التصنيف: رئيسيّة

  • من 40 إلى 80 ألفا.. كيف كشفت “معركة الأرقام” ارتباك الرواية الإسبانية إزاء أحداث سبتة؟

    من 40 إلى 80 ألفا.. كيف كشفت “معركة الأرقام” ارتباك الرواية الإسبانية إزاء أحداث سبتة؟

    بعد ستة أيام من موجة العبور الجماعي نحو سبتة المحتلة، لم تتمكن السلطات الإسبانية من الاتفاق على رقم واحد يحدد حجم ما وقع، فبين وزارة الداخلية في مدريد، ورئيس حكومة المدينة خوان خيسوس فيفاس، تغيرت الحصيلة الرسمية أكثر من مرة، وانتقلت تقديرات الوافدين من 40 ألفا إلى 50 ألفا ثم إلى 72 ألفا، قبل أن يتحدث فيفاس عن 80 ألف شخص، فيما ظل عدد الموجودين داخل المدينة وعدد الضحايا محل خلاف بين المؤسستين.

    هذا التباين لم يقتصر على التصريحات السياسية، بل شمل المعطيات التي قدمتها الحكومة الإسبانية نفسها أمام شركائها الأوروبيين، في وقت يتمسك فيه المغرب بحصيلة رسمية أعلنها في 2 غشت تستند بحسب وزارة الداخلية، إلى أنظمة الرصد والتتبع المعتمدة ميدانيا.

    بداية الأزمة.. أرقام أولية

    عندما بدأت محاولات العبور يوم الخميس 30 يوليوز، كانت السلطات الإسبانية تتحدث عن ما بين 1500 وألفي حالة دخول غير نظامي خلال الأيام السابقة، لكن مع اتساع نطاق العبور خلال ساعات، اكتفت البيانات الرسمية بالحديث عن “آلاف” الأشخاص الذين وصلوا إلى المدينة برا وبحرا.

    وفي صباح اليوم الموالي، قدرت الأجهزة الأمنية الإسبانية عدد الوافدين بأكثر من 40 ألف شخص، وهو أول رقم كبير يصدر بعد الأحداث، قبل أن تبدأ الحصيلة في التغير يوما بعد آخر.

    أول خلاف بين مدريد وسبتة

    يوم الجمعة، أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية أن عدد الذين دخلوا سبتة بلغ نحو 50 ألف شخص، بينما أكد رئيس حكومة الثغر المحتل خوان خيسوس فيفاس أن العدد وصل إلى 60 ألفا.

    ولم يكن الخلاف مقتصرا على الوافدين، بل طال أيضا عدد العائدين إلى المغرب.

    فالوزارة أعلنت في منتصف النهار عودة 25 ألف شخص، ثم رفعت العدد بعد ساعات إلى 37 ألفا و500، قبل أن تؤكد مساء عودة 48 ألفا و300 شخص، معتبرة أن أقل من ألفي شخص ظلوا داخل المدينة.

    غير أن هذا التقدير لم يكن ينسجم مع أرقام فيفاس، فإذا كان 60 ألف شخص دخلوا المدينة، فإن عودة 48 ألفا و300 تعني بقاء أكثر من 11 ألف شخص دون تفسير أو إحصاء، وهو ما لم تقدم الحكومة الإسبانية أي توضيح بشأنه.

    مارلاسكا يرفعه الأرقام إلى 72 ألفا

    خلال عطلة نهاية الأسبوع، تمسكت مدريد برقم خمسين ألف وافد، بينما واصل رئيس حكومة سبتة الحديث عن ستين ألفا.

    وفي الاثنين 3 غشت ظهر خلاف جديد، بعدما أعلنت الحكومة المركزية أن نحو 2500 شخص ما زالوا داخل المدينة، في حين تحدثت سلطات سبتة عن وجود ما بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف شخص.

    وامتد التباين إلى حصيلة الضحايا، إذ تحدثت مدريد آنذاك عن 74 وفاة، بينما أعلنت سلطات المدينة تسجيل 88 وفاة.

    أثناء اجتماع وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي، أعلن وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا أن عدد الذين دخلوا سبتة بلغ 72 ألف شخص، مضيفا أن 70 ألفا منهم عادوا إلى المغرب، وأن نحو ألفي شخص فقط ما زالوا داخل المدينة.

    ولم يقدم الوزير أي توضيح بشأن انتقال الحصيلة من خمسين ألفا إلى اثنين وسبعين ألفا، رغم أن الفارق يبلغ 22 ألف شخص.

    فيفاس: العدد بلغ 80 ألفا

    بعد أقل من أربع وعشرين ساعة، عاد خوان خيسوس فيفاس ليطرح رواية جديدة، وقال إن عدد الوافدين بلغ نحو 80 ألف شخص، وإن قرابة ستة آلاف ما زالوا داخل سبتة، متسائلا، في تصريح للتلفزيون الإسباني الرسمي: “كيف يمكن أن نكون إلى اليوم لا نعرف عدد الأشخاص الموجودين في سبتة؟”.

    وبهذا التصريح، اتسع الفارق مع وزارة الداخلية الإسبانية إلى ثمانية آلاف شخص في عدد الوافدين، وأربعة آلاف شخص في عدد الموجودين داخل المدينة.

    أرقام المغرب

    في مقابل هذه التقديرات المتغيرة، أعلنت وزارة الداخلية المغربية، في بلاغ رسمي صدر في 2 غشت، أن نحو 40 ألف شخص شاركوا في محاولات العبور نحو سبتة، مقابل 1135 شخصا باتجاه مليلية.

    وأكدت الوزارة أن هذه الحصيلة اعتمدت على وسائل الرصد والتتبع الميداني، معتبرة إياها المرجع الرسمي.

    كما أعلنت تسجيل 11 وفاة داخل التراب المغربي، بينها عشر حالات غرق وحالة وفاة واحدة بسبب سقوط عرضي من منطقة صخرية مجاورة لسبتة، مشيرة إلى أن التنسيق مع السلطات الإسبانية ما يزال متواصلا لتحديد عدد الضحايا الذين سقطوا داخل المدينة وهوياتهم.

    أزمة تعكس أزمة تدبير

    لا يقتصر الخلاف بين مدريد وحكومة سبتة على اختلاف في طرق الإحصاء، بل يكشف أيضا عن تباين في تقييم حجم الأزمة وكيفية تدبيرها.

    فبينما سعت الحكومة المركزية إلى التأكيد أمام شركائها الأوروبيين أن الوضع أصبح تحت السيطرة وأن أغلب الوافدين عادوا إلى المغرب، واصل رئيس حكومة سبتة الحديث عن أعداد أكبر وعن ضغط مستمر على المدينة، مستندا إلى هذه الأرقام للمطالبة بنقل القاصرين غير المصحوبين إلى البر الإسباني وتوفير دعم إضافي لسلطات المدينة.

    وبعد مرور أسبوع على الأحداث، لا تزال إسبانيا تقدم أكثر من رواية حول عدد الذين دخلوا سبتة وعدد الذين غادروها وعدد الذين بقوا داخلها، في حين بقيت الحصيلة الرسمية المغربية ثابتة منذ إعلانها.

    صراع صلاحيات داخل الدولة الإسبانية

    في هذا الإطار، قال محمد مزوز، الباحث في العلاقات الدولية والهجرة وسياسات الحدود، إن المشكل في هذه الأزمة ليس أن المؤسسات الإسبانية قدمت أرقاما مختلفة فحسب، بل أن هذا الاختلاف كشف غياب تعريف موحد لما يجري إحصاؤه أصلا.

    وأوضح مزوز في حديثه لـ “AM+MEDIA”، أن هناك فرق جوهري بين عدد الأشخاص وعدد محاولات العبور وعدد من وطأت أقدامهم المجال الترابي لسبتة، وعدد من سجلتهم المصالح الأمنية أو الصحية أو الاجتماعية، وعندما لا توضح السلطات هذه الفروق، تتحول الأرقام من أداة لفهم الأزمة إلى عنصر إضافي في تعقيدها.

    ومن الناحية المؤسساتية، يرى مزوز أننا “أمام أزمة اختصاصات وتنسيق داخل الدولة الإسبانية، فسبتة تتمتع بوضع إداري خاص، لكنها لا تملك الأدوات السيادية المتعلقة بمراقبة الحدود والهجرة والإبعاد، وهي اختصاصات تعود إلى الحكومة المركزية، في المقابل، تتحمل سلطات المدينة العبء المباشر المرتبط بالإيواء، والرعاية الاجتماعية، وتدبير القاصرين، والضغط على المرافق المحلية وهذا الفصل بين الجهة التي تملك القرار والجهة التي تتحمل الكلفة اليومية يفسر جزءا من التوتر بين مدريد وسبتة”.

    ونبه المتحدث، إلى أن رئيس حكومة المدينة ينظر إلى الأزمة من داخل المجال المحلي بما فيها مراكز إيواء ممتلئة، قاصرون يحتاجون إلى الرعاية، أشخاص غير مسجلين، ومرافق عمومية تعمل فوق طاقتها، أما الحكومة المركزية فتنظر إليها من زاوية أخرى ترتبط بالسيادة، وحدود فضاء شنغن والعلاقة مع المغرب والصورة التي ستقدم إلى الاتحاد الأوروبي.

    لذلك، يعتبر أنه “لا يختلف الطرفان فقط حول الرقم، بل حول تعريف الأزمة ذاتها هل هي أزمة محلية تستوجب توزيع العبء على باقي التراب الإسباني، أم أزمة حدودية جرى احتواؤها ولا ينبغي تضخيم آثارها السياسية؟”.

    وهذا التباين، يفسر أيضا لماذا يحرص كل طرف على تثبيت روايته، فبالنسبة إلى سلطات سبتة، كلما ظهر أن عدد الموجودين في المدينة أكبر أصبحت مطالبتها بنقل القاصرين وتوفير موارد إضافية أكثر إلحاحا.

    أما بالنسبة إلى مدريد، فإن الإقرار باستمرار وجود أعداد كبيرة يعني الاعتراف بأن السيطرة لم تستعد بالكامل وأن تدبير الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي تعرض لاختلال أكبر مما قدم رسميا.

    وهناك بعد آخر يتعلق بجودة الدولة في إدارة الأزمات، فالدولة وفق الباحث لا تقاس فقط بقدرتها على نشر قواتها أو وقف التدفقات، بل أيضا بقدرتها على معرفة من دخل ومن عاد ومن بقي ومن يحتاج إلى حماية، ومن يخضع لإجراء قانوني، وغياب هذه الصورة بعد أيام من الأحداث يعني أن الاستجابة الأمنية سبقت بناء منظومة دقيقة للمعلومات، أو أن قواعد البيانات بين الأجهزة لم تكن متطابقة، أو أن التواصل المؤسساتي لم يعكس المعطيات المتوفرة فعليا، وفي الحالات الثلاث نحن أمام خلل يتجاوز الجانب الإعلامي.

    وتابع: “كما أن الارتباك الرقمي ستكون له آثار قانونية، فكل شخص يوجد داخل سبتة يفترض أن يخضع لتحديد الهوية والوضعية، هل هو راشد أم قاصر؟ هل يحتاج إلى حماية دولية؟ هل يمكن إعادته قانونيا؟ وهل دخل مرة واحدة أم ظهر اسمه في أكثر من سجل؟ من دون قاعدة بيانات موحدة، يصبح من الصعب ضمان سلامة الإجراءات، كما ترتفع احتمالات الخطأ في تصنيف الأشخاص أو تكرار تسجيلهم أو إسقاطهم من الإحصاء”.

    وأعادت الأزمة أيضا، كذلك طرح سؤال القاصرين غير المصحوبين، وهم الفئة الأكثر حساسية في هذا الملف، فهؤلاء لا يمكن التعامل معهم بمنطق التدبير الأمني نفسه المعتمد مع الراشدين، لأن وضعهم يخضع لالتزامات قانونية خاصة مرتبطة بالحماية والرعاية والتحقق من السن والمصلحة الفضلى للطفل، ولهذا فإن الخلاف بين سبتة ومدريد حول نقلهم “يعكس نقاشا قديما داخل إسبانيا بشأن توزيع المسؤولية بين الجهات، خصوصا عندما تقع مدن الحدود تحت ضغط يفوق قدراتها” وفق تعبير مزوز.

    أما في العلاقة مع المغرب، فإن تضارب الأرقام الإسبانية يضعف القدرة على إجراء تقييم مشترك للأزمة، حيث أكد المتحدث أن “التعاون الحدودي يحتاج إلى معطيات متطابقة، أو على الأقل إلى منهجية واضحة تسمح بمقارنة البيانات فعندما تعلن كل مؤسسة رقما مختلفا، يصعب تحديد حجم عمليات العودة وعدد المفقودين وهويات الضحايا، وطبيعة التدفقات وهذا يعرقل ليس فقط التواصل السياسي، بل أيضا العمل القنصلي والقضائي والإنساني”.

    مع ذلك، ينبغي الحذر من المقارنة الآلية بين الرقم المغربي والأرقام الإسبانية، حيث شدد المتحدث على أنه ” قد يكون المغرب قد أحصى المشاركين في محاولات الاقتراب والعبور، بينما أحصت جهات إسبانية عمليات وصول أو تسجيل أو تنقل داخل المدينة”، لذلك فإن الحكم على صحة رقم وخطأ آخر يتطلب أولا توحيد المفاهيم والفترة الزمنية ومكان الإحصاء أما المشكلة الأساسية ليست في أن الأرقام غير متطابقة، فهذا أمر وارد في الأزمات الواسعة، وإنما في أن السلطات لم تقدم للرأي العام تفسيرا منهجيا للفروق بينها.

    سياسيا، يتوقع الباحث أن تترك هذه الأزمة أثرا داخل إسبانيا، فالمعارضة ستستخدم التناقضات لمساءلة الحكومة عن جاهزية الحدود ودقة المعلومات، وسلطات سبتة ستضغط من أجل موارد وصلاحيات أكبر، بينما ستحاول الحكومة المركزية منع تحول الملف إلى دليل على فقدان السيطرة أو إلى أزمة أوروبية مفتوحة.

  • قُبيل أسابيع من الانتخابات.. الحكومة ترسم ملامح مالية 2027 وتستهدف عجزا بـ3% وتقليصا للدين بـ65%

    قُبيل أسابيع من الانتخابات.. الحكومة ترسم ملامح مالية 2027 وتستهدف عجزا بـ3% وتقليصا للدين بـ65%

    دخلت الحكومة مرحلة إعداد آخر مشروع قانون مالية يرتبط بولايتها الحالية بأهداف مالية واضحة، تكمن في خفض عجز الميزانية إلى 3 بالمئة من الناتج الداخلي الخام سنة 2027، وتقليص الدين العمومي إلى 65 بالمئة، مع إبقاء الإنفاق تحت المراقبة وتشديد التعليمات على نفقات السيارات والسفريات والمقرات الإدارية.

    لكن الأرقام التي يتضمنها منشور رئيس الحكومة رقم 12/2026 تكشف أن الوصول إلى هذه الأهداف سيمر عبر هامش مالي ضيق، فكلفة التدابير المتخذة لفائدة القطاع العام ستبلغ 49.7 مليار درهم سنة 2027، والدعم الاجتماعي المباشر يتجاوز 26 مليار درهم سنويا، ودعم غاز البوتان والسكر والدقيق يحتاج 13.2 مليار درهم، فيما سترتفع التحويلات إلى الجهات إلى 12 مليار درهم على الأقل سنويا، بالتزامن مع استمرار تمويل أوراش البنية التحتية والنقل والماء وإعادة إعمار الحوز.

    وتزداد معادلة مالية 2027 تعقيدا مع توقع تباطؤ النمو من 5.3 بالمئة في 2026 إلى 4.1 بالمئة في السنة المقبلة، وارتفاع عجز الحساب الجاري إلى 3.7 بالمئة من الناتج الداخلي الخام، في وقت تتقدم فيه الواردات، التي ارتفعت بـ15.3 بالمئة، بوتيرة أسرع من الصادرات التي زادت بـ9.7 بالمئة.

    وفوق هذه الحسابات الاقتصادية، تحمل الميزانية مفارقة سياسية مرتبطة بتوقيتها، فالانتخابات التشريعية مقررة في 23 شتنبر المقبل، بعد ستة أيام فقط من انتهاء لجان التحكيم الميزانياتي المبرمجة بين 7 و17 من الشهر نفسه، ما يعني أن الحكومة المنتهية ولايتها ستشارك في رسم سقوف ميزانية ستكون الحكومة المنبثقة عن صناديق الاقتراع مطالبة بتنفيذها.

    وبين هدف إعادة العجز إلى 3 بالمئة، والمحافظة على تمويل الدولة الاجتماعية، واستمرار المشاريع الكبرى المرتبطة بالماء والسكك الحديدية والموانئ والمطارات ومونديال 2030، كشف منشور إعداد مشروع قانون المالية 2027 أين توجد هوامش الإنفاق التي تريد الحكومة تقليصها، لكنه ترك رقما أساسيا خارج الوثيقة المنشورة وهو الغلاف الإجمالي للاستثمار المقرر للسنة المقبلة، فضلا عن سقوف نفقات كل قطاع وزاري الواردة في وثيقة مرفقة لم تنشر للعموم.

    نمو بـ5.3 بالمئة.. الفلاحة تدفع الأرقام إلى الأعلى

    تبدأ حسابات مالية 2027 من فرضية نمو أقل من المستوى المتوقع خلال السنة الجارية، فالمنشور يقدر نمو الاقتصاد المغربي بـ5.3 بالمئة في 2026، قبل أن تتراجع الوتيرة إلى 4.1 بالمئة في 2027، مستندا في تقييم مسار الاقتصاد والمالية العمومية إلى تقديرات صندوق النقد الدولي ووكالتي التصنيف الائتماني “ستاندرد آند بورز” و”موديز”.

    وتقدم الوثيقة توقع 5.3 بالمئة باعتباره مؤشرا على تقليص تبعية الاقتصاد المغربي للتقلبات المناخية والتساقطات المطرية، غير أن تفصيل مكونات النمو يكشف الوزن الكبير للفلاحة في انتعاش السنة الجارية.

    فالقيمة المضافة الفلاحية مرشحة للارتفاع بـ15.1 بالمئة خلال 2026، مقابل نمو بـ4.2 بالمئة للأنشطة غير الفلاحية، على أن تنتقل قيمتها من 111.6 مليار درهم في 2025 إلى 130 مليار درهم هذه السنة.

    ويضع هذا المعطى نسبة النمو المتوقعة في سياقها، خصوصا أن الحكومة نفسها تتوقع تراجعها بـ1.2 نقطة في 2027، من 5.3 إلى 4.1 بالمئة، بالتزامن مع انحسار أثر الانتعاش الفلاحي الذي ميز السنة الجارية.

    المداخيل تتحسن.. لكن النفقات ترتفع بالوتيرة نفسها تقريبا

    وتظهر أرقام تنفيذ الميزانية حتى نهاية يونيو 2026 تحسنا واضحا في موارد الدولة، فقد بلغت المداخيل العادية الصافية 225.2 مليار درهم، مقابل 195.2 مليار درهم في الفترة نفسها من 2025، مسجلة زيادة بـ15.4 بالمئة، فيما تشكل المداخيل الضريبية الجزء الأكبر من هذه الموارد بعدما بلغت 197.8 مليار درهم.

    غير أن النفقات تسير بدورها بوتيرة تصاعدية قريبة من وتيرة نمو المداخيل، فقد ارتفعت النفقات العادية بـ14.7 بالمئة إلى 203.9 مليارات درهم، أي أن الفارق بين وتيرة ارتفاع الموارد والنفقات لا يتجاوز 0.7 نقطة مئوية.

    وضمن هذه النفقات، ارتفعت فوائد الدين من 10.4 إلى 11.4 مليار درهم، بينما قفزت نفقات الاستثمار بـ20.2 بالمئة لتصل إلى 59.8 مليار درهم.

    وسمحت هذه التطورات بخفض عجز الميزانية إلى 24 مليار درهم عند نهاية يونيو، مقابل 30.8 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.

    ويأتي ذلك ضمن مسار تريد الحكومة مواصلته في 2027، بعدما انتقل العجز، بحسب المنشور، من 7.1 بالمئة من الناتج الداخلي الخام سنة 2020 إلى 3.5 بالمئة في 2025، على أن يستقر عند 3 بالمئة في السنة المقبلة.

    ويشمل الاتجاه نفسه الدين العمومي، المتوقع أن يمثل 66 بالمئة من الناتج الداخلي الخام في 2026، قبل تراجعه إلى 65 بالمئة في 2027 ونحو 63 بالمئة في أفق 2029.

    التجارة الخارجية.. الواردات تركض أسرع من الصادرات

    لكن تحسن مؤشرات المالية العمومية يقابله ضغط أكبر على الحسابات الخارجية، فخلال النصف الأول من 2026، ارتفعت الصادرات المغربية بـ9.7 بالمئة لتبلغ 260.4 مليار درهم، في حين سجلت الواردات نموا بـ15.3 بالمئة ووصلت إلى 458.8 مليار درهم، مدفوعة أساسا بارتفاع واردات سلع التجهيز والمنتجات الطاقية.

    وتنعكس هذه الفجوة على الحساب الجاري، الذي تتوقع الحكومة ارتفاع عجزه إلى 3.7 بالمئة من الناتج الداخلي الخام في 2026، بعدما بلغ 2.4 بالمئة في 2025، فيما استقر معدل تغطية الواردات بالصادرات عند 57 بالمئة خلال السنة الماضية.

    في المقابل، تستفيد الحسابات الخارجية من ثلاثة تدفقات رئيسية للعملة الصعبة، فقد ارتفعت مداخيل السفر بـ15.9 بالمئة إلى 64.9 مليار درهم في نهاية يونيو، وبلغت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج 61.5 مليار درهم، بينما وصل صافي تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى 26.2 مليار درهم.

    ويضع المنشور ضمن هذه الدينامية الأداء المسجل في القطاع السياحي، بعدما استقبل المغرب 19.8 مليون زائر خلال 2025، وبلغت المداخيل السياحية بالعملة الصعبة 138 مليار درهم.

    49.7 مليار درهم لكلفة تدابير القطاع العام

    الجانب الأكثر ضغطا على حسابات 2027 يرتبط بالنفقات التي سبق الالتزام بها، والتي لا تملك الحكومة هامشا واسعا لتقليصها.

    فالكلفة السنوية للتدابير المعتمدة لفائدة القطاع العام، بما فيها مراجعة الضريبة على الدخل، ستصل إلى 48.3 مليار درهم في نهاية 2026، قبل أن ترتفع إلى 49.7 مليار درهم في 2027.

    وإلى جانب هذه الكلفة، تحتاج الحكومة إلى 13.2 مليار درهم لمواصلة دعم غاز البوتان والسكر والدقيق الوطني، فضلا عن 3.9 مليارات درهم مخصصة للتدابير المتبقية من الحوار الاجتماعي.

    أما الدعم الاجتماعي المباشر، فتبلغ كلفته 2.2 مليار درهم شهريا، بما يتجاوز 26 مليار درهم سنويا.

    ومن المنتظر أن يضاف إلى هذه الالتزامات ارتفاع التحويلات الموجهة إلى الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم سنويا ابتداء من 2027.

    وهكذا، يدخل مشروع قانون المالية المقبل مرحلة الإعداد وجزء مهم من النفقات محدد مسبقا، بينما يفترض تحقيق هدف خفض العجز إلى 3 بالمئة مواصلة التحكم في الإنفاق دون المساس بالالتزامات الاجتماعية والاستثمارية القائمة.

    4 ملايين أسرة تستفيد من الدعم.. ومؤشرات تغيب عن المنشور

    ويخصص المنشور مساحة واسعة لحصيلة الدولة الاجتماعية، إذ يشير إلى استفادة أربعة ملايين أسرة وأكثر من خمسة ملايين طفل من الدعم الاجتماعي المباشر، وإلى صرف 64.2 مليار درهم منذ 2023.

    وفي التأمين الإجباري عن المرض، تفيد الوثيقة بأن نسبة التغطية انتقلت من 42 بالمئة قبل الإصلاح إلى أكثر من 87 بالمئة حاليا.

    غير أن الدقة التي يعتمدها المنشور في عرض عدد المستفيدين وكلفة البرامج الاجتماعية لا تمتد إلى عدد من المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية الأخرى، إذ لا يورد معدل البطالة أو التضخم أو مؤشرا للفقر النقدي.

    ويظهر هذا الغياب بشكل أكبر في الجزء المتعلق بالتشغيل، فالوثيقة تحدد ثلاثة محاور لخارطة الطريق، هي “عرض الشغل” و”الطلب على الشغل” و”آليات الوساطة”، إلى جانب إعادة هيكلة البرامج النشيطة للتشغيل، دون تحديد هدف رقمي لإحداث فرص الشغل أو أفق زمني لتحقيقه.

    أما الهدف الكمي الواضح في الجانب التعليمي، فيهم برامج الفرصة الثانية، حيث تستهدف الحكومة رفع عدد المستفيدين من 35 ألفا خلال الدخول المدرسي 2026-2027 إلى 80 ألفا بحلول 2030.

    الحوز.. إعادة الإعمار مستمرة في 2027

    ولا تنتهي الالتزامات عند البرامج الاجتماعية، إذ سيستمر تمويل إعادة إعمار وتأهيل المناطق المتضررة من زلزال الحوز ضمن حسابات السنة المقبلة.

    وإلى نهاية يونيو 2026، بلغت مدفوعات الدولة المرتبطة بهذا الورش 8.02 مليارات درهم وشملت 2.52 مليار درهم من المساعدات الشهرية، بقيمة 2500 درهم لفائدة 63 ألفا و786 أسرة، إضافة إلى 759.7 مليون درهم لإعادة بناء 5751 مسكنا، بمساعدة قدرها 140 ألف درهم لكل مسكن.

    كما جرى صرف 3.98 مليارات درهم لإعادة تأهيل 52 ألفا و240 مسكنا، بمبلغ 80 ألف درهم لكل مسكن، وخصصت الدولة بالتوازي غلافا بقيمة 6.42 مليارات درهم للأشغال القطاعية، فيما أفردت برنامجا آخر بقيمة 3 مليارات درهم لمواجهة تداعيات الفيضانات التي شهدتها مناطق شمال وغرب المملكة.

    من السيارات إلى الفنادق.. أين تريد الحكومة خفض الإنفاق؟

    أمام محدودية هامش التحرك في النفقات الاجتماعية والالتزامات القائمة، تنتقل تعليمات رئيس الحكومة إلى المصاريف الإدارية التي يمكن التحكم فيها.

    ويطالب المنشور القطاعات الحكومية بأن يكون إحداث المناصب المالية “محددا ومبررا بدقة”، وأن تعمل على ضبط نفقات الماء والكهرباء وكراء السيارات وتهيئة المقرات.

    وتشمل التعليمات أيضا نفقات التنقل داخل المملكة وخارجها، والإقامة في الفنادق والاستقبالات والحفلات والملتقيات، مع ربطها بأهداف “ميثاق مثالية الإدارة”.

    ويذهب المنشور بصورة أكثر مباشرة إلى مطالبة الإدارات بـ”تقليص نفقات اقتناء السيارات وبناء وتهيئة وتجهيز المقرات الإدارية إلى أقصى حد”.

    لكن هذه التعليمات ليست جديدة في قاموس إعداد الميزانية، إذ تعيد إلى حد بعيد مقتضيات سبق تضمينها في مناشير السنوات السابقة، ما يجعل الرهان الفعلي مرتبطا بحجم ما يمكن توفيره من هذه البنود مقارنة بالنفقات الاجتماعية والاستثمارية الكبرى.

    لا اعتمادات لمشاريع لا تستطيع القطاعات تنفيذها

    التشدد يمتد إلى الاستثمار العمومي، لكن من زاوية مختلفة، إذ يطلب المنشور من القطاعات الحكومية بناء مقترحاتها الاستثمارية انطلاقا من قدرتها الحقيقية على التنفيذ، مع مراعاة معدلات ترحيل الاعتمادات من سنة إلى أخرى.

    وتعطى الأولوية للالتزامات الناتجة عن التعليمات الملكية، فضلا عن الاتفاقيات الموقعة مع المانحين الدوليين.

    أما الإعانات الموجهة إلى المؤسسات العمومية، فسيجري صرفها بحسب تقدم المشاريع والسيولة المتوفرة لديها، بما يربط تحويل الموارد بوتيرة الإنجاز الفعلي.

    وتأتي هذه التوجيهات في سياق تعديل عدد من قواعد الصفقات العمومية، إذ ارتفع سقف سندات الطلب من 500 ألف إلى 800 ألف درهم، فيما انتقل سقف المسطرة المبسطة المعفاة من شهادات المراجع من مليون إلى 1.5 مليون درهم.

    168 مليار درهم إضافية في مداخيل الدولة

    وتراهن الحكومة في الجانب الآخر من المعادلة على استمرار تعبئة الموارد الجبائية، بحيث يؤكد المنشور مواصلة توسيع الوعاء الضريبي وترشيد الامتيازات وتشديد مكافحة الغش، مع التأكيد على أن ذلك سيتم “دون زيادة الضغط الضريبي”.

    وتظهر الأرقام التي تقدمها الوثيقة أن المداخيل العادية للدولة انتقلت من 256.2 مليار درهم سنة 2021 إلى 424.2 مليار درهم في 2025، أي بزيادة بلغت 168 مليار درهم خلال أربع سنوات.

    ويعادل ذلك متوسط نمو سنوي بـ13.5 بالمئة، فيما سجلت المداخيل الضريبية وحدها متوسط زيادة سنوية قدره 12.4 بالمئة خلال الفترة نفسها.

    ويربط المنشور هذا التطور بالقانون الإطار رقم 69.19 المتعلق بالإصلاح الجبائي، لكنه لا يفصل داخل الزيادة المسجلة بين ما نتج عن توسيع القاعدة الضريبية وما يرتبط بالنمو الاسمي للاقتصاد أو بالتضخم.

    قانون المالية نفسه على طاولة الإصلاح

    ولا تقتصر أجندة 2027 على تدبير الموارد والنفقات، بل تشمل إصلاح الإطار القانوني والمؤسساتي الذي يحكم جزءا من المالية العمومية.

    وتعلن الحكومة مراجعة القانون التنظيمي رقم 130.13 المتعلق بقانون المالية، مع توجه نحو توسيع نطاقه ليشمل المؤسسات العمومية المستفيدة من الدعم، إلى جانب اعتماد الميزنة متوسطة المدى ووضع سقف للمداخيل المرصدة.

    كما ستتواصل عملية تنزيل القانون الإطار رقم 50.21 المتعلق بالمؤسسات والمقاولات العمومية، مع إحداث هيئة مركزية مكلفة بعمليات التصفية.

    ويشير المنشور أيضا إلى مشروعي القانونين رقم 047.26 و046.26، المتعلقين بجعل المندوبية السامية للتخطيط هيئة للحكامة وإعادة تنظيم النظام الإحصائي الوطني.

    القطار والمطارات والموانئ والماء.. أوراش بلا غلاف استثماري إجمالي

    رغم التشديد على ضبط النفقات، لا تعني مالية 2027 التراجع عن الأوراش الاستثمارية الكبرى، فالمنشور يسرد مجموعة واسعة من المشاريع التي ستتواصل خلال المرحلة المقبلة، لكنه لا يحدد الغلاف الإجمالي للاستثمار المقرر للسنة المقبلة.

    في السكك الحديدية، يبرز مشروع الخط فائق السرعة القنيطرة-مراكش على امتداد 430 كيلومترا، إلى جانب شبكات القطارات السريعة الجهوية في ثلاث جهات.

    وفي النقل الجوي، تستهدف الاستراتيجية المعلنة رفع الطاقة الاستيعابية للمطارات إلى 80 مليون مسافر بحلول 2030، فيما يفترض أن يصل أسطول الخطوط الملكية المغربية إلى 200 طائرة في أفق 2037.

    وتضم لائحة الأوراش أيضا ميناء الناظور غرب المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي.

    وفي قطاع الماء، تستهدف المشاريع بلوغ قدرة لتحلية مياه البحر في حدود 1.7 مليار متر مكعب، ورفع قدرة التخزين إلى 22 مليار متر مكعب بحلول 2030.

    ويضاف إلى كل ذلك جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، تقدر الوثيقة كلفتها بنحو 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات.

  • أنبوب الغاز المغربي-النيجيري.. رهان إفريقي يتجه نحو السوق الأوروبية

    أنبوب الغاز المغربي-النيجيري.. رهان إفريقي يتجه نحو السوق الأوروبية

    بعد نحو عقد من إطلاقه، ينتقل مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي بين نيجيريا والمغرب إلى مرحلة أكثر أهمية في مساره، إذ لم يعد الرهان مرتبطا بإنجاز بنية تحتية لنقل الغاز، وإنما أضحى المشروع جزءا من تصور أوسع لإعادة تنظيم ممرات الطاقة وتعزيز الترابط الاقتصادي بين دول غرب إفريقيا والمغرب وأوروبا.

    ويأتي ذلك في سياق دولي تتزايد فيه أهمية أمن الطاقة وتنويع مصادر الإمدادات، بالتوازي مع حاجة الاقتصادات الإفريقية إلى بنى تحتية قادرة على دعم التصنيع والاستثمار وتحسين الولوج إلى الطاقة.

    ويكتسب المشروع، في هذا السياق، بعدا يتجاوز العلاقة الثنائية بين الرباط وأبوجا، بالنظر إلى امتداده الإقليمي واستهدافه لمجموعة من دول غرب إفريقيا، كما يفتح أمام المغرب رهانا استراتيجيا يتمثل في تعزيز موقعه ضمن ممر طاقي يربط غرب إفريقيا بالأسواق الأوروبية.

    وشهد المشروع محطة جديدة في 19 يوليوز 2026، بتوقيع رؤساء دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس” على الاتفاق الحكومي الدولي في فريتاون، لإرساء الإطار القانوني والمؤسساتي للانتقال إلى المرحلة التنفيذية، على أن يُستكمل المسار بتوقيع الاتفاق بين المملكة المغربية والجمهورية الإسلامية الموريتانية في مرحلة مرتقبة.

    من الرباط وأبوجا إلى مشروع قاري

    شهدت العلاقات الاقتصادية المغربية النيجيرية تطورا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد الزيارة التاريخية التي قام بها الملك محمد السادس إلى أبوجا في دجنبر 2016، والتي شكلت طفرة نوعية في العلاقات الثنائية، من خلال توقيع العديد من اتفاقيات الشراكة في مختلف المجالات.

    وأسفرت الزيارة عن توقيع عدد من الاتفاقيات الاقتصادية والاستراتيجية، أبرزها إطلاق مشروع أنبوب الغاز المغربي–النيجيري، الذي يُعد أحد أكبر مشاريع البنية التحتية الطاقية في القارة الإفريقية.

    وبدأت تتضح المعالم الأولى لهذا المشروع سنة 2017، مع توقيع مجموعة من الاتفاقيات لبداية إنجاز الدراسات التقنية والفنية وغيرها من النصوص المرتبطة بالمشروع، إلى جانب وضع الأطر القانونية والمؤسساتية اللازمة لإنجازه.

    وفيما يتعلق بأهمية المشروع ضمن الاستراتيجية الطاقية للمغرب، فإنه يعزز موقع المملكة كحلقة وصل استراتيجية بين غرب إفريقيا وأوروبا، من خلال ربط البنيات التحتية الغازية الإقليمية بالشبكة الغازية الإيبيرية والأوروبية، فضلا عن استشراف التحولات المستقبلية في سوق الطاقة، بالنظر إلى قابلية الأنبوب لنقل الهيدروجين مستقبلا.

    ويعكس هذا البعد قابلية المشروع للتكيف مع متطلبات الانتقال الطاقي والتحولات التي يشهدها سوق الطاقة الدولي، بما يعزز طابعه الاستباقي ضمن الرؤية الطاقية للمغرب.

    وتجدر الإشارة إلى أن طول المشروع يمتد على نحو 6900 كيلومتر، بكلفة تقديرية تناهز 25 مليار دولار، وبقدرة نقل تصل إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، مما يجعله من بين أضخم مشاريع البنية التحتية الطاقية في القارة الإفريقية.

    كما يساهم مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، الذي يمتد من نيجيريا مرورا ببنين وتوغو وغانا وكوت ديفوار وليبيريا وسيراليون وغينيا وغينيا بيساو وغامبيا والسنغال وموريتانيا وصولا إلى المغرب، ويشمل المشروع أيضا ربط الدول غير الساحلية، وهي النيجر ومالي وبوركينا فاسو، عبر أنابيب فرعية، في إرساء منظومة قائمة على التضامن والتكامل الإقليمي، إذ لا يقتصر على الشراكة الثنائية بين المغرب ونيجيريا.

    من الدراسات إلى ساعة التنفيذ

    مر مشروع أنبوب الغاز المغربي–النيجيري بعدة محطات رئيسية منذ إطلاقه سنة 2016، حين أعلن الملك محمد السادس والرئيس النيجيري آنذاك محمد بخاري، خلال الزيارة الملكية إلى أبوجا، الاتفاق على إنجاز المشروع.

    وفي سنة 2017، وُقعت اتفاقية تعاون بين المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن والشركة الوطنية النيجيرية للنفط لإطلاق دراسات الجدوى والهندسة، قبل أن يعزز البلدان التزامهما بالمشروع عبر إعلان مشترك خلال زيارة الرئيس النيجيري إلى المغرب سنة 2018.

    وانتقل المشروع إلى مرحلة أوسع ابتداء من سنة 2022، مع توقيع مذكرة تفاهم بين المغرب ونيجيريا والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس”، بما أرسى إطارا مؤسساتيا لانخراط دول المنطقة في المشروع.

    وتوالى بعد ذلك توقيع مذكرات تفاهم تجمع المغرب ونيجيريا والسنغال وموريتانيا لتسريع إنجاز أنبوب الغاز، ثم انضمت في سنة 2023 كل من ساحل العاج وليبيريا وغينيا وبنين، مما عزز الطابع الإقليمي للمشروع ورسخ مكانته كأحد أكبر مشاريع التكامل الطاقي في القارة الإفريقية.

    وخلال سنة 2026، دخل المشروع مرحلة جديدة مع التوجه نحو توقيع الاتفاقية الحكومية الدولية المنظمة له، بما يمهد لاستكمال الترتيبات المؤسساتية والتنفيذية لورش تقدر كلفته بحوالي 25 مليار دولار.

    ووفق الجدول الزمني المعلن حاليا، يُرتقب أن تنطلق أولى عمليات نقل الغاز عبر بعض المقاطع الجاهزة في أفق سنة 2031، على أن يدخل المشروع حيز التنفيذ قبل سنة 2036، بما يعزز الأمن الطاقي الإقليمي ويفتح منفذا جديدا للغاز الإفريقي نحو الأسواق الأوروبية، إذ يمكن أن يتيح المشروع، جعلى المدى البعيد، مصدرا إضافيا لتنويع إمدادات الغاز نحو السوق الأوروبية، في سياق إعادة تشكيل خريطة الإمدادات الطاقية للقارة.

    وفي هذا الصدد، أكدت أمينة بنخضرة، المديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن، في تصريح خاص لجريدة “AM+ MEDIA”، أن المشروع “قطع أشواطا مهمة” منذ انبثاقه من الرؤية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس والرئيس النيجيري الراحل محمد بخاري، كما تم تأكيد هذا الالتزام من قبل فخامة الرئيس بولا أحمد تينوبو.

    ولفت بنخضرة إلى أنه تمت مواصلة تطوير هذا المشروع الضخم بشكل مشترك من قبل المكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن وشركة البترول الوطنية النيجيرية، حيث تم إنهاء الدراسات الهندسية التفصيلية وتم تنفيذ حملات مسح واستطلاع مسار الأنبوب، وشهدت الدراسات البيئية والاجتماعية تقدما ملحوظا، كما تم وضع الأسس القانونية والتنظيمية والتجارية الرئيسية للمشروع، مما يتيح الاقتراب من تنفيذ مرحلة تفعيل المشروع.

    الغاز في خدمة صناعة إفريقية جديدة

    يتجاوز مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي رهانه الطاقي، ليرتبط بأبعاد اقتصادية وتنموية أوسع بالنسبة للدول التي سيعبرها، فمن شأن إنجاز هذه البنية التحتية أن يفتح المجال أمام تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي، وتثمين الموارد الطبيعية، ودعم التصنيع، واستقطاب الاستثمارات، وخلق فرص الشغل، بما يجعل المشروع رافعة محتملة لتحفيز النمو والتنمية على امتداد مساره.

    ويشكل هذا المشروع منفذا حقيقيا للصادرات النيجيرية، باعتبار أن نيجيريا تملك صادرات كبيرة جدا، مما يدفعها إلى البحث عن زبناء جدد، كما يلبي المشروع حاجيات المغرب في تأمين إمداداته من الغاز وتنويع مصادرها.

    وأشارت بنخضرة في هذا السياق، إلى أن هذا المشروع “تم تصميمه كبنية تحتية مهيكلة” تهدف إلى ربط موارد الغاز في غرب إفريقيا بمراكز الاستهلاك الإقليمية الرئيسية، وتعزيز اندماج أسواق الطاقة الإفريقية، فضلا عن إنشاء ممر تنمية جديد يربط غرب إفريقيا بدول الساحل والمملكة المغربية وصولا إلى أوروبا.

    وتبرز هذه الرؤية بشكل خاص في ظل الإمكانات الطبيعية التي تزخر بها المنطقة، من الحديد والبوكسيت والفوسفات والمعادن الاستراتيجية، والتي يتطلب تثمينها توفير طاقة مستقرة وبتكلفة تنافسية.

    ومن هذا المنطلق، يُنتظر أن يسهم المشروع في دعم الصناعات التحويلية، سيما الإسمنت والزجاج والخزف والصلب والألومنيوم، بما قد يدفع نحو تحول هيكلي في اقتصادات الدول المعنية.

    وأكدت بنخضرة في حديثها لـ”AM+ MEDIA”، أن مرحلة الإنجاز ستتيح دينامية متجددة لأسواق رؤوس الأموال المحلية، فضلا عن تحفيز تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة لفائدة القارة الإفريقية، وستمكن هذه المرحلة أيضا من استحداث ما يقارب 12.000 منصب شغل، مباشر وغير مباشر، بالنسبة للأجزاء الأولى من المسار، فضلا عن أثر اقتصادي يُقدَّر بنحو 3.5 نقطة من الناتج الداخلي الخام بالنسبة للدول المعنية، وذلك وفق التوقعات الأولية المعتمدة.

    وأوضحت مديرة المكتب أنه في المراحل التشغيلية للمشروع، وبمجرد بلوغ وتيرة الإنتاج القصوى المحددة في 30 مليار متر مكعب سنويا، فإن تسويق الغاز من شأنه أن يحقق موارد سنوية تُناهز 13 مليار دولار أمريكي، في حين قد تبلغ عائدات نقل الغاز ما يقارب 4 مليارات دولار سنويا.

    وأضافت المديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن، أن المشروع سيمكن من ربط 13 دولة مطلة على الساحل الأطلسي الإفريقي، وكذلك الدول غير الساحلية عبر الربط الجهوي، كما سيتم ربطه بخط أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي، وبالتالي شبكة الغاز الأوروبية، مما سيشكل ممرا استراتيجيا للطاقة يربط موارد الغاز بغرب إفريقيا بالأسواق الإقليمية والدولية.

     وأشارت إلى أن القدرة الاستيعابية للمشروع ستبلغ 30 مليار متر مكعب سنويا، بما في ذلك 15 مليار متر مكعب مخصصة للتصدير إلى المغرب وأوروبا، وبالتالي ستمكن هذه البنية التحتية الاستراتيجية من تلبية الاحتياجات المتزايدة لأسواق الغاز الإفريقية مع تعزيز الأمن الطاقي في القارة وتنويع الإمدادات الدولية.

    الاختبار الأصعب

    بعد سنوات من الدراسات والإعدادات التقنية والمؤسساتية، يدخل مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال التدريجي من مرحلة الإعداد إلى التفعيل.

    وفي هذا الإطار، أشارت بنخضرة إلى أن التوقيع على الاتفاق الحكومي الدولي من طرف رؤساء الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا ضمن أشغال قمة المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس” في فريتاون، يعد تتويجا للجهود التي بدأت بالتنسيق مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، وفقا لمذكرة التفاهم الموقعة مع المغرب ونيجيريا، والتي تعكس الالتزام الجماعي والمشترك للأطراف.

     وأوضحت أن الاتفاقية الحكومية الدولية تُضفي على هذا التعاون طابعا قانونيا ومؤسساتيا، حيث تُحدِّد حقوق الدول الأطراف والتزاماتها، ومبادئ حوكمة المشروع، فضلاً عن الالتزامات المتعلقة باستقرار الإطار التنظيمي، والنظام الضريبي، وضمان أمن الاستثمارات، والتعاون العابر للحدود.

    وبحسب بلاغ صحفي مشترك بين المكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن وشركة البترول الوطنية النيجيرية، فإن هذه المحطة المهمة التي تحققت في فريتاون تعد تمهيدا للمراحل المقبلة من إطلاق المشروع، والتي ستشمل على وجه الخصوص إنشاء شركة المشروع، التي سيكون مقرها بمدينة الدار البيضاء، إلى جانب إحداث الهيئة العليا لخط أنبوب الغاز (Pipeline Higher Authority)، وهي هيئة الحوكمة الخاصة بالمشروع، والمقرر أن يكون مقرها في أبوجا، وذلك قبل الشروع في تعبئة المستثمرين والإعداد لاتخاذ قرار الاستثمار النهائي (FID).

  • حكم في مدريد ثم عشرات الآلاف عند الحدود.. القصة التي سبقت أحداث سبتة

    حكم في مدريد ثم عشرات الآلاف عند الحدود.. القصة التي سبقت أحداث سبتة

    لم تبدأ أزمة سبتة الأخيرة عند السياج الحدودي، ولا في مياه تراخال يوم 30 يوليوز، فخيط القصة يقود إلى مدريد، وتحديدا إلى حكم قضائي صدر قبل ذلك بأسابيع، بدا في ظاهره حسما قانونيا في قضية مهاجر جزائري واحد، قبل أن تتحول آثاره إلى معطى جديد في واحدة من أكثر الحدود حساسية بين المغرب وإسبانيا.

    في 29 يونيو، رسمت المحكمة العليا الإسبانية خطا فاصلا لم يكن واضحا من قبل بين من يعترض في البحر أثناء محاولته الوصول سباحة إلى سبتة أو مليلية ومن يقتحم السياج البري.

    واللافت أن المحكمة لم تفتح باب الإقامة ولم تمنح العابرين حصانة من الترحيل، لكنها أغلقت طريق الإعادة الفورية إلى المغرب من البحر، وفرضت المرور أولا عبر مسطرة قانونية فردية بما تتضمنه من تحديد للهوية ومساعدة قانونية وإمكانية طلب اللجوء.

    هذا التفصيل القانوني سرعان ما اكتسب قراءة مغرضة خارج قاعات المحاكم، بعدما تم تأويله في شبكات التواصل ودوائر الاتجار في البشر، برسالة أكثر إغراء مفادها أن الوصول إلى سبتة سباحة يعني أن الإعادة الفورية إلى المغرب لم تعد ممكنة.

    في هذا الرصد التحليلي، تعود جريدة “AM+ MEDIA” إلى أصل الحكم 814/2026، وتتتبع الطريق الذي قطعه من قضية مهاجر واحد إلى أزمة حدودية، ويفكك ما قررته المحكمة فعلا وما نسب إليها، وما عرفته الأجهزة الإسبانية قبل الأزمة، ثم يضع الروايتين المغربية والإسبانية جنبا إلى جنب لفهم اللحظة التي تحول فيها اجتهاد قضائي دقيق إلى عامل ميداني أعاد خلط قواعد اللعبة، وفجر الحدود بين المغرب وثغره المحتل “سبتة”.

    أزمة بدأها سباح جزائري

    بين صدور حكم المحكمة العليا الإسبانية رقم 814/2026 الصادر في 29 يونيو ونشره في 8 يوليوز، ثم التدفق الجماعي في 30 يوليوز، انتقل قرار قضائي شديد التقنية من قاعات المحاكم إلى هواتف الآلاف، لتضيع التفاصيل القانونية وسط سيل من التأويلات تكررت على شبكات التواصل في رسالة واحدة: “من يصل سباحة إلى سبتة لن يعاد إلى المغرب”.

    غير أن التتبع الدقيق لتفاصيل الأحداث، يؤكد أن القصة بدأت قبل ذلك بأكثر من عامين، فصباح 14 نونبر 2023، رصد الحرس المدني الإسباني مهاجرا جزائريا في الخليج الجنوبي لسبتة، وهو يحاول بلوغ المدينة سباحة رفقة شخصين آخرين، قبل أن يتم اعتراضه ونقله إلى مقر تابع لوحدة الحدود، حيث تلقى مساعدة من الصليب الأحمر، قبل أن يسلم مباشرة إلى المغرب عبر معبر تراخال.

    ولأن التسليم لم يحترم المسطرة الإدارية للإعادة، وصلت القضية إلى المحكمة الإدارية رقم 2 في سبتة، التي قضت في شتنبر 2024 ببطلان عملية التسليم، قبل أن تؤيد محكمة العدل العليا في الأندلس جوهر الحكم في مارس 2025، لكن الدولة الإسبانية واصلت التقاضي، لتنتهي القضية أمام المحكمة العليا.

    وأخذ الملف منحى آخر، لتتحول قضية مهاجر واحد إلى سؤال حول كيفية إدارة الحدود البحرية لسبتة ومليلية المحتلتين.

    حدود بحرية بلا حدود

    منذ 2015، يتضمن قانون الأجانب الإسباني نظاما استثنائيا خاصا بسبتة ومليلية، يعرف بـ”الرفض على الحدود”، ويسمح بإرجاع من يضبط وهو يحاول تجاوز “عناصر احتواء الحدود” بصورة غير قانونية، مع بقاء العملية خاضعة لالتزامات إسبانيا في مجال حقوق الإنسان والحماية الدولية، وهو ما يعرف إعلاميا بـ”الإعادة الساخنة”.

    أمام المحكمة العليا، حاول محامو الدولة توسيع مفهوم “عناصر الاحتواء”، معللين موقفهم بأن غياب سياج وسط البحر لا يعني غياب الحدود، فوفق حجتهم، تخضع الحدود البحرية اليوم لنظام من الكاميرات الحرارية وأجهزة الاستشعار والطائرات المسيّرة ووسائل الإنذار المبكر؛ وبالتالي يمكن التعامل معها، قانونيا، كما لو كانت امتدادا للحواجز البرية.

    غير أن قضاة المحكمة العليا لم يقتنعوا، لأن وسائل المراقبة تستطيع كشف المهاجر، لكنها لا تمنعه ماديا من المرور، وبالتالي لا يجوز استعمال النظام الاستثنائي للإعادة المباشرة مع شخص يعترض في البحر وهو يحاول الوصول سباحة.

    وفي الحكم رقم 814/2026، قررت المحكمة أن حالات التسلل عبر البحر يجب أن تمر عبر مسطرة “الإعادة” العادية المنصوص عليها في المادة 58.3 من قانون الأجانب، لا عبر “الرفض على الحدود”.

    من أحكام 2020 إلى درس القاصرين

    لم يأت حكم 29 يونيو من فراغ، فعندما أقرت إسبانيا نظام الرفض على الحدود سنة 2015، ظل محاطا بنقاش قضائي طويل.

    وفي فبراير 2020، قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بعدم وجود انتهاك في إعادة مهاجرين شاركوا في اقتحام جماعي لسياج مليلية المحتلة سنة 2014.

    وفي نونبر من السنة نفسها، أقرت المحكمة الدستورية الإسبانية في قرار يحمل رقم “STC 172/2020” بدستورية النظام، مشترطة تطبيقه في إطار فردي، وخضوعه للرقابة القضائية واحترام التزامات إسبانيا الدولية.

    ثم جاءت أزمة سبتة سنة 2021 لتضع حدود الاستثناء مرة أخرى، عندما أكدت المحكمة العليا في يناير 2024 عدم قانونية عمليات إعادة قاصرين مغاربة غير مرفقين نفذت في غشت 2021، بسبب “التجاهل المطلق” للمسطرة التي يفرضها القانون وعدم دراسة الوضع الفردي لكل قاصر ومصلحته الفضلى.

    من ردهات المحكمة إلى منصات التواصل

    بموجب الحكم الجديد، يتعين نقل المهاجر الذي يعترض في البحر، بحسب اللوائح الجاري بها العمل، إلى الشرطة من أجل تحديد هويته والنظر في إعادته، مع ضمان الحق في المساعدة القانونية والمترجم.

    وبالتالي، أصبح بإمكان المهاجر غير النظامي المعترض في البحر أن يتقدم بطلب اللجوء، وتعلق عملية الإعادة إلى حين البت في وضعه وفق الشروط القانونية، وفي حال تعذر تنفيذ قرار الإعادة خلال 72 ساعة، يصبح استمرار الاحتجاز رهينا بقرار قضائي، وبالتالي فالحكم، لم يمنع إسبانيا من إعادة من يدخل بصورة غير نظامية، كما لم يمنح المهاجر إقامة تلقائية.

    ومع انتشار حكم المحكمة العليا الإسبانية، بدأت نسخة أخرى منه مغايرة تتداول خارج ردهات المحاكم عبر مقاطع فيديو على مناصات التواصل الاجتماعي.

    بهذا الصدد، كشفت تحقيقات متقاطعة لوكالتي “رويترز” و”أسوشيتد برس”، وتقرير استخباراتي أعده المحلل الإسباني المتخصص في الأمن والاستخبارات والإرهاب الدولي شيما جيل، أن تتبع مقاطع ومنشورات انتشرت خلال يوليوز المنصرم كشف أن الحكم القضائي قدم على شبكات التواصل باعتباره دليلا على أن من يصل إلى سبتة لن يكون ممكنا إعادته، ورافقت ذلك فيديوهات لشبان نجحوا في العبور، ومعلومات عن طرق السباحة ومواقيت المراقبة، وصور لمهاجرين داخل سبتة المحتلة.

    تقرير شيما جيل بدوره، كشف أن أحداث سبتة الأخيرة سبقتها حملة رقمية واسعة انطلقت منذ بداية يوليوز عبر منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة، وشهدت تداول رسائل تتعلق بمسارات الوصول، ووسائل النقل، ومواعيد التحرك، ونقاط الالتقاء، في إطار ما وصفه التقرير بحملة تعبئة رقمية سبقت الأحداث الميدانية.

    وأشار التقرير الاستخباراتي الإسباني إلى أن الحملة الرقمية التي بدأت مع مطلع شهر يوليوز، حققت أكثر من 11 مليون ظهور، من خلال حسابات تنشط في أساسا في الجزائر وتونس وفرنسا، إلى جانب حسابات أخرى في المغرب والولايات المتحدة، قبل أن تتسارع وتيرتها عقب صدور قرار للمحكمة العليا الإسبانية في الأيام الأولى من الشهر، والذي اعتبر أن الأشخاص الذين يدخلون إسبانيا عبر البحر لا يمكن إعادتهم فورا عند الحدود.

    ووفقا للتقرير، استخدم هذا القرار على نطاق واسع داخل المنصات الرقمية لترويج روايات حول سهولة العبور، وهو ما أسهم في تكثيف تداول المحتوى المرتبط بسبتة عبر منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة.

    من الترويج الرقمي إلى التعبئة الميدانية

    التقرير الاستخباراتي أوضح أنه في منتصف يوليوز، انتقلت الحملة من مرحلة الترويج الرقمي إلى التعبئة الميدانية، إذ رصد التحقيق تزايد وصول أشخاص من مدن مغربية إلى مدينة الفنيدق، بالتزامن مع ارتفاع النشاط داخل مجموعات على فيسبوك وقنوات للمراسلة الموجودة مسبقا، والتي كانت تستخدم لتبادل المعلومات العملية تتعلق بالجداول الزمنية وظروف السفر.

    وفي 28 يوليوز، رصد التقرير إحدى أبرز نقاط الاتصال خلال الفترة المدروسة، وترتبط بتحديد مجموعة مراسلة عامة تحمل اسم “هجمة كرياج سبتة”، تدار من رقم هاتف يبدأ بالمفتاح الدولي الجزائري (213+).

    وبحسب التقرير، استخدمت المجموعة لتبادل المعلومات اللوجستية المتعلقة بالتعبئة نحو سبتة، بما في ذلك التنسيق بين المشاركين وتداول المعطيات العملية، مشيرا إلى أن أهمية هذه المجموعة تتعلق بالدور الذي أدته كمنصة للتنسيق داخل البنية الرقمية للحملة.

    ووفقا للتقرير، بلغت الحملة الرقمية ذروتها يومي 29 و30 يوليوز، إذ شهدت المنصات الرقمية تصاعدا ملحوظا في وتيرة المنشورات، بالتزامن مع تداول تعليمات أكثر تحديدا بشأن الجداول الزمنية، ونقاط التجمع، والمعدات الموصى بها، وظروف السفر.

    وفي الوقت نفسه، نشرت حسابات مختلفة مقاطع فيديو تظهر رحلات باتجاه الفنيدق، فيما تداولت حسابات أخرى صورا للمنطقة الحدودية ورسائل هدفت إلى الحفاظ على زخم التعبئة.

    وكشف التقرير أن الحملة بلغت ذروة تأثيرها الميداني خلال الساعات الأولى من صباح يومي 30 و31 يوليوز، مع محاولة جماعية لدخول سبتة المحتلة.

    الرباط.. خطاب شديد اللهجة

    من الجانب المغربي، كان على مدريد أن تتوقع تداعيات الحكم، لأنه أضعف عنصرا رئيسيا من عناصر الردع، وفق ما أكده مصدر حكومي لوكالة الأنباء المغربية “لاماب”.

    ومن هذا المنظور، يرى المغرب أن شبكات التهريب التقطت التغيير بسرعة وروجت لفكرة أن مجرد الوصول إلى سبتة يوفر الحماية من الإعادة.

    ويعلل المغرب موقفه بأن قرار المحكمة العليا “قوّض منظومة مكافحة الهجرة غير النظامية”، وأن “الحاجز أمام الهجرة لم ينهر بسبب المهربين، بل نتيجة قرار قضائي إسباني”، مضيفا أن الترحيل التلقائي كان “يشكل حجر الزاوية في منظومتنا الردعية”.

    وتشير الرباط إلى أن الردع على الحدود لا يتعلق فقط بما إذا كانت الإعادة ممكنة في النهاية، بل بما إذا كانت تحدث فور الاعتراض أم بعد إدخال المهاجر إلى مسطرة إدارية.

    ونبه المصدر الحكومي، في حديثه لوكالة الأنباء المغربية، إلى أنه لا يمكن لقاض إسباني أن يقوّض منظومة مكافحة الهجرة غير النظامية، ثم يطالب المملكة المغربية بتحمل التبعات.

    العودة.. وهم “الفردوس الموعود”

    وتكشف العودة الجماعية من سبتة، وفق القراءة التي يقدمها المغرب، أن موجة الهجرة لم تكن تعبيرا خالصا عن رغبة مستقرة في مغادرة المغرب بقدر ما كانت، في جانب منها، نتيجة لصورة مضخمة جرى تسويقها للشباب عن الضفة الأخرى.

    ودخل الآلاف؛ وفق المعطيات المغربية لم يتجاوز عددهم 41 ألفا، بيما تقول إسبانيا إنهم تعدوا 72 ألفا، 70 ألفا منهم عادوا طواعية إلى المغرب، إلى هذه المغامرة محملين بوعد الفردوس الموعود، قبل أن يصطدموا، خلال فترة وجيزة، بواقع مختلف دفع الغالبية إلى العدول عن خيار البقاء والعودة إلى المغرب.

    بالنسبة إلى الرباط، يكمن جواب عودة غالبية المشاركين في محاولات العبور غير النظامي، في أن الصورة التي سبقت العبور لم تكن مطابقة للواقع، وأن شبكات التهريب والحسابات التي غذت موجة الهجرة ساهمت في صناعة وهم جماعي حول ما ينتظر الشباب بعد الوصول.

    ويقدم المغرب العودة الطوعية باعتبارها لحظة انكشاف لهذا التضليل، لا مجرد تراجع عن محاولة عبور، إذ إن سبب عودة آلاف الشباب، رغم تمكنهم من الوصول إلى سبتة المحتلة، مرده أنهم “عاينوا عن قرب أن الوضع في المغرب أفضل من ‘الفردوس الموعود’ الذي كانوا يتوهمونه”.

    وتتقاطع هذه القراءة مع رهان المغرب على التنمية، باعتبارها الوسيلة الأكثر استدامة لتقليص الفجوة بين التصور والواقع، إذ أكد المصدر الحكومي في تصريح لوكالة الأنباء المغربية أن “العودة الطواعية للشباب تعزز مسار المغرب التنموي ووجاهة الخيارات الاستراتيجية التي نفذت تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس”، مشيرا إلى أن المبادرات الملكية في الأقاليم الشمالية أحدثت طفرة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، تمثلت في خلق أكثر من 430 ألف فرصة شغل.

    انطلاق التحقيقات ومدريد في موقف محرج

    وفي هذا السياق، أكدت وزارة الداخلية المغربية أن النيابة العامة المختصة باشرت، في إطار اختصاصاتها القانونية، أبحاث قضائية بشأن مختلف الأفعال والوقائع المرتبطة بهذه الأحداث، بهدف تحديد جميع الملابسات، والكشف عن المسؤوليات، وترتيب الآثار القانونية وفقا لأحكام القانون.

    وفي إسبانيا، طلبت المحكمة الوطنية الإسبانية من أجهزة الشرطة تحديد ما إذا كانت التدفقات الجماعية في 30 و31 يوليوز نتيجة عمل “منسق أو موجه” من تنظيم أو مجموعة إجرامية، وفق ما كشفته إذاعة “كادينا سير” الإسبانية.

    غير أن الأكثر إحراجا بالنسبة إلى مدريد ليس فقط ما وقع على شبكات التواصل بسبب الحكم، بل ما كانت تعرفه مؤسساتها قبل 30 يوليوز.

    فوزارة الداخلية، وفق صحيفة “إل باييس” الإسبانية، تقر بأنها رصدت ارتفاعا تدريجيا في محاولات الوصول سباحة، إذ وفقا للأرقام التي كشف عنها الوزير فرناندو غراندي مارلاسكا، سجلت نحو 500 محاولة بين 29 يونيو و12 يوليوز، ثم قفز العدد إلى 1300 محاولة بين 13 و26 يوليوز.

    بهذا الصدد، كشفت “كادينا سير”، نقلا عن مصادر أمنية، أن المركز الوطني للاستخبارات وجه عدة تحذيرات من خطر تدفق جماعي نحو سبتة، وأن حكم المحكمة العليا كان ضمن العناصر التي أثارت القلق، موضحة أن ثمانية أيام فقط قبل الأزمة أبلغت الداخلية وزارة الهجرة بأن الضغط على مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين قد يبلغ مستوى “حرجا”.

    في المقابل، مارلاسكا، وزير الداخلية بالجارة الشمالية، ينفي أن يكون جهاز الاستخبارات قد حذر الحكومة من سيناريو بالحجم الذي وقع في 30 يوليوز، لكنه لا ينفي وجود تحذيرات من ارتفاع محتمل في الوصول، ولا الأرقام التي كانت تشير إلى تزايد المحاولات وفق “إل باييس”.

    واليوم الأربعاء، دخل القضاء الإسباني على الخط، إذ طلبت المحكمة الوطنية من الحرس المدني الكشف عما إذا كانت لديه معلومات سابقة يمكن أن تنذر بالدخول الجماعي، فيما يجري أيضا البحث في احتمال وجود تنظيم إجرامي وراء عملية التعبئة، وفق ما نشرته “إل باييس”.

    حاجز مائي.. قرار متأخر

    بعد أزمة 30 يوليوز، وبالضبط في 01 غشت الجاري، شرعت إسبانيا في تركيب حاجز عائم يمتد نحو نصف كيلومتر قبالة تراخال، ويتكون من عناصر عائمة ومعدات مصممة لجعل العبور سباحة أكثر صعوبة، مع إبقاء ممر لدوريات المراقبة.

    ويشكل الحاجز العائم جوابا أمنيا على قرار المحكمة العليا، وجوابا على مشكلة قانونية أحدثها الحكم، بعدما تركت المحكمة الباب مواربا للمهاجرين عبر البحر، لتسارع إسبانيا لإقامة عناصر مادية لاحتواء الحدود في البحر، تجعل محاولة تجاوزها سببا لمناقشة تطبيق النظام الاستثنائي للرفض على الحدود.

    وأبرزت وكالة الأنباء الإسبانية “إيفي”، السبت المنصرم، أن الحاجز الجديد، الذي أشرفت على تركيبه الهيئة الإسبانية للإنقاذ والسلامة البحرية، بمساندة وحدات من البحرية الإسبانية، يتكون من بنية عائمة بطول يبلغ نحو 500 متر، ويبرز فوق سطح الماء بارتفاع يتراوح بين 30 و70 سنتيمترا، ويمتد الجزء المغمور إلى عمق يصل إلى متر واحد.

  • المغرب بعد حرب غزة.. دبلوماسية تعزز موقعها في هندسة الاستقرار

    المغرب بعد حرب غزة.. دبلوماسية تعزز موقعها في هندسة الاستقرار

    يشكل انضمام المغرب إلى قوة الاستقرار الدولية في قطاع غزة محطة جديدة في مسار الدبلوماسية المغربية، إذ يعكس توجها نحو توسيع أدوار المملكة في تدبير الأزمات، بالانتقال من الوساطة والدعم الإنساني إلى المساهمة في تنفيذ ترتيبات مرحلة ما بعد الحرب.

    ويأتي هذا الانخراط، امتدادا لنهج دبلوماسي راكمت من خلاله المملكة حضورا متناميا في تدبير الأزمات، مستندة إلى رصيد من الوساطة والدعم الإنساني والعلاقات المتوازنة مع مختلف الأطراف، مع الحفاظ على ثوابتها في دعم القضية الفلسطينية وتعزيز جهود السلم والاستقرار.

    أبعاد المشاركة في قوة الاستقرار الدولية

    شكل توقيع المغرب على الإطار القانوني المؤطر لمختلف الجوانب التقنية والعملياتية لمشاركته في قوة الاستقرار الدولية في غزة، انتقالا من مستوى الدعم السياسي والدبلوماسي إلى مستوى التنفيذ والحضور الميداني في ترتيبات ما بعد الحرب.

    وجرى توقيع الاتفاقية يوم 15 يوليوز 2026 بالرباط، خلال اجتماع حضره وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، والوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بإدارة الدفاع الوطني، عبد اللطيف لوديي، إلى جانب نيكولاي ملادينوف، المبعوث السامي لمجلس السلام إلى غزة، الذي ترأس وفدا ضم قائد قوة الاستقرار الدولية وعدداً من مسؤولي المجلس.

    وستساهم المملكة في قوة الاستقرار الدولية من خلال نشر ضباط كبار ضمن القيادة المشتركة للقوة، إلى جانب عناصر من الشرطة والدرك، وإقامة مستشفى ميداني عسكري، بما يعكس مشاركة تجمع بين البعدين الأمني والإنساني، وستسهم في حماية المدنيين، وتأمين إيصال المساعدات الإنسانية، ودعم جهود إعادة الإعمار، والمواكبة الأمنية للمرحلة الانتقالية، بما في ذلك المساهمة في تدريب وبناء قدرات أجهزة الشرطة الفلسطينية، تجسيدا لتشبث المغرب بقيم السلام والتعاون والتضامن الدولي، وحرصه على الإسهام في ترسيخ الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.

    وفي هذا السياق، أكد عبد الرزاق كواري، الخبير في القانون الدولي والعلاقات الدولية، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن الحديث عن انضمام المغرب إلى قوة الاستقرار الدولية في غزة لا يُعد تحولا جديدا في سياسته الخارجية، بل يندرج في إطار انخراط تاريخي للمملكة في دعم السلم وترجيح كفة الحوار والتسوية السلمية في حل النزاعات.

    وأضاف المتحدث أن دور المغرب في القضية الفلسطينية لم يكن يوما دورا تقليديا أو جامدا، بل ظل يتطور بتطورات الأزمة، مبرزا أن المملكة تعد من أكثر الدول حضورا في المنطقة من خلال الأطقم الطبية والمستشفيات الميدانية، فضلا عن نجاحها في إيصال المساعدات الإنسانية مباشرة إلى قطاع غزة خلال ذروة الحصار، معتبرا أن هذه الاستباقية تعكس إرادة ملكية متواصلة للإسهام في تحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.

    رصيد دبلوماسي وإنساني

    لم يكن انخراط المغرب في قوة الاستقرار الدولية في غزة معزولا عن مساره الدبلوماسي، بل استند إلى رصيد سياسي وإنساني راكمته المملكة على مدى عقود في دعم القضية الفلسطينية، وهو ما جعلها تحظى بثقة مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، إذ ظل المغرب يؤكد، في مختلف المحافل الدولية، تمسكه بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على أساس حل الدولتين، بالتوازي مع انخراطه العملي في دعم الفلسطينيين عبر مبادرات إنسانية وتنموية متواصلة.

    ويبرز هذا الرصيد من خلال الدور الذي يضطلع به الملك محمد السادس بصفته رئيسا للجنة القدس، حيث يواصل الإشراف على دعم صمود الفلسطينيين، لاسيما بمدينة القدس، عبر وكالة بيت مال القدس الشريف، التي تنفذ مشاريع اجتماعية وصحية وتعليمية وإسكانية لفائدة المقدسيين، بما يعكس استمرارية الالتزام المغربي بالقضية الفلسطينية، سواء خلال فترات النزاع أو في مرحلة إعادة الإعمار.

    وعزز المغرب حضوره الإنساني خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة، إذ أعطى الملك محمد السادس، في 24 يونيو 2024، تعليماته بإطلاق عملية إنسانية مكنت المغرب من إيصال 40 طنا من المساعدات الطبية إلى قطاع غزة عبر مسار بري مباشر وغير مسبوق، انطلاقا من معبر كرم أبو سالم، في خطوة عكست حرص المملكة على ضمان وصول المساعدات الإنسانية مباشرة إلى سكان القطاع رغم الظروف الأمنية المعقدة.

    واستمرت المملكة في هذا الانخراط خلال سنة 2025، بإرسال نحو 295 طنا من المساعدات الإنسانية، شملت مواد غذائية وأدوية ومستلزمات أساسية لفائدة الأسر النازحة في قطاع غزة.

    وفي هذا الصدد، قال المحلل السياسي وأستاذ القانون العام، العباس الوردي، في تصريح لجريدة “AM+MEDIA”، إن الموقف المغربي الداعم للقضية الفلسطينية، يندرج في إطار الانخراط المغربي المتواصل في دعم الشعب الفلسطيني، من خلال مواكبة مشاريع إعادة الإعمار وإقامة البنيات الاجتماعية والتنموية داخل الأراضي الفلسطينية.

    وأشار إلى أن هذا الدعم يمتد إلى تمويل عدد من المشاريع عبر وكالة بيت مال القدس الشريف، تحت الإشراف المباشر للملك محمد السادس بصفته رئيسا للجنة القدس، ما يعكس استمرارية الالتزام المغربي بالقضية الفلسطينية، سواء خلال فترات النزاع أو في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب وإعادة الإعمار.

    من جانبه، أوضح عبد الرزاق كواري أن المغرب يلعب دور الوسيط النشيط في القضية الفلسطينية، من خلال إطلاق عدد من المبادرات الرامية إلى دعم عملية السلام، سواء عبر المساهمة في جهود إعادة إعمار غزة، أو من خلال الدعم المعنوي والمادي الذي توفره لجنة القدس، الذي يعد المغرب من أبرز مؤسسيها، ويترأسها جلالة الملك محمد السادس.

    وأضاف أن المغرب ساهم فعليا في احتضان الحوار بين مختلف الأطراف، وسعى بشكل متواصل إلى احتواء الأزمة والدفع نحو تحقيق السلام والأمن في المنطقة.

    ومن ثم، فإن المغرب يلعب دورا مهما في تخفيف التوترات المرتبطة بأمن الأماكن المقدسة في القدس أو في المساهمة في احتواء الأزمات الدبلوماسية بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، بما عزز صورته كفاعل معتدل يسعى إلى ترسيخ السلم والاستقرار في المنطقة.

    من الوساطة إلى التنفيذ

    لا يمثل انضمام المغرب إلى قوة الاستقرار الدولية في غزة تحولا مفاجئا في سياسته الخارجية، بقدر ما يعكس امتدادا لمسار دبلوماسي راكمت خلاله المملكة خبرة في تدبير الأزمات والمساهمة في جهود تعزيز السلم والاستقرار.

    منذ سنوات، اعتمد المغرب دبلوماسية تقوم على الحوار وتغليب الحلول السلمية، مستفيدا من شبكة علاقاته المتوازنة مع مختلف الأطراف، وهو ما مكنه من الاضطلاع بأدوار وساطة في عدد من الملفات الإقليمية والدولية.

    وفي هذا الصدد، أكد الوردي أن المغرب اكتسب عبر تجربته في تدبير الأزمات وتقديم الحلول، مكانة جعلته فاعلا موثوقا في تسوية المنازعات الدولية، من خلال تبنيه الحلول السلمية ومواكبته المستمرة للجهود الدولية تحت مظلة الشرعية الدولية والأمم المتحدة ومجلس الأمن، بما يكرس السلم والأمن على المستويات الإقليمي والقاري والدولي، معتبرا أن هذا الدور يحظى بتقدير من مختلف القوى الدولية والإقليمية، بفضل ما راكمته الدبلوماسية المغربية من مصداقية وحضور داخل المحافل الدولية.

    وتبرز هذه الخبرة من خلال عدد من المحطات، من بينها احتضان المملكة للاتفاق السياسي الليبي سنة 2015، المعروف باتفاق الصخيرات، الذي شكل إحدى أبرز محطات الحوار بين الأطراف الليبية برعاية الأمم المتحدة، كما قاد الملك محمد السادس، في دجنبر 2024، وساطة لدى رئيس جمهورية بوركينافاسو إبراهيم تراوري، أفضت إلى إطلاق سراح أربعة مواطنين فرنسيين كانوا محتجزين في واغادوغو، منذ دجنبر 2023، وذلك استجابة لطلب الملك.

    وأبرزت هذه المبادرة الإنسانية قدرة المغرب على توظيف علاقاته الثنائية لخدمة الجهود الإنسانية والإسهام في تسوية الأزمات عبر الحوار والوساطة.

    وتعكس هذه التجارب انتقالا تدريجيا في أدوار الدبلوماسية المغربية، من توفير فضاءات الحوار وتقريب وجهات النظر، إلى الانخراط العملي في تنفيذ ترتيبات الاستقرار والمساهمة في تدبير مرحلة ما بعد الأزمات، وهو ما تجسده اليوم مشاركته في قوة الاستقرار الدولية في غزة، باعتبارها خطوة تعزز حضور المملكة كفاعل في تنفيذ مسارات السلام.

    معادلة التوازن في السياسة الخارجية المغربية

    يحرص المغرب على توطيد علاقاته وشراكاته مع مختلف الفاعلين الدوليين، دون أن يمس ذلك بموقفه الثابت تجاه القضية الفلسطينية، انطلاقا من قناعته بأن التسوية السياسية لهذا النزاع تظل رهينة بوقف العنف، وتكثيف الجهود الدولية، واعتماد الحوار باعتباره المدخل الأساسي لتحقيق سلام عادل ودائم.

    ومنذ أن أعلن المغرب، في دجنبر 2020، عن استئناف العلاقات الدبلوماسية الثنائية مع إسرائيل، وإعادة فتح مكتبي الاتصال في كل من الرباط وتل أبيب، في إطار الإعلان الثلاثي بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل، حافظت المملكة على تأكيدها أن هذه الخطوة لا تمس بموقفها الثابت الداعم للقضية الفلسطينية، ولا بسياساتها القائمة على حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.

    كما تعززت الشراكة الاستراتيجية بين المغرب والولايات المتحدة، خاصة عقب اعتراف واشنطن، في 10 دجنبر 2020، بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وهو ما فتح آفاقا جديدة للتعاون السياسي والأمني والاقتصادي بين البلدين، غير أن هذا التقارب لم يمنع استمرار المملكة في الدفاع عن القضية الفلسطينية داخل مختلف المحافل الدولية، والدعوة إلى وقف إطلاق النار، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، والتشبث بحل الدولتين باعتباره الإطار الأمثل لتسوية النزاع.

    وفي هذا الصدد، أكد عبد الرزاق كواري أن وساطة المغرب في القضية الفلسطينية ومشاركته في قوة الاستقرار الدولية لن تؤثرا على علاقاته الاستراتيجية مع مختلف أطراف النزاع، بل قد يشكل ذلك عاملا إيجابيا في مسار تسوية الأزمة.

    وأوضح أن المملكة ستعمل على توظيف سمعتها الدبلوماسية وعلاقات الاحترام والتقدير التي تجمعها بالولايات المتحدة وإسرائيل، من أجل الإسهام في تحقيق السلم والاستقرار الذي تتطلع إليه منطقة الشرق الأوسط والعالم.

    وأضاف كواري أن الثقة التي تحظى بها المملكة لدى مختلف الأطراف، إلى جانب مصداقيتها، يمكن أن تسهم في تسهيل جهود إعادة الإعمار وبناء المنطقة في إطار من التوافق بين الأطراف المعنية.

    ويعكس هذا النهج حرص الدبلوماسية المغربية على تحقيق توازن بين متطلبات الشراكات الاستراتيجية ومقتضيات ثوابتها الدبلوماسية، بما يسمح للمملكة بالحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف، مع الاستمرار في الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، والمساهمة في جهود السلام والاستقرار في المنطقة.

    ومن هذا المنطلق، تشكل مشاركة المغرب في قوة الاستقرار الدولية في غزة امتدادا لمسار دبلوماسي راكمت خلاله المملكة خبرة في الوساطة والعمل الإنساني ودعم جهود السلم والاستقرار، أكثر مما تمثل تحولا في ثوابتها الدبلوماسية، لأن المغرب، الذي ظل حاضرا في القضية الفلسطينية من خلال رئاسة الملك محمد السادس للجنة القدس، والإشراف على وكالة بيت مال القدس الشريف، وتقديم المساعدات الإنسانية، أصبح اليوم يوسع نطاق حضوره ليشمل المساهمة في تنفيذ ترتيبات مرحلة ما بعد انتهاء الحرب.

  • مصدر لـ”AM+ MEDIA”: وهبي لم يقلها ولا يملك تقريرها.. حقيقة “العقوبات القاسية” للعائدين من سبتة

    مصدر لـ”AM+ MEDIA”: وهبي لم يقلها ولا يملك تقريرها.. حقيقة “العقوبات القاسية” للعائدين من سبتة

    نفى مصدر مسؤول لـ”AM+ MEDIA” بشكل قاطع، تصريحا جرى تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي ونسب إلى وزير العدل عبد اللطيف وهبي، يزعم أن “عقوبات قاسية تنتظر العائدين من سبتة”، مؤكدة أن الوزير لم يدل بأي تصريح بشأن المآل القضائي للأشخاص المرتبطين بالأحداث الأخيرة.

    وقال المصدر، ردا عن استفسار لجريدة “AM+ MEDIA” حول صحة الكلام المنسوب إلى وهبي: “لا غير صحيح مطلقا، لم يصرح ولم يدل بأي تصريح في قضية تخص السلطة القضائية”.

    وبحسب المعطيات التي حصلت عليها المنصة، يوجد وهبي في مهمة خارج المغرب ولم يصدر عنه، بالتزامن مع الأحداث الأخيرة، أي تصريح حول متابعات أو عقوبات في حق العائدين من سبتة.

    النفي الذي حصلت عليه “AM+ MEDIA” يحسم وفق مصدرها، مسألة صدور التصريح عن وهبي، لكن مضمون العبارة المتداولة يطرح مسألة أخرى مفادها: هل يملك وزير العدل أصلا صلاحية إعلان أن عقوبات تنتظر أشخاصا على خلفية ملف هو موضوع أبحاث أو متابعات قضائية؟

    الجواب الذي تقدمه النصوص المنظمة للسلطة القضائية في المغرب واضح في هذا الجانب، إذ ينص الفصل 107 من الدستور على أن “السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية”.

    ويمنع الفصل 109 “كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء”، كما ينص على أن القاضي لا يتلقى بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات ولا يخضع لأي ضغط، أما الفصل 110 فيقرر أن قضاة الأحكام لا يلزمهم إلا تطبيق القانون، وأن الأحكام القضائية لا تصدر إلا على أساس التطبيق العادل للقانون.

    وهذه المقتضيات تضع حدا فاصلا بين المسؤولية الحكومية عن قطاع العدل وبين العمل القضائي نفسه، فوزير العدل يستطيع الحديث عن التشريع، والدفاع عن مشاريع القوانين التي تعدها الحكومة، ومناقشة السياسة الحكومية في قطاع العدالة، لكنه لا يقرر إدانة شخص ولا يحدد للقاضي العقوبة التي ينبغي إصدارها في ملف بعينه.

    والفصل بين الاختصاصين أصبح أوضح بعد استقلال النيابة العامة عن وزارة العدل، فتنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة يدخلان ضمن اختصاص رئاسة النيابة العامة، فيما يقدم وزير العدل إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية تقارير تتعلق بسير وأداء الإدارة القضائية وحصيلة منجزاتها وبرامج عملها ووضعية المهن القضائية، وهذا التوزيع للاختصاصات يظهر صراحة في القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية.

    لذلك فإن العبارة المنسوبة إلى وهبي لا تثير فقط سؤال مصدرها، بل مضمونها نفسه الذي يضع على لسان عضو في السلطة التنفيذية حكما مسبقا بشأن عقوبات يفترض، إذا كانت هناك متابعات أصلا أن تمر عبر مسار قضائي لا يملكه وزير العدل.

    ماذا يترتب قانونا على العبور إلى سبتة؟

    التصريح المنسوب إلى عبد اللطيف وهبي لا يكتفي بالقول إن القانون يعاقب الهجرة غير النظامية، بل يذهب أبعد من ذلك حين يقرر أن “عقوبات قاسية تنتظر العائدين من سبتة”.

    راجعت “AM+ MEDIA” القانون رقم 02.03 المتعلق بدخول وإقامة الأجانب بالمملكة المغربية وبالهجرة غير النظامية، وهو النص الذي يتضمن المقتضيات الزجرية المتعلقة بالخروج السري من التراب الوطني.

    ورغم أن الجزء الأول من عنوان القانون يتعلق بالأجانب، فإن الأحكام الخاصة بالهجرة غير النظامية لا تقتصر عليهم، ذلك أن المادة 50 تستخدم عبارة “كل شخص غادر التراب المغربي، بصفة سرية” بينما تشير المادة 52، في الأحكام المتعلقة بتنظيم الهجرة السرية وتسهيلها، صراحة إلى المغاربة والأجانب، وبالتالي، فإن الجنسية المغربية للأشخاص الذين عبروا نحو سبتة لا تخرج الواقعة من حيث المبدأ، من مجال هذا القانون.

    المادة 50 تحدد بدقة الفعل المعاقب عليه، فهي تتعلق بمن يغادر التراب المغربي سرا باستعمال وسيلة احتيالية أثناء اجتياز أحد المراكز الحدودية، أو باستعمال وثائق مزورة أو انتحال اسم، وكذلك بمن يتسلل إلى المغرب أو يغادره عبر منافذ أو أماكن غير مراكز الحدود المعدة لذلك.

    والعقوبة التي وضعها المشرع هي الحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة من 3000 إلى 10 آلاف درهم أو إحدى العقوبتين فقط، دون الإخلال بالمقتضيات الجنائية الأخرى التي قد تنطبق بحسب الوقائع.

    هذا هو النص. أما تطبيقه على أحداث سبتة الأخيرة فمسألة أخرى، فالمادة لا تقول إن كل شخص “عاد من سبتة” يعاقب، ولا تنشئ نظاما عقابيا خاصا بالأحداث الجماعية، بل إنها تحدد فعلا ماديا ينبغي إثباته وهو المغادرة السرية للتراب الوطني في إحدى الصور التي عددها القانون، ومن ثم، لا يمكن الانتقال مباشرة من وجود شخص ضمن المشاركين في أحداث سبتة إلى تقرير إدانته أو العقوبة التي ستصدر في حقه.

    بالنسبة إلى الأشخاص الذين عبروا فعليا إلى سبتة سباحة أو عبر منافذ غير مخصصة للعبور، يمكن من حيث النص أن يثار تطبيق المادة 50 متى ثبتت العناصر التي تتطلبها، لكن القول إنهم سيعاقبون فعلا، أو إن عقوبات “قاسية” مستحيل دون تكييف قانوني للوقائع، وقرار بالمتابعة، ثم حكم قضائي، وهو مسار بعيد عن اختصاصات وزير العدل.

    أما الأشخاص الذين تجمعوا قرب الحدود أو حاولوا العبور من دون أن تثبت مغادرتهم للتراب الوطني، فلا يصح وضعهم آليا في الوضع القانوني نفسه، فالمشرع اختار في المادة 50 عبارة دقيقة هي “غادر التراب المغربي”، ويصبح تحديد المسؤولية في الحالات التي لم تتحقق فيها المغادرة مرتبطا بالنصوص الأخرى التي يمكن أن تنطبق على الوقائع المثبتة، وليس بمجرد المشاركة في التحرك الجماعي.

    العقوبات الأشد في القانون مرتبطة بأفعال أخرى

    ويكشف استكمال قراءة القانون 02.03 عن نقطة أكثر دلالة، فالعقوبات التي يمكن وصفها بالفعل بأنها شديدة لا تتعلق بالصورة البسيطة للمغادرة السرية المنصوص عليها في المادة 50، وإنما تظهر خصوصا عندما ينتقل الأمر إلى تنظيم الهجرة غير المشروعة وتسهيلها والظروف المشددة المرتبطة بذلك.

    المادة 52 تعاقب من ينظم أو يسهل دخول أشخاص إلى التراب المغربي أو خروجهم منه بصفة سرية، سواء كانوا مغاربة أو أجانب، بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من 50 ألفا إلى 500 ألف درهم.

    ويشدد القانون العقوبة بحسب طبيعة الأفعال والظروف التي ارتكبت فيها، خصوصا عندما تمارس بصورة اعتيادية أو في إطار عصابة أو اتفاق معد لهذا الغرض، حيث تصل العقوبات في بعض الحالات إلى مستويات سجنية أعلى بكثير.

    قبل العقوبة.. من يملك قرار المتابعة؟

    وهنا يصل التحقق إلى الجزء الأكثر إشكالا في التصريح المنسوب إلى وزير العدل، فمصدر “AM+ MEDIA” لم تكتف بنفي العبارة المتداولة، وإنما قالت بوضوح إن وهبي “لم يصرح ولم يدل بأي تصريح في قضية تخص السلطة القضائية”.

    هذه الإشارة تتطابق مع تحول مؤسساتي مهم عرفه نظام العدالة المغربي خلال السنوات الماضية، فوزير العدل لم يعد رئيسا للنيابة العامة ولا يملك سلطة إصدار التعليمات إليها بشأن ممارسة الدعوى العمومية.

    ونقل القانون رقم 33.17 هذه الاختصاصات إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة.

    وتنص مادته الثانية صراحة على أن رئيس النيابة العامة “يحل محل وزير العدل” في ممارسة الاختصاصات المتعلقة بالسلطة والإشراف على النيابة العامة وقضاتها، بما في ذلك الإشراف على عملها ومراقبتها في ممارسة صلاحياتها المرتبطة بالدعوى العمومية.

    وهذا التفصيل حاسم بالنسبة إلى الادعاء المتداول، فوزير العدل ليس الجهة التي تقرر أن الأشخاص العائدين من سبتة ستتم متابعتهم، ولا الجهة التي تستطيع إعلان العقوبة التي ستصدر في حقهم، وحتى قرار المتابعة، عندما تتوفر شروطه، ليس حكما بالإدانة.

    الأحكام ليست من اختصاص الحكومة

    الفصل 107من الدستور ينص على أن السلطة القضائية مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، أما الفصل 109 فيمنع “كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء”، وينص على أن القاضي لا يتلقى بشأن مهمته القضائية، أي أوامر أو تعليمات ولا يخضع لأي ضغط.

    وبذلك توجد ثلاث مراحل ينبغي عدم خلطها، القانون يحدد الأفعال والعقوبات الممكنة، والنيابة العامة تمارس اختصاصاتها بشأن الدعوى العمومية، والمحكمة تفصل في المسؤولية وتحكم، عند ثبوتها، بالعقوبة التي يسمح بها القانون.

    وبالتالي، فوزير العدل لا يحل محل أي من هذه الجهات في تقرير نتيجة ملف قضائي بعينه، ويمكنه، بصفته عضوا في الحكومة الحديث عن التشريع الجنائي، وتقديم مشاريع قوانين والدفاع عنها، وشرح السياسة الحكومية في مجال العدالة، لكنه لا يستطيع أن يقرر أن أشخاصا محددين مذنبون أو أن “عقوبات قاسية” تنتظرهم، وهذا ليس فقط خارج اختصاصه التنفيذي، بل إن الدستور يحظر التدخل في القضايا المعروضة على القضاء.

  • قانون جديد يعيد ترتيب سوق التجزئات لكسر دوامة التعثر

    قانون جديد يعيد ترتيب سوق التجزئات لكسر دوامة التعثر

                           

    ظلت لسنوات مشاريع عقارية عالقة بين الأشغال التي لم تستكمل، والتجهيزات التي تأخرت، والمساطر التي لم تجد طريقها إلى الحسم، وفي كل مرة يتعثر فيها مشروع من هذا النوع، لا يتوقف الاستثمار وحده، بل تتأخر معه مساكن يفترض أن تستقبل سكانا، وطرق وشبكات تنتظر الاستكمال، ومرافق عمومية مرتبطة بتوسع عمراني يفترض أن يتم في إطار منظم.

    ومع مرور الوقت، تحولت هذه الوضعيات إلى واحدة من أكثر النقاط تعقيدا في تدبير المجال العمراني، بما لها من كلفة على المستثمرين والجماعات والسكان على حد سواء.

    هذا التراكم هو ما أعاد إلى الواجهة الحاجة إلى مراجعة الإطار القانوني المنظم للتجزئات العقارية، الذي يعود في صيغته الأساسية إلى سنة 1992.

    وبعد سنوات من النقاش حول سبل معالجة المشاريع المتعثرة وتجاوز الاختلالات التي أفرزتها الممارسة، جاء مشروع القانون رقم 34.21، القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات وعمليات التهيئة الكبرى ذات النفع العام، حاملا تعديلات تروم إعادة ترتيب عدد من القواعد المرتبطة بالتجزئات والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات، مع توسيع نطاق النص ليشمل أيضا عمليات التهيئة الكبرى ذات النفع العام.

    وصادق مجلس النواب على المشروع القانون في 8 يونيو 2026، بموافقة 120 نائبا وامتناع 50، قبل أن يصادق عليه مجلس المستشارين بالإجماع في 30 يونيو، ليقترب هذا الورش من نهايته التشريعية بعد سنوات من التعثر الذي طبع عددا من الملفات المرتبطة بالتجزئات العقارية.

    ويأتي القانون في إطار تفعيل توصيات الحوار الوطني حول التعمير والإسكان الذي أطلقته فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في شتنبر 2022، وذلك بالنظر للدور الذي تلعبه مشاريع التجزئات العقارية في تأطير نمو المجالات العمرانية، وتشجيع مختلف الأنشطة الاقتصادية وإنتاج عرض سكني ومرافق عمومية.

    قانون يعود إلى واقع عمراني مختلف

    صدر القانون رقم 25.90 سنة 1992 في سياق كانت فيه مشاريع التجزئة أقل حجماً وتعقيداً، قبل أن تتوسع المدن وتتزايد حاجيات السكن والمرافق وتتعدد المؤسسات المتدخلة في الترخيص والتجهيز والتسلم.

    وأظهرت الممارسة بعد أكثر من ثلاثة عقود أن القواعد نفسها لا يمكن أن تطبق بالكفاءة ذاتها على تجزئة محدودة المساحة ومشروع يمتد على مئات الهكتارات.

    وكان أجل الإذن من أبرز مصادر الإشكال، فالمشروع قد يظل قانونياً مرتبطاً بمدة محددة، رغم أن إنجازه يتوقف على مراحل تقنية وتمويلية وعلى تدخل الجماعات والوكالات الحضرية والمحافظة العقارية والجهات المكلفة بشبكات الماء والكهرباء والتطهير؛ وعند انتهاء الأجل قبل استكمال الأشغال، يصبح المشروع معرضاً للتوقف أو لإعادة ترتيب وضعيته القانونية، حتى عندما يكون التأخير ناتجاً عن أسباب لا يتحكم فيها صاحبه.

    لذلك، لا يقدم القانون الجديد رقم 34.21 تمديداً شكلياً للرخص، بل يغير طريقة احتساب الزمن المخصص للمشروع، بعدما اعتبر أن حجم العملية وطبيعتها يجب أن يدخلا في تحديد أجل إنجازها.

    آجال ترتبط بحجم المشروع

    اعتمد النص آجالاً جديدة ومتدرجة بحسب مساحة التجزئة، تبدأ من ثلاث سنوات بالنسبة إلى المشاريع الصغيرة، وترتفع تدريجياً لتصل إلى 15 سنة عندما تتجاوز مساحة المشروع 400 هكتار.

    ويمنح هذا التدرج صاحب المشروع قدرة أكبر على برمجة الأشغال والتمويل، بدل إخضاع جميع العمليات لأجل لا يراعي تفاوت أحجامها وتعقيدها.

    ولا يعني ذلك منح المستثمر مهلة مفتوحة، بل الانتقال من أجل موحد إلى أجل يفترض أن يكون متناسباً مع المشروع، لأن التجزئة الكبرى تحتاج إلى إنجاز الطرق والشبكات والمرافق على مراحل، وقد ترتبط بموافقات متعددة يصعب استكمالها خلال المدة نفسها التي يحتاج إليها مشروع صغير.

    كما يسمح القانون بإيقاف سريان أجل الإذن إذا توقفت أشغال التجهيز اضطرارياً بسبب ظروف خارجة عن إرادة صاحب المشروع، بمعنى أنه عندما يثبت وجود عائق قهري، تتوقف “الساعة القانونية” إلى حين زواله، بدلاً من استمرار احتساب أجل لا يستطيع المستثمر خلاله مواصلة الأشغال.

    ويمثل هذا المقتضى انتقالاً من التعامل مع كل تأخير باعتباره تقاعساً، إلى التمييز بين المشروع الذي يتوقف بسبب صاحبه والمشروع الذي تعرقله ظروف خارجية.

    وفي هذا السياق، يرى المنعش العقاري عمر رحال أن القانون الجديد رقم 34.21 جاء لمعالجة عدد من الإشكالات التي ظل القطاع يواجهها لسنوات، خاصة تلك المرتبطة بآجال إنجاز المشاريع وسقوط الرخص قبل استكمال الأشغال.

    ويؤكد رحال في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن المشاريع الكبرى تحتاج بطبيعتها إلى مراحل متعددة تشمل الدراسات والتجهيز والتمويل، ما يجعل اعتماد آجال متدرجة بحسب حجم المشروع، مع إمكانية توقيف سريانها في الحالات الخارجة عن إرادة المستثمر، من بين أهم المستجدات التي يمكن أن تحد من التعثر المرتبط بالجوانب القانونية والإدارية أكثر من ارتباطه بالجوانب التقنية.

    هل ينهي القانون تعثر التجزئات؟

    يعالج النص بصورة مباشرة أسباباً قانونية ظلت تضع مشاريع أمام خطر فقدان الإذن، كما يفتح، بصفة استثنائية، إمكانية منح أجل إضافي لبعض التجزئات التي سقطت أذونها، تحدده لجنة تقنية بغرض استكمال أشغال التجهيز.

    وهذا يعني أن الإصلاح يمكنه إنقاذ مشاريع لم تتوقف بسبب غياب الأرض أو الطلب، بل بسبب انتهاء الأجل أو تعقد الوضعية الإدارية، وسيكون فتح المجال أمام استكمالها بمثابة تحرير لاستثمارات مجمدة وتسريع لدخول بقع ومساكن وتجهيزات جديدة إلى المجال العمراني.

    نقل المرافق وحسم الوضعية القانونية

    من المستجدات المهمة أيضا في القانون الجديد النقل التلقائي والمجاني إلى الملك العام للجماعة للطرق والشبكات والمساحات غير المبنية المغروسة، بعد التسلم المؤقت لأشغال التجهيز.

    ويهدف هذا المقتضى إلى إنهاء وضعيات كانت فيها مرافق مستعملة من السكان من دون أن تُحسم سرعة إدماجها في الملك العام للجماعة.

    ويساعد النقل التلقائي الجماعة على تولي تدبير هذه المرافق وصيانتها داخل إطار قانوني واضح، لكنه يضعها أيضاً أمام مسؤولية مالية وتقنية أكبر.

    وفي مقابل منح القانون مرونة أكبر في الإنجاز، إذ يقوي مسؤولية المجزئ عن جودة الأشغال؛ فإذا ظهرت عيوب خلال السنة الموالية للتسلم المؤقت، وامتنع صاحب التجزئة عن إصلاحها، يمكن لرئيس مجلس الجماعة تحصيل المصاريف المرتبطة بالإصلاح، كما أن هذا المقتضى يمنع نقل كلفة العيوب مباشرة إلى الجماعة أو السكان، ويجعل التبسيط الإداري مقروناً بالمسؤولية عن جودة التجهيز.

    مناخ الاستثمار.. تقليص المخاطر

    يحمل القانون رقم 34.21 رسالة إيجابية للمستثمر، لأنه يمنحه رؤية أوضح حول مدة الإذن ومآل المشروع عند حدوث توقف اضطراري، ويقدم حلولاً لاستكمال بعض العمليات بدل سقوطها نهائياً.

    ويتقاطع هذا الإصلاح مع توجه أوسع لتبسيط الإجراءات وتحسين مناخ الاستثمار الذي يشهده المغرب في السنوات الأخيرة، ومع الحاجة إلى تسريع إنتاج السكن والتجهيزات في ظل توسع المدن والأوراش العمرانية الكبرى.

    ويرى المنعش العقاري عمر رحال أن أهمية هذا الإصلاح لا تكمن فقط في المقتضيات الجديدة التي جاء بها، وإنما في كيفية تنزيلها على أرض الواقع، موضحا أن نجاح القانون سيظل رهينا بتبسيط المساطر، وتسريع معالجة الملفات، وتحسين التنسيق بين مختلف الإدارات المتدخلة.

    وأضاف أن تحقيق هذه الشروط من شأنه أن يعزز ثقة المستثمرين، ويخفض جزءاً من المخاطر المرتبطة بالتأخير الإداري، ويساهم في تسريع إنجاز المشاريع وتوفير عرض عقاري وسكني أكبر، بما ينعكس إيجاباً على دينامية الاستثمار في القطاع.

    التهيئة الكبرى والبعد الاجتماعي

    ويشكل توسيع النص ليشمل عمليات التهيئة الكبرى ذات النفع العام ما يمنحه وظيفة تتجاوز التجزئات التجارية التقليدية، كما يؤطر الإنجاز التدريجي لأشغال التجهيز في عمليات تنجزها الدولة أو الجماعات الترابية أو المؤسسات والمقاولات العمومية، خصوصاً لإعادة إسكان ضحايا الكوارث الطبيعية، ومحاربة السكن غير اللائق، أو تنفيذ مشاريع للمنفعة العامة.

    وتتيح هذه المرونة التدخل بسرعة في الحالات الاجتماعية والاستعجالية، من دون اشتراط استكمال جميع مراحل المشروع دفعة واحدة.

    وفي قراءته لمستقبل هذا الإصلاح، يؤكد عمر رحال أن القانون يمثل خطوة مهمة نحو تحديث الإطار القانوني المنظم للتجزئات العقارية، لكنه يشدد على أن الأثر الحقيقي سيقاس بمدى انعكاسه على أرض الواقع.

    وأوضح المتحدث ذاته أن المستثمر لا يبحث فقط عن نصوص قانونية جديدة، بل عن مساطر واضحة، وآجال معقولة، وقرارات إدارية منسجمة، معتبراً أن نجاح هذا الورش رهين بتعبئة جميع المتدخلين، من جماعات ترابية ووكالات حضرية وإدارات معنية، لضمان تنزيل المقتضيات الجديدة بالنجاعة والسرعة المطلوبتين.

    وأضاف أن تحقيق هذا التكامل من شأنه أن يرفع ثقة المستثمرين، ويقلص المشاريع المتعثرة، ويساهم في تطوير عرض عمراني أكثر تنظيماً واستجابة لحاجيات التنمية.

  • قانون المحاماة.. لماذا أثار الجدل وكيف سيُغير حياة المواطن داخل المحاكم؟

    قانون المحاماة.. لماذا أثار الجدل وكيف سيُغير حياة المواطن داخل المحاكم؟

    أثار قانون مهنة المحاماة واحدا من أكثر النقاشات القانونية والمهنية حدة، بعدما تجاوز الخلاف تفاصيل الصياغة والاختصاصات لأسئلة أعمق حول ما إذا كان أصحاب البذلة السوداء يخشون اتساع الرقابة والمحاسبة  دفاعا عن مصالح خاصة، وهل حقا الحكومة تسعى إلى حماية المصلحة العامة وتخليق المهنة، أم تستخدم هذا العنوان لتوسيع تدخل السلطة التنفيذية في مؤسسة يفترض أن تظل مستقلة.

    وبين الموقفين، يقف المواطن المتقاضي في قلب الجدل، حتى وإن ظل بعيدا عن النقاش، إذ تقدم الحكومة، من خلال وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، القانون باعتباره إصلاحا يرمي إلى حماية أموال الموكلين، وضبط الولوج إلى المهنة، ورفع جودة التكوين، وتعزيز الشفافية والمساءلة، مقابل موقف رافض من المحامون، الذين يرون أن بعض مقتضياته لا تكتفي بتنظيم المهنة، بل تمس استقلالها وحرية الدفاع والسر المهني.

    وعلى هذا الأساس، تحول قانون المحاماة إلى مواجهة تتداخل فيها رهانات الإصلاح مع صراع الصلاحيات، ومطالب التخليق مع هواجس الوصاية، وحقوق المحامين مع مصالح المتقاضين، قبل أن يصادق عليه البرلمان بغرفتيه بعد إدخال بعض التعديلات على قوانينه.

    وبعد مسار جدلي طبعه الأخذ والرد واحتجاجات المحامين والإضرابات، انتقل قانون مهنة المحاماة من ساحة المواجهة السياسية والمهنية إلى المحكمة الدستورية، التي ستحسم في مدى توافق مقتضياته مع الدستور، ليصبح النقاش متعلقا بسلامة النص وحدود ما يتيحه الدستور لكل طرف.

    المحامي شريك في تحقيق العدالة

    وتكشف المقتضيات الجديدة المنظمة لمهنة المحاماة عن تحول يراد منه أن تصبح العلاقة بين المحامي وموكله أكثر وضوحا وأمانا وخضوعا للمحاسبة.

    ولم يكتف القانون رقم 28.08 المنظم لمهنة المحاماة، بإعادة ترتيب المهنة من الداخل، بل جاء بجملة من المستجدات التي يفترض أن تنعكس مباشرة على المتقاضين، بدءا من حماية أموالهم وملفاتهم، مرورا بتنظيم الأتعاب والمساعدة القضائية، ووصولا إلى ضمان استمرارية الدفاع ومواجهة السمسرة وانتحال صفة المحامي.

    وفي هذا السياق، لم يعد القانون يعرف المحامي باعتباره مجرد مساعد للقضاء، بل عرفته المادة الأولى بأنه مساهم في تحقيق العدالة وجزء من أسرة القضاء.

    فالمحامي بهذ المعنى لم يعد وسيطا إداريا بين المواطن والمحكمة، ولا تُختزل مهمته في تحرير مقال أو حضور جلسة، بل أصبح طرفا أساسيا في حماية الحقوق، وتوضيح الوقائع، ومراقبة سلامة الإجراءات، وضمان أن يجد صوت المواطن طريقه إلى القضاء.

    غير أن هذه المكانة التي منحها القانون لـ”أصحاب البذلة السوداء” تقابلها مسؤولية أكبر؛ فإذا كان المحامي مساهما في العدالة، فإن سلوكه المهني، وطريقة تدبيره للملفات والأموال، وعلاقته بموكليه، تصبح جميعها جزءا من الثقة العامة في العدالة نفسها.

    الصلح قبل أبواب المحاكم

    من بين المستجدات التي تلامس حياة المواطنين مباشرة تخويل المحامي إمكانية العمل على فض النزاع عن طريق الصلح أو الوسائل البديلة قبل اللجوء إلى القضاء، انطلاقا من مبدأ أن كل نزاع ليس في حاجة إلى سنوات من الجلسات والمذكرات والطعون، إذا كانت هناك إمكانية اتفاق متوازن يحفظ حقوق الطرفين.

    وتنص المادة 43 من قانون المحاماة على أن يحث المحامي موكله على فض النزاع عن طريق الصلح أو بواسطة الطرق البديلة الأخرى قبل اللجوء إلى القضاء.

    بالنسبة إلى المواطن، يعني هذا المقتضى، في حال سلوكه، اقتصادا في الوقت والمصاريف، وتقليلا للضغط النفسي المصاحب للمحاكم، كما قد يسمح بحماية العلاقات الإنسانية والتجارية التي يصعب إصلاحها بعد نزاع قضائي طويل.

    ويراهن المشرع من خلال هذا المستجد على تحول الصلح إلى ممارسة فعلية، لا مجرد احتمال وارد في النص، كون المواطن يحتاج إلى محام ينصحه أحيانا بعدم رفع الدعوى، بالقدر نفسه الذي يحتاج فيه إلى محام يترافع عنه إذا أصبح القضاء ضروريا.

    ضوابط جديدة لشفافية أكبر لأموال الموكلين

    وتعد أكثر المقتضيات أهمية بالنسبة إلى المتقاضين، والأكثر جدلا بالنسبة للمحامين، تلك المتعلقة بالأموال التي يتسلمها المحامي في إطار عمله.

    فالقانون أصبح يلزم، بموجب المواد من 54 إلى 57، المحامي بألا يتسلم نقودا أو سندات أو قيما إلا مقابل وصل مرقم، يتضمن اسم المحامي، واسم صاحب الأداء، وسببه، وتاريخه، وكيفية دفعه، وهي تفاصيل تلعب دورا فاصلا عند وقوع خلاف، كونها تحمي المواطن من الإنكار أو الغموض، وتحدد بدقة مقدار ما دفعه وسبب الأداء والجهة التي تسلمته.

    وإلى جانب ذلك، ألزم القانون المحامي بمسك دفتر يومي تسجل فيه المداخيل والمصاريف والودائع، وبفتح حساب خاص بملف كل موكل، مع منح النقيب صلاحية فحص هذه الحسابات والتحقق من وضعية الودائع مرة واحدة سنويا على الأقل، وكلما دعت الحاجة إلى ذلك.

    من بين المستجدات أيضا إحداث حساب للودائع والأداءات على مستوى كل هيئة للمحامين، تودع فيه وجوبا المبالغ المسلمة إلى المحامين على سبيل الوديعة، وتمر عبره الأداءات المهنية المنجزة لفائدة الموكلين أو الغير.

    وقد ذهب القانون أبعد من ذلك، عندما قرر أن الأداء المخالف لهذه القواعد لا تكون له قوة إبرائية، مع إمكان ترتيب المسؤولية عن المبالغ المستحقة، أي أن المشرع استهدف بناء مسار مالي قابل للتتبع، والحد من النزاعات والشكايات المتعلقة بالودائع، والتي تعد أكثر الملفات حساسية لأنها تمس الثقة في العلاقة بين المحامي وموكله.

    من الاتفاق الغامض حول الأتعاب إلى الطعون

    ووضع القانون قواعد أكثر وضوحا في باب الاتفاق حول الأتعاب، وجعلها محل اتفاق بين الطرفين، مع منع الاتفاق المسبق الذي يمنح المحامي حصة من نتيجة القضية، بهدف ألا تتحول العدالة إلى مضاربة، والحؤول دون أن يصبح المحامي صاحب مصلحة شخصية مباشرة في المال أو الحق المتنازع عليه.

    وتنص المادة 45 على أن لا يجوز للمحامي أن يتفق مسبقا مع موكله على الأتعاب المستحقة عن أي قضية، ارتباطا بالنتيجة التي يقع التوصل إليها، كما حظرت أن يقتني المحامي، بطريق التفويت، حقوقا متنازعا فيها قضائيا، أو أن يستفيد هو أو زوجه أو فروعه بأي وجه كان، من القضايا التي يتولى الدفاع بشأنها.

    وعند نشوء خلاف بشأن الأتعاب، يختص النقيب بالنظر في النزاع، ويحق للمحامي والموكل الطعن في القرار أمام الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف داخل الأجل القانوني.

    ونظم القانون مسألة الاحتفاظ بملف القضية عند انتهاء مهمة المحامي، فالملف ليس وسيلة ضغط مطلقة في مواجهة الموكل، والقرار المتعلق بالاحتفاظ به يخضع بدوره للضوابط وإمكانية الطعن، حتى لا يظل المواطن عالقا بين حاجته إلى وثائقه واعتراضه على مبلغ الأتعاب.

    وبهذا الصدد، نصت المادة 49 على أنه لا يحق للمحامي أن يحتفظ بالملف المسلم إليه من طرف موكله، ولو في حالة عدم أداء ما وجب له من المصروفات والأتعاب، ما لم يرخص له النقيب ذلك، بمقتضى قرار خاص اعتمادا على ما يدلي به من مبررات.

    المحامي قبل النزاع وأثناءه وبعده

    وسع القانون، في المادة 30، مجال الخدمات التي يمكن للمحامي تقديمها، فبدل الاقتصار على المرافعة أمام المحكمة، أصبحت تشمل تمثيل المواطن أمام الإدارات، وتقديم الاستشارات، وإعداد الدراسات القانونية، وتحرير العقود، ومباشرة الإجراءات غير القضائية، والحصول على الوثائق، وتتبع تنفيذ الأحكام والاتفاقات.

    وراهن المشرع في هذا المقتضى على مبدأ “الوقاية خير من العلاج”، إذ إن استشارة المحامي قبل توقيع عقد قد تكون أقل تكلفة بكثير من اللجوء إليه بعد نشوء نزاع.

    وفي المقابل، وضع القانون حاجزا ضد تضارب المصالح، فمنع المحامي الذي حرر عقدا بين طرفين من تمثيل أحدهما ضد الآخر في نزاع ناشئ عن العقد نفسه، ومنع المحامين العاملين في إطار مهني مشترك من تمثيل أطراف متعارضة المصالح، حرصا على ألا تتحول المعلومات التي يحصل عليها المحامي بحكم الثقة لاحقا إلى سلاح ضد صاحبها.

    حماية أكبر لحقوق الموكلين

    عند ممارسة المهنة في إطار المشاركة، أقر القانون المسؤولية المدنية التضامنية للمحامين الشركاء تجاه موكليهم، لتوفير مجال أوسع للمطالبة بالتعويض إذا ثبت وقوع خطأ مهني سبب له ضررا.

    وتنص المادة 28 على أن المحامين الشركاء مسؤلون مدنيا على وجه التضامن إزاء موكليهم، كما منعتهم من النيابة أو مؤازرة أو تمثيل أطراف لها مصالح متعارضة.

    كما ألزم القانون، من خلال المادة 91، مجالس هيئات المحامين بإبرام عقود للتأمين عن المسؤولية المهنية لأعضائها، وألزم الشركات المدنية المهنية للمحامين بالتأمين عن مسؤوليتها.

    مسار زمني صارم للشكايات

    وسع القانون، من خلال منطوق المادة 61، نطاق التأديب ليشمل مخالفة النصوص القانونية والتنظيمية وقواعد المهنة وأعرافها، والإخلال بالمروءة والشرف، حتى عندما يتعلق الأمر بأفعال وقعت خارج المجال المهني.

    وتتدرج العقوبات بين الإنذار والتوبيخ والإيقاف عن ممارسة المهنة والتشطيب من الجدول، لكن المستجد الأهم هو إخضاع الشكاية لمسار محدد.

    فالشكايات المقدمة ضد المحامين، وفق المادة 67، تحال على النقيب، الذي يتعين عليه اتخاذ قرار معلل بالحفظ أو المتابعة داخل ثلاثة أشهر، وإلا اعتبر سكوته قرارا ضمنيا بالحفظ، وأتاح القانون للأطراف المعنية الطعن في عدد من المقررات أمام محكمة الاستئناف.

    وخولت المادة المادة 69 لمجلس الهيئة أن يضع يده تلقائيا، على كل إخلال بالنصوص القانونية أو التنظيمية، أو قواعد المهنة أو أعرافها، أو أي إخلال بالمروءة والشرف، ويجري المسطرة التأديبية في مواجهة المحامي المعني بالأمر، مباشرة.

    ومنحت المادة 67 للوكيل العام للملك، وحده، وفق المادة ذتها، أن يطعن في قرار الحفظ الصادر عن النقيب، ضمنيا أو صراحة، بعد تبليغه بالقرار، وفي حال ألغت محكمة الاستئناف مقرر النقيب بالحفظ، تحيل الملف، وجوبا، من جديد، لعرضه على مجلس الهيئة لمواصلة إجراءات المتابعة.

    هذه الآجال والطعون تمنح المواطن وسيلة لمواجهة الصمت أو التأخير، وتخرج الرقابة، جزئيا، من المجال المهني الداخلي إلى رقابة القضاء، وهو مقتضى أثار رفضا المحامين بشدة.

    عقوبات مشددة للسماسرة والمنتحلين

    درءا للوسطاء والسماسرة الذين يوهمون بحكم مضمون، أو نفوذ داخل المحكمة، أو تسوية سريعة للقضايا، شدد القانون العقوبة على سمسرة الزبناء وجلبهم، سواء ارتكب الفعل وسيط أو ساهم فيه محام.

    وجرم القانون أيضا الاعتياد على مباشرة المساطر القضائية لفائدة الغير دون سند قانوني، وانتحال صفة محام، واستعمال وسائل توهم المواطنين بممارسة المهنة، بل وحتى ارتداء بذلة المحامي دون حق.

    ويعاقب، وفق المادة 98، كل شخص ثبت أنه يباشر بصفة اعتيادية، إجراء أي مسطرة قضائية لفائدة الغير دون أن يكون مخولا قانونا لذلك، بالحبس من سنة إلى سنتين وبغرامة من عشرة آلاف إلى عشرين ألف درهم، ما لم تكن الأفعال أو انتحل صفة محام، أو استعمل أي معاقبا عليها بعقوبة أشد.

    ويعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في الفصل 381 من القانون الجنائي كل شخص نسب لنفسه صفة محام علانية، ومن غير حق، أو انتحل صفة محام، أو استعمل أي وسيلة قصد إيهام الغير بأنه يمارس مهنة المحاماة أو انه مستمر في ممارستها، أو انه مأذون له في ذلك، حسب المادة المادة 99.

    ويعاقب كل شخص ارتدى، عن غير حق، أمام أي محكمة من المحاكم، أو أمام مجلس من المجالس التأديبية بذلة المحامي أو بذلة تشابهها، يمكن أن توهم أنه يمارس مهنة المحاماة بالعقوبات المنصوص عليها في الفصل 382 من القانون الجنائي.

    وتعاقب المادة 100 كل شخص قام بسمسرة الزبناء أو جلبهم، بالحبس من سنتين إلى أربع سنوات، وبغرامة من عشرين ألفا إلى أربعين ألف درهم، فيما يعاقب المحامي الذي ثبت عليه القيام بالفعل نفسه، بصفته فاعلا أصليا أو مشاركا، بالعقوبة نفسها ما لم تكن الأفعال معاقبا عليها بعقوبة أشد.

    ماذا يقلق المحامين من قانون المهنة؟

    تتلخص أبرز مواقف المحامين في التمسك باستقلال المحاماة، إذ يعتبرون أن استقلال هيئاتهم ونقبائهم ومجالسهم امتداد لاستقلال القضاء وضمانة أساسية لحقوق المتقاضين، وليس مجرد امتياز مهني.

    ويرفض “أصحاب البذلة السوداء” الوصاية المالية، إذ يعترضون على إخضاع حساب ودائع المحامين للرقابة، بدعوى أن هذه الأموال خاصة وتعود إلى المحامين وموكليهم، وليست أموالا عمومية، كما يرون أن هذه الرقابة قد تمس بالسر المهني وخصوصية العلاقة بين المحامي وموكله.

    ويدافعون أيضا عن حماية اختصاصات الهيئات، إذ يعترضون على أن منح جهات إدارية أو قضائية صلاحيات يعتبرونها من الاختصاص الحصري للنقيب ومجلس الهيئة، خصوصا في القيد والتأديب وتدبير الشؤون المهنية.

    أيضا، يرفض المحامون ما جاءت به المادة 78، لأن تمكين القاضي من تحرير محضر ضد المحامي بسبب أفعال أو أقوال أثناء الجلسة، بحسبهم، قد يؤثر في حرية الدفاع، ويخلق ضغطا على المحامي، ويمس حق المتقاضي في دفاع حر وقاض مستقل ومحايد.

    ومن بين النقاط التي أثارت غضب المحامين، تخويل وزير العدل صلاحية قبول المكاتب الأجنبية، إذ ينتقدون المادة 35 التي تتيح للوزير الإذن لمكاتب محاماة أجنبية بالممارسة، معتبرين أنها تنتزع جزءا من صلاحيات الهيئات، وتفتح الباب أمام التمييز بين المحامي المغربي والأجنبي، فضلا عن غموض حقوق هذا الأخير وواجباته.

    وينتقد المحامون أيضا المواد المنظمة لتأديب الطلبة التي تخلط بين الطالب والمحامي المتمرن، رغم أن الأول لم يكتسب بعد صفة مهنية، ويخضع لمؤسسة تكوين تشرف عليها وزارة العدل.

    ويطالب محامو المغرب بجودة التشريع، لأن قانون المهنة يتضمن، في نظرهم، عبارات غامضة وتداخلا في الاختصاصات وتناقضات مع قوانين قائمة، بما قد يفتح المجال لتأويلات متعارضة.

    وفي المجمل، يتلخص موقف المحامين في أن معركتهم ليست دفاعا عن امتيازات مهنية، بل عن استقلال المحاماة باعتباره شرطا لحرية الدفاع وضمانة لحقوق المتقاضين، وينتظرون من المحكمة الدستورية حسم مدى توافق المواد الخلافية مع مبادئ فصل السلط والمساواة والأمن القانوني والحق في محاكمة عادلة.

    وهبي: مصلحة المتقاضي فوق الحسابات المهنية

    في رده على الجدل الذي تثيره تصريحاته، يقول وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، إنه لن يكون وزيرا صامتا لأن من حقه التعبير عن قناعاته السياسية والفكرية، مع احترام المساطر والمؤسسات التي يفرضها الدستور.

    ويضيف أن الاختلاف معه لا يبرر مطالبته بالصمت، بل يقتضي مواجهته برأي آخر وترك الحكم للرأي العام، مشددا في الوقت نفسه على أن القوانين الكبرى، ومنها القانون الجنائي وقانون المحاماة، تناقش داخل المؤسسات الدستورية، عبر الحكومة والبرلمان وممثلي الأمة، لا بمنطق الحسم في الشارع.

    وفي مواجهة الانتقادات التي أثارها قانون مهنة المحاماة، يدافع وهبي، في جل خرجاته الإعلامية، عن تصور يقوم، بحسبه، على تحديث المهنة وتقوية مؤسساتها، مع إخضاعها لقواعد المسؤولية والشفافية، بما يضمن حماية المتقاضين ويحافظ على انتظام سير العدالة.

    ويرى أن الخلاف القائم مع الهيئات المهنية لا يتعلق برفض الحوار، بل باختلاف جوهري حول طريقة إعداد القانون وحدود مشاركة المحامين في صياغته، مؤكدا أن وزارة العدل عقدت أكثر من ثمانية اجتماعات مع ممثلي المهنة، إلى جانب لقاءات متعددة مع رئيس جمعية هيئات المحامين، كما تلقت ملاحظاتهم في أكثر من مناسبة.

    غير أن الوزير يعترض على تقديم الاستشارة المهنية كما لو كانت حقا في صياغة القانون بصورة نهائية، موضحا أن دور وزير العدل لا يقتصر على نقل مطالب فئة معينة إلى البرلمان، ويقول، في هذا السياق، إن الوزير “ليس ساعي بريد”، بل طرف في العملية التشريعية، يستمع إلى مختلف المتدخلين ثم يصوغ مشروعا يراعي المصلحة العامة.

    وينطلق دفاع وهبي من أن قانون المحاماة لا ينظم شؤون المحامين فقط، بل يحدد علاقتهم بالقضاة والمتقاضين والنيابة العامة والشرطة القضائية والإدارات والمؤسسات العمومية وبقية مكونات منظومة العدالة.

    وعلى هذا الأساس، يعتبر أن التشاور مع المحامين ضروري، لكنه لا يمنحهم سلطة احتكار مضمون القانون، فالدولة، بحسب تصوره، مطالبة بالاستماع إلى المهنيين، وفي الوقت نفسه إلى باقي الجهات التي تتقاطع مصالحها ومسؤولياتها مع عمل المحامي.

    وأبرز أن الحوار حول قانون المحاماة كان مفتوحا، مع المحامين، والسلطة القضائية، والنيابة العامة، وجميع الوزارات، والأمانة العامة للحكومة، مشيرا إلى أن “مشروع القانون نتاج تراكمات لقرابة 30 عاما، بمعنى أن الحوار كان مفتوحا منذ 30 سنة، حتى وصلنا إلى صيغة اليوم التي قدمتها أنا اليوم”.

    ويشدد المسؤول الحكومي على أن الوثائق التي عرضتها الوزارة على الهيئات المهنية كانت معدة للاستشارة ولم تكن نصوصا نهائية، وانتقد تسريبها وتداولها خارج إطار الحوار، رغم أنها، وفق قوله، لم تكن قد اعتُمدت أصلا.

    ويؤكد الوزير أن الدولة لا يمكن أن تخضع في ممارسة اختصاصها التشريعي لأي جهة، مهما كانت مكانتها، فالحوار، في نظره، لا يعني المساومة على سلطة المؤسسات المنتخبة، وإنما الاستماع إلى الآراء قبل المرور عبر الأمانة العامة للحكومة والمجلس الحكومي والبرلمان.

    ثنائية الحقوق والمحاسبة

    يقول وهبي إن القانون يمنح المحامين حقوقا وضمانات مهمة، لكنه يضع في المقابل قواعد للعقاب والمتابعة والمسؤولية، لأن الاستقلال المهني، بحسب تصوره، لا يعني أن تصبح المحاماة خارج النظام العام أو بمنأى عن الرقابة.

    ويرى أن قوة المحاماة لا تقاس بحجم الامتيازات الممنوحة لها فقط، بل أيضا بقدرتها على محاسبة أعضائها وحماية المواطنين من الأخطاء والتجاوزات، لهذا، يدافع عن إعادة النظر في آلية الحفظ الضمني للشكايات، معتبرا أن تخليق المهنة يقتضي اتخاذ قرارات واضحة ومعللة بدل ترك الملفات تنتهي دون حسم صريح.

    واستند الوزير إلى رقم مفاده أن نحو 95 في المئة من الشكايات ضد المحامين تنتهي بالحفظ الضمني، منتقدا اضطرار النيابة العامة إلى استئناف عدد كبير منها.

    في المقابل، يرد ممثلو المحامين بأن الشكايات لا تشمل سوى نسبة محدودة لا تتجاوز 7 بالمئة من مجموع 15 ألف محام، ويعتبرون أن الحديث عن نسبة الحفظ دون وضعها في سياق العدد الإجمالي للمهنيين يعطي صورة غير مكتملة عن واقع المهنة.

    لكن وزير العدل يصر على أن حماية المتقاضي تفرض عدم قياس خطورة الإخلال بعدد مرتكبيه فقط، فحتى إذا تعلق الأمر بأقلية، فإن كل ملف مهمل أو وديعة متنازع بشأنها أو شكوى غير محسومة تمس مواطنا وضع ثقته في مؤسسة الدفاع.

    الضرائب.. مساواة أمام القانون

    ومن القضايا التي أثارت توترا بين الوزارة والمحامين ربط ممارسة المهنة بالوضعية الجبائية والاجتماعية، إذ يدافع وهبي عن إلزام المحامي بإثبات تسجيله لدى الإدارة الضريبية، إلى جانب تسوية الوضعية الاجتماعية للعاملين في مكتبه.

    واعتبر الوزير أن المحامي، بحكم وظيفته في الدفاع عن الحقوق وتطبيق القانون، ينبغي أن يكون في مقدمة الملتزمين بالواجبات الضريبية، موردا في هذا السياق أن 9 آلاف محام، من أصل 15 ألفا، غير مسجلين لدى إدارة الضرائب.

    وبالنسبة إلى وهبي، لا تستهدف هذه الإجراءات التضييق على المهنة، بل تكريس المساواة أمام القانون وحماية حقوق موظفي مكاتب المحامين في التغطية الاجتماعية، لأن المحامي الذي يطالب الدولة بتطبيق القانون، لا يمكن أن يضع نفسه خارجه.

    وفي جانب التكوين يقوم تصور قانون المحاماة على أن النظام القائم، المبني أساسا على الحصول على الإجازة واجتياز امتحان الأهلية ثم قضاء فترة التمرين، لم يعد كافيا لإعداد محام قادر على مواجهة التحولات الاقتصادية والقانونية.

    ويستحضر في هذا السياق انفتاح المغرب على الاستثمارات الدولية والاستعداد لاستضافة تظاهرات عالمية، وفي مقدمتها كأس العالم، وما يصاحب ذلك من عقود ونزاعات ذات طبيعة مالية وضريبية ورياضية وتجارية عابرة للحدود.

    من هذا المنطلق، يدافع وزير العدل عن تكوين مؤسساتي قريب من نموذج المعهد العالي للقضاء، يرفع مستوى التأهيل ويتيح التخصص في مجالات مثل الضرائب والمالية والرياضة والاستثمار، مع تركيز كبير على ضرورة إتقان اللغات، حتى يكون المحامي المغربي قادرا على منافسة المكاتب الدولية المتوقع توسع حضورها في السوق الوطنية.

  • شريك بسيادته لا حارس حدود.. المغرب يغيّر قواعد الهجرة مع أوروبا

    شريك بسيادته لا حارس حدود.. المغرب يغيّر قواعد الهجرة مع أوروبا

    تعيد الأحداث الأخيرة المسجلة عند نقاط العبور نحو سبتة ومليلية المحتلتين ملف الهجرة غير النظامية إلى واجهة النقاش، في وقت يؤكد المغرب أنه يواصل الاضطلاع بدور محوري في تأمين حدوده والحد من نشاط شبكات الاتجار بالبشر.

    وأظهرت طريقة تدبير هذه الأحداث من الجانب المغربي اعتماد مقاربة استباقية جمعت بين المراقبة الميدانية والإنقاذ والتنسيق، بما ساعد على احتواء الوضع وتفادي حصيلة أكثر مأساوية.

    ويستند المغرب في الدفاع عن حصيلة عمله إلى أرقام تعكس حجم الجهد المبذول خلال السنوات الأخيرة، إذ أحبطت نحو 160 ألف محاولة للهجرة غير النظامية خلال سنتي 2024 و2025، وفككت 632 شبكة، إلى جانب تنفيذ أكثر من 32 ألف عملية إنقاذ في البحر.

    هذه النتائج ساهمت في جعل الواجهة الغربية للبحر الأبيض المتوسط أقل ضغطا على أوروبا، كما عززت مكانة المملكة شريكا موثوقا في التعاون الأمني والإنساني، سيما مع الجار الشمالي إسبانيا.

    غير أن تطورات الثغرين المحتلين تؤكد أن الظاهرة لا يمكن تطويقها بالإجراءات الأمنية وحدها، خصوصا مع تنامي تأثير المعلومات المضللة والتأويلات الخاطئة لبعض القرارات القانونية واستمرار نشاط شبكات التهريب.

    وتبدو دعوة الرباط الاتحاد الأوروبي إلى تقاسم المسؤولية والأعباء منسجمة مع واقع ملف تتداخل فيه اعتبارات الأمن والتنمية وحماية الأرواح، فيما يظل نجاح المقاربة المغربية مرتبطا أيضا باستمرار التنسيق مع الشركاء الأوروبيين وتعزيز التواصل الدقيق حول الوقائع والأرقام.

    من لغة الأرقام إلى لغة الرسائل السياسية

    طوال السنوات الماضية، كانت البلاغات المتعلقة بالهجرة تركز أساسا على حصيلة العمليات الأمنية، وعدد الشبكات المفككة، ومحاولات العبور التي جرى إحباطها، غير أن الموقف الأخير، المعبر عنه في قصاصة لوكالة الأنباء المغربية الرسمية “لاماب” منسوبة إلى مصدر حكومي، فلم يقتصر على مجرد سرد للأرقام.

    وتعكس العبارات التي تكررت، من قبيل “شريك ذو سيادة”، و”لم يخضع يوما للضغط”، و”لم يتحرك تحت وطأة الابتزاز”، أن المغرب أراد نقل النقاش من الجانب الأمني إلى مستوى آخر يرتبط بطبيعة العلاقة مع أوروبا، لأن المسألة اليوم لم تعد تقتصر على قدرة المملكة على حماية حدودها والنظر إليها كـ”حارس حدود” لأوروبا، بل أصبحت تشمل أيضا الكيفية التي يريد أن ينظر بها إلى هذا الدور وإلى موقعه داخل معادلة تدبير الهجرة.

    وفي هذا السياق، اعتبر السوسيولوجي المغربي عبد الفتاح الزين، في تصريح لـ “AM+ MEDIA”، أن اللغة التي اعتمدها المغرب في هذه المرحلة تكشف أن الهجرة لم تعد تُطرح باعتبارها ملفا أمنيا فقط، بل أصبحت تحمل أبعادا دبلوماسية وسياسية.

    وأضاف الزين أن الرسائل التي وجهها المغرب لأوروبا، من قبيل التشديد على مفاهيم مثل “السيادة” و”الشراكة” تعكس رغبة المملكة في إعادة تعريف موقعها داخل هذا الملف، باعتبارها شريكا يساهم في صياغة قواعد التعاون، لا مجرد طرف يقتصر دوره على حماية الحدود الأوروبية.

    وحرصت الرباط على أن تضع حدا لصورة ظلت تتكرر في بعض النقاشات الأوروبية، والتي تقدم المغرب باعتباره مجرد خط دفاع متقدم عن الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي، لذلك أكدت أن التعاون في مكافحة الهجرة غير النظامية ليس استجابة لضغوط خارجية، وإنما خيار سيادي تمليه المصالح الوطنية والالتزامات الدولية للمملكة.

    وأصبحت المقاربة الدبلوماسية المغربية، تربط التعاون الدولي بشكل أوضح بمبدأ السيادة، فالمغرب يؤكد استمرار انخراطه في الجهود المشتركة لمكافحة الهجرة غير النظامية، لكنه في المقابل يشدد على أن هذا التعاون ينبغي أن يقوم على الاعتراف المتبادل بالأدوار التي يؤديها كل طرف، وبالكلفة التي يتحملها في مواجهة ظاهرة عابرة للحدود.

    وفي الوقت نفسه، لم يتخل المغرب عن إبراز حجم المجهود الذي يبذله ميدانيا، مذكرا بإحباط عشرات الآلاف من محاولات الهجرة خلال العامين الأخيرين، وتفكيك مئات الشبكات الإجرامية، وإنقاذ آلاف الأشخاص في عرض البحر.

    غير أن هذه الأرقام لم تُقدم فقط لإبراز النجاعة الأمنية، بل للتأكيد أن استقرار الواجهة الغربية للبحر الأبيض المتوسط هو نتيجة تعبئة بشرية وتقنية ومالية متواصلة، وليس معطى قائما بذاته.

    إعادة تعريف الشراكة مع أوروبا

    ومن بين أكثر العناصر دلالة في الموقف المغربي، الإصرار على مفهوم “المسؤولية المشتركة”، إذ تكررت هذه العبارة أكثر من مرة، بما يعكس رغبة المغرب في التأكيد أن الهجرة ليست مسؤولية دولة العبور وحدها، وإنما ظاهرة عابرة للحدود تتداخل فيها عوامل أمنية وقانونية واقتصادية وإنسانية.

    وفي هذا السياق، جاء موقف وزارة الداخلية الذي عرض الإجراءات التي اتخذتها السلطات المغربية، بل أشارت أيضا إلى عوامل مرتبطة بالجانب الأوروبي، من بينها التأويلات التي صاحبت بعض القرارات القضائية الإسبانية، والتي ساهمت في ترسيخ اعتقاد لدى بعض المهاجرين بإمكانية تفادي الإعادة الفورية عبر سلوك مسارات معينة.

    من جانبه، اعتبر عبد الصادق حيدر، الخبير في قضايا الهجرة ومدير مركز إدماج المهاجرين، في تصريح لـ “AM+ MEDIA”، أن المغرب لم يعد يتعامل مع ملف الهجرة باعتباره مهمة أمنية يؤديها نيابة عن أوروبا، بل كقضية إقليمية تستدعي شراكة متكافئة تقوم على المسؤولية المشتركة.

    وأوضح حيدر أن الرسالة التي يحملها الخطاب الرسمي تتمثل في أن دور المملكة لا يقتصر على حماية الحدود، وإنما يمتد إلى المساهمة في بلورة مقاربة شاملة للهجرة تراعي الأبعاد الأمنية والتنموية والإنسانية.

    وأضاف أن التشديد على مفاهيم مثل “السيادة” و”الشراكة المتوازنة” يعكس توجها لإعادة تعريف العلاقة مع أوروبا، بما يجعل المغرب شريكا في صياغة المقاربات وتدبير هذا الملف، وليس مجرد طرف يقتصر دوره على تنفيذها.

    ويلاحظ أيضا أن الموقف الرسمي تجنب لغة التصعيد أو المواجهة مع الشركاء الأوروبيين، إذ حافظ على التأكيد بأن التعاون مع إسبانيا يظل “نموذجيا”، لكنه في الوقت نفسه أعاد رسم الإطار السياسي لهذا التعاون، مشيرا إلى أنه توازن يعكس رغبة في الجمع بين استمرار التنسيق الميداني، وبين تثبيت خطاب دبلوماسي يؤكد أن التعاون لا يتعارض مع الدفاع عن السيادة الوطنية أو مع المطالبة بتقاسم الأعباء بشكل أكثر توازنا.

    ويأتي هذا التحول في وقت تعرف فيه أوروبا نقاشا متزايدا حول مستقبل سياسات الهجرة، وكيفية تقاسم أعباء تدبيرها مع دول الجوار.

  • صعود مغربي يعيد رسم خريطة أمن الطاقة في أوروبا

    صعود مغربي يعيد رسم خريطة أمن الطاقة في أوروبا

    غيّر الانقطاع الواسع للتيار الكهربائي الذي شهدته إسبانيا والبرتغال في أبريل 2025 طريقة تعاطي أوروبا مع ملف أمن الطاقة، إذ لم يعد التوسع في إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة كافيا، وبرزت أولوية جديدة تتمثل في بناء شبكات أكثر ترابطا ومرونة، قادرة على ضمان استمرارية الإمدادات والحد من آثار الأعطال الكبرى.

    كما أن أوروبا، لم تعد تنظر للملف الطاقي كأنه مجرد قطاع اقتصادي أو مورد استراتيجي، بل أصبح أحد أبرز أدوات إعادة تشكيل العلاقات الدولية، سيما مع التحولات التي فرضتها الحرب في أوكرانيا، والبحث الأوروبي عن بدائل للغاز الروسي زيادة على أزمة مضيق هرمز، وتسارع الانتقال نحو الطاقات المتجددة، ما أدخل القارة العجوز مرحلة جديدة في مقاربتها لأمنها الطاقي، تقوم على تنويع الشركاء وتقليص الاعتماد على مصادر تقليدية.

    في هذا السياق، برز المغرب باعتباره أحد أبرز الفاعلين الصاعدين في جنوب المتوسط، مستفيدا من موقعه الجغرافي، واستثماراته المتواصلة في الطاقة الشمسية والريحية، ومشاريعه في الهيدروجين الأخضر والربط الكهربائي.

    وفي السنوات الأخيرة، لم يعد ينظر المغرب بوصفه سوقا للطاقة فقط، بل كشريك قادر على الإسهام في تلبية جزء من احتياجات أوروبا المستقبلية، ضمن رؤية تقوم على المصالح المتبادلة والتكامل الإقليمي.

    فكيف تطور موقع المغرب داخل المنظومة الكهربائية الأوروبية؟ وما الذي يمكن أن تجنيه المملكة اقتصاديا واستراتيجيا من مشاريع الربط الجديدة؟

    من الربط مع إسبانيا إلى رؤية أوروبية أوسع

    لم يبدأ حضور المغرب في منظومة الربط الكهربائي الأوروبية بعد أزمة 2025، بل يعود إلى ما يقارب ثلاثة عقود، عندما دخل أول خط للربط الكهربائي بين المغرب وإسبانيا الخدمة سنة 1997، قبل أن يتعزز بخط ثان سنة 2006، ليشكل أول جسر كهربائي مباشر بين إفريقيا وأوروبا، ويتيح تبادل الكهرباء وتعزيز استقرار الشبكتين.

    ومع التحولات التي شهدها قطاع الطاقة، ولا سيما التوسع في إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة، انتقل التعاون المغربي الإسباني إلى مرحلة جديدة، تُوجت سنة 2019 بالاتفاق على تطوير مشروع ربط كهربائي ثالث يهدف إلى رفع قدرة التبادل ومواكبة الطلب المتزايد على شبكات أكثر كفاءة ومرونة.

    ورغم أن هذه المشاريع سبقت أزمة انقطاع الكهرباء التي شهدتها شبه الجزيرة الإيبيرية سنة 2025، فإنها اكتسبت بعدها بعدا استراتيجيا مختلفا، إذ لم يعد ينظر إلى الربط الكهربائي باعتباره وسيلة لتبادل الطاقة فحسب، بل أحد مكونات أمن الطاقة، لما يوفره من قدرة على دعم استقرار الشبكات والمساهمة في استعادة الإمدادات عند وقوع الأعطال الكبرى.

    أزمة 2025.. المغرب شريك في أمن الطاقة لأوروبا

    شكّل الانقطاع الواسع للتيار الكهربائي الذي ضرب إسبانيا والبرتغال في 28 أبريل 2025 اختبارا حقيقيا لقدرة الشبكة الكهربائية الأوروبية على مواجهة الأزمات، إذ كشفت الحادثة محدودية الربط الكهربائي لشبه الجزيرة الإيبيرية مع بقية أوروبا، إذ لا تتجاوز نسبة الربط نحو 3 في المئة من القدرة الكهربائية، بينما يطمح الاتحاد الأوروبي إلى رفعها إلى 15 في المئة بحلول سنة 2030.

    وأبرزت الأزمة اعتماد البرتغال على إسبانيا باعتبارها منفذها الكهربائي الوحيد نحو الخارج، وهو ما أعاد النقاش حول ضرورة تنويع مسارات الربط وتعزيز مرونة الشبكات الأوروبية.

    وفي خضم هذه الأزمة، برزت أهمية الربط الكهربائي مع المغرب، فبحسب المعطيات التقنية الصادرة عن الشبكة الأوروبية لمشغلي أنظمة نقل الكهرباء (ENTSO-E)، استعانت إسبانيا، خلال مراحل إعادة تشغيل الشبكة، بروابطها الكهربائية مع كل من فرنسا والمغرب، ما جعل الربط المغربي جزءا من عملية استعادة الإمدادات، وأبرز دوره في دعم استقرار الشبكات الإقليمية عند الأزمات، إلى جانب وظيفته التقليدية في تبادل الكهرباء.

    وأعادت هذه التطورات صياغة النظرة الأوروبية إلى مشاريع الربط مع المملكة، إذ لم تعد تعامل باعتبارها مجرد بنية تحتية لنقل الكهرباء، بل كأداة لتعزيز أمن الطاقة ومرونة الشبكات في مواجهة الاضطرابات.

    ومن هذا المنطلق، اكتسبت مشاريع الربط الجديدة مع المغرب زخما إضافيا، وفي مقدمتها مشروع الربط مع البرتغال، إلى جانب المباحثات المتعلقة بإنشاء خط مباشر مع فرنسا، في إطار توجه أوروبي يروم تنويع مسارات الإمداد وتقوية الترابط الكهربائي بين ضفتي المتوسط.

    وفي هذا السياق، يرى الخبير في قضايا الطاقة والانتقال الطاقي، محمد بوحاميدي، أن أزمة انقطاع الكهرباء التي عرفتها إسبانيا والبرتغال في أبريل 2025 لم تكن مجرد حادث تقني، بل شكلت تحولا في المقاربة الأوروبية لأمن الطاقة، بعدما أبرزت أن الاستثمار في إنتاج الكهرباء وحده لم يعد كافيا، وأن قوة المنظومات الكهربائية أصبحت تقاس أيضا بقدرتها على الترابط واستعادة الإمدادات عند الأزمات.

    وأضاف بوحاميدي في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن مشاريع الربط الكهربائي مع المغرب اكتسبت، بعد هذه الأزمة، بعدا استراتيجيا جديدا، لأنها توفر منفذا إضافيا لشبه الجزيرة الإيبيرية، وتعزز مرونة الشبكات الأوروبية، موضحا أن المملكة أصبح ينظر إليها كشريك قادر على المساهمة في تعزيز أمن الطاقة الأوروبي، وليس فقط كمنتج للطاقات المتجددة.

    مشروع المغرب والبرتغال.. أكثر من مجرد ربط كهربائي

    في خضم هذا التحول، اتفق المغرب والبرتغال، خلال اجتماع وزيري الطاقة في لشبونة، الشهر الماضي، على إعادة إطلاق مشروع الربط الكهربائي بين البلدين، بعد سنوات من الدراسات التي انطلقت سنة 2018، في خطوة تعكس تنامي الرهان على تعزيز الترابط الكهربائي بين أوروبا وإفريقيا.

    وترى الحكومة البرتغالية أن المشروع يتجاوز كونه مجرد بنية تحتية لنقل الكهرباء، ليشكل رافعة لتعزيز أمن الطاقة والتعاون بين القارتين.

    وأعلنت وزيرة البيئة والطاقة البرتغالية ماريا دا غراسا كارفالو، يوليوز المنصرم، أن الرباط ولشبونة ستتقدمان بطلب إلى المفوضية الأوروبية لتصنيف المشروع ضمن المشاريع المهمة ذات الاهتمام الأوروبي المشترك (IPCEI)، بما يتيح الاستفادة من آليات التمويل الأوروبية، إلى جانب تعبئة استثمارات من القطاع الخاص لتقاسم كلفة الإنجاز.

    وأوضحت أن البلدين يعتمدان مسارين متوازيين لتسريع المشروع؛ الأول يهم البحث عن تمويل عبر الآليات الأوروبية، والثاني يقوم على استقطاب مشغلي الشبكات وشركات الطاقة، بما يضمن إنجاز المشروع دون تحميل المستهلكين أو دافعي الضرائب أعباء إضافية.

    وأشارت إلى أن التقديرات المالية التي وُضعت سنة 2018، والتي قدرت الكلفة بحوالي 800 مليون يورو، أصبحت بحاجة إلى مراجعة في ضوء ارتفاع تكاليف الإنجاز والتطور الذي شهدته تقنيات الربط الكهربائي.

    ومن الجانب المغربي، أكدت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بنعلي أن المشروع يندرج ضمن رؤية مشتركة تروم تعزيز التعاون الطاقي بين البلدين، مع التركيز على خفض تكاليف الطاقة وتحسين القدرة على الولوج إليها بأسعار معقولة لفائدة المواطنين والقطاعات الاقتصادية.

    ويعكس هذا التوجه، بحسب الوزيرة، إرادة مشتركة لجعل الربط الكهربائي أداة لدعم التنمية الاقتصادية وتعزيز أمن الإمدادات، وليس مجرد مشروع تقني لتبادل الكهرباء.

    ومن المرتقب أن يواصل البلدان تنسيق مواقفهما مع المفوضية الأوروبية خلال المرحلة المقبلة، تمهيدا لعرض المشروع على آليات التمويل الأوروبية، ومواصلة النقاش بشأن خياراته التقنية والمالية في إطار القمة المغربية البرتغالية المرتقبة.

    جاذبية متزايدة.. فرنسا تدخل على الخط

    ولم يعد الاهتمام الأوروبي بالربط الكهربائي مع المغرب مقتصرا على البرتغال، إذ برز خلال الأشهر الأخيرة مشروع لدراسة إنشاء خط كهربائي مباشر بين المغرب وفرنسا، في إطار توجه يروم توسيع منافذ الربط مع المملكة وعدم الاكتفاء بالمسار التقليدي عبر إسبانيا.

    ورغم أن المشروع لا يزال في مرحلة الدراسات التقنية، فإنه يعكس إدراكا أوروبيا متزايدا لأهمية تنويع مسارات نقل الكهرباء وتعزيز قدرة الشبكات على مواجهة الاضطرابات.

    وتكتسي فرنسا أهمية خاصة داخل المنظومة الكهربائية الأوروبية، باعتبارها إحدى أكبر الدول المنتجة والمصدرة للكهرباء في القارة، كما تمثل بوابة رئيسية لربط شبه الجزيرة الإيبيرية بباقي الشبكة الأوروبية.

    ومن شأن أي ربط مباشر مع المغرب، إذا تم إنجازه، أن يوسع خيارات تبادل الكهرباء بين الضفتين، ويعزز مرونة الشبكة الأوروبية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى بنية تحتية أكثر ترابطا وقدرة على استيعاب التحولات التي يشهدها قطاع الطاقة.

    وفي 16 يوليوز الماضي، كشف سيباستيان لوكورنو، رئيس الحكومة الفرنسي، في الدورة الخامسة عشرة للاجتماع رفيع المستوى بين المغرب وفرنسا بالرباط، أن المغرب وفرنسا يرسمان معا معالم المستقبل من خلال مشاريع اقتصادية طموحة تخلق تكاملا جديدا بين شركاتنا، من خلال قطاعات حيوية كالنقل والطاقة والتكنولوجيات المتقدمة، وأيضا المبادرات المتعددة للمقاولات الصغرى والمتوسطة النشطة التي تعمل معا على ضفتي المتوسط، كما يشمل الأمر مشاريع الربط الطاقي الكبرى، خاصة مع إطلاق طلب لإبداء الاهتمام في مجال الربط الكهربائي”.

    وفي حال استكمال هذا المشروع، سيصبح المغرب مرتبطا بثلاثة محاور رئيسية مع أوروبا، تشمل إسبانيا والبرتغال وفرنسا، بما يعزز مكانته داخل شبكة الربط الكهربائي الإقليمية ويمنحه دورا أكبر في منظومة أمن الطاقة الأوروبية.

    واعتبر محمد بوحاميدي أن مشاريع الربط المرتقبة مع البرتغال، إلى جانب دراسة إنشاء خط مباشر مع فرنسا، تمثل انتقالا من تعاون ثنائي مع إسبانيا إلى شبكة ربط أوروبية أكثر تنوعا، ما يمنح الشبكات الكهربائية مرونة أكبر في مواجهة الاضطرابات، ويعكس مستوى الثقة الذي أصبح يحظى به المغرب لدى شركائه الأوروبيين.

    وأكد الخبير الطاقي أن هذه المشاريع لا تقتصر على إنشاء خطوط جديدة لنقل الكهرباء، بل تعكس تحولا في النظرة الأوروبية إلى المملكة باعتبارها شريكا استراتيجيا في استقرار الشبكات الكهربائية، خاصة مع تسارع التحول نحو الطاقات المتجددة داخل أوروبا.

    منافذ إضافية.. ماذا ستستفيد أوروبا؟

    لا تقتصر مكاسب أوروبا من مشاريع الربط الكهربائي مع المغرب على إنشاء خطوط جديدة لنقل الكهرباء، بل تمتد إلى تعزيز مرونة الشبكات وتنويع مسارات الإمداد، خاصة بعد الدروس التي أفرزتها أزمة انقطاع الكهرباء في شبه الجزيرة الإيبيرية خلال أبريل 2025.

    بالنسبة لإسبانيا والبرتغال، يوفر الربط مع المغرب منفذا إضافيا يخفف الضغط على المسارات التقليدية، ويمنح مشغلي الشبكات خيارات أوسع للحفاظ على استقرار الإمدادات واستعادة الخدمة عند وقوع الأعطال.

    كما ينسجم هذا التوجه مع استراتيجية الاتحاد الأوروبي الرامية إلى رفع مستوى الترابط الكهربائي بين دوله وشركائه، بما يعزز أمن الطاقة، ويواكب الارتفاع المتزايد في حصة الطاقات المتجددة داخل المزيج الكهربائي الأوروبي، وهي مصادر تتطلب شبكات أكثر ترابطا ومرونة لضمان استقرارها.

    منصة إقليمية رائدة.. لماذا تراهن أوروبا على المغرب؟

    لا يقتصر الرهان الأوروبي على الموقع الجغرافي للمغرب، بل يستند أيضا إلى ما راكمته المملكة من خبرة في مجال الربط الكهربائي منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، وإلى استثماراتها في تطوير البنية التحتية الكهربائية، فضلا عن استقرارها المؤسساتي، وهي عوامل جعلت منها شريكا موثوقا في مشاريع الربط الطاقي.

    كما أن تموقع المغرب عند بوابة أوروبا وإفريقيا يمنحه مؤهلات للقيام بدور منصة إقليمية لتبادل الكهرباء، خاصة في ظل توجه الاتحاد الأوروبي نحو تنويع مسارات الإمداد والبحث عن شبكات أكثر مرونة بعد أزمة 2025.

    ومن هذا المنطلق، لم تعد مشاريع الربط مع المملكة تُنظر إليها باعتبارها مشاريع ثنائية فحسب، بل أصبحت جزءا من رؤية أوروبية أوسع لتعزيز أمن الطاقة وتقوية الترابط الكهربائي بين القارتين.

    مكاسب متعددة.. ماذا سيستفيد المغرب؟

    بالنسبة للمغرب، لا تقتصر أهمية هذه المشاريع على توسيع الربط الكهربائي مع أوروبا، بل تمتد إلى تعزيز مكانته الاقتصادية والاستراتيجية؛ فمن الناحية الاقتصادية، من شأن خطوط الربط الجديدة أن تستقطب استثمارات إضافية في البنية التحتية الكهربائية، وتدعم تحديث الشبكات الوطنية، كما تفتح آفاقا أوسع لتبادل الكهرباء مع الأسواق الأوروبية، إلى جانب الاستفادة من آليات التمويل الأوروبية المخصصة للمشاريع الاستراتيجية.

    أما على المستوى الاستراتيجي، فإن تعدد منافذ الربط مع أوروبا يعزز موقع المملكة داخل المنظومة الطاقية الإقليمية، ويكرس حضورها كشريك في أمن الطاقة الأوروبي، ويمنحها أفضلية في استقطاب الاستثمارات الصناعية التي تبحث عن بنية كهربائية مستقرة ومتصلة بعدة أسواق، بما يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني على المدى المتوسط والبعيد.

    وبخصوص المكاسب التي يمكن أن يجنيها المغرب، أوضح الخبير الطاقي محمد بوحاميدي في حديثه لجريدة “AM+ MEDIA” أن هذه المشاريع ستنعكس إيجابا على جاذبية المملكة للاستثمارات، سواء في مجال البنية التحتية الكهربائية أو الأنشطة الصناعية المرتبطة بالطاقة، كما ستعزز موقعها داخل الفضاء الأورو-متوسطي.

    وأضاف أن تعدد منافذ الربط الكهربائي مع أوروبا يمنح المغرب قيمة استراتيجية أكبر، ويؤهله مستقبلا للاضطلاع بدور منصة إقليمية لتبادل الكهرباء بين إفريقيا وأوروبا، وهو ما ينسجم مع التحولات التي يشهدها سوق الطاقة على المستوى الدولي.

    المغرب.. من بلد عبور إلى شريك في أمن الطاقة

    وتكشف المشاريع التي يطورها المغرب مع شركائه الأوروبيين أن التحولات الجارية في قطاع الطاقة لم تعد تقاس فقط بحجم إنتاج الكهرباء أو تنوع مصادرها، بل أيضا بقدرة الدول على الاندماج في شبكات إقليمية أكثر ترابطا ومرونة.

    وأظهرت أزمة انقطاع الكهرباء في شبه الجزيرة الإيبيرية سنة 2025 أن أمن الطاقة أصبح يرتبط بامتلاك مسارات متعددة لنقل الكهرباء، وبالقدرة على استعادة الإمدادات بسرعة عند حدوث الأزمات، لذلك، لا يراهن المغرب على توسيع شبكة الربط الكهربائي مع أوروبا فحسب، بل يعمل على ترسيخ موقعه كشريك في أمن الطاقة الإقليمي، مستفيدا من موقعه الجغرافي، واستثماراته في البنية التحتية الكهربائية، وخبرة تمتد لقرابة ثلاثة عقود في الربط مع الشبكة الأوروبية.