لم تعد علاقة المغرب بالمنظمة الدولية للشرطة الجنائية “الإنتربول” تقاس فقط بتاريخ عضوية يمتد منذ سنة 1957، فالأرقام التي سجلها المكتب المركزي الوطني بالرباط خلال سنة 2025 تكشف عن نشاط عملياتي يومي يربط المصالح الأمنية والقضائية المغربية بشبكة تعاون عابرة للحدود من خلال 7103 طلبات للمعلومات، و2307 ملفات مرتبطة بالاتجار الدولي في السيارات المسروقة، و395 مركبة محجوزة، و120 إنابة قضائية دولية، و127 مذكرة توقيف دولية.
وراء هذه الأرقام توجد آلية أقل ظهورا من العمليات الأمنية الميدانية، لكنها تشكل نقطة العبور الأساسية للمعلومات بين المغرب وباقي الدول الأعضاء في الإنتربول.
فالمكتب المركزي الوطني بالرباط هو حلقة الاتصال المغربية بالشبكة الدولية للمنظمة، التي تضم حاليا 196 دولة، ويتولى تبادل المعلومات والمعطيات الجنائية والتنسيق في القضايا والتحقيقات ذات الامتداد الدولي.
وتوضح الإنتربول أن المكاتب المركزية الوطنية هي التي تربط أجهزة إنفاذ القانون في كل دولة بباقي المكاتب وبالأمانة العامة عبر شبكة الاتصال الشرطية المؤمن
بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بفرع أجنبي يعمل داخل المغرب، بل بجهاز وطني يشكل نقطة الاتصال بين المصالح المغربية ومنظومة التعاون الشرطي الدولي.
7103 طلبات في سنة واحدة.. ماذا تقول أرقام 2025؟
تكشف حصيلة المديرية العامة للأمن الوطني لسنة 2025 عن حجم هذا النشاط، فقد عالج المكتب المركزي الوطني للإنتربول بالرباط 7103 طلبات للمعلومات خلال سنة.
وفي ملف سرقة السيارات وحده، سهل المكتب التعاون بشأن2307 قضايا مرتبطة بالاتجار الدولي بالمركبات المسروقة، وأفضى ذلك إلى حجز 395 سيارة كانت مسجلة باعتبارها مسروقة في قواعد بيانات الإنتربول.
لكن السيارات ليست سوى جزء من النشاط، ففي الشق القضائي، تابع المكتب تنفيذ 120 إنابة قضائية دولية صادرة عن سلطات أجنبية، كما عمم 127 مذكرة توقيف دولية.
وتشير حصيلة الأمن الوطني المنشورة إلى أن هذا التعاون أسفر عن توقيف 144 شخصا مطلوبا دوليا من طرف السلطات القضائية المغربية.
ويعطي هذا الرقم فكرة أوضح عن وظيفة المكتب، عندما يتحول ملف جنائي من قضية داخل حدود دولة واحدة إلى قضية يتوزع أطرافها أو المطلوبون فيها بين عدة دول، تصبح سرعة تداول المعلومة وتحديد الأشخاص والممتلكات المطلوبة جزءا أساسيا من التحقيق.
3173 مذكرة بحث وطنية مرتبطة بطلبات أجنبية
الأرقام الأخرى تكشف الاتجاه المعاكس لتدفق المعلومات، فالمكتب لم يكتف بإرسال الطلبات المغربية إلى الخارج، بل أصدر خلال 2025 ما مجموعه 3173 مذكرة بحث وطنية استجابة لطلبات مصالح أمنية أجنبية ولنشرات حمراء صادرة عن الإنتربول.
كما نشر381 إشعارا البحث صادرا عن مكاتب الاتصال في الدول العربية، وعمم 858 إشعارا بوقف مذكرات البحث الدولية، إضافة إلى 1016 إشعارا بوقف البحث بناء على طلب السلطات القضائية في دول عربية.
ويظهر هذا المعطى طبيعة التعاون الذي يديره مكتب الرباط، ففي حال أصبح شخص قد يصبح موضوع بحث دولي، ثم يلغى البحث عنه لاحقا بناء على تطور قضائي، ولذلك لا تقتصر الوظيفة على تعميم أوامر البحث، بل تشمل أيضا تحيينها وإنهاء مفعولها عندما تتغير الوضعية القانونية للمعني بالأمر.
ومن المهم في هذا السياق التمييز بين النشرة الحمراء للإنتربول وبين مذكرة الاعتقال الدولية، فالإنتربول نفسها توضح أن النشرة الحمراء طلب موجه إلى أجهزة إنفاذ القانون عبر العالم لتحديد مكان شخص وتوقيفه مؤقتا في انتظار إجراءات قانونية لاحقة، وليست في حد ذاتها مذكرة اعتقال دولية صادرة عن المنظمة.
المغرب في الإنتربول منذ 17 يونيو 1957
هذا المستوى من التعاون لم يبدأ خلال السنوات الأخيرة، فالسجل الرسمي للإنتربول يحدد تاريخ انضمام المغرب إلى المنظمة في 17 يونيو 1957، أي بعد سنة واحدة من إحداث المديرية العامة للأمن الوطني سنة 1956.
ويعني ذلك أن العلاقة المؤسساتية بين الأمن المغربي والإنتربول تقترب اليوم من سبعة عقود، لكن السنوات الأخيرة حملت انتقالا آخر في موقع المغرب داخل المنظمة، أي من دولة عضو تتبادل المعلومات عبر مكتبها الوطني، إلى حضور داخل أجهزة القرار نفسها.
المغرب يصل إلى نيابة رئاسة الإنتربول عن إفريقيا
في نونبر 2024، انعقدت الدورة الـ92 للجمعية العامة للإنتربول بمدينة غلاسكو البريطانية بمشاركة نحو ألف شخص، بينهم 65 رئيس شرطة، يمثلون 179 دولة.
وخلال هذه الدورة، انتخب محمد الدخيسي، المدير المركزي للشرطة القضائية ورئيس المكتب المركزي الوطني للإنتربول بالمغرب، نائبا لرئيس المنظمة عن إفريقيا لولاية تمتد ثلاث سنوات، من 2024 إلى 2027.
والمنصب ليس تشريفيا فقط، فاللجنة التنفيذية للإنتربول تضم 13 عضوا بما فيها الرئيس وثلاثة نواب للرئيس وتسعة مندوبين يمثلون المناطق الأربع للمنظمة، وتجتمع ثلاث مرات في السنة، فيما تتولى تقديم التوجيه الاستراتيجي ومتابعة تنفيذ قرارات الجمعية العامة، وتؤكد اللائحة الحالية للمنظمة استمرار الدخيسي نائبا للرئيس عن إفريقيا.
بعد غلاسكو.. الإنتربول ينتقل إلى مراكش
بعد عام واحد فقط من انتخاب مسؤول أمني مغربي نائبا للرئيس عن إفريقيا، انتقلت الجمعية العامة نفسها إلى المغرب.
فبين 24 و27 نونبر 2025، احتضنت مراكش الدورة الـ93 للجمعية العامة للإنتربول، وهي أعلى هيئة حاكمة داخل المنظمة والمسؤولة عن اتخاذ القرارات المتعلقة بالسياسة العامة والموارد وأساليب العمل والمالية، وجمعت الدورة مسؤولين أمنيين ورؤساء شرطة من الدول الأعضاء الـ196.
والأهم كان مضمون الاجتماع نفسه، فقد ناقشت دورة مراكش تفكيك الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ومراكز الاحتيال الدولية وتوسيع القدرات الشرطية العالمية للإنتربول، وحضور النساء في الشرطة، إلى جانب نتائج المشروع التجريبي لـ”النشرة الفضية”.
وفي ختامها، أقرت الدول الأعضاء بالإجماع إطارا استراتيجيا جديدا للفترة 2026-2030 لمواجهة التهديدات الجنائية المتغيرة، من الاحتيال الإلكتروني والاتجار بالبشر إلى التدفقات المالية غير المشروعة ومراكز الاحتيال.
وهكذا جاءت استضافة مراكش في لحظة كانت فيها المنظمة تعيد رسم أولوياتها للسنوات الخمس التالية، وليس فقط لاستضافة اجتماع دوري.
لماذا يكتسب الموقع المغربي أهمية في هذه الشبكة؟
جزء من الجواب مرتبط بالجغرافيا، فالمغرب يوجد عند نقطة اتصال بين أوروبا وإفريقيا والفضاء العربي، وهي ثلاثة مجالات أمنية تتقاطع بينها ملفات الهجرة والاتجار بالبشر والمخدرات والسيارات المسروقة والجرائم المالية والإلكترونية والأشخاص المطلوبون قضائيا.
لكن الجغرافيا وحدها لا تكفي لتفسير مستوى الحضور داخل الإنتربول، فالمنظمة تعتمد أساسا على قدرة الدول الأعضاء على إدخال المعلومات إلى قواعد البيانات الدولية، والاستجابة لطلبات الدول الأخرى، وتحيين المعطيات، وتنفيذ إجراءات التعاون القضائي والشرطي وفق التشريعات الوطنية.
وهنا تكتسب أرقام مكتب الرباط دلالتها بين 7103 طلبات في سنة واحدة و2307 ملفات للاتجار الدولي بالسيارات و3173 مذكرة بحث وطنية مرتبطة بطلبات دولية تعني أن التعاون لا يقتصر على الاجتماعات أو التمثيل المؤسساتي، بل يمر عبر آلاف العمليات المعلوماتية والقضائية خلال السنة.
ويتقاطع ذلك مع توجه أوسع داخل القارة الإفريقية، فالإنتربول سجلت في 2024 ارتفاع حجم السجلات الشرطية التي تتقاسمها الدول الإفريقية بنسبة 7% مقارنة بـ2023، بينما ارتفعت النتائج الإيجابية للاستعلامات المرتبطة بالبيانات الإفريقية بنحو 60 بالمئة كما تضم إفريقيا أربعة من المكاتب الإقليمية الستة للمنظمة.

اترك تعليقاً