التصنيف: رئيسيّة

  • كيف تحوّلت تداعيات الأزمات إلى فرصة لإعادة بناء سياسات التشغيل بالمغرب؟

    كيف تحوّلت تداعيات الأزمات إلى فرصة لإعادة بناء سياسات التشغيل بالمغرب؟

    يظل ملف التشغيل أحد أكثر الملفات تعقيدا في أي حصيلة حكومية، كونه المجال الذي تختبر فيه السياسات العمومية قدرتها على تحويل النمو الاقتصادي إلى فرص عمل حقيقية.

    وخلال الولاية الحكومية الحالية، وجد المغرب نفسه أمام تحديات غير مسبوقة، فرضتها تداعيات جائحة كورونا، وارتفاع معدلات التضخم، والاضطرابات الجيوسياسية، إلى جانب سنوات الجفاف المتتالية وزلزال الحوز والفيضانات التي ضربت العديد من المدن المغربية، وهي عوامل ألقت بظلالها على دينامية سوق الشغل ورفعت منسوب الانتظارات بشأن قدرة الحكومة على الحد من البطالة وتحفيز الإدماج المهني.

    وفي مواجهة هذه الإكراهات، راهنت وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات على حزمة من البرامج والإصلاحات الرامية إلى تنشيط سوق الشغل، وتعزيز قابلية التشغيل، وتوسيع فرص التكوين والإدماج المهني، مع إيلاء اهتمام خاص بالشباب والنساء.

    سوق شغل هش عند بداية الولاية

    “كانت سنة 2021 من أصعب السنوات التي عرفها سوق الشغل بالمغرب، لأنها جاءت مباشرة بعد جائحة كوفيد-19 التي أدت إلى فقدان عدد كبير من مناصب الشغل، خاصة في قطاعات السياحة والخدمات والتجارة، إلى جانب تتالي سنوات الجفاف التي أثرت بشكل مباشر على التشغيل في القطاع الفلاحي”، يؤكد محمد جدري، الخبير الاقتصادي ومدير المرصد للعمل الحكومي.

    وبالعودة إلى آخر أشهر في الولاية الحكومية السابقة، تكشف معطيات 2021، استنادا إلى مذكرة للمندوبية السامية للتخطيط، أن الحكومة الحالية تسلمت ملف التشغيل في سياق بالغ الصعوبة، كان فيه أكثر من 4.47 ملايين شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة (من أصل 5.9 ملايين شاب) خارج سوق الشغل، أي ما يمثل 76.1 في المئة من هذه الفئة العمرية، بينما لم يكن يشتغل سوى 962 ألف شاب، مقابل 448 ألف شاب عاطل عن العمل.

    ولم يتجاوز معدل نشاط الشباب 23.9 في المئة، مقابل 45.3 في المئة بالنسبة لمجموع السكان، مع تفاوت كبير بين الذكور والإناث، حيث لم يتعد معدل نشاط النساء الشابات 12.1 في المئة.

    وظل ارتفاع معدل البطالة ملحوظا لدى الشباب بين سنتي 2019 و2021 بـ6.9 نقطة مقابل 3.1 نقطة لدى مجموع السكان النشيطين، وبلغ معدل البطالة، على المستوى الوطني، 31.8 بالمئة في صفوف الشباب بين 15 و24 سنة مقابل 13.7 بالمئة بالنسبة للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و44 سنة و 3.8 بالمئة بالنسبة للأشخاص الذين البالغين 45 سنة أو أكثر.

    ولم تكن الأزمة مرتبطة بندرة فرص العمل فقط، بل أيضا بجودة التشغيل، إذ كشفت مذكرة مندوبية التخطيط آن ذاك أن 41.9 في المئة من الشباب المشتغلين يزاولون عملا غير مؤدى عنه، بينما كان أكثر من 73 في المئة من الأجراء الشباب يشتغلون دون عقد عمل، في وقت بلغت فيه بطالة الشباب 31.8 في المئة، وارتفعت إلى أكثر من 61 في المئة في صفوف الحاصلين على شهادات عليا، في مؤشر على ضعف قدرة الاقتصاد على استيعاب الكفاءات.

    بهذا الصدد، يشدد المحلل والخبير الاقتصادي، المهدي فقير، على أن “سنة 2020 كانت سنة كارثية بامتياز للاقتصاد المغربي، بحكم جائحة كورونا وفترة جفاف قاسية استمرت لحوالي 6 سنوات، ما أثر بشكل كبير على استيعاب وامتصاص البطالة”.

    ويرى أن القلاقل التي طبعت تلك الفترة على الصعيد الدولي، كان لها تأثيرات كبيرة على التضخم العالمي، وبالتالي، المغرب لن يشكل الاستثناء بالنسبة للعديد من الدول العالمية التي عانت الأمرين والشيء الكثير جراء هذه الأوضاع غير المستقرة”.

    خارطة طريق جديدة للتشغيل

    بدوه، يؤكد جدري أن الحكومة انطلقت من وضعية استثنائية تتسم بارتفاع البطالة وتراجع النشاط الاقتصادي، ما يجعل تقييم حصيلة قطاع التشغيل مختلفا عن تقييم أي مرحلة سابقة، لأن المطلوب لم يكن فقط خلق فرص عمل جديدة، بل أيضا استعادة جزء مهم من المناصب التي فُقدت خلال الأزمة، وإعادة تحريك سوق الشغل في سياق اقتصادي عالمي اتسم بعدم اليقين.

    وفي مواجهة هذا الواقع، اختارت وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، الانتقال من تدبير برامج متفرقة إلى اعتماد خارطة طريق وطنية للتشغيل، تقوم على تعبئة مختلف القطاعات الحكومية وربط الاستثمار والتكوين والحماية الاجتماعية بهدف خلق فرص الشغل.

    وتؤكد الحصيلة المرحلية لوزارة يونس السكوري أن مختلف التدخلات مكنت من إحداث أكثر من 851 ألف فرصة شغل خلال الولاية الحالية، في وقت سجل فيه الاقتصاد الوطني خلال سنة 2025 وحدها إحداث 193 ألف منصب شغل صاف، منها 249 ألف منصب مأجور، مقابل تراجع عدد المناصب غير المأجورة بـ55 ألف منصب، بما يعكس تحولا تدريجيا نحو التشغيل المنظم.

    كما تراجع معدل التشغيل غير المهيكل خارج القطاع الفلاحي من 36.3 في المئة سنة 2021 إلى 33.1 في المئة سنة 2025، بالتوازي مع ارتفاع عدد الأجراء المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بأكثر من 500 ألف أجير، ليتجاوز أربعة ملايين مصرح بهم لأول مرة.

    غير أن مهدي فقير ينبه إلى أن خلق 851 ألف فرصة عمل يبقى “حديثا فضفاضا”، موضحا أنه “إذا كان الحديث عن خلق فرص شغل قارة ودائمة فهذا ما يسمى فرصة شغل، ولكن إذا كان عرضيا ومؤقتا وليس دائما فلا يمكن اعتباره خلقا لفرص الشغل”، مضيفا “اليوم هناك نقاش حول ماهية الإحصاءات المتعلقة بالتشغيل، وما نقصده بفرصة شغل، والإدماج المهني”.

    وأشار إلى أن المغرب ما يزال قاصرا على خلق سياسات إدماجية في مجال التشغيل، موضحا وجهة نظره بالقول: “نحتاج دائما تدخلا حكوميا هنا وهناك من أجل خلق فرص الإدماج، وهذا ليس أمرا سلبيا، فهذه التوليفة معترف بها ومعتمدة على الصعيد الدولي، وهي ما يمسى ‘FIRST JOB ACT’ ومعتمدة في أمريكا وفرنسا”، لافتا إلى أن “المغرب بإمكانه الإبقاء على هذه التحفيزات في القطاع، لكن يجب إعادة النظر في النموذج الاقتصادي حتى يكون نموذجا دامجا وخالقا لفرص الشغل”.

    الإدماج المهني يقفز بـ45 بالمئة

    وكان برنامج “أوراش” أول تدخل لمواجهة تداعيات الجائحة على التشغيل، حيث استهدف الأشخاص الذين فقدوا مصادر دخلهم، خاصة غير الحاصلين على مؤهلات عالية.

    وأسفر البرنامج عن استفادة 224.371 شخصا، بنسبة إنجاز بلغت 90 في المئة، بينما بلغ غلافه المالي حوالي 4.5 مليارات درهم، مع تخصيص حوالي ثلث المناصب لفائدة النساء.

    أيضا، عملت الوزارة، وفق معطيات تحصلت عليها جريدة “AM+ MEDIA”، على إعادة توجيه برامج التشغيل النشيطة، فقد بلغ مجموع الإدماجات المهنية 694.415 إدماجا، منها 594.981 عبر برنامج “إدماج” و99.434 عبر برنامج “تحفيز”، كما ارتفع عدد الإدماجات السنوية من 112.733 سنة 2021 إلى 163.259 سنة 2025، بزيادة قاربت 45 في المئة.

    وفي المقابل، استفاد 339.893 شخصا من برامج التأهيل، بينما تجاوز عدد المستفيدين من خدمات التوجيه والمواكبة التي تقدمها الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات 1.34 مليون مستفيد.

    ودعمت “وزارة السكوري” التشغيل الذاتي، حيث تمت مواكبة 38.788 مشروعا، وإحداث 11.482 مقاولة صغيرة أو نشاطا مدرا للدخل، أسهمت في توفير 18.370 منصب شغل، فضلا عن استفادة أكثر من 50 ألف شخص من برنامج “انطلاقة”، وإطلاق النسخة الثالثة من برنامج “من أجلك” الذي مكن من مواكبة 1.089 مقاولة نسائية وتكوين 8.099 امرأة.

    مناصب الشغل في قلب دعم الاستثمار

    أحد أبرز التحولات خلال الولاية الحالية، تمثلت في جعل خلق فرص الشغل معيارا أساسيا للاستفادة من الدعم العمومي في إطار الميثاق الجديد للاستثمار، وفق ما يؤكد الخبير الاقتصادي، محمد جدري.

    وأوضح الخبير الاقتصادي أن هذا التوجه يشكل تطورا مهما في السياسة الاستثمارية بالمغرب، لأنه يجعل الدعم العمومي مرتبطا بالأثر الاقتصادي والاجتماعي للمشاريع، وليس فقط بحجم الاستثمارات، لأن ربط التحفيزات بعدد مناصب الشغل التي يلتزم المستثمر بإحداثها يعزز مردودية الإنفاق العمومي ويوجه الاستثمارات نحو تحقيق قيمة مضافة حقيقية للمواطنين.

    وبالعودة إلى الحصيلة المرحلية لوزارة التشغيل، أسفرت المشاريع التي تمت المصادقة عليها عن تعبئة استثمارات بقيمة 586.6 مليار درهم، موزعة على 381 مشروعا، يرتقب أن توفر أكثر من 245.500 منصب شغل، خاصة في قطاعات صناعة السيارات والسياحة والصناعات الغذائية.

    ويعكس هذا التوجه انتقال سياسة الاستثمار من منطق تشجيع الرساميل إلى ربطها مباشرة بالأثر الاجتماعي وخلق فرص العمل، وفق رئيس المرصد للعمل الحكومي، الذي نبه أيضا إلى ضرورة الحفاظ على التوازن، لأن بعض الاستثمارات ذات التكنولوجيا العالية قد لا توفر عددا كبيرا من فرص الشغل، لكنها تساهم في رفع الإنتاجية، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

    التكوين المهني لسد فجوة الكفاءات

    بالتوازي مع برامج التشغيل، توسعت منظومة التكوين المهني، إذ تظهر الحصيلة المرحلية للوزارة ارتفاع عدد مؤسسات التكوين من 668 إلى 792 مؤسسة، بينما ارتفع عدد المتدربين من حوالي 291 ألفا إلى أكثر من 526 ألف متدرب، أي بزيادة بلغت 80 في المئة.

    كما دخلت 10 مدن للمهن والكفاءات حيز الخدمة بطاقة استيعابية تصل إلى 34 ألف مقعد بيداغوجي، واستقبلت حوالي 58.872 متدربا، مع تركيز العرض التكويني على القطاعات الأكثر إحداثا لمناصب الشغل، وفي مقدمتها الصناعة، والتدبير والتجارة، والرقمنة والذكاء الاصطناعي.

    وفي السياق نفسه، تم توسيع التكوين بالتدرج المهني، مع برمجة بلوغ 100 ألف مستفيد سنويا، باعتباره أحد المسارات الموجهة لإدماج الشباب غير الحاصلين على شهادات.

    ويقرأ الخبير الاقتصادي المهدي فقير هذه الأرقام باعتبارها امتدادا لنهج يقوم على ربط سياسات التشغيل بمنظومة التكوين، معتبرا أن المكتب الوطني للتكوين المهني وإنعاش الشغل كان سباقا إلى اعتماد هذا التوجه من خلال تكوينات تستجيب لحاجيات سوق الشغل وتوفر قابلية أكبر للإدماج المهني.

    ويرى أن “مدن الكفاءات” تعزز هذا المسار، باعتبارها مؤسسات تقوم فلسفتها على تكوين الموارد البشرية انطلاقا من الاحتياجات الفعلية للمقاولات والقطاعات الاقتصادية.

    ويضيف أن التدرج المهني يشكل اليوم أحد أبرز الخيارات لامتصاص بطالة الشباب، لما يوفره من تكوينات مواكبة للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية، إلى جانب دعمه للتكوين المستمر باعتباره آلية للحفاظ على استقرار مناصب الشغل.

    لكن فقير يشدد على أن فعالية هذه البرامج تظل رهينة باعتماد مقاربة أشمل، تنسق بين منظومة التكوين الأكاديمي والنموذج الاقتصادي، بما يضمن خلق الثروة وتوفير فرص إدماج مهني مستدامة على المديين المتوسط والطويل.

    بين حصيلة البرامج وتحديات السوق

    ورغم هذه الدينامية، ما تزال الحكومة تواجه تحديات مرتبطة باستمرار ارتفاع البطالة، خصوصا في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وتأثير التغيرات المناخية والظرفية الدولية على قدرة الاقتصاد على خلق مناصب الشغل بالوتيرة المطلوبة.

    ويرى محمد جدري بهذا الصدد أن التقدم المحقق لا يخفي حقيقة التحديات الكبيرة التي تستوجب مواصلة الإصلاحات، في مقدمتها استمرار ارتفاع البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وضعف نسبة مشاركة النساء في سوق الشغل، إضافة إلى استمرار هشاشة التشغيل في العالم القروي.

    وشدد جدري على أن الاقتصاد المغربي يحتاج إلى خلق مناصب شغل ذات إنتاجية وأجور أفضل، وتعزيز ملاءمة التكوين مع حاجيات سوق العمل، وتسريع إخراج المشاريع الاستثمارية إلى حيز التنفيذ حتى تتحول الالتزامات المعلنة إلى فرص شغل فعلية ومستدامة، لافتا إلى أن الرهان أمام الحكومة المقبلة ليس فقط خلق مناصب جديدة، بل تحسين جودة التشغيل وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

  • السكن في المغرب.. إصلاح يُحرِّك السوق وتحوّل في فلسفة الدعم يختبر رهان التملك

    السكن في المغرب.. إصلاح يُحرِّك السوق وتحوّل في فلسفة الدعم يختبر رهان التملك

    بعد سنوات من تحفيز المنعشين العقاريين من خلال الإعفاءات الضريبية وبرامج السكن الاجتماعي، انتقلت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، ابتداء من سنة 2024، إلى نموذج يقوم على تقديم الدعم المالي مباشرة إلى المواطنين الراغبين في اقتناء سكن رئيسي، واضعة بذلك الأسر في صلب السياسة العمومية.

    وجاء اعتماد هذه المقاربة في سياق اتسم بتحديات متعددة واجهت القطاع العقاري خلال السنوات الأخيرة، فقد أسهمت تداعيات جائحة كوفيد-19، إلى جانب موجة التضخم وارتفاع أسعار مواد البناء وكلفة التمويل، في تباطؤ الطلب على السكن وتراجع وتيرة الاستثمار العقاري، بالتزامن مع تآكل القدرة الشرائية للأسر، سيما المنتمية إلى الطبقة المتوسطة، ما أثر في دينامية القطاع عموما.

    وكانت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة قد خلصت، في تشخيصها لوضعية القطاع مع بداية الولاية الحكومية، إلى وجود اختلالات شملت تراجع العرض والطلب، وانتهاء برامج السكن الاجتماعي السابقة، ومحدودية ملاءمة العرض مع حاجيات مختلف الفئات الاجتماعية، فضلا عن استمرار مظاهر السكن غير اللائق وبطء وتيرة معالجتها، وهي عوامل دفعت إلى مراجعة المقاربة المعتمدة والبحث عن آليات جديدة للاستجابة للحاجيات السكنية.

    وفي خارطة الطريق التي وضعتها الوزارة، لم يعد الهدف يقتصر على تشجيع البناء، بل أصبح يشمل تيسير ولوج الأسر إلى السكن، وإنعاش الاستثمار العقاري، وخلق فرص الشغل، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز جاذبية العالم القروي، باعتبار السكن رافعة اقتصادية واجتماعية في آن واحد.

    وبعد مرور أكثر من سنتين على انطلاق البرنامج، بدأت تظهر أولى المؤشرات التي تسمح بقراءة نتائجه، سواء من خلال عدد المستفيدين، أو توزيعهم حسب الفئات الاجتماعية، أو الأثر الذي خلفه على حركة السوق العقارية، وقطاع البناء، والتمويل البنكي، وهو ما يطرح سؤالا أساسيا: هل نجح البرنامج فعلا في تغيير معادلة التملك بالمغرب، أم أن نجاحه لا يزال رهينا بمعالجة تحديات أخرى مرتبطة بالأسعار والتمويل والعرض العقاري؟

    من دعم المنعش إلى دعم الأسر

    لأكثر من عقدين، ارتكزت السياسة السكنية بالمغرب على تحفيز العرض، من خلال تشجيع المنعشين العقاريين على بناء وحدات سكنية “السكن الاقتصادي” موجهة لشرائح معينة، مقابل امتيازات ضريبية وعقارية، ما مكن من إنتاج مئات الآلاف من الوحدات السكنية، لكنها لم تنجح دائما في تحقيق التوازن بين العرض والطلب، خاصة مع تغير الظرفية الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية للأسر.

    ومع نهاية برامج السكن الاجتماعي السابقة، وارتفاع أسعار العقار ومواد البناء، أصبح عدد متزايد من الأسر، وخاصة أفراد الطبقة المتوسطة، يجدون صعوبة في الولوج إلى السكن، رغم توفر العرض في عدد من المدن.

    وأمام هذه المعطيات، اختارت الوزيرة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري تغيير منطق التدخل، عبر الانتقال من دعم المقاولة العقارية إلى دعم المواطن مباشرة، وهو تحول اعتبرته الوزارة جزءا من خارطة طريق جديدة تهدف إلى تعزيز القدرة الشرائية للأسر، خاصة ذوي الدخل المحدود والطبقة المتوسطة، مع إعطاء دفعة جديدة للاستثمار وخلق فرص الشغل.

    ويقوم البرنامج على منح دعم مباشر للمقتنين حسب قيمة السكن، بما يسمح بتقليص المبلغ الذي تتحمله الأسرة عند الاقتناء، وبالتالي تسهيل الولوج إلى التمويل البنكي وتقليص قيمة القروض.

    ولا يقتصر هذا التحول على تغيير طريقة صرف الدعم، بل يعكس تغييرا في تصور الدولة لدورها داخل السوق العقارية؛ فبدل التدخل عبر المنتج، أصبحت تتدخل عبر المستهلك، انطلاقا من فرضية اقتصادية مفادها أن تحفيز الطلب سيؤدي تلقائيا إلى تنشيط العرض، وتحريك الاستثمار، وخلق دورة اقتصادية يستفيد منها قطاع البناء والصناعات المرتبطة به.

    هل نجح البرنامج في رفع قدرة الأسر على التملك؟

    عندما أعلنت الحكومة، بداية سنة 2024، إطلاق برنامج الدعم المباشر للسكن، لم يكن الهدف المعلن يقتصر على إنعاش القطاع العقاري، بل كان يتمثل أساسا في تمكين عدد أكبر من الأسر المغربية من امتلاك سكنها الرئيسي، بعدما أصبحت كلفة الاقتناء تمثل أحد أكبر التحديات أمام الطبقة المتوسطة وذوي الدخل المحدود، فقد أكدت الوزارة، ضمن خارطة الطريق التي وضعتها، أن تعزيز القدرة الشرائية للأسر وتيسير الولوج إلى السكن يشكلان أحد المرتكزات الأساسية للإصلاح الجديد.

    ويقوم البرنامج على منح دعم مالي مباشر بقيمة 100 ألف درهم لاقتناء سكن لا يتجاوز ثمنه 300 ألف درهم، و70 ألف درهم للسكن الذي يتراوح ثمنه بين 300 ألف و700 ألف درهم، وهو ما خفف جزءا مهما من كلفة الاقتناء بالنسبة لآلاف الأسر، وساهم في تقليص قيمة التمويل البنكي المطلوب.               

    وتشير آخر المعطيات الرسمية إلى أن عدد المستفيدين من برنامج الدعم المباشر للسكن بلغ أزيد من 118 ألف مستفيد إلى غاية غشت 2026 من الأسر ذات الدخل المحدود والطبقة المتوسطة، وهو ما يعكس استمرار الإقبال على البرنامج واتساع قاعدة المستفيدين عبر مختلف جهات المملكة.

    وتظهر الأرقام أن الطلب لم يعد يقتصر على المدن الكبرى، بل امتد إلى مختلف جهات المملكة، كما أن فئات عمرية مختلفة أبدت اهتماما بالبرنامج، إذ يشكل الشباب دون الأربعين سنة أكثر من نصف المستفيدين، وهو ما يعكس أن البرنامج استهدف شريحة كانت تجد صعوبة في ولوج سوق العقار بسبب ارتفاع الأسعار وصعوبة الادخار.

    غير أن ارتفاع عدد المستفيدين لا يعني بالضرورة أن معضلة الولوج إلى السكن قد حلت بالكامل، فعدد الطلبات المسجلة يفوق بكثير عدد الملفات التي استفادت فعليا من الدعم، وهو ما يعكس استمرار وجود طلب مرتفع على السكن، لكنه يكشف أيضا عن وجود تحديات مرتبطة باستكمال الملفات، والحصول على التمويل البنكي، واختيار السكن المناسب ضمن السقف المالي المحدد.

    كما أن الدعم المالي، مهما بلغت أهميته، يبقى جزءا من تكلفة الاقتناء، إذ ما تزال الأسرة مطالبة بتغطية الجزء المتبقي من الثمن، وهو ما يجعل الولوج إلى القروض البنكية وأسعار الفائدة ومستوى الدخل عوامل مؤثرة في القرار النهائي بالشراء.

    ويرى عدد من المتابعين أن نجاح البرنامج ينبغي أن يقاس على المدى المتوسط، ليس فقط بعدد المستفيدين، وإنما بقدرته على تحويل الأسر التي كانت خارج سوق العقار إلى ملاك فعليين، مع الحفاظ على استقرار الأسعار وتوفير عرض سكني كاف يستجيب للطلب المتزايد.

    هل حقق البرنامج الهدف الذي أطلق من أجله؟

    شكلت الطبقة المتوسطة إحدى أكثر الفئات التي راهنت عليها الحكومة عند إطلاق برنامج الدعم المباشر للسكن، كونها كانت لسنوات خارج دائرة الاستفادة من عدد من برامج السكن الاجتماعي، وفي الوقت نفسه لم تكن قادرة على تحمل الارتفاع المتواصل في أسعار العقار أو كلفة التمويل البنكي.

    ولهذا، صممت الحكومة البرنامج بشكل يسمح باستفادة الأسر الراغبة في اقتناء سكن يصل ثمنه إلى 700 ألف درهم، وهو سقف يستهدف أساسا جزءا كبيرا من الطبقة المتوسطة، التي تبحث عن سكن بمواصفات أفضل وفي أحياء أكثر تجهيزا.

    وتؤكد المعطيات الرسمية أن 60 في المئة من المستفيدين ينتمون إلى الطبقة المتوسطة، وهو ما تعتبره الوزارة مؤشرا على أن البرنامج نجح في الوصول إلى الفئة التي كانت تواجه أكبر صعوبة في الولوج إلى التملك.

    غير أن خبراء الاقتصاد يعتبرون أن نجاح البرنامج بالنسبة إلى هذه الفئة لا ينبغي أن يقاس فقط بنسبة المستفيدين، بل أيضا بمدى قدرتها على تحمل الأقساط الشهرية للقروض في ظل استمرار ارتفاع أسعار بعض العقارات، وتكاليف المعيشة، والفوائد البنكية، خاصة بالنسبة للأسر الشابة التي توجد في بداية مسارها المهني.

    كما يطرح ارتفاع الطلب على السكن تحديا آخر يتعلق بضرورة مواكبة العرض العقاري لهذا الإقبال، حتى لا يؤدي ارتفاع الطلب إلى الضغط على الأسعار، وهو ما قد يقلص جزءا من الأثر الإيجابي للدعم.

    وفي المقابل، يرى منعشون عقاريون أن وجود دعم مباشر موجه للمواطن خلق وضوحا أكبر داخل السوق، وشجع المستثمرين على إطلاق مشاريع جديدة، بعدما أصبح الطلب أكثر استقرارا مقارنة بالسنوات السابقة.

    ويؤكد متابعون أن قدرة البرنامج على الحفاظ على هذا الزخم ستظل رهينة باستمرار توازن العلاقة بين الدعم العمومي، وأسعار العقار، وكلفة التمويل، حتى لا يتحول ارتفاع الطلب إلى عامل يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وهو ما قد يحد من أثر البرنامج بالنسبة للطبقة المتوسطة.

    استفادة النساء.. هل تغيّرت خريطة التملك؟

    وإذا كانت السياسات السكنية السابقة تقاس في الغالب بعدد الوحدات السكنية التي يتم إنجازها، فإن البرنامج الجديد أضاف مؤشرا آخر لا يقل أهمية، يتعلق بهوية المستفيدين من الدعم، فإلى جانب استهداف الأسر ذات الدخل المحدود والطبقة المتوسطة، أتاح البرنامج إمكانية قياس مدى استفادة النساء والشباب ومغاربة العالم من حق التملك، باعتباره أحد المؤشرات المرتبطة بالإدماج الاقتصادي والاجتماعي.

    وتظهر المعطيات الرسمية التي تحصلت عليه “AM+ MEDIA” من وزارة إعداد التراب الوطنب أن النساء يمثلن 47.5 في المئة من مجموع المستفيدين من برنامج الدعم المباشر للسكن إلى غاية 7 ماي 2026، وهي نسبة تعتبرها الحكومة مؤشرا على اتساع قاعدة الولوج إلى التملك مقارنة بالبرامج السابقة، التي كانت ترتبط في الغالب بالأسرة كوحدة اجتماعية دون إبراز توزيع المستفيدين حسب الجنس.

    ولا تعني هذه النسبة بالضرورة أن جميع المستفيدات اقتنين مساكن بشكل فردي، إذ إن جزءا من الطلبات يقدم باسم أحد الزوجين، غير أنها تعكس حضورا متزايدا للمرأة داخل سوق العقار، سواء باعتبارها المقتنية الرئيسية أو شريكة في عملية الاقتناء.

    ويرى متابعون أن هذا المعطى يرتبط بعدة عوامل، من بينها ارتفاع نسبة النساء المشتغلات، وتوسع ولوجهن إلى التمويل البنكي، إضافة إلى اعتماد البرنامج على معايير موضوعية للاستفادة، بعيدا عن أي تمييز مرتبط بالجنس أو الوضعية الاجتماعية.

    كما ينسجم هذا التوجه مع المقاربة الحكومية الرامية إلى تعزيز الإدماج الاقتصادي، باعتبار أن امتلاك السكن لا يمثل فقط استقرارا اجتماعيا، بل يشكل أيضا أحد أشكال بناء الثروة الأسرية وتعزيز الاستقلالية المالية.

    ومع ذلك، يرى خبراء أن رفع نسبة استفادة النساء بشكل أكبر يظل رهينا باستمرار تحسين ولوج المرأة إلى سوق الشغل، ورفع دخلها، وتوسيع استفادتها من التمويل، لأن الدعم المالي وحده لا يكفي إذا لم يكن مقرونا بقدرة فعلية على تحمل باقي كلفة الاقتناء.

    هل نجح البرنامج في تقليص الفوارق المجالية؟

    منذ انطلاق الحوار الوطني حول التعمير والإسكان سنة 2022، وضعت الوزارة تقليص الفوارق المجالية في صلب الإصلاح الجديد، معتبرة أن الولوج إلى السكن لا ينبغي أن يبقى رهينا بالمدن الكبرى، بل يجب أن يشمل أيضا العالم القروي والمناطق الجبلية، التي تعاني في كثير من الأحيان من ضعف العرض السكني، وقلة الاستثمار، وصعوبة الولوج إلى التمويل. وقد جعلت خارطة الطريق من دعم العالم القروي وتعزيز جاذبيته الاقتصادية أحد أهدافها الاستراتيجية.

    كما أبرز التشخيص الذي أعدته الوزارة قبل إطلاق الإصلاح وجود اختلالات خاصة بالمجال القروي، من بينها ضعف التخطيط، والفوارق الاجتماعية والمجالية، وندرة فرص الشغل، وهو ما انعكس على جاذبية الاستثمار والسكن بهذه المناطق.

    ورغم أن البرنامج مفتوح أمام جميع جهات المملكة، فإن الاستفادة منه تختلف بحسب طبيعة العرض العقاري. ففي المدن الكبرى، يجد المواطن خيارات أكثر تنوعا، سواء من حيث عدد المشاريع أو أنواع السكن، بينما يظل العرض محدودا في عدد من الجماعات القروية والمراكز الصاعدة، وهو ما يجعل الاستفادة مرتبطة أيضا بقدرة السوق المحلية على توفير مساكن تستجيب لشروط البرنامج.

    ولهذا، تؤكد الوزارة أن نجاح السياسة السكنية لا يقتصر على تقديم الدعم المالي، بل يرتبط أيضا بإعداد التراب، وتسريع وثائق التعمير، وتحسين جاذبية المراكز القروية، وتشجيع الاستثمار بها، حتى يصبح العرض السكني متوفرا خارج المحاور الحضرية الكبرى. وقد تضمنت خارطة الطريق إجراءات لتطوير المراكز القروية الصاعدة، وإحداث أقطاب متخصصة بالعالم القروي، وتسريع وثائق التعمير، وتبسيط المساطر لفائدة الاستثمار.

    ويعتبر متابعون أن نجاح البرنامج في تحقيق العدالة المجالية سيقاس خلال السنوات المقبلة بمدى قدرته على تشجيع المنعشين العقاريين على الاستثمار خارج المدن الكبرى، وبمدى توفر البنيات التحتية والخدمات الأساسية التي تجعل السكن في العالم القروي خيارا اقتصاديا واجتماعيا مستداما، وليس مجرد استفادة من دعم مالي.

    لماذا انخرط المنعشون في البرنامج الحالي بينما تعثر برنامج 2019؟

    تكشف حصيلة وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة عن تفاوت واضح بين نتائج برنامج الدعم المباشر للسكن والبرنامج السابق الموجه إلى السكن الاجتماعي بالعالم القروي.

    فقد انطلق برنامج السكن الاجتماعي بالقرى سنة 2019 على أساس إبرام اتفاقيات مع المنعشين العقاريين لإنجاز مساكن اجتماعية بالمجال القروي، إذ بلغ عدد الاتفاقيات الموقعة 13 اتفاقية، تستهدف بناء 6852 وحدة، غير أن المنجز لم يتجاوز 1347 وحدة إلى غاية مارس 2025، ما دفع الوزارة إلى الإقرار بأن البرنامج لم يحقق الأهداف المنتظرة ولم يعرف انخراطا كافيا للمنعشين.

    أما البرنامج الحالي، فيقوم على تقديم الإعانة مباشرة إلى الأسر المؤهلة، بدل ربطها بمشاريع عقارية متعاقد بشأنها مسبقا، وتبلغ قيمة الدعم 100 ألف درهم بالنسبة إلى السكن الذي لا يتجاوز ثمنه 300 ألف درهم، و70 ألف درهم بالنسبة إلى السكن الذي يتراوح سعره بين 300 ألف و700 ألف درهم.

    وساهم هذا التحول في توفير طلب ممول جزئيا داخل السوق، بعدما أصبح المستفيد يتوفر على مساهمة من الدولة في ثمن المسكن، وهو ما شجع المنعشين والمقاولات الصغرى على عرض وحدات منسجمة مع الشروط المالية للبرنامج.

    ويؤكد عمر رحال، منعش عقاري بدوار قصبة الطاهر، في تصريح لمنصة “AM+ MEDIA”  إن تحويل الدعم مباشرة إلى المقتني أحدث تغييرا مهما في السوق العقارية، لأنه جعل المستفيد هو من يختار المشروع الذي يناسب احتياجاته، بدل أن يكون الدعم مرتبطا بمنتج عقاري معين، مضيفا أن هذا التحول أعاد الثقة إلى عدد من الأسر، وساهم في تحريك الطلب، كما دفع المنعشين العقاريين إلى تحسين جودة المشاريع والأسعار والخدمات من أجل استقطاب الزبناء.

    وأوضح أن الطلب أصبح اليوم أكثر وضوحا بالنسبة إلى المستثمرين مقارنة بالسنوات الماضية، إذ بات المنعش العقاري يمتلك رؤية أفضل للفئات المستهدفة وقيمة الدعم الذي تستفيد منه، وهو ما يساعد على برمجة المشاريع واتخاذ قرارات الاستثمار بثقة أكبر، كما أن ارتفاع عدد الراغبين في الاستفادة من البرنامج منح الفاعلين في القطاع مؤشرات أوضح حول احتياجات السوق، خاصة في المدن التي تعرف طلبًا متزايدًا على السكن.

    وفي المقابل، أشار رحال إلى أن إنجاز مشاريع سكنية في المجال القروي ما يزال يواجه عددا من التحديات، في مقدمتها ضعف التجهيزات الأساسية في بعض المناطق، وتعقيد المساطر المرتبطة بالتعمير والعقار، إضافة إلى محدودية الطلب مقارنة بالمجال الحضري، وهو ما يقلص الجدوى الاقتصادية للمشاريع العقارية، معتبرا أن تشجيع الاستثمار في العالم القروي يقتضي مواكبة إضافية من خلال تحسين البنيات التحتية، وتبسيط المساطر الإدارية، وإقرار تحفيزات خاصة تراعي خصوصية هذه المناطق، بما يساهم في تحقيق تنمية عمرانية أكثر توازنا.

    دعم السكن ينعش معاملات العقار والبناء

    إلى جانب البعد الاجتماعي، قدمت الحكومة برنامج الدعم المباشر للسكن باعتباره آلية لإنعاش قطاع العقار، وتحريك الاستثمار، وإشراك المقاولات الصغرى والمتوسطة، ودعم فرص الشغل في البناء والأنشطة المرتبطة به.

    وإلى غاية 3 يونيو 2026، صرح أديب بنبراهيم، كاتب الدولة المكلف بالإسكان، بمجلس المستشارين، بأن القيمة الإجمالية للمساكن المقتناة تجاوزت 43.19 مليار درهم، مقابل مساهمة للدولة بلغت نحو 8.6 مليارات درهم في شكل دعم مباشر، أي ما يمثل حوالي 20 في المئة من القيمة الإجمالية للاستثمارات المنجزة.

    وساهم البرنامج، إلى جانب برامج السكن الاجتماعي والسكن منخفض التكلفة، في توفير ما مجموعه 99 ألفاً و140 وحدة سكنية مدعمة إلى غاية متم سنة 2025.

    وتزامن تنفيذ البرنامج مع تحسن عدد من مؤشرات القطاع، إذ سجلت مبيعات الإسمنت ارتفاعا بنسبة 7 في المئة، وزاد عدد المعاملات العقارية بنسبة 12.1 في المائة، فيما ارتفعت مبيعات العقارات السكنية بنسبة 11.1 في المئة، ومبيعات الأراضي الحضرية بنسبة 25.6 في المئة.

    كما ارتفعت قروض السكن بنسبة 1.49 في المئة، والقروض الموجهة إلى المنعشين العقاريين بنسبة 5.57 في المئة، وفق الفترات المرجعية الواردة في العرض الوزاري.

    وتعكس هذه المؤشرات استعادة القطاع جزءا من ديناميته، غير أن قياس الأثر المباشر للبرنامج يحتاج إلى التمييز بين المساكن الجديدة والمساكن الجاهزة التي جرى تداولها داخل السوق، وبين أثر الدعم وبقية العوامل المؤثرة في العقار والبناء.

    وبينما تظهر الأرقام تحسنا في معاملات العقار، وارتفاعا في مبيعات الإسمنت، وانتعاشا في القروض السكنية، يظل تقييم الأثر الاقتصادي الحقيقي للبرنامج مرتبطا بمدى قدرته على تحويل هذا التحسن الظرفي إلى دينامية استثمارية مستدامة.

    وفي هذا الإطار، يرى بدر الزاهر الأزرق، المحلل الاقتصادي، أن المؤشرات الحالية تعكس عودة الثقة تدريجيا إلى السوق العقارية، لكنها تستدعي قراءة متأنية لتمييز ما هو ناتج عن برنامج الدعم وما يرتبط بعوامل اقتصادية أخرى.

    ويؤكد أن ارتفاع مبيعات الإسمنت والمعاملات العقارية يشير إلى تحسن النشاط داخل القطاع، لكنه لا يعني بالضرورة أن جميع العمليات ترتبط بإنتاج مساكن جديدة، إذ إن جزءا مهما من هذا النشاط يعود إلى تسويق المخزون السكني الجاهز الذي ظل ينتظر الطلب خلال السنوات الماضية.

    ويضيف أن الدعم المباشر للمقتنين نجح في تحريك هذا الطلب الكامن، وهو ما انعكس على وتيرة البيع واستعادة السوق جزءاً من حيويتها، قبل أن تبدأ آثاره تدريجياً في تشجيع المنعشين على إطلاق مشاريع جديدة استجابة لتحسن مؤشرات السوق.

    ويشير إلى أن البرنامج لم يؤثر فقط على حركة البيع والشراء، بل امتد أثره إلى القطاع البنكي، حيث ساهم في رفع الطلب على القروض السكنية من خلال تعزيز القدرة الشرائية للأسر المستفيدة وتقليص حجم التمويل الذي تحتاج إليه لإتمام عملية الاقتناء. كما استفاد المنعشون العقاريون بصورة غير مباشرة من تحسن وتيرة التسويق، وهو ما عزز ثقة المؤسسات البنكية في تمويل مشاريع جديدة، لأن انخفاض مخاطر التسويق ينعكس إيجاباً على قرارات الاستثمار والتمويل.

    ويرى بدر أن الحفاظ على هذه الدينامية يظل رهيناً باستمرار وضوح البرنامج واستقراره، مع توفير عرض سكني كافٍ يستجيب للطلب المتزايد، وتسريع المساطر الإدارية، وضمان توفر العقار المجهز، إلى جانب الحفاظ على توازن الأسعار حتى لا يتحول ارتفاع الطلب إلى عامل لزيادة أثمنة السكن. ويخلص إلى أن نجاح البرنامج على المدى المتوسط سيقاس بقدرته على الانتقال من تحريك السوق إلى توسيع الإنتاج السكني وخلق استثمارات جديدة وفرص شغل مستدامة، بما يعزز مساهمة قطاع البناء والعقار في النمو الاقتصادي.

  • “البام” يقتحم “الملعب الصعب” بسبع نساء في صدارة اللوائح المحلية لأول مرة في تاريخ الانتخابات المغربية

    “البام” يقتحم “الملعب الصعب” بسبع نساء في صدارة اللوائح المحلية لأول مرة في تاريخ الانتخابات المغربية

    في السياسة المغربية، هناك قاعدة غير مكتوبة يعرفها كل من مرّ بتجربة انتخابية محلية  تفيد بأن الدوائر المحلية هي “الملعب الصعب”، ففيها يُقاس الوزن الانتخابي الحقيقي للمرشح، بعيدا عن الحماية التي توفرها اللوائح الجهوية المخصصة حصريا للنساء، وفيها تاريخيا، ظل حضور المرأة المغربية استثناء لا قاعدة.

    فجأة، ومع اقتراب 23 شتنبر، موعد الاستحقاق الانتخابي المقبل وجد المشهد الحزبي نفسه أمام معطى يصعب تجاوزه، حزب واحد هو الأصالة والمعاصرة يدفع بسبع نساء لقيادة سبع معارك انتخابية محلية متزامنة، من الخميسات إلى ورزازات، ومن الدار البيضاء إلى تارودانت، وسؤال يفرض نفسه بقوة هل نحن أمام تحول فعلي في قواعد اللعبة السياسية بالمغرب؟

    الوجوه السبعة.. مزيج من الخبرة المؤسسية والصعود الميداني

    القائمة التي حسمها الحزب وأكدها أشغال مجلسه الوطني اليوم السبت من سلا، لا تبدو نتاج صدفة أو ملء فراغ، بل تعكس هندسة مدروسة تُوازن بين ثقل السلطة التنفيذية والمحلية، والخبرة البرلمانية المتراكمة وبين الوجوه الصاعدة حديثا.

    في قلب هذه اللائحة، تقف فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية للحزب وعمدة مراكش، ووزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وهي تتصدر مجددا دائرة العاصمة الحمراء سيدي يوسف بن علي، المعقل الذي تدافع عنه منذ أول تجربة انتخابية لها سنة 2009، وفازت به مرتين متتاليتين في 2016 و2021 .

    ليست مصادفة أن يكون اسمها هو نفسه المرشح بقوة لرئاسة الحكومة في حال حصوله على الأغلبية، في سابقة لم يعرفها الحزب من قبل حين تختار قائدة الحزب ومنسقة قيادته الجماعية أن تخوض معركتها الشخصية من “الملعب الصعب”، بدل أن تتموضع في مكان مضمون ومُعبّد، فيما الرسالة السياسية تتجاوز مراكش لتصل إلى كل الدوائر الأخرى ومفادها أن القيادة لا تطلب من غيرها ما لا تفعله هي نفسها.

    إلى جانبها، نجوى ككوس رئيسة المجلس الوطني للحزب، الحاصلة على شهادة الأهلية لمهنة المحاماة والباحثة في سلك الدكتوراه في القانون الدولي، والتي كانت في 2021 وجه الحزب في اللائحة الجهوية النسائية بالدار البيضاء، تنتقل هذه الدورة لتخوض معركة مفتوحة في دائرة أنفا بالدار البيضاء، القلب الاقتصادي للمملكة.

    أما منال باديل رئيسة جماعة برشيد، فتجسد نموذجا مختلفا هو الانتقال من التسيير المحلي التنفيذي إلى المنافسة التشريعية المباشرة في الرقعة الجغرافية نفسها التي بنت فيها شرعيتها الانتخابية.

    بشرى الوردي، رئيسة المجلس الإقليمي للخميسات، هي أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ الإقليم، وقدمت نموذجا لافتا آخر في الانتقال الحزبي نفسه، فبعد أن بنت مسارها السياسي داخل التجمع الوطني للأحرار، اختارت الالتحاق بـ”البام” في يونيو الماضي، لتصبح وكيلة لائحته في دائرة تيفلت الرماني، وبالتالي فإن التحاقها لم يكن مجرد تعزيز عددي بل استقطاب لرأس مال سياسي ميداني جاهز.

    في الشمال، تعيد زينب سيمو النائبة البرلمانية الحالية عن دائرة العرائش، والتي راكمت حضورا ميدانيا لافتا طوال الولاية 2021-2026 مع “الأحرار”، تجديد رهانها على الدائرة نفسها معتمدة هذه المرة على حصيلة عمل برلماني ملموس بدل الوعود.

    وفي تصريح لـ”AM+ MEDIA”، أكدت سيمو أن قرار الترشح مجددا بلون “البام” نابع من “إحساس كبير بالمسؤولية” تجاه ساكنة العرائش، مشيرة إلى أن هموم المواطنين وتطلعاتهم كانت حاضرة في عملها البرلماني طوال الولاية الماضية، وأنها تطمح إلى مواصلة الترافع عنها والدفاع عنها داخل المؤسسة التشريعية.

    وأضافت أن العمل الميداني ظل بالنسبة إليها جزءا أساسيا من الممارسة السياسية، معتبرة أن القرب من المواطنين والاستماع إليهم يشكلان المدخل الحقيقي لتشخيص انتظاراتهم ونقلها إلى البرلمان.

    واعتبرت أن انضمامها إلى حزب الأصالة والمعاصرة جاء انطلاقا من قناعة بمشروعه السياسي وقيمه، واصفة الحزب بأنه “الدار الكبيرة” تقوم على العمل الجماعي وخدمة المواطن، مؤكدة أن المرحلة المقبلة تفرض مواصلة الاشتغال بنفس القرب والمسؤولية، بما يستجيب لتطلعات ساكنة الإقليم ويعزز الثقة في العمل السياسي.

    وفي الجنوب الشرقي والجنوب، تبرز حكايتان مغايرتان لكل من إيمان لموي وحنان الماسي، وكلتاهما وصلتا إلى البرلمان في 2021 عبر اللائحة الجهوية المخصصة للنساء بجهتي درعة تافيلالت وسوس ماسة على التوالي، إذ تنتقلان الآن لقيادة معركتين محليتين مفتوحتين في كل من ورزازات وتارودانت الجنوبية وهذا الانتقال بالضبط هو ما يفتح الباب لفهم المنطق الأعمق الذي يحكم هذا الرهان الحزبي.

    وأكدت إيمان لموي، أن ترشحها يأتي من قناعة بأن المرحلة المقبلة تتطلب حضورا ميدانيا أقوى، وإصغاء أكبر لانتظارات المواطنين، معتبرة أن الترافع عن قضايا الإقليم يفرض عملا مستمرا يتجاوز الفترات الانتخابية.

    وقالت لموي في تصريح لـ”AM+ MEDIA”، ورزازات تمتلك مؤهلات كبيرة لكن طموح ساكنتها أكبر، لذلك نطمح إلى أن يكون صوت الإقليم حاضرا بقوة داخل البرلمان وأن نواصل الدفاع عن الملفات ذات الأولوية، سواء تعلق الأمر بالتشغيل أو الاستثمار أو الخدمات الأساسية أو تثمين المؤهلات الاقتصادية والسياحية والثقافية التي تزخر بها المنطقة.

    وأضافت أن حزب الأصالة والمعاصرة يوفر فضاء للعمل الجاد والمسؤول، مؤكدة أن الرهان اليوم هو تعزيز الثقة في العمل السياسي عبر القرب من المواطنين، والإنصات لانشغالاتهم، وتحويل انتظاراتهم إلى مبادرات ومرافعات داخل المؤسسة التشريعية.

    من “الجهوية” إلى “المحلية”.. متى تتحول “الكوطا” إلى منصة إقلاع؟

    في تصريح يستحق التوقف عنده مليا، لخّص سمير كودار عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة ورئيس قطب التنظيم، فلسفة هذا التوجه بجملة دقيقة، مفادها أن “البام” “من الأحزاب القليلة التي ستقدم سبع مرشحات في سبع دوائر محلية”، مضيفا أن “البام” أيضا من “الأحزاب النادرة” التي دفعت بثلاث من نائباته المنتخبات في 2021 عبر اللوائح الجهوية إلى اللوائح المحلية، بعد الخبرة التشريعية التي تراكمت لديهن خلال الولاية 2021-2026 “.

    هذا التصريح، حمل في جوهره اعترافا سياسيا صريحا بأن اللوائح الجهوية النسائية كما صُممت أصلا كانت تعمل كـ”جزيرة معزولة” داخل الخريطة الانتخابية تضمن للمرأة في أحسن الأحوال مقعدا برلمانيا، لكنها في الآن نفسه تحصرها في مسار مواز لا يتقاطع مع المنافسة “الحقيقية” التي تُخاض في الدوائر المحلية.

    بمعنى آخر، كانت الكوطا الجهوية أشبه بسقف حماية وسقف تحجيم في الوقت ذاته، وما تقوله تجربة “البام” الحالية هو أن هذا السقف بدأ يتصدع، فالخبرة التي اكتسبتها إيمان لموي وحنان الماسي ونجوى ككوس داخل قبة البرلمان تحولت في حساب الحزب إلى “رصيد انتخابي” قابل للاستثمار مباشرة في مواجهة مرشحين رجال أقوياء على أرضهم، وبالتالي اللائحة الجهوية إذن لم تعد بالنسبة لهؤلاء النساء محطة نهاية المسار، بل محطة انطلاق نحو “الملعب الأصعب”.

    الاختبار الحقيقي.. ماذا يقول تاريخ الانتخابات المغربية؟

    لكن الخطاب السياسي وحده لا يكفي لقياس حجم هذا التحول، إذ لم يسبق لأي حزب مغربي أن قدّم سبع نساء في اللوائح المحلية، وهذا يعني أننا أمام رقم غير مسبوق ولأسباب متعددة تتقاطع فيها ثلاثة مستويات من القراءة.

    المستوى الأول، سجله “البام” بنفسه في الاستحقاق السابق لسنة 2021، حيث كان الحزب هو نفسه الأوفر حظا من بين كل الأحزاب المغربية في هذا الباب، بفضل تقديمه أربع نساء وكيلات لوائح محلية هن على التوالي فاطمة الزهراء المنصوري، وفاطمة الزهراء بنطالب، وأسماء الشعبي، وخديجة حجوبي، وهو ما جعله يوصف حينها بـ”الحزب الوحيد الذي رشح أربع نساء وكيلات للوائح الانتخابية”، والرقم الحالي سبع نساء، لا يمثل تحسنا تدريجيا بل قفزة تقارب الضعف مقارنة بأفضل أداء عرفه أي حزب مغربي في الانتخابات الأخيرة، بما فيها الحزب نفسه.

    المستوى الثاني، هو السياق الوطني العام وهو الأكثر كشفا للحجم الحقيقي لهذا الرقم، فمن بين نحو 1472 لائحة محلية تنافست عليها كل الأحزاب مجتمعة في انتخابات 2021 لمجلس النواب، لم تتصدر النساء كوكيلات لوائح إلا 97 فقط، أي أقل من 7 في المئة من الإجمالي الوطني.

     وحين ننتقل من الترشيحات إلى النتائج الفعلية تصبح الصورة أكثر قسوة، فعدد النساء اللواتي وصلن فعليا إلى قبة البرلمان عبر اللوائح المحلية لم يتجاوز 9 أو 10 نساء في انتخابات 2016، مع تراجع إلى ستّ نساء فقط في 2021، عبر كل الأحزاب المتنافسة مجتمعة على المستوى الوطني بأكمله.

    والمفارقة الصادمة هنا أن أربعة من هؤلاء الست كنّ بالفعل من “البام” وحده، وهن بديعة الفيلالي، وخديجة حجوبي، وفاطمة الزهراء المنصوري، وفاطمة الزهراء بنطالب بينما اقتسمت “التقدم والاشتراكية” و”الاستقلال” المقعدين المتبقيين، أي بعبارة أخرى الحزب لم يكن يهيمن فقط على “من ترشح”، بل على “من فزن” أيضا قبل أن يضاعف رهانه اليوم بأربعة أسماء إضافية.

    المستوى الثالث، هو المرآة المقارنة مع منافسي 2026 أنفسهم،  فبينما يدفع “البام” بسبع نساء لقيادة لوائح محلية، لم يتجاوز حزب التجمع الوطني للأحرار الحزب الأول في الحكومة الحالية من حيث عدد المقاعد، أربع دوائر محلية للنساء من أصل 89 دائرة حُسمت ترشيحاتها، وهو نفس السقف الذي لم يتخطاه حزب العدالة والتنمية ضمن 91 دائرة، بينما اقتصر حزب التقدم والاشتراكية على الإعلان عن قائمة أولية تضم 6 نساء بشكل عام، دون تخصيص واضح لعددهن ضمن اللوائح المحلية تحديدا،  وبالتالي المشهد إذن ليس فقط أن “البام” يتفوق على نسخته السابقة من نفسه بل يتفوق أيضا بفارق واضح عن أقوى منافسيه المباشرين في نفس الاستحقاق.

    يبقى استثناء واحد يستحق الإشارة، لأنه يوضح الفرق الجوهري بين نوعين من “الجرأة الانتخابية”، ففي 2021، سجل حزب الحركة الشعبية “سابقة وطنية” حين قدّم لائحة نسائية بنسبة 100 في المئة في مقاطعة جليز بمراكش ضمن الانتخابات الجماعية، لكن هذا النموذج مختلف بنيويا عمّا يفعله “البام” الآن، فتلك كانت لائحة واحدة كاملة النساء في دائرة واحدة على المستوى المحلي الجماعي، بينما يوزّع “البام” اليوم سبع نساء منفردات، كل واحدة تقود معركة مستقلة في دائرة تشريعية مختلفة، أمام خصوم رجال أقوياء تاريخيا في تلك المناطق بعينها، بينما الفارق ليس في العدد فقط، بل في طبيعة المخاطرة السياسية، لأن قيادة معركة فردية في مواجهة مباشرة تختلف جذريا عن الظهور ضمن لائحة جماعية محمية.

  • “البام” يعلنها.. رئاسة الحكومة هدف 2026 ويزكي 90 مرشحا

    “البام” يعلنها.. رئاسة الحكومة هدف 2026 ويزكي 90 مرشحا

    لم يكن المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة مجرد محطة تنظيمية عادية، بل إعلانا عن دخول الحزب رسميا أجواء الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، بتعزيز المكتب السياسي بكفاءتين بارزتين، والكشف عن الخطوط العريضة للبرنامج الانتخابي، وتقديم أسماء جديدة للاستحقاقات المقبلة.

    وكان انضمام فوزي لقجع وينجا الخطاط إلى المكتب السياسي من أبرز مفاجآت هذه المحطة، إذ أكدت فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية، أن الحزب يظل “منفتحا على جميع الكفاءات المحلية والجهوية والوطنية”.

    وقالت المنصوري إن فوزي لقجع وينجا الخطاط، بما يتمتعان به من كفاءة وشعبية وروح مواطنة، سيشكلان إضافة من شأنها تقوية حزب الأصالة والمعاصرة وتعزيز حضوره السياسي والتنظيمي.

    وخاطبت المنصوري العضوين الجديدين قائلة: “لم تلتحقا بحزب سياسي ومشروع مجتمعي فقط، بل بأسرة سياسية وأسرة نضال لحزب تأسس منذ 18 سنة، وعاش أزمات، لكنه خرج قويا منها على الدوام، ما جعله يستقطب ثقة المواطنين”.

    وجاء تقديم العضوين وسط تفاعل كبير من الحاضرين، في مشهد عكس الرهان الذي يضعه الحزب على استقطاب أسماء تمتلك خبرة في التدبير وحضورا على المستويين الوطني والجهوي.

    “سيدة” المنصة وثقافة المحاسبة من الداخل

    وفي واحدة من أكثر لحظات الدورة دلالة، طلبت فاطمة الزهراء المنصوري التقاط صورة جماعية تضم أعضاء المكتب السياسي والمشرفين على إعداد البرنامج الانتخابي.

    وفي وقت ظنها الجميع صورة تذكارية، حرصت المنصوري على توضيح أنها لن تكون تذكارية فحسب، بل ستتيح للجميع معرفة من ساهم في إعداد البرنامج، ومن سيتحمل المسؤولية ويحاسب لاحقا عن حصيلة تنفيذه.

    وعلى امتداد أشغال المجلس، حافظ اللقاء على طابعه الاحتفالي، من دون أن يؤثر ذلك في انسيابية التنظيم أو انتظام الفقرات، وظهر الحماس بشكل خاص عند تقديم الأعضاء الجدد والمرشحين وقيادات الحزب، فيما تحولت القاعة مرارا إلى فضاء للهتافات والتصفيقات.

    وعندما أعلن عن اسم المنصوري على رأس المرشحات، بدت منتشية بتفاعل القاعة، ووقفت بثقة وتقدمت بخطوات ثابتة لتحية مناضلي الحزب، بينما تعالت الهتافات والتصفيقات، ولم يكن غريبا أن يتكرر المشهد كلما ورد اسمها خلال أشغال المجلس، في تعبير عن المكانة التي تحظى بها داخل التنظيم.

    هذا الالتفاف عبّر عنه سمير كودار، عضو المكتب السياسي، صراحة في كلمته، حين أكد أن المنصوري أدت دورا أساسيا في الحفاظ على تماسك الحزب، معتبرا أنه لولا وجودها لطغت الخلافات والانشقاقات الداخلية على التنظيم.

     7 نساء.. المرأة ليست رقما انتخابيا

    وشهد اللقاء أيضا تقديم عدد من الأسماء المرشحة ضمن اللائحة الوطنية، في خطوة قدمت على أنها تحدث لأول مرة بهذا الحجم، بترشيح سبع نساء، هي فاطمة الزهراء المنصوري في دائرة المدينة-سيدي يوسف بنعلي، ونجوى كوكوس في دائرة الدار البيضاء-أنفا، ومنال بديل في دائرة برشيد، وحنان الماسي في دائرة تارودانت الشمالية، وزينب السيمو في دائرة العرائش، وإيمان لموي في دائرة ورزازات، وبشرى الوردي في تيفلت- الرماني.

    وعند تقديم اسمها، بدت المنصوري منتشية بتفاعل القاعة، فوقفت بثقة، وتقدمت بخطوات ثابتة لترد تحية مناضلي الحزب، بينما تعالت الصرخات والهتافات والتصفيقات، ولم يكن غريبا أن يتكرر المشهد كلما ورد اسمها خلال أشغال المجلس، في تعبير واضح عن المكانة التي تحظى بها داخل التنظيم.

    هذا الالتفاف عبّر عنه سمير كودار صراحة في كلمته، حين أكد أن المنصوري أدت دورا أساسيا في الحفاظ على تماسك الحزب، معتبرا أنه لولا وجودها لكانت الخلافات والانشقاقات الداخلية قد طغت على التنظيم.

    المنصوري، وخلال حديثها عن تمثيلية النساء، أقرت بأن العدد المقدم، رغم أنه غير مسبوق على المستوى الوطني، يظل غير كاف، مؤكدة أن طموح الحزب أكبر نحو تحقيق المناصفة الفعلية، حتى تشكل النساء 50 في المئة من مواقع المسؤولية والترشيح.

    وشددت المنصوري على أن المرأة ليست مجرد رقم داخل اللوائح الانتخابية، بل هي “حارسة للقيم”، بما يمنح حضورها في المؤسسات والهيئات السياسية بعدا يتجاوز التمثيلية الشكلية إلى المشاركة الكاملة في صناعة القرار.

    وبعدما دعت النساء الخمس للالتحاق بها رفقة نجوى كوكوس بالمنصة، وأثناء التقاط الصورة التذكارية للمرشحات، قالت المنصوري ممازحة مناضلي حزبها “هذه هي تشكيلة المكتب السياسي المقبل”.

     90 مرشحا.. العد العكسي للانتخابات ينطلق

    وكشف حزب “الجرار” على لسان عضو المكتب السياسي سمير كودار، اللائحة النهائية لمرشيحه للانتخابات المقبلة، وضمت محمد الحموتي (الحسيمة)، وعبد اللطيف الغلبزوري (طنجة أصيلة)، وعبد السلام الشلاف (الفحص أنجرة)، ومحمد العربي احنين (تطوان)، ومحمد العربي المرابط (المضيق الفنيدق)، وزينب سيمو (العرائش)، وعبد الحفيظ المكوتي (شفشاون)، والعربي المحرشي (وزان).

    واعتمد الحزب خطة استمرار الوجوه بجهة الشرق بتعيين رضوان بوكطاية (جرادة)، وعبد القادر حضوري (وجدة أنجاد)، وعبد الرحمان السهلي (تاوريرت)، وحميد الشاية (فجيج)، ومحمد المومني (الناضور)، ومحمد البرنيشي (جرسيف)

    وراهن “البام” على دخول سباق الانتخابات المقبلة بأطر ووزراء الحزب بجهة الرباط سلا القنيطرة حيث يقود الوزير محمد مهدي بنسعيد دائرة الرباط المحيط، وأديب إبن ابراهيم دائرة الرباط شالة، فيما تمت تزكية عماد الريفي (سلا المدينة) والعربي الرويش (سلا الجديدة).

    وضمت باقي أقاليم الجهة كلا من محمد الهيلالي (الصخيرات تمارة)، ومحمد شرورو وبشرى الوردي (الخميسات وتيفلت الرماني)، وميلود شليخ وعبد العزيز البوحسيني (القنيطرة والغرب)، والسعد ابن زروال (سيدي قاسم)، ولحسن عواد (سيدي سليمان).

    وفي جهة فاس مكناس، شملت التزكيات محسن أزمي وعزيز اللبار (فاس الشمالية والجنوبية)، وحسن بالمقدم (مولاي يعقوب)، وإدريس الشبشالي (صفرو)، ومحمد الميري (بولمان)، وأنس الأنصاري (مكناس)، والدقاقي أحمد (الحاجب)، ومحمد امغار (تازة)، ومحمد أشقيق (إفران)، وعبد اللطيف الفوقير ومحمد الحجيرة (تاونات تيسة والقرية غفساي).

    ودفع “الجرار” في جهة الدار البيضاء سطات رئيسة مجلسه الوطني، نجوى ككوس (أنفا)، ومحمد التويمي بنجلون (الفداء مرس السلطان)، وعادل البيطار (عين السبع الحي المحمدي)، وصلاح الدين الشنكيطي (الحي الحسني)، وعبد الحق شفيق (عين الشق)، وأحمد بريجة (سيدي البرنوصي)، ومصطفى جداد (ابن مسيك)، ومحمد حماما (مولاي رشيد)، ومحمد السالمني (النواصر)، وعبد الرحيم بنضو (مديونة)، ومحمد أمين العطواني (المحمدية)، وبديل عثمان (سطات)، وكريم الزيادي (بنسليمان)، ومنال باديل (برشيد)، ومهدب محمد (الجديدة)، وعبد الكريم أمين (سيدي بنور).

    وحسم الأصالة والمعاصرة لائحة الترشيحات في بني ملال خنيفرة بتزكية هشام الصابري (بني ملال)، وبدر فوزي ومحمد بنعلي (بزو واويزغت وأزيلال دمنات)، وأحمد فضلي (الفقيه بنصالح)، وحمان باحسين (خنيفرة)، وخليفة مجدي (خريبكة).

    وتصدرت المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية فاطمة الزهراء المنصوري لائحة الترشيحات بجهة مراكش عن دائرة المدينة سيدي يوسف بن علي، ومحمد صباري (جليز النخيل)، وطارق حنيش (المنارة)، وهشام المهاجري (شيشاوة)، وأحمد التويزي (الحوز)، وعبد الرحيم واعمر (قلعة السراغنة)، وإبراهيم بنجلون (الصويرة)، وعز الدين الميداوي (الرحامنة)، ومحمد كاريم (أسفي)، ويوسف رويجل (اليوسفية).

     وتمت تزكية، في درعة تافيلالت، كلا من عبد الله العمري (الرشيدية)، وإيمان لموي (ورزازات)، ويوسف امنزو (زاكورة)، ومحمد ارهمي (تنغير).

    وفي سوس ماسة، راهن “البام” على وزير العدل عبد اللطيف وهبي وحنان الماسي دائرتي تارودانت الشمالية والجنوبية، إلى جانب حميد وهبي (أكادير إداوتنان)، ومحمد أودمين (إنزكان آيت ملول)، والحسين الفارسي (اشتوكة آيت باها)، وحسن التابي (طاطا), فؤاد المومني (تيزنيت)

     وفي الأقاليم الجنوبي، تقدم ينجا الخطاط لائحة الترشيحات (وادي الذهب) وعبد الفتاح أهل المكي (أوسرد)، إضافة إلى جمال سيداتي (سيدي إفني)، والمهدي البتايت (كلميم)، ورشيد التامك (آسا الزاك)، وإبراهيم وعبان (طانطان) بجهة كلميم واد نون.

    أما بجهة العيون الساقية الحمراء فتمت تزكية سيدي محمد سالم الجماني (العيون)، ومحمد الجماني (السمارة)، وعبد الله دبدا (بوجدور)، وعبد الحي حرطون (طرفاية).

    الاستمرارية والتجديد العنوانان الأبرزان

    ووفق المعطيات التي تحصلت عليها جريدة “AM+ MEDIA”، فـ”البام” وازن بين الاستمرارية والتجديد استعدادا للانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026.

    وعلى المستوى الميداني والتنظيمي، تعكس أرقام الأقدمية حضورا مكثفا لخبرة الوجوه التي خاضت استحقاقات سنة 2021 بـ 52 مترشحا، أي أكثر من 57 بالمئة من إجمالي الترشيحات، مقابل الدفع بـ 38 وجها يترشحون لأول مرة كوكلاء لوائح محلية.

    وسجلت اللوائح المحلية، وفق المعطيات ذاتها، حضورا نسائيا في 7 مترشحات، مما يظهر مكانة متميزة للمرأة داخل الحزب، تضاف إليهن مرشحات الدوائر الجهوية.

    وتشير إحصائيات البروفايلات الأكاديمية والمهنية لمرشحي “البام”، إلى حضور رجال وسيدات الأعمال والمقاولين بـ 49 ترشيحا، بواقع 42 رجل/سيدة أعمال و7 مقاولين، إلى جانب حضور مهم للمهن القانونية كالمحامين (7) والموثقين (3)، فضلا عن أطر ومهندسين وأطباء وأساتذة جامعيين وفلاحين، مما يعكس الهوية البرغماتية للتزكيات.

    برنامج انتخابي ثمرة سنة من العمل

    وبالتوازي مع الجانب التنظيمي، كشف الحزب لمناضليه عن الملامح الأساسية لبرنامجه الانتخابي المقبل، إذ أكد أحمد اخشيشن، رئيس أكاديمية الحزب، أنه جاء ثمرة عمل استمر زهاء عام، وبمجهود كبير لأطر وكفاءات الحزب.

    ويسعى الحزب من خلال برنامجه إلى تقديم عرض سياسي يرتكز على القضايا الاجتماعية والاقتصادية، ودعم القدرة الشرائية، وتوفير فرص الشغل، وتحسين خدمات التعليم والصحة، وتعزيز العدالة المجالية، إلى جانب توسيع مشاركة النساء والشباب في الحياة السياسية.

    وأكد اخشيشن، أن بلادنا أصبحت مطالبة بدخول زمن المغرب الصاعد الذي نادى إليه الملك محمد السادس، مبرزا أن الأصالة والمعاصرة وهو يعد برنامجه الانتخابي تعاطى بجدية ومسؤولية مع الدعوة الملكية، من أجل تنزيلها على أرض الواقع.

    وأوضح أن الحزب يراهن على برنامج مغرب المستقبل على المدى الطويل، لجعل المغرب بلدا صاعدا بكامل المقومات، موضحا أن تصريف الاختيارات المرتبطة بالمدى الطويل لا يلغي الزمن المحدد المرتبط بالولاية الحكومية.

    وكشف أن 28 فريق عمل، مكونين من 150 من أطر وكفاءات الحزب وخارجه اشتغلت بحرفية حقيقية لتشخيص واقع التنمية اليوم بالمغرب، بعد اللقاءات الميدانية والإنصات لانتظارات المواطنين بمختلف جهات وأقاليم المملكة، قبل وضع حلول يكون المواطن في قلبها، وبنفس طويل يتجاوز سنة 2031.

    ويسعى الحزب، وفق الخطوط العريضة التي قدمها في برنامجه، إلى تقديم عرض سياسي يرتكز على القضايا الاجتماعية والاقتصادية، ودعم القدرة الشرائية، وتوفير فرص الشغل، وتحسين خدمات التعليم والصحة، وتعزيز العدالة المجالية، إلى جانب توسيع مشاركة النساء والشباب في الحياة السياسية.

    وكشف الحزب خلال مجلسه الوطني أن برنامجه الانتخابي سيتم الإعلان عنه رسميا نهاية شهر غشت المقبل، بعد عرضه بشكل تفصيلي على مناضلي الحزب.

    “البام” يراهن على أخلاق ونزاهة منتخبيه

    وفي كلمة قبل تلاوة البيان الختامي، أكدت نجوى كوكوس في آخر دورة للمجلس الوطني قبل الانتخابات التشريعية، أن التعبئة لا تهم المرشحين وحدهم، بل تشمل المرشحين وغير المرشحين وجميع مناضلي الحزب.

    ودعت كوكوس أعضاء الحزب إلى الانتشار الميداني والتعبئة في الجهات والمدن والمداشر والدواوير، معتبرة أن المرحلة المقبلة تتطلب حضورا تنظيميا قويا وقربا أكبر من المواطنين.

    وقالت إن الحزب الذي ينخرط في السياسة يتحمل أيضا مسؤولية إنتاج نخب جديدة، مشيرة إلى أن الترشيحات تعكس تنوعا اجتماعيا ومهنيا، وتضم مثقفين ورجال أعمال وممثلين عن مختلف الفئات.

    وتوقفت كوكوس عند حضور النساء، مؤكدة أن الحزب يقدم، لأول مرة، سبع نساء ضمن لائحته، في خطوة اعتبرها تعبيرا عن الرغبة في توسيع التمثيلية النسائية وتجديد النخب السياسية.

    ورفعت سقف طموح الحزب عندما أكدت أن المشروع الذي يناضل من أجله مناضلو الأصالة والمعاصرة منذ 18 سنة يدخل اليوم مرحلة جديدة، معلنة أن الحزب سيتوجه إلى الانتخابات بهدف رئاسة الحكومة.

    وقالت مخاطبة أعضاء المجلس الوطني إن الحزب يعول عليهم بشكل كبير لتحقيق هذا الطموح، داعية إلى تحويل الحماس الذي طبع اللقاء إلى تعبئة ميدانية داخل مختلف الجهات والأقاليم والجماعات.

    وفي مقابل رفع سقف الطموح الانتخابي، شددت على ضرورة احترام الضوابط القانونية المؤطرة للانتخابات، وحث المرشحين على تقديم صورة مميزة عن المنتخب، قائمة على الالتزام بأخلاقيات العمل السياسي ونبله وخدمة المواطنين، كما يريدها الملك محمد السادس.

    ودعت رئيس المجلس الوطني لـ”البام” إلى جعل الاستحقاقات المقبلة “عرسا ديمقراطيا حقيقيا”، وإلى تجسيد صورة المنتخب المسؤول والنزيه، القادر على الارتقاء بالعمل السياسي والمؤسساتي والاستجابة للتطلعات المعلقة على ممثلي المواطنين.

    وكانت لكلمة كوكوس أصداء قوية داخل القاعة، إذ ما إن أنهت حديثها عن رئاسة الحكومة وأخلاقيات الممارسة السياسية حتى ارتفعت التصفيقات والهتافات، وردد الحاضرون نشيد الحزب وشعاراته، في مشهد اختزل الحماس والتعبئة التي طبعت المجلس، قبل يعود الهدوء للقاعة لتلاوة البيان الختامي.

  • محمد شكال: أرقام “جواز الشباب” دليل على نجاحه وإنصاف شباب القرى أولوية

    محمد شكال: أرقام “جواز الشباب” دليل على نجاحه وإنصاف شباب القرى أولوية

    بعد عامين من إطلاقه، يواصل “جواز الشباب” توسيع قاعدة مستفيديه، بعدما تجاوز سقف مليوني تحميل و500 ألف مستخدم فعلي، ليصبح إحدى أبرز المنصات الرقمية الموجهة للشباب بالمغرب.

    وفي هذا الحوار، يكشف محمد شكال، رئيس مشروع “جواز الشباب” الخلفيات التي رافقت إطلاقه، والتحديات التي سعى إلى معالجتها، وكيفية اختيار الخدمات التي يوفرها، وأسباب الإقبال الكبير على بعضها، خاصة خدمات التنقل والثقافة.

    ويستعرض شكال في الحوار الذي خص به منصة “+AM” الإجراءات المعتمدة لضمان استفادة شباب العالم القروي وتحقيق الإنصاف المجالي، كما يتوقف عند مؤشرات الاستعمال وآفاق تطوير المنصة بما يواكب انتظارات الشباب واحتياجاتهم المتجددة.

    لم يكن الهدف معالجة إشكال واحد فقط، بل مواجهة مجموعة من التحديات المتداخلة التي كانت تحد من استفادة الشباب من الفرص والخدمات المتاحة. فقد أظهرت التشخيصات المنجزة وجود تشتت الخدمات والبرامج الموجهة للشباب بين عدة قطاعات ومؤسسات، وضعف الولوج إلى هذه الخدمات، خاصة بالنسبة للشباب في المناطق القروية والنائية، ونقص المعلومة وصعوبة التعرف على الفرص المتاحة وشروط الاستفادة منها، وغياب منصة موحدة تجمع مختلف الخدمات والعروض في فضاء رقمي واحد.

    ومن هنا جاء “جواز الشباب” كمنصة وطنية موحدة تهدف إلى تقريب الخدمات من الشباب وتسهيل الولوج إليها وتعزيز تكافؤ الفرص بينهم أينما كانوا.

    تم تحديد الخدمات والعروض بناءً على مقاربة تشاركية وواقعية اعتمدت على دراسة حاجيات وانتظارات الشباب في مختلف جهات المملكة، وتحليل الخدمات الأكثر طلباً من طرف هذه الفئة العمرية.

    وتم أيضا التنسيق مع القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والشركاء الخواص، مع الحرص على تغطية المجالات الأساسية التي تهم الشباب، مثل التنقل، والصحة، والتكوين، والثقافة، والترفيه، والمشاركة المواطنة، والخدمات البنكية.

    وبخصوص العروض التي يقدمها “جواز الشباب”، فيتم إخضاعها بشكل مستمر للتقييم والتطوير وفق مؤشرات الاستعمال وملاحظات المستفيدين، بما يضمن ملاءمتها لاحتياجات الشباب المتجددة.

    تشير معطيات الاستعمال إلى أن خدمات التنقل تحتل صدارة الخدمات الأكثر طلباً، وعلى رأسها التخفيضات الممنوحة بشراكة مع المكتب الوطني للسكك الحديدية (أكثر من 800 ألف سفر على متن القطارات).

    كما تعرف الخدمات الثقافية والترفيهية إقبالا مهما، خاصة العروض المتعلقة بالسينما والمتاحف والتظاهرات الثقافية، إضافة إلى الخدمات الصحية والتكوينية.

    ويرجع هذا الإقبال إلى عدة عوامل، أهمها، ارتباط هذه الخدمات بالحاجيات اليومية للشباب، والأثر المباشر للتخفيضات على القدرة الشرائية، إضافة إلى سهولة الاستفادة من الخدمات عبر التطبيق، وتنوع العروض وتغطيتها لمجالات متعددة تهم الشباب.

    يعكس هذا الإنجاز نجاح الرؤية التي تأسس عليها المشروع، ويعود إلى مجموعة من العوامل المتكاملة، من بينها توفير خدمات حقيقية وذات قيمة مضافة للشباب، والحرص على اعتماد مسطرة تسجيل مبسطة وآمنة بفضل التكامل مع الهوية الرقمية الوطنية.

    وتم أيضا توسيع شبكة الشركاء بشكل مستمر وإضافة عروض جديدة، مع تنظيم حملات تواصلية وتحسيسية على المستوى الوطني والجهوي، زيادة على اعتماد التطبيق كمنصة موحدة تجمع خدمات متعددة داخل فضاء رقمي واحد.

    كما أن عدد المستخدمين الفعليين يعكس مستوى التفاعل الحقيقي مع الخدمات، وليس فقط تحميل التطبيق، وهو ما يؤكد أن الشباب لا يكتفون بالتسجيل وإنما يستفيدون فعلياً من العروض المتاحة.

    يشكل الإنصاف المجالي أحد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها “جواز الشباب”، ولذلك تم اتخاذ مجموعة من التدابير لفائدة شباب العالم القروي، من بينها تمكين الشباب من الولوج إلى التطبيق دون الحاجة إلى تعبئة رصيد أو اشتراك في الإنترنت، وذلك بشراكة مع الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات وفاعلي الاتصالات، وتعميم الاستفادة من الخدمات الرقمية على الصعيد الوطني دون تمييز جغرافي.

    وتم أيضا إدماج خدمات التكوين عن بعد بما يسمح للشباب بالعالم القروي من الاستفادة من برامج تكوينية عالية الجودة من أي مكان، وإتاحة خدمات المواكبة والتوجيه والمعلومات عبر التطبيق دون الحاجة إلى التنقل.

    وعملنا أيضا على توسيع شبكة الشركاء والخدمات على المستوى الترابي لضمان استفادة أكبر للشباب في مختلف الأقاليم والجماعات، مع توفير فضاءات للتفاعل المباشر مع الخبراء والشخصيات الوطنية من خلال برامج رقمية مثل “ضيف الجواز”.

    زيادة على ذلك، قمنا بتسهيل الولوج إلى مختلف برامج ومشاريع قطاع الشباب، مثل برنامج “متطوع”، وبرنامج “جائزة المغرب للشباب”، وبرنامج “مهارات”، وغيرها من المبادرات الوطنية.

    وتهدف هذه الإجراءات إلى جعل مكان الإقامة عاملاً غير مؤثر في فرص الاستفادة، بما يضمن تكافؤ الفرص بين شباب العالم القروي ونظرائهم في الوسط الحضري.

  • أنس هدان: نجاح السياسة الشبابية يقاس بالأثر والإنصاف المجالي التحدي الأكبر

    أنس هدان: نجاح السياسة الشبابية يقاس بالأثر والإنصاف المجالي التحدي الأكبر

    بعد خمس سنوات من الولاية الحكومية، وفي ظل سياق استثنائي طبعته تداعيات جائحة كورونا، والضغوط التضخمية العالمية، وتداعيات الحروب والكوارث الطبيعية، يظل تقييم السياسة العمومية الموجهة للشباب أحد أبرز الأسئلة المطروحة.

    وبين إطلاق برامج جديدة، على رأسها “جواز الشباب” و”تدرج”، وتوسيع الخدمات الرقمية والاستثمار في البنيات التحتية، يبرز نقاش حول مدى نجاح هذه المبادرات في الانتقال من منطق الأنشطة الظرفية إلى منطق الإدماج والتمكين وصناعة الأثر الحقيقي في حياة الشباب.

    وفي هذا الحوار، يقدم الخبير في السياسات الشبابية أنس هدان، المدير التنفيذي لحركة مواطنون، قراءة لحصيلة قطاع الشباب، ويتوقف عند مكامن القوة وحدود التجربة، كما يناقش قدرة البرامج الحكومية على مواجهة تحديات البطالة والهشاشة المجالية وظاهرة الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل “NEET”، وآفاق تطوير السياسة العمومية خلال المرحلة المقبلة.

    أعتقد أن تقييم حصيلة قطاع الشباب خلال السنوات الخمس الأخيرة يجب أن ينطلق من مبدأ الإنصاف والموضوعية. فمن جهة، لا يمكن إغفال الظرفية الاستثنائية التي اشتغلت فيها الحكومة، والتي اتسمت بتداعيات جائحة كورونا، وارتفاع معدلات التضخم، والحروب الدولية، ثم الكوارث الطبيعية، وعلى رأسها زلزال الحوز والفيضانات. كل هذه العوامل فرضت ضغوطاً كبيرة على المالية العمومية وعلى أولويات الدولة.

    ورغم هذا السياق، شهد قطاع الشباب ارتفاعاً في الميزانية بحوالي 16 بالمئة، كما تم إطلاق برامج جديدة مثل “جواز الشباب”، وتعزيز الاستثمار في البنيات التحتية، وتوسيع الشراكات مع مختلف الفاعلين. وهي مؤشرات إيجابية تعكس وجود إرادة لتطوير القطاع.

    لكن في المقابل، أعتقد أننا بحاجة اليوم إلى الانتقال من منطق تقييم الإنجاز بالأرقام إلى تقييمه بالأثر. لأن السؤال الحقيقي ليس فقط: كم عدد المستفيدين؟ بل: كيف تغيرت حياة هؤلاء الشباب؟ وهل ساهمت هذه البرامج فعلاً في تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية؟ وهل عززت الثقة بين الشباب والمؤسسات؟

    المغرب اليوم يعيش ما يمكن أن نسميه “مغرباً بسرعتين”. هناك شباب في المدن الكبرى يستفيدون بسهولة من الخدمات الرقمية، وفرص التكوين، والشراكات، والمواكبة، وفي المقابل هناك شباب في العالم القروي، والمناطق الجبلية، والأحياء الهامشية، ما زالوا يواجهون صعوبات في الولوج إلى نفس الفرص. لذلك، فإن نجاح أي سياسة شبابية لا يقاس فقط بعدد البرامج الوطنية، وإنما بقدرتها على الوصول إلى الشباب أينما كانوا، وتقليص الفجوة بين المجالات.

    وفي هذا السياق، أرى أن السياسة العمومية الموجهة للشباب عرفت تطوراً مهماً من حيث الأدوات، خصوصاً مع اعتماد الرقمنة والخدمات المندمجة. لكن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة “التفريد” أو “التكييف الترابي” للسياسات العمومية. فاحتياجات شاب في الدار البيضاء ليست هي احتياجات شاب في الحوز أو جرادة أو زاكورة أو فكيك. لذلك، يجب أن تمنح الجهات والجماعات الترابية ودور الشباب هامشاً أكبر لتطوير برامج تستجيب لأولويات كل مجال، بدل اعتماد مقاربة موحدة على المستوى الوطني.

    بخصوص “جواز الشباب”، فأعتبره من بين المبادرات التي تحمل إمكانات كبيرة. فهو لا يقتصر فقط على تقديم تخفيضات أو خدمات، بل ساهم أيضاً في التعريف بحقوق وخدمات كانت موجودة منذ سنوات لكنها لم تكن معروفة لدى أغلب الشباب، مثل المراكز الصحية الخاصة بالشباب وبعض الخدمات العمومية الأخرى. وهذا في حد ذاته مكسب مهم.

    لكن لكي يتحول جواز الشباب إلى رافعة حقيقية للإدماج، ينبغي أن يتجاوز منطق “تجميع الخدمات” إلى منطق “مرافقة المسار”. أي أن يصبح منصة تربط الشاب بالتكوين، والتوجيه، وفرص الشغل، وريادة الأعمال، والصحة النفسية، والسكن، والثقافة، والعمل التطوعي، والمشاركة المواطنة، مع تتبع لمساره وليس فقط توفير خدمة معزولة.

    ومن النقاط التي أعتقد أنها تستحق مزيداً من التطوير، مسألة إشراك الشباب أنفسهم في تصميم السياسات العمومية. فغالباً ما نستشير الشباب بعد إعداد البرامج، بينما المطلوب هو إشراكهم منذ مرحلة التشخيص، ثم تصميم الحلول، ثم التتبع والتقييم. الشباب ليسوا فقط مستفيدين من السياسات، بل يجب أن يكونوا شركاء في إنتاجها. وهذا ما سيجعل البرامج أكثر ملاءمة لاحتياجاتهم وأكثر قدرة على تحقيق الأثر.

    تشير المعطيات إلى وجود 1.5 مليون من الشباب في وضعية “NEET”، إلى أي حد يمكن لهذه البرامج أن تساهم في معالجة هذه الظاهرة، بالدرجة الأولى برنامج تدرج بالشراكة مع وزارة التشغيل، وأيضا التكوينات عبر الجمعيات بدور الشباب؟

    أما فيما يتعلق بظاهرة الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل “NEET”، والتي تقدر بحوالي 1.5 مليون شاب، فهي تعكس تحدياً بنيوياً لا يمكن لأي برنامج بمفرده أن يحله. أيضا، برنامج “تدرج” والتكوينات التي تقدمها الجمعيات داخل دور الشباب تمثل خطوة مهمة، لكنها ستظل محدودة إذا لم تكن مرتبطة بمنظومة متكاملة تضم التوجيه المهني، والمواكبة الفردية، والتكوين المرتبط بحاجيات سوق الشغل، والتحفيز على المبادرة، وربط الشباب بالمقاولات والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، إضافة إلى تتبع المستفيدين بعد انتهاء التكوين لمعرفة من اندمج فعلاً ومن بقي خارج الدورة الاقتصادية.

    كما أعتقد أن الجمعيات يجب أن تُنظر إليها كشريك استراتيجي في تنفيذ السياسة العمومية للشباب، لأنها الأقرب إلى الواقع المحلي والأقدر على الوصول إلى الفئات الهشة، خاصة في المناطق التي يصعب على المؤسسات العمومية تغطيتها بنفس الفعالية.

    يمكن القول إن السنوات الخمس الماضية عرفت انتقالا مهما من منطق تنظيم الأنشطة إلى منطق تقديم الخدمات، وهو تحول إيجابي يجب تثمينه، لكن التحدي الحقيقي خلال المرحلة المقبلة هو الانتقال إلى مستوى ثالث: منطق صناعة الأثر، أي بناء سياسة شبابية قائمة على الإنصاف المجالي، وعلى إشراك الشباب منذ مرحلة التصميم، وعلى الاعتماد على المعطيات والاحتياجات الترابية، وعلى قياس النتائج الحقيقية في حياة الشباب وليس فقط عدد المستفيدين.

    فنجاح السياسة الشبابية لن يقاس بعدد التطبيقات أو التكوينات، وإنما بقدرتها على بناء مغرب بسرعة واحدة، لا يشعر فيه أي شاب، أينما كان، بأنه أقل حظا في الوصول إلى الفرص والخدمات.

  • فاطمة الزهراء المنصوري.. الوجه الإنساني لـ”المرأة الحديدية”

    فاطمة الزهراء المنصوري.. الوجه الإنساني لـ”المرأة الحديدية”

    تقف فوق كرسي بلاستيكي، وحولها عشرات الوجوه التي لم تنم منذ الليلة السابقة، وعيون تبحث عن إجابات أكثر مما تبحث عن وعود. بلا ميكروفونات، ولا كاميرات، ولا إجراءات بروتوكولية تمهد لها الطريق، فقط امرأة تحاول أن تجعل صوتها يصل إلى آخر الواقفين في مركز إيواء متضرري زلزال الحوز.

    كانت تلك المرأة هي فاطمة الزهراء المنصوري. في تلك اللحظة، تراجعت الوزيرة والعمدة، وبرز وجه آخر، امرأة تحمل هم مواطنين، في مشهد لم يكن مرتبا، ولم يكن هناك من يبحث عن التقاط صورة مناسبة تتصدر منصات “البوز”.

    لكن ما لم يظهر في الفيديو المتداول هو ما سبق تلك اللحظة قبل أيام قليلة ليلة الزلزال؛ مكالمة قلقة من الرباط، وقرار اتخذ في دقائق، ثم طريق طويلة نحو مدينة لم تكن قد استوعبت بعد حجم فاجعتها ودمارها.

    تقول سلمى بنزبير، الأمينة الجهوية لحزب الأصالة والمعاصرة بجهة الرباط: “ليلة الزلزال كنا في الرباط، واتصلت بي المنصوري بعد دقائق من الهزة التي بلغ مداها العاصمة، ولم نكن نعرف بعد حجم ما وقع، وقالت لي بقلق: يا ربي ما يكونوش الناس تضرروا”.

    تواصل بنزبير بتأثر وهي تسترجع تفاصيل ليلة حزينة: “بعد نحو عشرين دقيقة، اتصلت بي مجددا وقالت لي: خصنا نكونوا فمراكش مع الناس”، مضيفة أن المنصوري توجهت وحيدة تلك الليلة إلى مراكش بسيارتها الخاصة.

    ربما لم يكن ذلك المشهد سوى مفتاح لفهم شخصية فاطمة الزهراء المنصوري، فخلف الملامح التي توحي بالحزم، تقيم امرأة يصعب عليها أن تنظر إلى السياسة بوصفها منصبا أو امتيازا، فبالنسبة إليها، تبدأ المسؤولية حين يحتاج الناس إلى من يكون بينهم.

    لذلك، لم يكن حضورها مقتصرا على المدينة الحمراء، بل حملها التزامها الإنساني قبل مسؤوليتها إلى القرى والدواوير التي خلف الزلزال فيها وجعا كبيرا، في الحوز وشيشاوة وتارودانت وورزازات وغيرها، بسيارتها الخاصة، وهناك، لم تكن المسافات ما يشغلها أو يؤرقها، بل تشابه الوجوه التي فقدت بيوتا وأقارب، وتشابه الحاجة إلى من يصغي ويطمئن قبل أن يعد.

    من القانون إلى السياسة

    ملامحها، للوهلة الأولى، توحي بشخصية صارمة، نظرة حادة يقابلها حضور هادئ وكلمات محسوبة، لكن هذه الصورة لا تكتمل إلا عندما تبتسم، أو عندما تتحدث عن مراكش التي تسكنها، أو عن الشباب، أو عن النساء، أو عن السياسة كما تتصورها هي.

    المقربون منها يؤكدون أن قوة المنصوري لا تستمدها من القسوة، بل من فرط حساسيتها تجاه ما تعتبره واجبا، ولهذا تؤكد سلمى بنزبير أن إنسانية المنصوري الكبيرة هي التي صنعت منها امرأة حديدية، وليس العكس، فقوتها تأتي من إحساسها العميق بمسؤوليتها تجاه الناس، وعندما تختار أن تحارب، فإنها تفعل ذلك دفاعا عن قضية أو عن مواطن، لا من أجل إثبات ذاتها.

    لم تبدأ علاقتها بالسياسة داخل مقر حزبي، بل في مكتبة منزل العائلة وحول مائدة كانت النقاشات العامة جزءا من تفاصيلها اليومية، فهناك تشكل وعيها الأول، قبل أن تصقل دراسة القانون هذا الميل إلى الاحتكام للعقل والحجة والأرقام أكثر من الانفعال.

    تروي المنصوري، المزدادة في الثالث من يناير 1976 بمراكش، أن النقاشات السياسية كانت حاضرة داخل الأسرة، وأن والدها سفير المغرب السابق بالإمارات وباشا مراكش ونقيب المحامين بالمدينة الحمراء، عبد الرحمان المنصوري، رحمه الله، زرع فيها الاهتمام بالشأن العام، فيما غذت قراءاتها للكتب السياسية في ريعان شبابها هذا الميل.

    بدأت مسارها المهني محامية متخصصة في قضايا العقار والأراضي، قبل أن تجد نفسها، سنة 2008، ضمن المؤسسين الأوائل لحزب الأصالة والمعاصرة، بعد تجربة “حركة لكل الديمقراطيين”، التي جاءت في سياق أزمة العزوف السياسي التي كشفتها انتخابات 2007.

    لذلك، بالنسبة إليها، لم تكن السياسة خيارا فرديا بقدر ما كانت استجابة لسؤال كيف يمكن إعادة الثقة للمغاربة في العمل السياسي؟

    “امرأة حديدية” ولكن..

    توصف فاطمة الزهراء المنصوري بـ”المرأة الحديدية”، لكنها غير متحمسة لهذا اللقب؛ فالمقربون منها يرون أن الصورة التي ترسمها ملامحها الهادئة ونظراتها الحادة لا تعكس بالضرورة شخصيتها اليومية، فهم يتحدثون عن امرأة بشخصية مرحة بالفطرة المراكشية.

    بالنسبة إليهم، لا تنبع قوتها من القسوة، بل من إحساس عميق بالمسؤولية، لأنها تجمع بين الحزم في اتخاذ القرار واللين في التعامل مع الناس، وبين الصرامة في تدبير الملفات والقدرة على الإصغاء لمختلف الآراء، وربما لهذا يصفها بعض رفاقها بأنها “امرأة حديدية” لكن بقلب حساس، إذ لا تدخل معركة لإثبات ذاتها، بقدر ما تدخلها عندما تعتقد أنها تدافع عن فكرة أو مؤسسة أو مواطن.

    في المغرب، حيث ما تزال النساء فيه يشققن طريقهن إلى مواقع القرار بصعوبة، تحولت تجربة المنصوري إلى مصدر إلهام بالنسبة إلى عدد من الشابات. فداخل منظمة شباب الأصالة والمعاصرة، تقول كثيرات إن مسارها وحضورها كان من بين الأسباب التي شجعتهن على طرق باب العمل السياسي، ليس لأنها قدمت خطابا موجها لاستقطاب النساء، وإنما لأنها جسدت، في نظرهن، إمكانية الوصول إلى المسؤولية من خلال العمل والتدرج داخل المؤسسات.

    وتقول ياسمين، إحدى المناضلات الشابات بالحزب، إنها اختارت الانضمام إلى الأصالة والمعاصرة بعدما رأت في فاطمة الزهراء المنصوري وزميلاتها في الحزب نموذجا مختلفا للمرأة السياسية؛ نموذجا يقوم على الكفاءة والانخراط في النقاش، في حزب يتيح للنساء التعبير عن آرائهن والمشاركة في صناعة القرار.

    ولا تفصل المنصوري نجاحها الشخصي عن مسار النساء الأخريات، فهي تردد، في أكثر من مناسبة، أن حضور المرأة في مواقع القرار لا ينبغي أن يبقى حدثا استثنائيا أو مناسبة للاحتفاء، بل أن يصبح أمرا طبيعيا، تقاس فيه المسؤوليات بالكفاءة والقدرة على خدمة الشأن العام فقط.

    السياسة في اختبار المواقف

    من بين أكثر مواقفها لفتا للانتباه تلك التي رافقت احتجاجات “جيل زد” وأحداث التخريب التي عرفتها العديد من المدن المغربية، ومن بينها مراكش.

    لم تكتف بإدانة أعمال التخريب، وطرحت سؤالا قد يبدو محرجا لمن يتولى مسؤولية تدبير الشأن العام والمحلي، بمن فيهم هي: “كيف ولماذا وصل أطفال في الثانية عشرة من العمر إلى الشارع في ساعات متأخرة من الليل؟”.

     بالنسبة إليها، كما تؤكد في كثير من تصريحاتها، لم يكن الحدث مجرد انفلات أمني، بل رسالة اجتماعية تستحق وقفة تأمل للفهم، لذلك لا تجد حرجا في الاعتراف بأن المغرب حقق مكاسب مهمة خلال العقود الأخيرة، لكنها ترى في الوقت نفسه أن الغضب الذي يعبر عنه الشباب دليل على أن جزءا من السياسات لم يصل بعد إلى أثره المنشود.

    وعندما وجدت نفسها في قلب الجدل المرتبط بملف أراضي تسلطانت، لم تلذ بالصمت، ولم تختبئ خلف البيانات أو البلاغات، بل خرجت إلى الإعلام، وأجابت عن “القيل والقال”، لتقطع شعرة معاوية بالتأكيد أن الأرض موضع الجدل ورثتها عن أبيها، وصرحت بممتلكاتها قبل تولي أي مسؤولية، وأن المجلس الأعلى للحسابات يتوفر على جميع المعطيات، معلنة استعدادها الكامل لأي تحقيق.

    ولا تبدو هذه المواقف، على اختلاف سياقاتها، معزولة عن بعضها البعض، لأن خيطا ناظما يجمع بينها؛ الميل إلى البحث عن جذور المشكلات لاستئصالها، وعدم التردد في تحمل مسؤولية الإجابة عنها، ففي نظر المنصوري، لا تقاس السياسة بقدرتها على إنتاج الخطابات، وإنما بقدرتها على مواجهة الأسئلة الصعبة.

    في قاموسها السياسة بعيدة عن الحسابات الضيقة، فهي تقول إن السياسة، إذا فقدت معناها، فلن يبق منها سوى الاسم، وإن معناها الحقيقي هو خدمة الآخرين، وهو ما يفسر ابتعادها عن الصدامات الإعلامية، وحرصها على الحديث عن الملفات أكثر من الأشخاص، وعلى الدفاع عن المشاريع أكثر من الدخول في سجالات سياسية، لأنها تؤمن بأن الاختلاف لا يعني الخصومة، وأن المعارضة ليست عداوة، وأن الضرب تحت الحزام لا يبني سياسة ولا مؤسسات.

    وترى سلمى بنزبير أن هذا الأسلوب يجد جذوره في تكوينها الأكاديمي، وتبين أن المحاماة حاضرة في طريقة تفكيرها وفي أسلوب حديثها، مضيفة أن المنصوري “تمتلك رؤيتها الخاصة، ولا تحتاج إلى تزيين كلامها أو تغليفه بعبارات فضفاضة، فهي تتحدث بوضوح، وتعد بما تعتقد أنها قادرة على إنجازه، وعندما يتعذر عليها تحقيق شيء تقول ذلك بصراحة”.

    طريق طويل إلى القيادة

    يكاد يجمع الذين رافقوا فاطمة الزهراء المنصوري في مسارها السياسي على أنها لم تكن من السياسيين الذين يلاحقون المناصب، فكل مسؤولية تقلدتها جاءت بعد سنوات من العمل داخل هياكل الحزب، لا عبر حملات شخصية أو منافسة على المواقع، وحتى عندما كان اسمها يتردد لتولي مناصب قيادية، كانت تميل إلى ترك الحسم للتوافقات الحزبية، معتبرة أن المسؤولية تكليف أكثر منها مكسبا.

    وتؤكد إيمان عزيزو، التي عملت إلى جانبها منذ سنة 2016 داخل المجلس الوطني، أن اختزال صعود المنصوري في اسمها العائلي أو في دعم من مراكز النفوذ لا يعكس حقيقة مسارها، وتقول: “لم يأت بها أحد، وليس اسمها العائلي هو الذي أوصلها إلى ما هي عليه اليوم، فهي مناضلة تدرجت داخل مؤسسات الحزب، من التأسيس إلى المجلس الوطني ثم المكتب السياسي، واشتغلت أيضا داخل الأمانة الجهوية بمراكش، قبل أن تصل إلى مواقع المسؤولية.”

    وتستحضر عزيزو سنوات البدايات لتؤكد أن الطريق لم يكن مفروشا بالامتيازات، بل بالعمل اليومي والمنافسة، فقد كانت المنصوري تنكب على إعداد وثائق الحزب، وتحضر أشغال البرلمان، وتشارك في أعمال اللجان، وهي عضوة في المكتب السياسي، قبل أن تصل إلى ما هي عليه اليوم بعد مسار طويل من التدرج التنظيمي.

    ولعل أكثر ما يعكس علاقتها بالسلطة أنها لم تتعامل مع المسؤوليات باعتبارها غاية في حد ذاتها، بل باعتبارها امتدادا لمسار من الالتزام الحزبي، لذلك، حين كانت تتقدم إلى الواجهة، كان ذلك غالبا في لحظات احتاج فيها الحزب إلى شخصية قادرة على جمع التوافقات أكثر من حاجته إلى زعامة تبحث عن الأضواء.

    تقول بنزبير “هي لا تحب أن تبقى أسيرة المكاتب، ولا تنجذب إلى بيروقراطية الاجتماعات أو الخطب المنمقة، وتميل إلى الميدان، وإلى لقاء المواطنين والاستماع مباشرة إلى مشاكلهم ومطالبهم، وربما لهذا تحب مراكش كثيرا؛ لأنها تمنحها فرصة الاحتكاك اليومي بالناس”.

    وتضيف “وقتها ليس ملكها، فجزء كبير منه موزع بين شؤون المدينة، والوزارة، والحزب، والناس الذين يلجؤون إليها، وهي من الشخصيات التي يصعب عليها أن تفصل بين المسؤولية وحياتها اليومية”.

    حارسة التوازنات

    إذا كان حزب الأصالة والمعاصرة قد عرف، منذ تأسيسه، محطات من التجاذب والانقسام وتغيير القيادات، فإن اسم فاطمة الزهراء المنصوري ظل واحدا من الأسماء القليلة التي حافظت على حضورها بعيدا عن منطق الاصطفافات. فرغم تغير القيادات، وتعاقب الأزمات، واشتداد الخلافات في بعض المحطات، لكنها بقيت على رأس “برلمان الحزب”، في سابقة تعكس حجم الثقة التي راكمتها داخل التنظيم.

    خلال ترؤسها للمجلس الوطني لولايتين، عاصرت ثلاثة أمناء عامين؛ إلياس العماري، فحكيم بن شماش، ثم عبد اللطيف وهبي، قبل أن تقود تجربة القيادة الجماعية لـ”الجرار”.

    وفي ذروة الأزمة التنظيمية التي هددت بتفكك الحزب قبيل مؤتمره الرابع، لم تكن أكثر الوجوه حضورا أمام الكاميرات، لكنها كانت من أكثرها تأثيرا خلف الكواليس، فقد اختارت، كما يروي عدد من قياديي الحزب، أن تلعب دور الجامع أكثر من دور الطرف، وأن تنحاز إلى الحفاظ على تماسك الحزب بدل الانخراط في معارك الزعامة.

    ولعل أكثر ما يلفت في مسارها أنها لم تصل إلى رئاسة المجلس الوطني عبر معارك داخلية، بل أعيد انتخابها وسط توافق واسع، وحتى عندما طرح اسمها لقيادة الحزب سنة 2020، فضلت، وفق روايات متقاطعة داخل “البام”، البقاء في موقع ترى أنه أكثر خدمة للحزب في تلك المرحلة، لتفسح المجال أمام عبد اللطيف وهبي.

    وهبي، يصفها بـ”ضمير الحزب”، لأنها تجمع بين الصرامة في الدفاع عن مبادئها واللين الإنساني العميق، أما داخل الحزب، فيرى كثير من مناضليه أن “الرئيسة”، كما يفضلون مناداتها، كانت في أكثر من محطة صمام أمان ساهم في احتواء الخلافات وإبقاء قنوات الحوار مفتوحة عندما كان الحزب يمر بأصعب اختباراته.

    القناعات تصنع الخصوم

    لم تكن كل محطات صعود فاطمة الزهراء المنصوري هادئة، فداخل حزب الأصالة والمعاصرة، كما في مواقع المسؤولية التي تقلدتها، ارتبط اسمها أحيانا بقرارات أثارت الجدل.

    ثباتها على مواقفها لم يمر دائما من دون كلفة، فمنذ السنوات الأولى لمسارها داخل الحزب، وجدت نفسها في قلب محطات تنظيمية وسياسية معقدة.

    فبالرغم من أنها دعمت انتخاب إلياس العمري أمينا عاما سنة 2016، لم تتردد لاحقا في معارضة طريقة تدبير الأزمة التي أعقبت الانتخابات التشريعية لتلك السنة قبل استقالته من الأمانة العامة. وفي خضم تلك المرحلة، انسحبت من اللجنة المكلفة بتدبير المرحلة الانتقالية، وهو موقف وضعها في مواجهة مع قيادة الحزب آنذاك.

    ولم تكن تلك المحطة سوى محطة في مسار سياسي اتسم بالتمسك بما تعتبره أولوية للمؤسسة على الأشخاص؛ ففي أزمة الحزب سنة 2019، وجدت نفسها في قلب محطة أخرى معقدة، حين انخرطت في “تيار المستقبل”، الذي دعا إلى تجاوز الانقسام الداخلي وعقد مؤتمر وطني يعيد ترتيب البيت الحزبي.

     ذلك الخيار وضعها في مواجهة مع القيادة القائمة آنذاك، وعلى رأسها الأمين العام، حكيم بن شماش، قبل أن تنتهي الأزمة بتسوية رأبت الصدع داخل الحزب، وبانتخاب عبد اللطيف وهبي أمينا عاما للحزب.

    تستحضر عزيزو، التي اشتغلت معها لسنوات داخل الحزب، هذه السمة بوضوح، فتقول إن المنصوري كانت معروفة بأنها تعبر عن مواقفها داخل مؤسسات الحزب، لا في الكواليس أو “الصالونات”، وتضيف: “كانت تقول رأيها في الاجتماعات، ولهذا احترمها المناضلون، حتى عندما اختلفوا معها.”

    وترى أن هذا الأسلوب أكسبها لقب “ضمير الحزب” قبل أن يطلق عليها لقب “المرأة الحديدية”، لأنها “كانت تشهد بالحق، وتدافع عما تعتبره مصلحة الحزب، حتى إن لم يرض ذلك بعض أصحاب المصالح الشخصية”.

    ولعل أبرز اختبار لهذا النهج كان قرار تجميد عضوية صلاح الدين أبو الغالي من القيادة الجماعية للحزب، في خضم أزمة داخلية حظيت باهتمام واسع، فقد دافعت القيادة الثلاثية، وعلى رأسها المنصوري، عن القرار باعتباره مرتبطا باحترام ميثاق أخلاقيات الحزب، بينما اعتبره منتقدون قرارا سياسيا قاسيا.

    وبالنسبة إلى من يعرفونها، ممن تحدثوا للجريدة عن شخصية المنصوري، فلم يكن أسلوبها دائما الطريق الأيسر، لكنه كان جزءا من الطريقة التي اختارت بها ممارسة السياسة.

    وبعد نحو عقد من العمل إلى جانبها، تلخص إيمان انطباعها بعبارة واحدة: “فاطمة الزهراء المنصوري من السياسيات القليلات اللواتي ما زلن يمارسن السياسة بالأخلاق، ففي زمن أصبح فيه قول الحقيقة يعد جرأة، كانت هي تعتبره جزءا طبيعيا من نبل العمل السياسي”.

    قيادة خارج النموذج التقليدي

    اختارت المنصوري، في حزب عرف بتقلبات قيادته، أن تكون “حارسة” التنظيم أكثر من صانعة الزعامة، لذلك لم يكن اختيارها منسقة للقيادة الجماعية معزولا عن المسار الذي راكمته.

    داخليا، وحتى في أعين المنافسين، لم يكن الرهان سهلا، فقد شكك كثيرون في قدرة ثلاثة أشخاص على قيادة “جرار” واحد، وتوقع البعض أن تتحول القيادة الجماعية إلى مصدر جديد للخلافات، أو في أفضل الحالات إلى صيغة انتقالية سرعان ما ستنتهي بالعودة إلى منطق الزعيم الواحد.

    لكن مع دنو التجربة من عامها الثالث، تبدو الصورة مختلفة، فقد استمر الحزب في أداء أدواره التنظيمية والسياسية، وواصل هيكلته التنظيمية الجديدة، وقوى حضوره في الحكومة والبرلمان، حتى أضحت التكهنات تضعه على رأس المرشحين لتصدر استحقاقات 23 شتنبر المقبل.

    لكن ذلك لم يمنع ظهور صراعات وهزات داخلية اختبرت النموذج الجديد للقيادة، على رأسها تجميد عضوية صلاح الدين أبو غالي، الذي عوض لاحقا بفاطمة السعدي، وقضية “إسكوبار الصحراء”، التي سُلّت شوكة الاتهامات للحزب بتجميد قبلي لعضوية المتهمين في الملف المنتمين للحزب.

    خارج حدود الحزب

    حين كلفها الملك محمد السادس في نهاية أكتوبر 2024 برئاسة البعثة الشرفية المرافقة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لم يكن الاختيار يختزل في إتقان اللغات، بل في القدرة على تمثيل صورة المغرب في بعدها السياسي والثقافي والحضاري، فمثل هذه المناسبات لا تختبر فيها فقط المعرفة ببروتوكول الدولة، بل أيضا سعة الثقافة، والقدرة على إدارة حوار يتجاوز الملفات السياسية إلى التاريخ والمجتمع والفنون والهوية.

    لم يكن اختيار المنصوري لتكون أول امرأة يكلفها الملك محمد السادس لمرافقة رئيس دولة خلال زيارته الرسمية للمملكة مجرد إجراء بروتوكولي، بل محطة تعكس مسارا راكمت فيه ثقة داخل الحزب، ثم داخل الحكومة، وصولا إلى تمثيل الدولة في مناسبة دبلوماسية رفيعة.

    “عندما يتعلق الأمر بتمثيل المغرب، تظهر شخصية أخرى؛ أكثر رسمية، تستند إلى تكوينها القانوني، وإتقانها للفرنسية والإنجليزية، وثقافتها العامة الواسعة، فالنقاش في مثل هذه المناسبات لا يقتصر على السياسة أو الأحزاب، بل يمتد إلى الثقافة والمجتمع والتاريخ، وهي فضاءات تتحرك فيها بثقة”، تؤكد مقربة من المنصوري.

    وربما لهذا يصعب اختزالها في شخصية سياسية فقط؛ فهي تحمل في حديثها أثر المحامية، وفي قراراتها أثر المسيرة المحلية، وفي حضورها الخارجي أثر تكوين ثقافي جعلها تتحرك بين عوالم القانون والسياسة والثقافة بسلاسة.

    هل تكون امرأة المرحلة المقبلة؟

    في فبراير 2020، حملها مناضلو حزبها على الأكتاف عند انتخابها رئيسة للمجلس الوطني للمرة الثانية، ثم تكرر المشهد مع اختيارها منسقة للقيادة الجماعية، وبالنسبة إلى كثيرين داخل الحزب، لم تكن تلك مجرد لحظة احتفالية، بل إشارة إلى صعود سياسي متواصل، جعل اسمها يتردد كلما فتح النقاش حول الأجدر بقيادة الحكومة المقبلة.

    ويرى مقرب منها أن جمعها بين مسؤوليات ثلاث ثقيلة؛ وزيرة، وعمدة لمراكش، ومنسقة للقيادة الجماعية للحزب، جعلها نموذجا يثير، داخل عالم سياسي ذكوري، قدرا من التوجس لدى بعض الحريصين على مواقعهم، لأن نموذجا مماثلا للمنصوري لا يتكرر داخل الأحزاب الأخرى، حتى بين الرجال.

    ويؤكد أن شخصيتها متفردة في قدرتها على الجمع بين التدبير المحلي، والمسؤولية الحكومية، والقيادة الحزبية، من دون أن تتخلى عن طريقتها الخاصة في العمل، والحديث عن فرصها في ترؤس الحكومة لم يكن يوما من منظور مقاربة النوع، بل لأنها اليوم الأكفأ لتولي هذا المنصب.

    لكن المنصوري نفسها تتجنب استباق الأحداث، ولا تعلن طموحها، كما لا تبني خطابها على الوعود الشخصية، وتكتفي بالتأكيد أن الوطن أكبر من المناصب، وأن المسؤولية ليست غاية في ذاتها، وهي مستعدة لخدمة بلدها من أي موقع كان.

    ويجمع المقربون منها على عدم اختزالها في لقب “المرأة الحديدية”، فهي أقرب إلى سياسية تراهن على الهدوء أكثر من الشعبوية، وعلى المؤسسة أكثر من الشخص، وعلى القناعة أكثر من الطموح، واختارت أن تترك لمسارها، بكل ما فيه من نجاحات وانتقادات، مهمة التعريف بها. لذلك، ربما يكون أهم ما حققته فاطمة الزهراء المنصوري، حتى الآن، ليس المناصب التي تقلدتها، بل الصورة التي صنعتها، ليتحول السؤال من: من هي فاطمة الزهراء المنصوري؟ إلى أي مدى يمكن أن يصل هذا المسار السياسي؟

  • تقليص ساعات عمل حراس الأمن الخاص.. إصلاح اجتماعي أمام اختبار التنزيل

    تقليص ساعات عمل حراس الأمن الخاص.. إصلاح اجتماعي أمام اختبار التنزيل

    يشكل القانون رقم 032.26 القاضي بتتميم المادة 193 من القانون رقم 65.99 المتعلق بمدونة الشغل أحد أبرز مخرجات الحوار الاجتماعي لسنة 2026، بعدما تقدمت به وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، وصادق عليه البرلمان بغرفتيه، في خطوة تروم إخضاع حراس الأمن الخاص لمدة الشغل القانونية العادية المحددة في ثماني ساعات يوميا، بدل نظام الاثنتي عشرة ساعة الذي ظل معمولا به لسنوات.

    ويأتي هذا الإصلاح استجابة لمطالب نقابية وحقوقية متواصلة، كما يندرج ضمن توجه يهدف إلى تعزيز العدالة الاجتماعية وإنهاء الاستثناء القانوني الذي ظل يميز هذه الفئة عن باقي الأجراء.

    استثناء قانوني

    عانى حراس الأمن الخاص لسنوات من نظام استثنائي يتيح تشغيلهم لمدة تصل إلى اثنتي عشرة ساعة يوميا مقابل الأجر المؤدى عن مدة الشغل العادية، باعتبارهم ضمن فئة الحراس الذين تعد أشغالهم ذات طبيعة متقطعة.

    ويستند هذا التصنيف إلى مقتضيات المادة 193 من مدونة الشغل، التي اعتبرت أن بعض المهن تكون “معدة بحكم طبيعة الشغل المتقطعة، بحيث تطابق ساعات حضور، لا ساعات شغل فعلي”، وهو ما كان يشمل حراس الأمن الخاص إلى جانب فئات مهنية أخرى.

    ويعني ذلك أن المشرِّع اعتبر أن بعض فئات الأجراء لا تؤدي عملا متواصلا طوال فترة وجودها داخل مقر العمل، وإنما تتخلل عملها فترات انتظار أو راحة، الأمر الذي شكل أحد المبررات لإخضاع هذه الفئة لنظام استثنائي في تنظيم مدة العمل.

    وينسجم هذا التوجه مع مقتضيات المادة 190 من مدونة الشغل، التي تجيز تمديد مدة الشغل إلى اثنتي عشرة ساعة كحد أقصى عندما يكون العمل متقطعا بطبيعته، أو عندما تقتضي الضرورة إنجاز أشغال تحضيرية أو تكميلية يتعذر القيام بها داخل مدة الشغل العادية، بما يعكس تمييز المشرِّع المغربي بين ساعات الحضور وساعات العمل الفعلية.

    وفي المقابل، تعالج المادة 192 وضعا مختلفا لا يرتبط بطبيعة العمل، وإنما بحالات استثنائية وطارئة، إذ تجيز تمديد مدة الشغل عندما تقتضي الضرورة إنجاز أشغال مستعجلة، من قبيل اتقاء أخطار وشيكة، أو تنظيم تدابير النجدة، أو إصلاح ما تلف من معدات وتجهيزات وبنايات المقاولة.

    كما حددت المادة نطاق هذا التمديد زمنيا، من خلال السماح بالاستمرار في العمل طيلة يوم واحد، ثم تمديده بساعتين خلال الأيام الثلاثة الموالية، مما يؤكد أن الأمر يتعلق بتدبير استثنائي ومؤقت لمواجهة أوضاع طارئة، وليس نظاما دائما لتنظيم مدة الشغل.

    غير أن التحولات التي عرفها قطاع الحراسة الخاصة خلال السنوات الأخيرة جعلت استمرار إخضاع حراس الأمن الخاص لهذا التصنيف محل نقاش، بعدما أصبحت مهامهم تقوم على المراقبة المستمرة، وتأمين المؤسسات والمنشآت، ومراقبة الولوج، واستعمال أنظمة المراقبة الإلكترونية، والتدخل في الحالات الاستعجالية، الأمر الذي جعل ساعات حضورهم تقترب، في كثير من الأحيان، من ساعات العمل الفعلية.

    وفي هذا السياق، برزت مطالب نقابية وحقوقية تدعو إلى مراجعة هذا الاستثناء القانوني، معتبرة أن طبيعة عمل حراس الأمن الخاص لم تعد تنسجم مع المقتضيات الواردة في المادة 193 من مدونة الشغل المتعلقة بالأعمال ذات الطبيعة المتقطعة، وهو ما فتح الباب أمام مراجعة الإطار القانوني المنظم لمدة عمل هذه الفئة المهنية.

    ماذا تغير في مدونة الشغل؟

    جاء القانون رقم 032.26 القاضي بتتميم المادة 193 من مدونة الشغل ليضع حدا لهذا الوضع، من خلال إضافة مقتضى يستثني الحراس المرتبطين بعقود شغل مع المقاولات التي تمارس أعمال الحراسة، طبقا للتشريع الجاري به العمل، من فئة الحراس الذين تعتبر أشغالهم ذات طبيعة متقطعة. ويترتب عن هذا التتميم إخضاع هذه الفئة للمقتضيات العامة المتعلقة بمدة الشغل القانونية المطبقة على باقي الأجراء، أي ثماني ساعات يوميا.

    وبموجب هذا التعديل، سيصبح حراس الأمن الخاص خاضعين لمقتضيات المادة 184 من مدونة الشغل، التي تحدد مدة الشغل القانونية في ثماني ساعات يوميا، وهو ما يكرس مبدأ المساواة بين الأجراء، ويعزز الحماية القانونية لفئة ظلت لسنوات تستفيد من حقوق أقل فيما يتعلق بتنظيم وقت العمل.

    ولا يقتصر أثر هذا التعديل على تقليص ساعات العمل، بل يعكس أيضا توجها نحو ملاءمة التشريع الاجتماعي مع التحولات التي يعرفها قطاع الحراسة الخاصة، ومع المعايير الحديثة للعمل اللائق، بما يضمن حماية أفضل للأجراء وتحسين ظروف اشتغالهم.

    وفي هذا السياق، أشار وزير الشغل والتكوين المهني السابق، جمال أغماني، إلى أن هذا التعديل يمثل أول مراجعة تهم مدونة الشغل منذ دخولها حيز التنفيذ سنة 2004، معتبرا أنه يشكل خطوة مهمة نحو إنصاف حراس الأمن الخاص بعد سنوات من خضوعهم لنظام استثنائي.

    وأوضح أغماني في حديثه لجريدة “AM+ MEDIA” أن اعتماد مدة الشغل القانونية المحددة في ثماني ساعات من شأنه أن يعزز الحقوق القانونية والاجتماعية لهذه الفئة، ويضعها على قدم المساواة مع باقي الأجراء.

    وفي المقابل، نبه إلى أن تنزيل هذا الإصلاح قد يواجه تحديات عملية، بالنظر إلى أن حراس الأمن الخاص لا يشتغلون فقط داخل الإدارات العمومية أو المقاولات الكبرى، بل يوجدون أيضاً داخل الإقامات والتجمعات السكنية وغيرها من الفضاءات التي قد تجد صعوبة في تحمل الكلفة المالية الناتجة عن توظيف عدد أكبر من الحراس.

    ورغم ذلك، اعتبر أن المؤسسات العمومية ستكون قادرة على احترام المقتضيات الجديدة من خلال تضمينها في دفاتر التحملات والصفقات العمومية، بما يضمن التطبيق الفعلي للإصلاح.

    قانون مع وقف تنفيذ مؤقت

    لم يقتصر الإصلاح على تقليص ساعات العمل، وإنما رافقه تنظيم قانوني يهدف إلى ضمان تنزيله بشكل سلس، بالنظر إلى ارتباط عدد من شركات الحراسة بصفقات عمومية وخاصة أبرمت وفق نظام الاثنتي عشرة ساعة.

    فبينما يدخل القانون حيز التنفيذ ابتداء من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية، نص المشروع على مقتضى انتقالي يمنح المقاولات التي تمارس أعمال الحراسة أجلا أقصاه اثنا عشر شهرا لتسوية أوضاعها وملاءمة عقودها مع الأحكام الجديدة، وذلك بالنسبة لعقود الشغل الناشئة عن العقود المبرمة قبل هذا التاريخ.

    ويهدف هذا الأجل الانتقالي إلى تمكين شركات الحراسة والجهات المتعاقدة معها من مراجعة الصفقات السارية، وإعادة تنظيم مواردها البشرية وتوفير الاعتمادات المالية اللازمة للانتقال إلى نظام الثماني ساعات، بما يضمن استمرارية الخدمات واحترام المقتضيات القانونية الجديدة دون إحداث اضطرابات في سير المرافق والمؤسسات المستفيدة من خدمات الحراسة.

    رهانات اجتماعية واقتصادية للإصلاح

    ومن المرتقب أن يحمل هذا الإصلاح أبعادا اجتماعية واقتصادية متعددة، إذ من الناحية الاجتماعية، يرتقب أن يسهم في تحسين ظروف اشتغال حراس الأمن الخاص والحد من الإرهاق البدني والضغط النفسي الذي تسببه ساعات العمل الطويلة، فضلا عن تمكينهم من تحقيق توازن أفضل بين الحياة المهنية والأسرية.

    وفي هذا السياق، أكد الكاتب المحلي للنقابة الوطنية لأعوان الحراسة الخاصة والنظافة والطبخ بسلا، منير سنينة، أن عددا كبيرا من حراس الأمن الخاص يعانون من ساعات عمل طويلة تصل أحيانا إلى 12 ساعة يوميا، الأمر الذي انعكس سلبا على صحتهم الجسدية والنفسية، مشيرا إلى استمرار عدد من الإشكالات المرتبطة بعدم احترام بعض الحقوق القانونية، من قبيل الاستفادة من العطل السنوية، والتعويض عن الساعات الإضافية، والتصريح الكامل لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فضلا عن قضايا الأقدمية والحقوق النقابية.

    وأضاف أن التطبيق الفعلي لنظام الثماني ساعات من شأنه أن ينعكس إيجابا على جودة الخدمات الأمنية، معتبرا أن حارس الأمن الذي يشتغل في ظروف لائقة يكون أكثر يقظة وتركيزا وقدرة على أداء مهامه، بما يعزز أمن المؤسسات ويحسن جودة الخدمات المقدمة.

    وعدّ سنينة أن هذا التحول سيدفع الشركات إلى تنظيم مواردها البشرية بشكل أفضل، والحد من الاعتماد على ساعات العمل المفرطة.

    أما على المستوى الاقتصادي، فمن المرتقب أن يدفع اعتماد نظام الثماني ساعات شركات الحراسة إلى إعادة تنظيم أنماط العمل والانتقال تدريجيا نحو نظام يعتمد موارد بشرية كافية، وهو ما قد يساهم في خلق فرص شغل جديدة واستيعاب عدد أكبر من العاملين.

    وفي المقابل، ستتحمل المقاولات أعباء مالية وتنظيمية إضافية مرتبطة بتوظيف موارد بشرية جديدة وإعادة هيكلة العقود والصفقات.

    ترحيب نقابي وتحذير من عراقيل التنزيل

    ولم يقتصر النقاش حول تعديل المادة 193 على الجوانب القانونية والتنظيمية فحسب، بل امتد أيضا إلى مدى قدرة مختلف المتدخلين على ضمان تنزيله الفعلي على أرض الواقع. وفي هذا السياق، اعتبرت النقابات المهنية أن هذا الإصلاح يشكل خطوة مهمة نحو تحسين أوضاع حراس الأمن الخاص، مع التأكيد على أن نجاحه يظل رهيناً بآليات المراقبة واحترام المقتضيات الجديدة من طرف مختلف الجهات المعنية.

    وفي هذا الإطار، اعتبرت الكاتبة العامة للنقابة الوطنية لأعوان الحراسة الخاصة والنظافة والطبخ، لبنى نجيب، أن المصادقة على مشروع القانون تمثل “مكسبا تاريخيا” لفائدة حراس الأمن الخاص، مؤكدة أن هذا الإصلاح هو ثمرة سنوات من الترافع والنضال النقابي.

    وأوضحت أن النقابة تابعت هذا الملف منذ مراحله الأولى، معبرة عن تفاؤلها بعد المصادقة على المشروع، خاصة في ظل التخوفات التي كانت مطروحة بشأن تأخر إخراجه إلى حيز التنفيذ.

    وأشارت لبنى نجيب إلى وجود تنسيق مع وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات لمواكبة تنزيل هذا الورش، مع تأكيدها أن التنزيل الفعلي سينطلق ابتداءً من فاتح يناير 2027، بما يسمح للشركات بملاءمة أوضاعها وتجديد عقودها.

    وفيما يتعلق بضمان احترام المقتضيات الجديدة، شددت المتحدثة على أهمية دور مفتشيات الشغل والوزارة في مواكبة التنفيذ ومراقبته، مشيرة إلى أن عددا من المؤسسات العمومية شرعت بالفعل في مراجعة صفقاتها وفق نظام الثماني ساعات.

    وأكدت النقابية أن نجاح الإصلاح يقتضي أيضا التزام الإدارات العمومية بعدم الضغط على شركات الحراسة لتقديم خدمات بأثمان لا تراعي الكلفة الحقيقية لتطبيق النظام الجديد، معتبرة أن دور النقابة لن يتوقف عند المصادقة على القانون، بل سيشمل تتبع مدى احترامه ورصد مختلف الخروقات المحتملة.

    لذلك، فالأثر الحقيقي لهذا الإصلاح سيظل رهينا بمدى احترام شركات الحراسة الخاصة والجهات المستفيدة من خدماتها للمقتضيات الجديدة، فضلا عن قدرتها على ملاءمة صفقاتها ومواردها المالية مع النظام الجديد، بما يضمن انتقالا سلسا من نظام الاثنتي عشرة ساعة إلى نظام الثماني ساعات، ويحول هذا التعديل من مجرد مقتضى قانوني إلى مكسب اجتماعي ينعكس فعليا على ظروف عمل حراس الأمن الخاص بالمغرب.

  • من إزالة الصفيح لمنع عودته.. كيف أعاد المغرب هندسة واحدة من أعقد سياساته العمومية؟

    من إزالة الصفيح لمنع عودته.. كيف أعاد المغرب هندسة واحدة من أعقد سياساته العمومية؟

    تحول القضاء على دور الصفيح في المغرب من مجرد مشروع للسكن إلى واحد من أكبر الأوراش الاجتماعية والعمرانية التي أطلقتها المملكة منذ مطلع الألفية الثالثة، فعندما أعطى الملك محمد السادس سنة 2004 انطلاقة البرنامج الوطني “مدن بدون صفيح”، كان الهدف يتمثل في تمكين نحو 270 ألف أسرة من مغادرة السكن غير اللائق ووضع حد لظاهرة ظلت لعقود عنوانا للفوارق الاجتماعية والهشاشة داخل المجال الحضري، غير أن تعقيدات العقار وتسارع التوسع العمراني واستمرار الهجرة نحو المدن، إلى جانب ظهور تجمعات جديدة للسكن الصفيحي جعلت حجم التحدي يتضاعف مع مرور السنوات ليرتفع عدد الأسر المعنية بالبرنامج إلى أكثر من 509 آلاف أسرة.

    وبعد أكثر من عشرين سنة على إطلاق هذا الورش، عاد الملف إلى واجهة النقاش من جديد، بعدما أعلنت الحكومة الحالية أنها رفعت وتيرة معالجة دور الصفيح إلى ما يقارب ثلاثة أضعاف مقارنة بالسنوات السابقة، وانتقلت من متوسط 6200 أسرة مستفيدة سنويا خلال الفترة الممتدة بين 2018 و2021 إلى حوالي 18 ألف أسرة سنويا بين 2022 و2025، بالتوازي مع اعتماد مقاربة جديدة تقوم على إعادة الإسكان بدل الاقتصار على إعادة الإيواء وإشراك القطاع الخاص وإحداث سجل وطني رقمي للمستفيدين وتشديد المراقبة للحد من ظهور تجمعات صفيحية جديدة.

    ولا يمكن تقييم حصيلة هذا الورش الوطني بمنطق الأرقام وحدها، لأن البرنامج لم يكن مجرد عملية لبناء مساكن أو إعادة إيواء أسر، بل سياسة عمومية واجهت على امتداد أكثر من عقدين تحديات عقارية واجتماعية وتمويلية وإدارية متشابكة. ومن ثم، فإن فهم نتائجه يمر عبر تتبع مساره منذ انطلاقه وقراءة التحولات التي عرفتها فلسفة تدبيره وآليات تنزيله، وقياس الأثر الذي أحدثته الإجراءات المعتمدة خلال الولاية الحكومية الحالية على وتيرة القضاء على دور الصفيح.

    من وعد بالقضاء على الصفيح إلى ورش مفتوح منذ عقدين

    عندما أعطى الملك محمد السادس في 26 يوليوز 2004، الانطلاقة الرسمية للبرنامج الوطني “مدن بدون صفيح”، كانت الدولة تراهن على طي أحد أكثر الملفات الاجتماعية تعقيدا داخل المجال الحضري، عبر استهداف نحو 270 ألف أسرة موزعة على 85 مدينة ومركزا حضريا.

    وقد قُدِّم البرنامج آنذاك باعتباره مشروعا وطنيا يروم القضاء التدريجي على السكن الصفيحي من خلال تعبئة مختلف المتدخلين واعتماد مقاربتي إعادة الإيواء وإعادة الهيكلة وربط التدخل السكني بتأهيل الأحياء وتجهيزها بالبنيات الأساسية، لكن مسار البرنامج لم يسر وفق التقديرات الأولى، فكلما تقدمت عمليات المعالجة كانت تتكشف معطيات جديدة توسع دائرة التدخل سواء نتيجة تحيين الإحصائيات أو إدراج تجمعات صفيحية لم تكن مشمولة عند الانطلاق أو استمرار تسجيل بؤر جديدة في عدد من المدن.

    وبذلك، لم يعد البرنامج يتعامل مع الرصيد الذي أحصي سنة 2004 فقط، بل مع واقع حضري متغير ليرتفع عدد الأسر المعنية تدريجيا إلى حوالي 509 آلاف أسرة، أي ما يقارب ضعف العدد الذي انطلق به البرنامج.

    وهذا التطور، تجاوز مجرد تغير في الأرقام إلى كشف أن القضاء على السكن الصفيحي يرتبط بتوفير وحدات سكنية بديلة، وأيضا بقدرة السياسات العمومية على مواكبة التحولات العمرانية والاجتماعية التي تعرفها المدن المغربية.

    بهذا الصدد، سجل المجلس الأعلى للحسابات في تقاريره الرقابية أن البرنامج واجه خلال مراحل تنزيله إكراهات متعددة من بينها صعوبة تعبئة الوعاء العقاري وتعقيد مساطر نزع الملكية واختلال التنسيق بين المتدخلين وتأخر إنجاز مشاريع التجهيز، إضافة إلى محدودية بعض آليات التتبع، وهي عوامل انعكست على وتيرة الإنجاز وأدت إلى تمديد آجال استكمال البرنامج مقارنة بالأهداف الزمنية التي حددت عند انطلاقته.

    ورغم هذه الإكراهات، حقق البرنامج نتائج مهمة خلال العقدين الماضيين، إذ أعلنت السلطات تباعا عددا من المدن والمراكز الحضرية “مدنا بدون صفيح”، فيما استفادت مئات الآلاف من الأسر من حلول سكنية مختلفة، غير أن استمرار وجود تجمعات صفيحية خاصة في الأقطاب الحضرية الكبرى أبقى هذا الورش مفتوحا، ودفع الحكومة الحالية إلى إعادة صياغة منهجية التدخل، ليس عبر رفع الاعتمادات المالية فقط، بل أيضا من خلال مراجعة أدوات التنفيذ نفسها، وهي المقاربة التي ستشكل أحد أبرز عناصر تقييم الحصيلة خلال الولاية الحكومية الحالية.

    قبل 2021.. 15 سنة من الاختلالات

    عندما تسلمت الحكومة الحالية في أكتوبر 2021، تدبير ورش “مدن بدون صفيح”، لم تكن تنطلق من برنامج يسير وفق أهدافه الأصلية، بل من ورش كانت قد شخصت اختلالاته أعلى هيئة رقابية بالمملكة.

    ففي 23 يونيو 2020، قدم المجلس الأعلى للحسابات أول تقييم شامل للبرنامج منذ إطلاقه سنة 2004، بعد افتحاص استغرق سبعة أشهر وشمل فترة 2004-2018، واعتمد على تحليل 162 عملية ميدانية وزيارات لسبع جهات تمثل 98 في المئة من الأسر المعنية إضافة إلى مراجعة 156 اتفاقية تغطي نحو 231 ألفا و675 أسرة.

    وخلص المجلس إلى أن البرنامج انحرف عن الجدول الزمني الذي وضع له، إذ كان يستهدف القضاء على دور الصفيح في أفق 2010، غير أن عدد الأسر المستهدفة ارتفع بدل أن يتراجع من نحو 270 ألف أسرة عند الانطلاق إلى 472 ألفا و723 أسرة بنهاية 2018 كما توسع نطاقه من 70 إلى 85 مدينة ومركزا حضريا، ما عكس استمرار الظاهرة بوتيرة أسرع من وتيرة معالجتها.

    وأرجع التقرير هذا التعثر إلى التمويل وتأخر بعض المشاريع، فضلا عن النموذج المعتمد نفسه، معتبرا أن البرنامج ركز على معالجة نتائج الظاهرة أكثر من أسبابها، في ظل غياب سياسة وقائية تحد من ظهور تجمعات جديدة، إلى جانب اختلالات في الحكامة تمثلت في ضعف التنسيق بين المتدخلين وغياب إطار قانوني ومنظومة معلوماتية موحدة وصعوبات مرتبطة بالعقار وتجهيز مواقع إعادة الإيواء وتعقيد المساطر، فضلا عن استمرار ظاهرة “الانزلاق” التي دفعت بعض الأسر إلى التخلي عن الوحدات أو البقع المستفاد منها.

    وهكذا، وجدت الحكومة الحالية نفسها عند بداية ولايتها أمام برنامج يعاني، وفق تشخيص رسمي للمجلس الأعلى للحسابات، اختلالات بنيوية مست الحكامة وآليات الاستهداف والسياسة العقارية ونموذج التدخل، بما جعل إصلاح هذه الأعطاب شرطا أساسيا قبل الحديث عن تسريع القضاء على دور الصفيح.

    من تغيير المقاربة إلى مضاعفة الوتيرة.. ماذا تغير منذ 2021؟

    إذا كان البرنامج الوطني “مدن بدون صفيح” قد حافظ منذ إطلاقه سنة 2004 على الهدف نفسه؛ وهو القضاء على السكن الصفيحي، فإن أدوات تنزيله لم تبق على حالها، فالسنوات الأخيرة عرفت تحولا في طريقة تدبير هذا الورش، انطلق من مراجعة فلسفة التدخل نفسها، بعدما أظهرت التجربة أن الصيغ المعتمدة خلال المراحل السابقة لم تعد قادرة، وحدها، على مجاراة الطلب المتزايد على السكن اللائق ولا على تقليص الرصيد المتبقي داخل المدن الكبرى.

    وتقوم المقاربة الجديدة، التي اعتمدتها الحكومة منذ الولاية الحالية، على الانتقال من منطق “إعادة الإيواء” إلى منطق “إعادة الإسكان”، ففي حين كانت الصيغة التقليدية تعتمد أساسا على إعادة إيواء الأسر داخل تجزئات سكنية مع ما يرافق ذلك من إكراهات مرتبطة بتجهيز الأحياء وإنجاز البنيات التحتية، أصبح التوجه الجديد يقوم على توفير وحدات سكنية جاهزة عبر تعبئة المنعشين العقاريين والقطاع الخاص بما يسمح بتقليص آجال الإنجاز وتسريع استفادة الأسر.

    هذا التحول، انعكس مباشرة على وتيرة التنفيذ، فبحسب المعطيات التي قدمتها وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة فاطمة الزهراء المنصوري أمام مجلس النواب نهاية يونيو الماضي، ارتفع متوسط عدد الأسر التي تتم معالجة وضعيتها سنويا من حوالي 6200 أسرة خلال الفترة الممتدة بين 2018 و2021 إلى حوالي 18 ألف أسرة سنويا بين 2022 و2025 أي بزيادة تقارب ثلاثة أضعاف.

    وأكدت أن هذا التطور جاء نتيجة رفع وتيرة الإنجاز فضلا عن اعتماد هندسة جديدة لتدبير البرنامج شملت إشراك القطاع الخاص وإحداث سجل وطني رقمي لضبط المستفيدين مع وتعزيز المراقبة الميدانية، وهو ما مكن وفق المعطيات الحكومية من تقليص انتشار دور الصفيح بنسبة 35 في المئة.

    ولتسريع إنهاء هذا الورش، اعتمدت الحكومة برنامجا خماسيا يمتد بين2024 و2028، يستهدف معالجة أوضاع 120 ألف أسرة ما تزال تقطن بدور الصفيح، تتوزع أساسا بين 62 ألف أسرة بالدار البيضاء الكبرى و30 ألف أسرة بمراكش و12 ألف أسرة بالقنيطرة وأكثر من 5100 أسرة بإقليم بنسليمان، إلى جانب تجمعات أخرى بمختلف جهات المملكة، فيما يقوم هذا البرنامج على هندسة مالية جديدة وعلى التوسع في إعادة الإسكان بدل إعادة الإيواء مع تعبئة الاستثمار الخاص لتسريع إنتاج الوحدات السكنية الجاهزة.

    وتشير الحصيلة التي قدمتها الوزيرة إلى أن المقاربة الجديدة مكنت من إنتاج31 ألفا و538 وحدة سكنية من بينها 23 ألفا و884 وحدة تم تسليمها للمستفيدين، فيما توجد 7654 وحدة في مراحل الاستكمال والتسليم، كما أكدت أن الوزارة أولت أهمية خاصة لضبط لوائح المستفيدين عبر سجل وطني رقمي باعتباره أحد الآليات الرامية إلى تعزيز الشفافية وتفادي الازدواجية في الاستفادة.

    ولا تعكس هذه الأرقام، بحسب المسؤولة الحكومية، سوى جزء من حصيلة البرنامج، فإلى غاية نهاية مارس الماضي بلغ عدد الأسر التي تحسنت ظروف عيشها في إطار البرنامج الوطني 384 ألفا و818 أسرة، فيما ارتفع عدد المدن والمراكز الحضرية التي أعلنت رسميا “بدون صفيح” إلى 62 مدينة ومركزا حضريا، بعدما كان البرنامج قد انطلق سنة 2004 مستهدفا 85 مدينة ومركزا حضريا و270 ألف أسر.

    وتشير المعطيات الحكومية إلى أن الكلفة الإجمالية للبرنامج بلغت 73.71 مليار درهم ساهمت الوزارة الوصية منها بحوالي 16.48 مليار درهم، وهو ما يعكس حجم الاستثمار العمومي الذي خصص لهذا الورش منذ انطلاقته.

    ومع ذلك، فإن بلوغ 62 مدينة ومركزا حضريا خالية من دور الصفيح لا يعني نهاية البرنامج لأن التحدي انتقل من معالجة المدن التي استكملت تدخلاتها إلى استهداف الأقطاب الحضرية التي تستأثر اليوم بأكبر كثافة للسكن غير اللائق، وفي مقدمتها الدار البيضاء الكبرى ومراكش والقنيطرة، لهذا فإن الرهان الذي تضعه الحكومة لنهاية سنة 2028 يقاس بعدد الوحدات التي سيتم إنتاجها فضلا عن مدى قدرة المقاربة الجديدة على إنهاء الرصيد المتبقي ومنع إعادة تشكل بؤر صفيحية جديدة بعد أكثر من عشرين سنة على إطلاق هذا الورش الوطني.

    وفي هذا الإطار يرى الخبير في السياسات الحضرية والإسكان أحمد بنزيان، أن الخطأ الذي يقع فيه كثيرون هو اختزال نجاح برنامج “مدن بدون صفيح” في عدد الأسر التي غادرت السكن العشوائي، إذ إن هذا المؤشر، على الرغم من أهميته، لكنه ليس المؤشر الحاسم، سيما وأن التجارب الدولية تبين أن النجاح الحقيقي يبدأ بعد تسليم المفاتيح وليس قبلها.

    وأوضح الخبير في حديثه لـ”AM PLUS MEDIA”، بأنه “إذا انتقلت الأسرة إلى سكن جديد لكنها بقيت بعيدة عن فرص الشغل أو عن النقل العمومي أو عن المدرسة أو عن الخدمات الصحية، فإننا نكون قد غيرنا شكل الهشاشة ولم نعالج مضمونها”.

    لذلك، فإن التحدي الذي تواجهه الحكومة اليوم أكثر تعقيدا من تحدي الحكومات السابقة وفق تعبيره، لأنها “لم تعد مطالبة فقط بإزالة آخر الأحياء الصفيحية، بل بضمان ألا تعود هذه الظاهرة بأشكال جديدة داخل الهوامش الحضرية.”

    وزاد الخبير في حديثه للموقع، أن ما يلفت الانتباه في المقاربة الحالية هو أنها حاولت معالجة عدد من الاختلالات التي ظلت مطروحة لسنوات مثل رقمنة المستفيدين وإشراك القطاع الخاص والانتقال نحو إعادة الإسكان وهي خطوات يراها “يمكن أن ترفع من نجاعة التنفيذ، لكن نجاحها سيظل رهينا بقدرتها على الاندماج داخل سياسة حضرية أوسع”.

    وشدد بنزيان، على أن المدينة ليست مشروعا سكنيا بل منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة، وإذا لم تتطور سياسات النقل والتشغيل والتجهيز والعدالة المجالية بالوتيرة نفسها، فإن خطر إعادة إنتاج الهشاشة سيظل قائما، حتى وإن اختفت آخر براكة.”

    من إنهاء الصفيح إلى منع عودته.. التحدي الذي ينتظر المغرب بعد 2026

    بعد أكثر من عقدين على إطلاق البرنامج الوطني “مدن بدون صفيح”، يبدو أن المغرب يقف اليوم أمام مفترق طرق أكثر منه أمام خط نهاية، فالأرقام الحكومية تشير إلى تسارع غير مسبوق في وتيرة المعالجة وإلى اقتراب إغلاق آخر البؤر الكبرى.

    فبينما تكشف قراءة مسار البرنامج منذ 2004 أن كل مرحلة كان يُعتقد أنها الأخيرة كانت تفتح تحديات جديدة أكثر تعقيدا، بدأ المشروع كبرنامج لإزالة دور الصفيح، ثم تحول تدريجيا إلى سياسة لإنتاج السكن قبل أن يجد نفسه اليوم أمام سؤال مختلف تماما مفاده: كيف يمكن بناء مدينة لا تعود فيها ظاهرة الصفيح إلى الظهور؟

    وهنا تحديدا تنتقل المسؤولية من منطق الإنجاز الكمي إلى منطق الاستدامة، فإذا كانت المرحلة الأولى من البرنامج انصبت على إخراج الأسر من المساكن غير اللائقة، فإن المرحلة المقبلة ستكون مطالبة بضمان ألا تدفع التحولات الاقتصادية والضغط العقاري واتساع الهوامش الحضرية إلى إنتاج أشكال جديدة من الهشاشة السكنية.

    والتجارب الدولية، كما تؤكد أدبيات السياسات الحضرية، بينت أن القضاء على الأحياء الصفيحية لا يتحقق بمجرد نقل السكان إلى مساكن جديدة بل بقدرة المدينة على توفير بيئة عمرانية واجتماعية واقتصادية تمنع عودة الظاهرة في صور أخرى، سواء عبر البناء غير النظامي أو التوسع العشوائي أو الهشاشة السكنية المقنعة.

    ولهذا، فإن الحكومة التي ستنبثق عن انتخابات 2026 لن تبدأ من الصفر، كما أنها لن ترث برنامجا في بدايته بل ستتسلم المرحلة الأكثر حساسية منذ إطلاق هذا الورش، فالرصيد المتبقي حسب آخر المعطيات الرسمية التي قدمتها فاطمة الزهراء المنصوري لم يعد موزعا على عشرات المدن بل أصبح متمركزا في الأقطاب الحضرية الأكثر تعقيدا من حيث الضغط الديمغرافي والعقاري وفي مقدمتها الدار البيضاء الكبرى حيث تتداخل رهانات السكن مع إكراهات الوعاء العقاري، والنقل، والتشغيل، والاندماج المجالي وهذا يعني أن النجاح في السنوات المقبلة لن يرتبط فقط بقدرة الدولة على بناء وحدات سكنية إضافية، بل بقدرتها على إنتاج نموذج حضري يجعل السكن اللائق جزءا من منظومة متكاملة أكثر منه منتج عقاري.

    ومن هذه الزاوية، فإن اختزال حصيلة الولاية الحكومية الحالية في عدد الأسر التي غادرت دور الصفيح أو في عدد المدن التي أعلنت “بدون صفيح” رغم إيجابيتها يظلمها، على اعتبار أن المعيار الحقيقي سيظل مرتبطا بمدى نجاح الإصلاحات التي أطلقتها في تحويل البرنامج من سياسة لمعالجة آثار الهشاشة إلى سياسة تمنع إعادة إنتاجها، فالمجلس الأعلى للحسابات كان قد شخص قبل وصول الحكومة الحالية، اختلالات مست الحكامة والعقار والوقاية وآليات الاستهداف، بينما تقول الحكومة إنها أعادت بناء جزء من هذه المنظومة عبر تغيير نموذج التدخل ورقمنة تدبير المستفيدين وإشراك القطاع الخاص، ورفع وتيرة الإنجاز.

    وبهذا، فإن الحكم النهائي على هذه التحولات لن يصدر مع نهاية الولاية، وإنما مع مرور السنوات عندما يتضح ما إذا كانت قد أغلقت فعلا آخر بؤر الصفيح، أم أنها أرست فقط شروط مرحلة جديدة من تدبيرها.