لم تكن عودة المغرب القوية إلى إفريقيا خلال العقود الأخيرة رهانا اقتصاديا أو دبلوماسيا فحسب، بل استندت أيضا إلى رصيد تاريخي وروحي ظل حاضرا في وجدان عدد من شعوب القارة على مدى قرون.
نسج المغرب، من الزوايا والطرق الصوفية إلى حركة العلماء والقوافل التجارية، شبكة من الروابط الدينية والثقافية التي تجاوزت الحدود الجغرافية، قبل أن تتحول، في عهد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، إلى أحد أبرز مكونات القوة الناعمة للمملكة وأداة موازية للدبلوماسية السياسية والاقتصادية.
وخلال سبعة وعشرين عاما، لم يكتف المغرب بالحفاظ على هذا الإرث، بل عمل على مأسسته عبر مبادرات ومؤسسات دينية، وتوسيع مجالات حضوره في القارة من خلال تكوين الأئمة، وتعزيز التعاون بين العلماء، وترسيخ نموذج ديني قائم على الاعتدال والوسطية.
وأصبحت الدبلوماسية الروحية إحدى الركائز التي دعمت الشراكات المغربية الإفريقية، وأسهمت في بناء الثقة وتهيئة الأرضية لتعاون سياسي واقتصادي وتنموي أكثر عمقا واستدامة.
ويعكس هذا التوجه ارتباط المغرب التاريخي بإفريقيا، وهو ما سبق أن عبر عنه الملك الراحل الحسن الثاني بقوله إن “المغرب شجرة تمتد جذورها المغذية امتدادا عميقا في التراب الإفريقي، وتتنفس بفضل أوراقها التي يقويها النسيم الأوروبي”، في إشارة إلى رسوخ الانتماء الإفريقي للمملكة وتعدد دوائر ارتباطها.
وقد اكتسب هذا البعد زخما أكبر بعد اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش، إذ تعززت من خلال زياراته المتعددة وتقوت أكثر من خلال مبادراته في القارة.
الدبلوماسية الروحية في الخطابات الملكية
اضطلع المغرب تاريخيا بدور مهم في نشر الإسلام وتعزيز التعليم الديني في أجزاء واسعة من إفريقيا، خصوصا في منطقة غرب القارة، من خلال حركة العلماء والفقهاء والتجار، وشبكات التجارة والقوافل التي ربطت شمال إفريقيا ببلدان الجنوب.
ولم يقتصر هذا التفاعل على انتقال الأفكار والممارسات الدينية، بل أسهم في نشوء انصهار حضاري وثقافي بين المغرب ومحيطه الإفريقي، وأوجد روابط تتجاوز الحدود السياسية والجغرافية.
وينعكس البعد الروحي والديني للدبلوماسية الروحية تجاه إفريقيا في الخطابات التي تعد تمهيدا وتأسيسا للتوجه المغربي تجاه إفريقيا، وقد انعكس هذا البعد في الخطابات الملكية الموجهة إلى الشعوب والبلدان الإفريقية، وفي الزيارات الملكية المتعددة إلى عدد من دول القارة، التي أتاحت للرباط توظيف المشترك الديني والثقافي باعتباره مدخلاً لتعزيز الثقة والتقارب.
ومنذ بداية عهده، حرص الملك محمد السادس على التأكيد في خطاباته الإفريقية على أن المغرب تجمعه روابط تاريخية وروحية عميقة بالقارة، ففي خطاب تنصيب المجلس الأعلى لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة سنة 2016، ربط جلالة الملك محمد السادس صراحة بين المؤسسة و”عمق الأواصر الروحية العريقة” التي تجمع الشعوب الإفريقية جنوب الصحراء بملك المغرب وأمير المؤمنين، مستحضرا وحدة العقيدة والمذهب والتراث الحضاري المشترك.
ويتضح ذلك أيضا في الخطاب الملكي أمام القمة الإفريقية سنة 2017، حين استُحضر الانتماء الإفريقي للمغرب باعتباره عودة إلى بيته بعد طول الغياب، بالتوازي مع إبراز حصيلة الاتفاقيات والشراكات والمشاريع التي عززت حضور المملكة في القارة.
وتوضح هذه الإشارات أن الدبلوماسية الروحية لم تُطرح في الخطاب الملكي باعتبارها بعدا دينيا منفصلا عن السياسة الخارجية، وإنما ضمن تصور أوسع للعلاقات المغربية الإفريقية، يجمع بين الروابط الروحية والتاريخية من جهة، والتعاون السياسي والاقتصادي والتنموي من جهة أخرى.
وتكتسب الزيارات الملكية أهمية خاصة في هذا السياق، ليس فقط باعتبارها محطات لتعزيز العلاقات الثنائية، وإنما باعتبارها فرصة لاستحضار المشترك الديني والثقافي والروحي مع عدد من الدول الإفريقية، إذ جعل الملك محمد السادس من الزيارات إلى دول جنوب الصحراء، منذ بداية عهده، إحدى آليات تكريس القرب والتضامن والتعاون، وهو ما تزامن مع بناء شبكة واسعة من الاتفاقيات والشراكات متعددة المجالات.
وبذلك، تكشف الخطابات والزيارات الملكية خلال الفترة الممتدة من 1999 إلى 2026 عن تطور تدريجي في توظيف البعد الروحي ضمن السياسة الإفريقية للمغرب، بحيث انتقل من استحضار الروابط التاريخية والدينية المشتركة، إلى مأسسة التعاون الديني، ثم توسيع نطاقه ليشمل قضايا الأمن والاستقرار والتضامن والتنمية والشراكة متعددة الأبعاد.
الدبلوماسية الروحية.. قوة ناعمة تجاه إفريقيا
وتكتسب الدبلوماسية الروحية أهمية خاصة في الحالة المغربية، بالنظر إلى عمق الروابط التاريخية والدينية التي تجمع المملكة بعدد من البلدان الإفريقية، سيما في غرب القارة، بحيث لم تتشكل هذه الروابط حديثا، وإنما تعود إلى قرون من التفاعل الحضاري والتبادل الثقافي والديني، حيث أسهم المغرب، عبر طرق التجارة والعلم ورحلات العلماء وانتشار الزوايا والطرق الصوفية، في ترسيخ روابط روحية امتدت إلى مجتمعات إفريقية متعددة.
ومع عودة المغرب بقوة إلى الفضاء الإفريقي، لم تعد هذه الروابط مجرد إرث تاريخي أو علاقات دينية عابرة للحدود، بل تحولت تدريجيا إلى أداة مؤسساتية ضمن منظومة القوة الناعمة المغربية.
وعمل المغرب في هذا السياق على مأسسة حضوره الديني في إفريقيا من خلال تكوين الأئمة والمرشدين، وتعزيز التعاون بين العلماء، وإحداث مؤسسات متخصصة، فضلاً عن استثمار الروابط الصوفية والثقافية في توطيد علاقاته مع عدد من الدول الإفريقية.
وإلى جانب دور الزوايا والطرق الصوفية بالمغرب في نقل الممارسات الدينية إلى دول إفريقية، فهي تساهم أيضا في تشكيل روابط روحية وثقافية عابرة للحدود، إذ كان لها حضور في بناء أنماط من الهوية الدينية والاجتماعية في عدد من المجتمعات الإفريقية، ما حافظ على امتداد الروابط الروحية بين المغرب وعمقه الإفريقي عبر الزمن.
وفي هذا السياق، أكد عبد اللطيف التواصلي، باحث مهتم بمؤسسة إمارة المؤمنين والشأن الديني بالمغرب وإفريقيا، أن الدبلوماسية الروحية تعد من أبرز تجليات القوة الناعمة المغربية في إفريقيا، لأنها تعتمد على التأثير من خلال القيم المشتركة والروابط الثقافية والدينية وليس عبر وسائل الضغط أو الإكراه.
وأكد التواصلي، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن المغرب استطاع أن يوظف ما راكمه عبر تاريخه من شرعية دينية ومؤسسات علمية عريقة وخبرة في تدبير الشأن الديني، ليقدم أنموذجا يحظى بالقبول والثقة لدى العديد من الدول الإفريقية.
وأضاف المتحدث أن خصوصية القوة الناعمة المغربية تتجلى في كونها لا تنفصل عن مقاربة تنموية وإنسانية شاملة، إذ تتكامل الدبلوماسية الروحية مع التعاون الاقتصادي والاستثماري والتنموي، بما يعزز مصداقية الحضور المغربي في القارة ويمنحه قدرة أكبر على الاستمرارية والاستدامة.
ومن جانبه، أكد عبد الوهاب رفيقي، الباحث في الفكر الديني، في تصريح خص به جريدة “AM+ MEDIA”، أن الدبلوماسية الروحية هي اليوم واحدة من أهم أدوات القوة الناعمة المغربية في إفريقيا، وربما أكثرها استدامة.
ويشير رفيقي في معرض حديثه عن أهمية الدبلوماسية الروحية إلى أن الاقتصاد قد يتأثر بالأزمات، والتحالفات السياسية قد تتغير، أما الروابط الدينية والثقافية فتتمتع بقدرة أكبر على الاستمرار، لافتا إلى أن المغرب لم يبن حضوره الروحي في إفريقيا خلال السنوات الأخيرة، بل استند إلى تاريخ طويل من العلاقات التي صنعتها الزوايا والطرق الصوفية والعلماء والقوافل التجارية.
بناء على ذلك، أبرز المتحدث ذاته أن المغرب لم يكن يصدّر نموذجاً جديداً، وإنما أعاد إحياء رصيد تاريخي كان موجوداً أصلاً، لا يقوم على الهيمنة ولا على تصدير الإيديولوجيا، بل على تكوين الأئمة، وتأهيل القيادات الدينية، وترسيخ قيم الاعتدال، وهو ما جعل عدداً من الدول الإفريقية تنظر إلى التجربة المغربية باعتبارها شريكاً في تحقيق الأمن الروحي، وليس مجرد فاعل ديني.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الدبلوماسية الروحية باعتبارها أحد مكونات القوة الناعمة المغربية، لا باعتبارها بديلا عن الأدوات السياسية والاقتصادية، الأمر الذي يفسر استمرار حضور البعد الروحي في السياسة الإفريقية للمغرب، وانتقاله خلال “العهد الجديد” من روابط تاريخية متجذرة إلى تعاون مؤسساتي أكثر انتظاماً، ضمن رؤية أوسع للعلاقات مع القارة.
مكانة الدبلوماسية الروحية في السياسة الخارجية المغربية
وتحتل الدبلوماسية الروحية مكانة خاصة ضمن أدوات السياسة الخارجية المغربية، نظرا لارتباطها برصيد تاريخي وديني وثقافي تشكل عبر قرون من التفاعل بين المغرب وبلدان إفريقيا، سيما في منطقة غرب إفريقيا.
وأسهمت هذه الروابط في الحفاظ على قنوات للتواصل والتقارب بين المغرب وعدد من المجتمعات الإفريقية، قبل أن تكتسب خلال العقود الأخيرة أبعادا أكثر حضورا ضمن السياسة الخارجية للمملكة.
وفي عهد الملك محمد السادس، اكتسب هذا البعد حضورا أكبر ضمن السياسة الإفريقية للمغرب، في سياق تعزيز انخراط المملكة في القارة وتوسيع علاقاتها مع دولها، إذ أصبح توظيف الرصيد الديني والروحي قائما على مقاربة أكثر مؤسساتية، تستند إلى خصوصية النموذج الديني المغربي المرتكز على المذهب المالكي والتصوف السني وإمارة المؤمنين، وتقدم هذه العناصر باعتبارها إطارا لترسيخ قيم الاعتدال والوسطية والتسامح والتعايش.
ويكشف هذا التوجه عن انتقال تدريجي من الحفاظ على روابط دينية وروحية تاريخية إلى بناء قنوات مؤسساتية للتعاون الديني، مما جعل الدبلوماسية الروحية أحد مكونات الحضور المغربي في إفريقيا.
ولم يعد التواصل يقتصر على العلاقات الرسمية بين الحكومات، بل امتد إلى العلماء والأئمة وشيوخ الطرق الصوفية والطلبة والمؤسسات الدينية، وهو ما أتاح للمغرب بناء شبكة من العلاقات ذات طبيعة دينية وثقافية واجتماعية.
وتُوج هذا المسار بإحداث “مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة” سنة 2015، التي شكلت نقلة نوعية في مأسسة الدبلوماسية الروحية المغربية، حيث نص الظهير المحدث لها على أهمية الروابط الدينية والتاريخية والثقافية التي تجمع المغرب بإفريقيا، وجعل من توحيد جهود العلماء المغاربة والأفارقة، والتعريف بقيم الإسلام السمحة، وتشجيع البحث والدراسة في الفكر والثقافة الإسلامية، من بين أهدافها الأساسية.
وفي هذا السياق، حرص الملك محمد السادس، منذ توليه العرش، على مواصلة وتعزيز الروابط مع الطريقة التيجانية، سيما في السنغال، من خلال تنظيم اللقاءات وتوجيه الرسائل إلى ملتقياتها واحتضان شيوخها وزعمائها.
وحافظت هذه الروابط على حضورها باعتبارها إحدى قنوات التواصل الروحي التي تجمع المغرب بعدد من المجتمعات الإفريقية، حيث تحظى مؤسسة إمارة المؤمنين بمكانة خاصة لدى شيوخ ومقدمي الزوايا التيجانية في السنغال.
كما ارتبطت الدبلوماسية الروحية المغربية خلال السنوات الأخيرة برهانات تتجاوز المجال الديني، خصوصاً في ظل التحديات الأمنية التي تواجه عدداً من مناطق القارة، فقد جعل المغرب من نشر خطاب ديني قائم على الاعتدال ومواجهة التطرف أحد مداخل تعاونه مع شركائه الأفارقة، من خلال تكوين الأئمة والمرشدين وتعزيز التعاون بين العلماء.
بهذا الصدد، تؤكد أمينة الغوباشي، باحثة في العلاقات الدولية، على أهمية الروابط الروحية التي تمتد لجذور لقرون، حيث ساهمت الطرق الصوفية مثل الزاوية التيجانية والقادرية، إلى جانب العلاقات العلمية، في بناء فضاء ديني وثقافي مشترك بين المغرب وعدد من المجتمعات الإفريقية. وقد وفرت هذه الروابط رصيدا من الثقة سهل تطوير العلاقات في مجالات متعددة وساهم في توطيد الحوار والتعاون بين المؤسسات الدينية والعلمية.
تجليات المبادرات الملكية في الدبلوماسية الروحية
وفي عهد الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله، عملت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على تعزيز حضورها الديني في إفريقيا، بتأسيس رابطة علماء المغرب والسنغال في 3 يونيو 1985، في إطار جهود المغرب للتعريف بالإسلام الوسطي في القارة الإفريقية، وبالتنسيق مع مختلف القطاعات والهيئات الوطنية والدولية المعنية.
ومن خلال هذه الرابطة، نظمت المملكة مجموعة من الأنشطة الدينية والفكرية، شملت إرسال بعثات من العلماء إلى عدد من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، إلى جانب المساهمة في بناء وترميم المساجد، خاصة في السنغال وغينيا وبنين ومالي، فضلاً عن بناء عدد من المراكز الإسلامية.
كما شملت هذه الجهود توفير نسخ من المصحف الشريف والكتب والمنشورات الإسلامية للمساجد والمدارس القرآنية والجمعيات الإسلامية في عدد من البلدان الإفريقية، من بينها السنغال وكوت ديفوار ومالي. وامتد التعاون كذلك إلى تنظيم دورات تكوينية لفائدة خطباء الجمعة القادمين من بعض الدول الإفريقية، بمسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، إلى جانب تنظيم دورات تدريبية وتكوينية لفائدة بعثات الدول الإفريقية في مجال تنظيم الحج.
وفي السياق ذاته، حرص المغرب على تعزيز التواصل المباشر مع العلماء والفقهاء الأفارقة، من خلال توجيه دعوات دائمة ومتواصلة لهم للمشاركة في الدروس الحسنية الرمضانية، فضلا عن حضورهم في الندوات واللقاءات التي تنظمها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بما أسهم في ترسيخ قنوات للتعاون والتبادل الديني والعلمي بين المغرب وبلدان القارة.
وتبرز تجليات الدبلوماسية الروحية أيضا بشكل خاص مع إنشاء معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات الذي دشنه جلالة الملك في مارس 2015، إلى جانب مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، التي تأسست في يونيو 2015، والتي يترأسها أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس، وعلى رأس أولوياتها توحيد الجهود في خدمة القيم الدينية المشتركة ومواجهة التطرف وتعزيز الاعتدال.
كما عمل المغرب على توسيع مجالات التعاون مع المؤسسات الدينية الإفريقية، ففي سنة 2016، مثلا، وقع المغرب وتشاد اتفاقية للتعاون الإسلامي وبروتوكولا بشأن تكوين الأئمة، في إطار إعطاء دفعة جديدة للتعاون بين المغرب والدول الإفريقية في المجال الديني.
وفي هذا الإطار، أشار رفيقي إلى أن المغرب استطاع أن يحول الرأسمال الديني والتاريخي إلى سياسة عمومية متكاملة، من خلال مؤسسة إمارة المؤمنين، ومعهد محمد السادس لتكوين الأئمة، وتوسيع حضور مؤسسة العلماء الأفارقة، وإعادة تأهيل الروابط مع الزوايا والمرجعيات الدينية في عدد من الدول، ما منح المغرب مصداقية لا تتوفر لكثير من القوى الإقليمية التي حاولت الحضور في إفريقيا عبر المال أو الخطاب الإيديولوجي.
من جانبها، أكدت الغوباشي، الباحثة في العلاقات الدولية، أن هذه المؤسسات ساهمت في الانتقال من مبادرات دينية متفرقة إلى سياسة عمومية ذات بعد مؤسساتي دبلوماسي تعتمد على التكوين والتنسيق، وبناء شبكات علمية عابرة للحدود، ما عزز استمرارية هذا التوجه داخل السياسة الخارجية المغربية وجعله فاعلا إقليميا مهما.
عبد اللطيف التواصلي بدوره يؤكد أن التجربة المغربية أظهرت خلال السنوات السبع والعشرين الماضية أن الدبلوماسية الروحية ليست بديلا عن الدبلوماسية السياسية أو الاقتصادية، وإنما رافعة مكملة لها، تسهم في بناء الثقة وتعميق الشراكات، وتؤكد أن الاستثمار في الإنسان والقيم المشتركة يظل من أنجع السبل لترسيخ علاقات إفريقية قائمة على التعاون والتضامن والتنمية المشتركة.
من التقارب الروحي إلى الشراكات التنموية
وساهمت الدبلوماسية الروحية في الحفاظ على روابط تاريخية وثقافية ودينية بين المغرب وعدد من البلدان الإفريقية، لا تتوقف أهميتها بالنسبة للسياسة الخارجية المغربية عند حدود المجال الديني، بل تعد منطلقا لبناء علاقات أكثر اتساعا، وانتقلت تدريجيا من التقارب الروحي والثقافي إلى التعاون السياسي والاقتصادي، ثم إلى إطلاق مشاريع واستثمارات ذات أبعاد تنموية.
وتعد العلاقات المغربية السنغالية من أبرز النماذج التي يمكن من خلالها رصد تداخل البعد الروحي مع الأبعاد السياسية والاقتصادية، فإلى جانب الروابط التاريخية والدينية، سيما الصلات المتجذرة مع الطريقة التيجانية، تطورت العلاقات بين البلدين إلى شراكة تشمل مجالات التجارة والاستثمار والبنية التحتية والطاقة والفلاحة والصيد والتكوين.
وفي نونبر 2025، أكدت الرباط وداكار أن علاقاتهما تقوم على روابط “تاريخية وروحية وإنسانية” استثنائية، وربطتا هذه العلاقات بتعزيز التعاون في التنمية البشرية والتجارة والاستثمار والنقل والسياحة والفلاحة والصحة والطاقة والبنية التحتية.
وأشارت الغوباشي في هذا الإطار، إلى أن هذه الروابط الروحية ليست العامل الوحيد في توطيد العلاقات المغربية الإفريقية، فنجاحها يرتبط بالتعاون الاقتصادي، والشراكات التنموية مثل المبادرة الأطلسية، والاستقرار السياسي، واحترام خصوصيات كل دولة.
ومن جانبه، يرى الباحث في الفكر الديني، عبد الوهاب رفيقي، أنه ينبغي ألا ننظر إلى الدبلوماسية الروحية باعتبارها إنجازاً مكتملًا، بل مشروعاً يحتاج إلى تجديد دائم.
ويوضح وجهة نظره بالقول إن “إفريقيا اليوم تتغير بسرعة، وتعيش تحولات ديموغرافية ورقمية عميقة، كما أن المنافسة لم تعد فقط بين الدول، بل أيضاً بين المنصات الرقمية والشبكات العابرة للحدود والتيارات الدينية الجديدة، لذلك فإن نجاح الدبلوماسية الروحية في المستقبل سيكون رهيناً بقدرتها على مخاطبة الأجيال الجديدة، وربط البعد الروحي بقضايا التنمية والتعليم والرقمنة، حتى تبقى قوة ناعمة فاعلة وليست مجرد رصيد تاريخي”.

Leave a Reply