الانتخابات في “العهد الجديد”.. إصلاحات تتجاوز القوانين لـ”هندسة الثقة”

لم تعرف المنظومة الانتخابية بالمغرب، خلال أكثر من ربع قرن، تحولات مرتبطة فقط بتعديل القوانين أو باحترام المواعيد الدستورية للاستحقاقات، بل مرت عبر مسار إصلاحي متدرج قادته رؤية ملكية جعلت من بناء المؤسسات، وتعزيز الثقة في الانتخابات، وترسيخ سيادة القانون، مرتكزات أساسية لتطوير الممارسة الديمقراطية.

فمنذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش في 30 يوليوز 1999، لم تعد الانتخابات تُقرأ باعتبارها محطة دورية لفرز الأغلبية والمعارضة فقط، بل باعتبارها إحدى الآليات الأساسية لإنتاج مؤسسات قوية، قادرة على مواكبة التحولات السياسية والاجتماعية والتنموية التي تعرفها المملكة.

وفي سياق الاحتفال بعيد العرش، يبرز هذا المسار باعتباره أحد تجليات التحول المؤسساتي الذي عرفه المغرب، حيث ارتبط تطوير الانتخابات برؤية ملكية متدرجة جعلت من بناء الثقة، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز نزاهة العملية الانتخابية، مرتكزات أساسية لتقوية المؤسسات المنتخبة.

ويكشف تتبع الخطب الملكية والمحطات الدستورية الكبرى أن إصلاح المنظومة الانتخابية لم يكن منفصلا عن باقي الأوراش التي أطلقت خلال العهد الجديد، بل تزامن مع إصلاحات مست القضاء، والإدارة، والجهوية، واللاتمركز، والحكامة، بما يعكس تصورا يعتبر أن الديمقراطية لا تختزل في صناديق الاقتراع، وإنما تقوم على وضوح القواعد، وحياد المؤسسات، وثقة المواطنين في المسار السياسي.

“العهد الجديد”.. بناء المؤسسات قبل إصلاح الانتخابات

عندما اعتلى الملك محمد السادس العرش سنة 1999، كان المغرب مقبلا على مرحلة جديدة عنوانها تحديث الدولة وتعزيز فعالية مؤسساتها، ففي أول خطاب للعرش، رسم جلالته الملامح العامة لهذا التوجه، من خلال تأكيد مواصلة بناء دولة المؤسسات، وخدمة المواطن، وربط ممارسة المسؤولية بالاستجابة لتطلعات المجتمع.

ولم يتضمن خطاب 1999 توجيهات مباشرة مرتبطة بالانتخابات، لكنه وضع الإطار السياسي العام الذي ستندرج ضمنه الإصلاحات اللاحقة، إذ إن تطوير العملية الانتخابية لا ينفصل عن تحديث الإدارة، وتقوية المؤسسات، وترسيخ الثقة بين الدولة والمواطن.

وفي هذا السياق، جاءت أول انتخابات تشريعية في العهد الجديد يوم 27 شتنبر 2002، باعتبارها أول اختبار سياسي في مرحلة جديدة. ورغم أنها جرت في ظل دستور 1996، فإنها دشنت مسارا متدرجا لمراجعة القواعد المنظمة للحياة السياسية، وتطوير آليات تدبير العمليات الانتخابية، وتأهيل المؤسسات المنتخبة لمواكبة الأوراش الكبرى التي انطلقت مع بداية الألفية الثالثة.

ولم يعد الرهان مقتصرا على تنظيم الانتخابات في موعدها، بل أصبح مرتبطا أيضا بإرساء قواعد تنافس أكثر وضوحا، وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات المنبثقة عن الاقتراع، وهو ما جعل الإصلاح الانتخابي ورشا مفتوحا في “العهد الجديد” مع جلالة الملك مع يتطور مع تطور الحياة السياسية.

2003.. ترسيخ الديمقراطية كخيار استراتيجي

في خطاب افتتاح السنة التشريعية 2003-2004 بتاريخ 10 أكتوبر 2003، أكد جلالة الملك محمد السادس أن بناء المؤسسات المنتخبة يندرج ضمن مسار إصلاحي متواصل، قائلا: “إننا، بافتتاح هذه الدورة البرلمانية، نستكمل تجديد المؤسسات الدستورية، مجسدين إرادتنا الملكية الراسخة، في إعطاء المسار الديمقراطي طريقه القويم، كخيار لا رجعة فيه، مهما تكن دقة التحديات الوطنية والدولية.”

وشدد جلالته على أن الديمقراطية ليست مجرد آليات انتخابية، بل ممارسة يومية ومسؤولية جماعية، مضيفا: “ألا ديمقراطية بدون ديمقراطيين، وأن الديمقراطية طريق شاق وطويل، وليست ميدانا صوريا لحرب المواقع، بل هي مواطنة ملتزمة، وممارسة لا محيد عنها، لحسن تدبير الشأن العام”.

وربط الخطاب بين الانتخابات وتحقيق التنمية، معتبرا أن شرعية الاقتراع تكتمل بتحويل نتائجها إلى سياسات عمومية تستجيب لتطلعات المواطنين، عندما تساءل جلالة الملك: “هل يعد الانتخاب غاية في حد ذاته، ونهاية المطاف؟”، قبل أن يجيب ” كلا، فإن احترام الإرادة الشعبية يقتضي نبذ عقلية ديمقراطية المقاعد، والالتزام بفضيلة ديمقراطية التنمية”، مبرزا أن الجماعات المحلية تمثل “ديمقراطية القرب والمشاركة”، داعيا المنتخبين إلى “طي صفحة المنافسة الانتخابية العابرة، وفتح الأوراش الحيوية للعمل الجماعي”، ومؤكدا أن الديمقراطية المحلية هي “تواصل دائم مع المواطنين، وليست مجرد لحظة انتخابية موسمية”.

ولم يقتصر خطاب افتتاح السنة التشريعية 2003-2004 على الدعوة إلى المشاركة السياسية، بل ربطها بالحكامة الجيدة واحترام القانون، فقد أكد جلالة الملك “وجوب التزام هذه السلطات باليقظة والحزم والمراقبة الدائمة، لنهوض المجالس المنتخبة على الوجه الأكمل، بصلاحياتها الواسعة، طبقا للقانون”، محذرا من سوء تدبير الشأن العام، قائلا: “ومع تحذيرنا من الإخلال بالمسؤولية وسوء التدبير، ولو كان صادرا عن منتخب بأغلبية واسعة”، وهي توجيهات كرست منذ بداية العهد الجديد مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وتعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة.

خطاب 9 مارس 2011.. لحظة مفصلية في البناء الديمقراطي

ويشكل خطاب 9 مارس 2011 إحدى أبرز المحطات السياسية في تاريخ المغرب الحديث، لأنه لم يقتصر على الإعلان عن مراجعة دستورية، بل قدم تصورا جديدا للعلاقة بين المؤسسات، ولمكانة الانتخابات داخل البناء الديمقراطي.

وقال جلالة الملك في هذا الخطاب “قررنا إجراء تعديل دستوري شامل”، وهي عبارة دشنت ورشا دستوريا واسعا أفضى إلى اعتماد دستور جديد، أعاد توزيع الاختصاصات بين المؤسسات، وعزز مكانة الحكومة والبرلمان، ورسخ استقلال السلطة القضائية، وربط ممارسة السلطة بمبدأ المسؤولية والمحاسبة.

كما أكد جلالة الملك في الخطاب نفسه على ضرورة: “توطيد دولة الحق والمؤسسات”، وهو توجه لم يكن منفصلا عن المنظومة الانتخابية، إذ نص الفصل الـ11 من دستور 2011 على أن الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة تشكل أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي، لتصبح نزاهة الانتخابات مبدأ دستوريا ملزما، لا مجرد مطلب سياسي أو إجراء إداري مرتبط بموعد انتخابي محدد.

وأعاد دستور 2011 تحديد موقع الأحزاب السياسية داخل النظام المؤسساتي، باعتبارها مؤسسات تؤطر المواطنات والمواطنين، وتساهم في التعبير عن إرادتهم، وتشارك في ممارسة السلطة على أساس التعددية والتداول الديمقراطي.

ومن هنا، لم تعد الانتخابات مجرد وسيلة لتوزيع المقاعد، بل أصبحت مصدر الشرعية السياسية للمؤسسات المنتخبة، وجزءا أساسيا من العلاقة بين الاختيار الشعبي وممارسة المسؤولية.

الجهوية المتقدمة.. الانتخابات برهانات تنموية جديدة

بعد اعتماد دستور 2011، انتقل المغرب إلى مرحلة جديدة مع تنزيل ورش الجهوية المتقدمة، الذي وضع إعادة تنظيم الدولة ترابيا في صلب الإصلاح المؤسساتي.

ومع تنظيم انتخابات الرابع من شتنبر 2015، لم تعد الانتخابات الترابية تقتصر على اختيار مجالس جماعية أو إقليمية، بل أصبحت تحدد أيضا من يقود التنمية على المستوى الجهوي، بعدما منحت الجهات اختصاصات أوسع في مجالات التخطيط والاستثمار والتجهيز والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وأدى هذا التحول إلى توسيع معنى الاختيار الديمقراطي، إذ أصبح الناخب يساهم، من خلال صوته، في اختيار المسؤولين عن تنفيذ جزء مهم من السياسات العمومية على المستوى الترابي، لتكتسب الانتخابات الجهوية بعدا يتجاوز التدبير المحلي، لتصبح آلية لتقريب القرار، وربط المسؤولية بالمحاسبة على المستوى الترابي، وإعطاء الجهات دورا أكبر في بلورة وتنفيذ البرامج التنموية.

من خطاب 2016 إلى تعليمات 2021.. النزاهة أساس الثقة

إذا كان دستور 2011 قد وضع الأساس الدستوري لنزاهة الانتخابات، فإن المرحلة اللاحقة اتجهت نحو تعزيز الضمانات العملية الكفيلة بحماية الاقتراع وصيانة الإرادة الحرة للناخبين.

وقبل الانتخابات التشريعية لسنة 2016، وجه جلالة الملك رسالة واضحة إلى مختلف المتدخلين في العملية الانتخابية، مفادها أن نجاح الاستحقاق لا يقاس فقط بنسبة المشاركة أو بنتائج صناديق الاقتراع، وإنما أيضا بمدى احترام قواعد النزاهة والشفافية.

وأكد جلالته في خطاب العرش لسنة 2016 ضرورة “ضمان نزاهة وشفافية المسار الانتخابي”، وهو توجيه شكل آنذاك مرجعا لعمل الإدارة المشرفة على الانتخابات، إذ رسخ مبدأ حيادها باعتبارها الجهة المكلفة بالسهر على احترام القانون وتكافؤ الفرص، لا طرفا في المنافسة السياسية.

وحمل الخطاب رسالة واضحة مفادها أن مصداقية المؤسسات المنتخبة تبدأ من سلامة المسار الذي أفرزها، وأن أي ممارسات تمس بحرية اختيار الناخبين أو تؤثر في المنافسة السياسية يجب أن تواجه في إطار القانون.

ومع اقتراب انتخابات الثامن من شتنبر 2021، انتقلت هذه الرؤية من مستوى المبادئ العامة إلى مستوى الإجراءات المؤسساتية، إذ أصدر جلالة الملك تعليماته السامية إلى كل من وزير الداخلية ورئيس النيابة العامة، قصد السهر على نزاهة العمليات الانتخابية والتصدي لكل الممارسات المخالفة للقانون، سيما استعمال المال أو أي وسائل غير مشروعة للتأثير على الناخبين.

ولم تبق هذه التعليمات في حدود التوجيه، بل ترجمت إلى آليات عملية، من خلال تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات، التي تضم ممثلين عن وزارة الداخلية ورئاسة النيابة العامة، إلى جانب إحداث لجان جهوية وإقليمية لتلقي الشكايات وتتبع المخالفات، وتعزيز التنسيق بين السلطات الإدارية والقضائية.

وأتاح هذا التنسيق توسيع نطاق المراقبة ليشمل مختلف مراحل العملية الانتخابية، من الترشيح والحملة إلى يوم الاقتراع وإعلان النتائج، بما يضمن التطبيق الصارم للقانون والتدخل عند تسجيل أي إخلالات.

وفي السياق نفسه، كثفت وزارة الداخلية لقاءاتها مع الأحزاب السياسية، وحرصت على توفير الشروط التنظيمية واللوجستية لإجراء الانتخابات، مع إصدار توجيهات للسلطات الترابية تؤكد ضرورة الالتزام بالحياد، وضمان المساواة بين جميع المرشحين، وتأمين ممارسة الحقوق التي يكفلها القانون خلال الحملة الانتخابية.

خطاب العرش 2025.. الانتخابات تبدأ قبل يوم الاقتراع

إذا كانت محطة 2016 قد ركزت على حياد الإدارة، وعززت تعليمات 2021 آليات حماية نزاهة الاقتراع، فإن خطاب العرش ليوم 29 يوليوز 2025 نقل النقاش إلى مستوى أكثر تقدما، يقوم على اعتبار أن نجاح الانتخابات يبدأ قبل أشهر من فتح مكاتب التصويت.

وفي هذا السياق، قال جلالة الملك “ونحن على بعد سنة تقريبا من إجراء الانتخابات التشريعية المقبلة، في موعدها الدستوري والقانوني العادي، نؤكد على ضرورة توفير المنظومة العامة، المؤطرة لانتخابات مجلس النواب، وأن تكون معتمدة ومعروفة قبل نهاية السنة الحالية”.

ويحمل هذا التوجيه دلالة سياسية ومؤسساتية واضحة، إذ يؤكد ضرورة أن تكون القواعد القانونية المنظمة للانتخابات معروفة ومستقرة قبل وقت كاف من موعد الاقتراع، بما يسمح للأحزاب السياسية والمرشحين والإدارة والناخبين بالاستعداد وفق مرجعية واضحة.

ولم يكتف الخطاب بوضع هذا التوجه العام، بل حدد آلية تنزيله، حين قال جلالة الملك “وفي هذا الإطار، أعطينا توجيهاتنا السامية لوزير الداخلية، من أجل الإعداد الجيد، للانتخابات التشريعية المقبلة، وفتح باب المشاورات السياسية مع مختلف الفاعلين”.

2026.. تنزيل عملي للتوجيهات الملكية

وتنفيذا لهذه التوجيهات، باشرت وزارة الداخلية مشاورات مع الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، همت مراجعة عدد من النصوص القانونية والتنظيمية المرتبطة بانتخابات مجلس النواب.

وتركزت هذه المشاورات على تهيئة الإطار التشريعي للاستحقاقات قبل موعدها بوقت كاف، بما يضمن وضوح القواعد المنظمة للعملية الانتخابية، ويتيح للفاعلين السياسيين الاستعداد على أساس قانوني مستقر.

كما تواصل الإعداد للجوانب التنظيمية واللوجستية المرتبطة بالانتخابات، إلى جانب تفعيل آليات التتبع والتنسيق بين المؤسسات المكلفة بالسهر على احترام القانون.

وفي قراءته للاستعدادات الجارية لانتخابات 2026، يرى أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، حميد بلغيث، أن ما يميز هذه المرحلة هو الانتقال من منطق تدبير الاستحقاقات الانتخابية عند اقتراب موعدها إلى منطق الإعداد المؤسساتي المبكر، انسجاما مع التوجيهات الملكية الواردة في خطاب العرش لسنة 2025.

وأوضح بلغيث في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن فتح المشاورات مع الأحزاب السياسية، وتهيئة الإطار القانوني والتنظيمي للاستحقاقات، يعكسان توجها نحو ترسيخ الاستقرار التشريعي وتوفير قواعد واضحة للمنافسة السياسية، بما يعزز الثقة في المسار الانتخابي.

وأضاف أن الرهان في انتخابات 2026 لا يقتصر على تنظيم اقتراع يحترم القانون، بل يتمثل أيضا في توفير جميع الضمانات التي تجعل مختلف الفاعلين يخوضون المنافسة في إطار من الوضوح، وتكافؤ الفرص، واحترام الإرادة الحرة للناخبين، وهو ما يعكس تطورا نوعيا في تدبير الاستحقاقات الانتخابية بالمغرب.

مسار إصلاحي يقوم على التراكم

وتكشف العودة إلى أبرز المحطات الانتخابية خلال عهد الملك محمد السادس أن الإصلاح لم يكن عبارة عن قرارات منفصلة، بل جاء في إطار رؤية تراكمية أضافت في كل مرحلة لبنة جديدة إلى البناء الديمقراطي.

ففي بداية العهد الجديد، كان الرهان منصبا على تحديث مؤسسات الدولة وتعزيز الثقة فيها، ثم جاء دستور 2011 ليمنح الانتخابات سندا دستوريا واضحا، قبل أن توسع الجهوية المتقدمة رهانات الاختيار الديمقراطي على المستوى الترابي.

وفي سنة 2016، برز حياد الإدارة باعتباره أحد شروط مصداقية الاستحقاقات، بينما عززت تعليمات 2021 آليات التنسيق والرقابة والتصدي للممارسات غير المشروعة. أما خطاب العرش لسنة 2025، فنقل النقاش إلى مرحلة الإعداد المسبق، واستقرار القواعد القانونية، وفتح المشاورات السياسية قبل موعد الاقتراع.

ويعكس هذا التسلسل تصورا يعتبر أن الديمقراطية ليست محطة انتخابية عابرة، وإنما عملية مؤسساتية متواصلة تتطلب تحديث التشريعات، وتأهيل الفاعلين، وتطوير آليات الرقابة، وضمان احترام القانون في مختلف مراحل العملية الانتخابية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *