التصنيف: تحت المجهر

  • 636 مقاولة و2.5 مليار لرأس مال المخاطر.. هل نجح المغرب في بناء منظومة الشركات الناشئة؟

    636 مقاولة و2.5 مليار لرأس مال المخاطر.. هل نجح المغرب في بناء منظومة الشركات الناشئة؟

    لم يكن أكبر تحد يواجه المقاولات الناشئة في المغرب هو نقص الأفكار أو غياب الكفاءات، بل صعوبة تحويل الابتكار إلى شركات تنمو وتستقطب الاستثمار وتخلق الثروة وتنافس خارج الحدود، سيما وأنه على امتداد سنوات ظل المشهد المقاولاتي الرقمي ينتج عشرات المشاريع الجديدة لكنه كان يفقد جزءا كبيرا منها قبل أن تبلغ مرحلة النضج، بسبب محدودية التمويل وضعف المواكبة وغياب منظومة متكاملة تربط بين الفكرة والسوق.

    عندما انطلقت الولاية الحكومية الحالية سنة 2021 كان هذا التشخيص واضحا، فمنظومة المقاولات الناشئة كانت ما تزال في مرحلة التأسيس ورأس المال المخاطر لم يتجاوز سوى نحو 30 مليون دولار، أي أقل بكثير من مستويات الدول الإفريقية الأكثر تقدما، فيما لم تكن سوى 167 مقاولة تحمل علامة “المقاولة الشابة المبتكرة” (JEI)، وكانت أغلبية المقاولات الناشئة تجد صعوبة في الانتقال من مرحلة الإحداث إلى مرحلة النمو أو في ولوج الأسواق الدولية.

    وخلال خمس سنوات من عمر الولاية الحكومية الحالية، عمدت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة إلى تجاوز منطق إطلاق برامج دعم جديدة بإعادة بناء المنظومة المقاولاتية من أساسها عبر تعبئة تمويلات غير مسبوقة، وإحداث أول صندوق وطني مخصص لرأس المال المخاطر في المجال الرقمي وتوسيع شبكات الاحتضان والتسريع، فضلا عن استقطاب فاعلين دوليين وتطوير الإطار القانوني ومضاعفة عدد المقاولات الحاصلة على علامة “المقاولة الشابة المبتكرة” إلى 636 مقاولة سنة 2026، بيد أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يتجاوز حصيلة الأرقام ويدفعنا إلى الاستفهام حول مدى نجاح المغرب فعلا في الانتقال من سياسة تشجيع المبادرات الفردية إلى بناء صناعة وطنية للمقاولات الناشئة، وإذا ما كانت المنظومة ما تزال في طور التأسيس وتنتظر اختبارها الحقيقي؟

    منظومة تنتج شركات لكنها لا تفرز “أبطالا اقتصاديين

    لم تكن الإشكالية التي واجهتها المقاولات الناشئة المغربية سنة 2021 مرتبطة بعدد المشاريع التي يتم إطلاقها سنويا وإنما بقدرتها على الاستمرار والنمو، فالمؤشرات التي استندت إليها وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة عند بداية الولاية الحكومية رسمت صورة لمنظومة ما تزال في طور التأسيس تعاني اختلالات على مستوى التمويل والمواكبة والانفتاح على الأسواق الدولية، وهو ما كان يحد من تحول الابتكار إلى قيمة اقتصادية مضافة.

    وتكشف الأرقام حجم هذا التحدي، إذ إن تمويلات رأس المال المخاطر بالمغرب لم تكن تتجاوز سنة 2021 حوالي 0.03 مليار دولار مقابل حوالي ملياري دولار في الدول الإفريقية الأكثر تقدما في هذا المجال، وهو فارق يعكس محدودية قدرة المستثمرين على تمويل الشركات التكنولوجية في مراحلها الأولى، حيث تكون المخاطر مرتفعة والاحتياجات المالية كبيرة.

    ولا يسعنا اعتبار التمويل وحده نقطة الضعف، فالمعطيات التي حصلت عليها “AM+ MEDIA” من الوزارة الوصية تظهر أن أقل من 15 في المئة فقط من المقاولات الناشئة المغربية كان عمرها أقل من سنة، بما يعكس محدودية دينامية إحداث شركات جديدة بوتيرة مرتفعة، بينما كانت 60 في المئة من المقاولات التي تجاوز عمرها خمس سنوات لا تشغل أكثر من عشرة أجراء، وهو مؤشر على أن عددا مهما من هذه الشركات كان ينجح في البقاء لكنه لا ينجح في الانتقال إلى مرحلة النمو الحقيقي.

    أما على مستوى التوسع الدولي، فقد بدا الفارق أكثر وضوحا، إذ لم تكن سوى أقل من 20 في المئة من المقاولات الناشئة المغربية تنشط في أكثر من دولة، مقارنة بحوالي 80 في المئة في جنوب إفريقيا، وهو ما يعكس محدودية قدرة الشركات المغربية على تصدير خدماتها أو جذب الاستثمارات الخارجية أو الاندماج في الأسواق الإقليمية والعالمية.

    حتى علامة المقاولة الشابة المبتكرة التي يفترض أن تشكل بوابة للاستفادة من عدد من الامتيازات التنظيمية والمالية ظلت من جانبها محدودة الانتشار، إذ لم تكن تشمل سوى 167 مقاولة سنة 2021، بينما لم تتجاوز حصة شركات التكنولوجيا المالية 8 في المئة من مجموع المقاولات الناشئة، في وقت ظل فيه انخراط المقاولات الكبرى في مواكبة الابتكار ضعيفا، بما جعل الحلقة التي تربط بين الشركات الكبرى والمقاولات الناشئة شبه غائبة.

    ولم تكن المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة في وضع أفضل، فإلى جانب صعوبة الولوج إلى التمويل، كانت تواجه تأخرا في اعتماد الحلول الرقمية والخدمات السحابية ونقصا في الكفاءات المتخصصة، وهو ما انعكس على موقع المغرب في مؤشر تسريع الرقمنة لمجموعة بوسطن الاستشارية، حيث لم يحصل سوى على 27 نقطة من أصل 100، بينما تقترب الاقتصادات الأكثر تقدما من 70 نقطة، ما يعني أن جزءا كبيرا من النسيج الاقتصادي الوطني كان لا يزال بعيدا عن التحول الرقمي الكامل.

    من دعم المقاولات إلى بناء المنظومة

    أمام هذا التشخيص، اختارت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة مقاربة مختلفة، فبدل الاكتفاء بإطلاق برامج دعم متفرقة اتجهت نحو بناء منظومة متكاملة تنطلق من توفير التمويل مرورا بالاحتضان والتسريع ووصولا إلى التشريع والانفتاح على المستثمرين والأسواق الدولية. بمعنى آخر، لم يعد الهدف تمويل شركة ناشئة هنا أو مواكبة مشروع هناك، وإنما بناء سلسلة متكاملة تجعل انتقال المقاولة من الفكرة إلى السوق ثم إلى التوسع الدولي مسارا أكثر قابلية للتحقق.

    ويظهر هذا التحول بوضوح في ملف رأس المال المخاطر، الذي ظل لسنوات الحلقة الأضعف داخل المنظومة المغربية، فلأول مرة ساهمت الدولة في إحداث صندوق مخصص حصريا لتمويل المقاولات الناشئة الرقمية، بلغت قيمته الإجمالية 1.5 مليار درهم ساهمت فيه الوزارة بـ400 مليون درهم مع أثر تعبئة متوقع يصل إلى 2.5 مليار درهم.

    ولم يقتصر الأمر على ضخ التمويلات، بل تم أيضا اعتماد آلية لتغطية جزء من المخاطر الأولى بهدف تشجيع المستثمرين على تمويل الشركات التكنولوجية في أكثر مراحلها حساسية، وهي مرحلة الانطلاق، كما استقطب الصندوق 47 طلب ترشيح منها 12 وطنيا و33 دوليا وترشيحان مختلطان، قبل الانتقاء الأولي لتسع شركات متخصصة في تدبير رأس المال المخاطر، بينها ثلاث شركات مغربية وخمس دولية وفاعل مختلط، في خطوة تعكس رهان الوزارة على استقطاب الخبرة الدولية بالتوازي مع تطوير الفاعلين المحليين.

    كيف حاول المغرب سد فجوات نمو المقاولات الناشئة؟

    إذا كان التمويل يمثل الوقود الذي تحتاجه المقاولة الناشئة للانطلاق، فإن التجارب الدولية أظهرت أن ضخ الأموال وحده لا يكفي لصناعة شركات قادرة على المنافسة فجزء مهم من الشركات الناشئة يفشل، ليس بسبب غياب التمويل فقط وإنما بسبب غياب التأطير وصعوبة الولوج إلى المستثمرين، وضعف الربط بالأسواق ونقص الخبرات الإدارية والتجارية.

    ولهذا، اختارت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة أن توسع تدخلها ليشمل مختلف مراحل دورة حياة المقاولة الناشئة بدءا من مرحلة بناء الفكرة مرورا بالاحتضان والتسريع ووصولا إلى مرحلة التوسع داخل المغرب وخارجه.

    في هذا السياق، أطلقت الوزارة صندوقا خاصا ببناء المقاولات الناشئة الرقمية، خصص له وفق المعطيات التي حصلت عليها “AM+MEDIA”، غلافا ماليا يفوق 760 مليون درهم بهدف مواكبة إحداث وتطوير وتسريع أكثر من 840 مقاولة ناشئة تكنولوجية خلال ثلاث سنوات، فيما تتجاوز أهمية هذا البرنامج حجم التمويل المرصود إلى طبيعة المقاربة المعتمدة، إذ تم اختيار ست مؤسسات متخصصة في بناء المقاولات من بينها أربع مؤسسات دولية وهيكلان مغربيان توجد في طور الاستقرار داخل المملكة بما يسمح بنقل الخبرات العالمية إلى المنظومة الوطنية، وخلق فرص شغل ذات قيمة مضافة، وإدماج المقاولات المغربية في شبكات الاستثمار الدولية.

    ويوازي هذا التوجه تطورا لافتا في دور “تكنوبارك”، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة من فضاء لاستقبال المقاولات الناشئة إلى أحد أهم أدوات السياسة العمومية في مجال الابتكار، ولهذا الغرض خصصت الوزارة 70.4 مليون درهم لتوسيع النموذج الاقتصادي للشبكة وتعزيز قدرتها على مواكبة حاملي المشاريع والشركات التكنولوجية.

    وتكشف نتائج البرامج المنجزة داخل “تكنوبارك” عن هذا التحول، فقد نظم برنامج “Boost Up Lab” خمس دورات متتالية، استقطبت أكثر من 1000  طلب ترشيح، وأسفرت عن مواكبة 150 مقاولة ناشئة من بينها 84 مقاولة انتقلت إلى مرحلة الاحتضان. أما برنامج Export Technopark Acceleration Program (ETAP)”، فقد وفر مواكبة مكثفة لـ41 مقاولة ناشئة بين سنتي 2024 و2026 مع تركيز خاص على إعدادها للولوج إلى الأسواق الخارجية.

    وفي الاتجاه نفسه، انخرط المغرب في شراكة مع منصة Plug and Play، إحدى أبرز شبكات الابتكار والاستثمار في العالم، حيث تم تسريع 18 مقاولة ناشئة بينما توجد 19 مقاولة أخرى في طور المواكبة مع تعبئة تمويلات بلغت 8.2 ملايين دولار وإحداث حوالي 150 منصب شغل، فيما تكمن أهمية هذا البرنامج في قيمة الاستثمارات التي استقطبها، وأيضا في إدماج المقاولات المغربية داخل شبكة عالمية تربط الشركات الناشئة بكبرى الشركات الاستثمارية والتكنولوجية.

    وهذا التحول يشمل طبيعة البرامج أيضا بعدها الترابي، ففي الوقت الذي كانت شبكة “تكنوبارك” تتركز في عدد محدود من المدن، اتجهت الوزارة إلى توسيع انتشارها ضمن رؤية تقوم على العدالة المجالية، حيث انتقلت الشبكة من خمسة مواقع سنة 2024 إلى 10 سنة 2026 مع توسعها لتشمل الدار البيضاء والرباط وطنجة وأكادير والصويرة وتمارة وسلا والقنيطرة وفاس ووجدة ومراكش وتزنيت والعيون، في أفق تغطية الجهات الـ12 للمملكة بحلول سنة 2030، ويعكس هذا التوسع رهانا على نقل منظومة الابتكار من التمركز في محور الدار البيضاء-الرباط إلى مختلف الجهات، بما يتيح لحاملي المشاريع الولوج إلى خدمات الاحتضان والمواكبة دون الاضطرار إلى الانتقال نحو المركز.

    “جايتكس أفريكا” عندما تحول الابتكار إلى أداة لجذب الاستثمار

    إذا كانت برامج الاحتضان والتسريع تستهدف بناء المقاولة من الداخل، فإن تنظيم “جاتكس أفريقيا المغرب” شكل الرهان الخارجي في الاستراتيجية الحكومية من خلال تحويل المغرب إلى منصة قارية تجمع المستثمرين والشركات الناشئة وصناديق الاستثمار، والفاعلين التكنولوجيين في مكان واحد.

    ويحمل هذا المشروع بعدا رمزيا واستراتيجيا في الآن نفسه، إذ اختير المغرب لاحتضان أول نسخة من معرض “جايتكس أفريقيا” خارج دبي، في خطوة تعكس الثقة في موقعه داخل المنظومة الرقمية الإفريقية ومنذ إطلاق التظاهرة سنة 2023، خصصت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة ميزانية إجمالية تجاوزت 140 مليون درهم عبر أربع دورات، كما دعمت مشاركة 800 مقاولة ناشئة، بما ينسجم مع هدف وطني يتمثل في مواكبة 3 آلاف مقاولة ناشئة بحلول سنة 2030.

    وتظهر المؤشرات المسجلة خلال الدورات الأربع حجم الدينامية التي عرفها الحدث، فقد ارتفع عدد الزوار من 30 ألفا سنة 2023 إلى 55 ألف زائر سنة 2026، بينما ارتفع عدد المقاولات الناشئة المدعومة من الوزارة من 100 إلى 300 مقاولة خلال الفترة نفسها. كما ارتفع إجمالي عدد المقاولات الناشئة المشاركة من 400 إلى أكثر من 800، فيما انتقل عدد العارضين من 900 إلى 1500، وارتفع عدد الدول الممثلة من 95 دولة إلى 140 دولة.

    وتتجاوز أهمية هذه الأرقام بعدها التنظيمي لأن هذا النوع من المعارض أصبح يشكل في التجارب الدولية منصة لعقد الصفقات وجذب المستثمرين، وربط الشركات الناشئة بالأسواق العالمية، بما يفسر حرص المغرب على تحويله إلى موعد قار ضمن أجندة التكنولوجيا الإفريقية، وليس مجرد تظاهرة سنوية.

    من الترويج إلى التقنين.. هل اكتملت حلقات المنظومة؟

    إذا كانت برامج التمويل والاحتضان والتسريع استهدفت معالجة الجوانب الاقتصادية لمنظومة المقاولات الناشئة، فإن استدامة هذا التحول كانت تتطلب في المقابل إطارا قانونيا وتنظيميا يمنح المستثمرين ورواد الأعمال وضوحا أكبر بشأن الحقوق والامتيازات وآليات المواكبة، فالتجارب الدولية الناجحة لم تبن فقط على توفر التمويل وإنما أيضا على وجود تشريعات مستقرة تجعل الاستثمار في الابتكار جزءا من البيئة الاقتصادية أكثر منه مجرد برنامج عمومي محدود زمنيا.

    وفي هذا الإطار، شرعت الحكومة في إعداد مشروع قانون خاص بالمقاولات الناشئة، يوجد حاليا في طور المصادقة بعد استكمال إعداد نص المشروع ومراسيمه التطبيقية، بالاستناد إلى مواكبة تقنية من البنك الدولي ومقارنة معيارية مع عدد من التجارب الدولية، وقد أحيل المشروع خلال السنة الجارية 2026 على الأمانة العامة للحكومة في خطوة تروم الانتقال من مرحلة إطلاق المبادرات إلى إرساء إطار قانوني دائم ينظم هذا القطاع ويؤسس لتطوره على المدى البعيد.

    وفي موازاة ذلك، شهدت علامة “المقاولة الشابة المبتكرة” (JEI) تحولا لافتا، سواء من حيث عدد المقاولات المستفيدة أو من حيث الامتيازات المرتبطة بها، فقد ارتفع عدد الشركات الحاصلة على العلامة من 167 مقاولة سنة 2021 إلى 636 مقاولة سنة 2026، أي بزيادة تناهز أربعة أضعاف خلال خمس سنوات. ويعكس هذا التطور اتساع قاعدة الشركات التي أصبحت تستوفي شروط الابتكار والاستفادة من الامتيازات التي توفرها الدولة، بعدما كانت هذه الآلية تظل محصورة في نطاق محدود عند بداية الولاية الحكومية.

    ولم يقتصر التطور على العدد، بل شمل أيضا طبيعة الامتيازات الممنوحة، فقد ارتفع سقف مخصصات مكتب الصرف لفائدة هذه المقاولات من 500 ألف درهم إلى مليوني درهم، بما يتيح لها هامشا أكبر للتعامل مع الأسواق الدولية، سواء عبر اقتناء الخدمات التكنولوجية أو التعاقد مع الخبراء أو المشاركة في برامج التسريع بالخارج.

    ويبرز مستجد آخر يحمل دلالة خاصة، يتمثل في تمكين المقاولات الحاصلة على علامة “JEI” لأول مرة من إمكانية القيام باستثمارات خارج المغرب، ما يعكس تحولا في فلسفة السياسة العمومية، فبعدما كان الهدف الأساسي هو تشجيع إحداث المقاولات الناشئة داخل المملكة، أصبح الرهان يمتد إلى دعم قدرتها على التوسع الدولي، باعتبار أن نجاح المقاولة التكنولوجية لم يعد يقاس فقط بحضورها داخل السوق الوطنية، وإنما أيضا بقدرتها على الاندماج في سلاسل القيمة والأسواق العالمية.

    المقاولات الصغرى والمتوسطة.. حلقة لا يمكن تجاوزها

    غير أن بناء اقتصاد رقمي تنافسي لا يمر فقط عبر دعم الشركات الناشئة مهما بلغ حجمها أو عددها، لأن هذه الأخيرة تظل جزءا من منظومة اقتصادية أوسع، يشكل فيها نسيج المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة العمود الفقري للإنتاج والتشغيل.

    ومن هذا المنطلق، وسعت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة تدخلها ليشمل هذه الفئة، في محاولة لتقليص الفجوة الرقمية التي كانت تعيق تنافسيتها.

    ففي سنة 2021، كان المغرب لا يحقق سوى 27 نقطة من أصل 100 في مؤشر تسريع الرقمنة الصادر عن مجموعة بوسطن الاستشارية، وهي نتيجة تعكس محدودية اعتماد الحلول الرقمية داخل المقاولات، مقارنة باقتصادات بلغت مستويات تقارب 70 نقطة.

    ولمواجهة هذا الواقع، أطلقت الوزارة برنامج “DigiTPME” بشراكة مع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)، حيث استفادت 300 مقاولة من التكوين في ثلاث جهات نموذجية، فيما تمت مواكبة 120 مقاولة في إعداد وتنفيذ خرائطها الرقمية، إلى جانب اختيار 9 شركات تكنولوجية مغربية لتقديم الحلول الرقمية وإطلاق شبكة وطنية متخصصة في هذا المجال.

    وفي الاتجاه نفسه، جاءت مبادرة “WE-Elevate” التابعة لمنظمة التعاون الرقمي، لتوسيع دائرة المستفيدين من التحول الرقمي، عبر استهداف 10 آلاف امرأة وشاب في مختلف جهات المملكة ومواكبة 1000 مقاولة في الانتقال نحو التجارة الإلكترونية، بما يعكس توجها يربط الرقمنة بالإدماج الاقتصادي وخلق فرص جديدة لريادة الأعمال.

    وامتد هذا التوجه إلى قطاع التعليم، حيث خصص للمختبر الرقمي للتربية الوطنية غلاف مالي بلغ 240 مليون درهم من بينها 100 مليون درهم ساهمت بها وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، ويستفيد من موارده الرقمية حاليا أكثر من 80 ألف أستاذ وما يزيد عن 3 ملايين تلميذ، فيما أسفر طلب إبداء الاهتمام الخاص بتكنولوجيا التعليم عن 139 ترشيحا، تم انتقاء 20 فاعلا منها لتطوير حلول تعليمية رقمية.

    وتكشف حصيلة السنوات الخمس الأخيرة أن المغرب بدأ يغير مقاربته تجاه ريادة الأعمال التكنولوجية، منتقلا تدريجيا من منطق تمويل المشاريع إلى منطق بناء منظومة متكاملة تضم التمويل والاحتضان والتشريع والانفتاح على المستثمرين والأسواق الدولية، غير أن التجارب العالمية تؤكد أن هذه المرحلة رغم أهميتها ليست سوى نقطة الانطلاق.

    والاختبار الحقيقي يبدأ عندما تصبح الشركات الناشئة قادرة على الاستمرار بعد سنواتها الأولى، والتحول إلى مؤسسات كبرى تقود الابتكار وتنافس في الأسواق العالمية، فبين ما تحقق من إصلاحات وما ينتظر من نتائج، سيظل الرهان الملح هو مدى نجاح المغرب في تحويل هذا الاستثمار العمومي والمؤسساتي إلى شركات عالمية تحمل علامة “صنع في المغرب”.

  • الاستثمارات بالأقاليم الجنوبية.. رهان مغربي لتحويل الدعم إلى التزام دائم

    الاستثمارات بالأقاليم الجنوبية.. رهان مغربي لتحويل الدعم إلى التزام دائم

    لم يعد مؤشر التقدّم في ملف الصحراء المغربية يُقاس كما كان الحال في السابق، بعدد البلاغات الرسمية المؤيدة لمبادرة الحكم الذاتي، أو بمواقف العواصم الأجنبية داخل المحافل الدولية، فمنذ سنوات قليلة، برز مؤشر أكثر دلالة وأعمق أثرا بتمثل في تحوّل عدد من الدول الداعمة للموقف المغربي من موقف التصريح السياسي إلى فعل الحضور الاقتصادي، عبر خطوط تمويل مباشرة وزيارات متكررة لوفود اقتصادية ومشاريع في قطاع الطاقة واتفاقيات استثمار وتعاون تُوقَّع هذه المرة على أرض الأقاليم الجنوبية نفسها.

    القراءة الدبلوماسية لهذا التحوّل تكشف عن معادلة مغربية واضحة، مفادها أنه لا استبدال للسياسي بالاقتصادي بل ربط محسوب بين الاثنين، فالمنطق الذي يحكم هذا التوجّه بسيط في ظاهره الاستثمارات الضخمة والشراكات الممتدة على مدى سنوات تُنتج مصالح متبادلة يصعب التراجع عنها، بخلاف البلاغات السياسية التي تبقى، وإن كانت مهمة رهينة بالسياق وبموازين القوى اللحظية. من هنا، ينتقل الرهان المغربي، خطوة بخطوة، من هدف توسيع دائرة الدول المؤيدة لمبادرة الحكم الذاتي، إلى هدف أكثر عملية هو دفع هذه الدول الشريكة إلى إدراج الأقاليم الجنوبية للمملكة ضمن خرائطها الاستثمارية والاقتصادية الفعلية، لا الرمزية فقط.

    وما يفسّر هذا المنعطف هو تغير لافت في عقيدة تدبير الملف برمّته. فبعد عقد كامل كرّسه المغرب للدفاع عن مغربية الصحراء وكسب المعارك الدبلوماسية واحدة تلو الأخرى، جاء الوقت لتثبيت هذه المكاسب بمشاريع قائمة وملموسة على الأرض، وهذا ما يفسّر وتيرة تهيئة الأقاليم الجنوبية بمشاريع استراتيجية كبرى تهم مختلف القطاعات بما فيها الموانئ الكبرى، وشبكات طرقية، ومحطات للطاقة المتجددة، ومناطق صناعية ولوجيستية، تحوّل الاعتراف الدبلوماسي بمرور الوقت إلى شراكة اقتصادية يصعب فكّ عقدها.

    من مبادرة الحكم الذاتي إلى توسيع دائرة الدعم

    قدم المغرب مبادرة الحكم الذاتي إلى الأمم المتحدة في أبريل 2007، معتزما منح سكان الأقاليم الجنوبية للمملكة صلاحيات واسعة لتدبير شؤونهم المحلية، عبر مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية منتخبة تحت السيادة الترابية للمملكة.

    ومنذ ذلك التاريخ، شكل توسيع دائرة التأييد الدولي للمبادرة أحد المحاور الأساسية للدبلوماسية المغربية، لكن التحول الأكبر بدأ يظهر بصورة أوضح منذ نهاية سنة 2020، عندما أعلنت الولايات المتحدة اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء، وبعد ذلك توالت مواقف دول وازنة.

    وفي مارس 2022، أعلنت إسبانيا تأييدها لمبادرة الحكم الذاتي معتبرة إياها بمثابة “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية من أجل تسوية الخلاف”، قبل أن تؤكد فرنسا من جانبها في يوليوز 2024 أن حاضر الصحراء ومستقبلها يندرجان ضمن إطار السيادة المغربية، وأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يشكل الإطار الذي ينبغي أن تتم في ظله تسوية الملف، وهو موقف الدولة ذاته الذي جدد تأكيده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الموقف نفسه أمام البرلمان المغربي في أكتوبر 2024.

    وفي يونيو 2025، أعلنت المملكة المتحدة بدورها أن مبادرة الحكم الذاتي تمثل الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق للتوصل إلى حل دائم للنزاع، في تحول مهم بالنظر إلى عضويتها الدائمة في مجلس الأمن وثقلها الاقتصادي والدبلوماسي، لكن البيان البريطاني لم يتوقف عند الجانب السياسي، بل أدرج أيضا إمكانية دعم مشاريع اقتصادية داخل الأقاليم الجنوبية.

    وبحسب الأرقام التي قدمها المغرب داخل الأمم المتحدة، تحظى مبادرة الحكم الذاتي بدعم أكثر من 118 دولة من مختلف مناطق العالم، من بينها ثلاث دول دائمة العضوية في مجلس الأمن، ما يعكس اتساعا متواصلا في دائرة التأييد الدولي للمقترح المغربي، وترسخ القناعة بواقعيته وجديته ومصداقيته باعتباره الأساس الأكثر قابلية للتطبيق من أجل التوصل إلى حل سياسي نهائي للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.

    ويؤكد هذا الزخم الدبلوماسي نجاح المغرب في الدفاع عن حقوقه المشروعة، وترسيخ حقيقة أن الصحراء مغربية، في إطار وحدة وطنية وسيادة غير قابلتين للمساومة.

    وإلى جانب هذا الدعم، افتتحت أكثر من 30 دولة قنصليات عامة في الأقاليم الجنوبية، وهو الواقع الذي تنظر إليه الرباط بوصفها تعبيرا سياسيا عمليا يتجاوز البيانات، لأنها تمنح الدول المعنية حضورا دبلوماسيا دائما داخل المنطقة.

    وفي 31 أكتوبر 2025، اعتمد مجلس الأمن القرار رقم 2797، الذي شكل محطة مفصلية في مسار النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، بعدما أكد أن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية تمثل الحل الأكثر جدوى وواقعية وقابلية للتطبيق، وجعلها الأساس الذي ينبغي أن يقوم عليه المسار السياسي والمفاوضات المستقبلية. ويعكس هذا القرار التحول الذي عرفه التعاطي الأممي مع القضية، حيث باتت مبادرة الحكم الذاتي تشكل المرجعية الأكثر حضورا داخل الأمم المتحدة، بما يعزز الموقف المغربي ويكرس سيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية، لكن بالنسبة إلى المغرب، فإن الوصول إلى هذا المستوى من الدعم يطرح سؤال المرحلة المقبلة: ماذا بعد الاعترافات والمواقف السياسية؟

    من تجميع المواقف إلى بناء المصالح

    يبدو أن الإجابة المغربية بدأت تتشكل من خلال دفع الدول الداعمة إلى ترجمة مواقفها إلى شراكات اقتصادية، فافتتاح قنصلية في العيون أو الداخلة يحمل قيمة رمزية وسياسية، لكن دخول شركة أجنبية للاستثمار في الطاقة أو اللوجستيك أو تحلية مياه البحر ينقل العلاقة إلى مستوى آخر، لأن المشروع يخلق وظائف وعقودا والتزامات مالية ومصالح ممتدة في الزمن.

    وتقوم هذه المقاربة على فكرة أساسية مفادها أن تثبيت الموقف السياسي يحتاج إلى قاعدة من المصالح المشتركة، فكلما أصبحت شركات ومؤسسات مالية دولية مرتبطة بمشاريع داخل الأقاليم الجنوبية، تحول وجودها إلى عامل إضافي في إدماج المنطقة ضمن العلاقات الاقتصادية العادية للمغرب مع شركائه.

    ويثير هذا التحول تساؤلات حول الأبعاد الاستراتيجية لانتقال المغرب من التركيز على كسب الدعم السياسي إلى ترسيخه عبر شبكة من المصالح الاقتصادية والاستثمارية، وما إذا كان هذا التوجه يؤشر على مرحلة جديدة في تدبير ملف الصحراء المغربية. وفي هذا السياق، يرى البشير الخريف، المحلل السياسي المتخصص في قضية الصحراء المغربية، في تصريح لـ”AM+ MEDIA”، أن السياسة الخارجية للمغرب شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورا ملموسا، انتقلت معه من مرحلة حشد الدعم الدبلوماسي وتعزيز الثقة في شرعية الموقف المغربي، إلى مرحلة ترسيخ هذا الدعم من خلال شراكات اقتصادية وتنموية طويلة الأمد، خصوصا في الأقاليم الجنوبية.

    وأوضح الخريف أن المرحلة الأولى من هذا المسار تميزت بعدد من المحطات الدبلوماسية الحاسمة، من بينها عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، وتزايد الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، إلى جانب افتتاح أكثر من 31 قنصلية في مدينتي العيون والداخلة، فضلا عن تعزيز الانفتاح على الدول الإفريقية وتوسيع شبكة الشراكات السياسية والاقتصادية مع عدد من الفاعلين الدوليين.

    وأضاف أن المغرب انتقل، في مرحلة لاحقة، إلى العمل على تحويل هذا الرصيد السياسي والدبلوماسي إلى مصالح اقتصادية ملموسة، انطلاقا من قناعة مفادها أن العلاقات بين الدول تصبح أكثر استدامة عندما تقوم على منافع متبادلة تشمل الاستثمار، والتبادل التجاري، والبنيات التحتية، والطاقة، والخدمات اللوجستية، إلى جانب التعاون السياسي.

    وأشار إلى أن هذا التوجه ينسجم مع الرهان المغربي على تنمية الأقاليم الجنوبية وتعزيز جاذبيتها الاقتصادية، من خلال إطلاق مشاريع كبرى، من بينها الطريق السريع تزنيت-الداخلة، وميناء الداخلة الأطلسي، إلى جانب توسيع العرض الجامعي، وتقوية الخدمات الأساسية، وتطوير مشاريع الطاقات المتجددة، بما يترجم التوجيهات الملكية التي تجعل الإنسان في صلب أي سياسة تنموية، معتبرا أن إطلاق النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية سنة 2015 من مدينة العيون شكل محطة أساسية في هذا المسار.

    وسجل الخريف أن توجيه الاستثمارات نحو الأقاليم الجنوبية، واستقطاب شركاء دوليين للمشاركة في مشاريع تنموية واقتصادية، لا يقتصر أثره على الجانب المالي أو التجاري، بل يسهم أيضا في تعزيز الارتباط العملي بهذه المناطق، ويمنح العلاقات الدبلوماسية بعدا اقتصاديا أكثر رسوخا واستمرارية.

    وبخصوص ما إذا كانت المصالح الاقتصادية طويلة الأمد قادرة على جعل الدعم السياسي لمبادرة الحكم الذاتي أكثر ثباتا، أوضح أن تشابك المصالح الاقتصادية يمكن أن يسهم في استقرار مواقف الدول، لأن الحكومات تأخذ بعين الاعتبار مصالح شركاتها واستثماراتها وشبكاتها التجارية عند صياغة سياساتها الخارجية.

    غير أنه شدد على أن العامل الاقتصادي، رغم أهميته، لا يمكنه وحده أن يحسم المواقف الدولية، باعتبار أن السياسة الخارجية تظل نتاجا لتفاعل عدة عناصر، من بينها الاعتبارات القانونية، والتحالفات الإقليمية والدولية، والرهانات الأمنية، فضلا عن التحولات السياسية الداخلية التي تعرفها كل دولة.

    وأكد أن هذه المقاربة تنسجم مع مبدأ “رابح – رابح” الذي شدد عليه الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة، والذي يقوم على بناء شراكات تحقق منفعة متبادلة لجميع الأطراف، بعيدا عن منطق الربح الأحادي أو العلاقة غير المتوازنة، وبما يضمن استدامة التعاون الاقتصادي والسياسي.

    وخلص البشير الخريف إلى أن الدعم السياسي المعزز بمصالح اقتصادية ملموسة يكون، في الغالب، أكثر قابلية للاستمرار من الدعم القائم على الاعتبارات السياسية وحدها، غير أن استدامته تظل مرتبطة بقدرة هذه الشراكات على تحقيق نتائج فعلية ومنافع مشتركة، وبمدى انسجامها مع أولويات الدول المعنية والتحولات التي تعرفها البيئة الإقليمية والدولية.

    وفي هذا السياق، تشكل المملكة المتحدة نموذجا للتحول الذي يشهده تعامل الدول الداعمة للمغرب مع ملف الصحراء، حيث لم يعد الدعم يقتصر على المواقف السياسية، بل أصبح يقترن بإرادة لتطوير التعاون الاقتصادي وفتح آفاق استثمارية، بما يعكس انتقال العلاقات الثنائية إلى مرحلة أكثر عمقا واستدامة.

    بريطانيا.. الموقف السياسي يفتح باب التمويل

    وفي هذا الباب، يقدم الموقف البريطاني مثالا واضحا على الربط بين السياسة والاقتصاد. ففي البلاغ المشترك الصادر في فاتح يونيو 2025، لم تكتف لندن باعتبار مبادرة الحكم الذاتي الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق، بل أكدت أيضا أن هيئة تمويل الصادرات البريطانية توفر قدرة تمويلية تصل إلى خمسة مليارات جنيه إسترليني لدعم أعمال ومشاريع جديدة بالمغرب.

    والأهم أن البلاغ أوضح أن المملكة المتحدة يمكنها النظر في دعم مشاريع داخل الصحراء، شريطة استيفائهم متطلبات التحقق والدراسة المعتمدة لدى هيئة تمويل الصادرات.

    ويكتسي الإعلان البريطاني أهمية سياسية واقتصادية خاصة، بعدما أتاح غلافا تمويليا يصل إلى خمسة مليارات جنيه إسترليني لدعم مشاريع بالمغرب، بما يشمل الأقاليم الجنوبية. ويعكس هذا التوجه انتقال الموقف البريطاني من دعم المبادرة المغربية على المستوى السياسي إلى فتح المجال أمام تمويل أنشطة اقتصادية واستثمارات داخل المنطقة، في خطوة تؤكد تزايد الثقة الدولية في استقرار الأقاليم الجنوبية ومؤهلاتها التنموية.

    وجاء هذا الموقف في سياق التطور المتواصل للعلاقات الاقتصادية بين المغرب والمملكة المتحدة، إذ بلغت قيمة المبادلات التجارية في السلع والخدمات بين البلدين 4.7 مليارات جنيه إسترليني خلال الأرباع الأربعة المنتهية في نهاية سنة 2025، بزيادة بلغت 10.4 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من السنة السابقة.

    ومن شأن توجيه جزء من هذا الغلاف التمويلي نحو مشاريع بالأقاليم الجنوبية أن يعزز حضور الاستثمارات البريطانية في المنطقة، ويقدم نموذجا عمليا لتحويل الدعم السياسي للمبادرة المغربية إلى شراكات اقتصادية ومصالح طويلة الأمد، بما يرسخ مكانة الأقاليم الجنوبية داخل العلاقات الاقتصادية للمغرب مع شركائه الدوليين.

    فرنسا.. من تعديل الموقف إلى الحضور في الجنوب 

    ومثّل الاعتراف الفرنسي، المعلن في يوليوز 2024، بأن حاضر الصحراء ومستقبلها يندرجان في إطار السيادة المغربية، محطة مفصلية في مسار العلاقات بين الرباط وباريس. فقد أنهى سنوات من الفتور السياسي، وفتح صفحة جديدة من الشراكة الاستراتيجية، تجلت ملامحها بوضوح خلال الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المغرب في أكتوبر من السنة نفسها.

    ولم يبق هذا التحول محصورا في الخطاب السياسي، ففي ماي 2025، قام المدير العام للوكالة الفرنسية للتنمية بزيارة جهتي العيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب، في خطوة عكست توجها فرنسيا نحو إدراج الأقاليم الجنوبية ضمن مجالات تدخل الوكالة وتعاونها مع المغرب.

    وتكتسب هذه الزيارة أهميتها من كون الوكالة الفرنسية للتنمية مؤسسة مالية عمومية، ما يعني أن حضورها يمكن أن يفتح المجال أمام تمويل مشاريع مرتبطة بالماء والطاقة والبنيات الأساسية والتكوين والتنمية المحلية.

    كما بدأت شركات فرنسية تبدي اهتماما بمشاريع الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر في جنوب المملكة، مستفيدة من المؤهلات الطبيعية للمنطقة، خصوصا المساحات الواسعة، وقوة الرياح، وارتفاع معدل الإشعاع الشمسي، والقرب من المحيط الأطلسي.

    بنية تحتية سبقت وصول المستثمرين

    لم ينتظر المغرب تغير مواقف شركائه الدوليين ليبدأ تجهيز الأقاليم الجنوبية، إذ في نونبر 2015، أطلق النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية بغلاف مالي تجاوز 77 مليار درهم، بهدف خلق دينامية اقتصادية واجتماعية جديدة، وتطوير البنيات الأساسية، وتهيئة مناخ الاستثمار، وخلق فرص الشغل.

    ويضم البرنامج مشاريع في مجالات الطرق والموانئ والماء والطاقة والصيد البحري والصناعة والتكوين والخدمات الاجتماعية، وقد ارتفعت كلفته لاحقا مع توسيع بعض المشاريع وإضافة أوراش جديدة.

    ولا تنفصل هذه المشاريع عن تصور سياسي أشمل، إذ جرى الربط في الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء سنة 2015، بين التنمية، والرؤية المستقبلية للأقاليم الجنوبية، وتمكين السكان من تدبير شؤونهم في إطار الجهوية المتقدمة، وتحويل الصحراء إلى مركز للتبادل والربط مع إفريقيا جنوب الصحراء.

    بذلك، لا تبدو البنية التحتية مجرد استجابة لحاجيات محلية، بل جزءا من إعداد المنطقة لتصبح قادرة على ممارسة أدوار اقتصادية أوسع، بما يتلاءم مع التصور المغربي للحكم الذاتي بوصفه نموذجا لتدبير جهوي موسع داخل الدولة.

    ميناء الداخلة الأطلسي.. بوابة اقتصادية نحو إفريقيا

    يتصدر ميناء الداخلة الأطلسي قائمة المشاريع الكبرى التي يراهن عليها المغرب لتغيير الوظيفة الاقتصادية للأقاليم الجنوبية، فالميناء لا يستهدف فقط تحسين أنشطة الصيد البحري أو تلبية الحاجيات التجارية المحلية، بل صُمم ليكون منصة صناعية ولوجستية مرتبطة بالأسواق الإفريقية والدولية.

    ويندرج المشروع ضمن النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، إلى جانب الطريق السريع تزنيت-الداخلة، ومحطات تحلية مياه البحر، والمناطق الصناعية، ومشاريع إنتاج الطاقة الشمسية والريحية.

    وتنبع الأهمية الاستراتيجية للميناء من موقع الداخلة على الساحل الأطلسي، وقربها من موريتانيا وبلدان غرب إفريقيا. فعند اكتمال المشروع ودخوله مرحلة الاستغلال، ينتظر أن يساهم في خفض تكاليف نقل السلع، وتطوير الصادرات، وجذب الصناعات المرتبطة بالصيد البحري والطاقات المتجددة والتحويل الغذائي والخدمات اللوجستية.

    كما يكتسب الميناء بعدا إضافيا في ضوء المبادرة الملكية الرامية إلى تسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، فالمغرب يسعى إلى تحويل واجهته الجنوبية إلى نقطة عبور تربط دولا غير ساحلية بالموانئ والأسواق العالمية، وهو ما يجعل الداخلة جزءا من تصور إقليمي يتجاوز حدود التنمية المحلية.

    وفي حال نجاح هذا الربط، لن تبقى الداخلة مجرد مدينة تستقبل مشاريع عمومية، بل يمكن أن تتحول إلى مركز لتجميع السلع والخدمات والطاقة، وإلى محطة لتجارة عابرة للحدود، ما سيرفع جاذبيتها أمام المستثمرين الأجانب.

    الطريق السريع والطاقة.. تجهيز المجال للاستثمار

    إلى جانب الميناء، يشكل الطريق السريع تزنيت-الداخلة أحد أعمدة الربط بين الأقاليم الجنوبية وباقي جهات المملكة، فالمشروع يمتد على مسافة تناهز ألف كيلومتر، ويهدف إلى تحسين شروط السلامة، وتقليص مدة التنقل، وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع نحو الداخلة والمعبر الحدودي الكركرات.

    تكمن قيمة هذا المشروع في أنه يقلص المسافة الاقتصادية، لا الجغرافية فقط، فالمستثمر الذي يفكر في إنشاء وحدة إنتاجية يحتاج إلى طريق قادر على نقل المواد الأولية والمنتجات، وإلى ميناء يسمح بالتصدير، وإلى مصادر مستقرة للطاقة والماء، لذلك تتكامل مشاريع الطرق والموانئ والطاقة والتحلية في بناء عرض استثماري واحد.

    وفي مجال الطاقة، تتوفر الأقاليم الجنوبية على مؤهلات كبيرة في الطاقة الشمسية والريحية، وقد دخلت مشاريع عدة مرحلة الاستغلال، من بينها محطات شمسية وريحية بالعيون وبوجدور وطرفاية، في وقت يتوسع فيه الاهتمام بمشاريع الهيدروجين الأخضر والأمونيا والوقود الاصطناعي.

    وتمنح هذه المؤهلات المنطقة فرصة لاستقطاب الصناعات التي تبحث عن طاقة نظيفة ومنخفضة الكلفة، خصوصا مع اتجاه الأسواق الأوروبية إلى فرض شروط بيئية أكثر صرامة على الواردات والمنتجات الصناعية.

    لكن الاستفادة من هذه الإمكانات تظل رهينة بربط مشاريع الطاقة بالنسيج الاقتصادي المحلي، حتى لا تتحول الأقاليم الجنوبية إلى مجرد فضاء لإنتاج الكهرباء أو الهيدروجين الأخضر الموجه للتصدير، دون انعكاس ملموس على التشغيل والمقاولات المحلية. كما أن تحويل مؤهلات المنطقة في مجال الطاقات المتجددة إلى استثمارات صناعية واسعة يتطلب بنية تحتية ولوجستية قادرة على خفض كلفة الإنتاج والنقل، وربط المنطقة بالأسواق الإقليمية والدولية.

    وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي محمد أمين سامي في تصريح له لمنصة AM+ MEDIA أن المغرب دخل مرحلة جديدة في تدبير ملف الصحراء، تقوم على الانتقال من دبلوماسية الدفاع عن الموقف إلى دبلوماسية المصالح الموطنة، أي من بناء تحالفات قائمة على المواقف السياسية إلى ترسيخ شراكات تقوم على الاستثمارات والعقود وسلاسل التوريد والمصالح الاقتصادية طويلة الأمد.

    ويوضح أن ميناء الداخلة الأطلسي والطريق السريع تزنيت-الداخلة لا يمثلان مجرد مشاريع للبنية التحتية، بل يعيدان رسم الموقع الاقتصادي للأقاليم الجنوبية، بعدما أصبحت مرشحة للتحول إلى منصة لوجستية تربط المغرب بالمحيط الأطلسي وموريتانيا ودول الساحل وغرب إفريقيا.

    فالطريق، وفق المحلل الاقتصادي، يقلص كلفة النقل ويرفع موثوقية الربط اللوجستي، فيما يوفر الميناء قاعدة للتصنيع والتصدير والخدمات البحرية، بما يفتح المجال أمام تطوير الصناعات السمكية والغذائية، وسلاسل التبريد، وإصلاح السفن، ومشاريع الطاقات المتجددة والخدمات اللوجستية.

    ويعتبر أن الأهمية الاستراتيجية لهذه المشاريع تتجاوز بعدها الاقتصادي إلى بعد جيوسياسي، إذ تسهم في تحويل الأقاليم الجنوبية من ملف يهيمن عليه النقاش الدبلوماسي إلى فضاء تتشكل داخله مصالح اقتصادية دولية، بما يجعل ارتباط الشركاء بالمغرب قائما أيضا على استثمارات وتدفقات تجارية ومصالح طويلة الأمد.

    وبخصوص قدرة المنطقة على استقطاب الصناعات الأجنبية الكبرى، يؤكد سامي أن الداخلة باتت تمتلك قاعدة استثمارية واعدة، بفضل الطريق السريع، وميناء الداخلة الأطلسي، والوعاء العقاري، ومؤهلات الطاقة الشمسية والريحية، ومشاريع تحلية المياه، والمنطقة الصناعية واللوجستية، إلى جانب مدينة المهن والكفاءات، وهي عناصر من شأنها أن تؤسس لمنظومة صناعية متكاملة.

    ويضيف أن المستثمر لم يعد ينظر إلى الداخلة كسوق محلية محدودة، بل كبوابة أطلسية تربط بين العمق الوطني، والامتداد الإفريقي عبر موريتانيا ودول الساحل، والأسواق الأطلسية نحو أوروبا والأمريكيتين وغرب إفريقيا، وهو ما يعزز جاذبية المنطقة للمشاريع الصناعية والتصديرية.

    كما أكد سامي أن نجاح ميناء الداخلة الأطلسي لن يقاس بحجم حركة السفن فقط، بل بقدرته على خلق صناعات تحويلية ذات قيمة مضافة، تشمل تثمين المنتجات البحرية، وصناعة الأعلاف والزيوت والمشتقات الغذائية، وبناء وإصلاح السفن، ووحدات التلفيف والتبريد والتخزين، وإنتاج مشتقات الطاقة الخضراء، إضافة إلى خدمات النقل البحري والمناولة والصيانة، مشددا على أن الرهان الحقيقي يكمن في إعطاء الأولوية للمشاريع التي تخلق فرص الشغل، وتنقل التكنولوجيا، وترفع القيمة المضافة المحلية، بدل الاكتفاء بالأنشطة العقارية أو اللوجستية محدودة الأثر.

    الداخلة.. السينما العالمية تضيف بعدا جديدا لجاذبية الاستثمار

    لا تقتصر عوامل الجاذبية التي باتت تتمتع بها الداخلة على البنيات التحتية والمشاريع الاقتصادية الكبرى، بل امتدت أيضا إلى المجالين الثقافي والسينمائي، بما يعزز حضور المدينة على الساحة الدولية.

    وخلال السنوات الأخيرة، استقطبت الداخلة عددا من الإنتاجات السينمائية العالمية، كان  آخرها اختيارها لتصوير فيلم “The Odyssey”للمخرج العالمي كريستوفر نولان، في خطوة تعكس ما تزخر به المنطقة من مؤهلات طبيعية ولوجستية تؤهلها لاستقبال إنتاجات دولية كبرى.

    ويعكس هذا الإقبال المتزايد على الداخلة تنوع المقومات التي تستند إليها الأقاليم الجنوبية في تعزيز جاذبيتها، حيث باتت القوة الناعمة، إلى جانب الاستثمار والسياحة والبنيات الأساسية، تسهم في ترسيخ مكانة المنطقة ضمن خريطة الوجهات الدولية، وتواكب الزخم المتصاعد نحو تكريس الإجماع الدولي على مغربية الصحراء.

    تنزيل الحكم الذاتي يحتاج إلى قاعدة اقتصادية

    يرتبط الحديث عن الحكم الذاتي غالبا بالجوانب السياسية والقانونية، وبشكل المؤسسات التي ستدبر الأقاليم الجنوبية، وصلاحيات البرلمان والحكومة، والعلاقة بينهما وبين الدولة المركزية.

    لكن تنزيل هذا التصور يحتاج أيضا إلى قاعدة اقتصادية، فالمؤسسات المنتخبة لا تستطيع ممارسة صلاحيات واسعة من دون موارد مالية، واقتصاد منتج، ومقاولات محلية، وبنيات تحتية، وقدرة على جلب الاستثمار وتحصيل المداخيل.

    من هذه الزاوية، يمكن قراءة المشاريع المنجزة منذ سنة 2015 باعتبارها إعدادا للشروط المادية التي قد يحتاج إليها نموذج الحكم الذاتي مستقبلا، فالجهة التي تتوفر على ميناء دولي، وشبكة طرق، ومشاريع طاقة، ومناطق صناعية، وموارد بشرية مؤهلة، تصبح أكثر قدرة على تدبير اختصاصاتها الاقتصادية والاجتماعية.

    ولا يعني ذلك أن جميع المشاريع مرتبطة مباشرة بجدول سياسي معلن لتنزيل الحكم الذاتي، بل إن الاستثمار في التنمية يمنح المقترح المغربي قاعدة عملية، ويسمح للرباط بتقديم الأقاليم الجنوبية باعتبارها مجالا مستقرا وقابلا للاستثمار والاندماج في المبادلات الدولية.

    من الدبلوماسية الدفاعية إلى دبلوماسية المصالح

    تكشف التطورات الأخيرة أن المغرب يحاول تغيير طبيعة النقاش حول الصحراء، فبدلا من بقاء المنطقة موضوعا لنزاع سياسي يثار داخل الأمم المتحدة، يسعى إلى تقديمها فضاء للاستثمار والطاقة والتجارة والربط الإفريقي.

    وإذا كان العقدان الماضيان قد خصصا لتوسيع الدعم لمبادرة الحكم الذاتي، فإن المرحلة الحالية تبدو متجهة نحو تحويل هذا الدعم إلى مصالح يصعب فصلها عن مستقبل المنطقة، فالدولة التي تمول ميناء أو محطة طاقة، والشركة التي توقع عقدا يمتد لعشرين أو ثلاثين سنة، والمؤسسة المالية التي ترتبط بمشروع داخل الداخلة أو العيون، تصبح جزءا من واقع اقتصادي جديد يتجاوز المواقف الدبلوماسية المجردة.

    وفي هذا الانتقال، تراهن الرباط على أن تتكامل المكاسب السياسية مع التحول التنموي، فعدد الدول الداعمة والقنصليات المفتوحة يمنح الموقف المغربي زخما دبلوماسيا، بينما تمنح الطرق والموانئ والطاقة والاستثمارات هذا الزخم امتدادا عمليا.

  • الدعم الاجتماعي الجامعي.. إنجازات مرحلية ورهانات مفتوحة

    الدعم الاجتماعي الجامعي.. إنجازات مرحلية ورهانات مفتوحة

    شكّل الدعم الاجتماعي الجامعي أحد أبرز التحديات التي واجهت منظومة التعليم العالي بالمغرب منذ سنوات، وذلك في ظل التحولات المتسارعة التي عرفها الطلب على المنح والخدمات الاجتماعية الجامعية منذ سنة 2011.

    فقد ارتفع عدد المستفيدين من المنحة من حوالي 182 ألف طالب خلال الموسم الجامعي 2011-2012 إلى نحو 330 ألف مستفيد سنة 2015-2016، ثم إلى أكثر من 415 ألف مستفيد خلال الموسم الجامعي 2020-2021. في المقابل، لم يواكب الغلاف المالي هذا التوسع إلا بشكل تدريجي، إذ انتقل من حوالي 718 مليون درهم إلى ما يقارب 2.39 مليار درهم، ما يعكس فجوة متنامية بين الطلب المتزايد والقدرة التمويلية للمنظومة.

    ومع تجاوز عدد طلبة الجامعات العمومية حاجز مليون طالب مع بداية الولاية الحكومية الحالية، تفاقمت الضغوط على منظومة الدعم الاجتماعي، سواء على مستوى المنح أو الأحياء الجامعية أو الخدمات الموازية، وهو ما أفرز تحديات بنيوية أبرزها محدودية تغطية الطلبات، والاكتظاظ داخل الأحياء الجامعية، وارتفاع الطلب على الإيواء والإطعام، ما جعل من تكافؤ الفرص والحد من الهدر الجامعي أحد رهانات السياسات العمومية في القطاع.

    ومع انطلاق الولاية الحكومية في أكتوبر 2021، تسلمت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار ملفا مثقلا بتراكمات سنوات من الضغط، أبرزها اتساع قاعدة الطلب على المنح، وارتفاع الحاجة إلى الطاقة الإيوائية، وتزايد الطلب على تطوير الخدمات الاجتماعية الموجهة للطلبة.

    وفي هذا السياق، جعلت الحكومة إصلاح منظومة الدعم الاجتماعي ضمن أولوياتها، عبر استهداف رفع نسبة تغطية المنح الجامعية إلى 97 في المئة من الطلبة المستحقين، إلى جانب توسيع الطاقة الاستيعابية للأحياء الجامعية وتحسين جودة الخدمات المقدمة.

    وباشرت الوزارة، وفق هذا التوجه، مجموعة من الإصلاحات التدريجية التي شملت تعزيز الاستفادة من المنح، وتحسين حكامة تدبيرها، وتوسيع العرض الإيوائي والخدمات الجامعية، إضافة إلى تسريع وتيرة الرقمنة وتحديث آليات التتبع والمراقبة.

    ضغط متواصل ورقمنة متقدمة

    وعرف الموسم الجامعي 2020-2021 استمرار الضغط على منظومة الدعم الاجتماعي، حيث بلغ عدد المستفيدين من المنح حوالي 403.689 مستفيدا، قبل أن يرتفع إلى 409.000 منحة خلال موسم 2021-2022، أي بنسبة تطور تناهز 1.3 في المئة، مع تسجيل نسبة حضور نسائي بلغت حوالي 57 في المئة.

    وخلال هذه المرحلة، تم تعزيز الرقمنة عبر فتح فضاءات رقمية لتدبير لوائح الطلبة، وإطلاق خدمات إلكترونية لتتبع وضعية المنح وإيداع الطلبات عن بعد، إضافة إلى تطوير نظام تدبير بطائق “منحتي”، حيث استفاد أكثر من 130 ألف طالب من خدمات الحجز الإلكتروني لاستلام بطاقاتهم البنكية.

    تعزيز الحكامة وربط الدعم بالاستحقاق

    وتميز الموسم الجامعي 2021-2022 باعتماد آليات تدقيق للوائح المستفيدين، ما أسفر عن توقيف حوالي 8200 منحة غير مستحقة، في إطار تعزيز الشفافية وربط الدعم بمعايير الاستحقاق الاجتماعي.

    كما ارتفعت الميزانية المخصصة للمنح بـ200 مليون درهم، لتنتقل من 1.831 مليار درهم إلى 2.031 مليار درهم، وتم كذلك تطوير المنصات الرقمية الخاصة بتدبير الطلبات داخل المغرب وخارجه، وتحسين آليات صرف المنح بشراكة مع الخزينة العامة للمملكة.

    وفي هذا السياق، أكدت ماجدولين النهيبي، أستاذة التعليم العالي بكلية علوم التربية بالرباط، أن نظام المنح الجامعية عرف تحولات مهمة مقارنة بالماضي، إذ انتقل من الاعتماد على معايير مرتبطة أساسا بمكان الدراسة إلى الاستناد على مؤشرات اجتماعية واقتصادية أكثر دقة، تعتمد السجل الاجتماعي الموحد ووضعية الأسرة.

    واعتبرت النهيبي أن هذا التحول يعزز نجاعة الاستهداف، مع ضرورة الحرص على عدم إقصاء أي طالب مستحق، خاصة من الفئات الهشة.

    وأضافت الأستاذة الجامعية أن اعتماد الحكامة في تدبير ملف المنح والخدمات الاجتماعية يمثل خطوة إيجابية نحو عقلنة التسيير، من خلال إدخال مؤشرات دقيقة وآليات حديثة للتتبع والتقييم، لكنها شددت في المقابل على أهمية تطوير هذا النموذج بشكل ديناميكي ومستمر، بما يسمح بمواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة وطنيا ودوليا، وضمان استجابة أكثر فعالية لحاجيات الطلبة في مختلف السياقات.

    توسع محدود وضغط متزايد

    وعلى مستوى الأحياء الجامعية، تم افتتاح الحي الجامعي تطوان-المضيق بطاقة 1008 أسرّة، وتوسعة الحي الجامعي بالرشيدية بـ1200 سرير، ليصل عدد الأحياء الجامعية إلى 23 حيا جامعيا بطاقة إجمالية تناهز 52.253 سريرا، منها حوالي 61.5 في المئة مخصصة للإناث.

    غير أن تداعيات ما بعد جائحة كوفيد-19 فرضت تقليصا مؤقتا للطاقة الإيوائية بنسبة بلغت حوالي 30 في المئة، حيث تم إيواء ما يقارب 37 ألف طالب وطالبة، مع تسجيل معدل استجابة لا يتجاوز 40 في المئة من الطلبات، ما يعكس استمرار الضغط البنيوي على هذا المرفق الاجتماعي.

    وفي سياق هذا النقاش المرتبط بمدى نجاعة معايير الاستفادة من المنح والخدمات الاجتماعية الجامعية، تؤكد الطالبة رهام كريمي، التي تتابع دراستها بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن المعايير المعتمدة للاستفادة من المنحة لا تعكس دائما الوضعية الاجتماعية الحقيقية للطلبة، ما يجعلها، حسب رأيها، في حاجة إلى مراجعة أكثر دقة وإنصافا.

    وأضافت الطالبة، التي لا تستفيد من المنحة، أن غياب المنحة يزيد من حجم الأعباء المالية الملقاة على عاتقها وعلى أسرتها، ويجعل تحمل مصاريف الدراسة والتنقل والإقامة أكثر صعوبة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على استقرار مسارها الدراسي وظروف تحصيلها الأكاديمي.

    وأوضحت أنها لم تستفد أيضا من السكن الجامعي، رغم أن أسرتها تقيم بمدينة القصر الكبير، وهو ما يزيد من صعوبة وضعيتها، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف العيش بمدينة الدار البيضاء وصعوبة إيجاد بدائل سكنية ملائمة.

    وفي ما يتعلق بأبرز الإصلاحات المنتظرة، شددت على ضرورة إعادة النظر في معايير الاستفادة، خاصة ما يرتبط باعتماد المؤشر الاجتماعي، مع تحسين دقته وملاءمته للواقع المعيشي للطلبة، إلى جانب توسيع قاعدة المستفيدين من المنح، وضمان صرفها في آجالها المحددة، فضلا عن الرفع من جودة خدمات السكن والمطاعم الجامعية، بما يساهم في تخفيف الضغط الاجتماعي وتحسين ظروف الحياة الجامعية.

    ووفق معطيات الحصيلة المرحلية لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، تواصلت الجهود الرامية إلى توسيع العرض وتحسين شروط الاستفادة من السكن والخدمات الجامعية، في محاولة للتقليص من حدة الفجوة بين الطلب المتزايد والقدرة الاستيعابية المحدودة.

    وشملت هذه الجهود إطلاق خدمات إلكترونية جديدة لتدبير السكن الجامعي، وتبسيط المساطر الإدارية، وتحسين حكامة الأحياء الجامعية، إلى جانب تشجيع الشراكة مع القطاع الخاص لإحداث إقامات طلابية جديدة.

    وفي تقييمها لهذه الحصيلة، اعتبرت ماجدولين النهيبي أن اعتماد الحكامة في تدبير ملف المنح والخدمات الاجتماعية يشكل خطوة إيجابية نحو عقلنة التسيير، من خلال إدخال مؤشرات دقيقة وآليات حديثة للتتبع والتقييم، غير أنها شددت على أن هذا النموذج يظل في حاجة إلى تطوير مستمر لمواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية، بما يضمن استجابة أكثر فعالية لحاجيات الطلبة.

    تحسن المؤشرات وفجوة مستمرة

    وفي الموسم الجامعي 2024-2025، سجلت منظومة الدعم الاجتماعي خلال هذا الموسم تطورا ملموسا، حيث بلغ عدد المنح 421.551 منحة مقابل 407.178 خلال الموسم السابق، أي بنسبة تطور بلغت 3.5 في المئة، مع هيمنة الإناث بنسبة تقارب 63 في المئة.

    كما ارتفعت نسبة الاستجابة لطلبات المنح إلى حوالي 93 مقابل 82 في المئة، نتيجة تحسين الحكامة واعتماد السجل الاجتماعي الموحد وربط منصة “منحتي” بالمعايير الجديدة للاستحقاق.

    وعلى مستوى الإيواء، ارتفعت الطاقة الاستيعابية إلى حوالي 55.818 سريرا، مع تسجيل معدل استجابة لطلبات السكن في حدود 47 في المئة، مقابل استمرار ضغط الطلب الذي يفوق 46.700 طلبا.

    وفي هذا السياق، صرح آدم السعودي، طالب بالمدرسة العليا للتجارة والتسيير، أن المنحة ساهمت بشكل مهم في مواصلة دراسته وتخفيف جزء من الأعباء المالية عن أسرته، خصوصا ما يتعلق بمصاريف النقل واللوازم الدراسية وبعض الاحتياجات اليومية، غير أنه يعتبر أن قيمة المنحة، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، لم تعد كافية لتغطية فترة الصرف كاملة، داعيا إلى مراجعتها ورفع قيمتها بما يتناسب مع الظرفية الحالية.

    ويضيف الطالب ذاته أن اعتماد الرقمنة والسجل الاجتماعي الموحد ساهم في تبسيط الإجراءات وتحسين تنظيم عملية الاستفادة، مع تعزيز الشفافية وتقليص التعقيدات الإدارية، معتبرا أن هذه الخطوة إيجابية وتحتاج إلى مزيد من التطوير لتصبح أكثر سرعة وفعالية.

    وشدد على أنه رغم الجهود المبذولة فمنظومة الدعم الاجتماعي ما تزال بحاجة إلى مزيد من التحسين، سواء على مستوى قيمة المنحة أو جودة الخدمات المرتبطة بالسكن الجامعي والإطعام، من خلال تحسين ظروف الإقامة والصيانة والنظافة والتجهيزات، وتطوير جودة وتنوع الوجبات، بما يضمن ظروفاً دراسية ومعيشية أفضل للطلبة.

    وفي ضوء هذه المعطيات، وبين دينامية الإصلاحات واستمرار الضغوط البنيوية، يظل الدعم الاجتماعي الجامعي في قلب سؤال التحول: هل يتعلق الأمر ببداية مرحلة جديدة في تدبير هذا الورش الاجتماعي، أم باستمرار مسار إصلاحي تدريجي يحتاج إلى مزيد من الزمن والموارد؟

    وفي هذا السياق، يرى عدد من المتتبعين أن تقييم هذه الحصيلة يستوجب قراءة مزدوجة، تأخذ بعين الاعتبار حجم التراكمات من جهة، والظرفية الاقتصادية والاجتماعية غير المسبوقة التي رافقت تنزيل هذه الإصلاحات من جهة ثانية، مع التأكيد أن التحدي الأكبر للمرحلة المقبلة يظل مرتبطاً باستدامة التمويل، وتوسيع العرض الجامعي، وتعزيز العدالة المجالية في الولوج إلى الخدمات الجامعية.

    نحو تغطية أوسع وإصلاح هيكلي

    وفي سياق استمرارية هذا الورش، أكد وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي، خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس النواب في ماي المنصرم، أن الاستفادة من المنح الجامعية تبقى مرتبطة بمعايير السجل الاجتماعي الموحد، مشيرا إلى أن نسبة المستفيدين ارتفعت من 83 إلى 95 في المئة خلال الموسم الجامعي الحالي، على أن تبلغ 97 في المئة قبل نهاية الولاية الحكومية.

    وأوضح الوزير أن المنحة والسكن الجامعيين يشكلان ركيزتين أساسيتين لتحسين المردودية الدراسية والحد من الهدر الجامعي، مؤكدا مراجعة قيمة المنحة ومعايير الاستفادة، خصوصا عبر السجل الاجتماعي الموحد، بما يضمن استهدافا أدق للفئات المستحقة.

    كما كشف أن المغرب يتوفر حاليا على 23 مطعما جامعيا تُدبَّر في إطار التدبير المفوض، مع تحمل الدولة ما بين 30 و35 درهما عن كل وجبة، مقابل أداء رمزي لا يتجاوز 1.40 درهم من طرف الطالب.

    وفي ما يتعلق بالبنية الإيوائية، أقر الوزير بوجود خصاص واضح في الطاقة الاستيعابية للأحياء الجامعية، حيث لا يتجاوز عدد الأسرة المتوفرة حوالي 60 ألف سرير، في حين تُقدَّر الحاجيات بنحو 400 ألف سرير، ما يعكس حجم الفجوة المسجلة في هذا القطاع.

    وفي مستجد لاحق خلال جلسة 29 يونيو بالبرلمان، أوضح ميداوي أن الوزارة تواصل جهودها لمعالجة هذا الخصاص من خلال مراجعة الإطار القانوني المنظم للمكتب الوطني للأعمال الجامعية الاجتماعية والثقافية، واعتماد نموذج حكامة جديد قائم على الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بهدف بلوغ الطاقة الاستيعابية المطلوبة في أفق سنة 2030.

    وأضاف أن القانون رقم 24.49 أتاح لأول مرة إمكانية مساهمة الجماعات الترابية والجهات، إلى جانب المحسنين والفاعلين الآخرين، في تمويل وإنجاز الأحياء الجامعية وتقديم الدعم، بعدما كان هذا المجال يفتقر إلى إطار قانوني واضح، داعيا مختلف المتدخلين إلى الانخراط في هذا الورش باعتباره مسؤولية جماعية تتطلب تعبئة واستثمارات على المدى المتوسط والبعيد.

  • بين الصدمات ورهان السيادة.. كيف واجه المغرب عاصفة الطاقة العالمية؟

    بين الصدمات ورهان السيادة.. كيف واجه المغرب عاصفة الطاقة العالمية؟

    شهدت المنظومة الطاقية العالمية خلال السنوات الأخيرة واحدة من أعنف الأزمات منذ عقود، في سياق دولي اتسم بتوالي الاضطرابات، بدءا من تداعيات جائحة كوفيد-19 سنة 2020 وما خلفته من اختلالات في سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والشحن، وصولا إلى الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، التي أدت إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط والغاز والفحم، وأعادت قضية الأمن الطاقي إلى صدارة أولويات الدول.

    وقد شكلت هذه التطورات ما يمكن وصفه بـ”صدمة الطاقة”، بالنظر إلى انعكاساتها المباشرة على معدلات التضخم وأسعار المواد الأساسية والقدرة الشرائية للمواطنين عبر العالم.

    وعلى المستوى الوطني، فقد تزامنت هذه التطورات مع توقف العمل بأنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي سنة 2021، وهو ما وضع المغرب أمام تحديات إضافية مرتبطة بتأمين إمداداته من الغاز الطبيعي وتنويع مصادر التزود بالطاقة.

    وجاء ذلك في وقت كانت فيه المنظومة الطاقية الوطنية تواجه تحديات بنيوية مرتبطة بارتفاع التبعية الطاقية للخارج، التي ناهزت 88 في المئة من الحاجيات الطاقية، واستمرار الاعتماد الكبير على الوقود الأحفوري، رغم التقدم المحرز منذ إطلاق الاستراتيجية الطاقية الوطنية سنة 2009.

    وفي المقابل، راكمت المملكة خلال السنوات الماضية مؤهلات مهمة في مجال الطاقات المتجددة، مستفيدة من إمكاناتها الكبيرة في مجالي الطاقة الشمسية والريحية، ومن مشاريع استراتيجية واعدة، من قبيل الهيدروجين الأخضر ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي-الأطلسي، بما يفتح آفاقا لتعزيز الأمن الطاقي وتقليص التبعية للخارج.

    وأمام مخاطر انتقال آثار صدمة الطاقة العالمية إلى الداخل المغربي وما قد ينجم عنها من ارتفاع في أسعار الكهرباء وغاز البوتان وتفاقم الضغوط الاجتماعية، اختارت الدولة التدخل من خلال تعبئة موارد مالية استثنائية بلغت نحو 79 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين 2022 و2025، بهدف الحفاظ على استقرار الأسعار وحماية القدرة الشرائية للأسر.

    وفي هذا السياق، يطرح حجم التدخل المالي الذي خصصته الدولة لمواجهة تداعيات الأزمة، والمقدر بحوالي 79 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين ما 2022 و2025، تساؤلات حول الكيفية التي تم بها توظيف هذه الاعتمادات لتفادي انتقال صدمة الطاقة العالمية إلى الداخل المغربي، وما كان يمكن أن ينجم عنها من ارتفاع في أسعار الكهرباء وغاز البوتان وتفاقم الضغوط الاجتماعية.

    من تدبير الأزمة إلى تعزيز الأمن الطاقي

    فرضت التحولات التي عرفها قطاع الطاقة منذ سنة 2021 على المغرب تحديات مرتبطة بتأمين الإمدادات والتحكم في كلفة الطاقة، ما دفع وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة إلى تبني مقاربة تجمع بين التدخلات الآنية والإصلاحات الهيكلية، بهدف تعزيز صمود المنظومة الطاقية الوطنية والحد من تداعيات الأزمة على مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.

    ومن بين أبرز التدابير التي اتخذها المغرب لمواجهة تداعيات الأزمة الطاقية، تفعيل آلية التدفق العكسي لأنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي، وذلك عقب توقف العمل به في اتجاهه التقليدي سنة 2021.

    وسمح هذا الإجراء بتغيير اتجاه نقل الغاز من إسبانيا نحو المغرب، وتمكين المملكة من استيراد الغاز الطبيعي المسال من الأسواق الدولية، وضمان استمرارية تزويد محطتي تهدارت وعين بني مطهر بالغاز دون انقطاع.

    وفي هذا الصدد، أشار خبير الطاقات المتجددة محمد بوحاميدي إلى أن الدعم الذي خصصته الدولة خلال سنوات الأزمة كان ضروريا للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وحماية الأسر والمقاولات من الارتفاعات غير المسبوقة في أسعار الطاقة، غير أنه يؤكد أن الرهان على المدى البعيد يقتضي توجيه الجهود نحو الاستثمار في الطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية باعتبارهما الحل المستدام لتقليص فاتورة الطاقة وتعزيز الأمن الطاقي.

    وبالتوازي مع جهود تعزيز الأمن الطاقي، عملت وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة على تسريع تحديث البنيات التحتية الكهربائية لمواكبة الارتفاع المتزايد في حصة الطاقات المتجددة ضمن المزيج الطاقي الوطني، باستثمار 2.5 مليار درهم في مشاريع نقل الكهرباء خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025، مع برمجة استثمارات إضافية تناهز 30 مليار درهم خلال الفترة 2025-2030.

    وفي سياق تعزيز قدرة الشبكة الوطنية على استيعاب الإنتاج المتزايد من الكهرباء المتجددة، أطلقت المملكة عددا من المشاريع الهيكلية، أبرزها مشروع خط الضغط العالي جدا الرابط بين الجنوب والوسط بقدرة تصل إلى 3 جيغاواط، والذي يهدف إلى نقل الطاقات المتجددة.

    وتمت برمجة إضافة قدرات إنتاجية جديدة تصل إلى 15.672 ميغاواط خلال الفترة ما بين 2025 و2030، إلى جانب إدماج حلول التخزين الطاقي عبر إنجاز محطة منزل للضخ والتخزين بقدرة 350 ميغاواط المرتقب دخولها الخدمة سنة 2029، فضلا عن برمجة بطاريات تخزين بقدرة إجمالية تصل إلى 1.500 ميغاواط، في خطوة تروم تعزيز استقرار المنظومة الكهربائية الوطنية وتدبير الطابع المتقطع للطاقات المتجددة.

    ويرى محمد بوحاميدي في هذا الإطار أن تطوير شبكات نقل الكهرباء وتعزيز قدرات التخزين وتشجيع التصنيع المحلي لمعدات الطاقات المتجددة، إلى جانب تسريع برامج النجاعة الطاقية، تشكل عناصر أساسية لتعزيز استقلالية المملكة في المجال الطاقي، مشيرا إلى أن استمرار التبعية لاستيراد الوقود الأحفوري يظل أحد أبرز التحديات التي تواجه الأمن الطاقي الوطني، إذ يجعل الاقتصاد الوطني أكثر عرضة لتقلبات الأسعار والتحولات الجيوسياسية في الأسواق الدولية.

    وشملت التدابير المتخذة إصلاحا يهم الضريبة على القيمة المضافة المطبقة على الطاقة الكهربائية، وذلك في إطار مقتضيات قانون المالية لسنة 2024، الذي أقر مسارا تدريجيا لتوحيد أسعار هذه الضريبة، من خلال رفعها من 14 إلى 16 في المئة سنة 2024، ثم إلى 18 في المئة سنة 2025، وصولا إلى 20 في المئة ابتداء من سنة 2026. غير أن هذا الإصلاح أُرفق، خلال المرحلة الانتقالية، بآلية موازية تقوم على تخفيض التعريفات الصافية للكهرباء، بما يضمن عدم انعكاس الزيادة الجبائية على الفاتورة النهائية للمستهلكين، في إطار مقاربة تروم إصلاح النظام الضريبي مع الحفاظ على القدرة الشرائية للأسر.

    كما أطلقت الوزارة في يوليوز 2022 الحملة الوطنية للاقتصاد في الطاقة تحت شعار “الاقتصاد في الطاقة، ربح لنا ولبلادنا”، والتي أسفرت عن خفض الاستهلاك الوطني للكهرباء بنسبة 3 في المئة خلال شهر دجنبر 2022، أي ما يعادل اقتصادا يقدر بنحو 800 جيغاواط ساعة، كما تم توزيع 240 مليون درهم في إطار منح تحفيزية لفائدة الأسر المقتصدة.

    وإلى جانب هذه الإجراءات، واصلت الوزارة تنفيذ برامج الكهربة القروية في إطار تعزيز العدالة المجالية وفك العزلة عن المناطق النائية، حيث تم ربط 747 دوارا بالكهرباء خلال الفترة الممتدة من أكتوبر 2021 إلى غشت 2025، لفائدة 17 ألفا و361 أسرة، إلى جانب ربط 2059 مؤسسة تعليمية و738 مسجدا و207 مستوصفات، باستثمارات بلغت 706 ملايين درهم.

    وساهمت هذه الجهود في رفع معدل الكهربة الوطني إلى 99,91 في المئة، مقابل 99,80 في المئة سنة 2021، بما يعكس استمرارية ورش الكهربة القروية ودوره في تقليص الفوارق المجالية وتعزيز الاندماج الاقتصادي والاجتماعي للمناطق القروية.

    كما تم إطلاق برنامج PERG 2.0 القائم على الحلول الشمسية لفائدة الدواوير المعزولة التي يصعب ربطها بالشبكة التقليدية، وذلك من خلال اعتماد محطات كهروضوئية صغيرة وشبكات مصغرة أو تجهيز الأسر بأطقم شمسية فردية، بما يساهم في تعميم الولوج إلى الكهرباء وتقليص الفوارق المجالية وتعزيز التنمية المحلية المستدامة.

    تسريع الانتقال الطاقي وبناء أسس السيادة الطاقية

    بعد التدخلات الاستعجالية الرامية إلى الحد من تداعيات أزمة الطاقة العالمية، اتجه المغرب نحو إطلاق إصلاحات هيكلية تروم بناء نموذج طاقي أكثر قدرة على مواجهة الصدمات المستقبلية، وذلك من خلال تسريع الانتقال الطاقي وتعزيز الأمن والسيادة الطاقية.

    وفي هذا الإطار، عملت المملكة على تسريع الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية المرتبطة بالانتقال الطاقي، من خلال اعتماد القانون رقم 82.21 المتعلق بالإنتاج الذاتي للطاقة الكهربائية، إلى جانب القانون رقم 40.19 المعدل للقانون رقم 13.09 المتعلق بالطاقات المتجددة، والقانون رقم 48.15 المتعلق بتنظيم قطاع الكهرباء، بما ساهم في تعزيز انفتاح سوق الطاقة، وتوسيع ولوج المنتجين الخواص إلى الشبكة الكهربائية، وتشجيع الاستثمار الخاص في مشاريع الطاقات المتجددة.

    كما سجل المغرب تقدما ملحوظا في مجال الطاقات المتجددة، حيث ارتفعت حصته في القدرة الكهربائية المركبة من 37,1 في المئة سنة 2021 إلى 46,1 في المئة سنة 2025، مع إضافة 1733 ميغاواط من القدرات المتجددة الجديدة وتعبئة استثمارات تجاوزت 21 مليار درهم خلال الفترة نفسها، وهو ما يعكس تسارع وتيرة الانتقال الطاقي واقتراب المملكة من تحقيق هدفها المتمثل في رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 52 في المئة بحلول سنة 2030.

    وفي هذا الصدد، يرى المحلل الاقتصادي إدريس عيساوي أن المغرب انتقل بشكل ملموس من منطق التسيير الآني للأزمات إلى التأسيس التدريجي لنموذج طاقي أكثر مرونة وصمودا، مشيرا إلى أن الإصلاحات التشريعية والإنفاق الاستثنائي ساهما في تحويل المملكة إلى منصة جاذبة للمشاريع الكبرى والاستثمارات في مجالات الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر.

    وفي المقابل، أكد أن هذا الانتقال لا يزال يواجه تحديات بنيوية، في مقدمتها استمرار التبعية الطاقية للخارج، إلى جانب الفجوة القائمة بين ارتفاع القدرة الكهربائية المركبة ومحدودية مساهمة الطاقات المتجددة في الإنتاج الفعلي للكهرباء.

    رهانات الانتقال الطاقي وأهداف المغرب في أفق 2030

    رغم التقدم المسجل، لا تزال المملكة تواجه تحديات بنيوية مرتبطة باستكمال الانتقال الطاقي وتعزيز قدرتها على الصمود أمام التقلبات الدولية، خاصة في ظل استمرار التبعية الطاقية للخارج، التي لا تزال تناهز 88 في المئة من الحاجيات الطاقية الوطنية.

    وفي هذا الصدد، يرى المحلل الاقتصادي بدر زاهر الأزرق أن المغرب بدأ ينتقل من منطق تدبير الأزمة إلى منطق بناء الأمن الطاقي، من خلال الإصلاحات التي أُطلقت في مجالات الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والغاز الطبيعي، لكن هذا الانتقال ما زال في بدايته، لأن تحقيق السيادة الطاقية يحتاج إلى سنوات من الاستثمار، وإلى تسريع تنفيذ المشاريع، ورفع وتيرة الربط بالشبكات وتعزيز القدرات الصناعية المحلية المرتبطة بالطاقة.

    وتجسيدا لهذا التوجه، تراهن وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة على رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 52 في المئة من القدرة الكهربائية المركبة بحلول سنة 2030، مع استهداف بلوغ 59 في المئة وفق مخطط التجهيز الكهربائي الجديد، إلى جانب تعبئة استثمارات تناهز 120 مليار درهم خلال الفترة 2025-2030، يخصص أكثر من 100 مليار درهم منها لمشاريع الطاقات المتجددة.

    كما تشمل الأوراش المستقبلية تطوير البنية التحتية الغازية الوطنية، لاسيما إنجاز وحدة استيراد الغاز الطبيعي المسال بناظور غرب المتوسط وربطها بالأنبوب المغاربي-الأوروبي والمناطق الصناعية، فضلا عن إنجاز خط الضغط العالي جدا الرابط بين جنوب ووسط المملكة بقدرة 3 جيغاواط.

    وفي هذا الإطار، اعتبر محمد بوحاميدي أن مراجعة خارطة طريق الغاز الطبيعي وتسريع مشاريع الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر تعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى، موضحا أن الغاز الطبيعي يمكن أن يشكل طاقة انتقالية لضمان استقرار المنظومة الكهربائية، في حين يمنح الهيدروجين الأخضر للمغرب فرصة للتموقع كمركز إقليمي لإنتاج وتصدير الطاقة النظيفة، غير أن نجاح هذه المشاريع يظل رهينا بتسريع وتيرة الإنجاز وتكوين الموارد البشرية وتشجيع البحث العلمي وإشراك القطاع الخاص.

    كما يراهن المغرب على تعزيز موقعه كمركز إقليمي للطاقة النظيفة بين إفريقيا وأوروبا، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، إلى جانب تحقيق أهدافه المناخية المتمثلة في خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 53 في المئة في أفق 2035، والالتزام بالحياد الكربوني بحلول سنة 2050.

    وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق الطاقة العالمية، يبقى تعزيز الأمن والسيادة الطاقية من أبرز التحديات الاستراتيجية المطروحة أمام المغرب، بما سيحدد إلى حد كبير ملامح المنظومة الطاقية الوطنية وقدرتها على الصمود في أفق 2030 وما بعده.

  • تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.. بين حصيلة الإنجازات وأسئلة الرهانات

    تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.. بين حصيلة الإنجازات وأسئلة الرهانات

    بعد مرور أكثر من عقد على الاعتراف الدستوري باللغة الأمازيغية كلغة رسمية إلى جانب العربية، عاد ملف تفعيل طابعها الرسمي إلى واجهة النقاش العمومي، في ظل تسارع الإجراءات الحكومية الرامية إلى إدماجها في مختلف مناحي الحياة العامة.

    ويعد القانون التنظيمي رقم 26.16، الصادر سنة 2019، المرجع الأساسي لتحديد مراحل وكيفيات إدماج الأمازيغية في التعليم والإدارة والفضاءات العمومية، غير أن بداية الولاية الحكومية الحالية في أكتوبر سنة 2021 كانت تتسم بمحدودية التفعيل الميداني، سواء على مستوى خدمات الاستقبال والتوجيه، أو حضور الأمازيغية في التشوير والمواقع المؤسساتية.

    ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، تبرز مؤشرات جديدة تعكس تسارع وتيرة تنزيل هذا الورش، من خلال إحداث آليات مؤسساتية وتمويلية مخصصة، وتوسيع حضور اللغة الأمازيغية داخل المرافق العمومية واعتمادها بشكل متزايد في عدد من الخدمات والفضاءات الرسمية.

    أين وصل تنزيل الطابع الرسمي للأمازيغية؟

    ويؤكد عبد الله بادو، عضو المكتب التنفيذي للشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة، أن الولاية الحكومية الحالية شكلت مرحلة انتقالية في مسار تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، بعد الانتقال من حالة الجمود إلى الشروع في تنزيل إجراءات عملية مدعومة باعتمادات مالية مخصصة، همت تعزيز حضور الأمازيغية داخل الفضاءات وبعض الخدمات العمومية.

    وفي هذا السياق، تبرز حصيلة وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة أن الحكومة اتجهت إلى إرساء إطار مؤسساتي ومالي خاص بورش الأمازيغية في محاولة لتجاوز محدودية التنزيل، إذ كانت الإدارات العمومية تفتقر إلى خدمات استقبال مهيكلة باللغة الأمازيغية، كما كان حضورها شبه غائب في اللوحات واللافتات ومركبات الخدمة العمومية، فضلا عن غياب إطار ميزانياتي مخصص لهذا الورش أو بنية مؤسساتية مكلفة بتتبعه، إلى جانب محدودية الأدوات والمصطلحات الإدارية باللغة الأمازيغية.

    وأدرجت الوزارة دعم تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية ضمن صندوق تحديث الإدارة العمومية ودعم الانتقال الرقمي، إلى جانب إصدار نصوص تنظيمية تحدد معايير الاستفادة من هذا الدعم بالنسبة للقطاعات الوزارية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، فضلا عن الجمعيات والقطاع الخاص.

    وتم أيضا إحداث مديرية مخصصة ضمن الهيكل التنظيمي للوزارة، مكلفة بتطوير استعمال اللغة الأمازيغية داخل الإدارات العمومية وتتبع هذا الورش وتنسيق تنزيله بين مختلف القطاعات، في خطوة تعكس انتقال ملف الأمازيغية من بعده الرمزي والثقافي إلى مستوى السياسات العمومية المهيكلة.

    إدماج الأمازيغية في الإدارات العمومية

    وأبرز تقرير حصيلة وزارة الانتقال الرقمي برسم الولاية الحكومية 2021-2026 تسجيل تقدم على مستوى تقريب الخدمات العمومية من المواطنين الناطقين بالأمازيغية، بعد سنوات من محدودية حضور هذه اللغة داخل المرافق الإدارية.

    وفي هذا الإطار، تم توظيف 491 عونا متخصصا لتأمين خدمات الاستقبال والتوجيه باللغات الأمازيغية بتنويعاتها الوطنية الثلاث؛ تاريفيت وتاشلحيت وتامازيغت، على مستوى المصالح المركزية واللاممركزة، إلى جانب تعبئة 1387 عونا إضافيا من خلال اتفاقيات خاصة، فضلا عن تخصيص 75 عونا للاستقبال الهاتفي باللغة الأمازيغية على مستوى 11 مركزا للاتصال تعرف ضغطا مرتفعا من حيث طلبات المواطنات والمواطنين.

    وشهدت السنوات الخمس الماضية بدء الإدارات العمومية في اعتماد التشوير ثنائي اللغة، من خلال نشر أكثر من 3153 لوحة ولافتة مدمجة للغة الأمازيغية على مستوى ثماني إدارات، مع وجود أكثر من ألفي لوحة إضافية في طور الإنتاج، إلى جانب برمجة إدماج الأمازيغية داخل المحطات الطرقية والمطارات والموانئ والطرق والطرق السيارة.

    ويؤكد لحسن أمقران، أستاذ اللغة والثقافة الأمازيغية، أن توظيف أعوان للاستقبال واعتماد التشوير الثنائي والترجمة الرقمية يمثل “خطوات مهمة لكسر الحاجز النفسي واللغوي بين الإدارة والمواطن”، خاصة بالنسبة لسكان المناطق القروية والجبلية وكبار السن الذين يواجهون صعوبات في التواصل مع الإدارة.

    وشدد أمقران على أن حضور الأمازيغية، بحروف “تيفيناغ” في الإدارات، يحمل بعدا رمزيا يتمثل في تعزيز شعور الناطقين بها بالتمثيل داخل الفضاء العام.

    وتبرز الحصيلة أن هذا الورش امتد ليشمل وسائل النقل والمركبات العمومية، حيث تم جرد 20 ألفا و385 مركبة تابعة للمديرية العامة للأمن الوطني ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية والدرك الملكي والوقاية المدنية والمفتشية العامة للقوات المساعدة. كما تم إدراج الكتابة بالأمازيغية على 512 مركبة تابعة للأمن الوطني ووزارة الصحة، مع برمجة تعميمها على 19 ألفا و402 مركبة إضافية خلال السنوات المقبلة، في إطار تعزيز حضور الأمازيغية في الفضاء العمومي وترسيخ هويتها البصرية داخل المرافق والخدمات التابعة للدولة.

    وعلى المستوى الرقمي، شهدت المواقع المؤسساتية بدورها خطوات نحو اعتماد ثنائية اللغة، من خلال ترجمة 310 آلاف و292 كلمة تهم محتويات المواقع الإلكترونية ووثائق التواصل الخاصة بـ12 مؤسسة، من بينها رئاسة النيابة العامة، ووزارة الشباب والثقافة والتواصل، ووزارة النقل واللوجستيك، ووزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، والصندوق المغربي للتقاعد، فضلا عن إنجاز دراسة لتقييم مستوى إدماج اللغة الأمازيغية في المواقع الإلكترونية الرسمية وإعداد خارطة طريق عملية لتنزيلها.

    وموازاة مع ذلك، عملت “وزارة السغروشني” على دعم التكوين والمصطلحية الإدارية، من خلال تكوين 130 موظفا في مجال التواصل باللغة الأمازيغية، وإعداد معجم إداري يضم 7949 مصطلحا بالأمازيغية، بهدف تيسير استعمال الأمازيغية داخل الإدارة وتعزيز التواصل الثنائي بين اللغتين الرسميتين للمملكة.

    الأثر على المواطن الناطق باللغة الأمازيغية

    تمثل الولاية الحكومية 2021-2026، وفق معطيات الحصيلة، مرحلة انتقالية في مسار تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، من مستوى الاعتراف الدستوري إلى مستوى الولوج التدريجي إلى خدمات عمومية متاحة باللغة الأمازيغية.

    وبهذا الصدد، شرعت مجموعة من الإدارات والمؤسسات العمومية في السنوات الأخيرة في تعزيز حضور الأمازيغية داخل الفضاء الإداري، سواء من خلال تعبئة ما يقارب ألفي عون للاستقبال والتوجيه باللغة الأمازيغية، أو عبر إدماجها في اللوحات واللافتات ومركبات الخدمة العمومية.

    واتجهت المواقع الإلكترونية الرسمية تدريجيا نحو اعتماد ثنائية اللغة، بما يتيح للمواطنين الناطقين بالأمازيغية الولوج إلى المعلومات والخدمات الرقمية بلغتهم، في حين أصبح بإمكانهم متابعة الجلسات العامة للبرلمان والندوات الصحفية الحكومية باللغة الأمازيغية.

    وامتد أثر هذا الورش إلى الفاعلين الاقتصاديين والمدنيين، إذ تتيح الآليات الجديدة لدعم تفعيل الأمازيغية إمكانية تمويل مشاريع تروم إدماج “تيفيناغ” في الخدمات والوسائط التواصلية، بما يساهم في توسيع استعمالها خارج المجال الإداري والثقافي.

    وعلى مستوى تدبير الشأن العام، انتقلت الأمازيغية تدريجيا من كونها موضوعا ذا بعد رمزي وثقافي إلى مكون يندرج ضمن السياسات العمومية.

    ويعكس إعداد 25 مخططا قطاعيا وإطلاق تجربة نموذجية على مستوى 40 جماعة ترابية تشمل الاستقبال، والتكوين، وحملات التحسيس، والمواقع الإلكترونية، وإدراج اللغة الأمازيغية على علامات 12.725 مركبة، تشمل سيارات الإسعاف، ونقل الأموات، والنقل المدرسي، إضافة إلى التشوير داخل 30 محطة طرقية، (يعكس) توجها نحو إرساء مقاربة مؤسساتية تروم التعميم التدريجي لهذا الورش في أفق سنة 2030.

    ورغم هذه المؤشرات التي تعكس تقدما في مسار تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، يرى عدد من الفاعلين والباحثين في الشأن الأمازيغي أن الأثر الفعلي لهذه الإجراءات على الحياة اليومية للمواطنين الناطقين باللغة الأمازيغية لا يزال محدودا، وأن هذا الورش يواجه مجموعة من التحديات.

    وفي هذا السياق، أشار أمقران إلى وجود عدد من التحديات التي تحد من الأثر الفعلي لهذه الإجراءات، معتبرا أن خدمات الاستقبال باللغة الأمازيغية لا تزال في كثير من الأحيان “حبيسة البوابة”، في ظل عدم توفر أطر تتقن الأمازيغية في مختلف مراحل المسار الإداري.

    وأشار المتحدث إلى استمرار تأخر إدماج الأمازيغية في بعض القطاعات الحيوية، لاسيما قطاع العدالة، بسبب غياب مترجمين معتمدين ومحلفين داخل المحاكم، وهو ما يطرح تحديات مرتبطة بتمكين المتقاضين من التواصل بلغتهم الأم.

    ومن جهته، أكد عبدالله بادو أن هذه الإجراءات لم تنعكس بعد بشكل كامل على الحياة اليومية لجزء من المواطنين الناطقين بالأمازيغية، خاصة في المناطق القروية، معتبرا أن العديد منهم لا يزالون يواجهون صعوبات لغوية عند الولوج إلى عدد من المرافق والخدمات العمومية.

    وفي تقييمه للحصيلة، اعتبر بادو أن بعض التدابير المتخذة ما تزال تتسم بطابع جزئي، إذ يرتكز جزء منها على حلول مؤقتة، من قبيل الاستعانة بأعوان استقبال ومقدمي خدمات، بدل إرساء مأسسة شاملة تدمج الأمازيغية داخل مختلف مستويات الوظيفة العمومية.

    وأشار إلى أن حضور الأمازيغية في عدد من المنصات والخدمات الرقمية ما يزال في كثير من الأحيان شكليا، إذ لا يشمل مختلف الخدمات والوثائق والمساطر الرقمية، فضلا عن محدودية حضورها في عدد من المنصات الوطنية الكبرى، مثل منصات الدعم الاجتماعي المباشر والسجل الاجتماعي الموحد وبعض البوابات القانونية والإدارية الموجهة للمواطنين.

     ودعا، في هذا السياق، إلى تعزيز آليات الحكامة والتتبع وربط المسؤولية بالمحاسبة في تنزيل الطابع الرسمي للأمازيغية.

    2030 ورهان تعميم الأمازيغية في مختلف المرافق العمومية

    وتعي الحكومة حجم التحديات التي تواجه ورش تنزيل الطابع الرسمي للأمازيغية، لذلك تُراهن خلال الفترة الممتدة ما بين 2026 و2030 على الانتقال إلى مرحلة التعميم التدريجي لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.

    وتشمل هذه المرحلة توسيع تنزيل الورش ليشمل مجموع الجماعات الترابية، ومواصلة إدماج الأمازيغية في المركبات العمومية، وإطلاق منصة للتعليم عن بعد مخصصة للغة الأمازيغية، إلى جانب مواصلة ترجمة النصوص التشريعية وإعداد معجم قانوني متخصص.

    وفي هذا الإطار، أشار لحسن أمقران إلى أن الانتقال من “التدابير الترقيعية” إلى “المأسسة الشاملة” يقتضي التركيز على ثلاثة أوراش أساسية، تتمثل في تسريع تعميم تدريس اللغة الأمازيغية في السلكين الابتدائي والإعدادي، وتعزيز تكوين الموارد البشرية، إلى جانب دعم حضور الأمازيغية في مسار التحول الرقمي من خلال تطوير تطبيقات وخدمات حكومية رقمية تدعم حرف “تيفيناغ” وتيسر الولوج إلى الخدمات الرقمية التفاعلية لفائدة الناطقين بالأمازيغية.

    ودعا إلى تسريع وتيرة ترجمة النصوص التشريعية والقانونية، بما في ذلك الدساتير والقوانين التنظيمية ومدونة الأسرة وقانون الالتزامات والعقود، معتبرا أن “القوانين لا تحمي من لا يفهمها”.

    وفي السياق ذاته، يؤكد عبدالله بادو أن إنجاح المرحلة المقبلة يقتضي الانتقال من منطق التدابير القطاعية إلى مأسسة فعلية للأمازيغية داخل مختلف السياسات العمومية، وذلك من خلال مأسسة حضورها داخل الوظيفة العمومية، وتسريع تعميم تدريسها وتأهيل الموارد البشرية، إلى جانب مراجعة الإطار القانوني وتعزيز آليات التتبع والتقييم.

    وشدد بدوره على ضرورة تعزيز حضور الأمازيغية في مجالي العدالة والإعلام، والانتقال من حضورها الرمزي في الفضاء العام إلى استعمالها كلغة وظيفية تضمن الولوج الفعلي للمواطنين إلى الخدمات والحقوق.

    ومن هذا المنطلق، ورغم ما تحقق من تقدم في مسار تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وانتقاله من مستوى الاعتراف الدستوري إلى مرحلة التفعيل المؤسساتي، يبقى الرهان الأساسي للحكومة المقبلة متمثلا في ضمان استفادة المواطنين الناطقين بالأمازيغية من خدمات عمومية متاحة بلغتهم بشكل فعلي ومتوازن على مختلف جهات المملكة، بما يترجم المقتضيات الدستورية إلى ممارسات يومية ملموسة.

  • كثافة التشريع.. حصيلة إصلاح العدالة بين الجرأة وكلفة الجدل

    كثافة التشريع.. حصيلة إصلاح العدالة بين الجرأة وكلفة الجدل

    ظلت أوراش كبرى لإصلاح العدالة لسنوات حاضرة في النقاش المؤسساتي والقانوني بالمغرب، فيما بقيت نصوص أساسية تنتظر المراجعة أو الحسم، رغم التحولات التي عرفها المجتمع وتطور انتظارات المواطنين والمهنيين.

    وبين تعقيد المساطر، وتراكم القضايا، وتحديات السياسة الجنائية، وضغط التحول الرقمي، استمر سؤال تحديث منظومة العدالة، مع الحفاظ على التوازن بين النجاعة القضائية وضمان الحقوق والحريات، يطرح نفسه بقوة.

    وسط هذا المشهد، تولى عبد اللطيف وهبي حقيبة العدل في أكتوبر 2021، ليجد أمامه تراكما من المشاريع والقوانين والمطالب المهنية التي امتد بعضها عبر حكومات متعاقبة.

    وغير أن أوراش الإصلاح بدأت قبل الحكومة الحالية، فالسمة التي طبعت الولاية الحالية تمثلت في فتح عدد من الملفات الثقيلة، والدفع بها من دائرة الانتظار إلى مراحل التشريع والتنفيذ.

    من المسطرتين المدنية والجنائية إلى العقوبات البديلة، ومن تنظيم المؤسسات السجنية إلى إعادة تأطير المهن القانونية والقضائية، ارتبط اسم وهبي بأوراش أثارت نقاشات واسعة واحتجاجات مهنية وخلافات انتقلت، في بعض المحطات، من طاولات الحوار إلى البرلمان ووسائل الإعلام.

    وفي أكثر من مناسبة، بدا الجدل حول شخصية الوزير وتصريحاته أعلى صوتا من النقاش حول طبيعة التحولات التي كانت تتحرك داخل الوزارة. ومع الاقتراب من نهاية الولاية الحكومية، يصبح السؤال المحوري حول الحصيلة التشريعية، ماذا تحقق؟ وهل تعبر كثافة النصوص التي تم إخراجها عن تحول فعلي في منظومة العدالة، أم عن إنتاج تشريعي سيظل أثره رهينا بقدرة المؤسسات على التنفيذ؟

    المسطرة المدنية.. من تراكم الملفات إلى فتح الأوراش الثقيلة

    تكشف قراءة حصيلة وزارة العدل عن تحرك الإصلاح على ثلاثة مستويات متوازية؛ قوانين دخلت حيز التنفيذ، ومشاريع قطعت مراحل متقدمة من المسطرة التشريعية، وأوراش ما تزال في طور الإعداد أو التفاوض.

    ولا تكمن خصوصية هذه الحصيلة في العدد وحده، وإنما في طبيعة المجالات التي مستها، فقد تحرك الإصلاح من قواعد التقاضي المدني والجنائي إلى فلسفة العقوبة وظروف تنفيذها، ومن التنظيم القضائي إلى المهن المرتبطة بالمحكمة، بالتوازي مع تحديث البنية التحتية والموارد البشرية وتوسيع الخدمات الرقمية.

    ويتقدم القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية قائمة الأوراش الكبرى التي طبعت هذه المرحلة، الذي يحدد الطريق الذي تسلكه الدعوى منذ ولوجها إلى المحكمة، مرورا بالتبليغ والإجراءات والطعن، وصولا إلى صدور الحكم وتنفيذه.

    وتنبع أهمية مراجعة هذا النص من كون قواعد التقاضي المدني ظلت تواجه تحديات مرتبطة بطول الآجال وتعقيد بعض المساطر وصعوبة تنفيذ الأحكام، بالتوازي مع الحاجة إلى إدماج التكنولوجيا في العمل القضائي.

    وقد مر القانون بمسار دستوري وتشريعي دقيق، قبل إحالته على المحكمة الدستورية، التي صرحت بتاريخ 4 غشت 2025، بعدم مطابقة بعض مقتضياته للدستور. وبعد تعديل النص وترتيب الأثر على القرار، صودق على الصيغة الجديدة، قبل نشر القانون في الجريدة الرسمية بتاريخ 29 يناير 2026.

    ولا تقتصر أهمية المسطرة المدنية الجديدة على تحديث الإجراءات التقليدية، بل تمتد إلى توفير سند تشريعي للتحول الرقمي، إذ إن بناء محكمة رقمية لا يمكن أن يتم عبر التطبيقات والمنصات وحدها، وإنما يحتاج إلى قواعد تمنح الإجراءات والوثائق الإلكترونية حجيتها القانونية وتنظم موقع التكنولوجيا في مختلف مراحل التقاضي.

    المسطرة الجنائية.. الإصلاح في منطقة الحقوق والحريات

    وبموازاة ذلك، شكل القانون رقم 03.23 المعدل للمسطرة الجنائية واحدا من أكثر الأوراش حساسية، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالحرية الفردية والحراسة النظرية والبحث والتحقيق والمحاكمة وحقوق الدفاع.

    وقد نشر القانون في الجريدة الرسمية في 8 شتنبر 2025، حاملا مقتضيات تتعلق بالتسجيل السمعي البصري للمشتبه فيهم الموضوعين تحت الحراسة النظرية في بعض الجرائم، وتنظيم ظروف تغذيتهم، وإحداث قاعدة بيانات مركزية للسجل العدلي، إلى جانب تدابير تراعي وضعية الأطفال الموجودين في تماس مع القانون.

    وتكمن حساسية النص في المعادلة التي تحكم كل سياسة جنائية، أي منح الدولة الوسائل الضرورية للبحث عن الجرائم وحماية المجتمع، مع إحاطة هذه السلطة بضمانات تحمي حقوق الأشخاص وتصون شروط المحاكمة العادلة.

    وبهذا المعنى، لم تمثل مراجعة المسطرة الجنائية تعديلا تقنيا لبعض المواد، وإنما محاولة لإعادة ترتيب جوانب من العلاقة بين سلطة البحث وحقوق الأفراد، فيما سيظل الاختبار الحقيقي مرتبطا بكيفية تنزيل الضمانات وتوحيد تطبيقها داخل مختلف المحاكم.

    وفي قراءة لطبيعة هذه الدينامية التشريعية، يرى خليل عبد العزيز، المحامي بهيئة الرباط والخبير القانوني، أن ولاية عبد اللطيف وهبي تميزت بإعطاء دفعة قوية لعدد من الأوراش الإصلاحية، في إطار تنزيل التوجيهات الملكية الرامية إلى تعزيز سيادة القانون، وتسريع البت في القضايا، وتقريب العدالة من المواطن.

    ويعتبر عبد العزيز أن الوزارة قادت ورشا تشريعيا واسعا شمل إصلاح المسطرة الجنائية، وتعزيز حقوق الدفاع، وتوسيع نطاق العقوبات البديلة، وتنظيم مهنة المفوضين القضائيين بموجب القانون رقم 46.21، إلى جانب أوراش مرتبطة بالتوثيق والأمن التعاقدي وحماية الحقوق العينية.

    ويرى أن أهمية هذه الإصلاحات لا تكمن فقط في عدد النصوص، وإنما في اتصالها المباشر بحقوق المواطنين ومصالحهم، سواء تعلق الأمر بضمانات المحاكمة، أو تنفيذ الأحكام، أو حماية المعاملات القانونية والعقارية وتحسين البيئة الاستثمارية.

    لكن قياس أثر هذه الدينامية لا يمكن أن يتوقف عند النصوص، فالقانون لا يتحول إلى إصلاح بمجرد نشره، وإنما حين تبدأ مقتضياته في تغيير الممارسة، ومن بين مختلف الأوراش المفتوحة، تقدم العقوبات البديلة نموذجا يسمح بقياس المسافة بين إخراج القانون وبدء إنتاج أثره.

    العقوبات البديلة.. ثورة في قلب السياسات الزجرية

    يعد القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة أحد أبرز النصوص التي ميزت هذه المرحلة، ليس فقط لأنه أضاف أنواعا جديدة من العقوبات، بل لأنه أعاد طرح السؤال حول فلسفة الجزاء الجنائي نفسها.

    فبعدما ظل السجن العقوبة المركزية في التعامل مع عدد واسع من الجرائم، فتح القانون المجال أمام بدائل تستهدف تحقيق التناسب بين الجريمة والجزاء، وتشجيع إعادة الإدماج، وترشيد اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية.

    وتشمل هذه البدائل الغرامة اليومية، والعمل لأجل المنفعة العامة، وتقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية، إضافة إلى المراقبة الإلكترونية.

    وبعد ثمانية أشهر من دخول القانون حيز التنفيذ، كشف وزير العدل، في جواب عن سؤال كتابي للنائبة البرلمانية لطيفة أعبوث، أن عدد العقوبات البديلة الصادرة بلغ، إلى غاية 14 أبريل 2026، ما مجموعه 2605 عقوبات.

    وتصدرت الغرامة اليومية القائمة بـ1075 مقررا، أي 41 في المئة من المجموع، تلاها العمل لأجل المنفعة العامة بـ1027 عقوبة، بنسبة 39 في المئة، ثم تقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية بـ483 مقررا، أي 19 في المئة، فيما ظل اللجوء إلى المراقبة الإلكترونية محدودا في 20 عقوبة فقط، بما يمثل واحدا في المئة.

    ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في عدد الأحكام فقط، وإنما في أثرها المباشر، فقد مكن تطبيق القانون، وفق معطيات الوزير، من الإفراج عن 1578 معتقلا، كما جنب 90 شخصا مدانا كانوا يتابعون في حالة سراح دخول المؤسسات السجنية.

    وبالنسبة إلى مئات الأسر، أصبحت العقوبات البديلة تغييرا فعليا في مسار تنفيذ العقوبة، فيما يمكن أن تساهم، بالنسبة إلى المؤسسات السجنية، في الحد من الاكتظاظ وتوجيه الإمكانات والبرامج التأهيلية نحو الحالات التي تقتضي طبيعة جرائمها تنفيذ عقوبات سالبة للحرية.

    غير أن الأرقام تكشف أيضا حدود التنزيل، فاستحواذ الغرامة اليومية والعمل لأجل المنفعة العامة على معظم الأحكام، مقابل محدودية المراقبة الإلكترونية، يعكس استمرار صعوبات مرتبطة بتفعيل بعض العقوبات ذات الطابع التقني.

    وقد أقر وهبي بوجود تحديات تتعلق بتتبع تطبيق المقررات القضائية، وتنوع الوضعيات الإجرائية، وحالات رفض التنفيذ أو الإخلال بشروطه، إلى جانب ضعف تفعيل بعض العقوبات، داعيا إلى تعزيز الآليات القانونية والتنظيمية وتقوية العدالة التصالحية والوساطة الجنائية.

    كما طالب بتوسيع نطاق الجرائم القابلة للاستفادة من العقوبات البديلة، مع مراعاة طبيعة الجريمة وخطورتها وشخصية مرتكبها وإمكانية جبر الضرر.

    من العقوبة إلى السجن وإعادة الإدماج

    لم يتوقف إصلاح السياسة العقابية عند إيجاد بدائل للسجن، بل امتد إلى ظروف تنفيذ العقوبة من خلال القانون رقم 10.23 المتعلق بتنظيم وتدبير المؤسسات السجنية، الصادر سنة 2024.

    وتنبع أهمية النص من كونه ينقل الإصلاح من قاعة المحكمة إلى مرحلة تنفيذ الحكم، لأن العدالة لا تنتهي بصدور العقوبة، وإنما تشمل أيضا ظروف الاعتقال وحماية كرامة السجين وإعداده للعودة إلى المجتمع.

    ويتقاطع هذا التوجه مع تطور اللجوء إلى الإفراج المقيد بشروط، إذ ارتفع عدد المستفيدين من 13 شخصا خلال الفترة الممتدة من أكتوبر إلى نهاية 2021، إلى 160 سنة 2022، ثم 204 سنة 2023، و420 سنة 2024، وصولا إلى 447 مستفيدا إلى غاية 14 أكتوبر 2025.

    كما أبرمت الوزارة مذكرة تفاهم مع مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، بهدف مواكبة المستفيدين من الإفراج المقيد بشروط ومساعدتهم على الاندماج في النسيجين الاجتماعي والاقتصادي.

    وتكشف هذه الدينامية توجها نحو توسيع أدوات السياسة الجنائية خارج منطق السجن وحده، من خلال الجمع بين العقوبات البديلة والإفراج المقيد بشروط وإعادة الإدماج. غير أن نجاح هذه السياسة يظل مرتبطا بقدرة المؤسسات على مواكبة المستفيدين اجتماعيا واقتصاديا حتى لا تتحول البدائل القانونية إلى حلول مؤقتة.

    الرقمنة.. إصلاح لا يرى في القانون فقط

    إذا كانت المسطرتان المدنية والجنائية والعقوبات البديلة تمثل الواجهة التشريعية للإصلاح، فإن الرقمنة شكلت وجهه التنفيذي الأكثر اتصالا بالحياة اليومية للمرتفقين.

    فقد تجاوزت نسبة الطلبات الإلكترونية للسجل العدلي 80 في المئة، فيما ناهزت طلبات شهادة الجنسية المغربية المقدمة عن بعد 90 في المئة من مجموع الطلبات المعالجة.

    كما تم إطلاق بوابة إلكترونية لطلبات العفو والإفراج المقيد، وخدمة الأداء الإلكتروني للغرامات، وتطبيق “محاكم”، والبوابة الإلكترونية للشكايات، والمكتبة القانونية الرقمية “عدالة”، ومنصة الحماية الإلكترونية “e-Himaya”، إلى جانب خدمات تتبع الملفات وجدول الجلسات وأداء مخالفات السير.

    وامتدت الرقمنة إلى العلاقة بين المحاكم والمهن القانونية والمؤسسات، من خلال منصات للتبادل الإلكتروني مع المحامين والمفوضين القضائيين والخبراء، وأخرى لتتبع تنفيذ الأحكام الصادرة في حق أشخاص القانون العام، مفعلة لفائدة 17 وزارة و20 مؤسسة عمومية، فضلا عن التبادل الإلكتروني مع الأبناك وشركات التأمين وعدد من الإدارات.

    وخلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2024، خصصت الوزارة أكثر من 124.6 مليون درهم للمشاريع الرقمية على مستوى الإدارة المركزية، ونحو 315.5 مليون درهم على المستوى الإقليمي.

    وبالنسبة إلى المواطن، يفترض أن يترجم هذا التحول إلى تقليص عدد التنقلات نحو المحاكم، وتبسيط الحصول على الوثائق والخدمات، وتقليص زمن الانتظار، فيما يمنح المهنيين إمكانية تتبع الملفات وتبادل المعطيات بشكل أسرع.

    وفي هذا السياق، يعتبر المحامي خليل عبد العزيز أن ورش الرقمنة وإرساء تصور المحكمة الرقمية الموحدة يمثلان أحد أبرز الإنجازات الاستراتيجية خلال ولاية وهبي، بالنظر إلى ما تتيحه الخدمات الرقمية من إمكانات لتتبع الملفات القضائية ومواعيد الجلسات والإجراءات والأحكام عن بعد.

    ويرى أن المشروع، القائم على التنسيق بين وزارة العدل والسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة وهيئات المحامين، يمكن أن يشكل أداة مهمة لتعزيز الشفافية ومحاربة بعض مظاهر الفساد والبيروقراطية، من خلال التتبع الفوري والدقيق للعمليات القضائية والإدارية.

    حلقات متكاملة في مسار العدالة

    لم تقتصر الدينامية على قواعد التقاضي والعقوبة، بل امتدت إلى المؤسسة القضائية نفسها، من خلال القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي وتعديله بموجب القانون رقم 73.24.

    ويؤطر هذا الورش أصناف المحاكم وبنياتها واختصاصاتها والإدارة القضائية، فيما جرى، في إطار تنزيله، تحديث الخريطة القضائية للمملكة، في محاولة لتقريب الخدمات من المواطنين ومراعاة التحولات الديمغرافية والمجالية.

    كما شملت الدينامية قوانين تنظيمية مرتبطة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة، في سياق استكمال البناء المؤسساتي للسلطة القضائية بعد تكريس استقلالها.

    لكن فعالية العدالة لا تتوقف عند القاضي أو صدور الحكم، لأن مسار القضية يمر عبر مهن تضطلع بالتبليغ والتنفيذ والخبرة والترجمة والتوثيق والدفاع. وفي هذا الإطار، صدر القانون رقم 46.21 المتعلق بتنظيم مهنة المفوضين القضائيين، وهي مهنة ترتبط مباشرة بتبليغ الإجراءات وتنفيذ الأحكام، فالحكم لا يحقق غايته إذا تعثر تبليغه أو تنفيذه، ما يجعل إصلاح هذه الحلقة مرتبطا مباشرة بقدرة المواطن على الحصول فعليا على الحق الذي أقره له القضاء.

    كما شمل الورش الخبرة القضائية من خلال القانون رقم 44.22، إلى جانب إعداد مشروع قانون جديد لتنظيم مهنة الخبراء القضائيين، فضلا عن صدور القانون رقم 52.23 المتعلق بمهنة التراجمة المحلفين المقبولين لدى المحاكم.

    وفي مجال التكوين، صدر القانون رقم 37.22 المتعلق بالمعهد العالي للقضاء، في تأكيد أن تغيير القوانين يحتاج إلى موارد بشرية قادرة على استيعابها وتطبيقها.

    وامتدت الحصيلة إلى القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، الذي يؤطر وسائل بديلة لتسوية المنازعات خارج القضاء التقليدي، بما يمكن أن يخفف الضغط على المحاكم ويوفر آليات أكثر مرونة، خصوصا في النزاعات التجارية والاستثمارية.

    كما شمل الإصلاح القانون رقم 71.24 المتعلق بمقتضيات الشيك، وهو مجال تتقاطع فيه السياسة الجنائية مع حماية الثقة في المعاملات الاقتصادية، حيث يرتبط الرهان بإيجاد توازن بين ضمان حقوق المستفيد وعدم الإفراط في توظيف العقوبة السالبة للحرية.

    وامتدت الإصلاحات إلى الأمن التعاقدي وحماية الحقوق العينية، من خلال الاشتغال على سجل الوكالات الرسمية وتنظيم دورات تكوينية للتعريف به وضمان حسن استعماله، بما يوفر إمكانية أفضل للتحقق من الوكالات ويعزز الثقة في المعاملات القانونية والعقارية والبيئة الاستثمارية.

    بين المنجز والأوراش المفتوحة

    إلى جانب القوانين النافذة، تضم حصيلة الوزارة مشاريع لم تستكمل جميع مراحلها، في مقدمتها مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، الذي صادق عليه مجلس الحكومة في 8 يناير 2026، قبل مواصلة دراسته بالبرلمان بغرفتين والمصادقة عليه، قبل إحالته على المحكمة الدستورية، المنتظر منها حسم الجدل الذي رافق مشروع القانون بسبب رفض المحامين له.

    ويكتسي القانون حساسية خاصة بالنظر إلى موقع المحاماة في منظومة العدالة وارتباطها بحقوق الدفاع وضمان شروط المحاكمة العادلة، وهو ما يفسر النقاش المهني الواسع الذي رافقه.

    كما يوجد مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، الذي صادق عليه مجلس النواب في أبريل 2026، إلى جانب مشروع القانون رقم 58.24 المتعلق بمهنة التوثيق، وهما مجالان يرتبطان مباشرة بالأمن التعاقدي وتوثيق الحقوق والمعاملات الأسرية والعقارية والمالية.

    وتشمل المشاريع كذلك مشروع القانون رقم 53.23 المتعلق بالرسوم والمصاريف القضائية، وهو نص يرتبط بكلفة الولوج إلى العدالة، إلى جانب مشاريع إحداث البنك الوطني للبصمات الجينية، ومراجعة بعض مقتضيات مدونة الأسرة، ومراجعة مجموعة القانون الجنائي.

    التنفيذ.. من النص إلى المؤسسة

    منذ بداية الولاية، باشرت الوزارة 118 مشروعا في مجالي البناء والتهيئة بمختلف الدوائر القضائية، منها 35 مشروعا مدشنا بكلفة 1.35 مليار درهم، و20 مشروعا جاهزا للتدشين، و13 ورشا مفتوحا، إضافة إلى 50 مشروعا في طور الدراسة.

    كما تم إحداث وتجهيز 39 خلية للتكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف، إلى جانب 23 فضاء أزرق داخل أقسام قضاء الأسرة، صممت لتوفير ظروف أكثر ملاءمة للأطفال أثناء تفاعلهم مع النظام القضائي.

    ولا يتعلق الأثر هنا بتحديث المباني وحدها، بل بتحسين ظروف استقبال المتقاضين، وخاصة الفئات الأكثر هشاشة، داخل فضاء العدالة.

    وعلى مستوى الموارد البشرية، شهدت الولاية نقل المناصب المالية والوضعيات الإدارية للقضاة والملحقين القضائيين إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وتخصيص 450 منصبا ماليا على مدى ثلاث سنوات لدعم أقسام قضاء الأسرة، وإحداث المعهد الوطني لكتابة الضبط والمهن القانونية والقضائية.

    كما أشرفت الوزارة على برامج تكوينية لفائدة أطرها ومديريها الإقليميين والمساعدين الاجتماعيين، خصوصا في ما يتعلق بالعقوبات البديلة والمستجدات التشريعية، وعقدت، وفق معطيات الحصيلة، 42 جلسة مع الفرقاء الاجتماعيين بين سنة 2021 وماي 2026.

    غير أن الخصاص في الموارد البشرية يظل من أبرز التحديات، إذ يقدر بنحو 4500 موظف، وهو خصاص ترافع وزير العدل من أجل تقليصه عبر إحداث مناصب مالية جديدة.

    ويعتبر المحامي خليل عبد العزيز أن الاستثمار في التكوين والعنصر البشري يمثل شرطا أساسيا لإنجاح الإصلاحات، لأن المحكمة الرقمية تحتاج إلى موظفين قادرين على تشغيلها، والعقوبات البديلة إلى أطر تتولى تتبعها، فيما تتطلب القوانين الجديدة تكوينا مستمرا يضمن حسن فهمها وتطبيقها.

    ويخلص الخبير القانوني، في تقييم أكاديمي، إلى أن حصيلة عبد اللطيف وهبي تعكس “قيادة عملية وطموحة” نجحت في إعطاء دفعة قوية لإصلاح منظومة العدالة، خصوصا من خلال الرقمنة وتحديث التشريعات والانكباب على قضايا تمس في جوهرها حقوق المواطنين ومصالحهم.

    ومع ذلك، يعتبر أن الخصاص في الموارد البشرية وتحديات التنسيق المؤسساتي يحتاجان إلى معالجة أسرع، حتى تتمكن المنظومة من استيعاب الترسانة القانونية التي أخرجت خلال هذه الولاية، ويرى أن الدينامية التي أطلقها وهبي يمكن أن تشكل إرثا إصلاحيا مهما، شرط ضمان استمرارها وتسريع التنفيذ وتوفير الموارد اللازمة.

    كلفة الإصلاح.. بين منطقي التصادم والحسم

    وتكشف حصيلة عبد اللطيف وهبي على رأس وزارة العدل عن مرحلة اتسمت بكثافة الأوراش وتعدد مستوياتها، ولا يعني ذلك أن جميع هذه الأوراش بدأت مع وهبي أو أنها اكتملت كلها خلال ولايته؛ فالإنصاف يقتضي الاعتراف بتراكمات الحكومات والوزراء السابقين، والتمييز بين القوانين النافذة والمشاريع التي لم تستكمل مسارها بعد.

    لكن السمة الأبرز لهذه المرحلة تظل في الدفع بعدد كبير من الملفات الثقيلة إلى واجهة التشريع والتنفيذ خلال فترة متقاربة، بدل الاكتفاء بتدبير الشؤون اليومية للقطاع أو تأجيل الأوراش المثيرة للخلاف.

    ولم تكن كلفة هذه الأوراش قانونية وتقنية فقط، بل كانت سياسية ومهنية أيضا، فكل تعديل يمس قواعد التقاضي أو صلاحيات المهن القانونية يعيد توزيع الأدوار والمصالح داخل منظومة شديدة الحساسية، وهو ما يفسر انتقال الخلاف، في بعض الملفات، من النقاش التقني حول مواد القوانين إلى توترات مفتوحة بين الوزارة والهيئات المهنية.

    وقد جعلت هذه المقاربة الجدل جزءا من الولاية، فكلما اقترب الإصلاح من قواعد التقاضي أو العقاب أو شروط ممارسة المهن القانونية، اتسعت دائرة المتأثرين به وتعددت المواقف بشأنه.

    ويكشف ذلك أن اختيار فتح هذه الملفات خلال ولاية واحدة لم يكن قرارا إداريا محضا، بل توجها سياسيا وقبولا لتحمل كلفة الجدل بدل الاستمرار في تأجيل مشاريع ظلت معلقة لسنوات. غير أن الجرأة في فتح الملفات لا تعفي من تقييم جودة التشاور، ومدى استيعاب ملاحظات المهنيين، وقدرة الوزارة على بناء توافقات تضمن سهولة التنفيذ لاحقا.

    لذلك، لا يمكن اعتبار كل اصطدام دليلا على فشل الإصلاح، كما لا يمكن تقديم الجدل وحده دليلا على الجرأة والنجاح، فالمعيار الأكثر دقة يوجد في مضمون النصوص، وطريقة إعدادها، ومستوى التشاور بشأنها، ثم قدرتها على إنتاج أثر بعد دخولها حيز التنفيذ.

    وقد قدمت العقوبات البديلة أول نموذج واضح لهذه المعادلة؛ كونه قانونا انتقل إلى التطبيق واستفاد منه آلاف الأشخاص، لكنه كشف أيضا عن صعوبات في التنفيذ وضعف اللجوء إلى بعض العقوبات التقنية.

    أما التحدي الأكبر الذي تضعه هذه الحصيلة أمام المرحلة المقبلة، فيتمثل في قدرة المنظومة على استيعاب هذا الحجم من التحولات، وإصدار النصوص التنظيمية الضرورية، وتكوين الموارد البشرية، وضمان استمرار الإصلاح بعد نهاية الولاية الحكومية.

  • جواز الشباب.. من توسيع الولوج إلى رهان قياس الأثر

    جواز الشباب.. من توسيع الولوج إلى رهان قياس الأثر

    أضحت قدرة الدول على الاستثمار في شبابها تقاس اليوم بمدى نجاحها في بناء جسور عملية بينها وبين فرص التكوين والإدماج والتمكين، لا بمجرد توفير خدمات مرحلية تنتهي بانقضاء ولاية واضعيها في زمن حكومي قصير.

    في المغرب، حيث تطرح فئة الشباب تحديات تنموية واجتماعية متشابكة، سيما في ظل ارتفاع بطالة الشباب واستشراء ظاهرة شباب “NEET”، اتجهت وزارة الشباب والثقافة والتواصل، خلال الولاية الحكومية الحالية، إلى تبني مقاربة جديدة تقوم على تقريب الخدمات من المستفيدين وتجميعها ضمن منظومات أكثر تكاملا.

    ويعد “جواز الشباب” أحد أبرز تجليات هذا التحول، باعتباره مشروعا حكوميا يتجاوز البعد الرقمي الضيق إلى نموذج جديد في تدبير السياسات الشبابية، يرتكز على تسهيل الولوج إلى الفرص، وتوسيع قاعدة المستفيدين وتعزيز الإدماج الاجتماعي والاقتصادي لفئة تشكل رهانا أساسيا في مسار التنمية.

    ومنذ تنصيب الحكومة في 7 أكتوبر 2021، انخرطت وزارة الشباب والثقافة والتواصل، التي يحمل حقيبتها محمد مهدي بنسعيد، في تنفيذ خطة عمل تستهدف إعادة صياغة السياسات العمومية الموجهة للشباب والنساء والأطفال، عبر مقاربة جديدة تقوم على تحديث البنيات التحتية، وتعزيز الكفاءات، وتطوير فضاءات التعلم والإبداع والحماية، مع التركيز على أهداف استراتيجية ترتبط بالإدماج الاجتماعي والتمكين الاقتصادي وتعزيز المواطنة.

    وأتت هذه الدينامية في سياق وطني اتسم بتحديات حقيقية تواجه فئة الشباب، خاصة مع تقديرات المندوبية السامية للتخطيط التي أظهرت أن حوالي 1.5 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة كانوا سنة 2022 في وضعية “NEET”، أي خارج منظومة التعليم والتكوين والشغل.

    هذه المعطيات عكست حجم الرهانات المطروحة أمام السياسات العمومية، وفرضت البحث عن آليات مبتكرة لتقريب الخدمات والفرص من الشباب وتحفيز اندماجهم الاقتصادي والاجتماعي.

    السياسات الشبابية بمنطق جديد

    وأطلقت وزارة الشباب والثقافة والتواصل، سنة 2023 برنامج “جواز الشباب” باعتباره أحد أبرز المشاريع الهيكلية ضمن حزمة برامجها الكبرى، إلى جانب برنامج “متطوع”، والمخيمات الصيفية، وبرامج تمكين النساء وتطوير دور الحضانة وتحديث البنيات التحتية.

    وعكس “جواز الشباب” تحولا نوعيا في فلسفة التدخل العمومي تجاه الشباب، إذ بدل الاقتصار على تقديم خدمات متفرقة وموزعة بين عدد من المؤسسات، تم اعتماد مقاربة تقوم على تجميع الخدمات داخل منصة موحدة وسهلة الولوج، تتيح للشباب الاستفادة من عروض متعددة عبر تطبيق رقمي واحد، يؤكد محمد شكال، رئيس مشروع “جواز الشباب” بوزارة الشباب والثقافة والتواصل.

    ويوضح شكال، في تصريح لمنصة “AM+ MEDIA”، أن جواز الشباب لم يكن هدفه معالجة إشكال واحد فقط، بل مواجهة مجموعة من التحديات المتداخلة التي كانت تحد من استفادة الشباب من الفرص والخدمات المتاحة.

    ويضيف أن التشخيصات المنجزة عن الفترة السابقة أظهرت وجود تشتت الخدمات والبرامج الموجهة للشباب بين عدة قطاعات ومؤسسات، إضافة إلى ضعف الولوج إلى هذه الخدمات، خاصة بالنسبة للشباب في المناطق القروية والنائية، ونقص المعلومة وصعوبة التعرف على الفرص المتاحة وشروط الاستفادة منها، زيادة على غياب منصة موحدة تجمع مختلف الخدمات والعروض في فضاء رقمي واحد.

    ومن هنا جاء “جواز الشباب”، يضيف شكال، كمنصة وطنية موحدة تهدف إلى تقريب الخدمات من الشباب وتسهيل الولوج إليها وتعزيز تكافؤ الفرص بينهم أينما كانوا.

    بدوره، يرى أنس هدان، المدير التنفيذي لحركة مواطنون، أن السياسة العمومية الموجهة للشباب في عهد الحكومة الحالية عرفت تطورا مهما من حيث الأدوات، خصوصا مع اعتماد الرقمنة والخدمات المندمجة.

    وأبرز أن “جواز الشباب” من بين “المبادرات التي تحمل إمكانات كبيرة، فهو لا يقتصر فقط على تقديم تخفيضات أو خدمات، بل ساهم أيضا في التعريف بحقوق وخدمات كانت موجودة منذ سنوات لكنها لم تكن معروفة لدى أغلب الشباب، مثل المراكز الصحية الخاصة بالشباب وبعض الخدمات العمومية الأخرى”، مضيفا أن هذا في حد ذاته مكسب مهم.

    لكن لكي يتحول جواز الشباب إلى رافعة حقيقية للإدماج، ينبغي أن يتجاوز منطق تجميع الخدمات إلى منطق مرافقة المسار، أي أن يصبح منصة تربط الشاب بالتكوين، والتوجيه، وفرص الشغل، وريادة الأعمال، والصحة النفسية، والسكن، والثقافة، والعمل التطوعي، والمشاركة المواطنة، مع تتبع لمساره وليس فقط توفير خدمة معزولة، يؤكد رئيس حركة مواطنون.

    أرقام مرضية

    غير أن الحصيلة الرقمية للبرنامج تظهر نجاح “جواز الشباب” في الوصول إلى فئة واسعة من الشباب، فالتطبيق سجل أكثر من مليوني عملية تحميل، فيما بلغ عدد المستخدمين نصف مليون شاب وشابة، وهي مؤشرات تبرهن على قدرة المبادرة على جذب اهتمام الشباب واستعمالهم الفعلي للخدمات المعروضة، وفق مدير المشروع.

    ولدى سؤال “AM+ MEDIA” لمحمد شكال عن تفسيره للفرق بين عدد التحميلات والمستخدمين الفعليين، أكد أن بلوغ مليوني تحميل في ظرف وجيز دليل على “نجاح الرؤية التي تأسس عليها المشروع، على رأسها توفير خدمات حقيقية وذات قيمة مضافة للشباب، واعتماد مسطرة تسجيل مبسطة وآمنة بفضل التكامل مع الهوية الرقمية الوطنية، ناهيك عن توسيع شبكة الشركاء بشكل مستمر وإضافة عروض جديدة، وتنظيم حملات تواصلية وتحسيسية على المستوى الوطني والجهوي، انتهاء عند اعتماد التطبيق كمنصة موحدة تجمع خدمات متعددة داخل فضاء رقمي واحد.

    وأشار المسؤول ذاته إلى أن عدد المستخدمين الفعليين يعكس مستوى التفاعل الحقيقي مع الخدمات، وليس فقط تحميل التطبيق، ما يؤكد أن الشباب لا يكتفون بالتسجيل وإنما يستفيدون فعليا من العروض المتاحة.

    وبهذا صدد، يظهر مؤشر الرضا، الذي أوردته الحصيلة المرحلية للوزارة، أن ثمانية شباب من أصل عشرة يوصون باستعمال “جواز الشباب”، الذي يقدم 33 خدمة متنوعة تشمل مجالات الإدماج الاجتماعي والاقتصادي، والتكوين، والإبداع، والنقل والإيواء، والصحة، والولوج المجاني للمتاحف والمعالم التاريخية، وتخفيضات على تذاكر المسارح والسينما…، ما يعكس مستوى الثقة في الخدمات المقدمة ويؤشر على وجود قيمة مضافة ملموسة بالنسبة للمستفيدين، وفق ما تكشفه الحصيلة المرحلية للوزارة الوصية على القطاع.

    رافعة لمواجهة الهشاشة الاجتماعية

    وكشف شكال للمنصة أن تحديد الخدمات والعروض التي يقدمها “جواز الشباب” تم بناء على مقاربة تشاركية وواقعية اعتمدت على دراسة حاجيات وانتظارات الشباب في مختلف جهات المملكة، وتحليل الخدمات الأكثر طلبا من طرف هذه الفئة العمرية، والتنسيق مع القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والشركاء الخواص، إضافة إلى الحرص على تغطية المجالات الأساسية التي تهم الشباب، مثل التنقل، والصحة، والتكوين، والثقافة، والترفيه، والمشاركة المواطنة، والخدمات البنكية.

    غير أن رئيس حركة مواطنون يرى أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة “التفريد” أو “التكييف الترابي” للسياسات العمومية، لأن “احتياجات شاب في الدار البيضاء ليست هي احتياجات شاب في الحوز أو جرادة أو زاكورة أو فكيك”، مشددا على أنه “يجب أن تمنح الجهات والجماعات الترابية ودور الشباب هامشا أكبر لتطوير برامج تستجيب لأولويات كل مجال، بدل اعتماد مقاربة موحدة على المستوى الوطني”.

    وأكد محمد شكال بهذا الصدد أن وزارة الشباب والثقافة والتواصل واعية بحجم التحديات التي تنتظر “جواز الشباب”، سيما على مستوى التكييف الترابي، مشددا على أن العروض المقدمة بالبرنامج تخضع بشكل مستمر للتقييم والتطوير وفق مؤشرات الاستعمال وملاحظات المستفيدين، بما يضمن ملاءمتها لاحتياجات الشباب المتجددة.

    الأمر ذاته أكده وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد مهدي بنسيعد، خلال حلوله ضيفا على برنامج “ديكريبتاج” بإذاعة “إم إف إم”، مبيّنا أن “هناك إشكاليات في بعض الجهات وطلبنا من المجالس المنتخبة أن توقع معنا شراكات من أجل التجاوب مع الإشكاليات التي يعتبرونها كفاعلين محليين وإقليميين وجهويين ويمكن أن يقدموها لشباب جهاتهم، لأن مجموعة من البنيات التحتية غير موجودة في بعض الأقاليم والجهات على غرار ‘الترامواي” الموجود في الرباط وسلا والدار البيضاء، لكنه لا يوجد في جهات ومدن أخرى”.

    وشدد بنعسيد على أن وزارته تحاول التجاوب بطرق أخرى مع هذه الإشكالية، و”نحن منفتحون حتى لإدخال خدمة حافلات النقل الحضري، ونعمل على تقديم الخدمات للشباب حتى لا يكون هناك إحساس نقص جهة على حساب أخرى”.

    أكثر من مليون رحلة

    غير أن أنس هدان يشير إلى ضرورة الانتقال من منطق تقييم الإنجاز بالأرقام إلى تقييمه بالأثر، لأن السؤال الحقيقي بحسبه “ليس فقط كم عدد المستفيدين؟ بل كيف تغيرت حياة هؤلاء الشباب؟ وهل ساهمت هذه البرامج فعلا في تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية؟ وهل عززت الثقة بين الشباب والمؤسسات؟”.

    وبهذا الصدد، تظهر حصيلة “وزارة بنسعيد” أنها عملت، بالشراكة مع الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، على إتاحة العمل بتطبيق جواز الشباب والاستفادة من خدماته دون الحاجة إلى إنترنت، مراعاة للظروف الاجتماعية للشباب الأكثر هشاشة، إذ لا يحتاج التطبيق إلى إنترنت سوى في مرحلة التحميل والتسجيل لا غير.

    ويكشف محمد شكال أن معطيات الاستعمال تضع خدمات التنقل في صدارة الخدمات الأكثر طلبا ضمن “جواز الشباب”، خاصة التخفيضات المقدمة بشراكة مع المكتب الوطني للسكك الحديدية وترامواي الرباط-سلا، و”مركوب.ما”، التي مكنت من تسجيل أكثر من مليون رحلة.

    وأبرز أن الخدمات الثقافية والترفيهية تحظى بإقبال مهم بأزيد من 100 ألف استفادة من الخدمة، سيما العروض الخاصة بالسينما والمتاحف والتظاهرات الثقافية، إلى جانب الخدمات الصحية والتكوينية والرياضة والسكن.

    ويعزى هذا الإقبال، وفق المتحدث عينه، إلى ارتباط هذه الخدمات بالحاجيات اليومية للشباب، وتأثير التخفيضات المباشر في تعزيز القدرة الشرائية، فضلا عن سهولة الولوج إليها عبر التطبيق، وتنوع العروض التي تغطي مجالات متعددة تهم فئة الشباب.

     حصيلة تتجاوز الأرقام

    ولا يمكن قراءة حصيلة “جواز الشباب” بمعزل عن باقي البرامج التي أطلقتها الوزارة في إطار رؤيتها الموجهة للشباب، والتي تقوم على الجمع بين التمكين الاقتصادي والاجتماعي وتعزيز قيم المواطنة والمشاركة.

    وفي هذا السياق، يبرز البرنامج الوطني “متطوع” كأحد الأوراش المكملة لهذه الرؤية، حيث استفاد منه؛ منذ انطلاقه سنة 2022، ما مجموعه 2718 شابا وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و22 سنة، مع تحقيق مبدأ المناصفة ببلوغ نسبة مشاركة النساء 50 في المئة، فضلا عن تغطيته لجميع جهات المملكة.

    ويترجم هذا البرنامج، وفق معطيات الوزارة الوصية، التوجه نحو الاستثمار في الرأسمال البشري للشباب من خلال تعزيز المشاركة المواطنة وتطوير المهارات الشخصية والمهنية ورفع الوعي بالقضايا المعاصرة، عبر مجالات متنوعة تشمل التكوين والتضامن والتعاون والتربية والتنشيط والتراث والثقافة والمقاولة الاجتماعية والتظاهرات الرياضية وحماية المعطيات الشخصية والذكاء الاصطناعي والعمل التطوعي.

    وأطلقت الوزارة أيضا برنامج “تدرج” بشراكة مع وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، الرامي إلى تكوين 21 ألف متدرب ومتدربة سنويا في أفق سنة 2030، بما يعزز فرص الإدماج المهني للشباب ويقربهم من متطلبات سوق الشغل.

    هذه المؤشرات تعكس، وفق حصيلة وزارة الشباب، اتجاها واضحا نحو الاستثمار المبكر في مهارات المستقبل، من خلال هدف تكوين 200 ألف طفل في مجال الذكاء الاصطناعي في أفق سنة 2030، وهو توجه ينسجم مع التحولات العالمية المتسارعة نحو الاقتصاد الرقمي واقتصاد المعرفة.

    وفي السياق ذاته، واصلت الوزارة توسيع قاعدة المستفيدين من برامجها الموجهة للشباب، حيث استفاد نحو 12 ألف شاب وشابة من برنامج “متطوع” خلال السنوات الثلاث الأخيرة، فيما استفادت حوالي 10 آلاف فتاة من برامج التكوين الأساسي والمهني، بما يعزز فرص التمكين الاقتصادي والاجتماعي ويكرس مبدأ تكافؤ الفرص.

    أيضا، استفاد ألف شاب من تكوين في اللغة الأمازيغية بشراكة مع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، كما استفاد 677 شابا وشابة من برنامج “مهارات” المنجز بشراكة مع منظمة اليونيسيف، فضلا عن تمكين الشباب من تخفيضات خاصة على دروس اللغة الفرنسية والتحضير لشهادات دولية معترف بها، من قبيل DAF وDELF وTCF، بشراكة مع المعهد الفرنسي.

    ويمتد العمل على التكوين إلى شبكة دور الشباب التي تحولت بدورها إلى فضاءات للتعلم واكتساب المهارات، من خلال تنظيم تكوينات متنوعة بشراكة مع النسيج الجمعوي، إذ سجلت هذه الدينامية أكثر من مليوني مشاركة في برامج مرتبطة بريادة الأعمال والرقمنة ومجالات أخرى، ما يؤشر على الانتقال من الاكتفاء بخدمات استهلاكية أو امتيازات ظرفية إلى جعل الشباب فاعلا في التنمية ومؤهلا لاقتناص الفرص الاقتصادية الجديدة.

  • تقليص ساعات عمل حراس الأمن الخاص.. إصلاح اجتماعي أمام اختبار التنزيل

    تقليص ساعات عمل حراس الأمن الخاص.. إصلاح اجتماعي أمام اختبار التنزيل

    يشكل القانون رقم 032.26 القاضي بتتميم المادة 193 من القانون رقم 65.99 المتعلق بمدونة الشغل أحد أبرز مخرجات الحوار الاجتماعي لسنة 2026، بعدما تقدمت به وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، وصادق عليه البرلمان بغرفتيه، في خطوة تروم إخضاع حراس الأمن الخاص لمدة الشغل القانونية العادية المحددة في ثماني ساعات يوميا، بدل نظام الاثنتي عشرة ساعة الذي ظل معمولا به لسنوات.

    ويأتي هذا الإصلاح استجابة لمطالب نقابية وحقوقية متواصلة، كما يندرج ضمن توجه يهدف إلى تعزيز العدالة الاجتماعية وإنهاء الاستثناء القانوني الذي ظل يميز هذه الفئة عن باقي الأجراء.

    استثناء قانوني

    عانى حراس الأمن الخاص لسنوات من نظام استثنائي يتيح تشغيلهم لمدة تصل إلى اثنتي عشرة ساعة يوميا مقابل الأجر المؤدى عن مدة الشغل العادية، باعتبارهم ضمن فئة الحراس الذين تعد أشغالهم ذات طبيعة متقطعة.

    ويستند هذا التصنيف إلى مقتضيات المادة 193 من مدونة الشغل، التي اعتبرت أن بعض المهن تكون “معدة بحكم طبيعة الشغل المتقطعة، بحيث تطابق ساعات حضور، لا ساعات شغل فعلي”، وهو ما كان يشمل حراس الأمن الخاص إلى جانب فئات مهنية أخرى.

    ويعني ذلك أن المشرِّع اعتبر أن بعض فئات الأجراء لا تؤدي عملا متواصلا طوال فترة وجودها داخل مقر العمل، وإنما تتخلل عملها فترات انتظار أو راحة، الأمر الذي شكل أحد المبررات لإخضاع هذه الفئة لنظام استثنائي في تنظيم مدة العمل.

    وينسجم هذا التوجه مع مقتضيات المادة 190 من مدونة الشغل، التي تجيز تمديد مدة الشغل إلى اثنتي عشرة ساعة كحد أقصى عندما يكون العمل متقطعا بطبيعته، أو عندما تقتضي الضرورة إنجاز أشغال تحضيرية أو تكميلية يتعذر القيام بها داخل مدة الشغل العادية، بما يعكس تمييز المشرِّع المغربي بين ساعات الحضور وساعات العمل الفعلية.

    وفي المقابل، تعالج المادة 192 وضعا مختلفا لا يرتبط بطبيعة العمل، وإنما بحالات استثنائية وطارئة، إذ تجيز تمديد مدة الشغل عندما تقتضي الضرورة إنجاز أشغال مستعجلة، من قبيل اتقاء أخطار وشيكة، أو تنظيم تدابير النجدة، أو إصلاح ما تلف من معدات وتجهيزات وبنايات المقاولة.

    كما حددت المادة نطاق هذا التمديد زمنيا، من خلال السماح بالاستمرار في العمل طيلة يوم واحد، ثم تمديده بساعتين خلال الأيام الثلاثة الموالية، مما يؤكد أن الأمر يتعلق بتدبير استثنائي ومؤقت لمواجهة أوضاع طارئة، وليس نظاما دائما لتنظيم مدة الشغل.

    غير أن التحولات التي عرفها قطاع الحراسة الخاصة خلال السنوات الأخيرة جعلت استمرار إخضاع حراس الأمن الخاص لهذا التصنيف محل نقاش، بعدما أصبحت مهامهم تقوم على المراقبة المستمرة، وتأمين المؤسسات والمنشآت، ومراقبة الولوج، واستعمال أنظمة المراقبة الإلكترونية، والتدخل في الحالات الاستعجالية، الأمر الذي جعل ساعات حضورهم تقترب، في كثير من الأحيان، من ساعات العمل الفعلية.

    وفي هذا السياق، برزت مطالب نقابية وحقوقية تدعو إلى مراجعة هذا الاستثناء القانوني، معتبرة أن طبيعة عمل حراس الأمن الخاص لم تعد تنسجم مع المقتضيات الواردة في المادة 193 من مدونة الشغل المتعلقة بالأعمال ذات الطبيعة المتقطعة، وهو ما فتح الباب أمام مراجعة الإطار القانوني المنظم لمدة عمل هذه الفئة المهنية.

    ماذا تغير في مدونة الشغل؟

    جاء القانون رقم 032.26 القاضي بتتميم المادة 193 من مدونة الشغل ليضع حدا لهذا الوضع، من خلال إضافة مقتضى يستثني الحراس المرتبطين بعقود شغل مع المقاولات التي تمارس أعمال الحراسة، طبقا للتشريع الجاري به العمل، من فئة الحراس الذين تعتبر أشغالهم ذات طبيعة متقطعة. ويترتب عن هذا التتميم إخضاع هذه الفئة للمقتضيات العامة المتعلقة بمدة الشغل القانونية المطبقة على باقي الأجراء، أي ثماني ساعات يوميا.

    وبموجب هذا التعديل، سيصبح حراس الأمن الخاص خاضعين لمقتضيات المادة 184 من مدونة الشغل، التي تحدد مدة الشغل القانونية في ثماني ساعات يوميا، وهو ما يكرس مبدأ المساواة بين الأجراء، ويعزز الحماية القانونية لفئة ظلت لسنوات تستفيد من حقوق أقل فيما يتعلق بتنظيم وقت العمل.

    ولا يقتصر أثر هذا التعديل على تقليص ساعات العمل، بل يعكس أيضا توجها نحو ملاءمة التشريع الاجتماعي مع التحولات التي يعرفها قطاع الحراسة الخاصة، ومع المعايير الحديثة للعمل اللائق، بما يضمن حماية أفضل للأجراء وتحسين ظروف اشتغالهم.

    وفي هذا السياق، أشار وزير الشغل والتكوين المهني السابق، جمال أغماني، إلى أن هذا التعديل يمثل أول مراجعة تهم مدونة الشغل منذ دخولها حيز التنفيذ سنة 2004، معتبرا أنه يشكل خطوة مهمة نحو إنصاف حراس الأمن الخاص بعد سنوات من خضوعهم لنظام استثنائي.

    وأوضح أغماني في حديثه لجريدة “AM+ MEDIA” أن اعتماد مدة الشغل القانونية المحددة في ثماني ساعات من شأنه أن يعزز الحقوق القانونية والاجتماعية لهذه الفئة، ويضعها على قدم المساواة مع باقي الأجراء.

    وفي المقابل، نبه إلى أن تنزيل هذا الإصلاح قد يواجه تحديات عملية، بالنظر إلى أن حراس الأمن الخاص لا يشتغلون فقط داخل الإدارات العمومية أو المقاولات الكبرى، بل يوجدون أيضاً داخل الإقامات والتجمعات السكنية وغيرها من الفضاءات التي قد تجد صعوبة في تحمل الكلفة المالية الناتجة عن توظيف عدد أكبر من الحراس.

    ورغم ذلك، اعتبر أن المؤسسات العمومية ستكون قادرة على احترام المقتضيات الجديدة من خلال تضمينها في دفاتر التحملات والصفقات العمومية، بما يضمن التطبيق الفعلي للإصلاح.

    قانون مع وقف تنفيذ مؤقت

    لم يقتصر الإصلاح على تقليص ساعات العمل، وإنما رافقه تنظيم قانوني يهدف إلى ضمان تنزيله بشكل سلس، بالنظر إلى ارتباط عدد من شركات الحراسة بصفقات عمومية وخاصة أبرمت وفق نظام الاثنتي عشرة ساعة.

    فبينما يدخل القانون حيز التنفيذ ابتداء من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية، نص المشروع على مقتضى انتقالي يمنح المقاولات التي تمارس أعمال الحراسة أجلا أقصاه اثنا عشر شهرا لتسوية أوضاعها وملاءمة عقودها مع الأحكام الجديدة، وذلك بالنسبة لعقود الشغل الناشئة عن العقود المبرمة قبل هذا التاريخ.

    ويهدف هذا الأجل الانتقالي إلى تمكين شركات الحراسة والجهات المتعاقدة معها من مراجعة الصفقات السارية، وإعادة تنظيم مواردها البشرية وتوفير الاعتمادات المالية اللازمة للانتقال إلى نظام الثماني ساعات، بما يضمن استمرارية الخدمات واحترام المقتضيات القانونية الجديدة دون إحداث اضطرابات في سير المرافق والمؤسسات المستفيدة من خدمات الحراسة.

    رهانات اجتماعية واقتصادية للإصلاح

    ومن المرتقب أن يحمل هذا الإصلاح أبعادا اجتماعية واقتصادية متعددة، إذ من الناحية الاجتماعية، يرتقب أن يسهم في تحسين ظروف اشتغال حراس الأمن الخاص والحد من الإرهاق البدني والضغط النفسي الذي تسببه ساعات العمل الطويلة، فضلا عن تمكينهم من تحقيق توازن أفضل بين الحياة المهنية والأسرية.

    وفي هذا السياق، أكد الكاتب المحلي للنقابة الوطنية لأعوان الحراسة الخاصة والنظافة والطبخ بسلا، منير سنينة، أن عددا كبيرا من حراس الأمن الخاص يعانون من ساعات عمل طويلة تصل أحيانا إلى 12 ساعة يوميا، الأمر الذي انعكس سلبا على صحتهم الجسدية والنفسية، مشيرا إلى استمرار عدد من الإشكالات المرتبطة بعدم احترام بعض الحقوق القانونية، من قبيل الاستفادة من العطل السنوية، والتعويض عن الساعات الإضافية، والتصريح الكامل لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فضلا عن قضايا الأقدمية والحقوق النقابية.

    وأضاف أن التطبيق الفعلي لنظام الثماني ساعات من شأنه أن ينعكس إيجابا على جودة الخدمات الأمنية، معتبرا أن حارس الأمن الذي يشتغل في ظروف لائقة يكون أكثر يقظة وتركيزا وقدرة على أداء مهامه، بما يعزز أمن المؤسسات ويحسن جودة الخدمات المقدمة.

    وعدّ سنينة أن هذا التحول سيدفع الشركات إلى تنظيم مواردها البشرية بشكل أفضل، والحد من الاعتماد على ساعات العمل المفرطة.

    أما على المستوى الاقتصادي، فمن المرتقب أن يدفع اعتماد نظام الثماني ساعات شركات الحراسة إلى إعادة تنظيم أنماط العمل والانتقال تدريجيا نحو نظام يعتمد موارد بشرية كافية، وهو ما قد يساهم في خلق فرص شغل جديدة واستيعاب عدد أكبر من العاملين.

    وفي المقابل، ستتحمل المقاولات أعباء مالية وتنظيمية إضافية مرتبطة بتوظيف موارد بشرية جديدة وإعادة هيكلة العقود والصفقات.

    ترحيب نقابي وتحذير من عراقيل التنزيل

    ولم يقتصر النقاش حول تعديل المادة 193 على الجوانب القانونية والتنظيمية فحسب، بل امتد أيضا إلى مدى قدرة مختلف المتدخلين على ضمان تنزيله الفعلي على أرض الواقع. وفي هذا السياق، اعتبرت النقابات المهنية أن هذا الإصلاح يشكل خطوة مهمة نحو تحسين أوضاع حراس الأمن الخاص، مع التأكيد على أن نجاحه يظل رهيناً بآليات المراقبة واحترام المقتضيات الجديدة من طرف مختلف الجهات المعنية.

    وفي هذا الإطار، اعتبرت الكاتبة العامة للنقابة الوطنية لأعوان الحراسة الخاصة والنظافة والطبخ، لبنى نجيب، أن المصادقة على مشروع القانون تمثل “مكسبا تاريخيا” لفائدة حراس الأمن الخاص، مؤكدة أن هذا الإصلاح هو ثمرة سنوات من الترافع والنضال النقابي.

    وأوضحت أن النقابة تابعت هذا الملف منذ مراحله الأولى، معبرة عن تفاؤلها بعد المصادقة على المشروع، خاصة في ظل التخوفات التي كانت مطروحة بشأن تأخر إخراجه إلى حيز التنفيذ.

    وأشارت لبنى نجيب إلى وجود تنسيق مع وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات لمواكبة تنزيل هذا الورش، مع تأكيدها أن التنزيل الفعلي سينطلق ابتداءً من فاتح يناير 2027، بما يسمح للشركات بملاءمة أوضاعها وتجديد عقودها.

    وفيما يتعلق بضمان احترام المقتضيات الجديدة، شددت المتحدثة على أهمية دور مفتشيات الشغل والوزارة في مواكبة التنفيذ ومراقبته، مشيرة إلى أن عددا من المؤسسات العمومية شرعت بالفعل في مراجعة صفقاتها وفق نظام الثماني ساعات.

    وأكدت النقابية أن نجاح الإصلاح يقتضي أيضا التزام الإدارات العمومية بعدم الضغط على شركات الحراسة لتقديم خدمات بأثمان لا تراعي الكلفة الحقيقية لتطبيق النظام الجديد، معتبرة أن دور النقابة لن يتوقف عند المصادقة على القانون، بل سيشمل تتبع مدى احترامه ورصد مختلف الخروقات المحتملة.

    لذلك، فالأثر الحقيقي لهذا الإصلاح سيظل رهينا بمدى احترام شركات الحراسة الخاصة والجهات المستفيدة من خدماتها للمقتضيات الجديدة، فضلا عن قدرتها على ملاءمة صفقاتها ومواردها المالية مع النظام الجديد، بما يضمن انتقالا سلسا من نظام الاثنتي عشرة ساعة إلى نظام الثماني ساعات، ويحول هذا التعديل من مجرد مقتضى قانوني إلى مكسب اجتماعي ينعكس فعليا على ظروف عمل حراس الأمن الخاص بالمغرب.

  • متى ينتقل التمكين الاقتصادي للنساء من شعار إلى واقع؟

    متى ينتقل التمكين الاقتصادي للنساء من شعار إلى واقع؟

    لم يعد الحديث عن التمكين الاقتصادي للنساء في المغرب يقتصر على كونه مطلبا يرتبط بالمساواة أو العدالة الاجتماعية، بل أصبح يحضر بشكل متزايد ضمن النقاشات المرتبطة بالنمو الاقتصادي، والإنتاجية، وتنافسية الاقتصاد الوطني.

    ومع كل تقرير جديد حول سوق الشغل، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة؛ لماذا ما تزال مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي محدودة، رغم التحولات التي عرفها المغرب على مستوى التعليم، والإصلاحات التشريعية، وتعدد البرامج الموجهة لدعم التشغيل وريادة الأعمال النسائية؟

    يأتي هذا النقاش في سياق شهد ارتفاعا في عدد النساء الحاصلات على الشهادات الجامعية، وتوسيعا لعدد من برامج الإدماج الاقتصادي، إلى جانب إدماج مقاربة النوع في عدد من الاستراتيجيات العمومية، غير أن تقييم أثر هذه الجهود يظل مرتبطا بما تعكسه المؤشرات الرسمية، وفي مقدمتها المعطيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، التي تتابع تطور مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي وتقيس مدى حضورهن داخل سوق الشغل.

    وتظهر إحصائيات سنة 2025 أن معدل النشاط الاقتصادي لدى النساء بلغ 19 في المئة، مقابل 68.5 في المئة لدى الرجال، فيما استقر المعدل الوطني عند 42.9 في المئة.

    وتزداد دلالة هذا المؤشر عند تتبع تطوره خلال السنوات الماضية، إذ انتقل معدل النشاط الاقتصادي لدى النساء من 28.1 في المئة سنة 2000 إلى نحو 19 في المئة سنة 2023، بينما تراجع المعدل الوطني خلال الفترة نفسها من 53.1 إلى 43.6 في المئة. ويعكس هذا المسار اتجاها مستمرا أكثر منه وضعية ظرفية، وهو ما جعل ضعف مشاركة النساء في سوق الشغل يتحول إلى أحد أبرز التحديات المطروحة أمام الحكومة المتعاقبة منذ أكثر من عقد ونيف.

    ورغم هذا التراجع، لم يعرف سوق الشغل جمودا كاملا خلال السنة الماضية، إذ سجل الاقتصاد الوطني إحداث 193 ألف منصب شغل سنة 2025، مقابل 82 ألفا خلال سنة 2024، توزعت أساسا بين قطاعات الخدمات والبناء والصناعة، غير أن ارتفاع عدد المناصب المحدثة لا يكفي وحده لقياس استفادة النساء من هذه الدينامية، وهو ما تدفع إليه قراءة مؤشرات البطالة.

    المعطيات نفسها تظهر أن معدل البطالة لدى النساء ارتفع من 19.4 في المئة سنة 2024 إلى 20.5 في المئة سنة 2025، في الوقت الذي تراجع فيه المعدل الوطني بشكل طفيف إلى 13 في المئة، ما يبرز أن تحسن بعض مؤشرات سوق الشغل لا ينعكس بالضرورة على مختلف الفئات بالوتيرة نفسها.

    وتقود هذه المؤشرات إلى ملاحظة أخرى، مفادها أن محدودية مشاركة النساء لا ترتبط فقط بعدد فرص الشغل المتاحة، بل أيضا بطبيعة البيئة التي تسمح لهن بولوج سوق العمل والاستمرار فيه، إذ إن خدمات الرعاية والحضانة، وإمكانية التوفيق بين الحياة المهنية والأسرية، ووسائل النقل، وجودة التكوين، ومرونة تنظيم العمل، كلها عوامل تؤثر في قرار المشاركة الاقتصادية، كما تؤثر في قدرة النساء على الحفاظ على استقرارهن المهني.

    واقع مرير واختيارات محدودة

    وانطلاقا من هذه المعطيات، يرى المهدي ليمينة، رئيس لجنة المساواة وتكافؤ الفرص بالمجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، في تصريح لـ “AM PLUS MEDIA”، أن ضعف مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي يعكس إشكالية بنيوية تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية وثقافية، رغم الإصلاحات التي راكمها المغرب في مجال المساواة.

    ويوضح ليمينة أن العوائق لا ترتبط بكفاءة النساء، بل باستمرار المعيقات من قبيل ضعف خدمات الرعاية والحضانة، وصعوبة التوفيق بين الحياة المهنية والأسرية، واستمرار الصور النمطية، إضافة إلى محدودية ولوج النساء إلى القطاعات ذات القيمة المضافة، وارتفاع حضورهن في القطاع غير المهيكل.

    ويعتبر رئيس لجنة المساواة بالمجلس الوطني لـ”البام”، أن الاستثمار في النساء لم يعد خيارا اجتماعيا فقط، بل أصبح رهانا اقتصاديا يرتبط بتحسين الإنتاجية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، موضحا أن رفع مشاركة النساء في سوق الشغل يساهم في توسيع القاعدة الضريبية، وتحفيز الاستهلاك، ورفع الاستثمار في التعليم والصحة، بما ينعكس على النمو الاقتصادي.

    ولا يقتصر النقاش حول التمكين الاقتصادي للنساء على رصد المؤشرات أو تشخيص الإكراهات، بل يمتد إلى البحث عن السياسات القادرة على تحويل هذه الأرقام إلى نتائج ملموسة، إذ إن محدودية مشاركة المرأة في سوق الشغل لا ترتبط فقط بفرص العمل المتاحة، وإنما أيضا بقدرة البيئة الاقتصادية والاجتماعية على استيعابهن، وضمان استمراريتهن داخل الدورة الإنتاجية، ليتحول السؤال من كيف نرفع نسبة تشغيل النساء فقط، إلى كيف نجعل مشاركتهن أكثر استقرارا وجودة وإنتاجية؟

    هذا السؤال كان محور النقاش خلال منتدى المرأة، الذي نظمته الأمانة الإقليمية لحزب الأصالة والمعاصرة في 18 يوليوز الجاري بالدار البيضاء-أنفا تحت شعار “التمكين الاقتصادي للنساء… الواقع والآفاق”، بمشاركة مسؤولات ومنتخبات وخبيرات في قضايا التنمية والمقاولة والعمل الاجتماعي.

    وأكد المشاركون في المنتدى أن التمكين الاقتصادي لم يعد ملفا اجتماعيا معزولا، بل أصبح أحد المؤشرات التي يقاس بها مستوى التنمية وقدرة الاقتصاد الوطني على تعبئة موارده البشرية.

    إكراهات خارج العمل

    وفي هذا الإطار، اعتبرت مليكة مزور، عضوة المكتب التنفيذي لمنظمة نساء حزب الأصالة والمعاصرة، أن الحديث عن التمكين الاقتصادي لا يمكن فصله عن تمكين النساء من المشاركة في صناعة القرار، موضحة أن حضور المرأة داخل المؤسسات المنتخبة وهيئات التدبير لا يقتصر على تحقيق التمثيلية، بل ينعكس على طبيعة السياسات العمومية نفسها.

    واستحضرت مزور الإكراهات التي تواجه النساء في حياتهن اليومية، سواء تعلق الأمر بخدمات القرب، أو النقل، أو فضاءات رعاية الأطفال، أو ظروف التوفيق بين الحياة الأسرية والمهنية، مشددة على أن الاستثمار في هذه الجوانب يشكل مدخلا عمليا لتوسيع مشاركة النساء في سوق الشغل، لأن جزءا مهما من الإكراهات التي تحد من نشاطهن يرتبط بعوامل خارج المقاولة أكثر مما يرتبط بسوق العمل نفسه.

    ومن زاوية أكثر ارتباطا بالواقع اليومي للنساء داخل سوق الشغل، توقفت نجوى كوكوس، رئيسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، عند عدد من الإكراهات الاجتماعية والمهنية التي ما تزال تحد من استقرار النساء في العمل، معتبرة أن التمكين الاقتصادي لا يرتبط فقط بإحداث فرص الشغل، بل أيضا بتوفير الظروف التي تسمح للمرأة بالاستمرار فيها.

    وأشارت إلى أن العديد من النساء يواجهن أشكالا مختلفة من المضايقات والتمييز داخل بيئة العمل، إلى جانب صعوبات مرتبطة بالتوفيق بين المسؤوليات الأسرية والمهنية، خاصة في ظل محدودية المرافق والخدمات الموجهة للأمهات العاملات، مثل دور الحضانة وفضاءات رعاية الأطفال، ما يدفع عددا منهن إلى الانقطاع عن العمل أو التخلي عن فرص مهنية.

    واعتبرت كوكوس أن تعزيز مشاركة النساء في سوق الشغل يقتضي مواكبة الإصلاحات الاقتصادية بإجراءات اجتماعية ومؤسساتية توفر بيئة عمل أكثر أمانا وإنصافا، وتضمن احترام الحقوق المهنية والاجتماعية للنساء.

    التمويل وحده لا يكفي

    أما مريم ولهان، نائبة عمدة الدار البيضاء، فقد تناولت الموضوع من زاوية المقاولة النسائية، معتبرة أن تشجيع النساء على إطلاق مشاريعهن لا يكتمل بمجرد توفير التمويل، مشيرة إلى أن التجربة أظهرت أن عددا من المشاريع النسائية يواجه صعوبات خلال سنواته الأولى بسبب محدودية المواكبة، وضعف الولوج إلى الأسواق، وصعوبة بناء شبكات مهنية تفتح آفاق الاستثمار والتسويق.

    واعتبرت أن تطوير منظومة متكاملة للمواكبة، تجمع بين التكوين والتأطير وربط المقاولات الناشئة بفرص الشراكة، يمثل أحد الشروط الأساسية لتحويل ريادة الأعمال النسائية إلى رافعة حقيقية للتشغيل وخلق القيمة المضافة.

    ولم يقتصر النقاش على التشغيل وريادة الأعمال، بل امتد أيضا إلى إعادة النظر في مفهوم المساهمة الاقتصادية للنساء، فجزء مهم من العمل الذي تؤديه النساء يوميا، سواء داخل الأسرة أو في مجال الرعاية، لا ينعكس في المؤشرات الاقتصادية رغم دوره في استقرار الأسر واستمرار النشاط الاقتصادي، ما يجعل عددا من الخبراء يعتبرون أن قياس المشاركة الاقتصادية للنساء يظل غير مكتمل إذا اقتصر على سوق الشغل النظامي وحده، دون استحضار الأدوار الأخرى التي تؤديها النساء داخل المجتمع.

    وتلتقي مختلف القراءات التي طُرحت، سواء من خلال المؤشرات الرسمية أو المداخلات التي شهدها منتدى المرأة، عند فكرة مفادها أن التمكين الاقتصادي للنساء لم يعد يُقاس بعدد البرامج أو المبادرات المعلنة، ولا بارتفاع معدلات التشغيل وحدها، بل بمدى قدرتها على إحداث تغيير فعلي في واقع مشاركة النساء داخل الاقتصاد الوطني.

    ومع استمرار معدل النشاط الاقتصادي للنساء دون عتبة 20 في المئة، يبرز أن التحدي اليوم في المغرب لا يرتبط فقط بإحداث فرص شغل جديدة، وإنما أيضا بتهيئة بيئة اقتصادية واجتماعية أكثر إدماجا، تتيح للنساء الولوج إلى سوق الشغل والاستمرار فيه، وتوفر لهن فرصا متكافئة في التكوين، والتمويل، وريادة الأعمال، والوصول إلى مراكز القرار.

    وبينما تؤكد المعطيات الرسمية استمرار الفجوة في المشاركة الاقتصادية بين النساء والرجال، تبرز مختلف المداخلات أن هذا الورش يظل رهينا بتكامل السياسات العمومية، وربط إصلاحات التشغيل بمنظومة أوسع تشمل اقتصاد الرعاية، والحماية الاجتماعية، وتأهيل الرأسمال البشري، ودعم المقاولة النسائية، بما يضمن انتقال المرأة من موقع المستفيدة من البرامج إلى فاعل اقتصادي يساهم في الإنتاج والاستثمار وخلق القيمة المضافة. وفي هذا السياق، يبقى الرهان المطروح هو مدى قدرة هذه الأوراش على تحويل التمكين الاقتصادي من هدف تتضمنه الاستراتيجيات والسياسات العمومية إلى أثر ملموس ينعكس على النمو، ويعزز تنافسية الاقتصاد الوطني، ويكرس مساهمة النساء كشريك أساسي في تحقيق التنمية.

    وفي هذا السياق، دعا المهدي ليمينة، رئيس لجنة المساواة وتكافؤ الفرص بالمجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، في تصريح لجريدة “AM PLUS MEDIA”، إلى اعتماد سياسات عمومية مندمجة تشمل تطوير اقتصاد الرعاية، وتحفيز المقاولات الدامجة، وتسهيل ولوج النساء إلى التمويل والاقتصاد الرقمي والصناعة والاقتصاد الأخضر، مشددا على ضرورة تعزيز آليات المواكبة والتكوين، بما يجعل المرأة شريكا أساسيا في خلق الثروة وتحقيق التنمية.

  • من إزالة الصفيح لمنع عودته.. كيف أعاد المغرب هندسة واحدة من أعقد سياساته العمومية؟

    من إزالة الصفيح لمنع عودته.. كيف أعاد المغرب هندسة واحدة من أعقد سياساته العمومية؟

    تحول القضاء على دور الصفيح في المغرب من مجرد مشروع للسكن إلى واحد من أكبر الأوراش الاجتماعية والعمرانية التي أطلقتها المملكة منذ مطلع الألفية الثالثة، فعندما أعطى الملك محمد السادس سنة 2004 انطلاقة البرنامج الوطني “مدن بدون صفيح”، كان الهدف يتمثل في تمكين نحو 270 ألف أسرة من مغادرة السكن غير اللائق ووضع حد لظاهرة ظلت لعقود عنوانا للفوارق الاجتماعية والهشاشة داخل المجال الحضري، غير أن تعقيدات العقار وتسارع التوسع العمراني واستمرار الهجرة نحو المدن، إلى جانب ظهور تجمعات جديدة للسكن الصفيحي جعلت حجم التحدي يتضاعف مع مرور السنوات ليرتفع عدد الأسر المعنية بالبرنامج إلى أكثر من 509 آلاف أسرة.

    وبعد أكثر من عشرين سنة على إطلاق هذا الورش، عاد الملف إلى واجهة النقاش من جديد، بعدما أعلنت الحكومة الحالية أنها رفعت وتيرة معالجة دور الصفيح إلى ما يقارب ثلاثة أضعاف مقارنة بالسنوات السابقة، وانتقلت من متوسط 6200 أسرة مستفيدة سنويا خلال الفترة الممتدة بين 2018 و2021 إلى حوالي 18 ألف أسرة سنويا بين 2022 و2025، بالتوازي مع اعتماد مقاربة جديدة تقوم على إعادة الإسكان بدل الاقتصار على إعادة الإيواء وإشراك القطاع الخاص وإحداث سجل وطني رقمي للمستفيدين وتشديد المراقبة للحد من ظهور تجمعات صفيحية جديدة.

    ولا يمكن تقييم حصيلة هذا الورش الوطني بمنطق الأرقام وحدها، لأن البرنامج لم يكن مجرد عملية لبناء مساكن أو إعادة إيواء أسر، بل سياسة عمومية واجهت على امتداد أكثر من عقدين تحديات عقارية واجتماعية وتمويلية وإدارية متشابكة. ومن ثم، فإن فهم نتائجه يمر عبر تتبع مساره منذ انطلاقه وقراءة التحولات التي عرفتها فلسفة تدبيره وآليات تنزيله، وقياس الأثر الذي أحدثته الإجراءات المعتمدة خلال الولاية الحكومية الحالية على وتيرة القضاء على دور الصفيح.

    من وعد بالقضاء على الصفيح إلى ورش مفتوح منذ عقدين

    عندما أعطى الملك محمد السادس في 26 يوليوز 2004، الانطلاقة الرسمية للبرنامج الوطني “مدن بدون صفيح”، كانت الدولة تراهن على طي أحد أكثر الملفات الاجتماعية تعقيدا داخل المجال الحضري، عبر استهداف نحو 270 ألف أسرة موزعة على 85 مدينة ومركزا حضريا.

    وقد قُدِّم البرنامج آنذاك باعتباره مشروعا وطنيا يروم القضاء التدريجي على السكن الصفيحي من خلال تعبئة مختلف المتدخلين واعتماد مقاربتي إعادة الإيواء وإعادة الهيكلة وربط التدخل السكني بتأهيل الأحياء وتجهيزها بالبنيات الأساسية، لكن مسار البرنامج لم يسر وفق التقديرات الأولى، فكلما تقدمت عمليات المعالجة كانت تتكشف معطيات جديدة توسع دائرة التدخل سواء نتيجة تحيين الإحصائيات أو إدراج تجمعات صفيحية لم تكن مشمولة عند الانطلاق أو استمرار تسجيل بؤر جديدة في عدد من المدن.

    وبذلك، لم يعد البرنامج يتعامل مع الرصيد الذي أحصي سنة 2004 فقط، بل مع واقع حضري متغير ليرتفع عدد الأسر المعنية تدريجيا إلى حوالي 509 آلاف أسرة، أي ما يقارب ضعف العدد الذي انطلق به البرنامج.

    وهذا التطور، تجاوز مجرد تغير في الأرقام إلى كشف أن القضاء على السكن الصفيحي يرتبط بتوفير وحدات سكنية بديلة، وأيضا بقدرة السياسات العمومية على مواكبة التحولات العمرانية والاجتماعية التي تعرفها المدن المغربية.

    بهذا الصدد، سجل المجلس الأعلى للحسابات في تقاريره الرقابية أن البرنامج واجه خلال مراحل تنزيله إكراهات متعددة من بينها صعوبة تعبئة الوعاء العقاري وتعقيد مساطر نزع الملكية واختلال التنسيق بين المتدخلين وتأخر إنجاز مشاريع التجهيز، إضافة إلى محدودية بعض آليات التتبع، وهي عوامل انعكست على وتيرة الإنجاز وأدت إلى تمديد آجال استكمال البرنامج مقارنة بالأهداف الزمنية التي حددت عند انطلاقته.

    ورغم هذه الإكراهات، حقق البرنامج نتائج مهمة خلال العقدين الماضيين، إذ أعلنت السلطات تباعا عددا من المدن والمراكز الحضرية “مدنا بدون صفيح”، فيما استفادت مئات الآلاف من الأسر من حلول سكنية مختلفة، غير أن استمرار وجود تجمعات صفيحية خاصة في الأقطاب الحضرية الكبرى أبقى هذا الورش مفتوحا، ودفع الحكومة الحالية إلى إعادة صياغة منهجية التدخل، ليس عبر رفع الاعتمادات المالية فقط، بل أيضا من خلال مراجعة أدوات التنفيذ نفسها، وهي المقاربة التي ستشكل أحد أبرز عناصر تقييم الحصيلة خلال الولاية الحكومية الحالية.

    قبل 2021.. 15 سنة من الاختلالات

    عندما تسلمت الحكومة الحالية في أكتوبر 2021، تدبير ورش “مدن بدون صفيح”، لم تكن تنطلق من برنامج يسير وفق أهدافه الأصلية، بل من ورش كانت قد شخصت اختلالاته أعلى هيئة رقابية بالمملكة.

    ففي 23 يونيو 2020، قدم المجلس الأعلى للحسابات أول تقييم شامل للبرنامج منذ إطلاقه سنة 2004، بعد افتحاص استغرق سبعة أشهر وشمل فترة 2004-2018، واعتمد على تحليل 162 عملية ميدانية وزيارات لسبع جهات تمثل 98 في المئة من الأسر المعنية إضافة إلى مراجعة 156 اتفاقية تغطي نحو 231 ألفا و675 أسرة.

    وخلص المجلس إلى أن البرنامج انحرف عن الجدول الزمني الذي وضع له، إذ كان يستهدف القضاء على دور الصفيح في أفق 2010، غير أن عدد الأسر المستهدفة ارتفع بدل أن يتراجع من نحو 270 ألف أسرة عند الانطلاق إلى 472 ألفا و723 أسرة بنهاية 2018 كما توسع نطاقه من 70 إلى 85 مدينة ومركزا حضريا، ما عكس استمرار الظاهرة بوتيرة أسرع من وتيرة معالجتها.

    وأرجع التقرير هذا التعثر إلى التمويل وتأخر بعض المشاريع، فضلا عن النموذج المعتمد نفسه، معتبرا أن البرنامج ركز على معالجة نتائج الظاهرة أكثر من أسبابها، في ظل غياب سياسة وقائية تحد من ظهور تجمعات جديدة، إلى جانب اختلالات في الحكامة تمثلت في ضعف التنسيق بين المتدخلين وغياب إطار قانوني ومنظومة معلوماتية موحدة وصعوبات مرتبطة بالعقار وتجهيز مواقع إعادة الإيواء وتعقيد المساطر، فضلا عن استمرار ظاهرة “الانزلاق” التي دفعت بعض الأسر إلى التخلي عن الوحدات أو البقع المستفاد منها.

    وهكذا، وجدت الحكومة الحالية نفسها عند بداية ولايتها أمام برنامج يعاني، وفق تشخيص رسمي للمجلس الأعلى للحسابات، اختلالات بنيوية مست الحكامة وآليات الاستهداف والسياسة العقارية ونموذج التدخل، بما جعل إصلاح هذه الأعطاب شرطا أساسيا قبل الحديث عن تسريع القضاء على دور الصفيح.

    من تغيير المقاربة إلى مضاعفة الوتيرة.. ماذا تغير منذ 2021؟

    إذا كان البرنامج الوطني “مدن بدون صفيح” قد حافظ منذ إطلاقه سنة 2004 على الهدف نفسه؛ وهو القضاء على السكن الصفيحي، فإن أدوات تنزيله لم تبق على حالها، فالسنوات الأخيرة عرفت تحولا في طريقة تدبير هذا الورش، انطلق من مراجعة فلسفة التدخل نفسها، بعدما أظهرت التجربة أن الصيغ المعتمدة خلال المراحل السابقة لم تعد قادرة، وحدها، على مجاراة الطلب المتزايد على السكن اللائق ولا على تقليص الرصيد المتبقي داخل المدن الكبرى.

    وتقوم المقاربة الجديدة، التي اعتمدتها الحكومة منذ الولاية الحالية، على الانتقال من منطق “إعادة الإيواء” إلى منطق “إعادة الإسكان”، ففي حين كانت الصيغة التقليدية تعتمد أساسا على إعادة إيواء الأسر داخل تجزئات سكنية مع ما يرافق ذلك من إكراهات مرتبطة بتجهيز الأحياء وإنجاز البنيات التحتية، أصبح التوجه الجديد يقوم على توفير وحدات سكنية جاهزة عبر تعبئة المنعشين العقاريين والقطاع الخاص بما يسمح بتقليص آجال الإنجاز وتسريع استفادة الأسر.

    هذا التحول، انعكس مباشرة على وتيرة التنفيذ، فبحسب المعطيات التي قدمتها وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة فاطمة الزهراء المنصوري أمام مجلس النواب نهاية يونيو الماضي، ارتفع متوسط عدد الأسر التي تتم معالجة وضعيتها سنويا من حوالي 6200 أسرة خلال الفترة الممتدة بين 2018 و2021 إلى حوالي 18 ألف أسرة سنويا بين 2022 و2025 أي بزيادة تقارب ثلاثة أضعاف.

    وأكدت أن هذا التطور جاء نتيجة رفع وتيرة الإنجاز فضلا عن اعتماد هندسة جديدة لتدبير البرنامج شملت إشراك القطاع الخاص وإحداث سجل وطني رقمي لضبط المستفيدين مع وتعزيز المراقبة الميدانية، وهو ما مكن وفق المعطيات الحكومية من تقليص انتشار دور الصفيح بنسبة 35 في المئة.

    ولتسريع إنهاء هذا الورش، اعتمدت الحكومة برنامجا خماسيا يمتد بين2024 و2028، يستهدف معالجة أوضاع 120 ألف أسرة ما تزال تقطن بدور الصفيح، تتوزع أساسا بين 62 ألف أسرة بالدار البيضاء الكبرى و30 ألف أسرة بمراكش و12 ألف أسرة بالقنيطرة وأكثر من 5100 أسرة بإقليم بنسليمان، إلى جانب تجمعات أخرى بمختلف جهات المملكة، فيما يقوم هذا البرنامج على هندسة مالية جديدة وعلى التوسع في إعادة الإسكان بدل إعادة الإيواء مع تعبئة الاستثمار الخاص لتسريع إنتاج الوحدات السكنية الجاهزة.

    وتشير الحصيلة التي قدمتها الوزيرة إلى أن المقاربة الجديدة مكنت من إنتاج31 ألفا و538 وحدة سكنية من بينها 23 ألفا و884 وحدة تم تسليمها للمستفيدين، فيما توجد 7654 وحدة في مراحل الاستكمال والتسليم، كما أكدت أن الوزارة أولت أهمية خاصة لضبط لوائح المستفيدين عبر سجل وطني رقمي باعتباره أحد الآليات الرامية إلى تعزيز الشفافية وتفادي الازدواجية في الاستفادة.

    ولا تعكس هذه الأرقام، بحسب المسؤولة الحكومية، سوى جزء من حصيلة البرنامج، فإلى غاية نهاية مارس الماضي بلغ عدد الأسر التي تحسنت ظروف عيشها في إطار البرنامج الوطني 384 ألفا و818 أسرة، فيما ارتفع عدد المدن والمراكز الحضرية التي أعلنت رسميا “بدون صفيح” إلى 62 مدينة ومركزا حضريا، بعدما كان البرنامج قد انطلق سنة 2004 مستهدفا 85 مدينة ومركزا حضريا و270 ألف أسر.

    وتشير المعطيات الحكومية إلى أن الكلفة الإجمالية للبرنامج بلغت 73.71 مليار درهم ساهمت الوزارة الوصية منها بحوالي 16.48 مليار درهم، وهو ما يعكس حجم الاستثمار العمومي الذي خصص لهذا الورش منذ انطلاقته.

    ومع ذلك، فإن بلوغ 62 مدينة ومركزا حضريا خالية من دور الصفيح لا يعني نهاية البرنامج لأن التحدي انتقل من معالجة المدن التي استكملت تدخلاتها إلى استهداف الأقطاب الحضرية التي تستأثر اليوم بأكبر كثافة للسكن غير اللائق، وفي مقدمتها الدار البيضاء الكبرى ومراكش والقنيطرة، لهذا فإن الرهان الذي تضعه الحكومة لنهاية سنة 2028 يقاس بعدد الوحدات التي سيتم إنتاجها فضلا عن مدى قدرة المقاربة الجديدة على إنهاء الرصيد المتبقي ومنع إعادة تشكل بؤر صفيحية جديدة بعد أكثر من عشرين سنة على إطلاق هذا الورش الوطني.

    وفي هذا الإطار يرى الخبير في السياسات الحضرية والإسكان أحمد بنزيان، أن الخطأ الذي يقع فيه كثيرون هو اختزال نجاح برنامج “مدن بدون صفيح” في عدد الأسر التي غادرت السكن العشوائي، إذ إن هذا المؤشر، على الرغم من أهميته، لكنه ليس المؤشر الحاسم، سيما وأن التجارب الدولية تبين أن النجاح الحقيقي يبدأ بعد تسليم المفاتيح وليس قبلها.

    وأوضح الخبير في حديثه لـ”AM PLUS MEDIA”، بأنه “إذا انتقلت الأسرة إلى سكن جديد لكنها بقيت بعيدة عن فرص الشغل أو عن النقل العمومي أو عن المدرسة أو عن الخدمات الصحية، فإننا نكون قد غيرنا شكل الهشاشة ولم نعالج مضمونها”.

    لذلك، فإن التحدي الذي تواجهه الحكومة اليوم أكثر تعقيدا من تحدي الحكومات السابقة وفق تعبيره، لأنها “لم تعد مطالبة فقط بإزالة آخر الأحياء الصفيحية، بل بضمان ألا تعود هذه الظاهرة بأشكال جديدة داخل الهوامش الحضرية.”

    وزاد الخبير في حديثه للموقع، أن ما يلفت الانتباه في المقاربة الحالية هو أنها حاولت معالجة عدد من الاختلالات التي ظلت مطروحة لسنوات مثل رقمنة المستفيدين وإشراك القطاع الخاص والانتقال نحو إعادة الإسكان وهي خطوات يراها “يمكن أن ترفع من نجاعة التنفيذ، لكن نجاحها سيظل رهينا بقدرتها على الاندماج داخل سياسة حضرية أوسع”.

    وشدد بنزيان، على أن المدينة ليست مشروعا سكنيا بل منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة، وإذا لم تتطور سياسات النقل والتشغيل والتجهيز والعدالة المجالية بالوتيرة نفسها، فإن خطر إعادة إنتاج الهشاشة سيظل قائما، حتى وإن اختفت آخر براكة.”

    من إنهاء الصفيح إلى منع عودته.. التحدي الذي ينتظر المغرب بعد 2026

    بعد أكثر من عقدين على إطلاق البرنامج الوطني “مدن بدون صفيح”، يبدو أن المغرب يقف اليوم أمام مفترق طرق أكثر منه أمام خط نهاية، فالأرقام الحكومية تشير إلى تسارع غير مسبوق في وتيرة المعالجة وإلى اقتراب إغلاق آخر البؤر الكبرى.

    فبينما تكشف قراءة مسار البرنامج منذ 2004 أن كل مرحلة كان يُعتقد أنها الأخيرة كانت تفتح تحديات جديدة أكثر تعقيدا، بدأ المشروع كبرنامج لإزالة دور الصفيح، ثم تحول تدريجيا إلى سياسة لإنتاج السكن قبل أن يجد نفسه اليوم أمام سؤال مختلف تماما مفاده: كيف يمكن بناء مدينة لا تعود فيها ظاهرة الصفيح إلى الظهور؟

    وهنا تحديدا تنتقل المسؤولية من منطق الإنجاز الكمي إلى منطق الاستدامة، فإذا كانت المرحلة الأولى من البرنامج انصبت على إخراج الأسر من المساكن غير اللائقة، فإن المرحلة المقبلة ستكون مطالبة بضمان ألا تدفع التحولات الاقتصادية والضغط العقاري واتساع الهوامش الحضرية إلى إنتاج أشكال جديدة من الهشاشة السكنية.

    والتجارب الدولية، كما تؤكد أدبيات السياسات الحضرية، بينت أن القضاء على الأحياء الصفيحية لا يتحقق بمجرد نقل السكان إلى مساكن جديدة بل بقدرة المدينة على توفير بيئة عمرانية واجتماعية واقتصادية تمنع عودة الظاهرة في صور أخرى، سواء عبر البناء غير النظامي أو التوسع العشوائي أو الهشاشة السكنية المقنعة.

    ولهذا، فإن الحكومة التي ستنبثق عن انتخابات 2026 لن تبدأ من الصفر، كما أنها لن ترث برنامجا في بدايته بل ستتسلم المرحلة الأكثر حساسية منذ إطلاق هذا الورش، فالرصيد المتبقي حسب آخر المعطيات الرسمية التي قدمتها فاطمة الزهراء المنصوري لم يعد موزعا على عشرات المدن بل أصبح متمركزا في الأقطاب الحضرية الأكثر تعقيدا من حيث الضغط الديمغرافي والعقاري وفي مقدمتها الدار البيضاء الكبرى حيث تتداخل رهانات السكن مع إكراهات الوعاء العقاري، والنقل، والتشغيل، والاندماج المجالي وهذا يعني أن النجاح في السنوات المقبلة لن يرتبط فقط بقدرة الدولة على بناء وحدات سكنية إضافية، بل بقدرتها على إنتاج نموذج حضري يجعل السكن اللائق جزءا من منظومة متكاملة أكثر منه منتج عقاري.

    ومن هذه الزاوية، فإن اختزال حصيلة الولاية الحكومية الحالية في عدد الأسر التي غادرت دور الصفيح أو في عدد المدن التي أعلنت “بدون صفيح” رغم إيجابيتها يظلمها، على اعتبار أن المعيار الحقيقي سيظل مرتبطا بمدى نجاح الإصلاحات التي أطلقتها في تحويل البرنامج من سياسة لمعالجة آثار الهشاشة إلى سياسة تمنع إعادة إنتاجها، فالمجلس الأعلى للحسابات كان قد شخص قبل وصول الحكومة الحالية، اختلالات مست الحكامة والعقار والوقاية وآليات الاستهداف، بينما تقول الحكومة إنها أعادت بناء جزء من هذه المنظومة عبر تغيير نموذج التدخل ورقمنة تدبير المستفيدين وإشراك القطاع الخاص، ورفع وتيرة الإنجاز.

    وبهذا، فإن الحكم النهائي على هذه التحولات لن يصدر مع نهاية الولاية، وإنما مع مرور السنوات عندما يتضح ما إذا كانت قد أغلقت فعلا آخر بؤر الصفيح، أم أنها أرست فقط شروط مرحلة جديدة من تدبيرها.