من 40 إلى 80 ألفا.. كيف كشفت “معركة الأرقام” ارتباك الرواية الإسبانية إزاء أحداث سبتة؟

بعد ستة أيام من موجة العبور الجماعي نحو سبتة المحتلة، لم تتمكن السلطات الإسبانية من الاتفاق على رقم واحد يحدد حجم ما وقع، فبين وزارة الداخلية في مدريد، ورئيس حكومة المدينة خوان خيسوس فيفاس، تغيرت الحصيلة الرسمية أكثر من مرة، وانتقلت تقديرات الوافدين من 40 ألفا إلى 50 ألفا ثم إلى 72 ألفا، قبل أن يتحدث فيفاس عن 80 ألف شخص، فيما ظل عدد الموجودين داخل المدينة وعدد الضحايا محل خلاف بين المؤسستين.

هذا التباين لم يقتصر على التصريحات السياسية، بل شمل المعطيات التي قدمتها الحكومة الإسبانية نفسها أمام شركائها الأوروبيين، في وقت يتمسك فيه المغرب بحصيلة رسمية أعلنها في 2 غشت تستند بحسب وزارة الداخلية، إلى أنظمة الرصد والتتبع المعتمدة ميدانيا.

بداية الأزمة.. أرقام أولية

عندما بدأت محاولات العبور يوم الخميس 30 يوليوز، كانت السلطات الإسبانية تتحدث عن ما بين 1500 وألفي حالة دخول غير نظامي خلال الأيام السابقة، لكن مع اتساع نطاق العبور خلال ساعات، اكتفت البيانات الرسمية بالحديث عن “آلاف” الأشخاص الذين وصلوا إلى المدينة برا وبحرا.

وفي صباح اليوم الموالي، قدرت الأجهزة الأمنية الإسبانية عدد الوافدين بأكثر من 40 ألف شخص، وهو أول رقم كبير يصدر بعد الأحداث، قبل أن تبدأ الحصيلة في التغير يوما بعد آخر.

أول خلاف بين مدريد وسبتة

يوم الجمعة، أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية أن عدد الذين دخلوا سبتة بلغ نحو 50 ألف شخص، بينما أكد رئيس حكومة الثغر المحتل خوان خيسوس فيفاس أن العدد وصل إلى 60 ألفا.

ولم يكن الخلاف مقتصرا على الوافدين، بل طال أيضا عدد العائدين إلى المغرب.

فالوزارة أعلنت في منتصف النهار عودة 25 ألف شخص، ثم رفعت العدد بعد ساعات إلى 37 ألفا و500، قبل أن تؤكد مساء عودة 48 ألفا و300 شخص، معتبرة أن أقل من ألفي شخص ظلوا داخل المدينة.

غير أن هذا التقدير لم يكن ينسجم مع أرقام فيفاس، فإذا كان 60 ألف شخص دخلوا المدينة، فإن عودة 48 ألفا و300 تعني بقاء أكثر من 11 ألف شخص دون تفسير أو إحصاء، وهو ما لم تقدم الحكومة الإسبانية أي توضيح بشأنه.

مارلاسكا يرفعه الأرقام إلى 72 ألفا

خلال عطلة نهاية الأسبوع، تمسكت مدريد برقم خمسين ألف وافد، بينما واصل رئيس حكومة سبتة الحديث عن ستين ألفا.

وفي الاثنين 3 غشت ظهر خلاف جديد، بعدما أعلنت الحكومة المركزية أن نحو 2500 شخص ما زالوا داخل المدينة، في حين تحدثت سلطات سبتة عن وجود ما بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف شخص.

وامتد التباين إلى حصيلة الضحايا، إذ تحدثت مدريد آنذاك عن 74 وفاة، بينما أعلنت سلطات المدينة تسجيل 88 وفاة.

أثناء اجتماع وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي، أعلن وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا أن عدد الذين دخلوا سبتة بلغ 72 ألف شخص، مضيفا أن 70 ألفا منهم عادوا إلى المغرب، وأن نحو ألفي شخص فقط ما زالوا داخل المدينة.

ولم يقدم الوزير أي توضيح بشأن انتقال الحصيلة من خمسين ألفا إلى اثنين وسبعين ألفا، رغم أن الفارق يبلغ 22 ألف شخص.

فيفاس: العدد بلغ 80 ألفا

بعد أقل من أربع وعشرين ساعة، عاد خوان خيسوس فيفاس ليطرح رواية جديدة، وقال إن عدد الوافدين بلغ نحو 80 ألف شخص، وإن قرابة ستة آلاف ما زالوا داخل سبتة، متسائلا، في تصريح للتلفزيون الإسباني الرسمي: “كيف يمكن أن نكون إلى اليوم لا نعرف عدد الأشخاص الموجودين في سبتة؟”.

وبهذا التصريح، اتسع الفارق مع وزارة الداخلية الإسبانية إلى ثمانية آلاف شخص في عدد الوافدين، وأربعة آلاف شخص في عدد الموجودين داخل المدينة.

أرقام المغرب

في مقابل هذه التقديرات المتغيرة، أعلنت وزارة الداخلية المغربية، في بلاغ رسمي صدر في 2 غشت، أن نحو 40 ألف شخص شاركوا في محاولات العبور نحو سبتة، مقابل 1135 شخصا باتجاه مليلية.

وأكدت الوزارة أن هذه الحصيلة اعتمدت على وسائل الرصد والتتبع الميداني، معتبرة إياها المرجع الرسمي.

كما أعلنت تسجيل 11 وفاة داخل التراب المغربي، بينها عشر حالات غرق وحالة وفاة واحدة بسبب سقوط عرضي من منطقة صخرية مجاورة لسبتة، مشيرة إلى أن التنسيق مع السلطات الإسبانية ما يزال متواصلا لتحديد عدد الضحايا الذين سقطوا داخل المدينة وهوياتهم.

أزمة تعكس أزمة تدبير

لا يقتصر الخلاف بين مدريد وحكومة سبتة على اختلاف في طرق الإحصاء، بل يكشف أيضا عن تباين في تقييم حجم الأزمة وكيفية تدبيرها.

فبينما سعت الحكومة المركزية إلى التأكيد أمام شركائها الأوروبيين أن الوضع أصبح تحت السيطرة وأن أغلب الوافدين عادوا إلى المغرب، واصل رئيس حكومة سبتة الحديث عن أعداد أكبر وعن ضغط مستمر على المدينة، مستندا إلى هذه الأرقام للمطالبة بنقل القاصرين غير المصحوبين إلى البر الإسباني وتوفير دعم إضافي لسلطات المدينة.

وبعد مرور أسبوع على الأحداث، لا تزال إسبانيا تقدم أكثر من رواية حول عدد الذين دخلوا سبتة وعدد الذين غادروها وعدد الذين بقوا داخلها، في حين بقيت الحصيلة الرسمية المغربية ثابتة منذ إعلانها.

صراع صلاحيات داخل الدولة الإسبانية

في هذا الإطار، قال محمد مزوز، الباحث في العلاقات الدولية والهجرة وسياسات الحدود، إن المشكل في هذه الأزمة ليس أن المؤسسات الإسبانية قدمت أرقاما مختلفة فحسب، بل أن هذا الاختلاف كشف غياب تعريف موحد لما يجري إحصاؤه أصلا.

وأوضح مزوز في حديثه لـ “AM+MEDIA”، أن هناك فرق جوهري بين عدد الأشخاص وعدد محاولات العبور وعدد من وطأت أقدامهم المجال الترابي لسبتة، وعدد من سجلتهم المصالح الأمنية أو الصحية أو الاجتماعية، وعندما لا توضح السلطات هذه الفروق، تتحول الأرقام من أداة لفهم الأزمة إلى عنصر إضافي في تعقيدها.

ومن الناحية المؤسساتية، يرى مزوز أننا “أمام أزمة اختصاصات وتنسيق داخل الدولة الإسبانية، فسبتة تتمتع بوضع إداري خاص، لكنها لا تملك الأدوات السيادية المتعلقة بمراقبة الحدود والهجرة والإبعاد، وهي اختصاصات تعود إلى الحكومة المركزية، في المقابل، تتحمل سلطات المدينة العبء المباشر المرتبط بالإيواء، والرعاية الاجتماعية، وتدبير القاصرين، والضغط على المرافق المحلية وهذا الفصل بين الجهة التي تملك القرار والجهة التي تتحمل الكلفة اليومية يفسر جزءا من التوتر بين مدريد وسبتة”.

ونبه المتحدث، إلى أن رئيس حكومة المدينة ينظر إلى الأزمة من داخل المجال المحلي بما فيها مراكز إيواء ممتلئة، قاصرون يحتاجون إلى الرعاية، أشخاص غير مسجلين، ومرافق عمومية تعمل فوق طاقتها، أما الحكومة المركزية فتنظر إليها من زاوية أخرى ترتبط بالسيادة، وحدود فضاء شنغن والعلاقة مع المغرب والصورة التي ستقدم إلى الاتحاد الأوروبي.

لذلك، يعتبر أنه “لا يختلف الطرفان فقط حول الرقم، بل حول تعريف الأزمة ذاتها هل هي أزمة محلية تستوجب توزيع العبء على باقي التراب الإسباني، أم أزمة حدودية جرى احتواؤها ولا ينبغي تضخيم آثارها السياسية؟”.

وهذا التباين، يفسر أيضا لماذا يحرص كل طرف على تثبيت روايته، فبالنسبة إلى سلطات سبتة، كلما ظهر أن عدد الموجودين في المدينة أكبر أصبحت مطالبتها بنقل القاصرين وتوفير موارد إضافية أكثر إلحاحا.

أما بالنسبة إلى مدريد، فإن الإقرار باستمرار وجود أعداد كبيرة يعني الاعتراف بأن السيطرة لم تستعد بالكامل وأن تدبير الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي تعرض لاختلال أكبر مما قدم رسميا.

وهناك بعد آخر يتعلق بجودة الدولة في إدارة الأزمات، فالدولة وفق الباحث لا تقاس فقط بقدرتها على نشر قواتها أو وقف التدفقات، بل أيضا بقدرتها على معرفة من دخل ومن عاد ومن بقي ومن يحتاج إلى حماية، ومن يخضع لإجراء قانوني، وغياب هذه الصورة بعد أيام من الأحداث يعني أن الاستجابة الأمنية سبقت بناء منظومة دقيقة للمعلومات، أو أن قواعد البيانات بين الأجهزة لم تكن متطابقة، أو أن التواصل المؤسساتي لم يعكس المعطيات المتوفرة فعليا، وفي الحالات الثلاث نحن أمام خلل يتجاوز الجانب الإعلامي.

وتابع: “كما أن الارتباك الرقمي ستكون له آثار قانونية، فكل شخص يوجد داخل سبتة يفترض أن يخضع لتحديد الهوية والوضعية، هل هو راشد أم قاصر؟ هل يحتاج إلى حماية دولية؟ هل يمكن إعادته قانونيا؟ وهل دخل مرة واحدة أم ظهر اسمه في أكثر من سجل؟ من دون قاعدة بيانات موحدة، يصبح من الصعب ضمان سلامة الإجراءات، كما ترتفع احتمالات الخطأ في تصنيف الأشخاص أو تكرار تسجيلهم أو إسقاطهم من الإحصاء”.

وأعادت الأزمة أيضا، كذلك طرح سؤال القاصرين غير المصحوبين، وهم الفئة الأكثر حساسية في هذا الملف، فهؤلاء لا يمكن التعامل معهم بمنطق التدبير الأمني نفسه المعتمد مع الراشدين، لأن وضعهم يخضع لالتزامات قانونية خاصة مرتبطة بالحماية والرعاية والتحقق من السن والمصلحة الفضلى للطفل، ولهذا فإن الخلاف بين سبتة ومدريد حول نقلهم “يعكس نقاشا قديما داخل إسبانيا بشأن توزيع المسؤولية بين الجهات، خصوصا عندما تقع مدن الحدود تحت ضغط يفوق قدراتها” وفق تعبير مزوز.

أما في العلاقة مع المغرب، فإن تضارب الأرقام الإسبانية يضعف القدرة على إجراء تقييم مشترك للأزمة، حيث أكد المتحدث أن “التعاون الحدودي يحتاج إلى معطيات متطابقة، أو على الأقل إلى منهجية واضحة تسمح بمقارنة البيانات فعندما تعلن كل مؤسسة رقما مختلفا، يصعب تحديد حجم عمليات العودة وعدد المفقودين وهويات الضحايا، وطبيعة التدفقات وهذا يعرقل ليس فقط التواصل السياسي، بل أيضا العمل القنصلي والقضائي والإنساني”.

مع ذلك، ينبغي الحذر من المقارنة الآلية بين الرقم المغربي والأرقام الإسبانية، حيث شدد المتحدث على أنه ” قد يكون المغرب قد أحصى المشاركين في محاولات الاقتراب والعبور، بينما أحصت جهات إسبانية عمليات وصول أو تسجيل أو تنقل داخل المدينة”، لذلك فإن الحكم على صحة رقم وخطأ آخر يتطلب أولا توحيد المفاهيم والفترة الزمنية ومكان الإحصاء أما المشكلة الأساسية ليست في أن الأرقام غير متطابقة، فهذا أمر وارد في الأزمات الواسعة، وإنما في أن السلطات لم تقدم للرأي العام تفسيرا منهجيا للفروق بينها.

سياسيا، يتوقع الباحث أن تترك هذه الأزمة أثرا داخل إسبانيا، فالمعارضة ستستخدم التناقضات لمساءلة الحكومة عن جاهزية الحدود ودقة المعلومات، وسلطات سبتة ستضغط من أجل موارد وصلاحيات أكبر، بينما ستحاول الحكومة المركزية منع تحول الملف إلى دليل على فقدان السيطرة أو إلى أزمة أوروبية مفتوحة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *