجنوبي لسبتة، وهو يحاول بلوغ المدينة سباحة رفقة شخصين آخرين، قبل أن يتم اعتراضه ونقله إلى مقر تابع لوحدة الحدود، حيث تلقى مساعدة من الصليب الأحمر، قبل أن يسلم مباشرة إلى المغرب عبر معبر تراخال.

    ولأن التسليم لم يحترم المسطرة الإدارية للإعادة، وصلت القضية إلى المحكمة الإدارية رقم 2 في سبتة، التي قضت في شتنبر 2024 ببطلان عملية التسليم، قبل أن تؤيد محكمة العدل العليا في الأندلس جوهر الحكم في مارس 2025، لكن الدولة الإسبانية واصلت التقاضي، لتنتهي القضية أمام المحكمة العليا.

    وأخذ الملف منحى آخر، لتتحول قضية مهاجر واحد إلى سؤال حول كيفية إدارة الحدود البحرية لسبتة ومليلية المحتلتين.

    حدود بحرية بلا حدود

    منذ 2015، يتضمن قانون الأجانب الإسباني نظاما استثنائيا خاصا بسبتة ومليلية، يعرف بـ”الرفض على الحدود”، ويسمح بإرجاع من يضبط وهو يحاول تجاوز “عناصر احتواء الحدود” بصورة غير قانونية، مع بقاء العملية خاضعة لالتزامات إسبانيا في مجال حقوق الإنسان والحماية الدولية، وهو ما يعرف إعلاميا بـ”الإعادة الساخنة”.

    أمام المحكمة العليا، حاول محامو الدولة توسيع مفهوم “عناصر الاحتواء”، معللين موقفهم بأن غياب سياج وسط البحر لا يعني غياب الحدود، فوفق حجتهم، تخضع الحدود البحرية اليوم لنظام من الكاميرات الحرارية وأجهزة الاستشعار والطائرات المسيّرة ووسائل الإنذار المبكر؛ وبالتالي يمكن التعامل معها، قانونيا، كما لو كانت امتدادا للحواجز البرية.

    غير أن قضاة المحكمة العليا لم يقتنعوا، لأن وسائل المراقبة تستطيع كشف المهاجر، لكنها لا تمنعه ماديا من المرور، وبالتالي لا يجوز استعمال النظام الاستثنائي للإعادة المباشرة مع شخص يعترض في البحر وهو يحاول الوصول سباحة.

    وفي الحكم رقم 814/2026، قررت المحكمة أن حالات التسلل عبر البحر يجب أن تمر عبر مسطرة “الإعادة” العادية المنصوص عليها في المادة 58.3 من قانون الأجانب، لا عبر “الرفض على الحدود”.

    من أحكام 2020 إلى درس القاصرين

    لم يأت حكم 29 يونيو من فراغ، فعندما أقرت إسبانيا نظام الرفض على الحدود سنة 2015، ظل محاطا بنقاش قضائي طويل.

    وفي فبراير 2020، قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بعدم وجود انتهاك في إعادة مهاجرين شاركوا في اقتحام جماعي لسياج مليلية المحتلة سنة 2014.

    وفي نونبر من السنة نفسها، أقرت المحكمة الدستورية الإسبانية في قرار يحمل رقم “STC 172/2020” بدستورية النظام، مشترطة تطبيقه في إطار فردي، وخضوعه للرقابة القضائية واحترام التزامات إسبانيا الدولية.

    ثم جاءت أزمة سبتة سنة 2021 لتضع حدود الاستثناء مرة أخرى، عندما أكدت المحكمة العليا في يناير 2024 عدم قانونية عمليات إعادة قاصرين مغاربة غير مرفقين نفذت في غشت 2021، بسبب “التجاهل المطلق” للمسطرة التي يفرضها القانون وعدم دراسة الوضع الفردي لكل قاصر ومصلحته الفضلى.

    من ردهات المحكمة إلى منصات التواصل

    بموجب الحكم الجديد، يتعين نقل المهاجر الذي يعترض في البحر، بحسب اللوائح الجاري بها العمل، إلى الشرطة من أجل تحديد هويته والنظر في إعادته، مع ضمان الحق في المساعدة القانونية والمترجم.

    وبالتالي، أصبح بإمكان المهاجر غير النظامي المعترض في البحر أن يتقدم بطلب اللجوء، وتعلق عملية الإعادة إلى حين البت في وضعه وفق الشروط القانونية، وفي حال تعذر تنفيذ قرار الإعادة خلال 72 ساعة، يصبح استمرار الاحتجاز رهينا بقرار قضائي، وبالتالي فالحكم، لم يمنع إسبانيا من إعادة من يدخل بصورة غير نظامية، كما لم يمنح المهاجر إقامة تلقائية.

    ومع انتشار حكم المحكمة العليا الإسبانية، بدأت نسخة أخرى منه مغايرة تتداول خارج ردهات المحاكم عبر مقاطع فيديو على مناصات التواصل الاجتماعي.

    بهذا الصدد، كشفت تحقيقات متقاطعة لوكالتي “رويترز” و”أسوشيتد برس”، وتقرير استخباراتي أعده المحلل الإسباني المتخصص في الأمن والاستخبارات والإرهاب الدولي شيما جيل، أن تتبع مقاطع ومنشورات انتشرت خلال يوليوز المنصرم كشف أن الحكم القضائي قدم على شبكات التواصل باعتباره دليلا على أن من يصل إلى سبتة لن يكون ممكنا إعادته، ورافقت ذلك فيديوهات لشبان نجحوا في العبور، ومعلومات عن طرق السباحة ومواقيت المراقبة، وصور لمهاجرين داخل سبتة المحتلة.

    تقرير شيما جيل بدوره، كشف أن أحداث سبتة الأخيرة سبقتها حملة رقمية واسعة انطلقت منذ بداية يوليوز عبر منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة، وشهدت تداول رسائل تتعلق بمسارات الوصول، ووسائل النقل، ومواعيد التحرك، ونقاط الالتقاء، في إطار ما وصفه التقرير بحملة تعبئة رقمية سبقت الأحداث الميدانية.

    وأشار التقرير الاستخباراتي الإسباني إلى أن الحملة الرقمية التي بدأت مع مطلع شهر يوليوز، حققت أكثر من 11 مليون ظهور، من خلال حسابات تنشط في أساسا في الجزائر وتونس وفرنسا، إلى جانب حسابات أخرى في المغرب والولايات المتحدة، قبل أن تتسارع وتيرتها عقب صدور قرار للمحكمة العليا الإسبانية في الأيام الأولى من الشهر، والذي اعتبر أن الأشخاص الذين يدخلون إسبانيا عبر البحر لا يمكن إعادتهم فورا عند الحدود.

    ووفقا للتقرير، استخدم هذا القرار على نطاق واسع داخل المنصات الرقمية لترويج روايات حول سهولة العبور، وهو ما أسهم في تكثيف تداول المحتوى المرتبط بسبتة عبر منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة.

    من الترويج الرقمي إلى التعبئة الميدانية

    التقرير الاستخباراتي أوضح أنه في منتصف يوليوز، انتقلت الحملة من مرحلة الترويج الرقمي إلى التعبئة الميدانية، إذ رصد التحقيق تزايد وصول أشخاص من مدن مغربية إلى مدينة الفنيدق، بالتزامن مع ارتفاع النشاط داخل مجموعات على فيسبوك وقنوات للمراسلة الموجودة مسبقا، والتي كانت تستخدم لتبادل المعلومات العملية تتعلق بالجداول الزمنية وظروف السفر.

    وفي 28 يوليوز، رصد التقرير إحدى أبرز نقاط الاتصال خلال الفترة المدروسة، وترتبط بتحديد مجموعة مراسلة عامة تحمل اسم “هجمة كرياج سبتة”، تدار من رقم هاتف يبدأ بالمفتاح الدولي الجزائري (213+).

    وبحسب التقرير، استخدمت المجموعة لتبادل المعلومات اللوجستية المتعلقة بالتعبئة نحو سبتة، بما في ذلك التنسيق بين المشاركين وتداول المعطيات العملية، مشيرا إلى أن أهمية هذه المجموعة تتعلق بالدور الذي أدته كمنصة للتنسيق داخل البنية الرقمية للحملة.

    ووفقا للتقرير، بلغت الحملة الرقمية ذروتها يومي 29 و30 يوليوز، إذ شهدت المنصات الرقمية تصاعدا ملحوظا في وتيرة المنشورات، بالتزامن مع تداول تعليمات أكثر تحديدا بشأن الجداول الزمنية، ونقاط التجمع، والمعدات الموصى بها، وظروف السفر.

    وفي الوقت نفسه، نشرت حسابات مختلفة مقاطع فيديو تظهر رحلات باتجاه الفنيدق، فيما تداولت حسابات أخرى صورا للمنطقة الحدودية ورسائل هدفت إلى الحفاظ على زخم التعبئة.

    وكشف التقرير أن الحملة بلغت ذروة تأثيرها الميداني خلال الساعات الأولى من صباح يومي 30 و31 يوليوز، مع محاولة جماعية لدخول سبتة المحتلة.

    الرباط.. خطاب شديد اللهجة

    من الجانب المغربي، كان على مدريد أن تتوقع تداعيات الحكم، لأنه أضعف عنصرا رئيسيا من عناصر الردع، وفق ما أكده مصدر حكومي لوكالة الأنباء المغربية “لاماب”.

    ومن هذا المنظور، يرى المغرب أن شبكات التهريب التقطت التغيير بسرعة وروجت لفكرة أن مجرد الوصول إلى سبتة يوفر الحماية من الإعادة.

    ويعلل المغرب موقفه بأن قرار المحكمة العليا “قوّض منظومة مكافحة الهجرة غير النظامية”، وأن “الحاجز أمام الهجرة لم ينهر بسبب المهربين، بل نتيجة قرار قضائي إسباني”، مضيفا أن الترحيل التلقائي كان “يشكل حجر الزاوية في منظومتنا الردعية”.

    وتشير الرباط إلى أن الردع على الحدود لا يتعلق فقط بما إذا كانت الإعادة ممكنة في النهاية، بل بما إذا كانت تحدث فور الاعتراض أم بعد إدخال المهاجر إلى مسطرة إدارية.

    ونبه المصدر الحكومي، في حديثه لوكالة الأنباء المغربية، إلى أنه لا يمكن لقاض إسباني أن يقوّض منظومة مكافحة الهجرة غير النظامية، ثم يطالب المملكة المغربية بتحمل التبعات.

    العودة.. وهم “الفردوس الموعود”

    وتكشف العودة الجماعية من سبتة، وفق القراءة التي يقدمها المغرب، أن موجة الهجرة لم تكن تعبيرا خالصا عن رغبة مستقرة في مغادرة المغرب بقدر ما كانت، في جانب منها، نتيجة لصورة مضخمة جرى تسويقها للشباب عن الضفة الأخرى.

    ودخل الآلاف؛ وفق المعطيات المغربية لم يتجاوز عددهم 41 ألفا، بيما تقول إسبانيا إنهم تعدوا 72 ألفا، 70 ألفا منهم عادوا طواعية إلى المغرب، إلى هذه المغامرة محملين بوعد الفردوس الموعود، قبل أن يصطدموا، خلال فترة وجيزة، بواقع مختلف دفع الغالبية إلى العدول عن خيار البقاء والعودة إلى المغرب.

    بالنسبة إلى الرباط، يكمن جواب عودة غالبية المشاركين في محاولات العبور غير النظامي، في أن الصورة التي سبقت العبور لم تكن مطابقة للواقع، وأن شبكات التهريب والحسابات التي غذت موجة الهجرة ساهمت في صناعة وهم جماعي حول ما ينتظر الشباب بعد الوصول.

    ويقدم المغرب العودة الطوعية باعتبارها لحظة انكشاف لهذا التضليل، لا مجرد تراجع عن محاولة عبور، إذ إن سبب عودة آلاف الشباب، رغم تمكنهم من الوصول إلى سبتة المحتلة، مرده أنهم “عاينوا عن قرب أن الوضع في المغرب أفضل من ‘الفردوس الموعود’ الذي كانوا يتوهمونه”.

    وتتقاطع هذه القراءة مع رهان المغرب على التنمية، باعتبارها الوسيلة الأكثر استدامة لتقليص الفجوة بين التصور والواقع، إذ أكد المصدر الحكومي في تصريح لوكالة الأنباء المغربية أن “العودة الطواعية للشباب تعزز مسار المغرب التنموي ووجاهة الخيارات الاستراتيجية التي نفذت تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس”، مشيرا إلى أن المبادرات الملكية في الأقاليم الشمالية أحدثت طفرة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، تمثلت في خلق أكثر من 430 ألف فرصة شغل.

    انطلاق التحقيقات ومدريد في موقف محرج

    وفي هذا السياق، أكدت وزارة الداخلية المغربية أن النيابة العامة المختصة باشرت، في إطار اختصاصاتها القانونية، أبحاث قضائية بشأن مختلف الأفعال والوقائع المرتبطة بهذه الأحداث، بهدف تحديد جميع الملابسات، والكشف عن المسؤوليات، وترتيب الآثار القانونية وفقا لأحكام القانون.

    وفي إسبانيا، طلبت المحكمة الوطنية الإسبانية من أجهزة الشرطة تحديد ما إذا كانت التدفقات الجماعية في 30 و31 يوليوز نتيجة عمل “منسق أو موجه” من تنظيم أو مجموعة إجرامية، وفق ما كشفته إذاعة “كادينا سير” الإسبانية.

    غير أن الأكثر إحراجا بالنسبة إلى مدريد ليس فقط ما وقع على شبكات التواصل بسبب الحكم، بل ما كانت تعرفه مؤسساتها قبل 30 يوليوز.

    فوزارة الداخلية، وفق صحيفة “إل باييس” الإسبانية، تقر بأنها رصدت ارتفاعا تدريجيا في محاولات الوصول سباحة، إذ وفقا للأرقام التي كشف عنها الوزير فرناندو غراندي مارلاسكا، سجلت نحو 500 محاولة بين 29 يونيو و12 يوليوز، ثم قفز العدد إلى 1300 محاولة بين 13 و26 يوليوز.

    بهذا الصدد، كشفت “كادينا سير”، نقلا عن مصادر أمنية، أن المركز الوطني للاستخبارات وجه عدة تحذيرات من خطر تدفق جماعي نحو سبتة، وأن حكم المحكمة العليا كان ضمن العناصر التي أثارت القلق، موضحة أن ثمانية أيام فقط قبل الأزمة أبلغت الداخلية وزارة الهجرة بأن الضغط على مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين قد يبلغ مستوى “حرجا”.

    في المقابل، مارلاسكا، وزير الداخلية بالجارة الشمالية، ينفي أن يكون جهاز الاستخبارات قد حذر الحكومة من سيناريو بالحجم الذي وقع في 30 يوليوز، لكنه لا ينفي وجود تحذيرات من ارتفاع محتمل في الوصول، ولا الأرقام التي كانت تشير إلى تزايد المحاولات وفق “إل باييس”.

    واليوم الأربعاء، دخل القضاء الإسباني على الخط، إذ طلبت المحكمة الوطنية من الحرس المدني الكشف عما إذا كانت لديه معلومات سابقة يمكن أن تنذر بالدخول الجماعي، فيما يجري أيضا البحث في احتمال وجود تنظيم إجرامي وراء عملية التعبئة، وفق ما نشرته “إل باييس”.

    حاجز مائي.. قرار متأخر

    بعد أزمة 30 يوليوز، وبالضبط في 01 غشت الجاري، شرعت إسبانيا في تركيب حاجز عائم يمتد نحو نصف كيلومتر قبالة تراخال، ويتكون من عناصر عائمة ومعدات مصممة لجعل العبور سباحة أكثر صعوبة، مع إبقاء ممر لدوريات المراقبة.

    ويشكل الحاجز العائم جوابا أمنيا على قرار المحكمة العليا، وجوابا على مشكلة قانونية أحدثها الحكم، بعدما تركت المحكمة الباب مواربا للمهاجرين عبر البحر، لتسارع إسبانيا لإقامة عناصر مادية لاحتواء الحدود في البحر، تجعل محاولة تجاوزها سببا لمناقشة تطبيق النظام الاستثنائي للرفض على الحدود.

    وأبرزت وكالة الأنباء الإسبانية “إيفي”، السبت المنصرم، أن الحاجز الجديد، الذي أشرفت على تركيبه الهيئة الإسبانية للإنقاذ والسلامة البحرية، بمساندة وحدات من البحرية الإسبانية، يتكون من بنية عائمة بطول يبلغ نحو 500 متر، ويبرز فوق سطح الماء بارتفاع يتراوح بين 30 و70 سنتيمترا، ويمتد الجزء المغمور إلى عمق يصل إلى متر واحد.