التصنيف: رئيسيّة

  • 27 سنة من الرؤية الملكية.. هندسة متعددة الأبعاد للعقيدة الأمنية المغربية في مواجهة الإرهاب

    27 سنة من الرؤية الملكية.. هندسة متعددة الأبعاد للعقيدة الأمنية المغربية في مواجهة الإرهاب

    منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش سنة 1999، أصبح ملف مكافحة الإرهاب أحد أبرز أولويات الدولة المغربية، في سياق إقليمي ودولي مطبوع بصعود التنظيمات المتطرفة وتنامي المخاطر العابرة للحدود.

    وجعل المغرب بقيادة جلالة الملك محمد السادس، جعل من مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أولوية وطنية واستراتيجية، بما ينسجم مع خياره الدستوري الثابت في ترسيخ دولة الحق والقانون، وتعزيز مكانته داخل المنظومة المالية الدولية.

    وخلال سبعة وعشرين سنة من الحكم، تبلورت استراتيجية شمولية انتقلت بالمغرب من دولة مهددة إلى دولة مرجعية في إدارة المخاطر الإرهابية، تجمع بين المقاربة الأمنية الصارمة، والإصلاحات القانونية، وإعادة هيكلة الحقل الديني، فضلا عن الانخراط في المبادرات الدولية والإفريقية لمحاربة الإرهاب والتطرف العنيف.

    إعادة بناء المنظومة الأمنية

    وتزامن جزء كبير من عهد جلالة الملك محمد السادس مع حدثين مفصليين، هما هجمات 11 شتنبر 2001 في الولايات المتحدة، وتفجيرات الدار البيضاء سنة 2003، اللذان كشفا هشاشة المنظومة الأمنية التقليدية وفرضا مراجعة شاملة للأدوات المعتمدة في مواجهة الإرهاب.

    وساهمت التحولات في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، وصعود جماعات مثل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، في دفع المغرب إلى بناء رؤية استباقية تتجاوز الدفاع عن الحدود الوطنية إلى المشاركة النشطة في أمن الفضاء الإقليمي الأوسع.

    وأعاد المغرب هيكلة أجهزته الأمنية والاستخباراتية، وعزز التنسيق بين المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، والأمن الوطني، والدرك الملكي، ما مكّن من الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل الاستباقي.

    وشكّل إحداث المكتب المركزي للأبحاث القضائية سنة 2015 نقطة تحول، حيث أصبح هذا الجهاز المتخصص في جرائم الإرهاب أحد الفاعلين الرئيسيين في تفكيك الخلايا المتطرفة وضربها في مهدها قبل المرور إلى التنفيذ.

    وبعد أحداث الدار البيضاء سنة 2003، اعتمد المغرب قانونا خاصا بمكافحة الإرهاب يجرّم الأعمال الإرهابية ويحدد صور الجريمة عندما تستهدف النظام العام بالتخويف أو العنف، مع تشديد العقوبات على الانضمام للتنظيمات الإرهابية وتمويلها.

    وتطورت هذه الترسانة مع قوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، التي سمحت برفع السرية البنكية في حالات الاشتباه، واعتماد آليات مثل التسليم المراقب، واعتراض الاتصالات، وتوسيع الاختصاص القضائي لملاحقة المتورطين داخل وخارج التراب الوطني.

    البعد الديني والفكري في رؤية الملك 

    وتبنى المغرب، منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه، فلسفة أن الأمن لا يتحقق فقط عبر الزجر، بل يتطلب أيضا “أمنا روحيا” يحول دون استغلال الدين في نشر خطاب الكراهية والتكفير، لذلك أعيد تنظيم الحقل الديني عبر المجلس العلمي الأعلى، وتقنين الفتوى، وإعادة هيكلة وزارة الأوقاف.

    كما أطلقت برامج نوعية مثل برنامج “مصالحة” داخل السجون، الذي يقوم على إعادة التأهيل الديني والمواكبة النفسية، ونشر ثقافة حقوق الإنسان، ما يعكس محاولة معالجة جذور التطرف، لا الاكتفاء بالعقاب الزجري.

    وفي نونبر الماضي، أعلنت المندوبية العامة لإدارة السجون أنه تم الإفراج عن 288 سجينا مدانين بقضايا “التطرف والإرهاب” منذ إطلاق البرنامج عام 2017.

    وأوضحت أن “198 سجينا استفادوا من برنامج المصالحة بإطلاق سراحهم بعفو ملكي و90 سجينا الباقون انتهت مدة سجنهم”.

    نجاح البرنامج شكل منطلقا حاسما للعبور نحو مرحلة جديدة عنوانها ترسيخ نهج المأسسة، وفق ما أكده رئيس مركز “مصالحة”، أحمد عبادي، يوليوز الماضي، معلنا إطلاق برنامج خاص بالعائدين من بؤر التوتر.

    وكشف أن البرنامج انطلق بمشاركة الفوج الأول الذي يضم 21 نزيلا، موضحا أن هذا البرنامج يأتي في سياق استكمال وتطوير المقاربة الوطنية في مجال الوقاية من التطرف العنيف وإعادة التأهيل والإدماج، من خلال توفير مواكبة متعددة الأبعاد لهذه الفئة تراعي خصوصيات مساراتها، وتستجيب لحاجياتها النفسية والاجتماعية والفكرية، وتلبي متطلبات إدماجها الآمن والمسؤول داخل حضن المجتمع.

    الأمن الاستباقي بلغة الأرقام

    وأصبح المغرب نموذجا في استباق الخطر الإرهابي محليا وإقليميا ودوليا، إذ كشفت وزارة الداخلية عن تفكيك أكثر من 200 خلية إرهابية منذ سنة 2002 إلى غاية نونبر 2025، من بينها ثلاث خلايا خلال 2025، وخمس خلايا خلال سنة 2024.

     وأظهرت الأبحاث ارتباط عدد من أفراد هذه الخلايا بتنظيمات إرهابية تنشط، على الخصوص، بمنطقة الساحل والصحراء، وهو ما يعكس استمرار التهديدات الإقليمية وتطورها.

    وأكدت الداخلية أن مواجهة هذه الأخطار تقوم على مقاربة استباقية ترتكز على الرصد المبكر، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز التعاون الدولي، وهو ما مكن المغرب من الإسهام في إحباط عدد من المخططات الإرهابية وتعزيز مكانته كشريك موثوق في جهود مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.

    ولم تعد المقاربة الاستباقية تقتصر على المجال الميداني، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، حيث واصلت المديرية العامة لأمن نظم المعلومات، التابعة لإدارة الدفاع الوطني، تنزيل الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني في أفق 2030. وخلال سنة 2025،

     تم رصد 879 حادثا سيبرانيا، استدعى 109 منها تدخلا مباشرا من مركز اليقظة والرصد والتصدي للهجمات المعلوماتية، كما خضعت 76 منصة وتطبيقا إلكترونيا لعمليات افتحاص أمني، كشفت عن 20 ثغرة أمنية حرجة تمت معالجتها، إلى جانب مواصلة تأهيل مقدمي خدمات افتحاص أمن نظم المعلومات وخدمات الثقة الرقمية، بما يعزز حماية البنيات التحتية الحيوية ويكرس الأمن السيبراني كركيزة أساسية في منظومة الأمن الوطني.

    تدخلات متعددة الأبعاد

    ولا يمكن اختزال المقاربة الأمنية الاستباقية التي يعتمدها المغرب في مكافحة الإرهاب فقط، إذ باتت تقوم على مواجهة مختلف التهديدات العابرة للحدود، من الجريمة المنظمة والاتجار الدولي بالمخدرات إلى التهريب والجرائم السيبرانية.

    وتعكس حصيلة سنة 2025 توسيع نطاق هذه المقاربة، من خلال تعزيز القدرات الاستخباراتية والتقنية، وتكثيف العمليات الميدانية، وتطوير آليات التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية.

    وتظهر حصيلة المديرية العامة للأمن الوطني برسم سنة 2025 استمرار تنفيذ الاستراتيجية المرحلية لمكافحة الجريمة للفترة الممتدة بين 2022 و2026، عبر تقوية بنيات مكافحة الجريمة، وتطوير مختبرات الشرطة العلمية والتقنية، وتوسيع استخدام الاستعلام الجنائي والدعم التقني في الأبحاث.

    وأسفرت هذه الجهود عن تفكيك 1112 شبكة إجرامية وتوقيف 1737 شخصا مرتبطين بها، إلى جانب حجز 166 سيارة و112 دراجة نارية استُعملت في أنشطتها.

    وتكتسب هذه الأرقام أهميتها بالنظر إلى الطبيعة المركبة للشبكات الإجرامية، التي تنشط في تهريب المخدرات والأشخاص، واستعمال الوثائق المزورة، وتبييض الأموال، مع امتدادات تتجاوز الحدود الوطنية.

    وفي السياق نفسه، سجلت وحدات الدرك الملكي خلال سنة 2025 ما يناهز 9000 قضية مرتبطة بتهريب المخدرات، مكنت من تفكيك 75 شبكة إجرامية، وحجز أزيد من 500 طن من المخدرات بمختلف أنواعها، إضافة إلى أكثر من 1812 وسيلة نقل استُعملت في الأنشطة الإجرامية.

    المخدرات جسر الجريمة إلى التمويل

    وتشكل المخدرات أحد أهم مصادر الدخل بالنسبة إلى شبكات الجريمة المنظمة، كما أن عائداتها قد تمر عبر الوسطاء وشركات الواجهة والتحويلات المالية والعقارات قبل إعادة إدماجها في الدورة الاقتصادية.

    وخلال سنة 2025، عالجت مصالح الأمن الوطني 106 آلاف و117 قضية مرتبطة بالمخدرات، وأوقفت 134 ألفا و126 شخصا، من بينهم 378 أجنبيا من جنسيات مختلفة.

    وبلغت المحجوزات 170 طنا و796 كيلوغراما من الحشيش ومشتقاته، وطنا و731 كيلوغراما و558 غراما من الكوكايين، و5 كيلوغرامات و996 غراما من الهيروين، فضلا عن مليون و591 ألفا و455 قرصا من المؤثرات العقلية، من بينها 350 ألفا و572 قرصا من مخدر “الإكستازي”.

    ولا تعكس هذه الأرقام فقط حجم سوق المخدرات، بل تظهر الطابع الدولي للشبكات المتورطة فيه، فقد شهدت سنة 2025 تنفيذ ست عمليات للتسليم المراقب بتنسيق مع إسبانيا، أسفرت عن حجز 55 طنا و471 كيلوغراما من مخدر الشيرا وتوقيف 38 شخصا يشتبه في تورطهم في الاتجار الدولي بالمخدرات.

    وتختلف عملية التسليم المراقب عن الحجز التقليدي، إذ تسمح للأجهزة الأمنية بمتابعة الشحنة تحت المراقبة، بهدف الوصول إلى باقي أعضاء الشبكة، وتحديد أماكن التخزين والتوزيع، وكشف الوسطاء والجهات التي تتولى تمويل العملية أو غسل عائداتها.

    وهذا النوع من العمليات يوضح كيف تتحول مكافحة المخدرات إلى مدخل للتعاون الاستخباراتي، لأن الشحنة قد تنطلق من دولة، وتعبر عدة بلدان، ويجري تمويلها من جهة أخرى، بينما توجد وجهتها النهائية داخل السوق الأوروبية.

    ما وراء الهجرة غير النظامية

    غالبا ما يظهر ملف الهجرة غير النظامية في صورة مجموعات من الأشخاص تحاول عبور الحدود أو الوصول إلى السواحل الأوروبية، لكن خلف هذه الصورة توجد شبكات تنظم النقل، وتجمع الأموال، وتوفر أماكن الإيواء، وتزور الوثائق، وتنسق مواعيد العبور.

    وخلال سنة 2025، فككت مصالح الأمن الوطني 105 شبكات تنشط في تنظيم الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، وأوقفت 415 منظما ووسيطا، كما حجزت 684 وثيقة سفر مزورة.

    وتمكنت العمليات الأمنية من إحباط محاولات هجرة غير نظامية كان يستعد لتنفيذها 34 ألفا و211 شخصا، من بينهم 7008 أجانب ينتمون إلى جنسيات إفريقية وعربية وآسيوية.

    وتظهر هذه المعطيات أن التعامل الأمني مع الهجرة لم يعد يقتصر على منع العبور، بل يتجه نحو تفكيك الشبكات التي تستفيد ماليا من المهاجرين. وهو تحول مهم، لأن المرشح للهجرة قد يكون ضحية للاستغلال أو الاتجار بالبشر، بينما يوجد المستفيد الحقيقي بعيدا عن نقطة الانطلاق أو العبور.

    كما أن شبكات الهجرة غير النظامية تمتلك خبرة في المسارات السرية وتزوير الوثائق وإخفاء الأشخاص ونقل الأموال. وهذه القدرات قد تجعلها موضع استغلال من شبكات أخرى تعمل في المخدرات أو تهريب المطلوبين، وقد تستفيد منها تنظيمات متطرفة في تحريك عناصر أو توفير دعم لوجستي.

    لذلك، أصبح التعاون المغربي الأوروبي في ملف الهجرة يشمل تبادل المعلومات حول المنظمين والوسطاء ومسارات الأموال والوثائق المزورة، وليس فقط مراقبة الحدود البحرية والبرية.

    الفضاء الرقمي “نواة” الاهتمام المغربي

    إلى جانب الطرق التقليدية للتهريب والتنقل، أصبح الإنترنت مجالا أساسيا لنشاط الجماعات المتطرفة والشبكات الإجرامية. فمن خلاله يجري الاستقطاب ونشر الدعاية وتبادل التعليمات وجمع الأموال والتنسيق بين أفراد لا يلتقون بالضرورة على أرض الواقع.

    وخلال سنة 2025، عالجت مصالح الأمن الوطني 13 ألفا و643 قضية مرتبطة بالتكنولوجيات الحديثة والابتزاز المعلوماتي، ورصدت 3131 محتوى ذا طبيعة إجرامية، كما بلغ عدد الانتدابات الدولية الموجهة في هذه القضايا 1036 انتدابا، فيما تم توقيف وإحالة 415 شخصا على العدالة.

    ومنذ إطلاق منصة “إبلاغ” في يونيو 2024، توصلت المنصة بـ25 ألفا و876 إشعارا وبلاغا، شملت التشهير والتحريض والتهديد بارتكاب جرائم والابتزاز الجنسي وانتحال الصفة والإشادة بالأعمال الإرهابية.

    وفي الشق المتعلق بالإرهاب والتطرف، أحالت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية خلال سنة 2025 ما مجموعه 21 شخصا على النيابة العامة المختصة، دون احتساب الملفات التي عالجها المكتب المركزي للأبحاث القضائية التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.

    وتوزعت الحالات بين ثمانية أشخاص للاشتباه في ارتباطهم بخلية إرهابية والإعداد لأعمال إرهابية والإشادة بها، وسبعة أشخاص من أجل تحريض الغير على الالتحاق بتنظيمات إرهابية في الخارج، وشخصين للاشتباه في التخطيط لعمل إرهابي ضمن عصابة إجرامية، وأربعة أشخاص من أجل التهديد بارتكاب عمل إرهابي.

    ولا تمثل هذه الأرقام الحصيلة الكاملة لمكافحة الإرهاب في المغرب، لأنها لا تشمل القضايا التي باشرها المكتب المركزي للأبحاث القضائية، لكنها تكشف تعدد المراحل التي يمكن أن يتدخل فيها العمل الاستباقي، من الإشادة والتحريض إلى التجنيد والتخطيط.

    الساحل… مصدر للتهديد ومحرك للتحالفات

    تكتسب الشراكات الأمنية التي يبنيها المغرب بتوجيهات ملكية سامية أهميتها في سياق إقليمي مضطرب، فقد ساهمت الانقلابات العسكرية التي شهدتها مالي وبوركينا فاسو والنيجر، إلى جانب انسحاب أو تقليص حضور عدد من بعثات حفظ السلام الأممية، في تغيير موازين القوة داخل الساحل.

    وفي المناطق التي تراجع فيها حضور الدولة، وجدت التنظيمات المتطرفة مجالا أوسع للتحرك، وفرض الإتاوات، والسيطرة على بعض الطرق، واستغلال التجارة غير المشروعة، كما أصبحت قادرة على بناء علاقات مع شبكات محلية تنشط في تهريب الوقود والذهب والأسلحة والمخدرات والبشر.

    ولا يعني ذلك بالضرورة وجود اندماج كامل بين كل الشبكات الإجرامية والجماعات الإرهابية، لكن الطرفين قد يستفيدان من الطرق نفسها والوسطاء أنفسهم، فقد تدفع جماعة مسلحة مقابلا لشبكة تهريب من أجل نقل عناصر أو أسلحة، بينما تستفيد الشبكة الإجرامية من حالة الفراغ الأمني التي تفرضها الجماعة داخل منطقة معينة.

    وهنا يكمن الخطر بالنسبة إلى المغرب ودول جنوب أوروبا، فالمسافة الجغرافية بين مناطق نشاط الجماعات الإرهابية في الساحل وبين السواحل المتوسطية لم تعد حاجزا أمنيا كافيا، خصوصا مع وجود مسارات للتهريب وشبكات دعم لوجستي واتصالات رقمية تسمح بإدارة العمليات عن بعد.

    وأظهرت عملية أمنية مشتركة نفذها المغرب وإسبانيا في 25 مارس 2026 هذا الترابط بين التهديد الإفريقي والخطر الأوروبي، بعدما جرى تفكيك خلية مرتبطة بتنظيم “داعش”، بعد توقيف عنصرين في طنجة ومشتبه فيه ثالث في جزيرة مايوركا الإسبانية، وأفادت المعطيات المنشورة بأن التحقيقات شملت شبهات تتعلق بتمويل الإرهاب والإعداد لتنفيذ هجوم داخل إسبانيا.

    وتعكس هذه العملية انتقال التعاون المغربي الإسباني إلى مستوى التدخل المتزامن، فبدلا من أن يعمل كل جهاز بصورة منفصلة، أصبحت التحقيقات تدار بطريقة تسمح بتوقيف أعضاء الشبكة في أكثر من دولة وفي توقيت متقارب، بما يقلل من إمكانية فرار المشتبه فيهم أو إتلاف الأدلة.

    كما تعكس العملية تغير طبيعة الخلايا الإرهابية نفسها، إذ لم تعد الخلية بالضرورة مجموعة مجتمعة في مكان واحد، بل قد يكون أعضاؤها موزعين بين مدينتين أو دولتين، ويتولون أدوارا مختلفة تشمل التمويل والاستقطاب والتواصل وجمع المعلومات والتحضير الميداني.

    وفي قراءته لهذا التحول، يرى الخبير في القضايا الأمنية محمد شقير، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن ما يميز التجربة المغربية اليوم هو أنها لم تعد تقتصر على تبادل المعلومات الأمنية مع الشركاء الدوليين، بل أصبحت تساهم في إنتاج المعلومة الاستخباراتية التي تُبنى عليها تحقيقات وعمليات دولية معقدة.

    ويؤكد شقير أن الثقة التي تحظى بها الأجهزة المغربية لم تأت من فراغ، وإنما هي نتيجة سنوات من اعتماد المقاربة الاستباقية، وتطوير قدرات الرصد والتحليل، والنجاح في تفكيك الخلايا الإرهابية قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ، وهو ما جعل المغرب ينتقل تدريجيا من دولة تتلقى المعلومات الأمنية إلى شريك يشارك في إنتاج الأمن الإقليمي والدولي.

    من حماية الداخل إلى المساهمة في الأمن الدولي

    وأصبح المغرب، بفضل هذه الاستراتيجية المتعددة الأبعاد، شريكا رئيسيا للعديد من الدول الأوروبية والإفريقية في تبادل المعلومات الاستخباراتية حول الشبكات الإرهابية، وساهمت معطياته في إحباط عمليات خارج حدوده الوطنية.

    المغرب اليوم، بفضل الرؤية الملكية، أضحى أيضا مرجعا في المقاربة الشمولية لمكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، وهو ما يتجلى في انتخابه لرئاسة المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب وتجديد الثقة فيه داخل الأطر متعددة الأطراف.

    وبُنيت المقاربة المغربية في مكافحة الإرهاب على فكرة أساسية هي عدم انتظار وصول الخطر إلى مرحلة التنفيذ، وهو ما يفسر حضور مفهوم “الأمن الاستباقي” في الخطاب الأمني المغربي، باعتباره عملا يبدأ بجمع المعطيات وتحليلها، ويمر برصد مؤشرات التطرف والتجنيد والتمويل، وينتهي بالتدخل قبل الانتقال إلى الفعل الإرهابي.

    لكن قيمة هذه المقاربة لم تعد تقاس فقط بعدد الخلايا التي يجري تفكيكها داخل المغرب، بل أيضا بقدرة الأجهزة المغربية على توفير معلومات تسمح بإحباط عمليات أو تفكيك شبكات خارج التراب الوطني.

    وتكشف قضايا دولية عرضت أمام القضاء الأمريكي أن العلاقة الأمنية بين المغرب والولايات المتحدة تجاوزت مستوى التعاون التقليدي، من خلال تبادل المعلومات أو تقديم الدعم التقني، بل اتخذ طابعا عملياتيا مباشرا.

    ففي مارس الفارط، كشفت وثائق قضائية صادرة عن مكتب المدعي العام للولايات المتحدة للمنطقة الشرقية لولاية فيرجينيا، في قضية تسليح كارتل “خاليسكو الجيل الجديد”، أن الأجهزة الأمنية المغربية نفذت عملية توقيف المتهم الكيني إليشا أوديامبو أسومو بالدار البيضاء، قبل استكمال إجراءات تسليمه إلى الولايات المتحدة، في خطوة اعتبرتها واشنطن حاسمة في تفكيك الشبكة

     وفي قضية ثانية خاصة بـ”الناركو-إرهاب” متعلقة بأنطوان قسيس، فقد ساهمت المديرية العامة للأمن الوطني في دعم التحقيق الدولي عبر توفير معطيات أمنية واستخباراتية ضمن فريق دولي تقوده إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية، ما أسهم في جمع الأدلة التي قادت إلى إدانة المتهم.

    ويعكس هذا التدخل المباشر انتقال المغرب إلى موقع الشريك التنفيذي في العمليات الأمنية الدولية، إذ لم يعد مجرد طرف يقدم المساندة أو يتجاوب مع طلبات التعاون القضائي.

    أيضا، يعد التعاون الأمني بين المغرب وإسبانيا نموذجا واضحا لشراكة تتجاوز البعد الثنائي التقليدي نحو تنسيق استراتيجي قائم على الثقة وتبادل الخبرات.

    وأضحت المملكة المغربية، في السياق الأوروبي والمتوسطي، ينظر إليها باعتبارها فاعلا أمنيا لا يكتفي بحماية حدوده ومجاله الداخلي، بل يساهم أيضا في دعم الاستقرار الإقليمي عبر عمل استخباراتي وعملياتي متقدم، خاصة في ملفات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية.

    هذا التحول يعكس مكانة المغرب كقوة أمنية ذات وزن متزايد في محيطه الجغرافي، وقادرة على بناء شراكات عملية مع الدول الأوروبية الأكثر احتياجا إلى التنسيق الأمني.

    وتبرز أهمية هذا التعاون أيضا في كونه تعاونا وظيفيا وميدانيا، لا يقتصر على اللقاءات الدبلوماسية أو البروتوكولات الرسمية، بل يمتد إلى عمليات مشتركة وتبادل للمعلومات أفضى في أكثر من مناسبة إلى تفكيك شبكات إجرامية عابرة للحدود.

    وفي هذا السياق، يظهر المغرب كشريك أمني موثوق لدى مدريد، بالنظر إلى خبرته في تتبع التهديدات الإرهابية وتفكيك الشبكات الدولية المرتبطة بتهريب المخدرات والاتجار غير المشروع.

    كما اكتسبت الشراكة الأمنية المغربية بعدا دوليا أوسع مع مساهمة الأجهزة المغربية في تأمين مونديال قطر 2022، حيث تم الاستعانة بالخبرة المغربية ضمن الجهود الأمنية المرتبطة بهذا الحدث العالمي.

    وقد عكس ذلك اعترافا عمليا بالكفاءة التي راكمتها الأجهزة الأمنية المغربية في إدارة المخاطر الكبرى وتأمين التظاهرات ذات الحساسية العالية، وهو ما عزز صورة المغرب كفاعل أمني دولي قادر على تصدير خبرته خارج حدوده.

    تحول عميق في العقيدة الأمنية

    ويرى الخبير محمد شقير، أن الأرقام المسجلة لا تعكس فقط كفاءة في ضبط الجريمة، بل تحولا عميقا في العقيدة الأمنية المغربية، التي انتقلت من التدخل بعد وقوع الجريمة إلى استباقها وضرب بنيتها التنظيمية والمالية واللوجستية قبل أن تتحول إلى تهديد فعلي.

    ويوضح، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن هذا التحول هو نتيجة تراكم خبرة استخباراتية امتدت لعقود، بدأت مع مواجهة التنظيمات المتطرفة منذ سبعينيات القرن الماضي، ثم تعززت بعد هجمات الدار البيضاء سنة 2003، حيث طور المغرب منظومة متكاملة تجمع بين العمل الاستخباراتي والبحث القضائي والتنسيق الميداني.

    ويؤكد أن التعاون الأمني المغربي الأمريكي دخل مرحلة جديدة بعد هجمات 11 شتنبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ لم يعد المغرب مجرد متلق للمعلومات، بل أصبح شريكا يساهم في إنتاجها وتحليلها، وشارك في تحقيقات مرتبطة بعناصر متطرفة بفضل الخبرة التي راكمها محققوه في فهم بنية التنظيمات الإرهابية وخطابها وأساليب تجنيدها.

    وأسهمت معلومات قدمتها الأجهزة المغربية في إحباط مخططات إرهابية خارج المملكة، سواء في الولايات المتحدة أو في عدد من الدول الأوروبية، وهو ما رسخ مصداقية الاستخبارات المغربية لدى شركائها الدوليين.

    ويضيف شقير أن نجاح المقاربة الاستباقية لم يرتبط فقط بقدرات التدخل، وإنما ببناء منظومة استخباراتية متكاملة تضم المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، والمديرية العامة للدراسات والمستندات، والمكتب المركزي للأبحاث القضائية، إلى جانب توظيف الوسائل الرقمية والرصد الإلكتروني والعمل الميداني، ما أتاح تكوين بنك معلومات واسع حول تحركات التنظيمات الإرهابية، خصوصا بعد انتقال نشاط تنظيم “داعش” إلى منطقة الساحل.

    ويبرز الخبير ذاته أن هذه المعطيات جعلت المغرب فاعلا أساسيا في الأمن الإقليمي، وأحد أبرز الشركاء الذين تعتمد عليهم الدول الغربية في مواجهة التهديدات الإرهابية العابرة للحدود، ما يفسر اتساع نطاق التعاون الأمني وتزايد الإشادة الدولية بالتجربة المغربية وتكريم مسؤوليها الأمنيين.

  • حقوق المرأة والأسرة في “العهد الجديد”.. مسار إصلاحي متجدد

    حقوق المرأة والأسرة في “العهد الجديد”.. مسار إصلاحي متجدد

    منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، عرفت قضايا المرأة والأسرة والحقوق والحريات في المغرب مسارا متدرجا من الإصلاح، جعل من هذه الملفات واحدة من أبرز واجهات التحول الاجتماعي والتشريعي الذي عرفته المملكة خلال أكثر من ربع قرن.

    وإذا كان إصلاح مدونة الأسرة سنة 2004 قد شكل نقطة انطلاق أساسية في إعادة ترتيب العلاقات داخل الأسرة المغربية، فإن المسار لم يتوقف عند حدود النص القانوني، بل امتد إلى تعزيز حضور المرأة في الحياة العامة والسياسية والاقتصادية، وتطوير الإطار المؤسساتي والقانوني لمحاربة العنف والتمييز، ثم فتح نقاش أوسع حول الحريات الفردية وحدود تدخل القانون في الحياة الخاصة.

    وبعد أكثر من عقدين على إصلاح مدونة الأسرة، عاد الملف إلى الواجهة من جديد، في سياق تغيرات عميقة مست بنية الأسرة المغربية وأدوار أفرادها، وفرضت مراجعة عدد من المقتضيات التي أظهرت الممارسة العملية محدوديتها أو الحاجة إلى تطويرها، لينتقل المسار من إصلاح أول سنة 2004 إلى مراجعة جديدة تسعى إلى مواكبة تحولات المجتمع.

    مدونة 2004 ورهانات النهوض بأوضاع المرأة

    شكل تعزيز تماسك الأسرة واستقرارها أحد الأبعاد الأساسية في مسار الإصلاح الذي عرفه المغرب خلال عهد جلالة الملك محمد السادس، باعتبار الأسرة نواة المجتمع وفضاء أساسيا لترسيخ قيم المواطنة والتماسك الاجتماعي؛ وهو توجه عبر عنه جلالة الملك في عدد من خطاباته، من خلال الربط بين بناء المجتمع الديمقراطي والحداثي وبين النهوض بالمؤسسات الاجتماعية، وفي مقدمتها الأسرة.

    وفي خطاب عيد العرش لسنة 2003، أكد جلالة الملك أن “كلنا مسؤولون فرادى وجماعات سلطات وهيآت أحزابا وجمعيات عن البناء الجماعي لمجتمعنا الديمقراطي الحداثي الذي هو مشروع الأمة بأسرها”.

    وانطلاقا من هذا التوجه، شكل إصلاح مدونة الأسرة سنة 2004 إحدى أبرز محطات إعادة تنظيم العلاقات الأسرية، قبل أن يتطور المسار ليشمل تعزيز حماية الأطفال وضمان حقوقهم، وتطوير آليات معالجة النزاعات الأسرية، ومواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي أثرت في بنية الأسرة وأدوار أفرادها.

    ويعكس هذا التوجه تصورا للأسرة باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للمجتمع، وهو ما جعل إصلاح مدونة الأسرة جزءا من مسار أوسع يروم تعزيز تماسكها ومواكبة التحولات التي عرفتها، إلى جانب تقوية حماية الأطفال وضمان حقوقهم، وتطوير آليات معالجة النزاعات الأسرية.

    وفي الثالث من فبراير 2004، صدر الظهير الشريف رقم 1.04.22 القاضي بتنفيذ القانون رقم 70.03 بمثابة مدونة الأسرة، لتحل المدونة الجديدة محل مدونة الأحوال الشخصية التي كانت سارية منذ سنة 1958.

    ولم يكن تغيير الاسم مجرد تحول شكلي، بل عكس انتقالا في تصور المشرع من تنظيم “الأحوال الشخصية” إلى تنظيم العلاقات الأسرية باعتبار الأسرة مؤسسة قائمة على حقوق وواجبات متبادلة بين مختلف أفرادها.

    وتميزت المدونة الجديدة بصياغة قانونية أكثر وضوحا ودقة، بما ينسجم مع طبيعة النصوص التشريعية ويسهل فهم مقتضياتها وتطبيقها، ويحد من الحاجة إلى تأويلات معقدة.

    وقد حملت مدونة 2004 مجموعة من المقتضيات التي عززت حماية حقوق المرأة والطفل، من خلال تكريس أهلية المرأة الراشدة في الزواج، وتشديد الرقابة القضائية على تعدد الزوجات، وتوسيع إمكانيات التطليق، وتعزيز حقوق الأطفال ومراعاة مصلحتهم في الحضانة، إلى جانب تنظيم تدبير الأموال المكتسبة أثناء الزواج ورفع سن الزواج إلى 18 سنة مع الإبقاء على الاستثناء القضائي، وأقرت آليات أكثر تنظيما لإنهاء العلاقة الزوجية.

    وتؤكد قلوب فيطح، رئيسة منظمة نساء حزب الأصالة والمعاصرة، أنه “فمنذ اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله عرش أسلافه الميامين، جعل قضية المرأة المغربية في صلب الإصلاحات الكبرى التي شهدتها المملكة، وقد حملت السنوات السبع والعشرون الماضية إصلاحات نوعية شكّلت محطات فارقة في مسار النهوض بأوضاع المرأة المغربية، من خلال أوراش دستورية وتشريعية ومؤسساتية عززت مكانتها، ووسعت آفاق مشاركتها في الحياة العامة، ورسّخت حضورها كشريك أساسي في بناء الوطن”.

    وشددت على أن إصلاح مدونة الأسرة سنة 2004 كان محطة مفصلية في هذا المسار، إذ شكَّل صدورها آنذاك ثورة تشريعية مجتمعية هادئة أنصفت المرأة المغربية من مظاهر الحيف التي كانت تطبع بعض الممارسات القانونية، وعزَّزت الحماية القانونية للأسرة، وكرَّست لمبدأ المسؤولية المشتركة بين الزوجين في تدبير شؤونها بما يحقق التوازن ويحفظ كرامة جميع أفرادها.

    دعوة ملكية جديدة لمراجعة المدونة

    غير أن مرور أكثر من عقدين على اعتماد المدونة، وما فرضه التطبيق الفعلي من تحديات وتحولات اجتماعية واقتصادية، أعاد النقاش حول مدى قدرة مقتضياتها على مواكبة الواقع الأسري الجديد.

    وامتدادا لمسار الإصلاح لسنة 2004، دعا جلالة الملك محمد السادس، في خطاب الذكرى الثالثة والعشرين لعيد العرش سنة 2022، إلى ضرورة تقييم مقتضيات مدونة الأسرة ومدى ملاءمتها للتحولات التي عرفها المجتمع المغربي، مشددا على أن المدونة، رغم ما شكلته من قفزة إلى الأمام، فإنها أصبحت غير كافية؛ لأن التجربة أبانت أن هناك عدة عوائق، تقف أمام استكمال هذه المسيرة، وتحول دون تحقيق أهدافها.

    وذكر جلالته في الخطاب بالمكانة التي خص بها المرأة والنهوض بأوضاعها وفسح آفاق الارتقاء أمامها، وإعطائها المكانة التي تستحقها، منذ اعتلائه العرش، مشيرا أن الإصلاحات التي قام بها “لا تتعلق بمنح المرأة امتيازات مجانية؛ وإنما بإعطائها حقوقها القانونية والشرعية. وفي مغرب اليوم، لا يمكن أن تحرم المرأة من حقوقها”.

    وفي 26 شتنبر 2023، دعا جلالة الملك محمد السادس، في رسالة وجهها إلى رئيس الحكومة، إلى إعادة النظر في بعض مضامين مدونة الأسرة، حيث قال: “ورغم ما جسدته من مميزات، وما أفرزته من دينامية تغيير إيجابي، من خلال منظورها للمساواة والتوازن الأسري، وما أتاحته من تقدم اجتماعي كبير، فإن مدونة الأسرة أضحت اليوم في حاجة إلى إعادة النظر بهدف تجاوز بعض العيوب والاختلالات، التي ظهرت عند تطبيقها القضائي، ومواءمة مقتضياتها مع تطور المجتمع المغربي ومتطلبات التنمية المستدامة، وتأمين انسجامها مع التقدم الحاصل في تشريعنا الوطني”.

    وفي هذا السياق، أكدت نجية تزروت، رئيسة شبكة الرابطة إنجاد ضد عنف النوع، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن الإصلاحات التي عرفتها المنظومة القانونية خلال العقدين الماضيين ساهمت في تحسين الوضع القانوني للنساء وتعزيز شعورهن بالأمن القانوني مقارنة بما كان عليه الوضع قبل سنة 2004.

    وتشير نجية تزروت بهذا الصدد إلى أن مدونة الأسرة لسنة 2004 شكلت محطة إصلاحية بارزة في مسار تعزيز حقوق النساء بالمغرب، وأسهمت في تحديث الإطار القانوني للأسرة.

    غير أن التجربة العملية، توضح المتحدثة، أظهرت أن ترسيخ المساواة الفعلية يظل رهينا باستكمال الإصلاح القانوني وتوفير شروط حسن تطبيقه، وتعزيز التمكين الاقتصادي والاجتماعي للنساء، إلى جانب تغيير العقليات وترسيخ ثقافة المساواة والعدالة داخل الأسرة والمجتمع.

    امتداد لمسار الإصلاح في “العهد الجديد”

    وانسجاما مع التوجيهات الملكية، انطلق سنة 2023 ورش مراجعة مدونة الأسرة، باعتباره امتدادا للإصلاح الذي دشّنته مدونة سنة 2004، ومرحلة جديدة تستهدف تطوير مكتسباتها ومعالجة الإشكالات التي أفرزها التطبيق، بما يواكب التحولات التي يشهدها المجتمع المغربي، ويعزز التوازن داخل الأسرة ويحافظ على تماسكها.

    وحدد جلالة الملك، في رسالته السامية، معالم هذا الورش، بعدما كلف وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة بالإشراف عليه، مع التأكيد على إشراك المجلس العلمي الأعلى، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والقطاع الحكومي المكلف بالتضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، إلى جانب الانفتاح على فعاليات المجتمع المدني والباحثين والخبراء، بما يضمن مقاربة تشاركية واسعة.

    وفي هذا السياق، أكدت رئيسة منظمة نساء الأصالة والمعاصرة أن مراجعة مدونة الأسرة تمثل محطة جديدة في مسلسل الإصلاح الذي يقوده جلالة الملك، وتروم تعزيز العدالة والإنصاف داخل الأسرة المغربية، بما يستجيب للتحولات المجتمعية ويحافظ، في الآن ذاته، على المرجعية الدستورية والثوابت الوطنية للمملكة.

    وأثمر هذا الورش حزمة من المقترحات همّت عددا من المقتضيات المرتبطة بالزواج والطلاق، والحضانة والنيابة القانونية عن الأطفال، والنفقة، وتدبير الأموال المكتسبة أثناء الزواج، فضلا عن مراجعة بعض الأحكام المتعلقة بالوصية والهبة والإرث.

    وتستهدف هذه التعديلات تطوير المكتسبات التي أقرها إصلاح سنة 2004، وتجاوز الإشكالات التي كشفت عنها الممارسة العملية، بما يعزز حماية الأسرة ويكفل حقوق مختلف أفرادها، في انسجام مع التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.

    وفي قراءة حقوقية لهذه المراجعة، ترى جميلة السيوري، المحامية بهيئة الرباط ورئيسة جمعية عدالة، أن المقترحات استجابت لعدد من التحولات التي عرفها المجتمع المغربي، من خلال مراجعة قواعد الزواج والطلاق والنفقة والحضانة، لكنها تعتبر، في المقابل، أنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من التطوير لترسيخ تصور يقوم على الشراكة والمساواة والمسؤولية المشتركة داخل الأسرة.

    إصلاح المدونة وتمكين المرأة

    اتخذ مسار تعزيز حقوق المرأة خلال عهد جلالة الملك محمد السادس أبعادا أوسع، ليشمل حضورها في الحياة العامة ومشاركتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب تطوير الإطار القانوني والمؤسساتي لحمايتها وتعزيز مبدأ المساواة.

    وقد ربط جلالة الملك محمد السادس بين إصلاح مدونة الأسرة وتمكين المرأة، مؤكدا في خطاب عيد العرش لسنة 2022 أن الأمر “لا يتعلق بمنح المرأة امتيازات مجانية؛ وإنما بإعطائها حقوقها القانونية والشرعية”، داعيا في الوقت نفسه إلى تفعيل المؤسسات المعنية بحقوق الأسرة والمرأة وتحيين الآليات والتشريعات الوطنية للنهوض بوضعيتها.

    وقد جاء دستور 2011 ليمنح هذا المسار سندا دستوريا أكثر وضوحا، من خلال تكريس مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، والنص على السعي إلى تحقيق المناصفة.

    وتعزز الإطار القانوني لحماية النساء من العنف، خصوصا مع دخول القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء حيز التنفيذ سنة 2018، ويهدف القانون إلى توفير الحماية القانونية للنساء ضحايا العنف، من خلال أربعة أبعاد، تهدف إلى ضمان الوقاية والحماية وعدم الإفلات من العقاب والتكفل الجيد بالضحايا.

    كما شهد حضور النساء في الحياة السياسية والمؤسساتية تطورا تدريجيا، وأصبح تمثيلهن في المؤسسات المنتخبة ومواقع المسؤولية جزءا من النقاش حول المناصفة والمشاركة في صناعة القرار.

  • من خطاب أجدير إلى التفعيل.. رحلة الأمازيغية في 27 سنة من “العهد الجديد”

    من خطاب أجدير إلى التفعيل.. رحلة الأمازيغية في 27 سنة من “العهد الجديد”

    على امتداد 27 سنة، انتقلت الأمازيغية في المغرب من مرحلة المطالبة بالاعتراف بمكانتها ضمن الهوية الوطنية، إلى لغة رسمية بنص الدستور، ثم إلى ورش مؤسساتي وقانوني يستهدف إدماجها في مختلف مجالات الحياة العامة.

    هذا التحول يعكس مسارا متدرجا لإعادة صياغة مفهوم الهوية المغربية في العهد الجديد، على أساس تعدد روافدها وتكامل مكوناتها، بما جعل الأمازيغية تنتقل من مستوى الاعتراف بمكانتها الثقافية إلى ترسيخ حضورها ضمن البناء الدستوري والمؤسساتي للدولة.

    فمنذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، دخلت الأمازيغية مرحلة جديدة اتسمت بانتقال التعامل معها من مستوى الاعتراف الثقافي إلى بناء مسار مؤسساتي للنهوض بها، توالت ضمنه محطات أساسية شملت خطاب أجدير وإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ثم الاعتراف الدستوري بها لغة رسمية، وصولا إلى وضع إطار قانوني لتفعيل هذا الطابع الرسمي وإدماجها في مجالات الحياة العامة.

    وفي “العهد الجديد”، لم تعد الأمازيغية موضوعا ثقافيا فحسب، بل أصبحت جزءا من السياسة اللغوية للدولة، ومسارا مؤسساتيا يرتبط بالتعليم والإدارة والقضاء والإعلام وغيرها من مجالات الحياة العامة.

    خطاب أجدير.. تأكيد الاعتراف باللغة الأمازيغية

    شكل خطاب أجدير الذي وجهه جلالة الملك محمد السادس في 17 أكتوبر 2001، محطة مفصلية في تاريخ المغرب، إذ مهد لمرحلة جديدة مع اللغة والثقافة الأمازيغيتين، حاملا دعوة واضحة إلى بناء وعي يقوم على الاعتراف بتعدد مكونات الهوية المغربية وتكاملها.

    وتجاوز خطاب أجدير التعامل مع الأمازيغية باعتبارها قضية لغوية أو ثقافية محددة، ليضعها في صلب الهوية الوطنية المشتركة، وجعل “تيفيناغ” جزءا أصيلا من الهوية المغربية الجامعة.

    وأكد جلالته في خطابه أن “الأمازيغية، التي تمتد جذورها في أعماق تاريخ الشعب المغربي، هي ملك لكل المغاربة بدون استثناء”، في تأكيد لموقعها ضمن الهوية المغربية الجامعة، وهو التوجه الذي تُرجم مؤسساتيا بإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في أكتوبر 2001، ليشكل إطارا مؤسساتيا للنهوض باللغة والثقافة الأمازيغيتين.

    وفي هذا السياق، أكد عبد الله بادو، عضو المكتب التنفيذي للشبكة الأمازيغية، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن خطاب أجدير شكل منعطفا تاريخيا حاسما في مسار القضية الأمازيغية، حيث نقلها من وضعية “الإنكار” إلى مرحلة “الاعتراف الرسمي والمأسسة”.

    فبفضل التوجيهات الملكية المتعاقبة، التي بدأت بـ”انفراج رمزي” في خطاب 20 غشت 1994 وتجذرت بـخطاب أجدير، تم إخراج الأمازيغية من دائرة “المطالبة الهامشية” إلى رحاب “الالتزام المؤسساتي”، يؤكد بادو.

    وأضاف أن “هذا الخطاب أسس لمرحلة “المأسسة” من خلال إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، كما أعطى للأمازيغية صفة “الرصيد المشترك” لكل المغاربة، مما وضع حدا للإنكار الرسمي وفتح المجال للعمل العلمي واللساني”.

    المعهد الملكي ركيزة النهوض بالأمازيغية

    منذ تأسيسه، اضطلع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بدور محوري في النهوض باللغة والثقافة الأمازيغيتين، وإدماجهما تدريجيا في مجالات حيوية، من قبيل التربية والتعليم والإعلام والثقافة، مستندا في ذلك إلى شبكة من الشراكات مع مؤسسات عمومية وقطاعات حكومية.

    وبعد مرور أكثر من عقدين على إحداثه، راكم المعهد حصيلة واسعة في مجالات البحث اللساني والإنساني، والتعليم والترجمة والنشر والإعلام، بما أسهم في بناء أدوات معرفية ولغوية مهدت للانتقال بالأمازيغية من مرحلة الاعتراف إلى مرحلة التفعيل المؤسساتي.

    ووفق المعطيات التي قدمها المعهد بمناسبة الذكرى الرابعة والعشرين لخطاب أجدير، تجاوز إنتاجه المعرفي 500 إصدار في الترجمة والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وغيرها، إلى جانب تنظيم نحو 75 ندوة خلال 24 سنة، بما يعكس حجم العمل المؤسساتي الذي واكب مسار النهوض بالأمازيغية منذ سنة 2001.

    وفي هذا المسار، برزت محطات مؤسساتية ورمزية أخرى عززت مكانة الأمازيغية، إذ تم سنة 2003 اعتماد حرف “تيفيناغ” لكتابة وتدريس اللغة الأمازيغية، في قرار ملكي جاء استجابة لرأي المجلس الإداري للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.

    وشكل القرار خطوة في مسار بناء منظومة لغوية مكتوبة لها أدواتها ومعاييرها الخاصة، وهو ما واكبته جهود المعهد في تنميط الحرف وتهيئة اللغة وإعداد المعاجم والموارد التعليمية.

    اعتراف يكرسه الدستور والقانون التنظيمي

    وإذا كان خطاب أجدير قد أطلق المسار المؤسساتي، فإن دستور 2011 شكل لحظة التحول الكبرى من الاعتراف السياسي والمؤسساتي إلى الاعتراف الدستوري بتنصيص الفصل الخامس على أن الأمازيغية لغة رسمية للدولة إلى جانب اللغة العربية، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء، وأحال إلى قانون تنظيمي يحدد كيفيات إدماج اللغة الأمازيغية في مجال التعليم، وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية.

    وبذلك، لم تعد مكانة الأمازيغية مرتبطة فقط بإرادة سياسية أو ببرامج ومؤسسات للنهوض بها، وإنما أصبحت التزاما دستوريا على الدولة، الأمر الذي يمثل أحد أبرز التحولات التي طبعت تدبير اللغة الأمازيغية، إذ انتقل المسار من سؤال “الاعتراف” إلى سؤال “كيفيات الترسيم”.

    وهو ما أكده بادو بقوله إن “الاعتراف الدستوري لسنة 2011 أحدث تحولا جذريا في طبيعة الترافع الأمازيغي؛ إذ لم يعد النقاش متمحورا حول أحقية وجود الأمازيغية، بل حول كيفية تفعيل رسميتها”، مبرزا أنه “من خلال الفصل الخامس، تحولت الأمازيغية إلى التزام دستوري صريح يفرض على الدولة التخطيط والميزانية والتقييم، مما مهد الطريق لإصدار القانون التنظيمي 26.16”.

     ويوضح عضو المكتب التنفيذي للشبكة الأمازيغية أن وضع الدستور حدا قانونيا لـ”مرحلة التجاهل”، وجعل من الأمازيغية مكونا بنيويا في الشخصية المغربية، نقل الملف من كونه قضية ثقافية أو حقوقية إلى ورشٍ مؤسساتي خاضع للمساءلة القانونية.

    القانون التنظيمي رقم 26.16.. ترجمة الالتزام الدستوري

    ويأتي القانون التنظيمي رقم 26.16، الصادر سنة 2019، ليترجم هذا الالتزام الدستوري إلى إطار قانوني يحدد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في التعليم ومختلف مجالات الحياة العامة ذات الأولوية.

    وأدخل القانون التنظيمي الورش مرحلة جديدة لم يعد فيها التحدي الأساسي هو تثبيت مكانة الأمازيغية، وإنما توفير الشروط البشرية والمؤسساتية والمالية والتقنية اللازمة لتحويل الترسيم إلى ممارسة فعلية.

    ويوضح بادو أن الاعتراف الدستوري بالأمازيغية سنة 2011 نقل مركز النقاش من المطالبة بالاعتراف إلى البحث في كيفية تفعيل طابعها الرسمي، ثم من مطلب ثقافي أو حقوقي إلى التزام دستوري صريح بموجب الفصل الخامس، بما فرض على الدولة التزامات قانونية ومالية مرتبطة بالتخطيط والميزانية والتقييم، ومهد الطريق لإصدار القانون التنظيمي رقم 26.16.

    وفي الوقت نفسه، يضيف المتحدث، وضع الاعتراف الدستوري حدا لمرحلة تجاهل أو إقصاء اللغة والثقافة الأمازيغيتين، ورسخ التعامل معهما باعتبارهما مكونا بنيويا في الشخصية المغربية وليس كملف ثانوي.

    وانعكس هذا التحول تدريجيا على الحضور في القطاعات الحيوية، حيث تعزز حضور الأمازيغية وتزايد الاهتمام بها، لتنتقل من موقع محدود إلى مكون أكثر حضورا في قطاع التعليم، الإدارة، والمشهد الإعلامي الوطني.

    حضور الأمازيغية في القطاعات الأساسية

    لم يعد تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية مرتبطا فقط بالنصوص القانونية، بل بدأ ينعكس تدريجيا على عدد من المجالات التي تلامس الحياة اليومية للمواطن.

    ويحدد القانون التنظيمي رقم 26.16 مجالات واسعة لهذا الإدماج، تشمل التعليم والإعلام والإدارات والمرافق العمومية والتقاضي والفضاءات العمومية.

    ففي مجال التدريس، انتقلت الأمازيغية تدريجيا من مرحلة الإدماج المحدود إلى توسيع نطاق تدريسها في التعليم الابتدائي، في إطار مخطط يستهدف تعميمها على مختلف المؤسسات التعليمية.

    وأشار الناشط الأمازيغي ذاته إلى أن الوضع انتقل من الغياب أو التهميش إلى توسع كمي ملحوظ، حيث بلغت نسبة التغطية في التعليم الابتدائي حوالي 32 بالمئة من المؤسسات سنة 2024، مع وجود 16.530 قسما.

    وفي مجال الإدارة، بدأ التفعيل ينتقل من وضع الإطار القانوني إلى توفير خدمات فعلية باللغة الأمازيغية، من خلال الاستقبال والتوجيه والإرشاد، ومراكز الاتصال، وترجمة بعض اللوحات وعلامات التشوير، وإدماج الأمازيغية في المواقع والخدمات الرقمية.

    وفي قطاع الإعلام، بعدما كان حضور الأمازيغية في الإعلام العمومي يقتصر على مساحات زمنية أكبر، فإن تأسيس القناة الأمازيغية سنة 2010، وفر فضاء لإنتاج الأخبار والبرامج الثقافية والوثائقية والدرامية والرياضية بالأمازيغية.

    ومنذ انطلاقتها، راكمت القناة إنتاجا متنوعا يشمل البرامج الإخبارية والثقافية والترفيهية والوثائقية، بمختلف روافد اللغة الأمازيغية، وأسهمت في تثمين التراث والثقافة الأمازيغيين وتعزيز حضور اللغة في الفضاء الإعلامي الوطني، كما أتاحت للناطقين بها متابعة مضامين إعلامية بلغتهم، لتشكل إحدى أولى صور الحضور المنتظم للأمازيغية داخل المرفق الإعلامي العمومي.

     2023.. زخم متواصل

    واكتسب مسار تفعيل الأمازيغية زخما جديدا، بعد القرار الملكي الصادر في ماي 2023 بإقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية رسمية مدفوعة الأجر، على غرار رأس السنة الميلادية وفاتح محرم.

    وقد حمل القرار دلالة تتجاوز الجانب الاحتفالي، باعتباره إدماجا لمناسبة مرتبطة بالثقافة والتاريخ الأمازيغيين ضمن الأجندة الوطنية الرسمية، بما يعكس الانتقال من الاعتراف بالأمازيغية كمكون من مكونات الهوية إلى جعل رموزها حاضرة في الحياة العامة للمغاربة.

  • ترامب لجلالة الملك: سيادة المغرب على الصحراء ثابتة والنزاع يجب أن ينتهي الآن ووجهت فريقي لتعزيز التنمية فيها

    ترامب لجلالة الملك: سيادة المغرب على الصحراء ثابتة والنزاع يجب أن ينتهي الآن ووجهت فريقي لتعزيز التنمية فيها

    عاد رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، دونالد ج. ترامب، لتأكيد موقف بلاده من قضية الصحراء المغربية، مجددا الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء، ودعم واشنطن لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الأساس الوحيد للتوصل إلى حل عادل ودائم للنزاع.

    وجاء ذلك في برقية توصل بها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، من الرئيس الأمريكي، بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد.

    وقال ترامب في برقيته إلى جلالة الملك: “الولايات المتحدة واضحة: نحن نعترف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، وندعم المقترح المغربي للحكم الذاتي الجاد، وذي المصداقية والواقعي باعتباره الأساس الوحيد للتوصل إلى حل عادل ودائم”.

    وشدد الرئيس الأمريكي على ضرورة إنهاء النزاع، مضيفا أن “أي مسار آخر من شأنه أن يطيل أمد الوضع القائم، وهو أمر غير مقبول”، قبل أن يؤكد أن “هذا النزاع يجب أن ينتهي الآن، وستواصل الولايات المتحدة الدفع نحو إحراز تقدم لتحقيق هذا الهدف”.

    250 عاما من العلاقات المغربية الأمريكية

    وتضمنت البرقية إشادة بعمق العلاقات التاريخية بين المغرب والولايات المتحدة، إذ نقل الرئيس الأمريكي تهانيه إلى جلالة الملك، نصره الله، وإلى الشعب المغربي بمناسبة عيد العرش.

    وأكد ترامب أن “هذه السنة، نحتفل بمرور 250 عاما من التاريخ الأمريكي والصداقة الدائمة مع المغرب وهي علاقة صيغت على أساس الثقة والاحترام المتبادل”.

    كما أشاد الرئيس الأمريكي بقيادة جلالة الملك محمد السادس، مؤكدا أن “القيادة الحكيمة لجلالتكم تشكل ركيزة للاستقرار”.

    وأضاف أن التزام المغرب المستمر بالعمل من أجل السلام، ومكافحة التطرف، وحماية أمن الأمريكيين والمغاربة، بما في ذلك من خلال دوره المحوري في اتفاقيات أبراهام، يعكس شراكة ذات قيمة بالنسبة للولايات المتحدة.

    وفي البعد الأمني والإقليمي لهذه الشراكة، أكد الرئيس الأمريكي أن البلدين سيعملان معا من أجل ضمان أمن منطقة الساحل.

    واشنطن تعتزم دعم التنمية في الصحراء المغربية

    ولم تقتصر البرقية الرئاسية الأمريكية على المواقف السياسية والأمنية، بل تناولت أيضا مستقبل التعاون الاقتصادي بين البلدين.

    وفي هذا السياق، أكد ترامب لجلالة الملك أن “رؤيتكم للنمو تفتح آفاقا للازدهار لشعبينا واقتصادينا”

    ولم يقتصر الموقف الأمريكي على تجديد الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء ودعم مبادرة الحكم الذاتي، بل امتد إلى البعد التنموي والاقتصادي، إذ أبلغ الرئيس دونالد ترامب جلالة الملك محمد السادس بأنه وجّه فرقه للعمل على تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية مع المغرب، بما يشمل منطقة الصحراء.

    وقال ترامب في برقيته: “لقد كلفت فرقي بالعمل من أجل تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية مع المغرب، بما في ذلك في منطقة الصحراء الغربية”.

    ويمنح هذا الموقف بعدا اقتصاديا للشراكة التي تحدث عنها الرئيس الأمريكي في برقيته، خصوصا أنه حدد مجالات استراتيجية للتعاون خلال المرحلة المقبلة تشمل الطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والدفاع.

    الطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والدفاع

    وحدد الرئيس الأمريكي في برقيته عددا من المجالات الاستراتيجية التي يرتقب أن تشكل محاور للتعاون بين الرباط وواشنطن خلال المرحلة المقبلة.

    وأكد أن التكنولوجيا والابتكار الأمريكيين سيواصلان العمل باعتبارهما شريكين للمغرب خلال الـ250 عاما المقبلة، خصوصا في قطاعات الطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والدفاع.

    وتكشف البرقية بذلك عن امتداد مجالات الشراكة المغربية الأمريكية، من العلاقات السياسية والأمنية إلى التعاون الاقتصادي والتكنولوجي في قطاعات استراتيجية.

    واختتم الرئيس الأمريكي دونالد ج. ترامب برقيته إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بالتأكيد على التطلع إلى مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين، قائلا: “معا سنبني عهدا جديدا، يضع مصالح شعبينا في المقام الأول”.

  • ارتفعت إلى 67 قتيلا.. إسبانيا تعلن انحسار أزمة سبتة وعودة عشرات الآلاف إلى المغرب طوعا

    ارتفعت إلى 67 قتيلا.. إسبانيا تعلن انحسار أزمة سبتة وعودة عشرات الآلاف إلى المغرب طوعا

    ارتفعت حصيلة ضحايا موجة الهجرة غير النظامية التي شهدتها سبتة المحتلة إلى 67 قتيلا، وفق ما أعلنه اليوم السبت، وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي-مارلاسكا، في وقت أعلنت فيه مدريد انحسار الأزمة وعودة الغالبية الساحقة ممن دخلوا المدينة إلى المغرب، بالتوازي مع تشديد الإجراءات الأمنية عند معبر تاراخال واستمرار التنسيق مع السلطات المغربية.

    وحمل وزير الداخلية الإسباني شبكات تهريب المهاجرين مسؤولية الأحداث التي شهدتها المدينة خلال الأيام الماضية، معتبرا أن ما جرى شكل “هجوما لا يمكن قبوله على سيادة بلادنا”، ومؤكدا أن الدخول غير النظامي إلى سبتة لن يفتح أمام أصحابه إمكانية الحصول على تسوية قانونية لوضعيتهم داخل إسبانيا.

    وتأتي الحصيلة الجديدة بعدما كانت الأرقام المعلنة خلال الساعات الأولى للأزمة أقل بكثير، في ظل استمرار عمليات البحث وانتشال الضحايا وتحديد هوياتهم، ما جعل عدد الوفيات يتغير بصورة متسارعة منذ اندلاع موجة العبور.

    نحو 50 ألف شخص عبروا إلى سبتة

    وبالتزامن مع تحديث حصيلة الضحايا، كشفت وزارة الداخلية الإسبانية عن أرقام جديدة بشأن حجم موجة العبور، مقدرة عدد الأشخاص الذين دخلوا سبتة منذ بداية الأزمة بنحو 50 ألف شخص.

    وبحسب الوزارة، عاد 48 ألفا و300 شخص منهم طوعا إلى المغرب، فيما بقي أقل من ألفي شخص داخل المدينة، وهي معطيات تشير إلى تراجع سريع في حجم الضغط الذي تعرضت له سبتة خلال ذروة الأزمة.

    غير أن تقديرات عدد الداخلين والعائدين تختلف باختلاف المصادر الإسبانية، فقد نقلت إذاعة “راديو ناسيونال” عن بيانات حكومية أن نحو 50 ألف مهاجر دخلوا المدينة بطريقة غير نظامية خلال الأيام الأخيرة، بينما قدر رئيس حكومة سبتة خوان خيسوس فيفاس العدد بما قد يصل إلى 60 ألف شخص.

    وفي المقابل، نقلت وكالة الأناضول عن مصادر أمنية إسبانية رقما أعلى للعائدين، مشيرة إلى عودة أكثر من 53 ألف مهاجر غير نظامي طوعا من سبتة. ويعني هذا التفاوت أن الحصيلة النهائية لأعداد الذين دخلوا المدينة ثم غادروها لم تستقر بعد على رقم موحد بين مختلف المصادر.

    ألباريس: الأزمة انتهت فعليا

    سياسيا، أعلن وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، مساء أمس الجمعة، أن الأزمة انتهت “فعليا”، مؤكدا أن جميع الأشخاص الذين وصلوا إلى سبتة تقريبا عادوا إلى المغرب.

    وتعزز هذه التصريحات الرواية الرسمية الإسبانية بشأن انحسار الأزمة بعد أيام من الضغط غير المسبوق على المدينة، والذي تجاوز قدرات مرافق الاستقبال وأثار مخاوف داخل مدريد وعواصم أوروبية من انتقال جزء من الوافدين إلى البر الإسباني وباقي دول فضاء شنغن.

    وعلى الجانب المغربي، شهدت المنطقة حركة عودة عكسية لآلاف المغاربة من سبتة نحو الفنيدق، بعد أيام قضاها عدد منهم في ظروف صعبة داخل المدينة، بحسب ما أورده مراسل قناة الجزيرة في المنطقة.

    كما سجلت محيطات الحدود مواجهات وأضرارا مادية، بينها سيارات محترقة قرب معبر تاراخال، بينما أعادت السلطات المغربية فتح المعبر أمام الحركة القانونية، ولا سيما للمغاربة القادمين من أوروبا لقضاء العطلة الصيفية بالمملكة.

    حواجز جديدة في تاراخال

    وبالتوازي مع تراجع أعداد الموجودين داخل سبتة، بدأت السلطات الإسبانية في تعزيز البنية الأمنية على الحدود تحسبا لتكرار محاولات العبور.

    ووفق مصادر بوزارة الداخلية الإسبانية، فإن القوات شرعت في تركيب حواجز احتواء عند معبر تاراخال الحدودي، في خطوة ترمي إلى تعزيز القدرة على ضبط المنطقة ومواجهة أي موجات جديدة.

    ويأتي الإجراء ضمن حزمة أمنية اعتمدتها مدريد منذ بداية الأزمة، شملت تعزيز انتشار قوات الأمن في سبتة ورفع مستوى التأهب، في وقت حرصت فيه الحكومة الإسبانية على التأكيد أن إدارة التطورات تتم بالتنسيق مع الجانب المغربي.

    سانشيز يشكر المغرب على التعاون

    وفي خضم الأزمة، وصف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ما وقع في سبتة بأنه “هجوم ضد السيادة الوطنية”، متعهدا بتسخير إمكانيات الدولة للدفاع عنها.

    وفي الوقت نفسه، حرص رئيس الحكومة الإسبانية على الفصل بين تقييمه لموجة العبور وموقفه من التعاون مع الرباط، مؤكدا استمرار التنسيق مع المغرب لمحاربة منظمات تهريب المهاجرين.

    كما عبر سانشيز عن أسفه لسقوط الضحايا، ووجه الشكر إلى السلطات المغربية على استعدادها للتعاون في إعادة المهاجرين.

    وتكتسب هذه الإشارة أهمية سياسية بالنظر إلى القراءات التي رافقت الأزمة بشأن مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية، إذ حافظ الخطاب الرسمي لمدريد على التأكيد على التعاون مع الرباط، بدل تحميل السلطات المغربية مسؤولية مباشرة عن موجة العبور.

    الأزمة تصل إلى قلب أوروبا

    ولم تبق تداعيات ما جرى محصورة في العلاقة بين الرباط ومدريد، إذ انتقلت الأزمة بسرعة إلى داخل الاتحاد الأوروبي وأعادت ملف حماية الحدود الخارجية لمنطقة شنغن إلى واجهة الخلاف بين عدد من العواصم الأوروبية.

    وتصدرت إيطاليا المواقف الأكثر تشددا، إذ أعلنت وزارة داخليتها، بحسب المعطيات الواردة، إغلاق الحدود البحرية والجوية مع إسبانيا وتعليق العمل بنظام شنغن بين البلدين بصورة مؤقتة، على خلفية المخاوف من انتقال الوافدين من سبتة إلى باقي الأراضي الأوروبية.

    كما أيدت فنلندا الموقف الإيطالي، حيث اتهمت وزيرة الداخلية ماري رانتانن مدريد بالفشل في حماية الحدود الخارجية لمنطقة شنغن، ودعت بقية الدول الأوروبية إلى مساندة المقترح الإيطالي.

    أما فرنسا، فاتخذت موقفا يجمع بين التضامن السياسي مع مدريد وتشديد الإجراءات الأمنية على حدودها. وأعلن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إصدار تعليمات لتعزيز عمليات الرقابة والتفتيش على الحدود مع إسبانيا، فيما عبر الرئيس إيمانويل ماكرون عن تضامنه مع سانشيز وعرض تقديم المساعدة اللازمة لاحتواء الأزمة.

    مدريد تدافع عن حماية فضاء شنغن

    أمام هذه الانتقادات، دافعت الحكومة الإسبانية عن طريقة إدارتها للأزمة، مؤكدة أنها حافظت على سلامة فضاء شنغن.

    وقال وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس إن الوصول من سبتة إلى البر الإسباني لم يكن ممكنا دون إثبات الهوية، في رد مباشر على المخاوف التي عبرت عنها دول أوروبية من تحول المدينة إلى بوابة مفتوحة نحو بقية فضاء حرية التنقل الأوروبي.

    ويكشف هذا السجال أن أزمة سبتة تجاوزت خلال أيام قليلة بعدها الحدودي والإنساني لتتحول إلى اختبار سياسي وأمني لمنظومة شنغن نفسها، في ظل اختلاف واضح بين الدول الأوروبية بشأن كيفية التعامل مع موجات الهجرة المفاجئة ومسؤولية دول الحدود الخارجية في احتوائها.

    من ذروة الأزمة إلى تحدي ما بعدها

    ومع عودة عشرات الآلاف إلى المغرب وإعلان مدريد انتهاء المرحلة الأكثر حدة من الأزمة، ينتقل النقاش من احتواء موجة العبور إلى تدبير تداعياتها.

    فارتفاع حصيلة القتلى إلى 67 شخصا يضع الكلفة الإنسانية في صدارة الملف، بالتوازي مع استمرار الحاجة إلى تحديد هويات الضحايا والمفقودين، بينما يفتح الحجم الاستثنائي لموجة العبور نقاشا أوسع بشأن قدرة آليات المراقبة الحالية على استباق تحركات بهذا الحجم، ودور شبكات تهريب البشر في تعبئة المرشحين للهجرة وتوجيههم نحو مسارات بعينها.

    وفي المقابل، أظهرت الأيام الأخيرة استمرار قنوات التعاون المغربي الإسباني حتى في ذروة الأزمة، سواء في إعادة الوافدين أو مكافحة شبكات التهريب وضبط الحدود، وهو ما أكدته تصريحات سانشيز ومسؤولين إسبان.

  • الصعود الاقتصادي.. قراءة في الرؤية الاقتصادية التي حملها خطاب العرش

    الصعود الاقتصادي.. قراءة في الرؤية الاقتصادية التي حملها خطاب العرش

    لم يأت الشق الاقتصادي في خطاب الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى الـ27 لاعتلاء العرش على شكل عرض لحصيلة حكومية أو قراءة ظرفية لمؤشرات الاقتصاد الوطني، بل حمل ملامح رؤية متكاملة لمرحلة جديدة من التنمية.

    ومن خلال تسلسل مضامين خطاب العرش، يتضح أنه يبني تصورا اقتصاديا يبدأ بالاستقرار السياسي والمؤسساتي باعتباره أساس الثقة، ثم ينتقل إلى النمو بوصفه نتيجة لتراكم الإصلاحات، قبل أن يركز على التصنيع باعتباره المدخل الرئيسي لتعزيز السيادة الاقتصادية، وصولا إلى التمويل كشرط لاستمرار هذا التحول.

    الاستقرار.. منطلق الرؤية الاقتصادية

    استهل جلالة الملك الشق الاقتصادي بالتأكيد أن ما يميز المغرب اليوم هو ما ينعم به من أمن واستقرار ونجاعة في عمل المؤسسات، قبل أن يربط ذلك مباشرة بالأداء الاقتصادي، قائلا إن “بفضل الأمن والاستقرار، ونجاعة المؤسسات، تتزايد المؤشرات الإيجابية التي تعرفها مختلف القطاعات، بما يعزز مسار الصعود الاقتصادي، ويقوي السيادة الوطنية”.

    وفي هذا السياق، يرى المحلل الاقتصادي إدريس الفينة أن الشق الاقتصادي في الخطاب الملكي يمثل إعلانا عن دخول المغرب مرحلة جديدة من التنمية الاقتصادية، قوامها الانتقال من بناء البنى التحتية والمؤسسات إلى بناء اقتصاد ذي سيادة وقادر على المنافسة العالمية.

    ويعتبر الفينة في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن جعل الاستقرار السياسي والمؤسساتي في مقدمة الأولويات يعكس كونه أصبح أهم رأسمال اقتصادي للمغرب، والعنصر الحاسم في جذب الاستثمار وتعزيز الثقة، خاصة في ظل عالم يشهد تزايد المخاطر الجيوسياسية.

    ويكشف هذا الربط أن الاستقرار لم يعد يقدم باعتباره معطى سياسيا فقط، بل تحول إلى عنصر اقتصادي يحدد قدرة الدول على استقطاب الاستثمارات والحفاظ على تنافسيتها في بيئة دولية تعرف تغيرات متسارعة.

    النمو.. ثمرة سنوات من التراكم

    بعد وضع هذا الإطار، انتقل الخطاب إلى المؤشرات الاقتصادية، حيث أعلن الملك أن الاقتصاد الوطني سجل معدل نمو يقارب 4.9 في المئة خلال سنة 2025، مع توقع الحفاظ على هذا المستوى أو تجاوزه خلال السنة الجارية.

    غير أن الخطاب لا يتعامل مع هذا الرقم باعتباره إنجازا ظرفيا، بل يربطه بمسار طويل من الإصلاحات، حين أكد أن “المكاسب الاقتصادية والاجتماعية، التي تم تحقيقها، تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني؛ فهي نتيجة سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية، وذلك بفضل التوجه الاستراتيجي، وصواب الاختيارات الكبرى لبلادنا”.

    وفي السياق نفسه، توقف الملك عند الموسم الفلاحي، مشيرا إلى أن التساقطات المطرية المهمة والموسم الجيد ساهما في تعزيز الأمن المائي والغذائي، وهو ما يعكس توسيع مفهوم التنمية ليشمل قدرة الدولة على تأمين احتياجاتها الأساسية في ظل التغيرات المناخية والاضطرابات التي تعرفها الأسواق العالمية.

    الصناعة.. التحول الأكبر في الاقتصاد المغربي

    إذا كان النمو يمثل نتيجة للمسار التنموي، فإن الصناعة تشكل، وفق الخطاب الملكي، عنوان المرحلة المقبلة، فجلالة الملك لم يكتف بالإشادة بالأداء الصناعي، بل اعتبر أن قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية أصبحت ركائز أساسية للنسيج الإنتاجي الوطني، سواء من حيث جذب الاستثمارات أو خلق الثروة وفرص الشغل.

    وأبرز الخطاب الملكي السامي أن المغرب أصبح اليوم أول مصدر للسيارات في إفريقيا بطاقة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا، قبل أن يؤكد أن صادرات السيارات والطيران أصبحت تمثل أكثر من 40 في المئة من إجمالي الصادرات الوطنية، متقدمة على صادرات الفوسفاط.

    ويرى إدريس الفينة بهذا الصدد أن الخطاب الملكي يؤكد انتقال المغرب إلى اقتصاد صناعي متقدم، حيث لم يعد الهدف استقطاب الاستثمارات فقط، بل التموقع في الصناعات ذات التكنولوجيا العالية، مثل صناعة الطيران، والسيارات، والبطاريات الكهربائية، والهيدروجين الأخضر.

    ويبرز الخبير الاقتصادي أن هذا التوجه يعكس رغبة المملكة في الاندماج في سلاسل القيمة العالمية ذات القيمة المضافة المرتفعة، والانتقال من مجرد منصة للإنتاج إلى فاعل صناعي قادر على المنافسة في القطاعات الاستراتيجية.

    ويعزز هذا التحول إعلان الملك دخول المغرب إلى دائرة الدول التي تتوفر على مراكز صناعية متخصصة في صناعة محركات وأنظمة هبوط الطائرات، وهو ما يعكس انتقال الصناعة المغربية إلى مستويات أكثر تقدما من حيث التكنولوجيا والخبرة الصناعية، ويؤكد أن الرهان لم يعد يقتصر على التجميع، بل أصبح يشمل تصنيع مكونات عالية التعقيد تدخل في الصناعات الأكثر تطورا عالميا.

    من صناعة اليوم إلى اقتصاد المستقبل

    ولم يكتف الخطاب بإبراز ما حققه المغرب في الصناعات التقليدية، بل انتقل إلى رسم ملامح القطاعات التي ستقود الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة في ظل التحولات التي يشهدها العالم نحو الاقتصاد الأخضر والتكنولوجيا المتقدمة، إذ أكد جلالة الملك أن تطوير قطاع البطاريات الكهربائية “يعكس قدرة المغرب على استباق التحولات التكنولوجية، والانخراط في سلاسل الإنتاج المرتبطة بالصناعات الاستراتيجية”.

    ويكشف اختيار عبارة “استباق التحولات” أن الرهان لم يعد يقتصر على مواكبة التطورات الدولية، بل أصبح يقوم على التموقع المبكر داخل الصناعات التي ستحدد مستقبل الاقتصاد العالمي. فالدول لم تعد تتنافس فقط على جذب الاستثمارات، وإنما على احتلال مواقع متقدمة داخل سلاسل القيمة الأكثر تطورا.

    ويمتد هذا التوجه إلى قطاع الطاقة، حيث شدد الملك على أن المشاريع الكبرى في مجال الطاقات المتجددة تهدف إلى جعلها “ركيزة للأمن الطاقي، ورافعة لجذب الصناعات، التي تسعى لاستخدام طاقة تنافسية وخالية من الكربون”.

    وفي هذا السياق، يرى الفينة أن خطاب العرش يؤكد انتقال المغرب إلى اقتصاد صناعي متقدم، حيث لم يعد الهدف استقطاب الاستثمارات فقط، بل التموقع في الصناعات ذات التكنولوجيا العالية، مثل صناعة الطيران، والسيارات، والبطاريات الكهربائية، والهيدروجين الأخضر، ما يعكس رغبة المملكة في الاندماج في سلاسل القيمة العالمية ذات القيمة المضافة المرتفعة، والانتقال من اقتصاد يعتمد على الإنتاج التقليدي إلى اقتصاد قائم على الابتكار والصناعة المتقدمة.

    السيادة الاقتصادية توحد الأوراش

    بعد عرض مؤشرات النمو والتصنيع، انتقل الخطاب إلى المفهوم الذي يجمع مختلف هذه الاختيارات، وهو السيادة الاقتصادية، بتأكيد جلالته أنه “في سياق دولي مطبوع بعودة السياسات الحمائية، وتأمين سلاسل التوريد والإنتاج، جعلنا من تقوية السيادة الوطنية والاكتفاء الاستراتيجي، محورا للتنمية الصناعية”.

    ويؤكد إدريس الفينة أن الخطاب وسّع مفهوم السيادة الوطنية، فلم يعد يقتصر على بعدها السياسي أو الأمني، بل أصبح يشمل الأمن الغذائي والطاقي والدوائي والصناعي والدفاعي، انسجاما مع التحولات الدولية التي أصبحت تعطي الأولوية لتأمين سلاسل الإنتاج وتقليص التبعية الخارجية.

    وانتقل الخطاب الملكي السامي إلى الحديث عن الوسائل الكفيلة بتحقيق هذا التحول، وفي مقدمتها التمويل مؤكدا أن “مسار التحول الاقتصادي والاجتماعي يتطلب موارد تمويلية غير مسبوقة”، داعيا القطاع المالي الوطني إلى مواصلة مواكبة الاستثمار والابتكار والتصنيع والتصدير، مع “توسيع الولوج إلى التمويلات، خاصة لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتعبئة الادخار الوطني، وإنعاش الأسواق المالية”.

    ويرى الخبير الاقتصادي ذاته أن الخطاب وجه رسالة واضحة إلى القطاع المالي، مفادها أن المرحلة المقبلة تتطلب تعبئة أكبر للادخار الوطني، وتطوير أدوات التمويل لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة والابتكار، لأن تمويل الاستثمار سيصبح أحد مفاتيح النمو خلال السنوات المقبلة، بما يفرض انخراطا أكبر للمؤسسات المالية في مواكبة التحول الاقتصادي الذي تشهده المملكة.

    ويوضح إدريس الفينة أن الرسالة الاقتصادية الأساسية للخطاب تتمثل في أن المغرب انتقل من مرحلة وضع الاستراتيجيات إلى مرحلة تنفيذها، وأن الرهان الحقيقي خلال السنوات المقبلة لن يكون على صياغة رؤى جديدة، بل على تحسين الحكامة، وتسريع الإنجاز، وتحويل النمو الاقتصادي إلى فرص شغل ذات جودة وتحسين ملموس في مستوى عيش المواطنين.

  • يأس الشباب يتحول إلى عملة للمافيات.. “موسم الهجرة إلى الشمال” يسائل حصيلة السياسات العمومية

    يأس الشباب يتحول إلى عملة للمافيات.. “موسم الهجرة إلى الشمال” يسائل حصيلة السياسات العمومية

    حين تحولت سبتة المحتلة خلال 48 ساعة فقط، إلى مسرح لعبور عشرات الآلاف من الشباب المغربي، طرح كثيرون سؤالا أمنيا بامتياز مفاده من فتح الحدود؟ في وقت أن السؤال الأعمق والأكثر إزعاجا وهو لماذا كان هناك أصلا عشرات الآلاف من الشباب جاهزين للمخاطرة بحياتهم سباحة نحو ضفة أخرى؟

    الجواب لا يوجد في تحليل ساعات الأزمة بل في عقدين على الأقل من سياسات عمومية للتعليم والصحة والتشغيل لم تفلح في احتواء جيل كامل، تاركة إياه فريسة سهلة، ليس فقط لليأس بل لشبكات التهريب والاتجار في البشر، التي حوّلت هذا اليأس إلى تجارة منظمة.

    صورة الهارب.. من هم هؤلاء الشباب؟

    خلافا للصورة النمطية التي تحصر العابرين في شباب مدن الشمال وحدها، كشفت معطيات جمعيات حقوقية بالمغرب أن الوافدين إلى سبتة خلال الأزمة الأخيرة قدموا من مدن متفرقة داخل المغرب، من القنيطرة والدار البيضاء إلى الجديدة، إلى جانب قاصرين ونساء وحتى عائلات كاملة حاولت العبور سباحة.

    هذا الاتساع الجغرافي للظاهرة يفنّد أي تفسير يختزلها في خصوصية محلية لمدن الحدود، ويؤشر بدل ذلك على أزمة وطنية الطابع، عنوانها “شبان أرسلتهم مدنهم البعيدة عن الحدود بحثا عن أفق لم يجدوه في محيطهم القريب”.

    وقد حذرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان من تحول سواحل الفنيدق وسبتة إلى بؤرة لـ”كارثة إنسانية” تتكرر فصولها مع كل موجة هجرة جديدة.

    ويأتي هذا التحذير في وقت تظهر فيه المعطيات الرسمية الإسبانية تصاعد الضغط على المدينة المحتلة، إذ بلغ عدد الواصلين إليها بطريقة غير نظامية 2826 شخصا منذ بداية سنة 2026 إلى غاية 15 يوليوز، بزيادة تقارب 150 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، ما يجعل سبتة نقطة العبور الأكثر ضغطا على الحدود الجنوبية لإسبانيا خلال هذه الفترة.

    ولا تقتصر خطورة الوضع على ارتفاع أعداد الوافدين، بل تمتد إلى الكلفة الإنسانية لهذه المحاولات، فوفق المعطيات التي جمعتها وسائل إعلام محلية اعتمادا على تدخلات الحرس المدني الإسباني، ارتفع عدد الجثث التي انتُشلت من سواحل سبتة خلال سنة 2026 إلى 56 جثة مع نهاية يوليوز، فيما تتحدث منظمات حقوقية عن مفقودين لا يزال مصيرهم مجهولا، في ظل صعوبات مرتبطة بتحديد الهويات وإبلاغ الأسر واستكمال إجراءات التعرف على الضحايا.

    وترى الجمعية أن ما تشهده المنطقة يتجاوز كونه أزمة حدود أو تحديا أمنيا ظرفيا، ليعكس تراكما لاختلالات اجتماعية واقتصادية تدفع شبابا بينهم قاصرون، إلى اعتبار البحر آخر منفذ ممكن نحو الضفة الأخرى.

    ولذلك دعت إلى اعتماد مقاربة شاملة لا تقتصر على تشديد المراقبة أو تفكيك شبكات التهريب، بل تربط حماية الحق في الحياة بفتح تحقيقات بشأن المفقودين، وتمكين عائلاتهم من الوصول إلى المعلومات، بالتوازي مع معالجة الأسباب البنيوية للهجرة، وفي مقدمتها الهشاشة الاجتماعية، والانقطاع المبكر عن الدراسة، وصعوبة الولوج إلى سوق الشغل، وضعف آليات الإدماج الاقتصادي والاجتماعي.

    ظاهرة “النيت”.. جيل خارج كل المنظومات

    يحمل هؤلاء الشباب في الغالب سمة مشتركة ترصدها الإحصائيات الرسمية منذ سنوات وهي فئة “NEET”، أي الشباب الذين لا يشتغلون، ليسوا بالمدرسة، ولا يتابعون أي تكوين.

    وتكشف دراسة مشتركة بين المندوبية السامية للتخطيط ومنظمة العمل الدولية، صدرت في أكتوبر 2025 بتمويل من الاتحاد الأوروبي، أن 2.9 مليون شاب مغربي يوجدون في هذه الوضعية، الأخطر أن الخطر يتفاقم مع التقدم في العمر فبين سن 25 و29 سنة، يصل معدل الشباب في وضعية “NEET” إلى 50 بالمئة، بعدما كانت المرحلة الانتقالية بين 24 و29 سنة توصف بأنها “سن حرج للدخول” في هذه الوضعية بشكل دائم.

    كما أن 76 بالمئة من هذه الفئة لا يحملون أي شهادة تأهيلية، وأكثر من 70 بالمئة منهم إناث، غالبيتهن ربات بيوت غير نشيطات اقتصاديا، ما يكشف بعدا جندريا إضافيا للظاهرة يختلف عن ملف الهجرة من حيث الحدة لكنه يشترك معه في الجذر البنيوي نفسه.

    في السياق نفسه، رصدت دراسة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، قدّمت سنة 2023 وجود 1.5 مليون شاب بين 15 و24 سنة خارج منظومتي الدراسة والعمل بشكل كامل، وفق إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط لسنة 2022.

    هذا الخزان البشري الضخم، المحروم من أفق دراسي أو مهني، هو بالضبط ما يجعل عرض “العبور نحو أوروبا” مغريا، مهما كانت مخاطره، فحين لا يكون أمام الشاب لا مقعد دراسي يعود إليه ولا وظيفة تنتظره، تصبح كلفة المخاطرة بالحياة في البحر أقل إيلاما، من منظوره، من كلفة الاستمرار في الانتظار.

    إرث الحكومات المتعاقبة.. مليارات الدراهم ونتائج غائبة

    المفارقة أن هذا الوضع لم ينشأ من غياب السياسات العمومية بل رغم تعددها، فمنذ حكومة ادريس جطو وإلى حكومة سعد الدين العثماني، أُطلقت برامج “إدماج” و”تأهيل” و”تحفيز” بوعد تجاوز 100 ألف إدماج سنويا، كما أعلنت الحكومة السابقة عن إحداث أكثر من 212 ألف منصب شغل بين 2017 و2021، ورغم أنها اعتبرت الحصيلة “مشرفة” ، فمعدل البطالة بين الشباب من 15 إلى 24 سنة بقي مرتفعا عند 30.2 بالمئة سنة 2022، رغم كل هذه البرامج.

    الحكومة الحالية بدورها ضخّت استثمارات مماثلة، على غرار برنامج “أوراش” بميزانية 2.25 مليار درهم لخلق أكثر من 250 ألف فرصة عمل مؤقتة، وبرنامج “فرصة” بـ1.25 مليار درهم لدعم 10 آلاف حامل مشروع، وبرنامج “انطلاقة” بغلاف يناهز 8 مليارات درهم لتمويل مقاولات ذاتية وصغرى، خاصة في الوسط القروي، ومع ذلك، أظهر استطلاع للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول هذه البرامج تحديدا أن 71.57 بالمئة من المشاركين لم يسبق لهم الاستفادة من أي برنامج موجه للشباب على الإطلاق، وأن 49 بالمئة ممن أبدوا رأيا اعتبروها غير فعالة.

    النتيجة أن حوالي 1.7 مليون شاب مغربي ينتهي بهم المطاف في القطاع غير المهيكل أو التشغيل الذاتي الهش، منهم 88 بالمئة بلا عقد عمل ولا حماية اجتماعية تُذكر.

    هذا التراكم من الإحباط الذي يمتد لأكثر من 10 سنوات لا يبقى حبيس الإحصائيات، فبحسب البحث الوطني حول الهجرة الدولية (2018-2019) الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط، عبّر 40.3 بالمئة من الشباب المغربي بين 15 و29 سنة عن رغبة قوية في مغادرة التراب الوطني لأسباب اقتصادية واجتماعية وثقافية، أي قبل سنتين من موجة سبتة الأولى في ماي 2021، قبل أن تتكرر مجددا في اليومين الأخيرين، لكن بحدة أكبر. وبعبارة أخرى، كانت “الرغبة في الرحيل” جاهزة ومكتومة منذ سنوات، وما احتاجه الأمر فقط هو ثغرة ميدانية لتتحول من رغبة كامنة إلى فعل جماعي.

    وفي هذا السياق، وضع حزب الأصالة والمعاصرة الملف في سياق يتجاوز التدبير الأمني الآني، معتبرا أن موجة العبور الأخيرة تعكس تحديات بنيوية تستدعي مراجعة السياسات العمومية الموجهة للشباب.

    وفي هذا الإطار، كشفت فاطمة الزهراء المنصوري منسقة القيادة الجماعية للحزب، عن استعداد المكتب السياسي لعقد اجتماع استثنائي سيخصص لتدارس تطورات ما شهدته سبتة المحتلة، معتبرة أن ما وقع “لا يمكن اختزاله في قراءة بسيطة”، بل يفرض نقاشا وطنيا واسعا حول الأسباب العميقة التي دفعت مئات الشباب، ومن بينهم قاصرون، إلى المخاطرة بحياتهم.

    وربطت المنصوري بين هذه التطورات وبين عدد من الأوراش المرتبطة بالسياسات العمومية، وفي مقدمتها التعليم والتكوين والإدماج الاجتماعي وتعزيز قيم المواطنة، معتبرة أن استعادة ثقة الشباب في المستقبل تقتضي تسريع وتيرة الإصلاحات، والانتقال من تدبير تداعيات الظاهرة إلى معالجة أسبابها البنيوية.

    كما شددت على أن مواجهة هذه التحديات لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية، رغم أهميتها في حماية النظام العام، بل تستدعي التوازي الإنصات إلى انتظارات الشباب وفتح فضاء لحوار وطني يشارك فيه مختلف الفاعلين، بما يسمح بصياغة حلول أكثر استدامة واستجابة للتحولات الاجتماعية التي تعرفها المملكة.

    وفي السياق ذاته، عبرت المنصوري عن تقديرها للمجهودات التي بذلتها مختلف المصالح الأمنية خلال تدبير الأحداث، مشيرة إلى أن ما رافقها من أعمال عنف وإحراق للممتلكات يظل سلوكا مرفوضا، مؤكدة أن حماية الأمن العمومي ينبغي أن تتوازى مع سياسات تعزز الإدماج وتعيد الأمل إلى فئة واسعة من الشباب.

    وختمت بالتأكيد أن ما تشهده المملكة من أوراش إصلاحية وتنموية يشكل قاعدة يمكن البناء عليها، غير أن نجاحها يظل رهينا بقدرتها على الوصول إلى الشباب، وتعزيز شعورهم بالانتماء، وترجمة ثمار التنمية إلى فرص ملموسة تحفظ الكرامة وتحد من دوافع الهجرة غير النظامية.

    المافيا.. من يستثمر في يأس الشباب؟

    مع تشديد المراقبة الأمنية على طريق جزر الكناري الأطلسي الذي كان يُعد الممر الأخطر والأكثر استخداما للهجرة نحو أوروبا، أعادت شبكات تهريب المهاجرين توجيه نشاطها تدريجيا نحو سبتة، التي تحوّلت إلى ما يشبه “محطة لوجستية” وسيطة ضمن مسارات جديدة للهجرة غير النظام.

    ولم يعد الأمر يقتصر على تسهيل عبور فردي، بل أصبح عملا منظما على مراحل، بما فيها إدخال المهاجرين إلى سبتة بحرا، ثم إيواؤهم في شقق وبيوت آمنة تستأجرها الشبكات داخل المدينة، قبل التخطيط لنقلهم في مرحلة لاحقة نحو مدن جنوب إسبانيا، في عمليات تهدف إلى تمويه المراقبة الأمنية.

    العمليات الأمنية المتكررة خلال 2026 توثّق هذا التحول، ففي يوليوز نفّذ الحرس المدني الإسباني حملة واسعة بدعم من طائرات مسيّرة أسفرت عن اعتقال 6 أشخاص من سكان سبتة للاشتباه في انتمائهم لشبكة تهريب، فيما شهد شهر أكتوبر عملية مماثلة اعتُبرت الأكبر منذ عملية “باركيرا” السابقة، أدت أيضا إلى توقيف 6 مشتبه بهم آخرين.

    ولا تقتصر شبكة “زبائن” هذه المافيات على المغاربة وحدهم، بل تشمل مرشحين للهجرة من دول المغرب الكبير وإفريقيا جنوب الصحراء، بل ومن مناطق نزاع في الشرق الأوسط، ما يمنح هذه الشبكات قاعدة بشرية واسعة تستغلها مقابل مبالغ مالية.

    كلفة هذا التوسع في نشاط المافيا تُقاس بالأرواح، فقد سجلت سبتة وحدها 40 حالة وفاة على الأقل خلال 2025، وهو أعلى رقم يُسجَّل في السنوات الأخيرة على هذا المسار تحديدا، إضافة إلى 9 حالات وفاة أخرى مسجلة في 2026 قبل اندلاع أزمة يوليوز الأخيرة.

    الإطار المؤسسي والمالي

    ولا يقتصر التعاون المغربي الأوروبي في محاربة شبكات التهريب على تصريحات ظرفية، بل يستند إلى بنية مؤسسية ممتدة منذ سنوات، فبموجب الإعلان المشترك بين المغرب والاتحاد الأوروبي لسنة 2019، اعتُبر المغرب “شريكا رئيسيا” في تدبير الهجرة، بتمويل أوروبي منتظم لتعزيز قدرات المملكة في هذا المجال.

    وفي يوليوز 2022، أطلقت المفوضية الأوروبية أولى “شراكات التشغيل لمكافحة التهريب” مع المغرب والنيجر، في إطار خطة عمل الاتحاد الأوروبي المتجددة لمكافحة تهريب المهاجرين (2021-2025).

    وفي دجنبر من العام نفسه، أطلق الاتحاد الأوروبي “مبادرة أوروبا الموحدة” الخاصة بالمسار الأطلسي والمتوسط الغربي، بتعبئة 908 ملايين يورو لدعم التعاون مع المغرب وعدد من دول غرب إفريقيا في مجالات الحدود ومكافحة التهريب والهجرة القانونية.

    وبشكل أكثر تحديدا، خصص الاتحاد الأوروبي برنامجا بقيمة 152 مليون يورو موجها حصريا لتعزيز قدرات المغرب في إدارة الحدود ومحاربة شبكات التهريب، إلى جانب دعم الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء وبرامج العودة الطوعية.

    منعطف مأساة مليلية 2022

    تعزز هذا التعاون بشكل خاص بعد مأساة معبر مليلية في 24 يونيو 2022، التي خلّفت 23 قتيلا على الأقل، فبعد أسبوعين فقط من الحادثة، عقد اجتماع في الرباط جمع المفوضة الأوروبية للشؤون الداخلية إيلفا جوهانسون، ووزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا، ووزير الداخلية المغربي عبد الوافي لفتيت، اتفقوا خلاله على تحديث آليات التعاون لمواجهة “الأساليب التشغيلية الجديدة” التي تعتمدها شبكات التهريب، بما في ذلك تعزيز التعاون الشُّرطي وإطلاق تحقيقات مشتركة.

    وأكد البيان المشترك الصادر عن هذا اللقاء أن جهود المغرب “تمنع عشرات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين من الهجرة سرا إلى أوروبا”، مع تفكيك ما يقارب 100 شبكة إجرامية للاتجار بالبشر خلال تلك الفترة، معتبرا الاستراتيجية الوطنية المغربية للهجرة واللجوء (SNIA) “من أكثر نماذج إدارة الهجرة تقدما” على المستويين التشريعي والمؤسسي.

    وبحسب مصادر إسبانية رسمية، فقد سمحت الآليات المشتركة الجديدة آنذاك بإيقاف نحو 40 بالمئة من حركات الهجرة غير النظامية، وهو ما ترجم أيضا، بحسب التقدير نفسه، إلى تراجع بنسبة 40 بالمئة في تعريض الأرواح للخطر.

    الحصيلة الرقمية الأحدث

    تظهر بيانات وزارة الداخلية المغربية، أن هذا التعاون يترجم إلى نتائج ميدانية متجددة سنويا، فخلال 2025 وحدها أحبطت السلطات المغربية 73.640 محاولة هجرة غير نظامية، وفككت أكثر من 300 شبكة تهريب نشطة، وأنقذت 13.595 مهاجرا في عمليات تدخل بعرض البحر شملت مساعدة طبية وإيواء وتوجيها، فيما استفاد 4.372 مهاجرا من برامج العودة الطوعية الكريمة إلى بلدانهم بالتنسيق مع ممثلياتهم الدبلوماسية.

    غير أن الوزارة نفسها أقرت بأن هذا التراجع في المحاولات “لا يعني نهاية الظاهرة”، بل يعكس “إعادة تموقعها جغرافيا” نحو مناطق أخرى في غرب إفريقيا وجنوب المتوسط، وهو بالضبط ما يفسر، من منظور هذه المادة، انتقال الضغط نحو سبتة تحديدا حين ضاقت مسارات أخرى.

    وكانت عملية نفذها الدرك الملكي المغربي، انطلقت من بني ملال وامتدت دوليا، تقدم مثالا دالا، حيث تمكنت التحقيقات من تفكيك شبكة كانت تُهرّب مرشحين للهجرة عبر ليبيا نحو إيطاليا، وتحتجزهم هناك لابتزاز عائلاتهم ماليا، فيما استُخدم نظام “الحوالة” لتحويل الأموال بشكل غير مشروع، بواقع نحو 3000 عملية مالية منذ 2015 تراوحت قيمتها بين 500 و100,000 درهم للعملية الواحدة، قبل أن تحجز السلطات مبلغا ماليا ناهز 2.57 مليون درهم.

    هذا النوع من العمليات يكشف أن الشبكات لم تعد تكتفي بتهريب الأشخاص، بل طوّرت اقتصادا ماليا موازيا قائما على الابتزاز وتبييض الأموال عبر الحدود، وهو ما يفسر تمويل الاتحاد الأوروبي برنامجا إقليميا خاصا بقيمة 15 مليون يورو، عبر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، لتعزيز قدرات المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر تحديدا في التحقيق ومقاضاة قضايا تهريب البشر والاتجار به.

  • شبيبة “البام” تربط موجة الهجرة بأزمة الثقة وتدعو لمراجعة السياسات وتفتح نقاشا للحد من الظاهرة

    شبيبة “البام” تربط موجة الهجرة بأزمة الثقة وتدعو لمراجعة السياسات وتفتح نقاشا للحد من الظاهرة

    ربطت منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة محاولات الهجرة غير النظامية الأخيرة التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة بعوامل اجتماعية واقتصادية، معتبرة أن جزءا من هذه الظاهرة يعكس تراجع ثقة بعض الشباب في فرص الاندماج وتحقيق الذات داخل الوطن، ومحدودية الفرص، مقابل استغلال هشاشتهم من قبل جهات تدفعهم نحو مغامرات الهجرة غير النظامية.

    أكدت منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، في بلاغ توصلت به جريدة “AM+ MEDIA” أنها تتابع عن كثب وباهتمام بالغ، مختلف تطورات الأحداث المرتبطة بمحاولات الهجرة غير النظامية التي شهدتها بعض المناطق الحدودية، ولاسيما بمدينة الفنيدق في اتجاه معبر سبتة المحتلة، وبجماعة بني أنصار بإقليم الناظور في اتجاه معبر مليلية المحتلة، وتداعياتها، وما أفرزته من نقاشات وتساؤلات مشروعة حول أوضاع الشباب المغربي وانتظاراته وآفاقه.

    وتقدمت المنظمة بأصدق عبارات التعازي والمواساة إلى أسر الضحايا المكلومة، سائلة الله تعالى أن يتغمدهم بواسع رحمته، وأن يلهم ذويهم جميل الصبر والسلوان، معربة عن تضامنها ومؤازرتها لأسر المفقودين، راجية أن تتكلل جهود البحث عنهم بالعثور عليهم سالمين.

    وعبرت عن أسفها العميق إزاء الوضع الذي وجد فيه عدد من الشباب أنفسهم، وما قد يترتب عنه من مخاطر تهدد حياتهم وسلامتهم ومستقبلهم.

    وجدد البلاغ إثارة النقاش حول الأسباب والدوافع الكامنة وراء هذه الظواهر، ولاسيما ما يرتبط منها بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وفقدان عدد من الشباب الثقة في إمكانات الاندماج وتحقيق الذات داخل الوطن، ومحدودية الفرص، والحاجة إلى تعزيز العدالة المجالية وتكافؤ الفرص وصون كرامة المواطن.

    واستحضرت منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة في هذا السياق ما يوليه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله من عناية لقضايا الشباب، وسعي جلالته لتمكين هذه الفئة اقتصاديا واجتماعيا.

    وشددت المنظمة على أن اللحظة الحالية تقتضي التحلي بالرصانة في التحليل والتفكير، وتقتضي مجهودا وطنيا جماعيا تتكامل فيه مسؤوليات الحكومة والمؤسسات والفاعلين السياسيين والمدنيين، من أجل فهم أعمق وأدق لهذه الظواهر، ومعالجة أسبابها وتداعياتها، إضافة إلى خطاب صريح ومسؤولا، يعيد الأمل في نفوس الشباب.

    ووجهت منظمة شباب “البام” نداء إلى مختلف الشابات والشبان وكذا أسرهم، من أجل عدم الزج بأنفسهم في مغامرات مجهولة العواقب، قد تعرض حياتهم وسلامتهم ومستقبلهم للخطر، مشيرة إلى أن “ما شهدناه من عودة تلقائية لعدد من الشباب يؤكد أن مواجهة الصعوبات داخل الوطن، والعمل الجماعي على تجاوزها، يظلان السبيل الآمن لبناء المستقبل”.

    وأكدت أن معالجة قضايا الشباب تقتضي تعزيز جسور الثقة والحوار، والانفتاح على مختلف الأصوات والتعبيرات الشبابية، والإنصات الجاد إلى انشغالاتها وتطلعاتها، وترجمتها إلى سياسات عمومية ومبادرات عملية وملموسة.

    وأعلنت منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة أنها ستبادر، خلال الأيام القليلة المقبلة، إلى فتح نقاش رصين مع مختصين وأكاديميين وممارسين، في أفق إعداد قراءة سياسية دقيقة واقتراح إجراءات عملية وواقعية، تسهم في فهم هذه الظواهر والحد من أسبابها وتداعياتها، بعيدا عن الأحكام الجاهزة ودون إقصاء لأي سؤال مشروع.

    وبعدما أدانت بشدة مختلف المحاولات والدعوات الرامية إلى تأجيج الأوضاع بالمناطق الحدودية، واستغلال هشاشة الشباب أو التغرير بالقاصرين ودفعهم نحو محاولات الهجرة غير النظامية، شدد شباب “البام” أن الزج بهذه الفئات في مثل هذه المغامرات يشكل سلوكا غير مسؤول، ويعرض حياتهم وسلامتهم ومستقبلهم لمخاطر جسيمة.

    وأعربت منظمة شباب حزب “الجرار” عن إدانتها لمختلف أعمال الشغب والعنف والتخريب التي رافقت بعض هذه الأحداث، ولاسيما بجماعة بني أنصار بإقليم الناظور، لما تشكله من مساس بأمن المواطنين وسلامتهم وإضرار بالممتلكات العامة والخاصة، مؤكدة رفضها المطلق لكل أشكال العنف والفوضى التي تصدت لها، بكل مسؤولية و حزم ، السلطات الأمنية.

    وأشارت المنظمة إلى أن قضايا الشباب تظل في صلب أولوياتها، مجددة التزامها بمواصلة الترافع من أجل سياسات عمومية منصفة وفعالة، تعزز الأمل، وتوسع فرص الاندماج والتمكين، وتضمن للشباب المغربي حقه في المشاركة وفي صناعة مستقبله داخل وطنه.

    وعشية اليوم الجمعة، أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية أن أكثر من 48 ألف مهاجر عادوا حتى الآن إلى المغرب من سبتة، بعدما عبر عشرات الآلاف الحدود إلى الثغر المحتل.

    وقالت وزارة الداخلية الإسبانية إنه بحلول الساعة السادسة مساء، الخامسة مساء بتوقيت المغرب، كان 48.300 مهاجر قد عادوا عبر الحدود.

    وتسببت شائعات انتشرت على نطاق واسع بمواقع التواصل الاجتماعي عن فتح الحدود بين المغرب وإسبانيا، بالتدفق الكبير للمهاجرين منط يوم أمس الخميس على المناطق الحدودية، سيما مدينة الفنيدق المتاخمة لسبتة المحتلة.

  • حملات مضللة تقود مهاجرين إلى سبتة المحتلة والمغرب في قلب معادلة ضبط أمن حدود أوروبا

    حملات مضللة تقود مهاجرين إلى سبتة المحتلة والمغرب في قلب معادلة ضبط أمن حدود أوروبا

    في ظرف ساعات، تحولت سبتة المحتلة إلى إحدى أكثر النقاط سخونة، بعد موجة عبور غير مسبوقة قدّرتها وزارة الداخلية الإسبانية بنحو 49 ألف شخص خلال 24 ساعة فقط، وهو رقم يفوق بأضعاف أزمة ماي 2021 التي شهدت دخول ما بين 8 و10 آلاف مهاجر خلال يومين، ووضع كل من  الرباط ومدريد أمام اختبار ميداني جديد.

    وفي وقت انشغل الرأي العام بالأرقام والصور، تبرز أسئلة أعمق تتعلق بأسباب ما جرى، وحدود التنسيق الأمني بين المغرب وإسبانيا، فضلا عن انعكاسات الأزمة على مستقبل الشراكة بين الرباط والاتحاد الأوروبي.

    ما الذي وقع فعلا؟

    صباح الخميس 30 يوليوز، تدفقت حشود كبيرة من المهاجرين، أغلبهم شبان مغاربة، سباحة ومشيا على الأقدام نحو سبتة المحتلة عبر الالتفاف حول الحاجز البحري بمحاذاة معبر تراخال، قادمين أساسا من مدينة الفنيدق، فيما العبور تواصل طيلة الليل، ولم يقتصر على الشبان بل شمل نساء وشيوخا، وأطفالا ورضع وعائلات كاملة.

    ونقلت وكالة “أسوشيتد برس” عن السلطات الإسبانية أن حصيلة الضحايا ارتفعت إلى 34 قتيلا على الأقل، بينهم أشخاص لقوا حتفهم غرقا وآخرون في حوادث تدافع خلال محاولات العبور، إضافة إلى مفقودين لا تزال عائلاتهم تبحث عن معلومات بشأن مصيرهم وفق ما نقلته وكالة “فرنس برس”، أما مراكز الاستقبال، خاصة تلك المخصصة للقاصرين غير المرافَقين، تجاوزت طاقتها الاستيعابية، ما ترك آلاف الوافدين دون مأوى في الشوارع والحدائق العامة.

    على الجانب المغربي، سُجلت مواجهات واحتراق مركبات في بني أنصار قرب الحدود مع مليلية المحتلة، فيما عمدت السلطات المغربية إلى إغلاق المعبر ونشر شاحنات مزودة بمدافع مياه.

    أما رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، فقد توجه شخصيا إلى سبتة المحتلة برفقة وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا، وعبر اليوم الجمعة، عن أسفه لارتفاع حصيلة الضحايا فى الأحداث الأخيرة، مثمنا استعداد السلطات المغربية للتعاون فى ملف إعادة المهاجرين.

    من جانبها، رفضت الحكومة المركزية طلب رئيس حكومة سبتة المحتلة خوان خيسوس فيباس إعلان “حالة طوارئ وطنية”، معتبرة أن الهجرة لا تندرج ضمن الإطار القانوني الذي يبرر هذا الإعلان، واكتفت بإعلان تعزيزات أمنية وعسكرية إضافية.

    برز في الساعات الأولى للأزمة أكثر من تفسير لمحاولة فهم أسباب موجة العبور، غير أن أيا منها لم يحظ، إلى حدود كتابة هاته الأسطر بما يكفي من المعطيات التي تسمح باعتباره تفسيرا حاسما.

    في الرواية التي تبنتها السلطات الإسبانية ونقلتها وسائل إعلام محلية، ارتبطت الموجة بحكم أصدرته المحكمة العليا الإسبانية في 8 يوليوز، قضى بعدم جواز “الإعادة الفورية” للمهاجرين الذين تعترضهم السلطات في عرض البحر أثناء محاولتهم الوصول إلى سبتة أو مليلية، بينما يظل هذا الإجراء ممكنا بالنسبة لمن يعبرون الحدود برا.

    وترى مدريد أن شبكات الاتجار بالبشر استغلت هذا القرار وروجت لتأويلات مضللة أوحت للمهاجرين بإمكانية البقاء في حال الوصول بحرا، وهو ما أشار إليه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الذي وصف ما جرى بأنه “اعتداء على السيادة الإسبانية”، متهما تلك الشبكات بتوظيف مضمون الحكم لاستقطاب مزيد من الراغبين في الهجرة.

    في المقابل، دعت قراءات أخرى إلى تجنب اختزال ما حدث في عامل قانوني واحد، ويستند هذا التوجه إلى أن موجة العبور شملت أشخاصا قدموا من مناطق مختلفة داخل المغرب، وفي ظروف اجتماعية متباينة، وهو ما يجعل من الصعب تفسيرها بحكم قضائي إسباني وحده، وفق ما يراه عدد من الفاعلين الحقوقيين المغاربة.

    وإلى جانب التفسير القانوني، برزت فرضية أخرى تداولتها مصادر ميدانية وأمنية، من بينها نقابة الحرس المدني الإسباني وفاعلون حقوقيون، تحدثت عن تراجع في مستوى المراقبة ببعض النقاط الحدودية خلال الساعات الأولى للأزمة، معتبرة أن ذلك قد يكون أسهم في وصول أعداد أكبر إلى الساحل.

    غير أن هذه الفرضية، شأنها شأن باقي القراءات المتداولة، لا تستند إلى تأكيد رسمي من السلطات المغربية التي لم تصدر، إلى حدود إعداد هذه المادة توضيحا بشأن ملابسات ما جرى أو العوامل التي أفضت إلى هذه الموجة.

    الشرخ الأوروبي

    من جهة ثانية، الأزمة لم تبق حبيسة الحدود المغربية الإسبانية، بل تحولت سريعا إلى مادة خلاف داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، ذلك أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني وصفت المشاهد القادمة من سبتة بأنها دليل على أن “الهجرة غير النظامية غير المنضبطة تشكل تهديدا حقيقيا لأمن حدود أوروبا”، معلنة استعداد بلادها “للتدخل بإجراءات استثنائية”، من بينها تعليق العمل باتفاقية شنغن مع إسبانيا.

    أما وزير خارجيتها أنطونيو تاياني فقد ذهب أبعد من ذلك، رابطا الأزمة بقرار مدريد الأخير تسوية أوضاع أكثر من 500 ألف مهاجر غير نظامي، واصفا القرار بأنه “خاطئ جدا ويشجع على الاتجار بالبشر” .

    الرد الإسباني جاء حازما، من وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس، الذي وصف تصريحات روما بأنها “لا تليق بوزير خارجية بلد شريك وصديق”، واعتبرها “مزايدة سياسية حزبية” لا تضامنا، معلنا استدعاء السفير الإيطالي للاحتجاج.

    فرنسا بدورها لم تقف على الحياد، فوزير داخليتها لوران نونيز أعلن تفعيل “قوة التدخل السريع الحدودية” وتعزيز فوري للمراقبة عند الحدود.

    و في السياق نفسه، اعتبرت وزيرة داخلية فنلندا ماري رانتانن أن “إسبانيا فشلت تماما في حماية الحدود الخارجية لمنطقة شنغن”، داعية دول الاتحاد لدعم موقف إيطاليا، فيما وصف رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون الوضع بأنه يستوجب من إسبانيا “استعادة السيطرة بسرعة والوفاء بالتزاماتها ضمن التعاون الأوروبي المشترك”.

    هذا التصعيد المتبادل بين عواصم أوروبية كبرى كشف هشاشة بنيوية أعمق، تفيد بأن الاتحاد الأوروبي يعتمد بشكل شبه كامل على المغرب كـ “حارس” فعلي لحدوده الجنوبية عند سبتة ومليلية المحتلتين باعتبارهما المعبر البري الوحيد بين القارتين الأوروبية والإفريقية، وبالتالي فإن أي تذبذب في هذا الدور مهما كان سببه، يتحول فورا إلى أزمة سياسية داخل الاتحاد نفسه، تتجاوز حدود الملف الإنساني إلى صراع نفوذ بين تيارات سياسية أوروبية متعارضة حول ملف الهجرة.

    المغرب.. خط الدفاع الأول لأوروبا

    واختزال ما جرى في سبتة في مشاهد التدافع وحدها يغفل سياقا آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالدور الذي يضطلع به المغرب منذ سنوات باعتباره أحد أبرز خطوط الدفاع الأولى للاتحاد الأوروبي في مواجهة الهجرة غير النظامية.

     فخلال العقد الأخير، لم يعد التعاطي المغربي مع الظاهرة يقتصر على حماية حدوده الوطنية، بل تحول إلى منظومة أمنية وعملياتية متكاملة تقوم على المراقبة البحرية، وتفكيك شبكات الاتجار بالبشر وتعزيز التنسيق الاستخباراتي والعملياتي مع إسبانيا والشركاء الأوروبيين.

    واكتسب هذا التعاون زخما أكبر منذ سنة 2022، في أعقاب استئناف العلاقات المغربية الإسبانية على أسس جديدة، حيث ارتفع مستوى التنسيق الميداني بين أجهزة البلدين، وتوسع تبادل المعلومات والعمليات المشتركة، قبل أن يتعزز باتفاقات التعاون الموقعة سنة 2023 في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود.

    وتعكس المؤشرات الرسمية الإسبانية حجم الأثر الذي خلفته هذه المقاربة، فقد سجلت إسبانيا خلال سنة 2025 انخفاضا إجماليا بنسبة 42.6 في المئة في عدد المهاجرين غير النظاميين الواصلين إلى أراضيها، بعدما تراجع العدد من 64,019 إلى 36,775 شخصا، وفق بيانات وزارة الداخلية الإسبانية.

    وكان الانخفاض أكثر وضوحا في مسار جزر الكناري، الذي يمثل أخطر طرق الهجرة نحو أوروبا وأكثرها نشاطا خلال السنوات الأخيرة، إذ تقلص عدد الوافدين بنسبة قاربت 62 في المئة، من 46,850 إلى 17,800 شخص.

    ولم يكن هذا التراجع ظرفيا، إذ استمرت المؤشرات الإيجابية خلال النصف الأول من سنة 2026، مع انخفاض إضافي بلغ 25 في المئة في إجمالي الوافدين إلى إسبانيا، و61 في المئة عبر مسار الكناري، وفق ما أوردته صحيفة “لوموند” استنادا إلى المعطيات الرسمية الإسبانية.

    ولم تتوقف هذه الجهود حتى مع اندلاع أحداث سبتة الأخيرة، ففي الوقت الذي كانت فيه صور محاولات العبور الجماعي تتصدر وسائل الإعلام، كانت البحرية الملكية المغربية والحرس المدني الإسباني ينفذان عمليات مشتركة لاعتراض قوارب وإنقاذ مهاجرين في عرض البحر قبالة سواحل الفنيدق، بينما عززت السلطات المغربية انتشارها الأمني عند المحاور المؤدية إلى المدينة، واستخدمت وسائل تفريق الحشود لمنع تكرار محاولات الاقتحام الجماعي، في استمرار لنهج يقوم على احتواء التدفقات قبل وصولها إلى الحدود الأوروبية.

    لكن هذه الحصيلة تبرز في الآن نفسه مفارقة معروفة في أدبيات إدارة الهجرة، فكلما نجحت السلطات في تضييق أحد مسارات العبور، تميل شبكات التهريب إلى إعادة توزيع نشاطها نحو منافذ أخرى أقل إحكاما أو أقل كلفة.

    وفي هذا السياق، يرى عدد من الباحثين أن التراجع الكبير في المسار الأطلسي ترافق مع تصاعد الضغط على بعض المعابر البرية، وفي مقدمتها سبتة التي ارتفعت فيها محاولات العبور بنسبة 42 في المئة خلال سنة 2025، من 2,386 إلى 3,396 محاولة بحسب الإحصاءات الإسبانية.

    ولا يكفي هذا المؤشر وحده لتفسير موجة يوليوز 2026، التي تداخلت فيها عوامل قانونية وأمنية واجتماعية وشبكات تهريب البشر، لكنه يؤكد أن ما وقع لا يمثل قطيعة مع ما سبقه، بقدر ما يندرج ضمن إعادة تشكل مستمرة لمسارات الهجرة كلما تغيرت موازين الرقابة على الأرض والبحر.

  • الانتخابات في “العهد الجديد”.. إصلاحات تتجاوز القوانين لـ”هندسة الثقة”

    الانتخابات في “العهد الجديد”.. إصلاحات تتجاوز القوانين لـ”هندسة الثقة”

    لم تعرف المنظومة الانتخابية بالمغرب، خلال أكثر من ربع قرن، تحولات مرتبطة فقط بتعديل القوانين أو باحترام المواعيد الدستورية للاستحقاقات، بل مرت عبر مسار إصلاحي متدرج قادته رؤية ملكية جعلت من بناء المؤسسات، وتعزيز الثقة في الانتخابات، وترسيخ سيادة القانون، مرتكزات أساسية لتطوير الممارسة الديمقراطية.

    فمنذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش في 30 يوليوز 1999، لم تعد الانتخابات تُقرأ باعتبارها محطة دورية لفرز الأغلبية والمعارضة فقط، بل باعتبارها إحدى الآليات الأساسية لإنتاج مؤسسات قوية، قادرة على مواكبة التحولات السياسية والاجتماعية والتنموية التي تعرفها المملكة.

    وفي سياق الاحتفال بعيد العرش، يبرز هذا المسار باعتباره أحد تجليات التحول المؤسساتي الذي عرفه المغرب، حيث ارتبط تطوير الانتخابات برؤية ملكية متدرجة جعلت من بناء الثقة، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز نزاهة العملية الانتخابية، مرتكزات أساسية لتقوية المؤسسات المنتخبة.

    ويكشف تتبع الخطب الملكية والمحطات الدستورية الكبرى أن إصلاح المنظومة الانتخابية لم يكن منفصلا عن باقي الأوراش التي أطلقت خلال العهد الجديد، بل تزامن مع إصلاحات مست القضاء، والإدارة، والجهوية، واللاتمركز، والحكامة، بما يعكس تصورا يعتبر أن الديمقراطية لا تختزل في صناديق الاقتراع، وإنما تقوم على وضوح القواعد، وحياد المؤسسات، وثقة المواطنين في المسار السياسي.

    “العهد الجديد”.. بناء المؤسسات قبل إصلاح الانتخابات

    عندما اعتلى الملك محمد السادس العرش سنة 1999، كان المغرب مقبلا على مرحلة جديدة عنوانها تحديث الدولة وتعزيز فعالية مؤسساتها، ففي أول خطاب للعرش، رسم جلالته الملامح العامة لهذا التوجه، من خلال تأكيد مواصلة بناء دولة المؤسسات، وخدمة المواطن، وربط ممارسة المسؤولية بالاستجابة لتطلعات المجتمع.

    ولم يتضمن خطاب 1999 توجيهات مباشرة مرتبطة بالانتخابات، لكنه وضع الإطار السياسي العام الذي ستندرج ضمنه الإصلاحات اللاحقة، إذ إن تطوير العملية الانتخابية لا ينفصل عن تحديث الإدارة، وتقوية المؤسسات، وترسيخ الثقة بين الدولة والمواطن.

    وفي هذا السياق، جاءت أول انتخابات تشريعية في العهد الجديد يوم 27 شتنبر 2002، باعتبارها أول اختبار سياسي في مرحلة جديدة. ورغم أنها جرت في ظل دستور 1996، فإنها دشنت مسارا متدرجا لمراجعة القواعد المنظمة للحياة السياسية، وتطوير آليات تدبير العمليات الانتخابية، وتأهيل المؤسسات المنتخبة لمواكبة الأوراش الكبرى التي انطلقت مع بداية الألفية الثالثة.

    ولم يعد الرهان مقتصرا على تنظيم الانتخابات في موعدها، بل أصبح مرتبطا أيضا بإرساء قواعد تنافس أكثر وضوحا، وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات المنبثقة عن الاقتراع، وهو ما جعل الإصلاح الانتخابي ورشا مفتوحا في “العهد الجديد” مع جلالة الملك مع يتطور مع تطور الحياة السياسية.

    2003.. ترسيخ الديمقراطية كخيار استراتيجي

    في خطاب افتتاح السنة التشريعية 2003-2004 بتاريخ 10 أكتوبر 2003، أكد جلالة الملك محمد السادس أن بناء المؤسسات المنتخبة يندرج ضمن مسار إصلاحي متواصل، قائلا: “إننا، بافتتاح هذه الدورة البرلمانية، نستكمل تجديد المؤسسات الدستورية، مجسدين إرادتنا الملكية الراسخة، في إعطاء المسار الديمقراطي طريقه القويم، كخيار لا رجعة فيه، مهما تكن دقة التحديات الوطنية والدولية.”

    وشدد جلالته على أن الديمقراطية ليست مجرد آليات انتخابية، بل ممارسة يومية ومسؤولية جماعية، مضيفا: “ألا ديمقراطية بدون ديمقراطيين، وأن الديمقراطية طريق شاق وطويل، وليست ميدانا صوريا لحرب المواقع، بل هي مواطنة ملتزمة، وممارسة لا محيد عنها، لحسن تدبير الشأن العام”.

    وربط الخطاب بين الانتخابات وتحقيق التنمية، معتبرا أن شرعية الاقتراع تكتمل بتحويل نتائجها إلى سياسات عمومية تستجيب لتطلعات المواطنين، عندما تساءل جلالة الملك: “هل يعد الانتخاب غاية في حد ذاته، ونهاية المطاف؟”، قبل أن يجيب ” كلا، فإن احترام الإرادة الشعبية يقتضي نبذ عقلية ديمقراطية المقاعد، والالتزام بفضيلة ديمقراطية التنمية”، مبرزا أن الجماعات المحلية تمثل “ديمقراطية القرب والمشاركة”، داعيا المنتخبين إلى “طي صفحة المنافسة الانتخابية العابرة، وفتح الأوراش الحيوية للعمل الجماعي”، ومؤكدا أن الديمقراطية المحلية هي “تواصل دائم مع المواطنين، وليست مجرد لحظة انتخابية موسمية”.

    ولم يقتصر خطاب افتتاح السنة التشريعية 2003-2004 على الدعوة إلى المشاركة السياسية، بل ربطها بالحكامة الجيدة واحترام القانون، فقد أكد جلالة الملك “وجوب التزام هذه السلطات باليقظة والحزم والمراقبة الدائمة، لنهوض المجالس المنتخبة على الوجه الأكمل، بصلاحياتها الواسعة، طبقا للقانون”، محذرا من سوء تدبير الشأن العام، قائلا: “ومع تحذيرنا من الإخلال بالمسؤولية وسوء التدبير، ولو كان صادرا عن منتخب بأغلبية واسعة”، وهي توجيهات كرست منذ بداية العهد الجديد مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وتعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة.

    خطاب 9 مارس 2011.. لحظة مفصلية في البناء الديمقراطي

    ويشكل خطاب 9 مارس 2011 إحدى أبرز المحطات السياسية في تاريخ المغرب الحديث، لأنه لم يقتصر على الإعلان عن مراجعة دستورية، بل قدم تصورا جديدا للعلاقة بين المؤسسات، ولمكانة الانتخابات داخل البناء الديمقراطي.

    وقال جلالة الملك في هذا الخطاب “قررنا إجراء تعديل دستوري شامل”، وهي عبارة دشنت ورشا دستوريا واسعا أفضى إلى اعتماد دستور جديد، أعاد توزيع الاختصاصات بين المؤسسات، وعزز مكانة الحكومة والبرلمان، ورسخ استقلال السلطة القضائية، وربط ممارسة السلطة بمبدأ المسؤولية والمحاسبة.

    كما أكد جلالة الملك في الخطاب نفسه على ضرورة: “توطيد دولة الحق والمؤسسات”، وهو توجه لم يكن منفصلا عن المنظومة الانتخابية، إذ نص الفصل الـ11 من دستور 2011 على أن الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة تشكل أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي، لتصبح نزاهة الانتخابات مبدأ دستوريا ملزما، لا مجرد مطلب سياسي أو إجراء إداري مرتبط بموعد انتخابي محدد.

    وأعاد دستور 2011 تحديد موقع الأحزاب السياسية داخل النظام المؤسساتي، باعتبارها مؤسسات تؤطر المواطنات والمواطنين، وتساهم في التعبير عن إرادتهم، وتشارك في ممارسة السلطة على أساس التعددية والتداول الديمقراطي.

    ومن هنا، لم تعد الانتخابات مجرد وسيلة لتوزيع المقاعد، بل أصبحت مصدر الشرعية السياسية للمؤسسات المنتخبة، وجزءا أساسيا من العلاقة بين الاختيار الشعبي وممارسة المسؤولية.

    الجهوية المتقدمة.. الانتخابات برهانات تنموية جديدة

    بعد اعتماد دستور 2011، انتقل المغرب إلى مرحلة جديدة مع تنزيل ورش الجهوية المتقدمة، الذي وضع إعادة تنظيم الدولة ترابيا في صلب الإصلاح المؤسساتي.

    ومع تنظيم انتخابات الرابع من شتنبر 2015، لم تعد الانتخابات الترابية تقتصر على اختيار مجالس جماعية أو إقليمية، بل أصبحت تحدد أيضا من يقود التنمية على المستوى الجهوي، بعدما منحت الجهات اختصاصات أوسع في مجالات التخطيط والاستثمار والتجهيز والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

    وأدى هذا التحول إلى توسيع معنى الاختيار الديمقراطي، إذ أصبح الناخب يساهم، من خلال صوته، في اختيار المسؤولين عن تنفيذ جزء مهم من السياسات العمومية على المستوى الترابي، لتكتسب الانتخابات الجهوية بعدا يتجاوز التدبير المحلي، لتصبح آلية لتقريب القرار، وربط المسؤولية بالمحاسبة على المستوى الترابي، وإعطاء الجهات دورا أكبر في بلورة وتنفيذ البرامج التنموية.

    من خطاب 2016 إلى تعليمات 2021.. النزاهة أساس الثقة

    إذا كان دستور 2011 قد وضع الأساس الدستوري لنزاهة الانتخابات، فإن المرحلة اللاحقة اتجهت نحو تعزيز الضمانات العملية الكفيلة بحماية الاقتراع وصيانة الإرادة الحرة للناخبين.

    وقبل الانتخابات التشريعية لسنة 2016، وجه جلالة الملك رسالة واضحة إلى مختلف المتدخلين في العملية الانتخابية، مفادها أن نجاح الاستحقاق لا يقاس فقط بنسبة المشاركة أو بنتائج صناديق الاقتراع، وإنما أيضا بمدى احترام قواعد النزاهة والشفافية.

    وأكد جلالته في خطاب العرش لسنة 2016 ضرورة “ضمان نزاهة وشفافية المسار الانتخابي”، وهو توجيه شكل آنذاك مرجعا لعمل الإدارة المشرفة على الانتخابات، إذ رسخ مبدأ حيادها باعتبارها الجهة المكلفة بالسهر على احترام القانون وتكافؤ الفرص، لا طرفا في المنافسة السياسية.

    وحمل الخطاب رسالة واضحة مفادها أن مصداقية المؤسسات المنتخبة تبدأ من سلامة المسار الذي أفرزها، وأن أي ممارسات تمس بحرية اختيار الناخبين أو تؤثر في المنافسة السياسية يجب أن تواجه في إطار القانون.

    ومع اقتراب انتخابات الثامن من شتنبر 2021، انتقلت هذه الرؤية من مستوى المبادئ العامة إلى مستوى الإجراءات المؤسساتية، إذ أصدر جلالة الملك تعليماته السامية إلى كل من وزير الداخلية ورئيس النيابة العامة، قصد السهر على نزاهة العمليات الانتخابية والتصدي لكل الممارسات المخالفة للقانون، سيما استعمال المال أو أي وسائل غير مشروعة للتأثير على الناخبين.

    ولم تبق هذه التعليمات في حدود التوجيه، بل ترجمت إلى آليات عملية، من خلال تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات، التي تضم ممثلين عن وزارة الداخلية ورئاسة النيابة العامة، إلى جانب إحداث لجان جهوية وإقليمية لتلقي الشكايات وتتبع المخالفات، وتعزيز التنسيق بين السلطات الإدارية والقضائية.

    وأتاح هذا التنسيق توسيع نطاق المراقبة ليشمل مختلف مراحل العملية الانتخابية، من الترشيح والحملة إلى يوم الاقتراع وإعلان النتائج، بما يضمن التطبيق الصارم للقانون والتدخل عند تسجيل أي إخلالات.

    وفي السياق نفسه، كثفت وزارة الداخلية لقاءاتها مع الأحزاب السياسية، وحرصت على توفير الشروط التنظيمية واللوجستية لإجراء الانتخابات، مع إصدار توجيهات للسلطات الترابية تؤكد ضرورة الالتزام بالحياد، وضمان المساواة بين جميع المرشحين، وتأمين ممارسة الحقوق التي يكفلها القانون خلال الحملة الانتخابية.

    خطاب العرش 2025.. الانتخابات تبدأ قبل يوم الاقتراع

    إذا كانت محطة 2016 قد ركزت على حياد الإدارة، وعززت تعليمات 2021 آليات حماية نزاهة الاقتراع، فإن خطاب العرش ليوم 29 يوليوز 2025 نقل النقاش إلى مستوى أكثر تقدما، يقوم على اعتبار أن نجاح الانتخابات يبدأ قبل أشهر من فتح مكاتب التصويت.

    وفي هذا السياق، قال جلالة الملك “ونحن على بعد سنة تقريبا من إجراء الانتخابات التشريعية المقبلة، في موعدها الدستوري والقانوني العادي، نؤكد على ضرورة توفير المنظومة العامة، المؤطرة لانتخابات مجلس النواب، وأن تكون معتمدة ومعروفة قبل نهاية السنة الحالية”.

    ويحمل هذا التوجيه دلالة سياسية ومؤسساتية واضحة، إذ يؤكد ضرورة أن تكون القواعد القانونية المنظمة للانتخابات معروفة ومستقرة قبل وقت كاف من موعد الاقتراع، بما يسمح للأحزاب السياسية والمرشحين والإدارة والناخبين بالاستعداد وفق مرجعية واضحة.

    ولم يكتف الخطاب بوضع هذا التوجه العام، بل حدد آلية تنزيله، حين قال جلالة الملك “وفي هذا الإطار، أعطينا توجيهاتنا السامية لوزير الداخلية، من أجل الإعداد الجيد، للانتخابات التشريعية المقبلة، وفتح باب المشاورات السياسية مع مختلف الفاعلين”.

    2026.. تنزيل عملي للتوجيهات الملكية

    وتنفيذا لهذه التوجيهات، باشرت وزارة الداخلية مشاورات مع الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، همت مراجعة عدد من النصوص القانونية والتنظيمية المرتبطة بانتخابات مجلس النواب.

    وتركزت هذه المشاورات على تهيئة الإطار التشريعي للاستحقاقات قبل موعدها بوقت كاف، بما يضمن وضوح القواعد المنظمة للعملية الانتخابية، ويتيح للفاعلين السياسيين الاستعداد على أساس قانوني مستقر.

    كما تواصل الإعداد للجوانب التنظيمية واللوجستية المرتبطة بالانتخابات، إلى جانب تفعيل آليات التتبع والتنسيق بين المؤسسات المكلفة بالسهر على احترام القانون.

    وفي قراءته للاستعدادات الجارية لانتخابات 2026، يرى أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، حميد بلغيث، أن ما يميز هذه المرحلة هو الانتقال من منطق تدبير الاستحقاقات الانتخابية عند اقتراب موعدها إلى منطق الإعداد المؤسساتي المبكر، انسجاما مع التوجيهات الملكية الواردة في خطاب العرش لسنة 2025.

    وأوضح بلغيث في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن فتح المشاورات مع الأحزاب السياسية، وتهيئة الإطار القانوني والتنظيمي للاستحقاقات، يعكسان توجها نحو ترسيخ الاستقرار التشريعي وتوفير قواعد واضحة للمنافسة السياسية، بما يعزز الثقة في المسار الانتخابي.

    وأضاف أن الرهان في انتخابات 2026 لا يقتصر على تنظيم اقتراع يحترم القانون، بل يتمثل أيضا في توفير جميع الضمانات التي تجعل مختلف الفاعلين يخوضون المنافسة في إطار من الوضوح، وتكافؤ الفرص، واحترام الإرادة الحرة للناخبين، وهو ما يعكس تطورا نوعيا في تدبير الاستحقاقات الانتخابية بالمغرب.

    مسار إصلاحي يقوم على التراكم

    وتكشف العودة إلى أبرز المحطات الانتخابية خلال عهد الملك محمد السادس أن الإصلاح لم يكن عبارة عن قرارات منفصلة، بل جاء في إطار رؤية تراكمية أضافت في كل مرحلة لبنة جديدة إلى البناء الديمقراطي.

    ففي بداية العهد الجديد، كان الرهان منصبا على تحديث مؤسسات الدولة وتعزيز الثقة فيها، ثم جاء دستور 2011 ليمنح الانتخابات سندا دستوريا واضحا، قبل أن توسع الجهوية المتقدمة رهانات الاختيار الديمقراطي على المستوى الترابي.

    وفي سنة 2016، برز حياد الإدارة باعتباره أحد شروط مصداقية الاستحقاقات، بينما عززت تعليمات 2021 آليات التنسيق والرقابة والتصدي للممارسات غير المشروعة. أما خطاب العرش لسنة 2025، فنقل النقاش إلى مرحلة الإعداد المسبق، واستقرار القواعد القانونية، وفتح المشاورات السياسية قبل موعد الاقتراع.

    ويعكس هذا التسلسل تصورا يعتبر أن الديمقراطية ليست محطة انتخابية عابرة، وإنما عملية مؤسساتية متواصلة تتطلب تحديث التشريعات، وتأهيل الفاعلين، وتطوير آليات الرقابة، وضمان احترام القانون في مختلف مراحل العملية الانتخابية.