التصنيف: رئيسيّة

  • المغرب يراكم التحولات واقتصاد جديد يطرق أبواب الريادة الإقليمية

    المغرب يراكم التحولات واقتصاد جديد يطرق أبواب الريادة الإقليمية

    رسم خطاب العرش بمناسبة الذكرى الـ27 لاعتلاء العرش ملامح مرحلة جديدة في المسار التنموي للمغرب، تنطلق من حصيلة سنوات من التحولات الاقتصادية والاجتماعية.

    ويكشف التحول الاقتصادي خلال أكثر من ربع قرن عن أحد أبرز وجوه الحصيلة التي استند إليها الخطاب الملكي السامي، كون المغرب لم يعد يعتمد على عدد محدود من القطاعات التقليدية، بل عمل تدريجيا على بناء قاعدة إنتاجية أكثر تنوعا، تجمع بين الصناعة والسياحة والخدمات والطاقات الجديدة والصناعات ذات القيمة المضافة.

    وفي قراءة الخبير الاقتصادي ورئيس مرصد العمل الحكومي، محمد جدري، للخطاب الملكي، يبرز الاعتزاز بما تحقق من تحول في الاقتصاد المغربي خلال أكثر من ربع قرن، مستحضرا في هذا السياق انتقال الناتج الداخلي الخام من حوالي 50 مليار دولار في نهاية تسعينيات القرن الماضي إلى نحو 170 مليار دولار اليوم، معتبرا أن تضاعف حجم الاقتصاد بأكثر من ثلاث مرات يعكس، في نظره، عمق التحولات التي عرفتها البنية الاقتصادية الوطنية

    وأضاف جدري في تصريحه لجريدة “AM+ MEDIA”، أن الاقتصاد المغربي في نهاية التسعينيات كان يعتمد بدرجة كبيرة على الفلاحة والفوسفاط الخام والسياحة، بينما أصبح اليوم أكثر تنوعا بفضل الأوراش الكبرى وظهور ما يسمى بـ”المهن العالمية” للمغرب.

    ويستند في ذلك إلى مجموعة من القطاعات التي أصبحت، بحسب قراءته، ركائز جديدة للاقتصاد الوطني، ولعل أبرزها صناعة السيارات والطيران، إلى جانب الصناعات الغذائية والإلكترونية والميكانيكية والنسيج والألبسة والجلد والصناعات التقليدية والخدمات.

    وأشار جدري إلى أن صناعة السيارات تعتبر اليوم إحدى أبرز مظاهر هذا التحول، مشيرا إلى قدرة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا، وإلى رقم معاملات تجاوز 153 مليار درهم في السنة الماضية؛ وهي الصورة نفسها التي حضرت بقوة في الخطاب الملكي، حيث أكد جلالته أن “المملكة اليوم، أول مصدر للسيارات في إفريقيا”، مشيراً إلى أن قدرتها الإنتاجية تقارب مليون سيارة سنوياً.

    ولا يقف هذا التحول، في قراءة جدري، عند صناعة السيارات، بل يمتد إلى قطاع الطيران، حيث يرى أن المغرب ينتقل تدريجيا من مرحلة تركيب أجزاء الطائرات إلى بناء قاعدة صناعية أكثر تكاملا، تشمل مصانع متخصصة في محركات الطائرات وأنظمة الهبوط، الأمر الذي ينسجم مع تأكيد جلالته أن المغرب دخل “النادي المصغر، للدول التي تتوفر على أكبر المراكز الصناعية، في مجال صناعة محركات وأنظمة هبوط الطائرات”.

    وأبرز جدري أن الفوسفاط أيضا يوجد ضمن عناصر القوة الاقتصادية الجديدة، ليس فقط باعتباره موردا تقليديا، وإنما من خلال ارتباطه، وفق تعبيره، بمعادلة الأمن الغذائي العالمي.

    من تنويع الاقتصاد إلى تعزيز السيادة

    وركز خطاب العرش على أن التحول الاقتصادي لا يرتبط بتوسيع قاعدة الإنتاج وتنويع القطاعات فحسب، وإنما يتصل أيضا برهان تعزيز قدرة المغرب على تأمين حاجياته الأساسية وبناء قدرات وطنية في قطاعات استراتيجية.

    وفي هذا السياق، يقرأ جدري مضامين الخطاب السامي من زاوية الأمل والتفاؤل، مستنداً في ذلك إلى مؤشرات الاقتصاد الكلي، وإلى قدرة المملكة على الحفاظ على توازناتها الاقتصادية، رغم السياق الدولي الذي يطبعُه قدر كبير من التقلبات والضغوط.

    ويشير إلى معدل نمو يقارب 4.9 في المئة خلال السنة الماضية، مع توقع بلوغ حوالي 5.2 أو 5.3 في المئة خلال السنة الحالية، معتبراً أن هذه المؤشرات تعطي أساساً موضوعياً لقراءة متفائلة للمسار الاقتصادي.

    وأشار رئيس مرصد العمل الحكومي، إلى ما وصفه الخطاب الملكي بكون الصناعات الغذائية والدوائية أصبحت تغطي ما يقارب 80 في المئة من الحاجيات الوطنية، مع توجه المملكة نحو بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية في مجال الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني.

    وبذلك، يتحول مفهوم السيادة في قراءة الخطاب من مجرد تأمين الحاجيات الأساسية إلى بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية قادرة على دعم الاقتصاد الوطني، وتعزيز قدرته على الصمود، وفتح مجالات جديدة أمام الاستثمار.

    من تحصين المكتسبات إلى استشراف المستقبل

    ويشكل استشراف المستقبل المستوى الثالث في قراءة جدري لخطاب العرش، حيث ينتقل الخطاب من تقييم حصيلة المسار التنموي إلى تحديد ملامح المرحلة المقبلة، وما تفرضه من أهداف ورهانات جديدة تتجاوز ما تحقق إلى توسيع المكتسبات وتعزيز مسار النمو.

    وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي، أن النموذج التنموي الجديد بات واضح المعالم، وأن المغرب مقبل على مرحلة تستهدف الانتقال إلى اقتصاد أكبر وأكثر قدرة على خلق الثروة والقيمة المضافة وفرص الشغل، واضعا ضمن هذه الرؤية هدف الانتقال من ناتج داخلي خام في حدود 130 مليار دولار سنة 2021 إلى أكثر من 260 مليار دولار في أفق 2035، إلى جانب الرفع من مستوى الدخل الفردي للمغاربة.

    ولا يتوقف هذا الاستشراف عند المؤشرات الاقتصادية، إذ يربطه جدري بمجموعة من الأهداف القطاعية، من بينها الوصول إلى إنتاج مليوني سيارة، وبلوغ 26 مليون سائح في أفق 2030، ومواصلة بناء المستشفيات الجامعية، وتوسيع ورش الحماية الاجتماعية، إلى جانب مواصلة تنظيم التظاهرات الدولية الكبرى، وفي مقدمتها احتضان المغرب لنهائيات كأس العالم 2030.

    وفي هذا السياق، يبرز أيضا رهان التمويل باعتباره أحد شروط المرحلة المقبلة، فقد خصص الخطاب الملكي للذكرى الـ27 لعيد العرش حيزاً مهماً لدور القطاع المالي الوطني، داعياً إلى مواكبة الاستثمار والمشاريع الكبرى، وتوسيع الولوج إلى التمويلات البنكية وغير البنكية، خصوصاً لفائدة المقاولات الصغيرة والمتوسطة والابتكار والتصنيع والتصدير، مع تعبئة الادخار الوطني وإنعاش الأسواق المالية.

    وبالنسبة لجدري، فإن هذه الرهانات تتجاوز هدف تحقيق الازدهار الاقتصادي في حد ذاته، لتتجه نحو طموح أكبر يتمثل في جعل المغرب “قوة اقتصادية إقليمية” في شمال إفريقيا وغرب إفريقيا ومحيطه المتوسطي.

    وخلص جدري إلى أن المسار التنموي للمغرب أصبح “واضح المعالم”، تقوده رؤية استراتيجية يقودها جلالة الملك، معتبرا أن الهدف خلال المرحلة المقبلة يتمثل في مواصلة هذا المسار إلى أبعد مدى، بما يسمح بتحقيق الأهداف المرسومة في أفق 2035.

  • “نظّارة الصحراء”.. كيف كتبت الحكمة الملكية معادلة الإجماع الدولي؟

    “نظّارة الصحراء”.. كيف كتبت الحكمة الملكية معادلة الإجماع الدولي؟

    مساء أول أمس الأربعاء، أطلّ جلالة الملك محمد السادس على شعبه بخطاب العرش السابع والعشرين، في لحظة اختزلت مفارقة جديرة بالتأمل فملف الصحراء المغربية، الذي ظل لعقود أولوية دبلوماسية قصوى استوجبت تعبئة دائمة لكل مقدرات الدولة، فيما تحوّل اليوم إلى الرافعة الأولى لمكانة المغرب الخارجية بل وأيضا إلى محكّ حقيقي تُقاس عليه جدّية أي طرف يريد بناء شراكة فعلية مع الرباط.

    لم تُغيّر سبعة وعشرون عاما من الحكم البوصلة الاستراتيجية قيد أنملة، غير أنها حوّلت “الصبر الاستراتيجي” الذي كثيرا ما وُصف به النهج الملكي من خطاب انتظار إلى رصيد سياسي ملموس لا يُقاس اليوم بلغة الشعارات بل بلغة الوقائع التي ترجمتها قرارات أممية متعاقبة، واتفاقيات ثنائية ودولية، وقنصليات مفتوحة في العيون والداخلة تعكس اعترافا متصاعدا بواقع أضحى ثابتا من ثوابت الدبلوماسية الدولية.

    هذا التحول، من موقع الترافع الدبلوماسي الدؤوب إلى موقع المبادرة وقيادة الأجندة، هو ما يمنح خطاب العرش لهذا العام بعدا يتجاوز الطقس الاحتفالي المعتاد، ليصير مناسبة لقراءة حصيلة أكثر من عقدين ونصف من إعادة تموضع المغرب في محيطه الإقليمي والدولي.

    الصحراء المغربية من ملف نزاع مفتعل إلى مرجعية أممية

    لطالما وصف جلالة الملك محمد السادس قضية الصحراء بأنها “منظار” يُقاس من خلاله جدية أي علاقة خارجية للمملكة، وما كان في السابق موقفا سياديا مغربيا صِرفا بات اليوم موقفا تتبناه أعلى هيئة أممية.

    الحدث المفصلي الأول جاء في دجنبر 2020 حين اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية رسميا بسيادة المغرب الكاملة على أقاليمه الجنوبية، اعترافٌ لم يكن عابرا كما حاول خصوم الوحدة الترابية تصويره، بل تأكّد مجددا في 19 يوليوز عندما أكدت الإدارة الأمريكية الجديدة حينها التي ترأسها جو بايدن على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية ماثيو ميلر، أن بلاده اتخذت بالفعل خطوة الاعتراف بمغربية الصحراء وأن هذا الموقف لم يتغير رغم تغير الإدارة من ترامب إلى بايدن، وفي 8 أبريل 2025 في عهد الإدارة الأمريكية الجديدة، شددت على ذلك أيضا ليصبح موقفا أمريكيا ثابتا عابرا للتقلبات الحزبية في واشنطن.

    هذا الزخم انتقل إلى الشريك الأوروبي التاريخي الأول أي فرنسا، ففي يوليوز اعترفت باريس بمغربية الصحراء، ثم في أكتوبر 2024، وخلال زيارة دولة قام بها الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الرباط، جددت تأكيدها رسميا بسيادة المغرب على صحرائه، لتُختم هذه الدينامية بعقد الاجتماع المغربي-الفرنسي الرفيع المستوى الخامس عشر في يوليوز 2026 بالرباط، الذي أفرز توقيع 14 اتفاقية في الطاقة والنقل والأمن والدفاع، إضافة إلى الشروع في صياغة “معاهدة صداقة” تُعدّ الأولى التي توقعها فرنسا مع دولة غير أوروبية، وهو ما يعكس حجم الأولوية التي أصبح المغرب يحتلها في السياسة الخارجية الفرنسية، إذ لا تزال باريس، بحكم هذه العلاقة التاريخية المتجددة، أكبر مستثمر أجنبي في المغرب، باستثمارات مباشرة بلغت 8.4 مليارات يورو.

    أما الذروة المؤسساتية لهذا المسار، فتحققت في 31 أكتوبر 2025، حين تبنّى مجلس الأمن الدولي القرار 2797، بأغلبية 11 صوتا مقابل صفر، وامتناع ثلاث دول فقط (روسيا والصين وباكستان)، بينما لم تشارك الجزائر في التصويت.

    القرار لم يقتصر على تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (مينورسو)، بل اعتبر صراحة “الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية” أساسا أكثر واقعية لحل النزاع، وأحال الأطراف إلى مبادرة الحكم الذاتي التي قدّمها المغرب منذ 2007 بوصفها القاعدة الوحيدة الجادة والموثوقة للمفاوضات، والأهم من ذلك، أن القرار سمّى الجزائر صراحة كطرف أساسي في النزاع، ودعاها إلى الانضمام إلى طاولة المفاوضات، في تحوّل قانوني وسياسي غيّر بشكل صريح وواضح معادلة “المغرب في مواجهة البوليساريو” إلى معادلة “المغرب والجزائر” الحقيقية التي حاولت الجزائر التهرّب منها لعقود.

    هذا الإجماع الدولي المتصاعد ترجمته أيضا وقائع جغرافية على الأرض، فمدينتا العيون والداخلة، عاصمتا الأقاليم الجنوبية، تحوّلتا إلى مركزين دبلوماسيين فعليين يستضيفان اليوم 12 قنصلية عامة في العيون و17 قنصلية عامة في الداخلة، أغلبها لدول إفريقية وعربية وكاريبية اختارت أن تترجم موقفها السياسي إلى تمثيل دائم على الأرض، بدل بيانات الدعم الخطابية.

    توازن الكبار.. دبلوماسية لا تراهن على معسكر واحد

    من أهمّ ما يميز دبلوماسية جلالة الملك محمد السادس أنها لا تختزل نفسها في علاقة تبعية لأي قوة كبرى، بل تحرص على تعدّد الشراكات مع الحفاظ على مسافة استراتيجية متساوية، يواصل من خلالها المغرب تعميق شراكته التاريخية مع الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، في الوقت ذاته الذي يوسّع فيه علاقاته مع الصين وروسيا وتركيا ودول الخليج، وهذا التوازن ليس شعارا بل ممارسة يومية.

    فحين تصاعد التوتر بين مدريد وواشنطن حول موقفي كل منهما من قضايا الشرق الأوسط، حرص المغرب على تجنّب الانحياز لأي طرف، حفاظا على شراكته مع كليهما دون الدخول في مواجهة مع الجارة الإسبانية التي يربطه بها ملف حساس يتعلق بسبتة ومليلية، وأيضا الشراكة الاستراتيجية بين البلدين والعلاقات المتميزة سيما عقب اعتراف هذه الأخيرة هي الأخرى بمغربية الصحراء.

    وفي أزمة أوكرانيا، اختار المغرب موقفا متوازنا يدعو إلى احترام السلامة الترابية لكل الدول، دون الانخراط في خطاب عدائي تجاه موسكو، بما يعكس عقيدة دبلوماسية تفضّل المصلحة الوطنية طويلة المدى على المكاسب السياسية السريعة.

    وعلى الصعيد الأمني، يظل المغرب الشريك الجنوبي الأكثر التزاما مع حلف شمال الأطلسي، بقيادته المشتركة لتدريبات “الأسد الإفريقي” الأكبر من نوعها في القارة، ومساهمته الفاعلة في مهام الأمن البحري ومكافحة الإرهاب، وهو ما تصفه مراكز بحثية أوروبية بأنه “قيمة عملياتية مستدامة” ينبغي أن تُترجم إلى شراكة بنيوية أكثر رسوخا داخل هياكل الحلف .

    من “العودة إلى البيت” إلى قيادة المشروع الإفريقي

    ولا يمكن فهم الدبلوماسية الملكية دون العودة إلى لحظة 30 يناير 2017، حين صوّتت 39 دولة من أصل 54 عضوا في الاتحاد الإفريقي لصالح إعادة انضمام المغرب إلى المنظمة القارية، بعد غياب دام 33 عاما، ليصبح العضو الخامس والخمسين فيها.

    في خطابه أمام قمة أديس أبابا، اختار جلالة الملك محمد السادس عبارة بقيت خالدة في الذاكرة الجماعية المغربية هي أن المغرب “عائد إلى بيته”، ولم تكن تلك العودة انتقاما من الخصوم، بقدر ما كانت تجسيدا لفلسفة ملكية معلنة قوامها أن “الجسم المريض يُعالَج من الداخل أفضل من علاجه من الخارج”.

    منذ تلك اللحظة، تحوّلت العلاقة مع إفريقيا من موقف سياسي إلى مشروع تنموي متكامل، فالملك محمد السادس قام بأكثر من 50 زيارة رسمية إلى أكثر من 30 دولة إفريقية منذ توليه العرش، ووقّع خلالها ما يقارب ألف اتفاقية تعاون في المجالات الاقتصادية والأمنية والسياسية.

    على الصعيد الاقتصادي، تقود مجموعة “المكتب الشريف للفوسفاط” ما يوصف بـ”دبلوماسية الفوسفاط”، عبر استثمارات تفوق 13 مليار دولار حتى 2027 لتوسيع الطاقة الإنتاجية للأسمدة من 12 إلى 20 مليون طن، مع تخصيص جزء كبير من هذا الإنتاج لتلبية أكثر من 90% من حاجيات دول مثل إثيوبيا ونيجيريا من الأسمدة، ما يجعل من الأمن الغذائي الإفريقي ركنا أساسيا في السياسة الخارجية المغربية

    وفي البعد الأمني والتنموي لمنطقة الساحل، أطلق الملك محمد السادس أواخر 2023 “المبادرة الأطلسية” لتمكين دول الساحل غير الساحلية -مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد- من الوصول إلى المحيط الأطلسي، ضمن مبادرة تُرجمت عمليا في أبريل 2025 حين استقبل الملك في القصر الملكي بالرباط وزراء خارجية دول تحالف الساحل لتسريع تنفيذها.

    وبلغت هذه الرؤية محطتها الأبرز في 20 يوليوز 2026، حين وقّعت الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس” في فريتاون على الاتفاق الحكومي الدولي لمدّ أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي الرابط بين نيجيريا والمغرب، مشروع بقيمة 25 مليار دولار وطول يناهز 6900 كيلومتر، انطلقت فكرته من زيارة الملك التاريخية إلى نيجيريا في دجنبر 2016، بمشاركة ودعم 13 دولة إفريقية على طول الساحل الأطلسي.

    ولا يكتمل الحديث عن الحضور المغربي في إفريقيا دون التوقف عند البعد الديني، الذي يستحضر مكانة الملك بصفته أميرا للمؤمنين، فمنذ إحداث “مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفريقيين” في يونيو 2015، التي تضم أكثر من 200 عالم دين من مختلف الدول الإفريقية، إلى تأسيس “معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات” في الرباط سنة 2015، رسّخ المغرب حضوره الروحي في القارة عبر نشر قيم الإسلام الوسطي المالكي المتسامح، بوصفه سدا في مواجهة التطرف، وامتدادا طبيعيا للروابط الصوفية التاريخية التي تجمع المغرب بغرب إفريقيا والساحل .

    الجزائر، الجار الذي لم يُغلق الملك الباب أمامه

    على النقيض من هذا المسار التصاعدي، ظلت العلاقة مع الجزائر نقطة ظل في العلاقات المغربية الخارجية، ليس بسبب أي تصلّب مغربي بل بفعل عداء جزائري متجدد ظل الملك محمد السادس يقابله بخطاب اليد الممدودة في كل خطب عيد العرش المتعاقبة، فالحدود البرية بين البلدين مغلقة منذ 1994، وأغلقت الجزائر مجالها الجوي مع المغرب سنة 2021، إضافة إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية بشكل كامل في نفس السنة.

    ومع ذلك، فإن قرار مجلس الأمن 2797 الذي سمّى الجزائر طرفا في النزاع، وطالبها رسميا بالانضمام إلى مباحثات الطاولة المستديرة، وضع الجارة الشرقية أمام عزلة دبلوماسية متصاعدة، في وقت يستمر فيه المغرب بخطاب الانفتاح تجاه “الشعب الجزائري الشقيق”، بحسب التعبير الملكي المتكرر في خطب العرش الأخيرة.

    نظّارة الصحراء التي لم تتغير

    سبعة وعشرون عاما من الحكم لم تُغيّر زاوية النظر الملكية إلى العالم، بل عمّقتها وحوّلتها إلى عقيدة دبلوماسية متكاملة بين صبر استراتيجي في ملف الصحراء أثمر إجماعا أمريكيا فرنسيا وإسبانيا وألمانيا وبريطانيا وأمميا غير مسبوق، وتوازن دقيق بين واشنطن وباريس وبكين وموسكو يجنّب المغرب فخّ الاستقطاب.

    ولم يعد الحضور المغربي في إفريقيا عنوانا لعودة دبلوماسية فحسب، بل أصبح مشروعا متكاملا تُترجمه الاستثمارات، وتدعمه الشراكات، وتمنحه الروابط الروحية عمقا استراتيجياً متجذرا في التاريخ، رسخ جلالة الملك محمد السادس في قلبه نموذجاً دبلوماسياً يقوم على منطق الإنجاز وعلى أثر المبادرات؛ وهو ما جعل من التجربة المغربية إحدى أبرز قصص التحول في القارة خلال العقود الأخيرة.

  • 27 عاما من الرؤية الملكية.. الرياضة في قلب الثورة التنموية

    27 عاما من الرؤية الملكية.. الرياضة في قلب الثورة التنموية

    على امتداد 27 عاما من حكم جلالة الملك محمد السادس، انتقلت الرياضة في المغرب من قطاع يغلب عليه منطق الرعاية والدعم العمومي إلى أحد مكونات المشروع التنموي وأدوات التموقع الدولي للمملكة.

    وكان التحول أوضح في كرة القدم، حيث تراكم الاستثمار في التكوين والمنشآت والمنتخبات، بالتوازي مع توظيف التظاهرات الكبرى في تعزيز الحضور المغربي داخل المؤسسات الرياضية الدولية.

    في هذا المسار، رسم جلالة الملك التوجهات الكبرى، عبر إطلاق المشاريع الاستراتيجية أو رعايتها ودعم ترشيحات المغرب للتظاهرات الدولية.

    ويؤكد زكرياء لحرش، الدكتور في العلوم الرياضية، أن الرياضة الوطنية عرفت تطورا وازدهارا ملحوظا منذ اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه الميامين، حيث كرست عديد القرارات السيادية معرفة المؤسسة الملكية الدقيقة بالرياضة الوطنية ومقوماتها وكذلك مشاكلها.

    ويرى لحرش، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وتوجهها نحو تنمية الرياضة، إضافة إلى تحيين أهداف الصندوق الوطني لتنمية الرياضة، ثم الرسالة الملكية السامية خلال المناظرة الوطنية للرياضة سنة 2008، وصولا إلى إقرار الرياضة كحق دستوري بنص صريح في دستور 2011، جعلت من الرياضة قاطرة أريد لها النهوض بدورها الاجتماعي سواء من حيث أهدافها العامة في تكوين مواطن مغربي متشبع بقيم وأخلاق المملكة المغربية، فاعل وواعي بدوره داخل المجتمع، أو من خلال أهدافها الخاصة المتجلية في الممارسة الرياضية الفعالة.

    التحول في “العهد الجديد”.. منعطف الصخيرات وبناء المؤسسات

    بين 1999 و2007، حضرت الرياضة أساسا داخل مشاريع التنمية البشرية والإدماج الاجتماعي، وفي برامج منشآت القرب، خصوصا بعد إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005، في وقت واصل المغرب، برعاية ملكية، ترشيحاته لتنظيم كأس العالم، واستثمر في بناء المنشآت الكبرى وتحديثها، إلى جانب دعم رياضة النخبة والمنتخبات الوطنية.

    وجاء التحول الأبرز في “العهد الجديد” مع الرسالة الملكية الموجهة إلى المشاركين في المناظرة الوطنية للرياضة، المنعقدة بالصخيرات يومي 24 و25 أكتوبر 2008، قدم خلالها تشخيصا صريحا تحدث عن الارتجال وضعف النتائج وغموض المسؤوليات وقلة تجديد النخب المسيرة، فضلا عن اختلالات الشفافية في التدبير.

    ولم تقف الرسالة عند التشخيص، بل وضعت مرتكزات سياسة رياضية جديدة تقوم على الموازنة بين رياضة النخبة والرياضة الجماهيرية، وتأهيل الرياضة المدرسية والجامعية، وتحديث التشريع، واحتراف الأندية، وتنويع التمويل، وإخضاع الدعم للتدقيق والمحاسبة.

    وشددت على توسيع الولوج إلى الممارسة لفائدة النساء وسكان المناطق المحرومة والأشخاص ذوي الإعاقة، وإشراك الجماعات الترابية والقطاع الخاص وقطاعات التعليم والصحة والسياحة، لتصبح ممارسة الرياضة، في التصور الملكي، حقا أساسيا ورافعة للتنمية البشرية والتماسك الاجتماعي، لا مجرد نشاط تنافسي أو ترفيهي.

    من التشخيص إلى الفعل.. استراتيجية الرياضة ودستور 2011

    ومن هذه المرجعية انبثقت استراتيجية الرياضة 2008-2020، قبل أن يصدر القانون 30-09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة في 24 غشت 2010.

    واعتبر القانون الأنشطة الرياضية ذات منفعة عامة، وجعل تطويرها جزءا من مهمة الخدمة العمومية، ونظم الرياضة المدرسية والجامعية، والجمعيات والعصب والجامعات، وعقود الرياضيين المحترفين، وإحداث الشركات الرياضية، وتكوين رياضيي المستوى العالي وتأهيلهم الاجتماعي والمهني.

    وتعزز البناء المؤسساتي في دستور 2011، الذي نص على دعم الرياضة وتيسير الولوج إليها وتشجيع إدماج الشباب، ثم بصدور القانون 97-12 المتعلق بمكافحة المنشطات سنة 2017 ومرسومه التطبيقي سنة 2019، قبل إحداث الوكالة المغربية لمكافحة المنشطات في يناير 2021.

    وهكذا أسست مرحلة 2008-2020 مرجعية قانونية ومؤسساتية متقدمة نسبيا. إلا أن تقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الأعلى للحسابات سجلت أن جزءا مهما من أهداف الاستراتيجية لم يتحقق، وأن أكثر من نصف أوراشها الهيكلية كان ما يزال غير منجز قبل سنة من نهايتها، مع استمرار صعوبات تطبيق القانون وضعف معايير منح بعض الإعانات وآليات التتبع والتقييم. لذلك كانت الحصيلة قوية على مستوى بناء المرجعيات، وأقل تجانسا عند التنفيذ.

    ويبرز لحرش في هذا السياق أن التطور المسجل في “العهد الجديد” المتجلي في الاستثمار في المنشآت الرياضية والترسانة القانونية وكذلك في الرأسمال البشري، جعل من الرياضة أداة فعالة حولت المغرب إلى نموذج يحتذى به في مجال التكوين الرياضي وكذلك تنظيم التظاهرات الرياضية الدولية.

    وشدد على أن الرياضة في عهد جلالة الملك محمد السادس أصبحت أيضا “أداة دبلوماسية ناعمة وفعالة، تذكرنا بما قاله الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله، عندما يتعلق الأمر بالرياضة فان المغرب يعرف بنوال المتوكل وسعيد اعويطة أكثر مما يعرف بالحسن الثاني”، لافتا إلى أن هذا اعتراف ضمني بأن الرياضة الوطنية كانت أداة دبلوماسية مهمة، أصبحت اليوم في عهد الملك محمد السادس أكثر تطورا وإنجازا.

    غير أن لحرش شدد على أن الرسالة الملكية السامية لسنة 2008، التي كانت بمثابة خارطة طريق للرياضة الوطنية عامة، لم تلتقط بشكل كاف من طرف جميع الفاعلين والمسؤولين الرياضيين، حيث إن عددا من الجامعات الوطنية ما تزال تتخبط في مشاكل تسييرية عميقة.

    ويشرح في هذا السياق أنه إذا كانت حصيلة إنجازات المنتخبات الوطنية لكرة القدم إيجابية إلى حد بعيد، فهذا ما يزال لا ينعكس بالشكل المنتظر على البطولة الوطنية وأنديتها، مشددا على أنه “إذا كانت الرسالة الملكية قد قامت بتشخيص معمق لمشاكل الرياضة الوطنية، فإن أهدافها ما زالت تستوجب تغييرا في الوعي التسييري الرياضي لبعض الفاعلين الرياضيين لتتناسق مختلف الرياضات مع الأهداف العامة للرياضة كما سطرتها مختلف المبادرات الملكية في هذا الباب”.

    أكاديمية محمد السادس.. أساس النهضة الكروية

    وفي خضم هذه الدينامية، برزت أكاديمية محمد السادس لكرة القدم التي دشنها جلالة الملك سنة 2010، مشروعا يؤسس لتحول بعيد المدى في مقاربة التكوين الكروي بالمغرب، إذ بدلاً من الاكتفاء باستقطاب المواهب بعد بروزها أو الاعتماد أساساً على اللاعبين المكونين خارج البلاد، راهنت الأكاديمية على اكتشاف اللاعب في سن مبكرة، وتأمين مسار يجمع بين الدراسة والتكوين الرياضي والإقامة والتأطير الطبي والنفسي.

    وشُيدت الأكاديمية بضواحي سلا على مساحة تقارب 18 هكتاراً، باستثمار قدره 140 مليون درهم، وجهزت وفق معايير مراكز التكوين الاحترافية.

    ويوضح الخبير الرياضي ذاته أنه يمكننا أن نقول إن كرة القدم اليوم استطاعت أن تضع المغرب في مصاف كبريات الدول كرويا وكذلك على مستوى المنشآت والتجهيزات الرياضية والبنيات التحتية المحيطة بها، مشيرا إلى أن أهم هذه المنشآت التي تعنى بالتكوين هي أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، والتي ساهمت منذ إنشائها في تكوين عدد من اللاعبين بمواصفات احترافية عالية، كرستها الإنجازات الأخيرة للمنتخبات الوطنية لكرة القدم بمختلف فئاتها السنية.

    وساهمت الأكاديمية، ضمن كتيبة قادها الناخب الوطني وليد الركراكي في مونديال قطر 2022، في جعل المغرب أول بلد إفريقي وعربي يبلغ نصف نهائي كأس العالم، قبل إنهاء البطولة في المركز الرابع.

    وتجاوز أثر الأكاديمية المنتخب الأول إلى الفئات العمرية، فقد شارك تسعة من خريجيها ضمن قائمة المنتخب المغربي لأقل من 17 سنة التي بلغت نهائي كأس إفريقيا سنة 2023، كما ساهم خريجوها في تتويج المنتخب الأولمبي بكأس إفريقيا لأقل من 23 سنة والتأهل إلى أولمبياد باريس، فيما الإنجاز الأكبر جاء بعدما قاد حسام الصادق، وياسر زابيري، وياسين خليفي، ومحمد طه مجني، وفؤاد الزهواني المنتخب المغربي لأقل من 20 عاما للتتويج بكأس العالم للشباب سنة 2025.

    وإلى جانب التكوين، اكتملت الرؤية الاجتماعية بإحداث مؤسسة محمد السادس للأبطال الرياضيين سنة 2011، بهدف مواكبة الأبطال السابقين وأسرهم صحياً واجتماعياً، ومساعدتهم خلال مرحلة ما بعد الاعتزال.

    إصرار ملكي على حلم المونديال

    لم يكن قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم في 11 دجنبر 2024، بإسناد تنظيم كأس العالم 2030 إلى المغرب وإسبانيا والبرتغال، نجاحاً مفاجئاً أو منفصلاً عن سياقه، فقد جاء تتويجاً لمسار امتد لعقود.

    وخلال عهد جلالة الملك محمد السادس، مر هذا المسار بثلاث محطات رئيسية، هي 2006، 2010، و2026، انتهت كلها بتأجيل الحلم استضافة كأس العالم، غير أن زكرياء لحرش أكد أن هذه المرحلة شكلت حافزا للمسؤولين على كرة القدم وعلى رأسهم جلالة الملك، لتسريع وتيرة التنمية الرياضية بالمملكة عبر عدد من الملاعب وتأهيل عديد منها ليصل العدد اليوم إلى 12 ملعبا معترفا بمواصفاتها من طرف الاتحاد الدولي لكرة القدم والكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم.

    ولم تنه خسارة 2026 أمام الملف الأمريكي الكندي المكسيكي الحلم المغربي، فبعد إعلان النتيجة مباشرة، صدرت تعليمات ملكية بإعداد ترشيح المغرب لمونديال 2030، لتنتقل الخيبة من نهاية لمحاولة خامسة؛ إذ سبق العهد الجديد محاولتان في عهد الملك الراحل الحسن الثاني سنتي 1994 و1998، في التاريخ المغربي، ورابعة خلال العهد الجديد، إلى نقطة انطلاق لمحاولة جديدة.

    وجاءت المحاولة السادسة في تاريخ المغرب، والرابعة في عهد جلالة الملك محمد السادس، مغايرة، بالانتقال من الترشيح المنفرد إلى شراكة مع إسبانيا والبرتغال، تجمع بين إفريقيا وأوروبا وتستند إلى القرب الجغرافي والتكامل في المنشآت والخبرات والأسواق.

    وفي رسالة ملكية إلى حفل جوائز التميز للكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم في كيغالي يوم 14 مارس 2023، أعلن جلالة الملك أن المغرب قرر، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، تقديم ترشيح مشترك لمونديال 2030، وقدم الملف باعتباره ترشيحاً للوصل بين إفريقيا وأوروبا، وشمال البحر الأبيض المتوسط وجنوبه، والعوالم الإفريقية والعربية والأورو-متوسطية.

    وفي 4 أكتوبر 2023 زف جلالة الملك نبأ اعتماد مجلس فيفا الملف الثلاثي ترشيحاً وحيداً، قبل أن يقر مؤتمر فيفا الاستثنائي، في 11 دجنبر 2024، اختيار المغرب وإسبانيا والبرتغال بالتزكية لاستضافة كأس العالم، مع إقامة 3 مباريات في كل من الأرجنتين وباراغواي وأوروغواي، احتفاء بالذكرى المئوية للمسابقة.

    مونديال 2030.. تتويج للسياسة الرياضية الملكية

    ويؤكد زكرياء لحرش أن تنظيم المغرب لتظاهرة رياضية ككأس العالم لكرة القدم، يمكن اعتباره تتويجا للسياسة الرياضية في عهد الملك محمد السادس، فمن منظوره الخاص هذا التنظيم يعد؛ إضافة إلى كونه تتويجا رياضيا وسياسيا، بداية مرحلة جديدة لتطور في التسيير الرياضي لكرة القدم الوطنية، حيث وجب ابتكار نموذج تسييري جديد يتماشى مع التطورات الحالية ويشكل قطيعة مع نظام كلاسيكي أو حتى هجين يجمع بين انتظار الدعم المادي العام وبعض المبادرات التسييرية المؤسساتية.

    وأبرز المتحدث ذاته أن هذا التغيير الحديث سواء على مستوى التدبير اليومي والحكامة الرياضية للأندية الوطنية، لا يمكن أن يكون فعالا إلا بالانخراط الإيجابي للفاعلين الرياضيين بمختلف تخصصاتهم، ومشاربهم، ووعيهم العام والخاص بأهمية التكوين الرياضي، واستثمار المقاربات العلمية في إقرار نموذج تنموي مستدام يمكن تنزيله داخل مختلف جهات المملكة عبر دراسة مميزات كل جهة جغرافيا، اجتماعيا واقتصاديا، لتساهم كل منها في تطوير الرياضة المحلية ثم الوطنية.

    وأشار إلى أن كأس العالم ستكون بالفعل فرصة استثمارية ليس فقط على مستوى التجهيزات ولكن أيضا على مستوى الخبرات الميدانية والتجارب المقارنة.

    وقبل كأس العالم المرتقبة بعد أربع سنوات، راكم المغرب سجلاً تنظيمياً استخدمه لإثبات قدرته على استضافة البطولات الكبرى، فنظم كأس العالم للأندية في نسخ 2013 و2014 و2022، كما استضاف بطولة إفريقيا للاعبين المحليين سنة 2018، وكؤوس إفريقيا لكرة القدم النسوية، ونسختي كأس إفريقيا لكرة القدم داخل القاعة في 2020 و2024، إلى جانب بطولات الفئات العمرية، ومنها كأس إفريقيا لأقل من 23 سنة 2023 وكأس إفريقيا لأقل من 17 سنة 2025.

    وفي محطة ذات حجم أكبر، استضاف المغرب كأس إفريقيا للأمم 2025 بين 21 دجنبر 2025 و18 يناير 2026، عبر تسعة ملاعب موزعة على ست مدن هي الرباط والدار البيضاء وطنجة وفاس ومراكش وأكادير.

    وتعزز هذا التراكم بمنح المغرب حق تنظيم خمس نسخ سنوية متتالية من كأس العالم للسيدات لأقل من 17 سنة، من 2025 إلى 2029.

    مغرب جديد.. كرة القدم في قلب التنمية

    إذا كان المغرب قد بنى خلال العقود الماضية جزءا كبيرا من تنافسيته على الاستثمار في البنيات التحتية، فإن تنظيم كأس العالم 2030 يمثل محطة جديدة لتسريع هذا المسار، ليس فقط على مستوى تشييد الملاعب أو تأهيل الفضاءات الرياضية، بل بإطلاق حزمة واسعة من المشاريع المهيكلة في مجالات النقل والسكك الحديدية والمطارات والطرق والموانئ والبنيات الرقمية، بما يجعل المونديال رافعة لتسريع أوراش كانت مبرمجة ضمن الرؤية التنموية للمملكة.

    وتتجلى هذه الدينامية في عدد من المشاريع الكبرى التي دخلت مرحلة الإنجاز، من بينها تمديد خط القطار فائق السرعة نحو مراكش، وتوسعة المطارات الدولية، وتعزيز شبكات النقل الحضري، إلى جانب تحديث البنيات الفندقية والخدمات اللوجستية.

    وتستهدف هذه الاستثمارات، التي تعبئ عشرات المليارات من الدراهم، الاستجابة لمتطلبات الحدث الرياضي، لكنها تؤسس في الوقت نفسه لإرث اقتصادي طويل الأمد، من خلال تحسين ربط مختلف جهات المملكة وتعزيز جاذبيتها للاستثمار والسياحة.

    ويرى عدد من الاقتصاديين أن الأثر الحقيقي لكأس العالم لن يقاس بعدد المباريات التي سيستضيفها المغرب، وإنما بقدرته على تسريع وتيرة الاستثمار العمومي والخاص، وتحفيز قطاعات البناء والصناعة والخدمات، وخلق فرص جديدة للشغل، فضلا عن رفع تنافسية الاقتصاد الوطني.

    ويشكل تنظيم المغرب لمونديال 2030، إلى جانب شريكين الإبيريين، امتدادا للرؤية الملكية التي جعلت من البنية التحتية ركيزة للتحول الاقتصادي خلال السنوات السبع والعشرين الماضية، إذ ينتظر أن يشكل هذا الحدث العالمي مرحلة جديدة لتعزيز الاندماج الترابي، وترسيخ مكانة المغرب منصة لوجستية وصناعية وسياحية بين أوروبا وإفريقيا، بما يحول المونديال من موعد رياضي محدود زمنيا إلى محرك تنموي يمتد أثره لسنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة.

  • رشيد ساري لـ”AM+ MEDIA”: الخطاب الملكي رسم معادلة ثلاثية الأبعاد.. اقتصاد صاعد وحماية اجتماعية وحكامة مؤسساتية

    رشيد ساري لـ”AM+ MEDIA”: الخطاب الملكي رسم معادلة ثلاثية الأبعاد.. اقتصاد صاعد وحماية اجتماعية وحكامة مؤسساتية

    قال رشيد ساري، الخبير الاقتصادي ورئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، إن الخطاب الملكي السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، حمل ثلاثة أبعاد رئيسية، الأولى ذات بعد اقتصادي، والثانية بعد اجتماعي، وبعد مؤسساتي وسياسي، وقد شكلت مجتمعة قراءة شاملة لمسار المغرب التنموي ومكانته الإقليمية والدولية.

    البعد الاقتصادي: من صناعة السيارات إلى الهيدروجين الأخضر

    في تحليله للبعد الاقتصادي من الخطاب، أوضح رشيد ساري أن جلالة الملك محمد السادس تناول المسار المتميز الذي يعرفه الاقتصاد الوطني، مشيرا إلى أن صناعة السيارات باتت اليوم تحقق عائدات تتجاوز تلك المحققة من الصناعة الاستخراجية للفوسفاط، وهو مؤشر بحسب المتحدث، على “التحول العميق الذي يعرفه النموذج الاقتصادي المغربي”.

    وأضاف الخبير الاقتصادي في حديثه لـ “AM+ MEDIA “، أن جلالة الملك تطرق أيضا إلى المسار التنموي في مجالات متعددة، على رأسها الطاقات المتجددة وبالخصوص ورش الهيدروجين الأخضر الذي بات يحتل موقعا استراتيجيا ضمن الرؤية التنموية للمملكة.

    كما أشار ساري إلى أن الخطاب الملكي تطرق في شقه الاقتصادي إلى صناعة الأسلحة التي ولج إليها المغرب حديثا، إضافة إلى الصناعات الدوائية، موضحا أن صاحب الجلالة أكد أن المغرب أصبح اليوم يؤمّن حاجياته من الأمن الصحي بنسبة تفوق 80 في المائة، وهو ما اعتبره المتحدث “مؤشرا جد مهم” على مستوى السيادة الدوائية للبلاد.

    وتوقف رشيد ساري كذلك عند إشارة جلالة الملك إلى معدلات النمو الاقتصادي، التي من المرتقب أن تتجاوز 5 في المائة خلال سنة 2026، معتبرا أن الخطاب سلط الضوء على الكيفية التي استطاع بها المغرب بفضل سياساته واستراتيجياته أن يصبح صاحب دور ريادي على المستوى الإفريقي، مسجلا أن المملكة أصبحت اليوم أول مصدر للسيارات في القارة الإفريقية، بطاقة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا، ما يجعل المغرب ينضم إلى نادي الدول المصغّرة في صناعة السيارات على الصعيد العالمي.

    وفي هذا الإطار، لفت الخبير إلى نقطة اعتبرها جوهرية أثارها جلالة الملك، تتعلق بحاجة هذه المشاريع الكبرى إلى تمويلات، مشددا على أن البلاد في حاجة إلى انخراط أكبر للأبناك والمؤسسات المالية في تمويل هذه الأوراش التنموية.

    البعد الاجتماعي: تعميم الحماية الاجتماعية والعدالة المجالية

    انتقالا إلى البعد الثاني، أوضح رشيد ساري لـ “AM+ MEDIA “، أن جلالة الملك محمد السادس تطرق إلى نقطة جد مهمة تتعلق بالشق الاجتماعي، من خلال التركيز على الحماية الاجتماعية عبر تعميم التغطية الاجتماعية ودعم الفئات الهشة.

    كما لفت المتحدث إلى أن الخطاب الملكي تناول أيضا محور العدالة الاجتماعية والمجالية، وكذا التنمية البشرية، من خلال التأكيد على ضرورة مواصلة تنزيل برامج التنمية الترابية المندمجة لتشمل جميع الجهات دون استثناء.

    وأضاف ساري أن جلالة الملك، حين تحدث عن العدالة المجالية، ركز على ضرورة تقليص الفوارق بين المناطق وضمان شمولية المشاريع التنموية لكل ربوع المملكة، مذكّرا بأن الخطاب لم يغفل الإشارة إلى المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والأدوار المحورية التي تلعبها في هذا المسار.

    البعد المؤسساتي والسياسي: الاستقرار “عملة نادرة” ومكانة دولية متنامية

    وفي محور البعد المؤسساتي والسياسي، أكد رشيد ساري أن جلالة الملك أشار بوضوح إلى الاستقرار السياسي الذي تنعم به المملكة، معتبرا إياه “عملة نادرة” في محيط إقليمي ودولي يطبعه الاضطراب.

    كما تطرق صاحب الجلالة، بحسب تحليل الخبير إلى ضرورة انسجام وتكامل المؤسسات وهو ما من شأنه حسب المتحدث، أن يعزز نجاعة الدولة في مواجهة التحديات والأزمات المختلفة.

    وأضاف ساري أن الخطاب تناول أيضا المكانة الدولية المتنامية التي بات يحتلها المغرب، باعتباره فاعلا اقتصاديا وشريكا موثوقا، وذلك بفضل سياساته الاقتصادية والبنيات التحتية التي يتوفر عليها خاصة على المستوى الصناعي إضافة إلى التنويع الذي يعرفه الاقتصاد الوطني، والذي لم يعد يقتصر على المجالات الصناعية والسياحية والفلاحية فقط بل امتد ليشمل الطاقات المتجددة والتنمية المستدامة، مع الدعوة إلى طرح عروض شراكات جديدة ومتوازنة مع مختلف الشركاء الدوليين.

    مكاسب “تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني

    وشدد رشيد ساري على نقطة اعتبرها ذات بعد استراتيجي عميق في تفكير الدولة، تتمثل في حديث جلالة الملك عن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية التي تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، موضحا أن الأمر يتعلق اليوم بـ”سياسة دولة” بالمعنى الكامل للكلمة.

    وخلص المتحدث في هذا الصدد، إلى أن المغرب في حاجة اليوم إلى أحزاب قوية وحكومة قوية، قادرة على استكمال مسار التنمية الذي جعل المملكة تنضم إلى مصاف الدول الصاعدة.

    وفي ختام تصريحه، أكد رشيد ساري أن ما وصل إليه المغرب من مكتسبات ومنجزات هو نتيجة استراتيجيات ومتابعة دقيقة، أساسها تغليب مصلحة المواطن على المصلحة الشخصية، على غرار ما أشار إليه صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطابه، الذي أكد أنه لم يكن يوما يبحث عن إنجاز أو مكسب شخصي، بل كان همه الأول والأخير هو المواطن المغربي.

  • من الإغاثة إلى الصمود.. فلسفة ملكية لإدارة الأزمات في زمن الجائحة والزلازل والفيضانات

    من الإغاثة إلى الصمود.. فلسفة ملكية لإدارة الأزمات في زمن الجائحة والزلازل والفيضانات

    على امتداد سبعة وعشرين عاما، واجه المغرب سلسلة من الأزمات التي وضعت مؤسساته أمام اختبارات غير مسبوقة، تنوعت بين كوارث طبيعية وأزمات صحية وإنسانية. فمن زلزال الحسيمة سنة 2004 إلى زلزال الحوز سنة 2023، مرورا بفيضانات ضربت عددا من المناطق وجائحة كورونا التي أربكت العالم، برزت إدارة الأزمات كأحد أبرز ملامح تدبير “العهد الجديد” تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس.

    وخلال هذه المحطات، لم يقتصر التدخل الملكي على إصدار التعليمات الاستعجالية، بل اتخذ طابعا ميدانيا ومؤسساتيا، من خلال تفقد المناطق المنكوبة، والإشراف على اجتماعات العمل، وإحداث آليات وصناديق خاصة للدعم، فضلا عن تتبع برامج الإغاثة وإعادة الإعمار، بما كرس استمرارية الدولة وسرعة تعبئة مختلف أجهزتها في مواجهة الأزمات.

    وبمناسبة عيد العرش، تقدم هذه المحطات صورة عن تطور المقاربة الملكية في مواجهة الكوارث، فقد انتقل التدخل تدريجيا من تدبير الوضع الاستعجالي إلى بناء برامج تجمع بين الإنقاذ، والتعويض، وإعادة الإعمار، وتأهيل البنيات الأساسية، مع وضع المواطن المتضرر في صلب القرارات.

    ويبرز من خلال هذا المسار حضور عدد من الثوابت التي طبعت المقاربة الملكية في تدبير الأزمات، في مقدمتها سرعة التعبئة، والتنسيق بين المؤسسات المدنية والعسكرية، وعدم الفصل بين الإغاثة الفورية وإعادة بناء المناطق المنكوبة، إلى جانب تحويل كل أزمة إلى فرصة لإطلاق إصلاحات تعزز جاهزية الدولة لمواجهة المخاطر المستقبلية.

    ولا تعكس هذه المحطات مجرد تعاقب لكوارث واجهها المغرب، بل تكشف عن تطور متواصل في فلسفة إدارة الأزمات، إذ يرى أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض، الحبيب استاتي زين الدين، أن الاحتفال بعيد العرش يشكل مناسبة لاستحضار هذا التحول، حيث انتقلت مقاربة الدولة، خلال ربع قرن، من التركيز على التدخل بعد وقوع الكارثة إلى بناء رؤية متكاملة تقوم على الوقاية والاستجابة والتعافي وإعادة البناء.

     ويضيف أن الخبرات التي راكمها المغرب، من زلزال الحسيمة إلى جائحة كورونا ثم زلزال الحوز، أسهمت في ترسيخ سياسة وطنية لتدبير المخاطر وتعزيز صمود الدولة، معتبرا أن نجاح هذا المسار يظل مرتبطا بفعالية التنفيذ الترابي، وجاهزية المؤسسات، وقدرتها على حماية المواطنين، لا سيما في المناطق الأكثر هشاشة.

    زلزال الحسيمة.. جلالة الملك ينتقل إلى قلب المنطقة المنكوبة

    في الساعات الأولى من يوم 24 فبراير 2004، ضرب زلزال قوي إقليم الحسيمة وخلف مئات الضحايا وخسائر كبيرة في المساكن والتجهيزات، خصوصا في المناطق القروية. وأمام حجم الكارثة، صدرت التعليمات الملكية بتعبئة وسائل الإنقاذ والإسعاف وإيواء الأسر التي فقدت منازلها، قبل أن ينتقل الملك محمد السادس إلى المنطقة لمتابعة التدخلات ميدانيا.

    لم تكن الزيارة الملكية إلى الحسيمة بروتوكولية أو محدودة في الزمن، إذ أعلن آنذاك أن الملك سيقيم بالمنطقة المنكوبة لمواكبة عمليات الإغاثة والوقوف على أوضاع السكان، في خطوة حملت دلالة سياسية وإنسانية واضحة: إدارة الكارثة من القرب والاستماع المباشرة إلى المتضررين.

    وفي 25 مارس 2004، أي بعد شهر تقريبا من وقوع الزلزال، ألقى الملك بالحسيمة خطابا خصص جانبا أساسيا منه لإعادة إعمار المنطقة وتأهيلها، وتجاوز الخطاب منطق إعادة بناء ما تهدم، ليضع تصورا يجمع بين معالجة الحاجيات المستعجلة وإطلاق تنمية هيكلية لمنطقة الريف.

    وأكد الملك خطابه ضرورة إعادة الإسكان والإعمار وفق المعايير اللازمة لمقاومة الزلازل، إلى جانب معالجة مظاهر العجز التي كانت تعاني منها المنطقة في التجهيزات والبنيات والخدمات، ليتحول زلزال الحسيمة من كارثة تتطلب تدخلا استعجاليا إلى مدخل لإعادة التفكير في البناء والتعمير والتنمية المجالية.

    الفيضانات.. الأولوية للإنقاذ وإعادة ربط المناطق المعزولة

    بعد زلزال الحسيمة، واجه المغرب موجات متكررة من الفيضانات، مست عددا من المناطق، خاصة الجنوب والجنوب الشرقي.

    وشكلت فيضانات كلميم ومدن مجاورة في نونبر 2014 واحدة من أكثر هذه المحطات قسوة، بعدما أدت السيول إلى سقوط ضحايا ومحاصرة مواطنين وقطع محاور طرقية.

    أمام الوضع، وتبعا للتعليمات الملكية السامية، جرت تعبئة السلطات المحلية والوقاية المدنية والقوات المسلحة الملكية والدرك الملكي، مع إحداث مركز للطوارئ لتتبع تطورات الوضع بالمناطق المتضررة.

    وأمر الملك محمد السادس بالتكفل بعلاج المصابين، فيما انصبت التدخلات الميدانية على إنقاذ المحاصرين وإجلائهم، وإعادة فتح الطرق، وإيصال المساعدات إلى القرى المعزولة.

    وامتد التدخل إلى مواكبة الأسر المتضررة، خصوصا تلك التي فقدت مساكنها أو مواردها، وإعادة تأهيل بعض البنيات الأساسية.

    ودفعت هذه الكوارث المتكررة إلى تعزيز الاهتمام بمخاطر الفيضانات، وبآليات اليقظة والوقاية، وبتمويل مشاريع حماية المدن والمراكز القروية، إذ تبعا للتوجيهات الملكية السامية، جرى تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، وتسريع إنجاز عدد من مشاريع الحماية من الفيضانات، وتقوية وسائل التدخل والإنقاذ، بما يرفع من جاهزية الدولة لمواجهة الكوارث الطبيعية.

    كورونا.. صندوق ملكي لحماية الصحة والاقتصاد والمجتمع

    مع ظهور جائحة كوفيد-19 سنة 2020، وجد المغرب نفسه أمام أزمة تختلف عن الزلازل والفيضانات، حيث لم تكن الكارثة محدودة في مجال جغرافي يمكن تطويقه، بل بأزمة صحية عالمية أصابت البلاد كلها، وأوقفت جزءا كبيرا من الأنشطة الاقتصادية، وهددت قدرة الأسر على توفير حاجياتها الأساسية.

    وفي 15 مارس 2020، أعطى الملك محمد السادس تعليماته بإحداث صندوق خاص لتدبير جائحة فيروس كورونا، برصيد أولي بلغ 10 مليارات درهم، وتُرجم القرار قانونيا بصدور المرسوم رقم 2.20.269 بتاريخ 16 مارس 2020، لإحداث حساب مرصد لأمور خصوصية يحمل اسم “الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا كوفيد-19”.

    والصندوق أحد أبرز أدوات الاستجابة للأزمة؛ إذ وُجهت موارده إلى تأهيل المنظومة الصحية واقتناء المعدات والأدوية، وإحداث وحدات استشفائية إضافية، ودعم الأسر التي فقدت مداخيلها، إلى جانب مواكبة المقاولات المتضررة والحفاظ على جزء من مناصب الشغل.

    وتحول الصندوق، بعد تبرع جلالة الملك محمد السادس بملياري درهم من حسابه الخاص، إلى إطار واسع للتضامن الوطني، بعد مساهمة مؤسسات عمومية وخاصة ومواطنين فيه، لتتحول مواجهة الوباء من مسؤولية القطاع الصحي وحده، إلى تعبئة وطنية جمعت بين القرار العمومي والتضامن المجتمعي.

    وإلى جانب الصندوق، أعطى الملك تعليماته للقوات المسلحة الملكية بإقامة مستشفيات ميدانية، ووُضعت الإمكانات الطبية العسكرية رهن إشارة المنظومة الصحية، كما ترأس جلسات عمل لتتبع الوضع الوبائي وتأمين احتياجات البلاد من الأدوية والمعدات واللقاحات.

    ويعتبر الحبيب استاتي زين الدين أن جائحة كورونا شكلت منعطفا نوعيا في تطور المقاربة الملكية، لأنها لم تكن أزمة صحية فحسب، بل مست مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

    ويوضح أن ما ميز التجربة المغربية هو السعي إلى تحقيق توازن بين حماية الحق في الحياة، وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.

    ويرى المتحدث عينه أن إحداث الصندوق الخاص بتدبير الجائحة لم يكن مجرد آلية مالية استثنائية، بل جسد تصورا يربط الأمن الصحي بالأمن الاقتصادي والاجتماعي، بعدما وفر الدعم للمنظومة الصحية، وساهم في مواكبة الأسر والأجراء والمقاولات، محولا التضامن إلى سياسة عمومية مؤسساتية.

    من تأمين اللقاح إلى البحث عن السيادة الصحية

    لم تقتصر المقاربة الملكية خلال جائحة كورونا على تدبير الإصابات اليومية، بل اتجهت مبكرا إلى تأمين اللقاحات للمغاربة، إذ أعطى جلالة الملك محمد السادس في 28 يناير 2021، الانطلاقة الفعلية للحملة الوطنية للتلقيح، بعد تلقيه الجرعة الأولى بالقصر الملكي في فاس.

    وجاءت الحملة مجانية لجميع المواطنين، وفق التعليمات الملكية، وجرى توسيعها تدريجيا لتشمل مختلف الفئات العمرية والمهنية، ليمكن الإعداد المبكر من إطلاق التلقيح في مرحلة كانت فيها دول كثيرة تواجه صعوبات في الوصول إلى الجرعات.

    غير أن الدرس الذي استخلصه المغرب من الجائحة لم يتوقف عند ضرورة اقتناء اللقاح، بل امتد إلى تقليص التبعية للخارج في المواد الطبية الحيوية، عبر إطلاق مشاريع لتطوير القدرة الوطنية على تصنيع اللقاحات والأدوية، باعتبار السيادة الصحية جزءا من الأمن الاستراتيجي للمملكة.

    وهكذا تحولت أزمة كورونا إلى نقطة انطلاق لإصلاحات أوسع، شملت تقوية المنظومة الصحية، وتسريع ورش تعميم الحماية الاجتماعية، وإعادة طرح قضية المخزون الاستراتيجي، والصناعة الدوائية، وقدرة الدولة على حماية الفئات التي تفقد دخلها في الظروف الاستثنائية.

    زلزال الحوز.. جلسة عمل في اليوم التالي للكارثة

    ليلة 8 شتنبر 2023، ضرب زلزال عنيف منطقة الحوز وامتدت آثاره إلى أقاليم مراكش وشيشاوة وتارودانت وورزازات.

    وتسببت الطبيعة الجبلية للمناطق المتضررة في تعقيد عمليات الوصول إلى عدد من الدواوير، بعد انهيار الطرق أو انقطاعها.

    في اليوم التالي مباشرة، 9 شتنبر 2023، ترأس الملك محمد السادس، مرفوقا بولي العهد الأمير مولاي الحسن، جلسة عمل خصصت لتدارس الوضع، وتم خلالها أمام الملك عرض آخر المعطيات المتعلقة بالمناطق المتضررة والإجراءات المتخذة للوصول إلى الدواوير المعزولة وإنقاذ الضحايا.

    وأصدر الملك تعليماته لتعزيز وسائل وفرق البحث والإنقاذ، وتسريع إجلاء الجرحى، وتوفير مياه الشرب والمواد الغذائية والخيام والأغطية، مع مواصلة فتح الطرق وإعادة شبكات الكهرباء والاتصالات.

    وشملت التعليمات التكفل الفوري بالأشخاص الذين فقدوا مساكنهم، خصوصا الأطفال والفئات الهشة، وإحداث لجنة وزارية لوضع برنامج استعجالي لإعادة التأهيل.

    كما أعطيت التعليمات للقوات المسلحة الملكية بنشر وسائل بشرية ولوجستية مهمة، وإقامة مستشفيات طبية جراحية ميدانية، وتسخير الطائرات والمروحيات لنقل الجرحى والمساعدات إلى المناطق التي تعذر بلوغها عبر الطرق.

    زيارة المصابين وتبرع ملكي بالدم

    وفي 12 شتنبر 2023، انتقل الملك محمد السادس إلى المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بمراكش، حيث زار المصابين الذين كانوا يتلقون العلاج عقب الزلزال واطلع على ظروف التكفل بهم.

    وخلال الزيارة، تبرع الملك بالدم، في خطوة حملت رمزية قوية وساهمت في دعم موجة التضامن التي عرفتها مختلف مدن المملكة، حيث توجه آلاف المواطنين إلى مراكز تحاقن الدم للمساهمة في إنقاذ المصابين.

    وأظهرت الزيارة أن المتابعة الملكية لم تقتصر على الاجتماعات الرسمية، بل انتقلت إلى المستشفى والاحتكاك المباشر بالمصابين والأطر الصحية، كما شكلت امتدادا للنهج الذي ظهر عقب زلزال الحسيمة، والقائم على الحضور الميداني في قلب الأزمة.

    14 شتنبر.. دعم شهري وتعويضات مباشرة لإعادة البناء

    بعد خمسة أيام من جلسة العمل الأولى، ترأس الملك في 14 شتنبر 2023 بالقصر الملكي في الرباط اجتماعا ثانيا، خصص لتفعيل البرنامج الاستعجالي لإعادة إيواء المتضررين والتكفل بالفئات الأكثر تضررا.

    وأقر الاجتماع تقديم مساعدة استعجالية بقيمة 30 ألف درهم لكل أسرة متضررة، تُصرف على مدى سنة بمعدل 2500 درهم شهريا. كما تم تحديد مساعدات مباشرة قدرها 140 ألف درهم لإعادة بناء المسكن المنهار كليا، و80 ألف درهم لتأهيل المسكن المنهار جزئيا.

    وشددت التوجيهات الملكية على ضرورة تنفيذ عمليات إعادة البناء وفق دفاتر تحملات تراعي الخصائص المعمارية والاجتماعية للمناطق، وتحترم معايير مقاومة الزلازل. كما شملت التدابير التكفل الفوري بالأطفال اليتامى الذين فقدوا أسرهم، وإحصاء المتضررين بدقة، وتأهيل المدارس والمراكز الصحية والبنيات الأساسية.

    وبذلك انتقل التدخل، في أقل من أسبوع، من مرحلة البحث عن الناجين وإيواء السكان إلى وضع آلية مالية واضحة للتعويض وإعادة البناء، وهو ما يعكس أهمية جلسات العمل الملكية في تقليص الزمن الفاصل بين تشخيص الأزمة واتخاذ القرار.

    20  شتنبر.. 120 مليار درهم لإعادة إعمار وتنمية ستة أقاليم

    في 20 شتنبر 2023، ترأس الملك جلسة عمل ثالثة خصصت لبرنامج إعادة البناء والتأهيل العام للمناطق المتضررة لنقل التدبير إلى مستوى أوسع من الإغاثة وإعادة المساكن.

    وحدد البرنامج ميزانية تقديرية بلغت 120 مليار درهم على مدى خمس سنوات، واستهدف ساكنة تقدر بنحو 4.2 ملايين نسمة في ستة أقاليم وعمالات هي الحوز، مراكش، شيشاوة، تارودانت، ورزازات وأزيلال.

    وقام البرنامج على محورين؛ الأول خصص لإعادة بناء المساكن وتأهيل البنيات التحتية المتضررة وفك العزلة، والثاني استهدف وضع مخطط لتنمية مناطق الأطلس الكبير، من خلال دعم الأنشطة الاقتصادية، وتأهيل المرافق والخدمات، وتحسين الجاذبية المجالية.

    وتكشف هندسة هذا البرنامج أن الرؤية الملكية لم تنظر إلى الزلزال باعتباره ملفا تقنيا يقتصر على إصلاح المساكن المتضررة، بل باعتباره فرصة لمعالجة اختلالات تنموية كانت قائمة قبل الكارثة، إذ لم يكن الهدف إعادة القرى إلى وضعها السابق، وإنما تحسين شروط العيش، وفك العزلة، وتأهيل البنيات والخدمات الأساسية.

    وفي هذا السياق، يؤكد أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض، الحبيب استاتي زين الدين، أن تجربة زلزال الحوز عكست مستوى متقدما في تطور إدارة الأزمات بالمغرب، من خلال سرعة الانتقال من مرحلة الإنقاذ والإيواء إلى إعادة البناء والتأهيل الشامل.

    ويوضح أن جلسات العمل الملكية أسهمت في تقليص الزمن الفاصل بين وقوع الزلزال واتخاذ القرار، عبر توحيد تشخيص الوضع وتحديد الأولويات والآجال قبل إطلاق برامج التعويض وإعادة الإعمار، معتبرا أن القيمة الحقيقية لهذه المقاربة لا تكمن فقط في سرعة اتخاذ القرار، بل في قدرتها على تحويل الخبرة المتراكمة إلى مؤسسات وسياسات دائمة، تجعل من إعادة الإعمار مدخلا للتنمية وتعزيز صمود المجالات الترابية.

    الصندوق رقم 126.. التضامن يتحول إلى آلية مؤسساتية

    بموازاة برنامج إعادة البناء، أحدث الحساب الخاص رقم 126 لتدبير الآثار المترتبة على زلزال الحوز، وفتح أمام المساهمات التضامنية للمؤسسات والمقاولات والمواطنين.

    حيث ساهم الملك محمد السادس بمبلغ مليار درهم في الصندوق، من ماله الخاص، في خطوة عززت التعبئة الوطنية وشجعت مختلف الفاعلين على الانخراط في تمويل جهود الإعمار.

    وقد مكن الصندوق من تجميع الموارد وتوجيهها نحو البرامج المخصصة للمتضررين، وأكد مرة أخرى حضور الصناديق الاستثنائية باعتبارها إحدى أدوات التدبير الملكي للأزمات؛ من صندوق كورونا الذي جمع بين حماية الصحة ودعم المجتمع والاقتصاد، إلى صندوق الزلزال الموجه إلى الإيواء وإعادة الإعمار.

    من آسفي إلى الغرب واللوكوس.. توجيهات ملكية تقود الإغاثة وإعادة الإعمار

    شهدت مدينة آسفي يوم 14 دجنبر 2025 تساقطات مطرية استثنائية خلفت أضرارا بعدد من الأحياء والبنيات التحتية. وفي إطار العناية الملكية الموصولة بالمواطنين، وتنفيذا للتعليمات السامية للملك محمد السادس، أُطلق برنامج استعجالي لإعادة تأهيل المناطق المتضررة، مع تعبئة مختلف القطاعات للتدخل السريع وإصلاح التجهيزات الأساسية.

    وبعد أسابيع، عرفت مناطق الغرب واللوكوس خلال يناير وفبراير 2026 فيضانات قوية استدعت تعبئة شاملة، حيث جرى، بتوجيهات ملكية سامية، تسخير القوات المسلحة الملكية، والسلطات الترابية، والوقاية المدنية، والدرك الملكي، لتنفيذ عمليات الإنقاذ والإجلاء، وتأمين مراكز الإيواء، وإيصال المساعدات إلى المتضررين.

    وفي تجسيد للرؤية الملكية التي تجعل مواكبة المتضررين جزءا من تدبير الأزمات، لم تقتصر التوجيهات الملكية على مرحلة الإغاثة، بل شملت إطلاق برنامج استثنائي لإعادة إعمار وتأهيل المناطق المتضررة بغلاف مالي ناهز 3 مليارات درهم، خُصص لإصلاح البنيات الأساسية، وتعويض الأسر، ودعم الأنشطة الاقتصادية والفلاحية.

    وتندرج هذه الإجراءات ضمن المقاربة الملكية الرامية إلى الانتقال من التدخل الاستعجالي إلى إعادة الإعمار والتنمية، بما يضمن حماية المواطنين، واستعادة الحياة الطبيعية، وتعزيز صمود المجالات الترابية في مواجهة الكوارث.

    من تدبير الأزمات إلى بناء دولة أكثر صمودا

    من زلزال الحسيمة إلى زلزال الحوز، ومن الفيضانات إلى جائحة كورونا، تكشف مختلف هذه المحطات أن تدبير الأزمات في المغرب يقوم على رؤية ملكية استباقية لا تقتصر على مواجهة تداعيات الكارثة، بل تمتد إلى بناء مقومات الصمود وتعزيز جاهزية الدولة للمستقبل، فالتوجيهات الملكية كانت تنطلق منذ الساعات الأولى للأزمة، قبل أن تترجم إلى برامج للإغاثة، وصناديق للدعم، ومشاريع لإعادة الإعمار والتنمية.

    ولم يقتصر هذا النهج على اتخاذ القرار من داخل المؤسسات، بل برز أيضا في الحضور الميداني للملك محمد السادس، من خلال زيارة المناطق المنكوبة، والاطلاع المباشر على أوضاع المتضررين، وزيارة الجرحى بالمستشفيات، وهو ما أضفى بعدا إنسانيا على تدبير الأزمات، وجعل المواطن في صلب الاهتمام إلى جانب سرعة التدخل وفعالية المؤسسات.

    وبمناسبة عيد العرش، تعكس هذه المحطات جانبا من المشروع الملكي الذي يجمع بين الرؤية بعيدة المدى والبعد الإنساني، حيث لا يقاس نجاح التدخل فقط بحجم الإمكانات المرصودة، بل بمدى قدرة الدولة على حماية مواطنيها، واستعادة الحياة بالمناطق المتضررة، وتحويل كل أزمة إلى فرصة لتعزيز جاهزية المغرب وصمود مؤسساته ومجتمعه.

    بعد دولي.. من حماية الداخل إلى إغاثة الخارج

    لم تقتصر المقاربة الملكية في تدبير الأزمات على مواجهة الكوارث داخل المغرب، بل امتدت إلى ترسيخ ثقافة التضامن الدولي مع الدول الصديقة، ففي 18 شتنبر 2024، وبتعليمات من الملك محمد السادس، شاركت القوات المسلحة الملكية في إخماد حرائق الغابات التي اجتاحت البرتغال، عبر إرسال طائرتين من نوع “كانادير” وطائرة دعم لوجستي، إلى جانب أربعة أطقم جوية وفريق تقني.

    واندرجت هذه المهمة ضمن تعاون متواصل، بعدما سبق للطائرات المغربية أن شاركت في عمليات مماثلة بالبرتغال سنتي 2016 و2017.

    وجسد المغرب هذا النهج أيضا خلال الفيضانات التي ضربت منطقة فالنسيا الإسبانية عقب إعصار “دانا” في 29 أكتوبر 2024، والذي خلف أكثر من 220 قتيلا وخسائر مادية واسعة.

    وتنفيذاً للتعليمات الملكية السامية للملك محمد السادس، انطلقت في 12 نونبر 2024 عملية إغاثة شملت إرسال 70 عنصرا من فرق التدخل إلى إسبانيا، مدعومين بـ24 شاحنة وآلية متخصصة لإزالة الأوحال والأنقاض وفتح الطرق، في واحدة من أكبر عمليات الدعم الدولي التي شهدتها إسبانيا عقب الكارثة.

    وتعكس هذه المحطات أن المقاربة الملكية في تدبير الأزمات لم تعد تقتصر على حماية المواطنين داخل المملكة، بل أصبحت تمتد إلى دعم الدول الصديقة عند مواجهة الكوارث الطبيعية.

  • خليد حاتيمي: لـ”AM+ MEDIA”: الخطاب الملكي يؤسس لاقتصاد السيادة ويكرس مفهوم استمرارية الدولة

    خليد حاتيمي: لـ”AM+ MEDIA”: الخطاب الملكي يؤسس لاقتصاد السيادة ويكرس مفهوم استمرارية الدولة

    لم يأتِ الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش لعرض حصيلة اقتصادية واجتماعية فحسب، بل حمل ملامح مرحلة جديدة في النموذج التنموي المغربي، قوامها الانتقال من منطق تدبير النمو إلى بناء اقتصاد أكثر سيادة وقدرة على المنافسة والصمود في عالم يتجه نحو إعادة تشكيل موازين الاقتصاد العالمي.

    وفي قراءة لمضامين الخطاب، أكد عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، خليد حاتيمي، في تصريح لـ”AM+ MEDIA”، أن الرسالة الأساسية التي حملها الخطاب تتمثل في أن المغرب لم يعد يراهن فقط على تحقيق نسب نمو ظرفية، وإنما يعمل على بناء اقتصاد يستند إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تجعل من الاستقرار، والسيادة الاقتصادية، والابتكار، واستمرارية الدولة، ركائز أساسية للتنمية.

    ويرى حاتيمي أن الرسالة المركزية للخطاب الملكي ترتكز على ثلاثة مرتكزات استراتيجية مترابطة؛ أولها تعزيز السيادة الوطنية في القطاعات الحيوية والاستراتيجية، وثانيها تنويع الاقتصاد الوطني والانتقال نحو صناعات المستقبل القادرة على خلق الثروة ورفع القدرة التنافسية، وثالثها بناء دولة اجتماعية قوية تضمن العدالة الاجتماعية والعدالة المجالية.

    ويؤكد أن هذه المرتكزات لا تُطرح كأوراش منفصلة، بل كعناصر متكاملة ضمن رؤية ملكية واحدة تروم ترسيخ مكانة المغرب كقوة إقليمية صاعدة وتحقيق تنمية شاملة ومستدامة.

    وفي هذا السياق، يرى حاتيمي أن افتتاح الخطاب بالحديث عن الأمن والاستقرار لم يكن اعتباطياً، بل يعكس إدراكاً بأن الاستقرار أصبح اليوم رأسمالاً اقتصادياً لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية أو المالية، خاصة في ظل بيئة دولية تتسم بتزايد المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية.

    ويبرز المتحدث ذاته أن التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، جعلت الاستقرار السياسي والمؤسساتي عملة نادرة، وهو الأمر الذي يشكل أحد أهم عناصر قوة الدولة المغربية، مردفا أن “الاستثمار اليوم يبحث قبل كل شيء عن وضوح الرؤية ونجاعة المؤسسات، ما يجعل الاستقرار الذي ينعم به المغرب رصيداً استراتيجياً يعزز جاذبيته الاقتصادية”.

    ويضيف أن الخطاب لا يكتفي بإبراز أهمية الاستقرار، بل يربطه مباشرة بقدرة الدولة على تدبير الأزمات، معتبراً أن ما راكمه المغرب خلال السنوات الماضية من إصلاحات واستثمارات استراتيجية هو الذي مكنه من تعزيز مناعته في مواجهة التقلبات.

    وقال بهذا الصدد: “أثبتت مواجهة الأزمات بالمملكة، سواء المرتبطة بالتقلبات المناخية أو بالتحولات الاقتصادية الدولية، صواب الرؤية الاستراتيجية للمغرب، التي جعلت من السيادة الوطنية ركيزة للتنمية. فبفضل الاستثمارات المتراكمة في الأمن الغذائي والدوائي، والطاقات المتجددة، والبنية التحتية، والأمن السيبراني، والصناعات الدفاعية، والهيدروجين الأخضر، أصبح المغرب أكثر قدرة على مواجهة الأزمات واستشراف المستقبل. ويقوم هذا المسار على التشخيص الدقيق، والاستشراف، والتدرج في التنفيذ، والمواكبة المستمرة، في إطار رؤية سيادية بعيدة المدى”.

    ويعتبر حاتيمي أن الخطاب الملكي السامي يعلن أيضاً عن انتقال الاقتصاد المغربي إلى مرحلة جديدة، لم يعد فيها الرهان مقتصراً على استقطاب الاستثمارات، بل أصبح موجهاً نحو نقل التكنولوجيا، وتوطين المعرفة، وبناء صناعات المستقبل، باعتبارها المدخل الحقيقي لتعزيز السيادة الاقتصادية.

    ولفت عضو المكتب السياسي لـ”البام” أن التحول الاقتصادي الحقيقي يبدأ بنقل التكنولوجيا وتوطين الخبرة، لبناء صناعات المستقبل، وتعزيز السيادة الصناعية، وترسيخ ريادة المغرب إقليمياً وقارياً”.

    ويؤكد أن المؤشرات التي استعرضها الخطاب تعكس نجاح هذا التحول، بعدما أصبحت الصناعات ذات القيمة المضافة العالية تقود الاقتصاد الوطني وتمنحه قدرة أكبر على المنافسة في الأسواق الدولية.

    ويرى خليد حاتيمي أن “نجاح المغرب في بناء صناعات السيارات والطيران والبطاريات والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر يعكس وضوح الرؤية الاستراتيجية للمملكة، القائمة على مبدأين أساسيين: السيادة الاقتصادية وتنويع الاقتصاد، باعتبارهما أساساً لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الريادة الإقليمية والقارية”.

    وفيما يتعلق بصعود المغرب ليصبح أول مصدر للسيارات في إفريقيا، بقدرة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا، وتجاوز صادرات قطاعات السيارات والطيران، 40 بالمئة من إجمالي الصادرات، متقدمة في ذلك على الفوسفاط، وفق ما جاء في خطاب العرش، أوضح حاتيمي أن “الفوسفاط لم يعد وحده قاطرة الصادرات المغربية؛ في دليل واضح على نجاح المغرب في بناء اقتصاد متنوع، قائم على الصناعات ذات القيمة المضافة العالية”.

    وفي المقابل، يشدد حاتيمي على أن الخطاب الملكي لم يفصل بين التنمية الاقتصادية والبعد الاجتماعي، بل قدم تصوراً يعتبر أن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال اقتصاد قوي قادر على إنتاج الثروة وتوفير فرص الشغل.

    وزاد موضحا ألا “دولة اجتماعية بدون دولة اقتصادية قوية، فخلق الثروة هو المدخل إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والعدالة المجالية، وهو ما يعكس الترابط الاستراتيجي بين الأولويات في الرؤية التنموية للمملكة”.

    وفي الإطار نفسه، يرى المتحدث أن الخطاب وجه رسالة واضحة إلى القطاع المالي، باعتباره شريكاً رئيسياً في إنجاح المرحلة المقبلة، داعياً إلى تطوير آليات التمويل بما يواكب التحولات الاقتصادية العالمية ويستجيب لحاجيات الاستثمار.

    واسترسل شارحا أن “اقتصاد المستقبل لا يُبنى بآليات تمويل الأمس، لذلك دعا الخطاب الملكي السامي إلى قطاع مالي أكثر جرأة في تمويل الاستثمار، وأكثر استعداداً لتقاسم المخاطر، بما يفرض انخراطاً أقوى للقطاع البنكي في مواكبة المقاولات، خاصة الصغرى والمتوسطة، والانتقال من منطق الضمانات إلى منطق الثقة وخلق القيمة”، لافتا إلى أن “المرحلة المقبلة تتطلب حلولاً مالية أكثر ابتكاراً، قادرة على تعبئة الادخار الوطني، وإنعاش الأسواق المالية، وتمويل الابتكار والتصنيع والتصدير”.

    ويرى حاتيمي أن من أهم الرسائل التي حملها الخطاب الملكي ترسيخ مفهوم استمرارية الدولة، باعتباره أحد أسرار النموذج المغربي في تحقيق التراكم التنموي، بعيداً عن منطق تدبير الولايات الحكومية المتعاقبة.

    ولفت في هذا السياق أن خصوصية النموذج المغربي تكمن في الجمع بين الديمقراطية واستمرارية الدولة؛ فالزمن السيادي يرسم الرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد، بينما تضطلع الحكومات بتنفيذ مراحلها، لذلك فالمنجزات الوطنية ليست حصيلة حكومة بعينها، بل هي نتاج تراكمات وسياسات مخطط لها تتجاوز الولاية الحكومية. فالدولة المغربية تسير وفق بوصلة استراتيجية ثابتة، ضامنها جلالة الملك، وهو ما يمنح المشاريع الكبرى استمراريتها ويعزز الثقة في المستقبل”.

    ويخلص الخبير الاقتصادي خليد إلى أن الخطاب الملكي يقدم رؤية استراتيجية للمرحلة المقبلة، تقوم على ترابط السيادة الوطنية، والتصنيع، والابتكار، والتمويل، والدولة الاجتماعية، باعتبارها ركائز متكاملة لنموذج تنموي أكثر تنافسية واستدامة.

    ويرى عضو المكتب السياسي لحزب “الأصالة والمعاصرة” أن نجاح هذه الرؤية يقتضي مواصلة الإصلاحات، وتعزيز القدرة الإنتاجية الوطنية، وترسيخ اقتصاد قادر على خلق القيمة المضافة وفرص الشغل، بما يدعم تموقع المغرب كفاعل اقتصادي إقليمي وقاري، ويعزز قدرته على التكيف مع التحولات الدولية وتحويلها إلى فرص للتنمية.

  • من النمو إلى السيادة.. خطاب العرش يُحدِّد محركات المرحلة التنموية المقبلة

    من النمو إلى السيادة.. خطاب العرش يُحدِّد محركات المرحلة التنموية المقبلة

    وضع جلالة الملك محمد السادس الاستحقاقات الانتخابية المقبلة في سياق أوسع من مجرد التداول الحكومي، معلنا التطلع إلى إطلاق دورة جديدة في المسار التنموي للمغرب، تقوم على تحصين المكتسبات ومواصلة الإصلاحات الكبرى، بالتوازي مع تعزيز السيادة الوطنية وتوسيع استفادة مختلف الفئات والمجالات الترابية من ثمار النمو.

    ولم يقدم خطاب الذكرى الـ27 لاعتلاء الملك عرش أسلافه الميامين الانتخابات التشريعية المقبلة، المقررة في 23 شتنبر، باعتبارها محطة سياسية معزولة، بل ربطها بانطلاق مرحلة جديدة في المسار التنموي للمملكة، تستند، بحسب منطوق الخطاب الملكي، إلى ما راكمه المغرب خلال السنوات الماضية من مكتسبات اقتصادية واجتماعية، وتتطلع في الوقت نفسه إلى تسريع المشاريع والإصلاحات الكبرى بعد انبثاق حكومة جديدة.

    وفي هذا السياق، قال جلالة الملك في الخطاب الذي وجهه إلى شعبه الوفي مساء اليوم الأربعاء، إننا “نتطلع، بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، وانبثاق حكومة جديدة، لإطلاق دورة جديدة في مسارنا التنموي، شعارها تحصين المكاسب، ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى”.

    ويكشف هذا التوجيه أن المرحلة المقبلة ستقوم على منطق الاستمرارية الاستراتيجية، مع منح الحكومة والبرلمان المقبلين مسؤولية تحويل التوجهات الكبرى إلى سياسات عمومية ونتائج ملموسة، إذ شدد جلالته على أن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية “تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني”، باعتبارها حصيلة تراكمات متوالية واختيارات استراتيجية للدولة.

    وتؤكد ياسمين حسناوي، الأستاذة بجامعة الحسن الأول بسطات والمتخصصة في قضايا شمال إفريقيا، أن الخطاب الملكي يشكل خطابا للتثبيت والاستشراف في آن واحد، إذ لم يكتف جلالة الملك محمد السادس باستعراض حصيلة المنجزات، بل أكد أن الاختيارات الاستراتيجية التي تبناها منذ أكثر من ربع قرن بدأت تؤتي ثمارها بشكل ملموس مما يعزز مكانة المملكة إفريقيا ودوليا”.

    الاستقرار أساس الصعود الاقتصادي

    واحتل مفهوم السيادة الوطنية موقعا مركزيا في الخطاب الملكي، إذ جرى تقديم الصعود الاقتصادي للمغرب باعتباره أكثر من مجرد تحسن في مؤشرات النمو أو ارتفاع في حجم الاستثمارات، حيث أصبح المسار الاقتصادي، وفق الرؤية التي عرضها جلالة الملك، أداة لتعزيز استقلالية القرار الوطني وتقوية قدرة المملكة على مواجهة التقلبات والأزمات الدولية.

    وأكد الملك أنه “بفضل الأمن والاستقرار، ونجاعة المؤسسات، تتزايد المؤشرات الإيجابية، التي تعرفها مختلف القطاعات، بما يعزز مسار الصعود الاقتصادي، ويقوي السيادة الوطنية”.

    ويقوم هذا التصور على علاقة مترابطة بين الاستقرار السياسي والمؤسساتي من جهة، وتحسين جاذبية الاقتصاد الوطني من جهة ثانية، إذ اعتبر العاهل المغربي أن المملكة تمكنت من ترسيخ مكانتها باعتبارها فاعلا دوليا موثوقا وشريكا مطلوبا، بما يسمح لها بتنويع شراكاتها وطرح عروض تعاون جديدة تقوم على التوازن والتوجه نحو المستقبل.

    وتتأكد هذه الرؤية في ظل سياق عالمي وصفه الخطاب بعودة السياسات الحمائية وتزايد الاهتمام بتأمين سلاسل التوريد والإنتاج، ما دفع المغرب إلى جعل تقوية السيادة الوطنية والاكتفاء الاستراتيجي محورا للتنمية الصناعية، خصوصا في القطاعات المرتبطة بالأمن الغذائي والدوائي والطاقي والدفاعي.

    وتوضح الأستاذة الجامعية في هذا السياق، أن خطاب العرش لسنة 2026 يرتكز على ثلاثة رسائل أساسية، هي أن الاستقرار أساس التنمية، والسيادة بمختلف أبعادها أصبحت محورا رئيسيا لسياسات العمومية، وأخرها أن التصنيع والابتكار والاقتصاد الأخضر تمثل المحركات الجديدة للنمو الاقتصادي.

    وأبرزت حسناوي أن الخطاب الملكي يقدم صورة لمغرب واثق من إمكانياته، ويراهن على الاستثمار في الإنسان، ويعزز مكانته كقوة إقليمية صاعدة، ليس فقط بالمنجزات الاقتصادية، ولكن أيضا عبر استراتيجية بعيدة المدى، تجمع بين التنمية والسيادة والانفتاح على العالم.

    اقتصاد وطني صاعد متعدد الرافعات

    وقدم الخطاب مجموعة من المؤشرات التي تعكس، وفق منطوقه، تحولا تدريجيا في بنية الاقتصاد المغربي، إذ أشار جلالة الملك إلى بلوغ نسبة النمو نحو 4.9 في المئة خلال سنة 2025، مع توقع بلوغ المعدل نفسه أو تجاوزه في سنة 2026، بالتزامن مع موسم فلاحي جيد وتساقطات مطرية ساهمت في تعزيز الأمنين المائي والغذائي.

    غير أن أبرز ملامح التحول الاقتصادي تظهر في صعود قطاعات صناعية جديدة أصبحت تحتل موقعا متقدما داخل النسيج الإنتاجي الوطني، إذ أضحت السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية، بحسب الخطاب، ركائز أساسية لجذب الاستثمارات الخارجية وخلق الثروة وفرص الشغل.

    وأشار جلالة الملك إلى أن المغرب أصبح أول مصدر للسيارات في إفريقيا، بقدرة إنتاجية تقترب من مليون سيارة سنويا، فيما أضحت صادرات قطاعي السيارات والطيران تمثل أكثر من 40 في المئة من إجمالي الصادرات، متقدمة على صادرات الفوسفاط.

    وتؤشر هذه المعطيات على انتقال الاقتصاد الوطني من الاعتماد الكبير على القطاعات والمنتجات التقليدية إلى قاعدة إنتاجية أكثر تنوعا وارتباطا بالصناعات العالمية، في وقت يشكل إطلاق مصانع متخصصة في صناعة محركات الطائرات وأنظمة هبوطها يضع المغرب، وفق الخطاب، داخل دائرة محدودة من الدول التي تتوفر على مراكز صناعية متقدمة في هذا المجال.

    وفي الاتجاه نفسه، يراهن المغرب على الطاقات المتجددة لتقوية أمنه الطاقي وجذب الصناعات الباحثة عن طاقة تنافسية وخالية من الكربون، في إطار تنزيل “عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر”.

    وترى ياسمين حسناوي في هذا أن الخطاب الملكي أبرز بوضوح أن المغرب لم يعد يعتمد فقط على الفلاحة أو الفوسفاط فقط، بل أصبح اقتصادا صناعيا تكنولوجيا، يتجه نحو الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، مشيرة إلى أن هذا التوجه حول المغرب إلى أول مصدر للسيارات في إفريقيا.

    وذكرت في السياق ذاته قطاع الطيران، إذ لم يعد المغرب يكتفي بتصنيع الأجزاء البسيطة، بل أصبح يساهم في صناعة بعض أجزاء محركات الطائرات وأنظمة الهبوط، ما يعكس انتقال الصناعة المغربية إلى مستويات تكنولوجية متقدمة.

    وسجلت الأكاديمية ذاتها أن جلالة الملك محمد السادس أولى عناية خاصة لـ”مفهوم السيادة الوطنية، ليس بمعناها الترابي فقط، وإنما أيضا السيادات الصناعية والغذائية والدوائية والطاقية والتكنولوجية”، مبرزة أن بلادنا عملت على تطوير الصناعات الدوائية والغذائية من أجل تقليص الاعتماد على الخارج، خاصة بعد الدروس التي تعلمناها من جائحة كوفيد والأزمات الدولية.

    وأكدت حسناوي أن الخطاب الملكي تحدث أيضا عن تطوير قاعدة صناعية وطنية في مجال الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني، مشيرة إلى أنه أمر “يعكس رؤية استراتيجية تروم تعزيز السيادة التكنولوجية للمغرب وتنويع الشراكات مع الدول الرائدة في هذا المجال”.

    التحدي الاجتماعي والترابي

    على الرغم من الحضور القوي للمؤشرات الاقتصادية والصناعية، لم يفصل الخطاب الملكي السامي بين النمو الاقتصادي والبعد الاجتماعي، إذ أكد جلالة الملك مواصلة تنزيل برامج التنمية البشرية وتعميم الحماية الاجتماعية، بهدف تحسين ظروف عيش المغاربة وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية.

    وفي هذا الإطار، شدد الملك على “ضرورة التنزيل الفعال لبرامج التنمية الترابية المندمجة”، مع الحرص على أن تشمل جميع المناطق والجهات دون استثناء.

    وتوضح الأستاذة الجامعية أن خطاب الذكرى الـ27 لعيد العرش حمل شقا اجتماعيا مهما، لأن جلالة الملك محمد السادس أكد أن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تكتمل إلا إذا انعكست بشكل مباشر على حياة المواطنين.

    وأضافت ياسمين حسناوي أن جلالته شدد على “ضرورة مواصلة تعميم الحماية الاجتماعية، والتغطية الصحية الإجبارية والدعم الاجتماعي المباشر، إلى جانب الاستثمار في الصحة والتعليم وأيضا تقليص الفوارق المجالية بين مختلف جهات المملكة”.

    من تلقي العروض إلى صناعة الشراكات.. المغرب شريك موثوق

    ولم يفت الخطاب الملكي إبراز التحول الذي عرفه موقع المغرب داخل محيطه الدولي، إذ لم تعد المملكة تقدم نفسها فقط باعتبارها بلدا مستقرا وجاذبا للاستثمارات، بل فاعلا اقتصاديا يمتلك القدرة على بناء شراكات متوازنة، وصياغة مبادرات تعاون مرتبطة بالتحولات الدولية الكبرى.

    وأكد جلالة الملك محمد السادس أن المغرب تمكن من “ترسيخ مكانته كفاعل دولي موثوق، ومحترم ومسموع”، مضيفا أن المملكة أصبحت “فاعلا اقتصاديا مهما، وشريكا مطلوبا، في إطار شراكات جديدة ومتوازنة، متوجهة نحو المستقبل”.

    ويشير الخطاب إلى انتقال المغرب من موقع المتلقي لعروض التعاون إلى موقع الشريك المبادر، القادر على مساءلة شركائه “بكل ثقة ووضوح”، وتقديم عروض شراكة بناءة ومبادرات تعاون واعدة بشأن القضايا الثنائية والدولية الكبرى.

    هذا التحول، وفق الأستاذة الجامعية المتخصصة في قضايا شمال إفريقيا، يعكس ارتفاع القيمة الاستراتيجية للمملكة، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن تطور قاعدتها الصناعية والطاقية والمالية والسياحية.

    وتوضح في هذا السياق أن خطاب العرش أكد أن المغرب أصبح شريكا موثوقا، ويحظى بالاحترام على الساحة الدولية، ويتجلى ذلك في تعزيز وتنويع الشراكات الدولية، وتقوية العلاقات مع فرنسا أمريكا ودول الخليج وإسبانيا، ودول أخرى، إلى جانب الحضور الاقتصادي المتزايد في البلدان الإفريقية، مشيرة إلى أن دول مثل فرنسا أصبحت تعول على المغرب لمساعدتها لربط علاقات مع الدول الإفريقية، نظرا للوزن الاقتصادي القوي للملكة في القارة.

    وأبرزت الدكتورة ياسمين حسناوي أن هذا التوجه والثقة الدولية في المغرب، حسبها، يندرجان أيضا ضمن مبادرة الملك لتمكين دول الساحل لولوج المحيط الأطلسي باعتباره مشروعا استراتيجيا يجسد رؤية المملكة لإرساء تعاون إقليمي قائم على التنمية المشتركة.

  • حزب الأصالة والمعاصرة يشيد بالخطاب الملكي: الاستقرار والتنمية الترابية وتحصين المكاسب في صلب رسائل جلالة الملك

    حزب الأصالة والمعاصرة يشيد بالخطاب الملكي: الاستقرار والتنمية الترابية وتحصين المكاسب في صلب رسائل جلالة الملك

    تابع حزب الأصالة والمعاصرة باهتمام شديد، مضمون الخطاب الملكي السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، إلى الأمة، مساء اليوم الأربعاء، بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، وذلك في بلاغ صادر عن الحزب اعتبر فيه أن الخطاب حمل “الكثير من المنجزات والرسائل البليغة”، سواء على المستوى الوطني، عبر إبراز التطور الذي تعيشه البلاد على مختلف الأصعدة في محيط دولي وإقليمي مطبوع بالتقلبات أو على المستوى الدولي، من خلال تكريس مكانة المغرب كفاعل دولي موثوق ومحترم ومسموع الصوت، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن جلالة الملك لم يغفل الإشارة إلى التحديات التي تواجه مستقبل هذه الأمة العريقة

    وفي مستهل بلاغه، تقدم حزب الأصالة والمعاصرة بأحر التهاني وأجمل التبريكات لجلالة الملك وللشعب المغربي قاطبة بهذه المناسبة الوطنية الغالية، معتزا بما تحقق من تطور خلال العهد الزاهر لجلالته، معتبرا هذه المحطة الوطنية لحظة أساسية لتجديد روابط البيعة والوفاء العميق بين العرش والشعب.

    وأعرب الحزب عن اعتزازه بالمنجزات التي حققتها البلاد في مختلف المجالات، لاسيما الفلاحية والطاقية والصناعية والسياحية والمالية، إلى جانب تأمين السيادة الغذائية والدوائية للمغرب، وذلك بفضل الإرادة الملكية العظيمة التي لا تقتصر على تطوير البلاد فحسب، بل تسعى أيضا إلى خدمة الشعب وتمكينه من حياة حرة وكريمة، بحسب البلاغ.

    وقدّر الحزب عاليا دعوة جلالة الملك الكريمة إلى التحلي بخطاب الثقة والتفاؤل، عوض خطابات اليأس والإحباط، معتبرا هذا التوجه الملكي مدخلا أساسيا لكسب تحديات المرحلة الفاصلة التي تعيشها البلاد في مسارها التنموي.

    كما عبّر الحزب عن افتخاره بدور جلالة الملك في استتباب الأمن والاستقرار السياسي الذي تنعم به البلاد، وبنجاعة عمل مؤسسات الدولة وتعاونها وانسجامها، وما لذلك من أثر في تعزيز عمل الدولة من أجل مواصلة الإنجازات ورفع التحديات.

    وأشار البلاغ إلى اعتزاز الحزب بتأكيد جلالة الملك من جديد على ضرورة مجابهة الفوارق المجالية، عبر التنزيل الفعال لبرامج التنمية الترابية المندمجة لتشمل كل المناطق والجهات، مثمنا كذلك دعوة جلالته، القطاع المالي الوطني إلى الانخراط الجدي في هذه الأوراش التنموية.

    واعتبر حزب الأصالة والمعاصرة أن التطور الذي تشهده البلاد اليوم هو ثمرة سنوات من التراكمات الإيجابية المبنية على التوجيهات الاستراتيجية والاختيارات السديدة لجلالة الملك، مؤكدا وعيه التام بالتحديات المطروحة، واستمراره في الانخراط الوطني القوي والمسؤول وراء جلالة الملك في المرحلة المقبلة، التي يتمنى جلالته، أن تشكل دورة جديدة في المسار التنموي لتحصين المكاسب ومواصلة الإصلاحات.

    وفي ختام بلاغه، وجّه حزب الأصالة والمعاصرة تحية إجلال وإكبار للقوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والإدارة الترابية والأمن الوطني والقوات المساعدة والوقاية المدنية على تجندها الدائم وراء القيادة الرشيدة لجلالة الملك، دفاعا عن استقرار الوطن وأمنه ووحدته.

  • جلالة الملك: نتطلع بعد الانتخابات التشريعية المقبلة لإطلاق دورة جديدة في مسارنا التنموي

    جلالة الملك: نتطلع بعد الانتخابات التشريعية المقبلة لإطلاق دورة جديدة في مسارنا التنموي

    رسم خطاب العرش ملامح مرحلة سياسية وتنموية جديدة في المغرب، تنطلق بعد الانتخابات التشريعية المرتقبة وتشكيل الحكومة المقبلة، ولا تقوم على القطع مع المنجزات السابقة، بل على تحصينها وتسريع الإصلاحات والمشاريع الكبرى.

    ووضع الخطاب الملكي السامي الاستحقاق الانتخابي في قلب انتقال مؤسساتي أوسع، يجعل المرحلة المقبلة اختبارا لقدرة الفاعلين السياسيين والاقتصاديين على تحويل التراكمات المحققة إلى نتائج ملموسة في التشغيل والعدالة الاجتماعية والمجالية.


    وأكد جلالة الملك محمد السادس أن مسارا تنمويا جديدا ينتظر المغرب بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، المقررة في 23 شتنبر المقبل، مشددا على أن المغرب عرف صعودا اقتصاديا مهما يقوي السيادة الوطنية جراء ما ينعم به من أمن واستقرار، ونجاعة المؤسسات.

    وقال مساء اليوم الأربعاء في خطاب وجهه إلى شعبه الوفي، بمناسبة عيد العرش المجيد الذي يصادف الذكرى السابعة والعشرين لتربع جلالته على عرش أسلافه الميامين، “إننا نتطلع، بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، وانبثاق حكومة جديدة، لإطلاق دورة جديدة في مسارنا التنموي، شعارها تحصين المكاسب، ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى”.

    وأشار جلالة الملك إلى أنه “تمكنا، بعون الله وتوفيقه، من ترسيخ مكانة المغرب كفاعل دولي موثوق، ومحترم ومسموع، فالمغرب اليوم ، أصبح فاعلا اقتصاديا مهما، وشريكا مطلوبا، في إطار شراكات جديدة ومتوازنة، متوجهة نحو المستقبل، وهو ما مكنه أن يسائل، بكل ثقة ووضوح، جميع شركائه، وأن يطرح عروض شراكات بناءة، ومبادرات تعاون واعدة، بخصوص مختلف القضايا الثنائية والدولية الكبرى، كما اختار، بكل التزام ومسؤولية، تنويع شراكاته، بما يساهم في تعزيز قدرات بلادنا، والرفع من قيمتها في مختلف المجالات”.

    وشدد في خطاب الذكرى الـ27 لتربعه على عرش أسلافه على أن “المكاسب الاقتصادية والاجتماعية، التي تم تحقيقها، تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني؛ فهي نتيجة سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية، وذلك بفضل التوجه الاستراتيجي، وصواب الاختيارات الكبرى لبلادنا”.

    وأشار جلالته، في سياق حديثه عن المسار التنموي والصعود الاقتصادي للمغرب، إلى أن المملكة برهنت على قدرة كبيرة في مواجهة الكوارث والأزمات، لاسيما من خلال التدبير الاستباقي للفيضانات، التي شهدتها مناطق الغرب والشمال.

    وشدد العاهل المغربي على أنه “بفضل الأمن والاستقرار، ونجاعة المؤسسات، تتزايد المؤشرات الإيجابية، التي تعرفها مختلف القطاعات، بما يعزز مسار الصعود الاقتصادي، ويقوي السيادة الوطنية”، مضيفا أن “نسبة النمو بلغت حوالي 4.9 بالمئة سنة 2025، ومن المتوقع أن تصل إلى نفس المعدل أو تتجاوزه في 2026”.

    وعلى الصعيد الفلاحي، أبرز جلالة الملك في خطاب العرش إلى أن المغرب عرف تساقطات مطرية مهمة، وموسما فلاحيا جيدا، مما ساهم في تعزيز الأمن المائي والغذائي، مردفا أن “بلادنا استطاعت تعزيز مكانتها كقطب للاستثمار الصناعي والسياحي والمالي؛ وهو ما يعكسه تطور المؤشرات لاسيما الصناعية”.

    وتابع الخطالب الملكي في الصدد ذاته “ذلك أن قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية، تعد اليوم ركائز أساسية للنسيج الإنتاجي الوطني، سواء من حيث جلب الاستثمارات الخارجية ، أو من حيث خلق الثروة وفرص الشغل”، مضيفا أن “المملكة أصبحت اليوم، أول مصدر للسيارات في إفريقيا، بقدرة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا.. وهو ما جعل صادرات المغرب من قطاعات السيارات والطيران، تفوق 40 بالمئة من إجمالي الصادرات، متقدمة في ذلك على الفوسفاط”.

    وتعزيزا لهذا التوجه، ذكر جلالته بأنه “ترأسنا في بداية السنة، حفل إطلاق مصانع جديدة، جعلت المغرب يدخل النادي المصغر، للدول التي تتوفر على أكبر المراكز الصناعية، في مجال صناعة محركات وأنظمة هبوط الطائرات”، مشيرا إلى أن “تطوير قطاع مندمج للبطاريات الكهربائية، يعكس قدرة المغرب على استباق التحولات التكنولوجية، والانخراط في سلاسل الإنتاج المرتبطة بالصناعات الاستراتيجية”.

    ولفت جلالة الملك إلى أنه “بنفس روح الابتكار والتطوير، يتم إنجاز مشاريع كبرى، تهدف إلى جعل الطاقات المتجددة ركيزة للأمن الطاقي، ورافعة لجذب الصناعات، التي تسعى لاستخدام طاقة تنافسية وخالية من الكربون.

    وشدد صاحب الجلالة على أنه “تعزيزا لهذه الاستراتيجية الطموحة، تم الشروع في تنزيل “عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر”، من خلال الترخيص لمجموعة أولى من المشاريع الكبرى”.

    وأكد الخطاب الملكي أنه أمام “سياق دولي مطبوع بعودة السياسات الحمائية، وتأمين سلاسل التوريد والإنتاج، جعلنا من تقوية السيادة الوطنية والاكتفاء الاستراتيجي، محورا للتنمية الصناعية، وخير مثال على ذلك ، الصناعات الغذائية والدوائية، التي أصبحت تغطي ما يقارب 80 بالمئة من الحاجيات الوطنية”.

    وأضاف أن “إقامة قاعدة صناعية وتكنولوجية في مجال الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني، ستساهم تدريجيا، في تعزيز السيادة الدفاعية، وخلق فرص التنمية، وترسيخ مكانة بلادنا كقوة إقليمية في هذه الصناعات.

    وعرّج الملك على القطاع السياحي، مشيرا إلى أنه سجل سنة 2025 ، إنجازا تاريخيا، يتمثل في استقبال ما يقارب 20 مليون سائح، بما في ذلك أبناء الجالية المقيمة بالخارج.

    وشدد الملك على أنه “بموازاة مع النهوض بالمجال الاقتصادي، نواصل تنزيل العديد من المبادرات وبرامج التنمية البشرية، وتعميم الحماية الاجتماعية، من أجل تحسين ظروف عيش المغاربة، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية”، مضيفا أنه “وفي هذا الإطار، نشدد على ضرورة التنزيل الفعال، لبرامج التنمية الترابية المندمجة، التي نحرص على أن تشمل كل المناطق والجهات، دون استثناء”.

    ولفت جلالة الملك إلى أن مسار التحول الاقتصادي والاجتماعي يتطلب موارد تمويلية غير مسبوقة، يتعين تعبئة الجزء الأكبر منها، عبر التمويل الداخلي”، مهيبا في هذا الصدد بالقطاع المالي الوطني، لمواصلة العمل على مواكبة الاستثمار والمشاريع الكبرى، وعلى إحداث نقلة نوعية في توسيع الولوج للتمويلات، البنكية وغير البنكية، الموجهة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة، وللابتكار والتصنيع والتصدير.

    وأبدى العاهل المغربي تطلعه إلى أن “ينكب القطاع المالي، على فتح آفاق أوسع وأكثر ابتكارا؛ بما يضمن التعبئة المثلى للادخار الوطني، لاسيما المؤسساتي وإنعاش الأسواق المالية، لتسريع الدينامية التنموية للمغرب الصاعد”.

    واغتنم جلالة الملك في ختام خطابه السامي بمناسبة الاحتفال بعيد العرش المجيد، المناسبة لتجديد التعبير عن “اعتزازنا وتقديرنا لكل مكونات قواتنا المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والإدارة الترابية، والأمن الوطني، والقوات المساعدة والوقاية المدنية، على تجندهم الدائم، تحت قيادتنا، للدفاع عن وحدة الوطن وأمنه واستقراره”، مستحضرا بكل خشوع، الأرواح الطاهرة لشهداء المغرب الأبرار، وفي مقدمتهم جدنا ووالدنا المنعمان، جلالة الملكين محمد الخامس والحسن الثاني، أكرم الله مثواهما، مستشهدا بقول الله تعالى: “إن الله لا يضيع أجر المحسنين” صدق الله العظيم.

  • في الذكرى 27 لتربعه على العرش.. جلالة الملك محمد السادس: لم أبحث يوما عن مجد شخصي بل عن خدمة المغاربة

    في الذكرى 27 لتربعه على العرش.. جلالة الملك محمد السادس: لم أبحث يوما عن مجد شخصي بل عن خدمة المغاربة

    وجّه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، مساء يوم الأربعاء، خطابا ساميا إلى الأمة المغربية، بمناسبة الاحتفال بعيد العرش المجيد الذي يخلّد الذكرى السابعة والعشرين لتربع جلالته على عرش أسلافه الميامين.

    وحمل الخطاب، الذي جاء في سياق إقليمي ودولي مطبوع بالتقلبات، نفسا يمزج بين الاعتزاز بالمنجزات المحققة والتفاؤل بمستقبل البلاد، مع تأكيد متجدد على أن الاستقرار الذي ينعم به المغرب يمثل استثناء يستحق الحفاظ عليه وتثمينه.

    واستهل جلالة الملك خطابه بالعودة إلى بدايات هذه مسيرة التلاحم بين الملك والشعب، مستحضرا ثقل المسؤولية التي تحملها منذ ربع قرن وسنتين حيث اعتبر أنها لم تكن مجرد محطة تاريخية عابرة بل التزام متواصل، في قوله: “سبع وعشرون سنة، منذ أن شاءت إرادة الله تعالى أن أتحمل أمانة قيادتك، وهي أمانة عظيمة، ومسؤولية جسيمة”.

    وربط جلالته ما تحقق خلال هذه السنوات بفضل الله أولا، مستشهدا بالآية القرآنية الكريمة في إشارة إلى أن العطاء الإلهي يقترن بالشكر والعمل، وأضاف: “وإننا نحمد الله تعالى ونشكره، على ما أنعم به علينا من توفيق وسداد، في عملنا من أجل تحقيق تطلعاتك والتجاوب مع انشغالاتك مصداقا لقوله عز وجل، ‘لئن شكرتم لأزيدنكم’”.

    نفي البحث عن “المجد الشخصي” وتأكيد أولوية خدمة المغاربة

    في مقطع لافت من الخطاب، حرص عاهل البلاد على تبديد أي قراءة قد تربط الحصيلة التنموية والدبلوماسية للمغرب بسعي إلى بريق شخصي أو مكانة رمزية، إذ شدد جلالته بشكل واضح وصريح: “كما أنني لم أبحث يوما عن مجد شخصي، أو عن الاعتراف بدور ريادي، على المستوى القاري أو الدولي بل كل ما يهمني هو النهوض بأمانة خدمتك، وتمكين جميع المغاربة من شروط العيش الحر الكريم”.

    وهي عبارات تحمل دلالة سياسية واضحة، إذ أعاد الملك من خلالها التموضع بوصفه في خدمة مشروع جماعي وطني، لا باعتباره صاحب مبادرة فردية تستدعي التقدير الخارجي.

    مزيج من “الاعتزاز والتفاؤل” لا “الرضا عن الذات

    وعند تقييمه لمسار العمل المشترك بين العرش والشعب على مدى العهد، اختار الملك محمد السادس مفردات دقيقة لوصف الحالة النفسية والسياسية التي يعيشها المغرب اليوم، فقال: “واليوم، ومن خلال إلقاء نظرة على ما حققناه سويا، يخالجني مزيج من مشاعر الاعتزاز بالمكاسب المحققة، والتفاؤل بالمستقبل”.

    ولم يفت جلالته أن يميّز بين هذا الشعور وأي تصور مبالغ فيه للرضا الذاتي، موضحا: “إن الأمر لا يتعلق هنا بمجرد إحساس بالرضا عن الذات؛ وإنما هو شعور إيجابي بالثقة والطمأنينة، يعطينا القوة والحافز على مواصلة الجهود”.

    وفسّر الملك هذه النتائج بكونها محصلة نهج حكم واضح المعالم، لا وليدة الظروف أو الصدفة، بقوله: “فكل ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة توجه استراتيجي واضح ومذهب في الحكم يقوم على المبادرة والمتابعة الدقيقة والنقد الذاتي البناء، والتطلع إلى المستقبل بكل عزم وروح إيجابية”.

    دعوة إلى “روح الثقة” في وجه “خطابات اليأس

    وانتقل جلالة الملك إلى محور مركزي في الخطاب، متوجها مباشرة إلى المغاربة بدعوة صريحة إلى تبني منطق التفاؤل والثقة بدل الاستسلام لمنطق التشكيك، قائلا: “شعبي العزيز، إننا نعيش اليوم، مرحلة فاصلة في المسار التنموي ببلادنا، حيث يجب أن تسود روح الثقة والتفاؤل على خطابات اليأس والإحباط”.

    وفي هذا السياق، أشار جلالته إلى أن أحد أهم مصادر الفخر الوطني اليوم لا يكمن فقط في الإنجازات القطاعية بل في جودة الحكامة نفسها، إذ قال: “وإن أكثر ما يبعث على الفخر والاعتزاز، هو ما ينعم به المغرب من أمن واستقرار، وما يتميز به عمل مؤسسات الدولة من نجاعة وفعالية”.

    الاستقرار.. “عملة نادرة” و”رأسمال استراتيجي” في زمن الاضطرابات

    ووضع الملك محمد السادس الاستقرار المغربي في مقابل السياق الإقليمي والدولي المتقلب، معتبرا أنه ميزة تنافسية نادرة يجب الحفاظ عليها، فقال: “ففي محيط إقليمي ودولي مطبوع بكثرة التقلبات والاضطرابات، يشكل الاستقرار السياسي والمؤسسي عملة نادرة لا تقدر بأي ثمن”.

    وذهب جلالته إلى حد اعتبار هذا الاستقرار متغيرا حاسما في أي معادلة تنموية مستقبلية للمغرب، بقوله: “فالاستقرار اليوم، هو العامل الأساسي في معادلة التنمية وهو الرأسمال الاستراتيجي الذي يعتز به المغرب”.

    المغرب “دولة أمة” ونجاعة مؤسساتية تحت الأضواء الدولية

    وعاد جلالة الملك إلى الجذور التاريخية والمؤسساتية لقوة المغرب، معتبرا أن تماسك الدولة نابع من طبيعتها العريقة كـ”دولة -أمة”، حيث قال: “شعبي العزيز، إن المغرب دولة عريقة، تستمد قوتها من تقاليدها الراسخة، كدولة أمة، تقوم فيها المؤسسات بدورها، في إطار من الانسجام والتكامل”.

    وربط جلالته هذا الانسجام المؤسساتي مباشرة بالقدرة على مواجهة التحديات المتراكمة، مضيفا: “وهذا ما يعطي النجاعة اللازمة لعمل الدولة، لمواصلة الإنجازات ورفع التحديات رغم الصعوبات والإكراهات”.

    واستحضر الملك محمد السادس النجاح التنظيمي للمغرب في استضافة التظاهرات القارية والدولية بوصفه دليلا ملموسا على هذه النجاعة، وما رافق ذلك من تقدير خارجي، إذ قال: “وهو ما أبان عنه المغرب، بالتنظيم الجيد للتظاهرات القارية والدولية؛ مما جعله محط إعجاب وتقدير عبر العالم، وأثار غيرة البعض أحيانا”.