التصنيف: تحت المجهر

  • من البنية التحتية إلى القوة الجيو-اقتصادية.. رؤية ملكية تصنع مغرب المستقبل

    من البنية التحتية إلى القوة الجيو-اقتصادية.. رؤية ملكية تصنع مغرب المستقبل

    لم تكن البنية التحتية في المغرب، خلال العقود الماضية، مجرد قطاع من قطاعات الاستثمار العمومي، بل تحولت إلى أحد أبرز أعمدة المشروع التنموي الذي قاده الملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش في 30 يوليوز 1999.

    ومنذ السنوات الأولى للعهد الجديد، برز توجه واضح نحو بناء اقتصاد أكثر تنافسية، يقوم على تحديث شبكات النقل، وتوسيع الموانئ والمطارات، وتأهيل البنيات المائية، وربط مختلف جهات المملكة بشبكة متكاملة من التجهيزات الكبرى.

    هذا التوجه لم يتشكل دفعة واحدة، بل تدرج عبر خطابات ملكية، ومجالس وزارية، وجلسات عمل، قبل أن يترجم إلى مشاريع مهيكلة غيرت الخريطة الاقتصادية للمغرب، وجعلته اليوم من بين الدول الإفريقية الأكثر استثمارا في البنية التحتية. ولم تعد هذه المشاريع تقاس بعدد الكيلومترات أو المنشآت التي أنجزت، وإنما بقدرتها على استقطاب الاستثمار، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز مكانة المملكة كمركز لوجستيكي يربط أوروبا بإفريقيا.

    سنة 2000.. التنمية الاقتصادية مدخل لبناء المغرب الجديد

    بعد أقل من سنة على اعتلاء العرش، وضع الملك محمد السادس أولى ملامح هذه الرؤية في خطاب العرش بتاريخ 30 يوليوز 2000، حين أكد أن التنمية الاقتصادية تشكل أساس الإصلاح الشامل، قائلا: “إنه لا مكان لتنمية اجتماعية بدون تنمية اقتصادية، مما يستوجب بناء اقتصاد جديد، قادر على مواكبة العولمة، ورفع تحدياتها.”

    ذا التوجيه رسم الإطار العام الذي ستنبثق منه مختلف الأوراش الكبرى خلال السنوات اللاحقة، لأن بناء اقتصاد قادر على المنافسة كان يقتضي توفير بنية تحتية حديثة، تسمح بتنقل الأشخاص والسلع في ظروف أفضل، وتخفض كلفة الإنتاج، وتجعل المغرب أكثر جاذبية للمستثمرين.

    ومنذ تلك المرحلة، بدأت الدولة رفع وتيرة الاستثمار في الطرق السيارة، وتأهيل الموانئ، وتطوير المطارات، إلى جانب إطلاق برامج لفك العزلة عن العالم القروي، في إطار تصور يربط بين النمو الاقتصادي والعدالة المجالية.

    من الرؤية إلى التنفيذ.. بداية الأوراش المهيكلة

    مع مطلع الألفية الجديدة، انتقل المغرب من مرحلة وضع التصورات إلى مرحلة إطلاق المشاريع الكبرى، فخلال خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية لسنة 2003، جدد الملك تأكيد ضرورة تحسين مناخ الاستثمار وتطوير التجهيزات الأساسية، باعتبارها أحد الشروط الرئيسية لرفع تنافسية الاقتصاد الوطني.

    وفي السنة نفسها، تكثفت الدراسات المتعلقة بأحد أكبر المشاريع الاستراتيجية في تاريخ المملكة، وهو ميناء طنجة المتوسط، الذي خضع لسلسلة من جلسات العمل الملكية قبل إعطاء انطلاقة الأشغال في فبراير 2003، ليصبح لاحقا أبرز نقطة في السياسة اللوجستية للمغرب.

    ولم يكن اختيار طنجة اعتباطيا، فموقعها عند ملتقى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وعلى مقربة من مضيق جبل طارق، منحها مؤهلات طبيعية جعلت المشروع يتجاوز فكرة إنشاء ميناء جديد، إلى بناء منصة قادرة على إعادة تموقع المغرب داخل سلاسل التجارة العالمية.

    لكن أهمية المشروع لا تكمن في الميناء وحده، بل في المنظومة الاقتصادية التي نشأت حوله. فقد واكبت الدولة إنجازه بإحداث مناطق صناعية ولوجستيكية، وربطه بالطرق السيارة والسكك الحديدية، مما جعل طنجة تستقطب استثمارات صناعية كبرى، خاصة في قطاعي السيارات والطيران، وأسهم في تحول الجهة إلى أحد أهم مراكز التصدير بالمملكة.

    وبهذا الانتقال، لم يعد الميناء مجرد فضاء لعبور السفن، بل أصبح محورا اقتصاديا متكاملا، يجسد الفلسفة التي طبعت سياسة البنية التحتية خلال العهد الجديد: مشاريع مترابطة تخدم الاستثمار، وتعيد رسم الخريطة الاقتصادية للمغرب.

    وفي موازاة ذلك، واصلت الدولة توسيع شبكة الطرق السيارة، بهدف ربط أهم الأقطاب الاقتصادية للمملكة، وتقليص زمن التنقل بين المدن، وهو ما شكل بداية تحول نوعي في طريقة تدبير البنية التحتية، إذ لم تعد المشاريع تنجز بشكل منفصل، بل ضمن رؤية تجعل كل ورش يكمل الآخر.

    الطرق السيارة.. ربط الجهات قبل جذب المستثمرين

    عند بداية العهد الجديد، كانت شبكة الطرق السيارة بالمغرب لا تزال محدودة، وهو ما كان ينعكس على حركة نقل البضائع والأشخاص، ويرفع كلفة اللوجستيك بالنسبة للمقاولات.

    ومنذ سنة 2000، شهد هذا القطاع دينامية متسارعة، حيث جرى إطلاق وإنجاز محاور استراتيجية ربطت الدار البيضاء بطنجة، ثم توسعت الشبكة نحو مراكش وأكادير ووجدة، مع إطلاق مشاريع للطرق السريعة لفك العزلة عن عدد من الجهات الداخلية.

    ولم يكن الهدف مجرد اختصار زمن السفر، بل خلق فضاء اقتصادي أكثر اندماجا، يسمح بانتقال السلع بين مناطق الإنتاج ومراكز الاستهلاك والموانئ في وقت أقل، ويعزز جاذبية المناطق الصناعية الجديدة.

    وتشير معطيات الشركة الوطنية للطرق السيارة إلى أن الشبكة أصبحت تمتد على نحو 1800 كيلومتر، لتعد من بين الأكبر على الصعيد الإفريقي، بينما تجاوزت مشاريع الطرق السريعة آلاف الكيلومترات الإضافية، في إطار سياسة تستهدف تحسين الربط الترابي بين مختلف جهات المملكة.

    وفي قراءته لهذا التحول، يرى الخبير الاقتصادي محمد جدري، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن الاستثمار في الطرق السيارة لم يكن هدفا في حد ذاته، بل كان جزءا من سياسة اقتصادية أوسع جعلت البنية التحتية رافعة لتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني

    “عندما نستثمر في الطرق السيارة، فنحن لا نبني فقط مسالك للتنقل، بل نخفض الكلفة اللوجستيكية، ونختصر آجال نقل البضائع، ونرفع إنتاجية المقاولات، يؤكد جدري، الذي أبرز أن المستثمر، سواء كان مغربيا أو أجنبيا، يبحث أولا عن سهولة الولوج إلى الموانئ والأسواق ومناطق الإنتاج.

    وأشار إلى أن توسع الشبكة الطرقية ساهم في إعادة توزيع الاستثمار على عدد من الجهات، ولم يعد النشاط الاقتصادي متمركزا فقط في محور الدار البيضاء، كما أن الربط بين الطرق السيارة والمناطق الصناعية والموانئ خلق منظومة متكاملة، انعكس أثرها على تنافسية الصادرات، وسهّل اندماج المغرب في سلاسل القيمة العالمية.

    وشدد الخبير على أن العائد الاقتصادي للبنية التحتية لا يقاس بعدد الكيلومترات المنجزة، وإنما بحجم الاستثمارات وفرص الشغل والقيمة المضافة التي تخلقها.

    البراق.. مشروع نقل أم خيار استراتيجي؟

    مع بداية العقد الثاني من الألفية، دخل المغرب مرحلة جديدة في تطوير بنياته التحتية، انتقل فيها من توسيع الشبكات الطرقية والمينائية إلى الاستثمار في النقل السككي عالي السرعة.

    وفي 29 شتنبر 2011، أشرف جلالة الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي على إعطاء الانطلاقة الرسمية لأشغال الخط فائق السرعة بين طنجة والقنيطرة، وهو مشروع أثار آنذاك نقاشا واسعا حول أولوياته وكلفته، قبل أن يتحول بعد سنوات إلى أحد أبرز رموز تحديث منظومة النقل بالمملكة.

    وبعد سبع سنوات من الأشغال، دشن الملك محمد السادس في 15 نونبر 2018 قطار “البراق”، أول قطار فائق السرعة في إفريقيا، مؤكدا في كلمته بالمناسبة أن المشروع “ليس غاية في حد ذاته، وإنما يندرج ضمن رؤية شاملة تروم تطوير المنظومة الوطنية للنقل.”

    هذا التوجيه يعكس فلسفة مختلفة في تدبير البنية التحتية، تقوم على اعتبار كل مشروع جزءا من شبكة متكاملة، وليس ورشا معزولا، فالبراق لم يقتصر أثره على تقليص زمن الرحلة بين طنجة والدار البيضاء، بل ساهم في تعزيز الربط بين ميناء طنجة المتوسط والمراكز الاقتصادية الكبرى، ورفع جاذبية المدن الواقعة على مساره، وتحسين تنقل رجال الأعمال والسياح، ودعم التكامل بين مختلف وسائل النقل.

    خريطة اقتصادية جديدة تتشكل

    ولم يقتصر أثر ميناء طنجة المتوسط وقطار البراق على تطوير البنية التحتية للنقل، بل امتد إلى إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية للمملكة، من خلال تعزيز التكامل بين الموانئ والطرق والسكك الحديدية والمناطق الصناعية.

    وفي هذا الإطار، يرى مدير المرصد للعمل الحكومي، محمد جدري، أن هذه المشاريع تعكس تحولا في فلسفة الاستثمار العمومي، موضحا أن “ما يميز التجربة المغربية هو أنها لم تعتمد على إنجاز مشاريع منفصلة، بل على بناء منظومة لوجستيكية متكاملة”.

    فميناء طنجة المتوسط لم ينجح لأنه ميناء حديث فقط، وإنما لأنه ارتبط بشبكة طرق سيارة، وسكك حديدية، ومناطق صناعية ولوجستيكية، ما خفض كلفة النقل وسهل اندماج المقاولات المغربية في سلاسل الإنتاج العالمية، يؤكد الخبير الاقتصادي.

    ويضيف بأن الأمر نفسه ينطبق على قطار البراق، الذي عزز الربط بين الأقطاب الاقتصادية، ورفع من جاذبية محور طنجة-القنيطرة-الرباط-الدار البيضاء بالنسبة للمستثمرين.

    2015.. الصحراء في قلب الرؤية التنموية

    شكل خطاب الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء، في 6 نونبر 2015، محطة مفصلية في مسار البنية التحتية بالمغرب، بعدما أعلن إطلاق النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، باعتباره رؤية متكاملة تهدف إلى تحويل الصحراء إلى قطب اقتصادي استراتيجي.

    ومما جاء في الخطاب الملكي في هذا الصدد: “إن تطبيق النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، يجسد وفاءنا بالتزاماتنا تجاه المواطنين بأقاليمنا الجنوبية، بجعلها نموذجا للتنمية المندمجة.. كما نريده دعامة لترسيخ إدماجها، بصفة نهائية في الوطن الموحد، وتعزيز إشعاع الصحراء كمركز اقتصادي، وصلة وصل بين المغرب وعمقه الإفريقي”.

    ولم يقتصر الخطاب على تحديد الأهداف، بل أعلن عن برنامج استثماري ضخم تجاوز 77 مليار درهم، شمل مشاريع في الطرق والموانئ والطاقة والماء والتكوين والصناعة والخدمات الاجتماعية.

    ويعتبر هذا الخطاب نقطة تحول، لأنه نقل البنية التحتية من منطق الربط الداخلي إلى منطق التموضع الجيو-اقتصادي، حيث أصبحت المشاريع الكبرى تخدم أيضا الحضور الاقتصادي للمغرب في القارة الإفريقية.

    ولم تبق هذه التوجيهات في حدود التصور، بل تحولت إلى أوراش ميدانية أعادت رسم ملامح الأقاليم الجنوبية، فقد تم إنجاز الطريق السريع تيزنيت–الداخلة، الذي أطلق عليه المغرب اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو الطريق الذي وفر محورا استراتيجيا يربط شمال المملكة بجنوبها، وساهم في تسهيل حركة الأشخاص والبضائع وتعزيز الاندماج الاقتصادي بين مختلف الجهات.

    وبالتوازي مع ذلك، تتواصل أشغال ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يعد من أكبر المشاريع المينائية بالمغرب، ويُرتقب أن يشكل منصة لوجستيكية موجهة نحو إفريقيا، بما يعزز مكانة المملكة في سلاسل التجارة البحرية، ويدعم قطاعات الصيد البحري والصناعة والخدمات.

    وتؤكد هذه المشاريع أن الرؤية الملكية التي أعلن عنها في خطاب المسيرة الخضراء لسنة 2015 تجاوزت مرحلة التخطيط إلى مرحلة الإنجاز، حيث تحولت الأقاليم الجنوبية إلى ورش تنموي مفتوح، أصبحت فيه البنية التحتية أداة لتعزيز الاندماج الوطني، وتقوية الحضور الاقتصادي للمغرب في عمقه الإفريقي.

    الماء.. من سياسة السدود إلى الأمن المائي

    إذا كانت السنوات الأولى من العهد الجديد قد تميزت بتوسيع الطرق والموانئ، فإن السنوات الأخيرة عرفت انتقال الاهتمام إلى تحدٍ لا يقل أهمية، وهو الأمن المائي.

    ففي ظل توالي سنوات الجفاف، ترأس الملك محمد السادس عدة جلسات عمل خصصت لتتبع وضعية الموارد المائية، كان أبرزها جلسة العمل المنعقدة في 13 يناير 2020، التي خُصصت لإطلاق البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي 2020-2027، والذي رصدت له اعتمادات مالية مهمة لإنجاز السدود، وتوسيع محطات تحلية مياه البحر، وتحسين شبكات نقل المياه.

    وتعزز هذا التوجه في خطاب العرش بتاريخ 29 يوليوز 2023، عندما أكد الملك أن “إشكالية الماء ليست ظرفية، ولا مرتبطة فقط بتأخر التساقطات، وإنما أصبحت تحديا بنيويا”، موجها الحكومة إلى “التسريع بإنجاز السدود المبرمجة، ومشاريع تحلية مياه البحر، والربط بين الأحواض المائية.”

    وبذلك انتقلت السياسة المائية من التركيز على بناء السدود فقط إلى اعتماد مقاربة أشمل تقوم على تنويع مصادر المياه، من بينها محطات التحلية، التي أصبح المغرب يتوفر على 17 محطة لتحلية مياه البحر بقدرة إنتاجية تصل إلى 350 مليون م³ في السنة، إضافة إلى 4 مشاريع أخرى قيد الإنجاز بقدرة إنتاجية تصل إلى 567 مليون م³ في السنة.

    من إنجاز البنيات إلى بناء مغرب 2030

    شكل إعلان الاتحاد الدولي لكرة القدم، يوم 4 أكتوبر 2023، اختيار الملف المشترك للمغرب وإسبانيا والبرتغال لتنظيم نهائيات كأس العالم 2030، لحظة مفصلية في مسار المملكة، غير أن الرؤية الملكية تعاملت مع هذا الإنجاز بمنطق يتجاوز تنظيم تظاهرة رياضية عالمية.

    فمنذ الإعلان الرسمي، برز توجه واضح يقوم على جعل كأس العالم رافعة لتسريع إنجاز مشاريع مهيكلة كانت المملكة قد شرعت في إطلاقها، مع توسيعها وتسريع وتيرتها حتى تتحول إلى إرث تنموي دائم يخدم المواطنين والاقتصاد الوطني لعقود مقبلة.

    ويعكس هذا المسار، الممتد من إطلاق النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية إلى الأوراش المرتبطة بمونديال 2030، تطورا في فلسفة الاستثمار العمومي بالمغرب، حيث لم تعد البنية التحتية تقتصر على توفير التجهيزات الأساسية، بل أصبحت أداة لتعزيز التنافسية الاقتصادية والاندماج الترابي وترسيخ مكانة المملكة إقليميا وقاريا.

    وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي محمد جدري أن ما يميز التجربة المغربية هو اعتماد رؤية متكاملة تقوم على ترابط مختلف المشاريع، موضحا أن “الطرق السيارة والموانئ والسكك الحديدية لم تُنجز باعتبارها مشاريع مستقلة، وإنما كأجزاء من منظومة لوجستيكية واقتصادية واحدة”.

    وأكد جدري أنه مع إطلاق النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، اكتسب هذا التوجه بعدا جيو-اقتصاديا من خلال تعزيز الربط مع العمق الإفريقي، فيما فرضت التحولات المناخية إدماج الأمن المائي ضمن أولويات التنمية.

     وأشار إلى أوراش مونديال 2030 تشكل امتدادا لهذه الرؤية، لأنها تسرّع إنجاز مشاريع النقل والمطارات والتهيئة الحضرية، وتترك إرثا تنمويا يتجاوز الحدث الرياضي نفسه. فالقيمة الحقيقية لهذه الأوراش لا تُقاس بحجم الاستثمارات المرصودة لها، بل بقدرتها على رفع تنافسية الاقتصاد الوطني، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز جاذبية مختلف جهات المملكة للاستثمار.”

    الملاعب.. إرث تنموي يتجاوز المنافسات

    انسجاما مع هذه الرؤية، يشهد المغرب أكبر برنامج لتحديث البنيات الرياضية في تاريخه، لا باعتبارها منشآت مخصصة للمنافسات فقط، وإنما كجزء من مشروع أشمل لتأهيل المدن.

    وفي هذا الإطار، تم خلال سنة 2025 تدشين المركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله بالرباط بعد إعادة تشييده بالكامل وفق أحدث المعايير الدولية، ليصبح إحدى أبرز المنشآت الرياضية بالقارة الإفريقية، والتي استضافت افتتاح ونهائي كأس إفريقيا للأمم سنة 2025.

    وبالتوازي مع ذلك، تتواصل أشغال ملعب الحسن الثاني ببنسليمان، الذي سيكون أكبر الملاعب في العالم بسعة 115 ألف متفرج، فيما شهدت ملاعب طنجة، ومراكش، وفاس، وأكادير برامج واسعة للتأهيل والتحديث استعدادا للاستحقاقات القارية والعالمية.

    غير أن هذه المشاريع لا تقتصر على الملاعب، بل تشمل إعادة تهيئة محيطها، وإنجاز محاور طرقية جديدة، وتحسين الولوج إليها، وتطوير شبكات النقل الجماعي، بما يجعلها مشاريع حضرية متكاملة تترك أثرا دائما بعد انتهاء المنافسات.

    السكك الحديدية.. جيل جديد من النقل في أفق 2030

    بعد نجاح تجربة القطار فائق السرعة “البراق”، دخل المشروع السككي المغربي مرحلة جديدة أكثر طموحا.

    فقد أشرف الملك محمد السادس سنة 2025 على إعطاء انطلاقة أشغال الخط فائق السرعة الرابط بين القنيطرة ومراكش، وهو مشروع استراتيجي سيقلص مدة السفر بين شمال المملكة ووسطها، ويعزز الربط بين أهم الأقطاب الاقتصادية والسياحية، كما يهيئ لمرحلة لاحقة تمتد نحو الجنوب.

    ولم يتوقف هذا الورش عند الخطوط عالية السرعة، إذ أشرف جلالته يوم 24 شتنبر 2025 على إطلاق مشاريع سككية مهيكلة باستثمار يبلغ 20 مليار درهم.

    وتشمل هذه المشاريع إنجاز 260 كيلومترا من السكك المكهربة الجديدة، وبناء وتوسعة 50 منشأة فنية، وإنشاء 11 محطة فرعية كهربائية، وتشييد 10 محطات جديدة لخدمات القرب، وتأهيل 5 محطات، وبناء 3 محطات كبرى من الجيل الجديد، إضافة إلى إحداث مركزين وخمس ورشات للصيانة، واقتناء 48 قطارا مخصصا لخدمات القرب والنقل الجهوي.

    وتعكس هذه الأوراش انتقال الرؤية الملكية من ربط المدن الكبرى فقط، إلى تطوير منظومة نقل حديثة تخدم التنقل اليومي للمواطنين، وتخفف الضغط على الطرق، وتواكب النمو الحضري، وتدعم التنمية الاقتصادية في أفق 2030.

    مطارات وطرق تستعد لمغرب 2030

    وبالموازاة مع الأوراش الرياضية والسككية، تشهد المملكة برنامجا غير مسبوق لتوسعة وتحديث مطاراتها، بهدف رفع طاقتها الاستيعابية وتحسين جودة خدماتها، بما يواكب النمو المتواصل لحركة المسافرين ويعزز مكانة المغرب كمنصة جوية بين إفريقيا وأوروبا.

    كما تتواصل مشاريع الطرق السيارة، والطرق السريعة، والتهيئة الحضرية، وربط المدن بالموانئ والمطارات، بما يضمن انسيابية أكبر في حركة الأشخاص والبضائع، ويقوي جاذبية مختلف الجهات للاستثمار.

    وتؤكد هذه المشاريع أن الاستعداد لكأس العالم 2030 لم يقتصر على تشييد الملاعب، بل تحول إلى ورش وطني شامل لتحديث البنية التحتية ورفع تنافسية المملكة.

    مشاريع مختلفة… ورؤية ملكية واحدة

    بعد سبعة وعشرين عاما من الأوراش المتواصلة، لم تعد البنية التحتية مجرد حصيلة من الطرق والموانئ والسكك الحديدية والملاعب، بل أصبحت أحد أبرز تجليات الرؤية الملكية التي جعلت من الاستثمار في التجهيزات الأساسية مدخلا لبناء اقتصاد أكثر تنافسية، وتحسين ظروف عيش المواطنين، وتعزيز مكانة المغرب قاريا ودوليا.

    ومن ميناء طنجة المتوسط إلى ميناء الداخلة الأطلسي، ومن البراق إلى الخط فائق السرعة نحو مراكش، ومن مشاريع النقل الجهوي إلى برامج الأمن المائي، ومن تحديث المطارات إلى تأهيل الملاعب استعدادا لكأس العالم 2030، يتواصل بناء مغرب جديد، قوامه التخطيط الاستراتيجي والاستثمار في المستقبل، وفق رؤية ملكية تجعل من البنية التحتية رافعة للتنمية الشاملة، وليست مجرد مشاريع عمرانية.

  • رهان على الابتكار والاستثمار.. المغرب يعيد رسم موقعه في اقتصاد الألعاب

    رهان على الابتكار والاستثمار.. المغرب يعيد رسم موقعه في اقتصاد الألعاب

    لم تعد الألعاب الإلكترونية في المغرب مجرد وسيلة للترفيه، بل تحولت تدريجيا إلى مجال يستقطب اهتمام الشباب والمستثمرين على حد سواء، إذ بدأت تظهر في السنوات الأخيرة استوديوهات ومبادرات محلية تسعى إلى تطوير ألعاب تحمل بصمة مغربية، مستفيدة من طاقات شابة في البرمجة والتصميم.

    وبرز الاهتمام بصناعة الألعاب الإلكترونية في المغرب مع الحكومة الحالية، بعدما انتقل هذا المجال من كونه نشاطا ترفيهيا إلى قطاع اقتصادي، ما جعل وزارة الشباب والثقافة والتواصل تضعه في صلب أولوياتها.

    وفي هذا الإطار، اعتمد المغرب، بتوجيهات الملك محمد السادس، مقاربة لتطوير صناعة الألعاب الإلكترونية، تقوم على بناء منظومة متكاملة تشمل التكوين، ودعم المقاولات الناشئة، واستقطاب الاستثمارات، وتعزيز الشراكات الوطنية والدولية، إلى جانب إحداث بنية تحتية متخصصة وتنظيم تظاهرات دولية للترويج للقطاع.

    ويهدف هذا التوجه إلى الانتقال بالمغرب من سوق استهلاك الألعاب الإلكترونية إلى فاعل في إنتاجها وتطويرها، بما يعزز مساهمة هذا القطاع في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

    الألعاب الإلكترونية.. رهان حكومي جديد

    شهد قطاع صناعة الألعاب الإلكترونية اهتماما حكوميا متزايدا سنة 2023، عندما أطلقت وزارة الشباب والثقافة والتواصل أولى المبادرات الرامية إلى بناء صناعة وطنية في هذا المجال.

    وفي أكتوبر من السنة نفسها، استقبل وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد مهدي بنسعيد، يونغ موك بارك، المؤسس المدير العام للشركة الكورية “Proxy Planet” المتخصصة في صناعة ألعاب الفيديو، حيث استعرض خلال هذا اللقاء رؤية المغرب لتطوير القطاع، واستراتيجية الوزارة الرامية إلى الاستثمار في صناعة الألعاب الإلكترونية وجعلها رافعة للاقتصاد الرقمي والصناعات الثقافية والإبداعية.

    فعلى مستوى البنية التحتية، شرعت الوزارة في إنجاز مشروع Rabat Gaming City، الذي يهدف إلى جعل الرباط مركزا إقليميا لصناعة الألعاب الإلكترونية.

    وفي هذا الصدد، أكدت نسرين السويسي، مديرة تنمية صناعة الألعاب الإلكترونية ونظم المعلومات بالوزارة الوصية، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن الوزارة أطلقت في مجال التكوين أولى البرامج المتخصصة لتأهيل مطوري الألعاب الإلكترونية، من بينها برنامج “Video Game Creator” الذي يكون 40 شابا سنويا بشراكة مع مؤسسات وطنية ودولية، مع تخصيص 35 بالمئة من المقاعد للنساء.

    وفي مجال ريادة الأعمال، تضيف السويسي، أنه تـم إطلاق برنامج Video Game Incubator الذي احتضن تسع شركات ناشئة في دورته الأولى، قبل إطلاق دورته الثانية مطلع سنة 2026.

    كما أحدثت برامج لاحتضان الشركات الناشئة، أبرزها حاضنة ألعاب الفيديو “Video Game Incubator”، الذي يهدف إلى دعم تطوير كفاءات الشركات الناشئة المغربية في مجال ألعاب الفيديو وفقا للمعايير الدولية.

    ونظمت الوزارة في إطار التواصل والترويج الوطني والدولي، معرض المغرب لصناعة الألعاب الإلكترونية “Morocco Gaming Expo” كمنصة سنوية تجمع المطورين والمستثمرين والناشرين والمؤسسات والشركاء الوطنين والدوليين، بهدف التعريف بالمؤهلات المغربية، وتشجيع الاستثمار، وترسيخ مكانة المغرب كمركز إقليمي رائد لصناعة الألعاب الإلكترونية.

    وشهد المعرض خلال نسخته الثالثة سنة 2026، توقيع أربع اتفاقيات استراتيجية شملت مجالات التكوين الأكاديمي، من خلال مشاريع توظيف آليات الألعاب الإلكترونية، وحماية حقوق الطفل في مجال صناعة الألعاب الإلكترونية، والإدماج الرقمي، في خطوة تستهدف تسريع بناء منظومة وطنية متكاملة لصناعة الألعاب الإلكترونية.

    وفي هذا الصدد، أشارت السويسي إلى أن الوزارة أطلقت الاستراتيجية الوطنية لتطوير صناعة الألعاب الإلكترونية، انطلاقا من قناعة مفادها أن هذا القطاع لم يعد يقتصر على الترفيه، بل أصبح صناعة ثقافية وإبداعية واقتصادية عالمية تتجاوز مداخيلها 300 مليار دولار، مع توقعات ببلوغها أكثر من 500 مليار دولار بحلول سنة 2030.

    وأضافت أن المغرب يتوفر على مؤهلات حقيقية تؤهله للتموقع داخل هذه الصناعة؛ من بينها أكثر من ثمانية ملايين شابة وشاب تتراوح أعمارهم بين 16 و30 سنة، إلى جانب كفاءات رقمية واعدة، وموقع جغرافي استراتيجي يجعل المملكة جسرا بين أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط.

    وأكدت أن هذه المعطيات دفعت الوزارة إلى اعتبار صناعة الألعاب الإلكترونية رافعة جديدة للتنمية الاقتصادية والثقافية، وإطلاق لأول مرة رؤية وطنية متكاملة تجعل المغرب قطبا إقليميا لصناعة الألعاب الإلكترونية.

    ومن جهته، يرى الخبير الرقمي حسن خرجوج، أن هذا التوجه يعكس تحولا جوهريا في النظرة إلى الألعاب الإلكترونية التي أصبحت صناعة ثقافية ورقمية متكاملة تجمع بين البرمجة، والتصميم، والذكاء الاصطناعي، والتسويق.

    وأضاف أن هذا الرهان الحكومي جاء استجابة لتحولات عالمية متسارعة، أبرزها النمو الكبير لسوق الألعاب الإلكترونية، وارتفاع استهلاك المحتوى الرقمي، وتطور الهواتف الذكية ومنصات التوزيع الإلكتروني، إلى جانب بروز مهن جديدة مرتبطة بتطوير الألعاب والتصميم والواقع الافتراضي.

    آليات المواكبة الحكومية

    اعتمدت الحكومة مجموعة من الآليات لمواكبة تطوير صناعة الألعاب الإلكترونية، تقوم على التكوين، ودعم المقاولات الناشئة، وتعزيز الشراكات، إلى جانب إحداث برامج تمويل موجهة لتشجيع الابتكار.

    وفي هذا الإطار، أُدرجت الشركات العاملة في صناعة الألعاب الإلكترونية ضمن صندوق دعم الابتكار (FSI)، عقب توقيع ملحق لاتفاقية الصندوق بين وزارة الاقتصاد والمالية، ووزارة الصناعة والتجارة، ووزارة الشباب والثقافة والتواصل، ووكالة Maroc PME، والاتحاد العام لمقاولات المغرب، بما أتاح تأهيل هذا القطاع للاستفادة رسميا من آليات الدعم.

    وأُطلق برنامج فرعي خاص بصناعة الألعاب الإلكترونية ضمن البرنامج الوطني لدعم الابتكار الصناعي والبحث والتطوير للفترة 2026-2028، بهدف مواكبة المشاريع المبتكرة وتعزيز تنافسية الاستوديوهات والمقاولات الناشئة المغربية.

    ويرتكز البرنامج على آليتين أساسيتين للتمويل؛ الأولى مخصصة لدعم تطوير النمذجة الأولية، من خلال تغطية تصل إلى 70 في المئة من تكلفة المشروع، بسقف محدد في مليون درهم، فيما تهم الثانية دعم مرحلة التصنيع التجريبي، عبر تمويل مالي يصل إلى 30 في المئة من التكلفة، وبسقف محدد في 3 ملايين درهم، بهدف مواكبة ودعم مشاريع الألعاب الإلكترونية ذات الإمكانات الواعدة، بما يساهم في بناء صناعة وطنية قادرة على المنافسة وترتكز على الابتكار.

    ويرى الخبير الرقمي حسن خرجوج أن هذه الآليات تمثل خطوة مهمة، لأنها تتعامل مع القطاع بمنطق متكامل؛ فالتكوين يساهم في إعداد الكفاءات، والحاضنات تساعد على إحداث المقاولات، بينما يتيح التمويل تطوير النماذج الأولية، وتفتح الشراكات الدولية المجال أمام نقل الخبرات والولوج إلى الأسواق الخارجية.

    واعتبر، في المقابل، أن هذه الإجراءات تبقى غير كافية بمفردها، لأن صناعة الألعاب الإلكترونية تحتاج أيضا إلى تمويل بدءا من مراحل النمو والتوسع والتسويق الدولي، إلى جانب وضع مؤشرات دقيقة لقياس نتائج السياسة الحكومية، تشمل عدد الألعاب التي تم إطلاقها، وعدد مناصب الشغل المستدامة، وحجم الصادرات، وقيمة الاستثمارات الأجنبية، وحقوق الملكية الفكرية المغربية.

    وأكد أن نجاح هذا الرهان يظل مرتبطا بمدى قدرة المغرب على تطوير استوديوهات وعلامات تجارية وألعاب مغربية قادرة على المنافسة، بدل الاكتفاء بتنفيذ أجزاء من مشاريع أجنبية، مبرزا أن القيمة المضافة الحقيقية في هذه الصناعة ترتبط بامتلاك الملكية الفكرية والتحكم في النشر والتوزيع، أكثر من ارتباطها بالخدمات التقنية وحدها.

    10 آلاف منصب شغل

    أفرزت المبادرات الحكومية لتطوير صناعة الألعاب الإلكترونية مجموعة من المكتسبات الاقتصادية والتكنولوجية والبشرية، من خلال دعم التكوين والابتكار وريادة الأعمال، وتعزيز مكانة هذا القطاع ضمن الصناعات الرقمية والإبداعية بالمغرب.

    وتؤكد مديرة تنمية صناعة الألعاب الإلكترونية ونظم المعلومات بالوزارة، أن نتائج الاستراتيجية بدأت تظهر تدريجيا، وهو أمر طبيعي بالنسبة لقطاع لا يزال في مرحلة البناء، موضحة أن المغرب أصبح يتوفر اليوم على أكثر من 100 مقاولة ناشئة واستوديو متخصص في صناعة الألعاب الإلكترونية، إضافة إلى أكثر من 2000 مطور ومطورة ينشطون في هذا المجال، ما يعكس الدينامية التي يشهدها القطاع.

    وأضافت أن الوزارة تستهدف خلق 10 آلاف منصب شغل مباشر بحلول سنة 2030، عبر تطوير منظومة اقتصادية متكاملة تشمل تطوير الألعاب الإلكترونية، والنشر، وخدمات التعهيد، والرياضات الإلكترونية، والخدمات المرتبطة بها.

    مكاسب تتجاوز البعد الاقتصادي

    وفي معرض جوابه عن المكتسبات التي يتيحها قطاع الألعاب الإلكترونية، أكد المحلل الاقتصادي علي الغنبوري، في تصريح خص به جريدة “AM+ MEDIA”، أن صناعة الألعاب الإلكترونية تُحقق مكاسب تتجاوز البعد الاقتصادي، لتشمل تطوير الرأسمال البشري من خلال تكوين كفاءات في البرمجة، والتصميم ثلاثي الأبعاد، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، وهي مهارات مطلوبة في مختلف القطاعات الرقمية.

    وأضاف أن الألعاب الإلكترونية أصبحت تُستخدم أيضا في مجالات التعليم والتكوين والمحاكاة، بما يسهم في نقل التكنولوجيا وتعزيز الابتكار.

    وأشار إلى أن هذا القطاع يساهم كذلك في تنشيط منظومة الشركات الناشئة، وتحفيز الصناعات الثقافية والإبداعية، وتسويق الثقافة المغربية عبر إنتاج ألعاب مستوحاة من التاريخ والتراث الوطني، فضلا عن دعم الرياضات الإلكترونية وصناعة المحتوى الرقمي، بما يخلق فرصا جديدة للشباب وللمقاولات الصغرى والمتوسطة.

    وفي السياق ذاته، أفادت نسرين السويسي أن معرض “Morocco Gaming Expo” أصبح أحد أبرز مؤشرات تطور المنظومة الوطنية لصناعة الألعاب الإلكترونية، بعدما شهد إقبالا متزايدا منذ إطلاقه، إذ استقطبت دورته الأولى سنة 2024 أكثر من 40 ألف زائر، وارتفع العدد إلى أكثر من 70 ألف زائر في الدورة الثانية سنة 2025، قبل أن تتجاوز الدورة الثالثة سنة 2026 عتبة 80 ألف زائر.

    وأضافت أن أهمية المعرض لا تقاس بعدد الزوار، بل بما أصبح يوفره من منصة تجمع المطورين والمستثمرين والناشرين والجامعات والشركاء الدوليين، بما يتيح فرصا للشراكات والاستثمار، ويساهم في إبراز المواهب المغربية وتسويق المشاريع الوطنية وتعزيز صورة المغرب كوجهة صاعدة في صناعة الألعاب الإلكترونية على المستويين الإقليمي والدولي.

    رهانات اقتصادية واعدة

    وتسعى الحكومة إلى الانتقال بالمغرب من مستهلك للألعاب الإلكترونية إلى منتج ومطور لها، عبر جعل هذا القطاع رافعة اقتصادية قادرة على استقطاب الاستثمارات، وخلق فرص الشغل، وبناء منظومة اقتصادية متكاملة تعزز تنافسية المغرب إقليميا ودوليا، وتكرس مكانته ضمن الصناعات الرقمية والإبداعية.

    وأفاد الغنبوري في هذا السياق بأن صناعة الألعاب الإلكترونية تمثل فرصة حقيقية لتنويع الاقتصاد المغربي، بالنظر إلى اعتمادها على الاقتصاد الرقمي وتحقيقها قيمة مضافة مرتفعة باستثمارات مادية محدودة نسبيا، مضيفا أن تطوير هذا القطاع من شأنه تعزيز صادرات الخدمات الرقمية، ورفع مساهمة الاقتصاد الإبداعي في الناتج الداخلي الخام، وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال.

    ويرى أن برامج الدعم التي أطلقتها الحكومة لتطوير المشاريع والنماذج الأولية تعكس توجها يرمي إلى ترسيخ مكانة المغرب كمركز إفريقي لصناعة الألعاب الإلكترونية.

    وأضاف أن هذا القطاع أصبح يشكل محركا للابتكار وجذب الاستثمارات، كما يساهم في تطوير تقنيات تمتد تطبيقاتها إلى مجالات التعليم، والصناعة، والطب، وهو ما يفسر توجه العديد من الدول إلى الاستثمار فيه باعتباره صناعة مستقبلية ذات قيمة اقتصادية وتكنولوجية عالية.

    ويعكس هذا الرهان إدراكا متزايدا للدور الذي أصبحت تلعبه صناعة الألعاب الإلكترونية في تعزيز الاقتصاد العالمي، بعدما تحولت إلى صناعة رقمية تجمع بين التكنولوجيا والإبداع والابتكار.

    ويشمل هذا القطاع بنية متكاملة تضم البرمجة، والذكاء الاصطناعي، والتصميم الرقمي، وصناعة المحتوى، والخدمات الرقمية، مما يجعله من القطاعات القادرة على استقطاب الاستثمارات، وخلق فرص شغل جديدة، وتعزيز تنافسية الاقتصاد.

     جيل جديد من الكفاءات

    تراهن الحكومة على صناعة الألعاب الإلكترونية لإعداد جيل جديد من الكفاءات في مجالات البرمجة، والتصميم، والذكاء الاصطناعي، والإبداع الرقمي، عبر تحويل شغف الشباب بالألعاب إلى فرص حقيقية للتكوين، والابتكار، والاندماج في سوق الشغل.

    ولهذا، عملت وزارة الشباب والثقافة والتواصل على إرساء منظومة للتكوين في مهن الألعاب الإلكترونية، تشمل مسالك جامعية وتكوينا مهنيا وبرامج موجهة للشباب، إلى جانب دعم المقاولات الناشئة، وربط الكفاءات المغربية بالخبرات الدولية، وإطلاق شراكات مع مؤسسات وطنية ودولية لتوسيع فرص الإدماج المهني.

    وفي هذا الصدد، أوضح الغنبوري أن صناعة الألعاب الإلكترونية أصبحت تتيح فرصا حقيقية للتشغيل، في ظل تنامي الطلب العالمي على مهن مرتبطة بتطوير الألعاب، من بينها البرمجة، وتصميم الرسوم ثلاثية الأبعاد، وتطوير محركات الألعاب، وهندسة الصوت، واختبار الجودة، والذكاء الاصطناعي، مشددا على أن الحاجة إلى الكفاءات المتخصصة ما تزال مرتفعة رغم التحولات التي يشهدها القطاع عالميا.

    وتابع أن المغرب بدأ بدوره في بناء منظومة متخصصة، من خلال إطلاق برامج للتكوين، وحاضنات للمقاولات الناشئة، ومبادرات حكومية من قبيل Rabat Gaming City وMorocco Gaming Expo، إلى جانب برامج للدعم المالي للمقاولات الناشئة في القطاع، كما تراهن الحكومة على مضاعفة مداخيل الصناعة المحلية وخلق آلاف فرص الشغل المؤهلة، مستفيدة من توفر قاعدة شبابية واسعة، وانخفاض كلفة الإنتاج مقارنة بعدد من الأسواق المنافسة، وقرب المغرب من أوروبا.

    وبذلك، تراهن المملكة على بناء صناعة رقمية لخلق فرص الشغل وإعداد كفاءات قادرة على المنافسة في الأسواق الدولية، بما يعزز مكانة المغرب ضمن الاقتصادات الرقمية الصاعدة.

    ومن جانبها، كشفت نسرين السويسي أن نتائج هذه الاستراتيجية بدأت تظهر تدريجيا، حيث أصبح المغرب يتوفر على أكثر من 100 مقاولة ناشئة واستوديو متخصص في صناعة الألعاب الإلكترونية، إضافة إلى أكثر من 2000 مطور ومطورة ينشطون في هذا المجال، ما يعكس الدينامية التي يشهدها القطاع.

    وأضافت أن الوزارة تستهدف خلق 10 آلاف منصب شغل مباشر بحلول سنة 2030، من خلال تطوير منظومة متكاملة تشمل تطوير الألعاب الإلكترونية، والنشر، وخدمات التعهيد، والرياضات الإلكترونية، والخدمات المرتبطة بها، بما يعزز مكانة المغرب كمركز إقليمي لصناعة الألعاب الإلكترونية.

    وتعكس هذه المؤشرات توجها نحو بناء صناعة رقمية قائمة على الكفاءات والابتكار، بما يجعل قطاع الألعاب الإلكترونية فضاء لخلق فرص شغل مؤهلة وتعزيز ريادة الأعمال.

    وتبرز أن الاستثمار في هذا المجال لم يعد يقتصر على تطوير المحتوى الرقمي، بل أصبح يشمل إعداد موارد بشرية قادرة على مواكبة التحولات التكنولوجية والمنافسة في الأسواق الدولية.

  • مهدي فقير: التدرج المهني رافعة أساسية لتعزيز قابلية التشغيل

    مهدي فقير: التدرج المهني رافعة أساسية لتعزيز قابلية التشغيل

    يشكل تقييم أداء سوق الشغل محطة أساسية لفهم أثر السياسات العمومية على الاقتصاد والمجتمع، خاصة في ظل التحولات التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة.

    وبين المؤشرات المتعلقة بإحداث فرص الشغل، وبرامج الإدماج والتكوين، والإصلاحات المرتبطة بالاستثمار، تبرز الحاجة إلى قراءة اقتصادية تضع هذه المعطيات في سياقها العام.

    ويرى خبراء أن تقييم هذه الحصيلة يقتضي التمييز بين الظرفية الاستثنائية التي انطلقت منها الولاية وبين الاختلالات البنيوية التي كانت وما تزال تطبع سوق الشغل المغربي، وفي مقدمتها ضعف التوازن بين العرض والطلب، وإشكالية ملاءمة التكوين مع حاجيات الاقتصاد، واستمرار بطالة الشباب.

    في هذا الحوار، يقدم الخبير الاقتصادي، المهدي فقير، قراءة في واقع سوق الشغل بالمغرب، ويحلل دلالات أرقام حصيلة الوزارة الوصية، كما يتوقف عند حدود السياسات العمومية في هذا المجال، ويبرز أهمية التكوين المهني والتدرج المهني باعتبارهما من أبرز المداخل لتعزيز قابلية إدماج الشباب في سوق العمل.

    وضعية سوق الشغل بالمغرب كانت دائما مطبوعة بالهاجس المتعلق بالبطالة، ويجب أن نعترف أن سنة 2020 كانت سنة كارثية، بحكم جائحة كورونا وتلتها فترة جفاف قاسية استمرت لحوالي 6 سنوات، وهذا أثر بشكل كبير على استيعاب وامتصاص البطالة.

    بالتالي، ليس دفاعا عن الحكومة، لكن أعتقد أن تركيبة سوق الشغل لم تختلف كثيرا، ومع الأسف كل الجهود لم تمكن من إعادة التوازن بين العرض والطلب في سوق الشغل.

    التكوينات هناك تكوينات قابلة للإدماج، ولكن ما يزال هناك تكوينات غير قابلة، إضافة إلى أن هناك إشكالية ثقافية في تأهيل الشباب من أجل ولوج سوق الشغل، وهذا شيء مهم جدا، ونحن أمام ظاهرة شباب “NEET” التي تؤثر بشكل كبير على قابلية الشباب للدخول لسوق الشغل.

    بالتالي، فالكوارث التي وقعت على الصعيد الدولي كان لها تداعيات، والتضخم العالمي كان عاملا مؤثرا بدرجة كبيرة، والمغرب لن يشكل الاستثناء بالنسبة للعديد من الدول العالمية التي عانت الأمرين والشيء الكثير جراء هذه الأوضاع.

    إحداث 851 ألف فرصة عمل يبقى رقما حسابيا ورد في حصيلة الحكومة، لكن يجب أن نوضح ماذا نقصد؟ إذا كانت فرص شغل قارة ودائمة فهذا ما يسمى فرصة شغل، ولكن إذا كانت عرضية ومؤقتة وليست دائمة فلا يمكن اعتبارها خلقا لفرص الشغل.

    واليوم، هناك نقاش حول ماهية الإحصائيات المتعلقة بالتشغيل، وما نقصده بفرصة شغل، والإدماج المهني، لكننا في المغرب ما زلنا قاصرين على خلق سياسات إدماجية، ونحتاج دائما تدخل الحكومة هنا وهناك من أجل خلق فرص الإدماج.

    لكن هذا التدخل ليس أمرا سلبيا، فهذه التوليفة معترف بها ومعتمدة على الصعيد الدولي، وهي ما يسمى “FIRST JOB ACT” ومعتمدة في أمريكا وفرنسا، والمغرب بإمكانه الإبقاء على هذه التحفيزات لكن يجب إعادة النظر في النموذج الاقتصادي حتى يكون نموذجا دامجا وخالقا لفرص الشغل.

    تجربة المكتب الوطني للتكوين المهني كانت سباقة في هذا الباب واستجابة لحاجيات السوق وقابلية الإدماج، لأن مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل كان الركيزة والمعيار والبديل لخلق فرص الإدماج عن طريق التكوين المهني، وبالتالي فمدن الكفاءات في بدايتها مدعمة بأجيال جديدة من المعاهد ومؤسسات التكوين فلسفتها التي أحدثت من أجلها هي الإدماج انطلاقا من حاجيات سوق الشغل.

    كما أن التدرج المهني اليوم هو أهم خيار وأفضل بديل من أجل امتصاص بطالة الشباب لأنه يتيح تكوينات مواتية لروح ومتطلبات العصر، وتمكن أيضا من دعم التكوين المستمر الذي هو آلية هامة للحفاظ على استقرار وفرص الشغل، وهي مسألة مهمة وتعد أحد الحلول.

    لكن يجب الانتباه إلى مسألة مهمة، وهي أن تكون هناك مقاربة شاملة تتماهى مع منظومة التكوين الأكاديمي وكذلك النموذج الاقتصادي، الذي يجب أن يكون دامجا وخالقا للثروة وفرص الاندماج المهني على المديين المتوسط والطويل.

  • الأصالة والمعاصرة يرسم خريطته الانتخابية.. قراءة في هندسة التزكيات

    الأصالة والمعاصرة يرسم خريطته الانتخابية.. قراءة في هندسة التزكيات

    لا تمثل اللوائح المحلية التي أعلن عنها حزب الأصالة والمعاصرة خلال الدورة الثانية والثلاثين لمجلسه الوطني، المنعقدة السبت الماضي بسلا، مجرد مرحلة تنظيمية تسبق إيداع الترشيحات، بل تقدم مؤشرات أولية على الكيفية التي يقرأ بها الحزب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، وعلى طبيعة الرهانات التي اختار خوضها في انتخابات 23 شتنبر المقبل.

    ولا تُحسم الانتخابات فقط بالبرامج السياسية، وإنما تبدأ منذ لحظة اختيار المرشحين، لأن التزكية تعكس تصور الحزب لشكل المنافسة، والفئات التي يريد مخاطبتها، وطبيعة الرسائل التي يسعى إلى إيصالها للناخبين.

    تكشف معطيات لوائح ترشيحات “الجرار” أن الحزب احتفظ بـ52 وكيلا للائحة سبق لهم خوض انتخابات 2021، مقابل 38 مرشحا يقودون اللوائح لأول مرة.

    ولا يقتصر معنى هذه الأرقام على كونها استمرارا للأسماء نفسها، بل تكشف أن الحزب يعتبر التجربة الانتخابية عنصرا حاسما في المنافسة، فالمرشح الذي سبق له خوض الانتخابات يمتلك في الغالب معرفة بالدوائر المحلية، وشبكات للتواصل مع الناخبين، وقدرة أكبر على إدارة الحملة الانتخابية مقارنة بمرشح يخوض التجربة للمرة الأولى.

    كما أن الإبقاء على عدد كبير من المرشحين السابقين يحد من الصراعات الداخلية التي قد تنتج عن تغيير وكلاء اللوائح، خصوصا في الدوائر التي تعرف تنافسا حادا أو توازنات تنظيمية دقيقة.

    ومن هذا المنطلق، تبدو الاستمرارية خيارا تنظيميا أيضا، لأنها تضمن الحفاظ على البنية المحلية للحزب خلال مرحلة انتخابية تحتاج إلى قدر كبير من الانسجام الداخلي.

    وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي والأستاذ الجامعي، عبد العزيز خليل، أن الاحتفاظ بأكثر من نصف وكلاء اللوائح السابقين لا يعكس غياب التجديد، بقدر ما يعكس قناعة بأن الانتخابات التشريعية تقوم بدرجة كبيرة على شبكات الثقة والامتداد الميداني والقدرة على تعبئة الهيئة الناخبة.

    ويرى خليل أن هذه عناصر يصعب بناؤها في فترة وجيزة، لذلك، فضل الحزب الاستثمار في الرصيد التنظيمي الذي راكمه خلال السنوات الماضية، باعتباره أقل مخاطرة من إحداث تغيير واسع قبل أشهر قليلة من موعد الاقتراع.

    لماذا اختار الحزب إدخال وجوه جديدة؟

    في الاتجاه المقابل، منح الحزب قيادة 38 لائحة لمرشحين لم يسبق لهم الترشح وكلاء للائحة. ورغم أن الرقم يبدو أقل من عدد المرشحين السابقين، فإنه يعكس محاولة لإحداث تجديد تدريجي داخل النخب الحزبية دون إحداث قطيعة مع القيادات التي راكمت تجربة انتخابية.

    ويلاحظ أن الوجوه الجديدة التي منحها الحزب التزكية تجمع بين أطر حزبية راكمت تجربة تنظيمية، ومنتخبين محليين، إلى جانب شخصيات استقطبها الحزب من مجالات اقتصادية ومهنية وأكاديمية مختلفة.

    هذا التنوع مؤشر على توجه نحو توسيع قاعدة المرشحين عبر المزج بين الكفاءات الداخلية والاستقطاب الخارجي، بما يهدف إلى تعزيز العرض السياسي للحزب واستقطاب فئات جديدة من الناخبين.

    ويعتبر الشرقاوي أن هذا الأسلوب يعكس ما يمكن تسميته بـ”التجديد الآمن”، أي تجديد لا يقوم على القطيعة مع النخب السابقة، بل على إدماج وجوه جديدة بشكل تدريجي، بما يسمح بضخ كفاءات جديدة داخل الحزب دون المساس باستقراره التنظيمي أو إضعاف حضوره في الدوائر التي راكم فيها نفوذا انتخابيا.

    من أبرز ملامح هذه التزكيات تصدر عدد من أعضاء الحكومة والقيادة الجماعية للوائح المحلية، من بينهم المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية فاطمة الزهراء المنصوري، ووزير الشباب والثقافة والتواصل محمد مهدي بنسعيد، ووزير العدل عبد اللطيف وهبي.

    ولا يقتصر حضور الوزراء على بعد انتخابي محلي، بل يمنح للحملة الانتخابية بعدا وطنيا، لأن هؤلاء سيقودون النقاش حول حصيلة الحزب داخل الحكومة، وليس فقط حول القضايا المرتبطة بالدوائر التي يترشحون فيها.

    وبذلك، تتحول بعض الدوائر إلى فضاءات للنقاش السياسي حول أداء الحكومة، في وقت يسعى الحزب إلى ربط التصويت المحلي بتقييم تجربته في تدبير الشأن العام على المستوى الوطني.

    وفي قراءته لهذا المعطى، يرى الأستاذ الجامعي عبد العزيز خليل أن الحضور البارز للوزراء والقيادات الوطنية يحمل رسالة سياسية واضحة، مفادها أن الحزب اختار أن يجعل الانتخابات المقبلة اختبارا لحصيلته الحكومية، وليس مجرد منافسة بين مرشحين محليين.

    فكلما ارتفع حضور أعضاء الحكومة في الحملة الانتخابية، يضوح الأكاديمي ذاته، أصبح النقاش موجها نحو تقييم السياسات العمومية التي شارك الحزب في تنفيذها، وهو ما يعني أن الحزب يراهن على ربط شرعيته الانتخابية بأدائه داخل الحكومة

    من المؤشرات اللافتة أيضا طبيعة الخلفيات المهنية للمرشحين، بعدما منح الحزب التزكية لـ49 مرشحا من رجال وسيدات الأعمال والمقاولين، إلى جانب محامين وموثقين وأطباء ومهندسين وأساتذة جامعيين وأطر عليا.

    ولا يتعلق الأمر فقط بالتنوع المهني، بل يعكس تصورا لطبيعة المرشح الذي يريد الحزب تقديمه للناخبين، إذ يبدو أن معيار الكفاءة والخبرة المهنية يحتل مكانة متقدمة في عملية الاختيار، إلى جانب الحضور الانتخابي.

    ويفسر ذلك بكون تدبير الملفات المحلية أصبح يرتبط أكثر بقدرة المنتخب على مواكبة المشاريع الاستثمارية، وتتبع السياسات العمومية، والتفاعل مع الملفات الاقتصادية والاجتماعية، وهي مجالات تتطلب خبرات تقنية وإدارية إلى جانب العمل السياسي.

    ويضيف خليل أن هذه البروفايلات تعكس تحولا في معايير التزكية داخل الأحزاب المغربية، حيث لم يعد الحضور السياسي أو التنظيمي وحده كافيا، بل أصبحت الكفاءة المهنية والخبرة في التدبير من العناصر التي تمنح المرشح قيمة مضافة، بالنظر إلى ارتفاع انتظارات المواطنين من المنتخبين في مجالات الاستثمار والتنمية المحلية وتتبع المشاريع العمومية.

    رغم أن اللوائح المحلية لحزب الأصالة والمعاصرة ضمت سبع وكيلات لوائح، فإن هذا الرقم يُعد الأعلى مقارنة بالأحزاب التي أعلنت عن مرشحيها إلى حدود الآن، وحتى في تاريخ الانتخابات المغربية، ما يعكس استمرار الحزب في منح النساء مواقع متقدمة داخل المنافسة الانتخابية المحلية، وعدم حصر حضورهن في اللوائح الجهوية فقط.

    ويشير ذلك إلى أن الحزب يواصل تبني خيار توسيع مشاركة النساء في مراكز القرار الانتخابي، انسجاما مع الخطاب الذي دافع عنه خلال السنوات الأخيرة بشأن تعزيز التمثيلية النسائية.

    ومع ذلك، تكشف هذه الأرقام أن الحضور النسائي في الدوائر المحلية لا يزال دون مستوى المناصفة، إذ تبقى غالبية التزكيات من نصيب المرشحين الرجال، وهو معطى لا يقتصر على حزب الأصالة والمعاصرة، بل يعكس واقع المنافسة الانتخابية داخل مختلف الأحزاب المغربية، في وقت يظل فيه جزء مهم من تمثيلية النساء داخل مجلس النواب مرتبطاً باللوائح الجهوية.

    حافظ الحزب على معظم قياداته في الجهات التي حقق فيها نتائج متقدمة سنة 2021، ويشير ذلك إلى أن الحزب اختار البناء على موازين القوة التي أفرزتها الانتخابات السابقة، بدل إعادة توزيع مرشحيه بشكل واسع، وهو ما يمكن قراءته باعتباره سعياً إلى تثبيت المكاسب الانتخابية قبل التفكير في التوسع داخل دوائر جديدة.

    ويرى  خليل أن الحفاظ على الأسماء ذات الامتداد المحلي يعكس قراءة انتخابية تعتبر أن الانتخابات التشريعية تُحسم في جزء مهم منها بقدرة المرشح على تعبئة شبكاته المحلية والمحافظة على قواعده الانتخابية، لذلك فضّل الحزب تعزيز نقاط قوته التقليدية بدل إعادة رسم خريطته الانتخابية بالكامل.

    في المحصلة، لا تبدو التزكيات مجرد إعلان عن أسماء مرشحين، بل تقدم قراءة أولية للاستراتيجية التي اختارها حزب الأصالة والمعاصرة قبل انطلاق الحملة الانتخابية. فهي تعكس توجهاً يقوم على الحفاظ على الاستقرار التنظيمي، وإدماج تجديد محدود ومدروس، وتوظيف الحصيلة الحكومية، والاعتماد على الكفاءة المهنية إلى جانب الامتداد الانتخابي. وفي هذا الإطار، يرى عمر الشرقاوي أن نجاح هذه المقاربة لن يقاس بعدد الأسماء التي تغيرت أو بقيت، وإنما بمدى قدرة الحزب على تحويل هذه الاختيارات التنظيمية إلى نتائج انتخابية، في سياق يتسم بمنافسة قوية وارتفاع سقف انتظارات الناخبين، حيث سيظل صندوق الاقتراع هو الفيصل الحقيقي في تقييم هذه الاستراتيجية.

  • من الدعم الاستثنائي إلى الإصلاح الهيكلي لقطاع الصحافة بالمغرب

    من الدعم الاستثنائي إلى الإصلاح الهيكلي لقطاع الصحافة بالمغرب

    لم يكن الدعم الحكومي الاستثنائي للصحافة والإعلام الذي انطلق منذ سنة 2020 مجرد آلية مالية لمواكبة المقاولات الإعلامية، بل جاء في سياق تسلم فيه محمد مهدي بنسعيد حقيبة وزارة الشباب والثقافة والتواصل في السابع من أكتوبر 2021، مثقلة بمشاكل واحدة من أصعب وأعقد مراحل القطاع منذ سنوات، لما خلفته جائحة كوفيد-19 من آثار عميقة على المقاولات الإعلامية، بعد تراجع مداخيل الإشهار، وارتفاع كلفة الإنتاج، وتفاقم الهشاشة المالية لعدد من المؤسسات، ما جعل الحفاظ على استمرارية المقاولات وصون مناصب الشغل أولوية ملحة قبل الانخراط في أي ورش إصلاحي آخر.

    كشفت جائحة كوفيد-19 هشاشة النموذج الاقتصادي للمقاولات الصحفية المغربية، الذي كان يعاني من اختلالات متراكمة منذ سنوات.

    فقد سجلت الصحافة الورقية تراجعا مستمرا في المبيعات بفعل تغير عادات القراءة واتساع الفضاء الرقمي، حيث لم تعد الصحف المغربية مجتمعة تبيع سوى نحو 200 ألف نسخة يوميا، وهو رقم يظل محدودا مقارنة بعدد السكان ونسبة المتعلمين.

    وفي الوقت نفسه، كشف تقرير لجنة المنشأة الصحفية وتأهيل القطاع بالمجلس الوطني للصحافة سنة 2020 حول أثار جائحة كورونا على قطاع الصحافة وإجراءات الخروج من الأزمة، أن السوق الإعلانية واجه تحولا هيكليا أفقد الصحافة جزءا كبيرا من مواردها، بعدما تراجعت عائدات الإعلانات بنسبة 55 في المئة بين سنتي 2010 و2018، قبل أن يتفاقم هذا النزيف مع استمرار انتقال المعلنين نحو المنصات الرقمية.

    وعرفت مبيعات اليوميات والأسبوعيات والمجلات انخفاضا متواصلا، ما جعل عددا من المقاولات الإعلامية يدخل مرحلة الجائحة مثقلا بأزمة استدامة مالية.

    ويكشف المبيان عن تراجع هيكلي في العائدات الإعلانية للصحافة المغربية، بعدما انخفضت من 645 مليون درهم سنة 2010 إلى 290 مليون درهم سنة 2018، أي بخسارة تناهز 55 في المئة خلال ثماني سنوات.

    ويبرز المنحنى أن الانخفاض لم يكن ظرفيا، بل اتخذ مسارا تصاعديا ابتداء من سنة 2015، ما يعكس تحولا عميقا في سوق الإشهار مع انتقال جزء متزايد من الاستثمارات نحو المنصات الرقمية. وتؤشر هذه المعطيات إلى أن الأزمة المالية التي واجهتها المقاولات الصحفية سبقت جائحة كوفيد-19 بسنوات، وهو ما جعل القطاع يدخل الأزمة الصحية وهو يعاني أصلا من تآكل موارده التقليدية، خاصة في ظل تراجع المبيعات وانكماش سوق الإعلانات.

    هذا الوضع الذي امتدت ارتداداته إلى “زمن الجائحة”، دفع وزارة التواصل إلى تدخل سريع لإخراج القطاع من غرفة العناية المركزة، بدعم استثنائي لم يقتصر على تحويلات مالية ظرفية في حسابات المقاولات الصحفية، بل اعتمد مقاربة ذات بعد اقتصادي واجتماعي، استهدفت الحفاظ على النسيج الإعلامي الوطني وتفادي فقدان الكفاءات المهنية التي راكمها القطاع.

    وتم توجيه الدعم لتحمل جزء من أجور الصحافيين والعاملين الإداريين، وأداء اشتراكات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وتحمل الضريبة على الدخل، بما خفف الأعباء عن المقاولات الإعلامية وساعدها على المحافظة على استقرار مواردها البشرية في مرحلة اتسمت بارتفاع الضغوط المالية منذ بداية تفشي كوفيد-19 وتداعيات الحجر الصحي سنة 2020.

    وتجاوزت هذه المقاربة المؤسسات الصحفية إلى مختلف مكونات سلسلة الإنتاج الإعلامي، إذ شمل الدعم قطاع الطباعة وشبكات توزيع الصحف والإذاعات الخاصة للحفاظ على توازن المنظومة بأكملها، ليتحول الدعم العمومي من آلية لمواجهة تداعيات أزمة ظرفية إلى رافعة لضمان الاستقرار الاجتماعي داخل القطاع، والحفاظ على مناصب الشغل، بالتوازي مع إطلاق أوراش إصلاحية تروم تحديث المنظومة الإعلامية وتعزيز قدرتها على مواكبة التحولات الرقمية.

    وتؤكد أرقام الدعم العمومي، وفق المعطيات التي جمّعتها جريدة “AM+ MEDIA”، أن وزارة الشباب والثقافة والتواصل- قطاع التواصل، اختارت منذ بداية الولاية الحكومية اعتماد مقاربة تصاعدية لمواكبة قطاع الإعلام، انسجاما مع التحديات التي فرضتها مرحلة ما بعد الجائحة.

    وبالعودة إلى سنة 2021، فقد بلغ الدعم الموجه للصحافة ما يناهز 168 مليون درهم، ثم 189 مليون درهم عام 2022، قبل أن يسجل قفزة خلال سنتي 2023 و2024 ليبلغ حوالي 348 مليونا ثم أكثر من 361 مليون درهم تواليا، وهو أعلى مستوى للدعم خلال السنوات الخمس الفارطة.

    ورغم تراجع الغلاف المالي إلى حوالي 277 مليون درهم سنة 2025، فإنه ظل أعلى بكثير من مستواه عند انطلاق الولاية الحكومية.

    وبلغت الكلفة الإجمالية حتى سنة 2025 لدعم المؤسسات الصحافية مليارا و343 مليون درهم في خمس سنوات.

    يوضح المبيان تحول سياسة وزارة التواصل تجاه تمويل قطاع الصحافة، بعدما ظل الدعم مستقرا عند حدود 250 مليون درهم خلال سنتي 2021 و2022، قبل أن يعرف قفزة كبيرة ابتداء من سنة 2023، حيث تجاوز 400 مليون درهم، ليبلغ ذروته في 2024، ثم يتراجع بشكل نسبي في 2025 مع بقائه عند مستوى يفوق بكثير ما كان عليه قبل ثلاث سنوات.

    ويعكس هذا المنحى انتقال الدعم العمومي من آلية ظرفية لمواجهة تداعيات الأزمة إلى أداة هيكلية لتأهيل المقاولات الصحفية والحفاظ على استمرارية القطاع، في سياق استمرار الضغوط التي فرضها التحول الرقمي وتراجع الموارد التقليدية للصحافة.

    وبالموازاة مع ذلك، حافظت الوزارة على دعم باقي مكونات المنظومة الإعلامية وفق تطور احتياجاتها، إذ استقر الدعم المخصص لقطاع الطباعة عند 15 مليون درهم خلال سنتي 2021 و2022، قبل أن ينخفض إلى 9 ملايين درهم ابتداء من 2023 والسنوات الموالية، في ظل إعادة هيكلة آليات المواكبة مع التحولات التي يعرفها القطاع، وبلغت الكلفة الإجمالية 57 مليون درهم إلى حدود سنة 2025.

    أما شبكات توزيع الصحف، فقد استفادت من دعم بلغ 35 مليون درهم سنة 2021، ثم 30 مليون درهم خلال السنوات اللاحقة، بما مجموعه 155 مليون درهم إلى حدود العام الفارط.

    وشمل الدعم الإذاعات الخاصة، التي استفادت من 40 مليون درهم سنة 2021، قبل أن يستقر في حدود 20 مليون درهم في السنوات التالية، ليصل مجموع ما توصلت به إلى حدود 120 مليون درهم سنة 2025.

    واستنادا إلى هذه المؤشرات، يظهر أن الدعم الاستثنائي لم يكتف بإنقاذ المؤسسات الإعلامية من آثار الأزمة، بل ساهم أيضا في الحفاظ على توازن المنظومة الإعلامية بمختلف مكوناتها، من الصحافة إلى الطباعة والتوزيع والإذاعات الخاصة، بما وفر شروطا أفضل لاستمرار النشاط الإعلامي وحماية الرأسمال البشري، بكلفة إجمالية بلغت مليارا و675 مليون درهم إلى حدود سنة 2025.

    يوضح المبيان أن المؤسسات الصحفية استحوذت على 80.2 في المئة من إجمالي الدعم العمومي، مقابل 9.3 في المئة لشركات التوزيع، و7.2 في المئة للإذاعات، و3.4 في المئة لقطاع الطباعة.

    ويعكس هذا التوزيع توجها واضحا في السياسة العمومية نحو تركيز الموارد المالية على الحلقة الأكثر تأثرا بالأزمة، وهي المقاولات الصحفية، باعتبارها المنتج الأساسي للمحتوى الإخباري، بينما خصصت نسب أقل لباقي مكونات سلسلة الإنتاج والتوزيع.

    وتبنت وزارة محمد مهدي بنسعيد فلسفة جديدة للدعم العمومي السنوي، والتي نزلتها في المرسوم رقم 2.23.1041 الصادر في الجريدة الرسمية في يناير 2024، والذي نقل الدعم إلى مرحلة جديدة تقوم على منطق “الاستثمار في المقاولة الإعلامية”، لكن تنزيله ما يزال معلقا في انتظار انتهاء “وضع الاستثناء” الذي تتسمك به المقاولات الصحفية.

     ولم يكتف المشرع في المرسوم المذكور بتحديد مبالغ الدعم، بل أعاد بناء فلسفته على أسس الحكامة وربط التمويل بالأداء والالتزامات.

    ويتجلى هذا التحول في اشتراط احترام مجموعة من المعايير المهنية والمالية، من بينها انتظام التصريحات الجبائية والاجتماعية، واحترام أخلاقيات المهنة، وربط الاستفادة باتفاقية تلزم المؤسسة بالحفاظ على مناصب الشغل، وتوظيف الكفاءات، والرفع من الموارد الذاتية، والاستثمار في الرقمنة وتحديث وسائل الإنتاج.

    وأصبح صرف الدعم خاضعا لتقارير سنوية للتتبع والتقييم، مع نشر لوائح المستفيدين وإحالة التقرير السنوي على وزارة التواصل، التي تحيله بدورها على رئيس الحكومة، الأخير يرفعه إلى المجلس الأعلى للحسابات، بما يعزز الشفافية والمساءلة.

    ولم يقتصر الإصلاح على فلسفة الاستفادة، بل امتد إلى طريقة احتساب الدعم، حيث اعتمد القرار المشترك لوزير التواصل والوزير المنتدب المكلف بالميزانية رقم 2345.24 الصادر في نونبر 2024 نسبا مرتبطة بحجم المؤسسة وكلفة الأجور والإنتاج، مع تخصيص 80 في المئة من الدعم للتسيير و20 في المئة للاستثمار، من أجل تحقيق التوازن بين ضمان استمرارية المقاولات الإعلامية وتشجيعها على التطور والتحديث، بدل الاكتفاء بمنطق الدعم الظرفي.

    ورغم أن النظام الجديد للدعم ما يزال معلقا حتى إشعار آخر، فالفلسفة الجديدة للدعم العمومي انتقلت من مجرد آلية لإنقاذ المقاولات الإعلامية إلى أداة للرفع من تنافسية القطاع، وتحسين جودة الإنتاج الصحافي، وإرساء قواعد الحكامة وربط التمويل بالنتائج.

  • ظاهرة “NEET” في المغرب.. واقع الشباب ورهانات الإدماج

    ظاهرة “NEET” في المغرب.. واقع الشباب ورهانات الإدماج

    تتجاوز ظاهرة شباب “NEET” في المغرب مسألة البطالة، لتكشف عن مسارات مترابطة من الانقطاع عن التعليم والتكوين والعمل، قد تدفع جزءا من الشباب إلى وضعيات ممتدة من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.

    وتتداخل في تشكيل هذه الوضعية عوامل متعددة، من بينها الهدر المدرسي، وصعوبة الانتقال من الدراسة إلى سوق الشغل، وعدم استقرار المسارات المهنية، إلى جانب تفاوتات مجالية واجتماعية وجندرية.

    وأمام هذه الوضعية، اتجهت السياسات العمومية نحو تنويع آليات التدخل للحد من الظاهرة، غير أن الرهان لا يرتبط بتوفير برامج جديدة فحسب، بل بمدى قدرتها على معالجة أسباب الانقطاع ومواكبة الشباب عبر مسار متصل، يتيح لهم العودة إلى التعليم أو التكوين والولوج إلى سوق الشغل، وصولا إلى تحقيق استقرار مهني واجتماعي مستدام.

    شباب NEET.. فئة خارج التعليم والتكوين والشغل

    رغم الجهود التي يبذلها المغرب للحد من البطالة ومحاربة الهدر المدرسي، ما تزال فئة من الشباب تعيش خارج منظومة التعليم والتكوين وسوق الشغل، وهي الفئة المعروفة دوليا بمصطلح “NEET” (Not in Employment, Education or Training).

    ويُعرف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في رأيه الصادر سنة 2023، شباب NEET بأنهم الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، الذين لا يشتغلون، ولا يتابعون الدراسة، ولا يستفيدون من أي تكوين، مما يجعلهم خارج المدرسة وخارج سوق الشغل وخارج مسارات التكوين.

    ويشير المجلس إلى أن هذه الفئة تعد من أكثر الفئات هشاشة، بالنظر إلى ما يترتب عن هذا الوضع من مخاطر الإقصاء الاقتصادي والاجتماعي.

    وتشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى أنه خلال سنة 2022 كان واحد من كل أربعة شباب مغاربة، تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، في وضعية “NEET”، أي ما يقارب 1.5 مليون شاب وشابة، وهو ما جعل الظاهرة تتحول إلى إحدى القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تستدعي تدخلا.

    غير أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أكد أن توسيع قاعدة الفئة السنية لشباب “NEET” من 15 إلى 34 سنة تنقل رقم هذه الفئة إلى 4.3 ملايين لا ينتمون إلى فئة التلاميذ أو الطلبة أو المتدربين في التكوين المهني، ويوجدون في وضعية بطالة أو خارج الساكنة النشيطة، أي لا يبحثون عن الشغل لسبب من الأسباب.

    وفي آخر إحصائيات صادرة في أكتوبر من العام الماضي، كشفت المندوبية السامية للتخطيط أن 2.9 مليون شاب بين 15 و29 سنة هم في وضعية شباب “NEET” سنة 2023، وتشـكل النسـاء أكثـر مـن 72 بالمئة مـن مجمـوع هـذه الفئـة، كمــا أن احتمــال وجودهــن ضمن هذه الفئة يفــوق بثــاث مــرات تقريبــا احتمــال الرجــال.

    ولا تنظر الدراسات إلى هذه الفئة باعتبارها متجانسة، فقد خلصت الدراسة النوعية التي أجراها المرصد الوطني للتنمية البشرية سنة 2020 إلى وجود خمس مجموعات رئيسية داخل هذه الفئة، تشمل ربات البيوت المنحدرات من الوسط القروي، والشباب المنحدر من الوسط الحضري الذي يعيش الإحباط والتهميش، ما يجعلهم عرضة بشكل كبير للانحراف والسلوكات الإدمانية، فضلا عن شباب يميلون إلى تغيير وظائفهم بشكل متكرر مما يقودهم إلى الدخول في فترات بطالة قصيرة الأمد.

    كما تضم الفئة شبابا اختاروا التوقف عن العمل أو الدراسة بإرادتهم، وعادة ما تكون دوافعهم مرتبطة بعدم وجود الحاجة للعمل بعد التخرج، خاصة بالنسبة للنساء، أو برغبتهم في البحث عن آفاق جديدة لا ترتبط بالضرورة بمهنة محددة، إضافة إلى شباب يعانون من أمراض مزمنة أو إعاقات تحول دون اندماجهم في الدراسة أو سوق الشغل.

    وتشكل النساء النسبة الأكبر ضمن شباب “NEET”، وهو ما يعكس استمرار العوائق الاجتماعية والاقتصادية التي تحد من اندماجهن في التعليم والتكوين وسوق الشغل.

    ويوضح ياسين إيصبويا، الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، في هذا السياق، أن ارتفاع نسبة النساء ضمن فئة “NEET” لا يرتبط بالبطالة فقط، بل تتداخل فيه عوامل اجتماعية وأسرية ومجالية، كما أن نسبة مهمة منهن تُصنّف ضمن فئة “غير النشيطات” وليس ضمن الباحثات عن عمل، وهو ما يجعلهن أقل استفادة من برامج التشغيل التقليدية.

    إيصبويا أبرز أن الشابات يحتجن إلى سياسات أكثر استهدافا، ليس بعزل قضاياهن عن باقي السياسات، وإنما بإزالة العوائق التي تحول دون استفادتهن منها، من خلال توفير خدمات حضانة ميسرة، وضمان النقل الآمن، خاصة في الوسط القروي، وإتاحة تكوينات مرنة وقريبة من أماكن السكن، إلى جانب دعم المقاولات النسائية والتعاونيات، وإدراج مؤشرات خاصة بقياس إدماج الشابات ضمن البرامج الحكومية.

    كيف تتشكل ظاهرة “NEET“؟

    يُؤكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن هذه الظاهرة لا ترتبط فقط بالبطالة، وإنما هي نتيجة مسار متراكم من الانقطاعات التي تبدأ في سن مبكرة وتمتد إلى مرحلة الاندماج المهني.

    ويتمثل الانقطاع الأول في الهدر المدرسي، إذ يغادر نحو 331 ألف تلميذ مقاعد الدراسة سنويا، خاصة خلال الانتقال من التعليم الإعدادي إلى الثانوي، بسبب الرسوب، وصعوبة الولوج إلى المؤسسات التعليمية، لاسيما في الوسط القروي، وضعف العرض في مجال التكوين المهني، فضلا عن عوامل اجتماعية وثقافية، مثل الفقر، وتشغيل الأطفال، وزواج القاصرات، والإعاقة.

    أما الانقطاع الثاني، فيتعلق بالانتقال من الدراسة إلى سوق الشغل، حيث يصطدم الشباب الباحث عن أول فرصة عمل بعدم ملاءمة التكوين مع متطلبات سوق الشغل، وضعف خدمات الوساطة في التشغيل، وهو ما يجعل ستة من أصل عشرة عاطلين من الشباب يواجهون صعوبات كبيرة في ولوج سوق العمل، بينما تظل النساء الأكثر عرضة للبقاء في وضعية “NEET” نتيجة عوامل اجتماعية وأسرية إضافية.

    ويتمثل الانقطاع الثالث في عدم استقرار المسار المهني، إذ يفقد عدد من الشباب وظائفهم أو يغادرونها بحثا عن ظروف عمل أفضل، في ظل ضعف الأجور، وعدم احترام شروط العمل اللائق، مما يؤدي إلى عودتهم مجددا إلى دائرة البطالة.

    وتبرز هذه الانقطاعات أن إدماج شباب “NEET” لا يقتصر على توفير فرص الشغل، بل يطرح تحديات مرتبطة بفعالية السياسات العمومية وقدرتها على مواكبة هذه الفئة في مختلف مراحل الإدماج.

    وفي هذا الصدد، أشارت كريمة غانم، خبيرة في السياسات العمومية المتعلقة بالشباب وقضايا النوع الاجتماعي، في تصريح خصّت به جريدة “AM+ MEDIA”، إلى أن مكامن الخلل تتمثل في ثلاثة مستويات أساسية.

    أولها، حسب غانم، غياب منظومة فعالة للإنذار المبكر تربط المدرسة بالأسرة والمجتمع المدني وجمعيات أمهات وآباء التلاميذ، إذ تسبق الهدر المدرسي مؤشرات مثل التعثر والغياب وفقدان الدافعية، يمكن رصدها والتدخل بشأنها مبكرا.

    غير أن ضعف التنسيق يجعل تدخلات مختلف الأطراف متفرقة، فتتدخل المدرسة بعد وقوع الانقطاع، بينما تظل الأسر محدودة القدرة على المواكبة، وتبقى مبادرات المجتمع المدني محدودة الارتباط بالمنظومة العمومية، تؤكد المصرحة ذاتها.

    فيما يتعلق المستوى الثاني باستمرار منطق التدخل القطاعي والمجزأ، مما يجعل الشاب الذي يغادر المدرسة عرضة للوقوع في فراغ مؤسساتي، دون أن يجد مسارا بديلا واضحا ومهيكلا.

    أما المستوى الثالث، فتوضح خبيرة في السياسات العمومية المتعلقة بالشباب وقضايا النوع الاجتماعي أنه يرتبط بضعف معالجة الأبعاد الاجتماعية والثقافية المرتبطة بالظاهرة، فمع كون النساء يمثلن النسبة الأكبر من شباب “NEET”، فإن الإشكال يتجاوز غياب فرص التشغيل ليشمل عوائق مرتبطة بالتمثلات الاجتماعية حول أدوار المرأة، إلى جانب محدودية بنيات الرعاية الاجتماعية التي تمكن الشابات من التوفيق بين المسؤوليات الأسرية والمسار المهني، وهي تحديات لا يمكن لبرنامج تشغيل بمفرده معالجتها.

    وتخلص غانم إلى أن الرهان لا يكمن في إطلاق المزيد من البرامج بقدر ما يتمثل في بناء منظومة إدماج مندمجة تضع الشاب في صلبها، وتنسق بين المدرسة والأسرة والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمؤسسات العمومية ضمن مسار واحد ومتصل، بما يحول دون سقوط الشباب في الفجوات الناتجة عن ضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين.

    كيف تراهن الحكومة على إدماج شباب “NEET“؟

    اتجهت الحكومة الحالية إلى اعتماد مقاربة متعددة القطاعات لإعادة إدماج شباب “NEET”، تقوم على التدخل في مختلف مراحل مسارهم، بدءا من الحد من الهدر المدرسي، مرورا بالتأهيل والتكوين، وصولا إلى تسهيل الولوج إلى سوق الشغل، بانخراط عدة قطاعات حكومية.

    وقامت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بتعزيز مدارس الفرصة الثانية – الجيل الجديد، التي تستهدف الشباب المنقطعين عن الدراسة، إذ توفر التأهيل التربوي والتكوين المهني والمواكبة قصد الإدماج الاجتماعي والمهني.

    وعززت الوزارة هذا البرنامج سنة 2025 عبر توقيع اتفاقيات مع 22 جمعية لتدبير مراكز جديدة لفائدة 1760 مستفيداً.

    وانخرط المغرب أيضا في مشروع “Youth NEET”، بدعم من الاتحاد الأوروبي ومنظمة العمل الدولية، بهدف تطوير نموذج الفرصة الثانية، وتحسين قابلية تشغيل الشباب وتعزيز التنسيق مع الفاعلين الاقتصاديين.

    ومن جهتها، أطلقت وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات برنامج “تدرج”، الذي يعتمد على التكوين داخل المقاولة لفائدة الشباب غير الحاصلين على شهادات، بهدف تمكينهم من اكتساب مهارات عملية تتلاءم مع حاجيات سوق الشغل، إلى جانب برنامج “إدماج غير الحاصلين على شهادات” الذي وسع لأول مرة برامج الإدماج لتشمل هذه الفئة، بعدما كانت موجهة أساسا لحاملي الشهادات.

    أما وزارة الشباب والثقافة والتواصل، فقد ركزت على تنمية المهارات وتعزيز الإدماج الاجتماعي من خلال برنامج “جواز الشباب”، الذي يتيح للشباب الولوج إلى خدمات وفرص في مجالات التكوين والثقافة والتنقل والتشغيل، إضافة إلى البرنامج الوطني للتطوع “متطوع”، الذي يهدف إلى تطوير المهارات الحياتية وتعزيز المشاركة المواطنة، بما يرفع من قابلية الشباب للاندماج الاقتصادي والاجتماعي.

    وتمثل هذه البرامج تحولا مهما لأنها بدأت تتجاوز المقاربة التقليدية التي كانت تربط الإدماج المهني أساسا بالشهادة. فجزء كبير من شباب “NEET” غير حاصل على مؤهلات رسمية أو غادر الدراسة مبكرا وبالتالي كان خارج دائرة الاستفادة من عدد من برامج التشغيل السابقة.

    وفي تعليقه على هذه البرامج، يرى الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، ياسين إيصبويا، أنها تمثل تحولا مهما لأنها بدأت تتجاوز المقاربة التقليدية التي كانت تربط الإدماج المهني بالحصول على شهادة، في حين أن جزءا كبيرا من شباب “NEET” غادروا الدراسة مبكرا أو لا يتوفرون على مؤهلات تعليمية، مما جعلهم خارج دائرة الاستفادة من عدد من برامج التشغيل السابقة.

    ويضيف أن برنامج “تدرج” يقوم على الربط بين التكوين النظري والتعلم داخل المقاولة، بما يسمح للشباب باكتساب كفاءات مهنية من خلال الممارسة، وليس فقط عبر الشهادات. ويبرز في هذا السياق أن وزارة الشباب أطلقت لقاءات جهوية لتنزيل البرنامج في إطار شراكة مع وزارة الإدماج الاقتصادي ووزارة الاقتصاد والمالية، فيما أعلنت الحكومة أن نظام التدرج المهني وفر خلال شهري غشت وشتنبر 2025 نحو 39 ألف فرصة عمل لدى 12 ألف مقاولة.

    أما برنامج “إدماج غير الحاصلين على شهادات”، فيعتبره الباحث خطوة مهمة لأنه يتيح لهذه الفئة اكتساب أول تجربة مهنية داخل المقاولة في إطار مواكبة مهيكلة، وهو ما يعكس اعترافا بأن غياب الشهادة لا يعني غياب الكفاءة أو القدرة على التعلم.

    ويؤكد المتحدث أن مبادرات وزارة الشباب تكتسي بدورها أهمية خاصة، بالنظر إلى القرب الترابي والاجتماعي الذي تتمتع به دور الشباب والمؤسسات التابعة للقطاع، وهو ما يؤهلها للانتقال من مجرد فضاءات للأنشطة التربوية والترفيهية إلى منصات للتوجيه والتكوين الرقمي والمقاولاتية وربط الشباب بفرص التشغيل.

    ويبرز أن برامج الوزارة برسم سنة 2026 تتجه نحو تعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي عبر التكوين، والتشغيل الذاتي، والمقاولاتية، إلى جانب تشجيع المشاركة المواطنة والعمل التطوعي.

    وخلص المتحدث إلى أن نجاح هذه المبادرات، لا يقاس بحجم المستفيدين أو عدد الدورات التكوينية المنجزة، بقدر ما يقاس بقدرتها على إحداث أثر فعلي ومستدام في حياة الشباب، من خلال انتقالهم إلى فرص شغل مستقرة وتحسن أوضاعهم الاجتماعية والمهنية بعد أشهر أو سنة من انتهاء الاستفادة

    ومن جهتها، أفادت كريمة غانم أن نجاح هذه البرامج لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد المستفيدين أو الدورات التكوينية المنجزة، وإنما بمدى قدرتها على تحقيق إدماج مستدام، فالمؤشر الحقيقي، وفقها، يتمثل في قدرة المستفيد على الحصول على عمل لائق، أو مواصلة مسار تكويني تراكمي، أو إنشاء مشروع قابل للاستمرار بعد انتهاء البرنامج.

    وشددت غانم على أهمية تقييم جودة فرص الشغل، ومستوى الاستقرار المهني، ومدى توافق الوظائف مع مؤهلات الشباب وتطلعاتهم، مشيرة إلى أن 14 بالمئة فقط من الباحثين عن شغل المسجلين حديثا لدى أنابيك يستفيدون فعليا من خدماتها، وهو ما دفع الحكومة إلى إطلاق إصلاح شامل للوكالة.

    وتطرح هذه المعطيات، بحسب المتحدثة، سؤالا أكبر حول وضعية شباب “NEET” الذين لا يصلون أصلا إلى خدمات التسجيل.

    دور المجتمع المدني

    يساهم المجتمع المدني في نجاح برامج إدماج شباب “NEET” على تدخل القطاعات الحكومية، بل يظل رهينا أيضا بانخراط مختلف الفاعلين، باعتباره شريكا أساسيا في الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة ومواكبتها نحو مسارات التكوين والإدماج.

    وفي هذا السياق، أكد ياسين إيصبويا أن المجتمع المدني يمتلك قدرة أكبر على الوصول إلى الشباب في أماكن وجودهم وبناء الثقة معهم، خاصة أولئك الذين لا يسجلون في الوكالات العمومية أو لا يعتبرون أنفسهم مؤهلين للاستفادة من البرامج.

    وأضاف أن الجمعيات المحلية يمكن أن تضطلع بأدوار الرصد الميداني، والتوجيه، وتنمية المهارات، وربط الشباب بمؤسسات التكوين والتشغيل، باعتبارها تمثل الجسر الذي ينقلهم من العزلة والإحباط إلى الاستفادة الفعلية من البرامج.

    لكن حتى ينجح هذا الدور ينبغي الانتقال من شراكات ظرفية قائمة على تنظيم أنشطة متفرقة إلى تعاقدات ترابية متعددة السنوات تحدد الفئات المستهدفة والنتائج المنتظرة وآليات التتبع، كما ينبغي تمكين الجمعيات المعتمدة مع احترام حماية المعطيات الشخصية من المساهمة في بناء قواعد بيانات ترابية محدثة حول الشباب المنقطعين أو غير النشطين، وفق المتحدث عينه.

    تحديات التنزيل الفعلي

    تعكس المؤشرات الأخيرة بداية تحسن في وضعية شباب “NEET”، إذ انخفضت نسبتهم من 24.4 سنة 2024 إلى 23.2 سنة 2025، أي بتراجع بلغ 1.2 نقطة مئوية، وهو ما يعادل نحو 1.375 مليون شاب وشابة، لتسجل البرامج الجديدة أولى نتائجها، خاصة بعد توسيع الاستفادة لتشمل الشباب غير الحاصلين على شهادات، في محاولة لتجاوز محدودية المقاربات السابقة.

    ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن التحديات ما تزال قائمة، بالنظر إلى استمرار الهدر المدرسي، وارتفاع نسبة البطالة، وضعف الملاءمة بين التكوين ومتطلبات سوق الشغل، فضلا عن استمرار الفوارق المجالية والنوعية، خصوصا بالنسبة للنساء وسكان العالم القروي.

    لذلك، ترى كريمة غانم أن تعدد المبادرات والجهود لا يمنعنا من تسليط الضوء على تحديات هيكلية تحد من فعاليتها، في مقدمتها استمرار الهدر المدرسي بمعدلات مقلقة، وإشكاليات تتعلق بالتنسيق الناجع بين قطاعات التعليم والتكوين والتشغيل، إضافة إلى محدودية فرص الشغل اللائق، خاصة في بعض الجهات.

    وأضافت غانم، في تصريحها، أن تعدد المبادرات والجهود لا يلغي استمرار تحديات هيكلية، في مقدمتها معدلات الهدر المدرسي، وإشكالية التنسيق بين قطاعات التعليم والتكوين والتشغيل، إضافة إلى محدودية فرص الشغل اللائق، خاصة في بعض الجهات.

    كما تبرز، وفق المتحدثة، أهمية البعد المرتبط بالنوع الاجتماعي، إذ تشير معطيات التقرير المشترك للمندوبية السامية للتخطيط ومنظمة العمل الدولية والاتحاد الأوروبي إلى أن 72 بالمئة من شباب “NEET” في المغرب هم من الإناث، وأن 82 بالمئة من هؤلاء يُصنَّفن ربات بيوت.

    ولا يعكس هذا المعطى مجرد تفاوت إحصائي، بل يكشف عن عوائق هيكلية مرتبطة بصعوبة التوفيق بين المسؤوليات الأسرية والحياة المهنية، واستمرار أنماط ثقافية تحد من المشاركة الاقتصادية للنساء.

    ومن جهته، أشار ياسين إيصبويا، إلى أنه ينبغي قراءة هذا التراجع بنوع من الحذر، فهو مؤشر إيجابي لكنه لا يعني أننا تجاوزنا الطابع البنيوي للظاهرة. فبحسب دراسة للمندوبية السامية للتخطيط، انخفض معدل شباب “NEET” من الفئة العمرية 15 إلى 29 سنة من 35 بالمئة سنة 2017 إلى 33.6 بالمئة سنة 2023، لكنه ارتفع قليلا مقارنة بسنة 2022 التي سجلت 33 بالمئة. وهذا يعني أن جزءا من التحسن ارتبط باستعادة النشاط الاقتصادي بعد الجائحة بينما بقي المعدل شبه مستقر في السنوات الأخيرة. 

    وفي هذا السياق، يوصي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بمقاربة دامجة لمعالجة ظاهرة شباب “NEET” وتسريع إدماجهم الاجتماعي والاقتصادي، تقوم على تعزيز رصد وتتبع أوضاعهم والفئات الهشة من الشباب، واعتماد تدابير وقائية تحول دون وقوعهم في وضعية “NEET”، إلى جانب إرساء منظومة موسعة للاستقبال والتوجيه تراعي اختلاف وضعياتهم.

    كما دعا المجلس إلى الارتقاء بخدمات وبرامج الإدماج من حيث العرض والجودة والفعالية، وتعزيز حكامة هذه البرامج عبر تحقيق التقائية وتكامل التدخلات وضمان التنسيق المستمر بين مختلف الفاعلين المعنيين.

     إدماج شباب NEET.. أولويات السياسات العمومية المقبلة

    وأمام استمرار هذه التحديات، يبرز السؤال حول الأولويات التي ينبغي أن توجه السياسات العمومية خلال المرحلة المقبلة، بما يضمن الانتقال من التدخلات المتفرقة إلى مسارات إدماج أكثر استدامة، تراعي التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، فضلا عن الاختلافات المجالية والاجتماعية داخل فئة شباب NEET.

    وفي هذا الإطار، أكدت كريمة غانم أن المرحلة المقبلة تتطلب نقلة نوعية من منطق البرامج المتفرقة إلى سياسة عمومية مندمجة واستشرافية تضع الشباب في صلب التنمية وتستحضر التحولات التكنولوجية.

    وحددت في هذا السياق خمس أولويات مترابطة، تبدأ بإعادة هندسة منظومة التعليم والتكوين بما يواكب اقتصاد المعرفة، من خلال الحد من الهدر المدرسي، وتعزيز الكفايات الرقمية والمهارات الناعمة، وتحديث التكوين المهني بما يستجيب لحاجيات القطاعات الواعدة، كصناعة السيارات والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والاقتصاد الرقمي.

    وتتمثل الأولوية الثانية في بناء جسور بين التحول الرقمي وإدماج شباب “NEET”، عبر تطوير كفايات رقمية قابلة للتوظيف وضمان وصولها إلى الوسط القروي والمناطق الهشة.

    أما ثالث الأولويات فتتمثل في معالجة البعد الجندري بشكل هيكلي، من خلال معالجة عوائق الرعاية الاجتماعية والحضانة ومرونة ظروف العمل، فيما تتعلق الأولوية الرابعة باعتماد مقاربة ترابية مُكيَّفة لأن التفاوتات بين الجهات تفرض سياسات محلية تراعي النسيج الاقتصادي والاجتماعي لكل جهة، بدلاً من سياسة وطنية موحدة.

    وأضافت غانم، أن الأولوية الخامسة تتجلى في ضرورة بناء منظومة استشرافية لتتبع المستفيدين وقياس أثر البرامج، مؤكدة أن الهدف لا ينبغي أن يكون مجرد إدماج مؤقت يحسن المؤشرات، بل بناء مسارات مهنية واجتماعية مستدامة.

    أما الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، ياسين إيصبويا، فيضع البعد الترابي في صلب الأولويات، معتبرا أن البداية يجب أن تكون من الوقاية من إنتاج أفواج جديدة من شباب “NEET” عبر الحد من الهدر المدرسي، إذ شدد على ضرورة الحذر من إنتاج أفواج جديدة من شباب “NEET” من خلال الحد من الهدر المدرسي وتعزيز مدارس الفرصة الثانية وتطوير منظومة التوجيه الدراسي والمهني، وربطها بحاجيات سوق الشغل ومهن المستقبل.

    وأضاف المتحدث أنه من الضروري إرساء سياسات جهوية للشباب ضمن المخططات الجهوية للتنمية، باعتبار أن الظاهرة تختلف من جهة إلى أخرى ومن الوسط الحضري إلى القروي، بل حتى بين أقاليم الجهة نفسها.

    ولذلك، يدعو إلى إدراج محور خاص بالشباب ضمن هذه المخططات، بأهداف ومؤشرات وميزانيات واضحة، مع إشراك مجالس الجهات والجماعات الترابية والمقاولات والجامعات ومؤسسات التكوين والمجتمع المدني.

    كما اقترح إحداث مرصد جهوي للشباب بكل جهة، لتوفير معطيات دقيقة ومحيّنة تساعد على توجيه البرامج والاستثمارات وفق الحاجيات الفعلية لكل مجال ترابي، إلى جانب الانتقال من البرامج القطاعية إلى سياسة عمومية مندمجة تنسق بين التربية والتكوين والتشغيل والشباب والاستثمار والتضامن.

    ويضيف أن الاستثمار في الاقتصاد الجديد ومهن المستقبل، من خلال توسيع التكوين في المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر والصناعات الثقافية والإبداعية، ينبغي أن يواكبه دعم ريادة الأعمال والمقاولات الشبابية، وتعزيز الشراكة مع المجتمع المدني للوصول إلى الشباب الأكثر هشاشة ومواكبتهم.

     ويخلص إلى أن محاربة ظاهرة “NEET” لا ينبغي أن تعتمد على برامج وطنية موحدة فقط، بل على سياسات ترابية تجعل كل جهة مسؤولة عن إدماج شبابها ضمن رؤية تنموية شاملة، وبمؤشرات قابلة للقياس والمحاسبة.

  • التحول الرقمي.. حصيلة خمس سنوات من إصلاح الإدارة المغربية

    التحول الرقمي.. حصيلة خمس سنوات من إصلاح الإدارة المغربية

    لم يعد التحول الرقمي في المغرب مجرد ورش تقني يرتبط بإطلاق منصات إلكترونية أو رقمنة بعض الوثائق، بل أصبح مدخلا لإعادة بناء علاقة المواطن بالإدارة، وتحسين جاذبية الاقتصاد، ورفع نجاعة المرفق العمومي، وتعزيز قدرة الدولة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي.

    ومنذ سنة 2021، انتقل هذا الورش إلى صدارة الأولويات الحكومية، في سياق كانت فيه الإدارة المغربية تتوفر على مكتسبات رقمية مهمة، لكنها ظلت موزعة بين قطاعات ومؤسسات مختلفة، دون أن تنعكس دائما بالوضوح نفسه على تجربة المرتفق، فقد استمرت شكاوى المواطنين من تعدد الوثائق، وتكرار الإدلاء بالمعطيات نفسها، والتنقل بين الإدارات، في وقت كانت فيه الفوارق الرقمية والمجالية تحد من استفادة مختلف الفئات من الخدمات المتاحة عن بعد.

    وخلال الولاية الحكومية الحالية، أطلقت استراتيجية “المغرب الرقمي 2030″، ووسعت عدد الخدمات والمساطر الرقمية، كما تم تعزيز التشغيل البيني بين الإدارات، إلى جانب الاستثمار في الكفاءات والبنيات التحتية والمقاولات الناشئة والذكاء الاصطناعي.

    وتحققت، وفق معطيات وزارة الانتقال الرقمي، نتائج ملموسة في عدد من الخدمات التي تقلصت آجالها ووثائقها، مقابل استمرار صعوبات مرتبطة بتشتت المنصات، وضعف التكامل بين بعض الأنظمة، واستمرار الجمع بين المسار الرقمي والورقي داخل عدد من الإدارات.

    وتطرح حصيلة السنوات الخمس الأخيرة سؤالا يتجاوز عدد المنصات والمشاريع المعلنة إلى سؤال إلى أي حد نجح المغرب في الانتقال من رقمنة الإجراءات إلى إعادة هندسة الإدارة؟ وهل اقترب فعلا من بناء مرفق عمومي متكامل، آمن ومنصف مجاليا، يخفف الكلفة والزمن عن المواطن، ويجعل من الرقمنة رافعة للثقة والتنمية والسيادة الرقمية؟

    المغرب الرقمي قبل 2021.. مكتسبات بأثر محدود

    عند بداية الولاية الحكومية 2021-2026، لم يكن المغرب ينطلق من نقطة الصفر في مجال التحول الرقمي، فقد سبق للمملكة أن أطلقت عدة استراتيجيات رقمية متعاقبة، من أبرزها “المغرب الرقمي 2013” و”المغرب الرقمي 2020″، كما راكمت تجربة مهمة في تعميم الربط بالإنترنت عبر الشبكات المتنقلة، وأرست ترسانة قانونية وتنظيمية شملت قوانين حماية المعطيات الشخصية والأمن السيبراني وخدمات الثقة الرقمية وتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية.

    وبدورها شهدت بعض القطاعات العمومية خطوات مهمة في مجال الرقمنة، خصوصا في مجالات الضرائب والجمارك والعدالة والحالة المدنية والتعمير، إلى جانب بروز المغرب كفاعل معترف به في قطاع ترحيل الخدمات.

    غير أن هذه المكتسبات لم تكن كافية لإحداث تحول رقمي شامل، إذ ظلت الجهود المبذولة متفرقة وغير قادرة على إرساء منظومة رقمية مندمجة تنعكس بشكل ملموس على علاقة المواطن بالإدارة.

    وأظهر التشخيص الذي أنجزته وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة أن المغرب كان يواجه عددا من التحديات البنيوية، في مقدمتها الخصاص في الكفاءات الرقمية، إذ لم يتجاوز عدد خريجي الشعب والمسارات الرقمية 8000 خريج سنويا، وهو رقم اعتُبر غير كاف لمواكبة الطلب المتزايد على المهارات الرقمية.

    واستمرت، وفق حصيلة الوزارة، الفوارق المجالية في الولوج إلى الخدمات والبنيات التحتية الرقمية، حيث كانت بعض المناطق القروية والجبلية والنائية تعاني من ضعف التغطية بشبكات الاتصال والإنترنت، فضلا عن استمرار التفاوت في الاستفادة من الكفاءات والخدمات الرقمية بين مختلف الجهات والفئات السكانية، الأمر الذي حدّ من تحقيق إدماج رقمي شامل ومتوازن.

    واتسمت رقمنة الإدارة بطابع مجزأ، إذ عملت كل إدارة على تطوير خدماتها الرقمية بشكل منفصل، دون وجود تكامل كاف بين الأنظمة المعلوماتية أو مسارات موحدة تتيح للمواطن إنجاز إجراءاته الإدارية دون الحاجة إلى التنقل أو إعادة الإدلاء بالوثائق نفسها، كما ساهم غياب التنسيق المؤسسي والأجرأة المشتركة بين مختلف الإدارات في إضعاف فعالية هذه المبادرات والحد من أثرها على جودة الخدمات العمومية.

    وفي جانب آخر، كشفت جائحة كوفيد-19 بدورها حدود النموذج الرقمي القائم آنذاك، بعدما أبرز التشخيص الحاجة إلى إدارة أكثر مرونة وقدرة على ضمان استمرارية خدماتها عن بعد، لذلك، لم يكن الرهان المطروح سنة 2021 يتمثل فقط في إطلاق مشاريع رقمية جديدة، بل في الانتقال من منطق المبادرات المتفرقة إلى بناء منظومة رقمية مندمجة ومتماسكة، قادرة على إحداث تحول حقيقي في علاقة المواطن بالإدارة وتحسين جودة الخدمات العمومية.

    نحو تسريع التحول الرقمي وإصلاح الإدارة

    وانطلاقا من حصيلة الوزارة الوصية على القطاع، فقد تركزت الجهود، خلال الفترة الممتدة ما بين 2021 و2026، على إرساء تحول رقمي شامل يجعل من الرقمنة رافعة لتحديث الإدارة وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

    وتمحورت أهداف هذا الإصلاح حول تسريع رقمنة الخدمات العمومية وتحسين جودة المرفق العام، من خلال تبسيط المساطر والإجراءات الإدارية وتقليص عدد الوثائق المطلوبة والتنقل بين الإدارات الذي يثقل كاهل المواطنين.

    واستهدفت الوزارة أيضا تعزيز قابلية التشغيل البيني بين الإدارات العمومية بما يسمح بتبادل المعطيات بشكل آمن وفعال، إلى جانب تقليص الفوارق المجالية والرقمية وضمان ولوج أوسع إلى الخدمات الرقمية لفائدة مختلف الفئات والجهات.

    وشملت هذه الأهداف أيضا تطوير الكفاءات والمهارات الرقمية الوطنية، وتعزيز السيادة الرقمية والأمن السيبراني، وجعل الرقمنة أداة لدعم التنافسية الاقتصادية وجذب الاستثمار.

    وفي الوقت نفسه، سعت الحكومة إلى تهيئة المغرب لمواكبة التحولات المتسارعة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الناشئة، بما يمكنه من التموقع كفاعل رقمي إقليمي قادر على الاستفادة من الفرص التي تتيحها الثورة التكنولوجية الجديدة.

    وفي هذا السياق، يعتبر حسن خرجوج، خبير في الأمن السيبراني والتطور المعلوماتي، أن ورش الانتقال الرقمي شكل أحد أبرز الأوراش التي حققت فيها الحكومة حصيلة إيجابية خلال الولاية الحكومية الحالية.

    وأبرز خرجوج أن تدبير القطاع اتسم بالاستمرارية المؤسساتية بين مرحلة الوزيرة السابقة غيثة مزور والمرحلة الحالية بقيادة الوزيرة أمل الفلاح السغروشني، مشددا على أن هذه الاستمرارية ساهمت في نقل النقاش من مجرد رقمنة بعض الخدمات والوثائق المتفرقة إلى تبني رؤية أكثر شمولا للتحول الرقمي، تشمل الإدارة الرقمية، والهوية الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والمقاولات الناشئة، فضلا عن تعزيز السيادة الرقمية على البيانات.

    من التشخيص إلى الإصلاح

    وأمام محدودية أثر الاستراتيجيات السابقة وتشتت المبادرات الرقمية، تبنت وزارة الانتقال الرقمي، منذ سنة 2021، مقاربة جديدة تقوم على تعزيز التكامل بين الإدارات، وتبسيط المساطر، وتطوير البنيات التحتية والكفاءات الرقمية، وهو ما تُوج بإطلاق الاستراتيجية الوطنية “المغرب الرقمي 2030” باعتبارها الإطار المرجعي للتحول الرقمي بالمملكة.

    هذه الاستراتيجية تجسد الانتقال إلى رؤية شاملة تعتبر الرقمنة رافعة مركزية لتعزيز التنافسية الاقتصادية، وترسيخ السيادة الرقمية، وتوسيع الإدماج الرقمي، وتسريع إصلاح الإدارة وتحديث المرفق العمومي، وفق الحصيلة الوزارية.

    وقد انطلقت الأجرأة العملية لهذه الاستراتيجية ابتداء من شهر نونبر 2024، قبل أن تتعزز ديناميتها بإطلاق خارطة الطريق “المغرب للذكاء الاصطناعي 2030″، ومبادرة “الذكاء الاصطناعي صُنع في المغرب”.

    وحددت الاستراتيجية مجموعة من الأهداف في أفق سنة 2030، من بينها تكوين 100 ألف كفاءة رقمية سنويا، وإحداث 240 ألف منصب شغل مباشر في الاقتصاد الرقمي، ورفع المساهمة الإضافية للقطاع بأكثر من 100 مليار درهم في الناتج الداخلي الخام، إلى جانب تطوير منظومة الشركات الناشئة عبر إحداث 3000 مقاولة ناشئة، فضلا عن توسيع تغطية شبكات الجيل الخامس لتشمل 70 في المئة من السكان، وربط نحو 5.6 ملايين منزل بشبكة الألياف البصرية “FTTH”.

    وفي قراءته لحصيلة الولاية الحكومية الحالية، يعتبر خرجوج أن ورش التحول الرقمي شهد خلال السنوات الأخيرة نفسا استراتيجيا واستمرارية مؤسساتية، مكنت من الانتقال من منطق المبادرات التقنية المتفرقة إلى بناء مشروع وطني ذي أبعاد اقتصادية وإدارية أوسع، إلا أن التحدي الحقيقي في رأيه يتمثل في تحويل هذه الرؤية الاستراتيجية إلى أثر ملموس في حياة المواطنين، من خلال تقليص التعقيدات الإدارية وتحقيق انتقال فعلي نحو إدارة رقمية متكاملة، وليس الاكتفاء بتوسيع عدد المنصات والخدمات الإلكترونية.

    من الرقمنة إلى إعادة هندسة المرفق العمومي

    لتنزيل هذه الرؤية، اعتمدت الوزارة مقاربة نسقية ومندمجة، تجمع بين تحديث الإطار القانوني، من خلال القانون رقم 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، والقانون رقم 04.20 المتعلق بالبطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية، ومشروع القانون المتعلق بالإدارة الرقمية X.0، ومشروع قانون المقاولات الناشئة؛ وبين إرساء حكامة مخصصة، عبر اللجنة الوطنية لقيادة الاستراتيجية الرقمية؛ فضلا عن بناء شراكات عمومية وخاصة مهيكلة مع فاعلين وطنيين ودوليين، مع تنزيل ترابي يغطي الجهات الـ12 للمملكة.

    وعلى مستوى إصلاح الإدارة، تم تسريع رقمنة الخدمات العمومية وتبسيط عدد من المساطر ذات الاستعمال الواسع، فقد توسعت بوابة “إدارتي” لتشمل أكثر من 2458 مسطرة إدارية سنة 2026 تغطي أكثر من 120 إدارة، و600 خدمة رقمية.

    وتم الاستغناء عن الوثائق الورقية في عدد من الخدمات، مثل التسجيل لاجتياز امتحان البكالوريا بصفة مترشح حر، والتسجيل الأولي في المدارس، بفضل تعزيز قابلية التشغيل البيني مع السجل الوطني للسكان.

    كما انتقلت الوزارة، مقارنة بسنة 2021، إلى مستوى أكثر تقدما في مسار الرقمنة، وفق ما تؤكده حصيلة الولاية الحالية، من خلال تعميم منصات رقمية مشتركة، من قبيل مكتب الضبط الرقمي، والحقيبة الإلكترونية للوثائق، ومنصة الشكايات “Chikaya.ma”، والمنصة الوطنية لأخذ المواعيد.

    وانعكست هذه الجهود على عدد من المؤشرات الدولية، إذ تقدم المغرب في مؤشر تطور الحكومة الإلكترونية بـ11 رتبة بين سنتي 2022 و2024، منتقلا من المرتبة 101 إلى المرتبة 90 عالميا، في مؤشر على تسارع وتيرة إصلاح الإدارة ورقمنة الخدمات العمومية.

    أي أثر على المواطن؟

    تشير حصيلة عمل وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة برسم الولاية الحكومية 2021-2026، إلى أن عددا من الخدمات الإدارية أصبح يُنجز اليوم في آجال أقصر وبإجراءات أقل تعقيدا مقارنة بما كان عليه الوضع قبل سنوات.

    ووفق المعطيات التي تحصلت عليها “AM+ MEDIA”، فقد مكنت رقمنة عدد من المساطر من تقليص الوثائق المطلوبة والحد من تنقل المرتفقين بين الإدارات، فيما ساهمت منصات رقمية، من قبيل “إدارتي” و”Chikaya.ma” والمنصة الوطنية لأخذ المواعيد، في تسهيل الولوج إلى الخدمات العمومية وتعزيز التفاعل مع المرفق الإداري.

    ومن بين أبرز الأمثلة على ذلك، رقمنة مسطرة اجتياز امتحان البكالوريا بصفة مترشح حر، حيث تم الاستغناء بشكل كامل عن الوثائق الورقية، مع تقليص مدة معالجة الطلب من يومين إلى حوالي عشر دقائق فقط.

    ومكن إطلاق خدمة التسجيل الأولي بالمدارس من تقليص عدد الوثائق المطلوبة من خمس وثائق إلى صفر وثيقة، والحد من التنقلات الإدارية.

    وامتد هذا التبسيط ليشمل المجال الاقتصادي، إذ تم تقليص الوثائق المطلوبة في عدد من مساطر الاستثمار بنسبة 45 في المئة، مع تنزيل هذه المساطر على مستوى الجهات الـ12 للمملكة عبر منصة “CRI-INVEST”.

    وعملت الوزارة، وفق المصدر ذاته، على الانتقال من رقمنة الخدمات بشكل منفصل إلى تطوير منصات رقمية مشتركة وتعزيز قابلية التشغيل البيني بين الإدارات، بما يسمح بتبادل المعطيات والحد من مطالبة المواطنين بالإدلاء المتكرر بالوثائق نفسها، وهو ما يشكل إحدى الركائز الأساسية للانتقال نحو إدارة أقل اعتمادا على الوثائق الورقية.

    بين رقمنة المساطر وإعادة هندسة الإدارة

    وفي تقييم لأثر هذه الإصلاحات على المواطن، يبرز الطيب هزاز، خبير في الأمن السيبراني، أن الإدارة المغربية حققت خطوة مهمة في مجال رقمنة الخدمات، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة إعادة هندسة الخدمات العمومية بشكل كامل.

    ويرى هزاز أن هناك بعض المساطر ما تزال تعاني مما وصفه بـ”رقمنة التعقيد”، من خلال نقل الإجراءات الورقية إلى منصات رقمية دون تبسيط حقيقي للمساطر أو اعتماد مبدأ “مرة واحدة فقط” في الإدلاء بالمعلومة، مضيفا “على سبيل المثال، ما يزال المواطن في بعض الخدمات مطالبا بإدخال نفس المعطيات في عدة منصات مختلفة، بسبب غياب التكامل بين قواعد البيانات الإدارية”.

    فرغم التقدم المسجل، فإن التحسن في علاقة المواطن بالإدارة لم يبلغ بعد المستوى نفسه في مختلف المرافق العمومية، الأمر الذي يؤكده حسن خرجوج، إذ يشير إلى أن الرقمنة ساهمت في تعزيز ثقة المواطن في الإدارة عندما وفرت خدمات أكثر سرعة ووضوحا، ومكنت المرتفق من تتبع طلباته وخففت من أعباء التنقل والانتظار.

    غير أن هذه الثقة، وفق المصرح عينه، تبقى نسبية، لأن المواطن يقيم نجاح الرقمنة انطلاقاً من تجربته اليومية، وليس بناءً على عدد المنصات التي يتم إطلاقها، فكلما تعددت البوابات الرقمية أو تعطلت الخدمات أو غابت المساعدة التقنية، تحولت الرقمنة من وسيلة للتبسيط إلى مصدر جديد للتعقيد.

    وفي سياق تعزيز شمولية المرفق العمومي، امتدت هذه الإصلاحات لتشمل البعد اللغوي، حيث اتخذت الحكومة خطوات تروم تعزيز ولوج المواطنين الناطقين بالأمازيغية إلى الخدمات العمومية. فقد جرى توسيع حضور اللغة الأمازيغية في خدمات الاستقبال والتوجيه، وفي عدد من المواقع الإلكترونية والفضاءات الإدارية والتواصل المؤسساتي، بما من شأنه أن يسهم في تحسين تجربة المواطن وتيسير فهم المساطر والإجراءات الإدارية، وتعزيز مبدأ المساواة في الولوج إلى الخدمات العمومية.

    هل اقترب المغرب من “صفر ورقة”؟

    تكشف القراءة الشمولية لحصيلة وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة خلال الفترة ما بين 2021 و2026 عن تحول تدريجي في مقاربة الدولة للرقمنة، إذ انتقلت من منطق المبادرات القطاعية المتفرقة إلى بناء منظومة رقمية أكثر تكاملاً تشمل البنيات التحتية، والكفاءات، والإطار القانوني، والإدارة العمومية، والمنظومة المقاولاتية.

    وعلى مستوى الرأسمال البشري، عرف المغرب ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الطلبة المسجلين في التخصصات الرقمية، إلى جانب إحداث مؤسسات تكوينية جديدة متخصصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والرقمنة.

    أما على مستوى البنيات التحتية، فقد شهدت المملكة توسيع تغطية شبكات الاتصال عالية الصبيب، والشروع في نشر الجيل الخامس، فضلاً عن تطوير مراكز المعطيات والحوسبة السحابية وتعزيز منظومة الأمن السيبراني.

    وعلى مستوى الإدارة العمومية، ساهمت رقمنة عدد من المساطر والخدمات في تبسيط الإجراءات الإدارية وتقليص الاعتماد على الوثائق الورقية، فيما أتاح تعزيز قابلية التشغيل البيني بين الإدارات الحد من مطالبة المواطنين بالإدلاء المتكرر بالوثائق نفسها، وهو ما يشكل إحدى الركائز الأساسية للانتقال نحو إدارة رقمية أكثر تكاملاً.

    غير أن بلوغ هدف “صفر ورقة” لا يزال يواجه عدداً من التحديات، إذ يرى الطيب هزاز أن الحديث عن تحقيق هذا الهدف بشكل كامل لا يزال سابقاً لأوانه، مبرزاً أن ما يعيشه المغرب حالياً هو نموذج “الإدارة المزدوجة”، حيث ما تزال الإدارة تجمع بين المساطر الرقمية والورقية في الوقت نفسه.

    ويعزو ذلك إلى تجزؤ الأنظمة المعلوماتية، واستمرار اعتماد بعض الإدارات على الوثائق الورقية لأغراض التحقق القانوني، فضلاً عن مقاومة التغيير داخل بعض الإدارات العمومية.

    خارطة طريق تراهن على المستقبل

    وفي أفق سنة 2030، تراهن المملكة على الانتقال إلى مرحلة التوطيد والتعميم، من خلال استكمال رقمنة الخدمات العمومية، وتوسيع شبكات الجيل الخامس والألياف البصرية، وتكوين 100 ألف كفاءة رقمية سنوياً، وإحداث 240 ألف منصب شغل مباشر في الاقتصاد الرقمي، بما يعزز مكانة التحول الرقمي كرافعة للتنمية الاقتصادية والإدارية.

    وفي تقدير حسن خرجوج، يمتلك المغرب اليوم مؤهلات مهمة لتحقيق أهداف “المغرب الرقمي 2030″، بفضل توفره على كفاءات شابة، وقطاع متطور لترحيل الخدمات، وبنيات تحتية متنامية في مجالات الاتصالات والحوسبة، إلى جانب بروز منظومة من الجامعات والمقاولات الناشئة، فضلاً عن وجود إرادة سياسية واضحة لدفع ورش التحول الرقمي.

    كما أن توجه المغرب نحو تطوير مراكز البيانات السيادية، والحوسبة السحابية، وتوسيع شبكات الألياف البصرية، والاستثمار في تكوين الكفاءات في مجالات الذكاء الاصطناعي، من شأنه أن يعزز هذا المسار خلال السنوات المقبلة، غير أنه يشدد على أن التحدي الحقيقي لا يزال يتمثل في القدرة على الاحتفاظ بالكفاءات الوطنية، وتقليص الفجوة الرقمية بين المدن والقرى، وتعزيز حماية المعطيات الشخصية، وتوحيد المعايير الرقمية بين مختلف الإدارات العمومية.

    وفيما يتعلق بالأولويات التي ينبغي التركيز عليها خلال الفترة 2026-2030، يؤكد أنس أبو الكلام، رئيس مختبر البحث العلمي للتقنية الذكية والمستدامة ورئيس الجمعية المغربية للثقة الرقمية، أن الرهان الأساسي يتمثل أولاً في الاستثمار في العنصر البشري، سواء من خلال تعزيز الوعي الرقمي لدى المواطنين والمرتفقين، أو عبر مواكبة الموظفين والمستخدمين للتطورات المتسارعة المرتبطة بالرقمنة والذكاء الاصطناعي.

    ومن بين الأولويات الأخرى، يبرز المتحدث ضرورة تطوير الكفاءات الرقمية عبر إدماج مهارات الرقمنة والذكاء الاصطناعي في منظومة التعليم والتكوين المستمر، إلى جانب تعزيز الأمن السيبراني والسيادة الرقمية لحماية المعطيات الشخصية والبنيات التحتية الحساسة، من خلال اعتماد استراتيجيات فعالة وتقييم مستمر لمستوى جاهزية الإدارات والمؤسسات.

    ويؤكد أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبيانات والتقنيات الحديثة أصبح ضرورة ملحة لبناء إدارة أكثر استباقية وكفاءة، تقوم على حكامة مسؤولة وأخلاقية لهذه التقنيات.

    ويخلص أبو الكلام إلى أن التحدي خلال السنوات المقبلة لم يعد يقتصر على رقمنة الخدمات، بل يتمثل في بناء إدارة ذكية ومتكاملة وآمنة، يكون أثرها ملموساً في الحياة اليومية للمواطن، وتجعل من الرقمنة رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز الثقة في المرفق العمومي.

  • كيف تحوّلت تداعيات الأزمات إلى فرصة لإعادة بناء سياسات التشغيل بالمغرب؟

    كيف تحوّلت تداعيات الأزمات إلى فرصة لإعادة بناء سياسات التشغيل بالمغرب؟

    يظل ملف التشغيل أحد أكثر الملفات تعقيدا في أي حصيلة حكومية، كونه المجال الذي تختبر فيه السياسات العمومية قدرتها على تحويل النمو الاقتصادي إلى فرص عمل حقيقية.

    وخلال الولاية الحكومية الحالية، وجد المغرب نفسه أمام تحديات غير مسبوقة، فرضتها تداعيات جائحة كورونا، وارتفاع معدلات التضخم، والاضطرابات الجيوسياسية، إلى جانب سنوات الجفاف المتتالية وزلزال الحوز والفيضانات التي ضربت العديد من المدن المغربية، وهي عوامل ألقت بظلالها على دينامية سوق الشغل ورفعت منسوب الانتظارات بشأن قدرة الحكومة على الحد من البطالة وتحفيز الإدماج المهني.

    وفي مواجهة هذه الإكراهات، راهنت وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات على حزمة من البرامج والإصلاحات الرامية إلى تنشيط سوق الشغل، وتعزيز قابلية التشغيل، وتوسيع فرص التكوين والإدماج المهني، مع إيلاء اهتمام خاص بالشباب والنساء.

    سوق شغل هش عند بداية الولاية

    “كانت سنة 2021 من أصعب السنوات التي عرفها سوق الشغل بالمغرب، لأنها جاءت مباشرة بعد جائحة كوفيد-19 التي أدت إلى فقدان عدد كبير من مناصب الشغل، خاصة في قطاعات السياحة والخدمات والتجارة، إلى جانب تتالي سنوات الجفاف التي أثرت بشكل مباشر على التشغيل في القطاع الفلاحي”، يؤكد محمد جدري، الخبير الاقتصادي ومدير المرصد للعمل الحكومي.

    وبالعودة إلى آخر أشهر في الولاية الحكومية السابقة، تكشف معطيات 2021، استنادا إلى مذكرة للمندوبية السامية للتخطيط، أن الحكومة الحالية تسلمت ملف التشغيل في سياق بالغ الصعوبة، كان فيه أكثر من 4.47 ملايين شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة (من أصل 5.9 ملايين شاب) خارج سوق الشغل، أي ما يمثل 76.1 في المئة من هذه الفئة العمرية، بينما لم يكن يشتغل سوى 962 ألف شاب، مقابل 448 ألف شاب عاطل عن العمل.

    ولم يتجاوز معدل نشاط الشباب 23.9 في المئة، مقابل 45.3 في المئة بالنسبة لمجموع السكان، مع تفاوت كبير بين الذكور والإناث، حيث لم يتعد معدل نشاط النساء الشابات 12.1 في المئة.

    وظل ارتفاع معدل البطالة ملحوظا لدى الشباب بين سنتي 2019 و2021 بـ6.9 نقطة مقابل 3.1 نقطة لدى مجموع السكان النشيطين، وبلغ معدل البطالة، على المستوى الوطني، 31.8 بالمئة في صفوف الشباب بين 15 و24 سنة مقابل 13.7 بالمئة بالنسبة للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و44 سنة و 3.8 بالمئة بالنسبة للأشخاص الذين البالغين 45 سنة أو أكثر.

    ولم تكن الأزمة مرتبطة بندرة فرص العمل فقط، بل أيضا بجودة التشغيل، إذ كشفت مذكرة مندوبية التخطيط آن ذاك أن 41.9 في المئة من الشباب المشتغلين يزاولون عملا غير مؤدى عنه، بينما كان أكثر من 73 في المئة من الأجراء الشباب يشتغلون دون عقد عمل، في وقت بلغت فيه بطالة الشباب 31.8 في المئة، وارتفعت إلى أكثر من 61 في المئة في صفوف الحاصلين على شهادات عليا، في مؤشر على ضعف قدرة الاقتصاد على استيعاب الكفاءات.

    بهذا الصدد، يشدد المحلل والخبير الاقتصادي، المهدي فقير، على أن “سنة 2020 كانت سنة كارثية بامتياز للاقتصاد المغربي، بحكم جائحة كورونا وفترة جفاف قاسية استمرت لحوالي 6 سنوات، ما أثر بشكل كبير على استيعاب وامتصاص البطالة”.

    ويرى أن القلاقل التي طبعت تلك الفترة على الصعيد الدولي، كان لها تأثيرات كبيرة على التضخم العالمي، وبالتالي، المغرب لن يشكل الاستثناء بالنسبة للعديد من الدول العالمية التي عانت الأمرين والشيء الكثير جراء هذه الأوضاع غير المستقرة”.

    خارطة طريق جديدة للتشغيل

    بدوه، يؤكد جدري أن الحكومة انطلقت من وضعية استثنائية تتسم بارتفاع البطالة وتراجع النشاط الاقتصادي، ما يجعل تقييم حصيلة قطاع التشغيل مختلفا عن تقييم أي مرحلة سابقة، لأن المطلوب لم يكن فقط خلق فرص عمل جديدة، بل أيضا استعادة جزء مهم من المناصب التي فُقدت خلال الأزمة، وإعادة تحريك سوق الشغل في سياق اقتصادي عالمي اتسم بعدم اليقين.

    وفي مواجهة هذا الواقع، اختارت وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، الانتقال من تدبير برامج متفرقة إلى اعتماد خارطة طريق وطنية للتشغيل، تقوم على تعبئة مختلف القطاعات الحكومية وربط الاستثمار والتكوين والحماية الاجتماعية بهدف خلق فرص الشغل.

    وتؤكد الحصيلة المرحلية لوزارة يونس السكوري أن مختلف التدخلات مكنت من إحداث أكثر من 851 ألف فرصة شغل خلال الولاية الحالية، في وقت سجل فيه الاقتصاد الوطني خلال سنة 2025 وحدها إحداث 193 ألف منصب شغل صاف، منها 249 ألف منصب مأجور، مقابل تراجع عدد المناصب غير المأجورة بـ55 ألف منصب، بما يعكس تحولا تدريجيا نحو التشغيل المنظم.

    كما تراجع معدل التشغيل غير المهيكل خارج القطاع الفلاحي من 36.3 في المئة سنة 2021 إلى 33.1 في المئة سنة 2025، بالتوازي مع ارتفاع عدد الأجراء المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بأكثر من 500 ألف أجير، ليتجاوز أربعة ملايين مصرح بهم لأول مرة.

    غير أن مهدي فقير ينبه إلى أن خلق 851 ألف فرصة عمل يبقى “حديثا فضفاضا”، موضحا أنه “إذا كان الحديث عن خلق فرص شغل قارة ودائمة فهذا ما يسمى فرصة شغل، ولكن إذا كان عرضيا ومؤقتا وليس دائما فلا يمكن اعتباره خلقا لفرص الشغل”، مضيفا “اليوم هناك نقاش حول ماهية الإحصاءات المتعلقة بالتشغيل، وما نقصده بفرصة شغل، والإدماج المهني”.

    وأشار إلى أن المغرب ما يزال قاصرا على خلق سياسات إدماجية في مجال التشغيل، موضحا وجهة نظره بالقول: “نحتاج دائما تدخلا حكوميا هنا وهناك من أجل خلق فرص الإدماج، وهذا ليس أمرا سلبيا، فهذه التوليفة معترف بها ومعتمدة على الصعيد الدولي، وهي ما يمسى ‘FIRST JOB ACT’ ومعتمدة في أمريكا وفرنسا”، لافتا إلى أن “المغرب بإمكانه الإبقاء على هذه التحفيزات في القطاع، لكن يجب إعادة النظر في النموذج الاقتصادي حتى يكون نموذجا دامجا وخالقا لفرص الشغل”.

    الإدماج المهني يقفز بـ45 بالمئة

    وكان برنامج “أوراش” أول تدخل لمواجهة تداعيات الجائحة على التشغيل، حيث استهدف الأشخاص الذين فقدوا مصادر دخلهم، خاصة غير الحاصلين على مؤهلات عالية.

    وأسفر البرنامج عن استفادة 224.371 شخصا، بنسبة إنجاز بلغت 90 في المئة، بينما بلغ غلافه المالي حوالي 4.5 مليارات درهم، مع تخصيص حوالي ثلث المناصب لفائدة النساء.

    أيضا، عملت الوزارة، وفق معطيات تحصلت عليها جريدة “AM+ MEDIA”، على إعادة توجيه برامج التشغيل النشيطة، فقد بلغ مجموع الإدماجات المهنية 694.415 إدماجا، منها 594.981 عبر برنامج “إدماج” و99.434 عبر برنامج “تحفيز”، كما ارتفع عدد الإدماجات السنوية من 112.733 سنة 2021 إلى 163.259 سنة 2025، بزيادة قاربت 45 في المئة.

    وفي المقابل، استفاد 339.893 شخصا من برامج التأهيل، بينما تجاوز عدد المستفيدين من خدمات التوجيه والمواكبة التي تقدمها الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات 1.34 مليون مستفيد.

    ودعمت “وزارة السكوري” التشغيل الذاتي، حيث تمت مواكبة 38.788 مشروعا، وإحداث 11.482 مقاولة صغيرة أو نشاطا مدرا للدخل، أسهمت في توفير 18.370 منصب شغل، فضلا عن استفادة أكثر من 50 ألف شخص من برنامج “انطلاقة”، وإطلاق النسخة الثالثة من برنامج “من أجلك” الذي مكن من مواكبة 1.089 مقاولة نسائية وتكوين 8.099 امرأة.

    مناصب الشغل في قلب دعم الاستثمار

    أحد أبرز التحولات خلال الولاية الحالية، تمثلت في جعل خلق فرص الشغل معيارا أساسيا للاستفادة من الدعم العمومي في إطار الميثاق الجديد للاستثمار، وفق ما يؤكد الخبير الاقتصادي، محمد جدري.

    وأوضح الخبير الاقتصادي أن هذا التوجه يشكل تطورا مهما في السياسة الاستثمارية بالمغرب، لأنه يجعل الدعم العمومي مرتبطا بالأثر الاقتصادي والاجتماعي للمشاريع، وليس فقط بحجم الاستثمارات، لأن ربط التحفيزات بعدد مناصب الشغل التي يلتزم المستثمر بإحداثها يعزز مردودية الإنفاق العمومي ويوجه الاستثمارات نحو تحقيق قيمة مضافة حقيقية للمواطنين.

    وبالعودة إلى الحصيلة المرحلية لوزارة التشغيل، أسفرت المشاريع التي تمت المصادقة عليها عن تعبئة استثمارات بقيمة 586.6 مليار درهم، موزعة على 381 مشروعا، يرتقب أن توفر أكثر من 245.500 منصب شغل، خاصة في قطاعات صناعة السيارات والسياحة والصناعات الغذائية.

    ويعكس هذا التوجه انتقال سياسة الاستثمار من منطق تشجيع الرساميل إلى ربطها مباشرة بالأثر الاجتماعي وخلق فرص العمل، وفق رئيس المرصد للعمل الحكومي، الذي نبه أيضا إلى ضرورة الحفاظ على التوازن، لأن بعض الاستثمارات ذات التكنولوجيا العالية قد لا توفر عددا كبيرا من فرص الشغل، لكنها تساهم في رفع الإنتاجية، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

    التكوين المهني لسد فجوة الكفاءات

    بالتوازي مع برامج التشغيل، توسعت منظومة التكوين المهني، إذ تظهر الحصيلة المرحلية للوزارة ارتفاع عدد مؤسسات التكوين من 668 إلى 792 مؤسسة، بينما ارتفع عدد المتدربين من حوالي 291 ألفا إلى أكثر من 526 ألف متدرب، أي بزيادة بلغت 80 في المئة.

    كما دخلت 10 مدن للمهن والكفاءات حيز الخدمة بطاقة استيعابية تصل إلى 34 ألف مقعد بيداغوجي، واستقبلت حوالي 58.872 متدربا، مع تركيز العرض التكويني على القطاعات الأكثر إحداثا لمناصب الشغل، وفي مقدمتها الصناعة، والتدبير والتجارة، والرقمنة والذكاء الاصطناعي.

    وفي السياق نفسه، تم توسيع التكوين بالتدرج المهني، مع برمجة بلوغ 100 ألف مستفيد سنويا، باعتباره أحد المسارات الموجهة لإدماج الشباب غير الحاصلين على شهادات.

    ويقرأ الخبير الاقتصادي المهدي فقير هذه الأرقام باعتبارها امتدادا لنهج يقوم على ربط سياسات التشغيل بمنظومة التكوين، معتبرا أن المكتب الوطني للتكوين المهني وإنعاش الشغل كان سباقا إلى اعتماد هذا التوجه من خلال تكوينات تستجيب لحاجيات سوق الشغل وتوفر قابلية أكبر للإدماج المهني.

    ويرى أن “مدن الكفاءات” تعزز هذا المسار، باعتبارها مؤسسات تقوم فلسفتها على تكوين الموارد البشرية انطلاقا من الاحتياجات الفعلية للمقاولات والقطاعات الاقتصادية.

    ويضيف أن التدرج المهني يشكل اليوم أحد أبرز الخيارات لامتصاص بطالة الشباب، لما يوفره من تكوينات مواكبة للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية، إلى جانب دعمه للتكوين المستمر باعتباره آلية للحفاظ على استقرار مناصب الشغل.

    لكن فقير يشدد على أن فعالية هذه البرامج تظل رهينة باعتماد مقاربة أشمل، تنسق بين منظومة التكوين الأكاديمي والنموذج الاقتصادي، بما يضمن خلق الثروة وتوفير فرص إدماج مهني مستدامة على المديين المتوسط والطويل.

    بين حصيلة البرامج وتحديات السوق

    ورغم هذه الدينامية، ما تزال الحكومة تواجه تحديات مرتبطة باستمرار ارتفاع البطالة، خصوصا في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وتأثير التغيرات المناخية والظرفية الدولية على قدرة الاقتصاد على خلق مناصب الشغل بالوتيرة المطلوبة.

    ويرى محمد جدري بهذا الصدد أن التقدم المحقق لا يخفي حقيقة التحديات الكبيرة التي تستوجب مواصلة الإصلاحات، في مقدمتها استمرار ارتفاع البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وضعف نسبة مشاركة النساء في سوق الشغل، إضافة إلى استمرار هشاشة التشغيل في العالم القروي.

    وشدد جدري على أن الاقتصاد المغربي يحتاج إلى خلق مناصب شغل ذات إنتاجية وأجور أفضل، وتعزيز ملاءمة التكوين مع حاجيات سوق العمل، وتسريع إخراج المشاريع الاستثمارية إلى حيز التنفيذ حتى تتحول الالتزامات المعلنة إلى فرص شغل فعلية ومستدامة، لافتا إلى أن الرهان أمام الحكومة المقبلة ليس فقط خلق مناصب جديدة، بل تحسين جودة التشغيل وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

  • السكن في المغرب.. إصلاح يُحرِّك السوق وتحوّل في فلسفة الدعم يختبر رهان التملك

    السكن في المغرب.. إصلاح يُحرِّك السوق وتحوّل في فلسفة الدعم يختبر رهان التملك

    بعد سنوات من تحفيز المنعشين العقاريين من خلال الإعفاءات الضريبية وبرامج السكن الاجتماعي، انتقلت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، ابتداء من سنة 2024، إلى نموذج يقوم على تقديم الدعم المالي مباشرة إلى المواطنين الراغبين في اقتناء سكن رئيسي، واضعة بذلك الأسر في صلب السياسة العمومية.

    وجاء اعتماد هذه المقاربة في سياق اتسم بتحديات متعددة واجهت القطاع العقاري خلال السنوات الأخيرة، فقد أسهمت تداعيات جائحة كوفيد-19، إلى جانب موجة التضخم وارتفاع أسعار مواد البناء وكلفة التمويل، في تباطؤ الطلب على السكن وتراجع وتيرة الاستثمار العقاري، بالتزامن مع تآكل القدرة الشرائية للأسر، سيما المنتمية إلى الطبقة المتوسطة، ما أثر في دينامية القطاع عموما.

    وكانت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة قد خلصت، في تشخيصها لوضعية القطاع مع بداية الولاية الحكومية، إلى وجود اختلالات شملت تراجع العرض والطلب، وانتهاء برامج السكن الاجتماعي السابقة، ومحدودية ملاءمة العرض مع حاجيات مختلف الفئات الاجتماعية، فضلا عن استمرار مظاهر السكن غير اللائق وبطء وتيرة معالجتها، وهي عوامل دفعت إلى مراجعة المقاربة المعتمدة والبحث عن آليات جديدة للاستجابة للحاجيات السكنية.

    وفي خارطة الطريق التي وضعتها الوزارة، لم يعد الهدف يقتصر على تشجيع البناء، بل أصبح يشمل تيسير ولوج الأسر إلى السكن، وإنعاش الاستثمار العقاري، وخلق فرص الشغل، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز جاذبية العالم القروي، باعتبار السكن رافعة اقتصادية واجتماعية في آن واحد.

    وبعد مرور أكثر من سنتين على انطلاق البرنامج، بدأت تظهر أولى المؤشرات التي تسمح بقراءة نتائجه، سواء من خلال عدد المستفيدين، أو توزيعهم حسب الفئات الاجتماعية، أو الأثر الذي خلفه على حركة السوق العقارية، وقطاع البناء، والتمويل البنكي، وهو ما يطرح سؤالا أساسيا: هل نجح البرنامج فعلا في تغيير معادلة التملك بالمغرب، أم أن نجاحه لا يزال رهينا بمعالجة تحديات أخرى مرتبطة بالأسعار والتمويل والعرض العقاري؟

    من دعم المنعش إلى دعم الأسر

    لأكثر من عقدين، ارتكزت السياسة السكنية بالمغرب على تحفيز العرض، من خلال تشجيع المنعشين العقاريين على بناء وحدات سكنية “السكن الاقتصادي” موجهة لشرائح معينة، مقابل امتيازات ضريبية وعقارية، ما مكن من إنتاج مئات الآلاف من الوحدات السكنية، لكنها لم تنجح دائما في تحقيق التوازن بين العرض والطلب، خاصة مع تغير الظرفية الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية للأسر.

    ومع نهاية برامج السكن الاجتماعي السابقة، وارتفاع أسعار العقار ومواد البناء، أصبح عدد متزايد من الأسر، وخاصة أفراد الطبقة المتوسطة، يجدون صعوبة في الولوج إلى السكن، رغم توفر العرض في عدد من المدن.

    وأمام هذه المعطيات، اختارت الوزيرة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري تغيير منطق التدخل، عبر الانتقال من دعم المقاولة العقارية إلى دعم المواطن مباشرة، وهو تحول اعتبرته الوزارة جزءا من خارطة طريق جديدة تهدف إلى تعزيز القدرة الشرائية للأسر، خاصة ذوي الدخل المحدود والطبقة المتوسطة، مع إعطاء دفعة جديدة للاستثمار وخلق فرص الشغل.

    ويقوم البرنامج على منح دعم مباشر للمقتنين حسب قيمة السكن، بما يسمح بتقليص المبلغ الذي تتحمله الأسرة عند الاقتناء، وبالتالي تسهيل الولوج إلى التمويل البنكي وتقليص قيمة القروض.

    ولا يقتصر هذا التحول على تغيير طريقة صرف الدعم، بل يعكس تغييرا في تصور الدولة لدورها داخل السوق العقارية؛ فبدل التدخل عبر المنتج، أصبحت تتدخل عبر المستهلك، انطلاقا من فرضية اقتصادية مفادها أن تحفيز الطلب سيؤدي تلقائيا إلى تنشيط العرض، وتحريك الاستثمار، وخلق دورة اقتصادية يستفيد منها قطاع البناء والصناعات المرتبطة به.

    هل نجح البرنامج في رفع قدرة الأسر على التملك؟

    عندما أعلنت الحكومة، بداية سنة 2024، إطلاق برنامج الدعم المباشر للسكن، لم يكن الهدف المعلن يقتصر على إنعاش القطاع العقاري، بل كان يتمثل أساسا في تمكين عدد أكبر من الأسر المغربية من امتلاك سكنها الرئيسي، بعدما أصبحت كلفة الاقتناء تمثل أحد أكبر التحديات أمام الطبقة المتوسطة وذوي الدخل المحدود، فقد أكدت الوزارة، ضمن خارطة الطريق التي وضعتها، أن تعزيز القدرة الشرائية للأسر وتيسير الولوج إلى السكن يشكلان أحد المرتكزات الأساسية للإصلاح الجديد.

    ويقوم البرنامج على منح دعم مالي مباشر بقيمة 100 ألف درهم لاقتناء سكن لا يتجاوز ثمنه 300 ألف درهم، و70 ألف درهم للسكن الذي يتراوح ثمنه بين 300 ألف و700 ألف درهم، وهو ما خفف جزءا مهما من كلفة الاقتناء بالنسبة لآلاف الأسر، وساهم في تقليص قيمة التمويل البنكي المطلوب.               

    وتشير آخر المعطيات الرسمية إلى أن عدد المستفيدين من برنامج الدعم المباشر للسكن بلغ أزيد من 118 ألف مستفيد إلى غاية غشت 2026 من الأسر ذات الدخل المحدود والطبقة المتوسطة، وهو ما يعكس استمرار الإقبال على البرنامج واتساع قاعدة المستفيدين عبر مختلف جهات المملكة.

    وتظهر الأرقام أن الطلب لم يعد يقتصر على المدن الكبرى، بل امتد إلى مختلف جهات المملكة، كما أن فئات عمرية مختلفة أبدت اهتماما بالبرنامج، إذ يشكل الشباب دون الأربعين سنة أكثر من نصف المستفيدين، وهو ما يعكس أن البرنامج استهدف شريحة كانت تجد صعوبة في ولوج سوق العقار بسبب ارتفاع الأسعار وصعوبة الادخار.

    غير أن ارتفاع عدد المستفيدين لا يعني بالضرورة أن معضلة الولوج إلى السكن قد حلت بالكامل، فعدد الطلبات المسجلة يفوق بكثير عدد الملفات التي استفادت فعليا من الدعم، وهو ما يعكس استمرار وجود طلب مرتفع على السكن، لكنه يكشف أيضا عن وجود تحديات مرتبطة باستكمال الملفات، والحصول على التمويل البنكي، واختيار السكن المناسب ضمن السقف المالي المحدد.

    كما أن الدعم المالي، مهما بلغت أهميته، يبقى جزءا من تكلفة الاقتناء، إذ ما تزال الأسرة مطالبة بتغطية الجزء المتبقي من الثمن، وهو ما يجعل الولوج إلى القروض البنكية وأسعار الفائدة ومستوى الدخل عوامل مؤثرة في القرار النهائي بالشراء.

    ويرى عدد من المتابعين أن نجاح البرنامج ينبغي أن يقاس على المدى المتوسط، ليس فقط بعدد المستفيدين، وإنما بقدرته على تحويل الأسر التي كانت خارج سوق العقار إلى ملاك فعليين، مع الحفاظ على استقرار الأسعار وتوفير عرض سكني كاف يستجيب للطلب المتزايد.

    هل حقق البرنامج الهدف الذي أطلق من أجله؟

    شكلت الطبقة المتوسطة إحدى أكثر الفئات التي راهنت عليها الحكومة عند إطلاق برنامج الدعم المباشر للسكن، كونها كانت لسنوات خارج دائرة الاستفادة من عدد من برامج السكن الاجتماعي، وفي الوقت نفسه لم تكن قادرة على تحمل الارتفاع المتواصل في أسعار العقار أو كلفة التمويل البنكي.

    ولهذا، صممت الحكومة البرنامج بشكل يسمح باستفادة الأسر الراغبة في اقتناء سكن يصل ثمنه إلى 700 ألف درهم، وهو سقف يستهدف أساسا جزءا كبيرا من الطبقة المتوسطة، التي تبحث عن سكن بمواصفات أفضل وفي أحياء أكثر تجهيزا.

    وتؤكد المعطيات الرسمية أن 60 في المئة من المستفيدين ينتمون إلى الطبقة المتوسطة، وهو ما تعتبره الوزارة مؤشرا على أن البرنامج نجح في الوصول إلى الفئة التي كانت تواجه أكبر صعوبة في الولوج إلى التملك.

    غير أن خبراء الاقتصاد يعتبرون أن نجاح البرنامج بالنسبة إلى هذه الفئة لا ينبغي أن يقاس فقط بنسبة المستفيدين، بل أيضا بمدى قدرتها على تحمل الأقساط الشهرية للقروض في ظل استمرار ارتفاع أسعار بعض العقارات، وتكاليف المعيشة، والفوائد البنكية، خاصة بالنسبة للأسر الشابة التي توجد في بداية مسارها المهني.

    كما يطرح ارتفاع الطلب على السكن تحديا آخر يتعلق بضرورة مواكبة العرض العقاري لهذا الإقبال، حتى لا يؤدي ارتفاع الطلب إلى الضغط على الأسعار، وهو ما قد يقلص جزءا من الأثر الإيجابي للدعم.

    وفي المقابل، يرى منعشون عقاريون أن وجود دعم مباشر موجه للمواطن خلق وضوحا أكبر داخل السوق، وشجع المستثمرين على إطلاق مشاريع جديدة، بعدما أصبح الطلب أكثر استقرارا مقارنة بالسنوات السابقة.

    ويؤكد متابعون أن قدرة البرنامج على الحفاظ على هذا الزخم ستظل رهينة باستمرار توازن العلاقة بين الدعم العمومي، وأسعار العقار، وكلفة التمويل، حتى لا يتحول ارتفاع الطلب إلى عامل يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وهو ما قد يحد من أثر البرنامج بالنسبة للطبقة المتوسطة.

    استفادة النساء.. هل تغيّرت خريطة التملك؟

    وإذا كانت السياسات السكنية السابقة تقاس في الغالب بعدد الوحدات السكنية التي يتم إنجازها، فإن البرنامج الجديد أضاف مؤشرا آخر لا يقل أهمية، يتعلق بهوية المستفيدين من الدعم، فإلى جانب استهداف الأسر ذات الدخل المحدود والطبقة المتوسطة، أتاح البرنامج إمكانية قياس مدى استفادة النساء والشباب ومغاربة العالم من حق التملك، باعتباره أحد المؤشرات المرتبطة بالإدماج الاقتصادي والاجتماعي.

    وتظهر المعطيات الرسمية التي تحصلت عليه “AM+ MEDIA” من وزارة إعداد التراب الوطنب أن النساء يمثلن 47.5 في المئة من مجموع المستفيدين من برنامج الدعم المباشر للسكن إلى غاية 7 ماي 2026، وهي نسبة تعتبرها الحكومة مؤشرا على اتساع قاعدة الولوج إلى التملك مقارنة بالبرامج السابقة، التي كانت ترتبط في الغالب بالأسرة كوحدة اجتماعية دون إبراز توزيع المستفيدين حسب الجنس.

    ولا تعني هذه النسبة بالضرورة أن جميع المستفيدات اقتنين مساكن بشكل فردي، إذ إن جزءا من الطلبات يقدم باسم أحد الزوجين، غير أنها تعكس حضورا متزايدا للمرأة داخل سوق العقار، سواء باعتبارها المقتنية الرئيسية أو شريكة في عملية الاقتناء.

    ويرى متابعون أن هذا المعطى يرتبط بعدة عوامل، من بينها ارتفاع نسبة النساء المشتغلات، وتوسع ولوجهن إلى التمويل البنكي، إضافة إلى اعتماد البرنامج على معايير موضوعية للاستفادة، بعيدا عن أي تمييز مرتبط بالجنس أو الوضعية الاجتماعية.

    كما ينسجم هذا التوجه مع المقاربة الحكومية الرامية إلى تعزيز الإدماج الاقتصادي، باعتبار أن امتلاك السكن لا يمثل فقط استقرارا اجتماعيا، بل يشكل أيضا أحد أشكال بناء الثروة الأسرية وتعزيز الاستقلالية المالية.

    ومع ذلك، يرى خبراء أن رفع نسبة استفادة النساء بشكل أكبر يظل رهينا باستمرار تحسين ولوج المرأة إلى سوق الشغل، ورفع دخلها، وتوسيع استفادتها من التمويل، لأن الدعم المالي وحده لا يكفي إذا لم يكن مقرونا بقدرة فعلية على تحمل باقي كلفة الاقتناء.

    هل نجح البرنامج في تقليص الفوارق المجالية؟

    منذ انطلاق الحوار الوطني حول التعمير والإسكان سنة 2022، وضعت الوزارة تقليص الفوارق المجالية في صلب الإصلاح الجديد، معتبرة أن الولوج إلى السكن لا ينبغي أن يبقى رهينا بالمدن الكبرى، بل يجب أن يشمل أيضا العالم القروي والمناطق الجبلية، التي تعاني في كثير من الأحيان من ضعف العرض السكني، وقلة الاستثمار، وصعوبة الولوج إلى التمويل. وقد جعلت خارطة الطريق من دعم العالم القروي وتعزيز جاذبيته الاقتصادية أحد أهدافها الاستراتيجية.

    كما أبرز التشخيص الذي أعدته الوزارة قبل إطلاق الإصلاح وجود اختلالات خاصة بالمجال القروي، من بينها ضعف التخطيط، والفوارق الاجتماعية والمجالية، وندرة فرص الشغل، وهو ما انعكس على جاذبية الاستثمار والسكن بهذه المناطق.

    ورغم أن البرنامج مفتوح أمام جميع جهات المملكة، فإن الاستفادة منه تختلف بحسب طبيعة العرض العقاري. ففي المدن الكبرى، يجد المواطن خيارات أكثر تنوعا، سواء من حيث عدد المشاريع أو أنواع السكن، بينما يظل العرض محدودا في عدد من الجماعات القروية والمراكز الصاعدة، وهو ما يجعل الاستفادة مرتبطة أيضا بقدرة السوق المحلية على توفير مساكن تستجيب لشروط البرنامج.

    ولهذا، تؤكد الوزارة أن نجاح السياسة السكنية لا يقتصر على تقديم الدعم المالي، بل يرتبط أيضا بإعداد التراب، وتسريع وثائق التعمير، وتحسين جاذبية المراكز القروية، وتشجيع الاستثمار بها، حتى يصبح العرض السكني متوفرا خارج المحاور الحضرية الكبرى. وقد تضمنت خارطة الطريق إجراءات لتطوير المراكز القروية الصاعدة، وإحداث أقطاب متخصصة بالعالم القروي، وتسريع وثائق التعمير، وتبسيط المساطر لفائدة الاستثمار.

    ويعتبر متابعون أن نجاح البرنامج في تحقيق العدالة المجالية سيقاس خلال السنوات المقبلة بمدى قدرته على تشجيع المنعشين العقاريين على الاستثمار خارج المدن الكبرى، وبمدى توفر البنيات التحتية والخدمات الأساسية التي تجعل السكن في العالم القروي خيارا اقتصاديا واجتماعيا مستداما، وليس مجرد استفادة من دعم مالي.

    لماذا انخرط المنعشون في البرنامج الحالي بينما تعثر برنامج 2019؟

    تكشف حصيلة وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة عن تفاوت واضح بين نتائج برنامج الدعم المباشر للسكن والبرنامج السابق الموجه إلى السكن الاجتماعي بالعالم القروي.

    فقد انطلق برنامج السكن الاجتماعي بالقرى سنة 2019 على أساس إبرام اتفاقيات مع المنعشين العقاريين لإنجاز مساكن اجتماعية بالمجال القروي، إذ بلغ عدد الاتفاقيات الموقعة 13 اتفاقية، تستهدف بناء 6852 وحدة، غير أن المنجز لم يتجاوز 1347 وحدة إلى غاية مارس 2025، ما دفع الوزارة إلى الإقرار بأن البرنامج لم يحقق الأهداف المنتظرة ولم يعرف انخراطا كافيا للمنعشين.

    أما البرنامج الحالي، فيقوم على تقديم الإعانة مباشرة إلى الأسر المؤهلة، بدل ربطها بمشاريع عقارية متعاقد بشأنها مسبقا، وتبلغ قيمة الدعم 100 ألف درهم بالنسبة إلى السكن الذي لا يتجاوز ثمنه 300 ألف درهم، و70 ألف درهم بالنسبة إلى السكن الذي يتراوح سعره بين 300 ألف و700 ألف درهم.

    وساهم هذا التحول في توفير طلب ممول جزئيا داخل السوق، بعدما أصبح المستفيد يتوفر على مساهمة من الدولة في ثمن المسكن، وهو ما شجع المنعشين والمقاولات الصغرى على عرض وحدات منسجمة مع الشروط المالية للبرنامج.

    ويؤكد عمر رحال، منعش عقاري بدوار قصبة الطاهر، في تصريح لمنصة “AM+ MEDIA”  إن تحويل الدعم مباشرة إلى المقتني أحدث تغييرا مهما في السوق العقارية، لأنه جعل المستفيد هو من يختار المشروع الذي يناسب احتياجاته، بدل أن يكون الدعم مرتبطا بمنتج عقاري معين، مضيفا أن هذا التحول أعاد الثقة إلى عدد من الأسر، وساهم في تحريك الطلب، كما دفع المنعشين العقاريين إلى تحسين جودة المشاريع والأسعار والخدمات من أجل استقطاب الزبناء.

    وأوضح أن الطلب أصبح اليوم أكثر وضوحا بالنسبة إلى المستثمرين مقارنة بالسنوات الماضية، إذ بات المنعش العقاري يمتلك رؤية أفضل للفئات المستهدفة وقيمة الدعم الذي تستفيد منه، وهو ما يساعد على برمجة المشاريع واتخاذ قرارات الاستثمار بثقة أكبر، كما أن ارتفاع عدد الراغبين في الاستفادة من البرنامج منح الفاعلين في القطاع مؤشرات أوضح حول احتياجات السوق، خاصة في المدن التي تعرف طلبًا متزايدًا على السكن.

    وفي المقابل، أشار رحال إلى أن إنجاز مشاريع سكنية في المجال القروي ما يزال يواجه عددا من التحديات، في مقدمتها ضعف التجهيزات الأساسية في بعض المناطق، وتعقيد المساطر المرتبطة بالتعمير والعقار، إضافة إلى محدودية الطلب مقارنة بالمجال الحضري، وهو ما يقلص الجدوى الاقتصادية للمشاريع العقارية، معتبرا أن تشجيع الاستثمار في العالم القروي يقتضي مواكبة إضافية من خلال تحسين البنيات التحتية، وتبسيط المساطر الإدارية، وإقرار تحفيزات خاصة تراعي خصوصية هذه المناطق، بما يساهم في تحقيق تنمية عمرانية أكثر توازنا.

    دعم السكن ينعش معاملات العقار والبناء

    إلى جانب البعد الاجتماعي، قدمت الحكومة برنامج الدعم المباشر للسكن باعتباره آلية لإنعاش قطاع العقار، وتحريك الاستثمار، وإشراك المقاولات الصغرى والمتوسطة، ودعم فرص الشغل في البناء والأنشطة المرتبطة به.

    وإلى غاية 3 يونيو 2026، صرح أديب بنبراهيم، كاتب الدولة المكلف بالإسكان، بمجلس المستشارين، بأن القيمة الإجمالية للمساكن المقتناة تجاوزت 43.19 مليار درهم، مقابل مساهمة للدولة بلغت نحو 8.6 مليارات درهم في شكل دعم مباشر، أي ما يمثل حوالي 20 في المئة من القيمة الإجمالية للاستثمارات المنجزة.

    وساهم البرنامج، إلى جانب برامج السكن الاجتماعي والسكن منخفض التكلفة، في توفير ما مجموعه 99 ألفاً و140 وحدة سكنية مدعمة إلى غاية متم سنة 2025.

    وتزامن تنفيذ البرنامج مع تحسن عدد من مؤشرات القطاع، إذ سجلت مبيعات الإسمنت ارتفاعا بنسبة 7 في المئة، وزاد عدد المعاملات العقارية بنسبة 12.1 في المائة، فيما ارتفعت مبيعات العقارات السكنية بنسبة 11.1 في المئة، ومبيعات الأراضي الحضرية بنسبة 25.6 في المئة.

    كما ارتفعت قروض السكن بنسبة 1.49 في المئة، والقروض الموجهة إلى المنعشين العقاريين بنسبة 5.57 في المئة، وفق الفترات المرجعية الواردة في العرض الوزاري.

    وتعكس هذه المؤشرات استعادة القطاع جزءا من ديناميته، غير أن قياس الأثر المباشر للبرنامج يحتاج إلى التمييز بين المساكن الجديدة والمساكن الجاهزة التي جرى تداولها داخل السوق، وبين أثر الدعم وبقية العوامل المؤثرة في العقار والبناء.

    وبينما تظهر الأرقام تحسنا في معاملات العقار، وارتفاعا في مبيعات الإسمنت، وانتعاشا في القروض السكنية، يظل تقييم الأثر الاقتصادي الحقيقي للبرنامج مرتبطا بمدى قدرته على تحويل هذا التحسن الظرفي إلى دينامية استثمارية مستدامة.

    وفي هذا الإطار، يرى بدر الزاهر الأزرق، المحلل الاقتصادي، أن المؤشرات الحالية تعكس عودة الثقة تدريجيا إلى السوق العقارية، لكنها تستدعي قراءة متأنية لتمييز ما هو ناتج عن برنامج الدعم وما يرتبط بعوامل اقتصادية أخرى.

    ويؤكد أن ارتفاع مبيعات الإسمنت والمعاملات العقارية يشير إلى تحسن النشاط داخل القطاع، لكنه لا يعني بالضرورة أن جميع العمليات ترتبط بإنتاج مساكن جديدة، إذ إن جزءا مهما من هذا النشاط يعود إلى تسويق المخزون السكني الجاهز الذي ظل ينتظر الطلب خلال السنوات الماضية.

    ويضيف أن الدعم المباشر للمقتنين نجح في تحريك هذا الطلب الكامن، وهو ما انعكس على وتيرة البيع واستعادة السوق جزءاً من حيويتها، قبل أن تبدأ آثاره تدريجياً في تشجيع المنعشين على إطلاق مشاريع جديدة استجابة لتحسن مؤشرات السوق.

    ويشير إلى أن البرنامج لم يؤثر فقط على حركة البيع والشراء، بل امتد أثره إلى القطاع البنكي، حيث ساهم في رفع الطلب على القروض السكنية من خلال تعزيز القدرة الشرائية للأسر المستفيدة وتقليص حجم التمويل الذي تحتاج إليه لإتمام عملية الاقتناء. كما استفاد المنعشون العقاريون بصورة غير مباشرة من تحسن وتيرة التسويق، وهو ما عزز ثقة المؤسسات البنكية في تمويل مشاريع جديدة، لأن انخفاض مخاطر التسويق ينعكس إيجاباً على قرارات الاستثمار والتمويل.

    ويرى بدر أن الحفاظ على هذه الدينامية يظل رهيناً باستمرار وضوح البرنامج واستقراره، مع توفير عرض سكني كافٍ يستجيب للطلب المتزايد، وتسريع المساطر الإدارية، وضمان توفر العقار المجهز، إلى جانب الحفاظ على توازن الأسعار حتى لا يتحول ارتفاع الطلب إلى عامل لزيادة أثمنة السكن. ويخلص إلى أن نجاح البرنامج على المدى المتوسط سيقاس بقدرته على الانتقال من تحريك السوق إلى توسيع الإنتاج السكني وخلق استثمارات جديدة وفرص شغل مستدامة، بما يعزز مساهمة قطاع البناء والعقار في النمو الاقتصادي.

  • “البام” يقتحم “الملعب الصعب” بسبع نساء في صدارة اللوائح المحلية لأول مرة في تاريخ الانتخابات المغربية

    “البام” يقتحم “الملعب الصعب” بسبع نساء في صدارة اللوائح المحلية لأول مرة في تاريخ الانتخابات المغربية

    في السياسة المغربية، هناك قاعدة غير مكتوبة يعرفها كل من مرّ بتجربة انتخابية محلية  تفيد بأن الدوائر المحلية هي “الملعب الصعب”، ففيها يُقاس الوزن الانتخابي الحقيقي للمرشح، بعيدا عن الحماية التي توفرها اللوائح الجهوية المخصصة حصريا للنساء، وفيها تاريخيا، ظل حضور المرأة المغربية استثناء لا قاعدة.

    فجأة، ومع اقتراب 23 شتنبر، موعد الاستحقاق الانتخابي المقبل وجد المشهد الحزبي نفسه أمام معطى يصعب تجاوزه، حزب واحد هو الأصالة والمعاصرة يدفع بسبع نساء لقيادة سبع معارك انتخابية محلية متزامنة، من الخميسات إلى ورزازات، ومن الدار البيضاء إلى تارودانت، وسؤال يفرض نفسه بقوة هل نحن أمام تحول فعلي في قواعد اللعبة السياسية بالمغرب؟

    الوجوه السبعة.. مزيج من الخبرة المؤسسية والصعود الميداني

    القائمة التي حسمها الحزب وأكدها أشغال مجلسه الوطني اليوم السبت من سلا، لا تبدو نتاج صدفة أو ملء فراغ، بل تعكس هندسة مدروسة تُوازن بين ثقل السلطة التنفيذية والمحلية، والخبرة البرلمانية المتراكمة وبين الوجوه الصاعدة حديثا.

    في قلب هذه اللائحة، تقف فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية للحزب وعمدة مراكش، ووزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وهي تتصدر مجددا دائرة العاصمة الحمراء سيدي يوسف بن علي، المعقل الذي تدافع عنه منذ أول تجربة انتخابية لها سنة 2009، وفازت به مرتين متتاليتين في 2016 و2021 .

    ليست مصادفة أن يكون اسمها هو نفسه المرشح بقوة لرئاسة الحكومة في حال حصوله على الأغلبية، في سابقة لم يعرفها الحزب من قبل حين تختار قائدة الحزب ومنسقة قيادته الجماعية أن تخوض معركتها الشخصية من “الملعب الصعب”، بدل أن تتموضع في مكان مضمون ومُعبّد، فيما الرسالة السياسية تتجاوز مراكش لتصل إلى كل الدوائر الأخرى ومفادها أن القيادة لا تطلب من غيرها ما لا تفعله هي نفسها.

    إلى جانبها، نجوى ككوس رئيسة المجلس الوطني للحزب، الحاصلة على شهادة الأهلية لمهنة المحاماة والباحثة في سلك الدكتوراه في القانون الدولي، والتي كانت في 2021 وجه الحزب في اللائحة الجهوية النسائية بالدار البيضاء، تنتقل هذه الدورة لتخوض معركة مفتوحة في دائرة أنفا بالدار البيضاء، القلب الاقتصادي للمملكة.

    أما منال باديل رئيسة جماعة برشيد، فتجسد نموذجا مختلفا هو الانتقال من التسيير المحلي التنفيذي إلى المنافسة التشريعية المباشرة في الرقعة الجغرافية نفسها التي بنت فيها شرعيتها الانتخابية.

    بشرى الوردي، رئيسة المجلس الإقليمي للخميسات، هي أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ الإقليم، وقدمت نموذجا لافتا آخر في الانتقال الحزبي نفسه، فبعد أن بنت مسارها السياسي داخل التجمع الوطني للأحرار، اختارت الالتحاق بـ”البام” في يونيو الماضي، لتصبح وكيلة لائحته في دائرة تيفلت الرماني، وبالتالي فإن التحاقها لم يكن مجرد تعزيز عددي بل استقطاب لرأس مال سياسي ميداني جاهز.

    في الشمال، تعيد زينب سيمو النائبة البرلمانية الحالية عن دائرة العرائش، والتي راكمت حضورا ميدانيا لافتا طوال الولاية 2021-2026 مع “الأحرار”، تجديد رهانها على الدائرة نفسها معتمدة هذه المرة على حصيلة عمل برلماني ملموس بدل الوعود.

    وفي تصريح لـ”AM+ MEDIA”، أكدت سيمو أن قرار الترشح مجددا بلون “البام” نابع من “إحساس كبير بالمسؤولية” تجاه ساكنة العرائش، مشيرة إلى أن هموم المواطنين وتطلعاتهم كانت حاضرة في عملها البرلماني طوال الولاية الماضية، وأنها تطمح إلى مواصلة الترافع عنها والدفاع عنها داخل المؤسسة التشريعية.

    وأضافت أن العمل الميداني ظل بالنسبة إليها جزءا أساسيا من الممارسة السياسية، معتبرة أن القرب من المواطنين والاستماع إليهم يشكلان المدخل الحقيقي لتشخيص انتظاراتهم ونقلها إلى البرلمان.

    واعتبرت أن انضمامها إلى حزب الأصالة والمعاصرة جاء انطلاقا من قناعة بمشروعه السياسي وقيمه، واصفة الحزب بأنه “الدار الكبيرة” تقوم على العمل الجماعي وخدمة المواطن، مؤكدة أن المرحلة المقبلة تفرض مواصلة الاشتغال بنفس القرب والمسؤولية، بما يستجيب لتطلعات ساكنة الإقليم ويعزز الثقة في العمل السياسي.

    وفي الجنوب الشرقي والجنوب، تبرز حكايتان مغايرتان لكل من إيمان لموي وحنان الماسي، وكلتاهما وصلتا إلى البرلمان في 2021 عبر اللائحة الجهوية المخصصة للنساء بجهتي درعة تافيلالت وسوس ماسة على التوالي، إذ تنتقلان الآن لقيادة معركتين محليتين مفتوحتين في كل من ورزازات وتارودانت الجنوبية وهذا الانتقال بالضبط هو ما يفتح الباب لفهم المنطق الأعمق الذي يحكم هذا الرهان الحزبي.

    وأكدت إيمان لموي، أن ترشحها يأتي من قناعة بأن المرحلة المقبلة تتطلب حضورا ميدانيا أقوى، وإصغاء أكبر لانتظارات المواطنين، معتبرة أن الترافع عن قضايا الإقليم يفرض عملا مستمرا يتجاوز الفترات الانتخابية.

    وقالت لموي في تصريح لـ”AM+ MEDIA”، ورزازات تمتلك مؤهلات كبيرة لكن طموح ساكنتها أكبر، لذلك نطمح إلى أن يكون صوت الإقليم حاضرا بقوة داخل البرلمان وأن نواصل الدفاع عن الملفات ذات الأولوية، سواء تعلق الأمر بالتشغيل أو الاستثمار أو الخدمات الأساسية أو تثمين المؤهلات الاقتصادية والسياحية والثقافية التي تزخر بها المنطقة.

    وأضافت أن حزب الأصالة والمعاصرة يوفر فضاء للعمل الجاد والمسؤول، مؤكدة أن الرهان اليوم هو تعزيز الثقة في العمل السياسي عبر القرب من المواطنين، والإنصات لانشغالاتهم، وتحويل انتظاراتهم إلى مبادرات ومرافعات داخل المؤسسة التشريعية.

    من “الجهوية” إلى “المحلية”.. متى تتحول “الكوطا” إلى منصة إقلاع؟

    في تصريح يستحق التوقف عنده مليا، لخّص سمير كودار عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة ورئيس قطب التنظيم، فلسفة هذا التوجه بجملة دقيقة، مفادها أن “البام” “من الأحزاب القليلة التي ستقدم سبع مرشحات في سبع دوائر محلية”، مضيفا أن “البام” أيضا من “الأحزاب النادرة” التي دفعت بثلاث من نائباته المنتخبات في 2021 عبر اللوائح الجهوية إلى اللوائح المحلية، بعد الخبرة التشريعية التي تراكمت لديهن خلال الولاية 2021-2026 “.

    هذا التصريح، حمل في جوهره اعترافا سياسيا صريحا بأن اللوائح الجهوية النسائية كما صُممت أصلا كانت تعمل كـ”جزيرة معزولة” داخل الخريطة الانتخابية تضمن للمرأة في أحسن الأحوال مقعدا برلمانيا، لكنها في الآن نفسه تحصرها في مسار مواز لا يتقاطع مع المنافسة “الحقيقية” التي تُخاض في الدوائر المحلية.

    بمعنى آخر، كانت الكوطا الجهوية أشبه بسقف حماية وسقف تحجيم في الوقت ذاته، وما تقوله تجربة “البام” الحالية هو أن هذا السقف بدأ يتصدع، فالخبرة التي اكتسبتها إيمان لموي وحنان الماسي ونجوى ككوس داخل قبة البرلمان تحولت في حساب الحزب إلى “رصيد انتخابي” قابل للاستثمار مباشرة في مواجهة مرشحين رجال أقوياء على أرضهم، وبالتالي اللائحة الجهوية إذن لم تعد بالنسبة لهؤلاء النساء محطة نهاية المسار، بل محطة انطلاق نحو “الملعب الأصعب”.

    الاختبار الحقيقي.. ماذا يقول تاريخ الانتخابات المغربية؟

    لكن الخطاب السياسي وحده لا يكفي لقياس حجم هذا التحول، إذ لم يسبق لأي حزب مغربي أن قدّم سبع نساء في اللوائح المحلية، وهذا يعني أننا أمام رقم غير مسبوق ولأسباب متعددة تتقاطع فيها ثلاثة مستويات من القراءة.

    المستوى الأول، سجله “البام” بنفسه في الاستحقاق السابق لسنة 2021، حيث كان الحزب هو نفسه الأوفر حظا من بين كل الأحزاب المغربية في هذا الباب، بفضل تقديمه أربع نساء وكيلات لوائح محلية هن على التوالي فاطمة الزهراء المنصوري، وفاطمة الزهراء بنطالب، وأسماء الشعبي، وخديجة حجوبي، وهو ما جعله يوصف حينها بـ”الحزب الوحيد الذي رشح أربع نساء وكيلات للوائح الانتخابية”، والرقم الحالي سبع نساء، لا يمثل تحسنا تدريجيا بل قفزة تقارب الضعف مقارنة بأفضل أداء عرفه أي حزب مغربي في الانتخابات الأخيرة، بما فيها الحزب نفسه.

    المستوى الثاني، هو السياق الوطني العام وهو الأكثر كشفا للحجم الحقيقي لهذا الرقم، فمن بين نحو 1472 لائحة محلية تنافست عليها كل الأحزاب مجتمعة في انتخابات 2021 لمجلس النواب، لم تتصدر النساء كوكيلات لوائح إلا 97 فقط، أي أقل من 7 في المئة من الإجمالي الوطني.

     وحين ننتقل من الترشيحات إلى النتائج الفعلية تصبح الصورة أكثر قسوة، فعدد النساء اللواتي وصلن فعليا إلى قبة البرلمان عبر اللوائح المحلية لم يتجاوز 9 أو 10 نساء في انتخابات 2016، مع تراجع إلى ستّ نساء فقط في 2021، عبر كل الأحزاب المتنافسة مجتمعة على المستوى الوطني بأكمله.

    والمفارقة الصادمة هنا أن أربعة من هؤلاء الست كنّ بالفعل من “البام” وحده، وهن بديعة الفيلالي، وخديجة حجوبي، وفاطمة الزهراء المنصوري، وفاطمة الزهراء بنطالب بينما اقتسمت “التقدم والاشتراكية” و”الاستقلال” المقعدين المتبقيين، أي بعبارة أخرى الحزب لم يكن يهيمن فقط على “من ترشح”، بل على “من فزن” أيضا قبل أن يضاعف رهانه اليوم بأربعة أسماء إضافية.

    المستوى الثالث، هو المرآة المقارنة مع منافسي 2026 أنفسهم،  فبينما يدفع “البام” بسبع نساء لقيادة لوائح محلية، لم يتجاوز حزب التجمع الوطني للأحرار الحزب الأول في الحكومة الحالية من حيث عدد المقاعد، أربع دوائر محلية للنساء من أصل 89 دائرة حُسمت ترشيحاتها، وهو نفس السقف الذي لم يتخطاه حزب العدالة والتنمية ضمن 91 دائرة، بينما اقتصر حزب التقدم والاشتراكية على الإعلان عن قائمة أولية تضم 6 نساء بشكل عام، دون تخصيص واضح لعددهن ضمن اللوائح المحلية تحديدا،  وبالتالي المشهد إذن ليس فقط أن “البام” يتفوق على نسخته السابقة من نفسه بل يتفوق أيضا بفارق واضح عن أقوى منافسيه المباشرين في نفس الاستحقاق.

    يبقى استثناء واحد يستحق الإشارة، لأنه يوضح الفرق الجوهري بين نوعين من “الجرأة الانتخابية”، ففي 2021، سجل حزب الحركة الشعبية “سابقة وطنية” حين قدّم لائحة نسائية بنسبة 100 في المئة في مقاطعة جليز بمراكش ضمن الانتخابات الجماعية، لكن هذا النموذج مختلف بنيويا عمّا يفعله “البام” الآن، فتلك كانت لائحة واحدة كاملة النساء في دائرة واحدة على المستوى المحلي الجماعي، بينما يوزّع “البام” اليوم سبع نساء منفردات، كل واحدة تقود معركة مستقلة في دائرة تشريعية مختلفة، أمام خصوم رجال أقوياء تاريخيا في تلك المناطق بعينها، بينما الفارق ليس في العدد فقط، بل في طبيعة المخاطرة السياسية، لأن قيادة معركة فردية في مواجهة مباشرة تختلف جذريا عن الظهور ضمن لائحة جماعية محمية.