أحداث سبتة تكشف وجها جديدا للهجرة تقودها خوارزميات جهات أجنبية للتضليل بالمنصات الرقمية

لم تعد محاولات الهجرة غير النظامية تبدأ عند الحدود، بل أضحت تنطلق في كثير من الأحيان من شاشة هاتف. فمن خلال منشورات ومقاطع مصورة ورسائل متداولة، تبنى تصورات عن سهولة العبور، وتُحدَّد الوجهات والمواعيد، وقد تتحول المعلومة المضللة في وقت وجيز إلى أداة تعبئة تدفع أعدادا من الشباب إلى اتخاذ قرارات محفوفة بالمخاطر.

وتبرز الدعوات الرقمية إلى التوجه نحو مدينة سبتة المحتلة مثالا دالا على هذا التحول؛ إذ لم تعد منصات التواصل مجرد وسيلة لتبادل المعلومات، بل أصبحت فضاء لصناعة التوقعات وتضخيم فرص النجاح والتقليل من المخاطر الأمنية والإنسانية.

استغلال مغرض للفضاء الرقمي

ويوم أمس الأحد، أكدت وزارة الداخلية أن مختلف المعطيات التي تم تجميعها وتحليلها بخصوص الأحداث التي عرفتها مؤخرا نقاط العبور المؤدية إلى مدينتي سبتة ومليلية، أبانت أن هذه الأحداث لم تكن وليدة عوامل ظرفية أو تلقائية، وإنما جاءت نتيجة تفاعل عدة عوامل متداخلة.

وأبرزت أن في مقدمة هذه العوامل الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضلَلة، ودور عصابات الإتجار بالبشر، والتأويلات الخاطئة لمعطيات قانونية وإدارية، استهدفت الإيهام بإمكانية الولوج إلى الفضاء الأوروبي بسهولة ودون تبعات قانونية

ولفت المصدر على وجه الخصوص، إلى القرارات الأخيرة الصادرة عن السلطات القضائية الإسبانية بشأن تقييد إمكانية تطبيق إجراء الإعادة الفورية على بعض المهاجرين غير النظاميين الذين يتم اعتراضهم في عرض البحر، مشيرا إلى أنها أفضت، في ظل ما صاحبها من تأويلات مغلوطة وتداول مضلَل، إلى ترسيخ قناعة لدى بعض الراغبين في العبور بإمكانية تفادي الإعادة الفورية.

وشددت وزارة الداخلية على أن هذه المعلومات وما رفقها من حملات تضليلية أسهمت في بروز نمط أوحد من محاولات الهجرة غير النظامية، قوامه العبور سباحة، باعتباره الوسيلة التي اعتقد البعض أنها توفر فرصا أكبر للإفلات من الإعادة الفورية.

وبهذا الصدد، أعاد تقرير استخباراتي أعده المحلل الإسباني المتخصص في الأمن والاستخبارات والإرهاب الدولي شيما جيل (Chema Gil)، بطلب من عدد من المؤسسات الإسبانية، مستندا إلى تقنيات استخبارات المصادر المفتوحة (OSINT) واستخبارات وسائل التواصل الاجتماعي (SOCMINT)، بناء التسلسل الزمني للحملة الرقمية وتحليل دورها في نشر المعلومات ورسائل التعبئة المرتبطة بمحاولة الدخول الجماعي إلى التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة الأسبوع المنصرم.

الفضاء الرقمي.. بيئة خصبة للتعبئة نحو الهجرة غير النظامية

ويساهم التحول الرقمي في إعادة تشكيل بعض ديناميات الهجرة غير النظامية، بعدما أصبحت منصات التواصل الاجتماعي فضاء لتداول المعلومات والروايات المتعلقة بطرق العبور والوجهات المحتملة.

وفي هذا السياق، أعادت محاولة الدخول الجماعي إلى سبتة المحتلة يومي 30 و31 يوليوز 2026 الجدل حول الدور المتنامي للفضاء الرقمي في الهجرة غير النظامية، فقد كشفت تقارير إسبانية، استنادا إلى تقرير استخباراتي، أن هذه المحاولة سبقتها حملة رقمية واسعة انطلقت منذ بداية يوليوز عبر منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة، وشهدت تداول رسائل تتعلق بمسارات الوصول، ووسائل النقل، ومواعيد التحرك، ونقاط الالتقاء، في إطار ما وصفه التقرير بحملة تعبئة رقمية سبقت الأحداث الميدانية.

وأشار التقرير الاستخباراتي الإسباني إلى أن الحملة الرقمية التي بدأت مع مطلع شهر يوليوز، حققت أكثر من 11 مليون ظهور، من خلال حسابات تنشط في أساسا في الجزائر وتونس وفرنسا، إلى جانب حسابات أخرى في المغرب والولايات المتحدة، قبل أن تتسارع وتيرتها عقب صدور قرار للمحكمة العليا الإسبانية في الأيام الأولى من الشهر، والذي اعتبر أن الأشخاص الذين يدخلون إسبانيا عبر البحر لا يمكن إعادتهم فورا عند الحدود.

ووفقا للتقرير، استُخدم هذا القرار على نطاق واسع داخل المنصات الرقمية لترويج روايات حول سهولة العبور، وهو ما أسهم في تكثيف تداول المحتوى المرتبط بسبتة عبر منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة.

ومنذ ذلك الحين، رصد التقرير تصاعدًا تدريجيًا في وتيرة المنشورات ومقاطع الفيديو والرسائل المتعلقة بالمدينة، قبل أن تبلغ الحملة الرقمية ذروتها خلال الأيام التي سبقت مباشرة احتفالات عيد العرش بالمغرب.

عندما تصنع الخوارزميات واقعا جديدا

تكمن خطورة هذا النوع من الحملات في أن المنصات الرقمية لا تكتفي باستضافة المحتوى، بل تعمل خوارزمياتها على توسيع نطاق انتشاره كلما ارتفعت معدلات التفاعل معه، لأن المقاطع القصيرة والمنشورات التي توحي بسهولة العبور أو تبرز تجارب ناجحة تجذب مستويات عالية من التفاعل، مما يزيد من احتمال ظهورها لمستخدمين آخرين، ويمنحها قدرة أكبر على الوصول والانتشار في فترة وجيزة.

وفي هذا السياق، أكد الخبير في الأمن السيبراني الطيب الهزاز في تصريحه لجريدة “AM+MEDIA”، أن المنصات الرقمية أصبحت تؤدي دورا محوريا في توجيه الهجرة غير النظامية، إذ لم تعد تقتصر على نقل المعلومات، بل باتت تسهم في الترويج لما يسميه بـ”حلم الهجرة” بشكل مضلل عبر إبراز صور النجاح في أوروبا وإغفال المخاطر الحقيقية التي قد تواجه المهاجرين.

ويضيف أن بعض المجموعات المغلقة على تطبيقات مثل “واتساب” و”تيليغرام” تُستخدم لتبادل المعلومات المتعلقة بتحديد التوقيت، والمسارات، ونقاط العبور، إلى جانب تداول تعليمات حول كيفية التعامل مع الرحلة، وتجاوز الحدود، والتعامل مع الأمن، وهو ما يحول المنصات الرقمية، في بعض الحالات، إلى فضاء للتنسيق والتعبئة.

وأشار المتحدث، إلى أن هذا النوع من المحتوى يستهدف، في الغالب، الفئات الهشة، وخاصة الشباب الذين يعانون من البطالة أو الإحباط، من خلال خطاب يستغل تطلعاتهم إلى تحسين أوضاعهم.

وأشار الخبير في الأمن السيبراني في تصريحه إلى أن المنصات الرقمية لم تعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت، في بعض السياقات، بنية تحتية رقمية تستغل في تنظيم وتيسير الهجرة غير النظامية.

من التعبئة الرقمية إلى التحرك الميداني

أوضح التقرير الاستخباراتي أنه في منتصف يوليوز، انتقلت الحملة من مرحلة الترويج الرقمي إلى مرحلة التعبئة الميدانية، إذ رصد التحقيق تزايد وصول أشخاص من مدن مغربية إلى مدينة الفنيدق، بالتزامن مع ارتفاع النشاط داخل مجموعات على فيسبوك وقنوات للمراسلة الموجودة مسبقا، والتي كانت تستخدم لتبادل المعلومات العملية تتعلق بالجداول الزمنية وظروف السفر.

وفي 28 يوليوز، رصد التقرير إحدى أبرز نقاط الاتصال خلال الفترة المدروسة وهي تحديد مجموعة مراسلة عامة تحمل اسم “هجمة كرياج سبتة” (Hijma Kiraj Sebta)، تُدار من رقم هاتف يبدأ بالمفتاح الدولي الجزائري (213+).

وبحسب التقرير، استخدمت المجموعة لتبادل المعلومات اللوجستية المتعلقة بالتعبئة نحو سبتة، بما في ذلك التنسيق بين المشاركين وتداول المعطيات العملية.

وأشار التقرير إلى أن أهمية هذه المجموعة تتعلق بالدور الذي أدته كمنصة للتنسيق داخل البنية الرقمية للحملة.

ووفقا للتقرير، بلغت الحملة الرقمية ذروتها يومي 29 و30 يوليوز، إذ شهدت المنصات الرقمية تصاعدا ملحوظا في وتيرة المنشورات، بالتزامن مع تداول تعليمات أكثر تحديدا بشأن الجداول الزمنية، ونقاط التجمع، والمعدات الموصى بها، وظروف السفر.

وفي الوقت نفسه، نشرت حسابات مختلفة مقاطع فيديو تُظهر رحلات باتجاه الفنيدق، فيما تداولت حسابات أخرى صورًا للمنطقة الحدودية ورسائل هدفت إلى الحفاظ على زخم التعبئة.

وكشف التقرير أن الحملة بلغت ذروة تأثيرها الميداني خلال الساعات الأولى من صباح يومي 30 و31 يوليوز، مع محاولة جماعية لدخول الأراضي الإسبانية عبر سبتة المحتلة.

ومع انطلاق الأحداث على أرض الواقع، شهد النشاط الرقمي تحولا في طبيعته؛ إذ لم تعد المنشورات تقتصر على الدعوة إلى العبور أو الاستعداد له، بل اتجهت إلى نقل صور ومقاطع من الميدان، وتداول معلومات حول استجابة السلطات، إلى جانب نشر توصيات للموجودين في المنطقة ورسائل تتعلق بمسارات دخول بديلة محتملة.

وأبرز التقرير أن المرحلة الأخيرة، الممتدة من 31 يوليوز إلى 2 غشت، اتسمت باستجابة مؤسساتية هدفت إلى الحد من استمرار الحملة الرقمية، وشملت إغلاق عدد من المجموعات العامة التي استُخدمت في تنسيق التعبئة، إلى جانب تعزيز أنشطة الرصد عبر الإنترنت وعند المعابر الحدودية.

وفي المقابل، لفت “شيما جيل” في تقريره إلى أن هذه الإجراءات لم توقف تداول المحتوى بشكل كامل، إذ استمر انتشاره عبر حسابات مؤقتة، ومجتمعات رقمية جديدة، وقنوات بديلة، وهو ما يعكس، بحسب التقرير، قدرة هذه الشبكات على التكيف السريع، ويبرز أهمية الرصد المستمر لمثل هذه الظواهر.

تعزيز الأمن الرقمي لمواجهة الهجرة غير النظامية

أصبح الفضاء الرقمي أحد الأبعاد الأساسية في فهم الظواهر المرتبطة بالهجرة غير النظامية، بعدما تجاوز دوره نقل المعلومات إلى التأثير في تشكيل الروايات وتداولها وأنماط التعبئة.

وتكشف التطورات التي رافقت أحداث سبتة أن الظواهر المرتبطة بالهجرة غير النظامية لم تعد تقتصر على تأمين الحدود أو مواجهة شبكات التهريب، بل أصبحت تشمل أيضا فهم الفضاء الرقمي الذي تتشكل داخله الروايات الداعية إلى الهجرة غير النظامية، وتنتشر عبره المعلومات، وتتبلور من خلاله ديناميات التعبئة.

وفي هذا السياق، يخلص التقرير الاستخباراتي إلى أن ما شهدته سبتة المحتلة لا يمكن تفسيره من منظور الحدود المادية وحده، بل يبرز الدور الذي اضطلع به البعد الرقمي في التأثير على مسار الأحداث، بما يجعل فهم هذا المكون المعلوماتي ضرورة لتوقع تحليل الظواهر ذات الخصائص المماثلة.

ويرى الهزاز أن مواجهة هذا النوع من الحملات تستدعي الانتقال من منطق المراقبة الشاملة إلى مقاربة تقوم على الرصد الذكي للمخاطر، موضحا أن ذلك يمر عبر توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد الأنماط السلوكية، والاستفادة من تحليل البيانات المفتوحة (OSINT) بدل اللجوء إلى أساليب التجسس المباشر، أي مراقبة ما هو متاح للجميع، مع وضع إطار قانوني واضح يحدد ضوابط التدخل ويخضع للرقابة القضائية، إلى جانب تعزيز الشراكات مع المنصات الرقمية “Telegram” و”Meta” و”whatsapp”، للحد من المحتوى التحريضي والشبكات المنظمة، وإشراك المجتمع المدني في جهود التوعية.

وتبرز هذه المقاربة أن حماية الحدود لم تعد تنفصل عن حماية الفضاء الرقمي، وأن الحد من مخاطر الهجرة غير النظامية يقتضي بناء وعي رقمي، ورصدا مبكرا للمحتوى المضلل، وتعاونا بين المؤسسات العمومية والمنصات الرقمية والمجتمع المدني.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *