الكاتب: حمزة حشيشة

  • القانون الجديد للتدريب من أجل الإدماج.. تحفيزات وفرص أوسع للباحثين عن الشغل

    القانون الجديد للتدريب من أجل الإدماج.. تحفيزات وفرص أوسع للباحثين عن الشغل

    ظل التدريب من أجل الإدماج، على مدى سنوات، واحدا من المداخل التي تتيح للباحثين عن الشغل اكتساب تجربة أولى داخل المقاولات، وتساعدهم على الانتقال من مرحلة البحث عن فرصة إلى الاحتكاك المباشر بسوق الشغل، مقابل استفادة المنشآت من تحفيزات مرتبطة باستقبال المتدربين وتكوينهم، ضمن إطار قانوني تعود قواعده الأساسية إلى سنة 1993.

    لكن الآلية التي ارتبطت في الأصل بحاملي بعض الشهادات، وسمحت لاحقا بفترة تدريب تصل إلى 24 شهرا، تدخل اليوم مرحلة جديدة، بعدما وسع القانون الجديد دائرة المستفيدين لتشمل الحاصلين وغير الحاصلين على شهادات، وقلص المدة القصوى للتدريب إلى 12 شهرا غير قابلة للتجديد، كما أقر سقفا لعدد المتدربين داخل المنشآت، إلى جانب مقتضيات تؤطر طبيعة المهام والحماية من المخاطر المهنية.

    ويتعلق الأمر بالقانون رقم 51.25، المنفذ بالظهير الشريف رقم 1.26.54 الصادر في 28 يوليوز 2026، والذي غير وتمم الظهير الشريف رقم 1.93.16 الصادر في 23 مارس 1993، المتعلق بتحديد تدابير لتشجيع المنشآت التي تقوم بالتدريب قصد التكوين من أجل الإدماج.

    ولا يقدم القانون، الذي نشر في الجريدة الرسمية عدد 7533، تعديلا معزولا لمقتضى واحد، بل يعيد ترتيب عدد من مراحل هذه الآلية، بدءا بمن يمكنه الاستفادة منها، مرورا بالمدة والمنحة والمهام والحماية، وصولا إلى عدد المتدربين الذين يمكن أن تستقبلهم المنشأة، بهدف توسيع باب الولوج إلى التكوين من أجل الإدماج لفئات أكبر من الباحثين عن الشغل، وتأطير أكبر للفترة التي يقضيها المستفيد داخله ولطريقة استعمال عقود التدريب من طرف المنشآت.

    من نظام لحاملي الشهادات إلى قاعدة أوسع

    وضع الإطار القانوني للتدريب من أجل الإدماج سنة 1993، وكان عنوان الظهير نفسه يحيل على المنشآت التي تقوم بتدريب “الحاصلين على بعض الشهادات”، بما يعكس طبيعة الفئات التي استهدفتها الآلية عند إحداثها.

    وخلال السنوات اللاحقة، خضع النظام لمجموعة من التعديلات التي مست مدة التدريب والامتيازات المرتبطة به، ومن أبرزها القانون رقم 39.06 لسنة 2006، الذي رفع مدة التدريب من 18 إلى 24 شهرا، كما رفع السقف المرتبط بالتعويض الشهري للتدريب من 4500 إلى 6000 درهم.

    أما التحول نحو توسيع قاعدة المستفيدين، فقد بدأ مع قانون المالية لسنة 2025، الذي فتح المجال أمام غير الحاصلين على شهادات للاستفادة من التدريب من أجل الإدماج ابتداء من فاتح يناير من السنة نفسها.

    ويأتي القانون 51.25 ليكرس هذا التوجه داخل الإطار القانوني المنظم للآلية، فقد شمل التغيير حتى في عنوان ظهير 1993، بعدما حذفت منه عبارة “الحاصلين على بعض الشهادات”، قبل أن تنص المادة الثانية، بصيغتها الجديدة، صراحة على اختيار المتدربين من بين الأشخاص الحاصلين على شهادات أو غير الحاصلين عليها، شريطة التسجيل لدى الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات “أنابيك”.

    ويغير هذا المقتضى قاعدة الولوج إلى البرنامج، لأن عدم الحصول على شهادة لم يعد، في حد ذاته، سببا للبقاء خارجه، ليصبح التدريب من أجل الإدماج متاحا، من حيث المبدأ، لفئات أوسع من المسجلين لدى الوكالة، بمن فيهم أشخاص لا ترتبط مؤهلاتهم المهنية بالضرورة بشهادة دراسية.

    غير أن توسيع دائرة المستفيدين لا يمنع توجيه الآلية، عند الحاجة، نحو فئات محددة، إذ يسمح القانون، خلال مدة معينة وبعد استطلاع رأي اللجنة الوطنية المشتركة بين الوزارات، بقصر التدريب على الأشخاص الذين تعترض إدماجهم في الحياة النشيطة صعوبات، ما يتيح الانتقال من معيار الشهادة وحده إلى منطق يأخذ بعين الاعتبار أيضا صعوبة الولوج إلى سوق الشغل.

    تقليص مدة التدريب لتسريع عقود الشغل

    في مقابل توسيع دائرة المستفيدين، يعيد القانون تحديد الزمن الذي يمكن أن يقضيه الشخص في وضعية متدرب، إذ أصبحت مدة التدريب محددة في 12 شهرا غير قابلة للتجديد، بعدما كانت تصل، في النظام السابق، إلى 24 شهرا.

    ولا يسمح الانتقال إلى منشأة أخرى، في الحالات التي يجيز فيها القانون ذلك، ببدء احتساب مدة جديدة، إذ يمكن للمتدرب استكمال الفترة المتبقية فقط، دون أن يتجاوز مجموع فترات التدريب سقف السنة الواحدة.

    ويجعل هذا المقتضى مدة التدريب مرتبطة بمسار المستفيد نفسه، وليس بعدد العقود أو المنشآت التي يمكن أن يمر منها، بما يمنع تمديد وجوده في وضعية التدريب عبر الانتقال من عقد إلى آخر، ويقلص إلى النصف الفترة القصوى التي يمكن أن يقضيها داخل هذه الآلية.

    ولا يتعلق التغيير فقط بتقليص المدة من 24 إلى 12 شهرا، بل بإعادة تحديد الزمن المخصص للبرنامج نفسه، فالتدريب يفترض أن يكون مرحلة لاكتساب الكفاءات والتجربة تمهد للانتقال إلى سوق الشغل، وليس وضعية يمكن أن تستمر لفترة طويلة دون حسم المرحلة التي تليها.

    تحفيزات للتدريب وربط التكوين بالإدماج

    يمنح القانون الجديد مجموعة من التحفيزات لفائدة المقاولات الصناعية والتجارية والحرفية والعقارية والخدماتية، فضلا عن الاستغلالات الفلاحية والغابوية، إلى جانب الجمعيات والتعاونيات التي تنظم تداريب بهدف التكوين والإدماج، ولا سيما لفائدة غير الحاصلين على شهادات، وذلك ابتداء من يناير 2025.

    وتشمل هذه التحفيزات الإعفاء من المستحقات الاجتماعية ورسم التكوين المهني خلال فترة التدريب، في حدود منحة شهرية لا تتجاوز 6 آلاف درهم، مع تحمل الدولة للاشتراكات المستحقة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي برسم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض.

    وتتحمل الدولة أيضا حصة المشغل من الاشتراكات لدى الصندوق لمدة 12 شهرا في حال تشغيل المتدرب بشكل نهائي خلال فترة التدريب أو عند انتهائها.

    ويمتد الدعم إلى الجانب الجبائي، من خلال إعفاء منحة التدريب، في حدود 6 آلاف درهم شهريا، من الضريبة على الدخل، فضلا عن منح إعفاء من الضريبة على الدخل لمدة 24 شهرا عند إبرام عقد شغل غير محدد المدة مع المتدرب، شريطة ألا يتجاوز راتبه الشهري الإجمالي 10 آلاف درهم.

    وتسعى وزارة الإدماج الاقتصادي من خلال هذه التحفيزات إلى جعل التدريب مدخلا مباشرا إلى التشغيل، عبر تخفيف كلفة التكوين على المقاولات وتشجيعها على تحويل فرص التدريب إلى عقود شغل مستقرة، بما يعكس انتقالا من معالجة ظرفية للبطالة إلى الاستثمار في قابلية التشغيل والإدماج المستدام في سوق الشغل.

    ضوابط جديدة لعدد المتدربين

    إذا كان القانون قد وسع قاعدة الأشخاص الذين يمكنهم الاستفادة، فإنه وضع، في المقابل، قيدا على عدد المتدربين الذين يمكن للمنشأة استقبالهم، وهو من أبرز المقتضيات الجديدة بالنظر إلى علاقته بطريقة استعمال هذه العقود داخل المقاولات.

    وتنص المادة الثانية الجديدة على ألا يتجاوز عدد المستفيدين من التدريب قصد التكوين من أجل الإدماج نسبة معينة من إجمالي عدد أجراء المنشأة، ليصبح عدد المتدربين مرتبطا بحجم التشغيل الفعلي داخل كل مقاولة، بدل أن يظل منفصلا عن عدد العاملين لديها.

    ويعني ذلك، من الناحية العملية، أن المنشأة محدودة العدد من الأجراء لن يكون بإمكانها استقبال عدد من المتدربين بمعزل عن حجمها، كما أن المنشآت الأكبر ستخضع بدورها للنسبة المحددة بحسب عدد أجرائها.

    غير أن القانون لم يحدد هذه النسبة مباشرة، وأحالها إلى نص تنظيمي، ما يعني أن المشرع حسم مبدأ وجود سقف دون أن يحسم مستواه داخل القانون نفسه، وستكون النسبة التي يقرها القانون التنظيمي حاسمة في تحديد الأثر العملي لهذا المقتضى، لأنها ستحدد فعليا حجم الاعتماد الممكن على عقود التدريب مقارنة بعدد الأجراء.

    جودة التكوين ومستقبل المتدرب

    لا يكتفي القانون بتحديد المستفيد والمدة والعدد، بل يتدخل أيضا في طبيعة الأعمال التي يمكن إسنادها إلى المتدرب، إذ تنص المادة الثالثة على عدم تكليفه إلا بأعمال من شأنها أن تتيح تكوينه من أجل الإدماج، مع الحفاظ على سلامته وصحته طبقا للتشريع الجاري به العمل.

    ويربط هذا المقتضى المهام التي يؤديها المستفيد بالغاية التي أبرم من أجلها العقد، لأن وجود المتدرب داخل المنشأة لا يفترض أن يتحول إلى مجرد وسيلة لأداء مهام مرتبطة بحاجياتها اليومية، وإنما ينبغي أن تمكنه الأعمال المسندة إليه من اكتساب تجربة وكفاءات تساعده على الانتقال لاحقا إلى الحياة المهنية.

    ويظهر هذا التوجه أيضا عند انتهاء التدريب، إذ يتعين أن تتضمن الوثيقة المسلمة للمستفيد، بوجه خاص، مدة التدريب ونوع المهام التي قام بتنفيذها والكفاءات التي اكتسبها.

    ويمنح هذا المقتضى فترة التدريب مضمونا يمكن تتبعه، لأن الهدف لا يقتصر على إدخال الباحث عن الشغل إلى المقاولة لمدة محددة، بل يمتد إلى ربط هذه المدة بكفاءات وتجربة يمكن أن تساعده في خطوته المهنية التالية.

    الحماية من حوادث الشغل والأمراض المهنية

    إلى جانب تأطير طبيعة المهام، يضع القانون حماية المستفيد من المخاطر المهنية ضمن القواعد التي تحكم فترة التدريب، إذ تنص المادة الثالثة على استفادة المتدربين، طوال هذه المدة، من الحماية ضد حوادث الشغل والأمراض المهنية، طبقا للتشريع الجاري به العمل.

    ويكتسب هذا المقتضى أهميته من الوضعية الخاصة للمتدرب، الذي يوجد فعليا داخل فضاء العمل ويمارس مهاما مرتبطة بتكوينه، ويمكن بالتالي أن يتعرض لمخاطر مرتبطة بالعمل داخل المنشأة.

    ويمتد التأطير إلى مراقبة تطبيق المقتضيات وتتبع العقود، إذ يتولى الأعوان المؤهلون من طرف السلطة الحكومية المكلفة بالتشغيل مهمة المراقبة، فيما تبلغ المعطيات المتعلقة بعقود التدريب إلى المصالح المركزية للقطاع، التي تتولى إحالتها إلى المصالح المختصة بالمالية والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات.

    العقود القديمة والجديدة.. من يخضع للقواعد الجديدة؟

    لا يعني نشر القانون 51.25 انتقال جميع عقود التدريب القائمة مباشرة إلى النظام الجديد، إذ ميز المشرع بين وضعيات مختلفة بحسب تاريخ إبرام العقد وصفة المستفيد.

    وتسري أحكام القانون الجديد، من حيث الأصل، على عقود التدريب التي تبرم ابتداء من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، كما تمتد إلى عقود تدريب غير الحاصلين على شهادات التي أبرمت خلال الفترة الممتدة من فاتح يناير 2025 إلى تاريخ نشر القانون، استنادا إلى المقتضيات التي فتحت أمام هذه الفئة باب الاستفادة.

    أما عقود تدريب الحاصلين على الشهادات المبرمة قبل نشر القانون، فتبقى خاضعة لأحكام ظهير 1993 بصيغته السابقة على تعديل 2026.

    ويجنب هذا الترتيب تغيير الشروط القانونية للعقود القديمة أثناء سريانها بالنسبة لحاملي الشهادات، فيما يدمج عقود غير الحاصلين على شهادات المبرمة منذ بداية 2025 ضمن الإطار الجديد الذي كرس استفادتهم من هذه الآلية.

    هل تجعل القواعد الجديدة التدريب أقرب إلى الإدماج؟

    يوسع القانون 51.25 باب الاستفادة من التدريب ليشمل فئات أكبر من الباحثين عن الشغل، لكنه في المقابل يقلص زمن الاستفادة، ويضع سقفا لعدد المتدربين، ويؤطر طبيعة المهام والحماية التي ترافق وجودهم داخل المنشآت.

    ولا تجعل هذه المقتضيات التشغيل النهائي نتيجة تلقائية، لكنها تعيد رسم المرحلة التي تسبقه، فالمستفيد لن يقضي أكثر من سنة في التدريب، والمنشأة لن يكون بإمكانها استقبال عدد من المتدربين بمعزل عن حجم أجرائها، فيما يفترض أن ترتبط المهام المسندة إليهم بالتكوين الذي يساعد على الإدماج.

    ويصبح السؤال، في هذه الحالة، أقل ارتباطا بعدد عقود التدريب التي سيتم توقيعها، وأكثر ارتباطا بمآل المستفيدين بعد نهاية السنة. فإذا كان الهدف من الآلية هو التكوين من أجل الإدماج، فإن انتقال المستفيدين فعليا إلى سوق الشغل سيظل من أهم المؤشرات التي يمكن من خلالها قياس أثر التغيير.

  • الاستقرار يرفع ثقة المغاربة في الدولة والأمن والاقتصاد يضغط على الأسر

    الاستقرار يرفع ثقة المغاربة في الدولة والأمن والاقتصاد يضغط على الأسر

    برز المغرب ضمن الدول الأكثر تسجيلا لمستويات الثقة في المؤسسات الأمنية، في استطلاع إقليمي حديث يكشف في الوقت نفسه عن موقع متقدم للمملكة في تقييم مسار البلاد والنظرة إلى الاقتصاد والتفاؤل بالمستقبل، مقارنة بعدد من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

    ووفق تقرير مؤسسة “كونراد أديناور” الألمانية، عبر 95 في المئة من المغاربة عن ثقتهم في الأجهزة الأمنية، فيما سجلت مؤسسات أخرى بدورها مستويات مرتفعة من الثقة.

    ولا يقف الحضور المغربي في مقدمة المؤشرات عند الجانب المؤسساتي، إذ يرى 81 في المئة أن أوضاع البلاد أصبحت أفضل مقارنة بما كانت عليه قبل 2011، ويقيم 60 في المئة الوضع الاقتصادي إيجابيا، بينما يتوقع 83 في المئة تحسنه خلال السنوات المقبلة.

    وتكشف مقارنة المغرب مع نتائج مصر والأردن وتونس ولبنان وسوريا والأراضي الفلسطينية، عن تفاوت واضح في نظرة شعوب المنطقة إلى دولها واقتصاداتها ومستقبلها، في سياق إقليمي طبعته خلال السنوات الأخيرة الحروب والأزمات الاقتصادية والتحولات السياسية.

    ويربط التقرير الحالة المغربية بمسار من الاستقرار والإصلاح التدريجي والنمو الاقتصادي وتزايد الاستثمار الأجنبي في مقابل تحديات مرتبطة بتقييم الاقتصاد الوطني وقدرة دخل الأسر على تغطية المصاريف.

    الأمن في المقدمة.. 95% يثقون في المؤسسات الأمنية

    تظهر الثقة في المؤسسات الأمنية كأحد أبرز المؤشرات المسجلة في المغرب، إذ عبر 95 في المئة من المستجوبين عن ثقتهم في مؤسسة الأمن، لتأتي المملكة ضمن الدول التي تسجل مستويات مرتفعة في هذا الجانب.

    وتبلغ النسبة 99 في المئة في الأردن و94 في المئة في مصر و92 في المئة في سوريا، بينما تنخفض إلى 86 في المئة في لبنان و76 في المئة في الأراضي الفلسطينية.

    وتسجل مؤسسات أخرى في المغرب مستويات مرتفعة، إذ تصل الثقة في الجيش إلى 89 في المئة، وفي القضاء إلى 84 في المئة، بينما تبلغ 95 في المئة بالنسبة للمؤسسات الدينية المحلية.

    ولا يفصل التقرير هذه النتائج عن السياق الذي أُنجز فيه الاستطلاع، إذ جاءت المقابلات في ظرف إقليمي أعادت فيه الحروب والتوترات الأمنية قضايا الاستقرار إلى مقدمة الاهتمامات، ما يدعو أيضا إلى قراءة مستويات الثقة المرتفعة في ضوء الظرف الذي كانت تعيشه المنطقة.

    المغاربة الأكثر إيجابية تجاه مسار بلادهم

    يتجاوز موقع المغرب الثقة في المؤسسات الأمنية عندما ينتقل الاستطلاع إلى تقييم الوضع العام للبلاد، إذ يعتبر 81 في المئة من المغاربة أن الأوضاع أصبحت أفضل مقارنة بما كانت عليه قبل سنة 2011، وهي أعلى نسبة بين المجتمعات السبعة المشمولة في تقرير “كونراد أديناور”، مقابل 68 في المئة في مصر و64 في المئة في سوريا، فيما تتراجع إلى 34 في المئة في تونس و30 في المئة في الأردن، ثم إلى مستويات أدنى في لبنان والأراضي الفلسطينية.

    ويمنح اختلاف المسارات خلال خمسة عشر عاما معنى لهذه الفوارق، فبينما دخلت بعض دول المنطقة في حروب أو واجهت أزمات سياسية ومالية ممتدة، يربط التقرير النتيجة المغربية بالإصلاحات السياسية التدريجية والنمو الاقتصادي وتزايد الاستثمار الأجنبي، باعتبارها عوامل ساهمت في تشكيل إحساس بالتقدم لدى المستجوبين.

    تراجع الثقة في الأحزاب

    تظهر الصورة أكثر تركيبا عند الانتقال من مؤسسات الدولة إلى مؤسسات التمثيل السياسي؛ فالثقة في الحكومة تصل إلى 81 في المئة في المغرب، مقابل 76 في المئة سنة 2020، بينما تبلغ 66 في المئة بالنسبة للبرلمان، لكن النسبة تنخفض إلى 56 في المئة عند الأحزاب السياسية.

    ورغم أن المغرب يسجل بذلك واحدة من أعلى نسب الثقة في الأحزاب ضمن العينة، فإن الفارق بينها وبين الحكومة أو المؤسسات الأمنية يظل قائما، وهي فجوة يعتبرها التقرير من الملامح السياسية البارزة على المستوى الإقليمي، حيث لا تنتقل الثقة في الدولة بالدرجة نفسها إلى قنوات الوساطة والتمثيل الحزبي.

    الاقتصاد المغربي ثانيا

    يقدم الاقتصاد مؤشرا آخر على اختلاف الحالة المغربية، إذ يأتي المغرب ثانيا ضمن البلدان المشمولة من حيث التقييم الإيجابي للوضع الاقتصادي.

    فقد وصف 60 في المئة من المغاربة الاقتصاد بالجيد أو الجيد جدا، مقابل 70 في المئة في مصر، فيما تنخفض النسبة إلى 32 في المئة في الأردن و24 في المئة في سوريا و16 في المئة في تونس، قبل أن تتراجع أكثر في الأراضي الفلسطينية ولبنان.

    ومقارنة مع سنة 2020، كان 39 في المئة من المغاربة يقيمون الاقتصاد إيجابيا، قبل أن ترتفع النسبة إلى 60 في المئة سنة 2026، أي بزيادة 21 نقطة مئوية.

    ويستحضر التقرير، ضمن تفسيره للحالة المغربية، تطور الاستثمار الأجنبي، بما في ذلك الاستثمارات الصينية في صناعات السيارات والبطاريات، في وقت توسعت فيه خلال السنوات الأخيرة مشاريع صناعية واستثمارية في عدد من القطاعات.

    من تقييم الحاضر إلى انتظار الأفضل

    لا يتوقف التفاؤل عند تقييم الوضع الاقتصادي الحالي، بل يصبح أكثر وضوحا عندما يسأل الاستطلاع عن السنوات المقبلة، فقد توقع 83 في المئة من المغاربة أن يتحسن الاقتصاد خلال السنوات القليلة المقبلة، وهي ثاني أعلى نسبة مسجلة بعد سوريا بنحو 90 في المئة، ومتقدمة على مصر والأردن وتونس ولبنان والأراضي الفلسطينية.

    هذا التفاؤل، بالنسبة للمغرب، يرفع سقف الانتظارات من السياسات الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في الملفات الأكثر ارتباطا بالحياة اليومية، من التشغيل إلى الدخل والقدرة الشرائية.

    أبو الذهب: الاستقرار والإصلاحات يفسران جزءا من النتائج

    وفي قراءته لنتائج الاستطلاع، يرى محمد زكرياء أبو الذهب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن المؤشرات التي سجلها المغرب لا يمكن فصلها عن المسار الذي راكمته المملكة خلال السنوات الماضية، خاصة على مستوى الاستقرار المؤسساتي واستمرارية الإصلاحات، إلى جانب التحولات الاقتصادية وتوسع الاستثمارات في عدد من القطاعات.

    وأوضح أبو الذهب في تصريح لـ”AM+ MEDIA” أن مقارنة المغرب بعدد من دول المنطقة التي عاشت حروبا أو أزمات سياسية واقتصادية متتالية، تظهر أهمية الاستقرار واستمرارية المؤسسات والسياسات العمومية في تشكيل نظرة المواطنين إلى مسار بلادهم، وهو ما يمكن أن يفسر جزءا من ارتفاع منسوب الثقة والتفاؤل الذي رصده الاستطلاع.

    وأضاف أن هذه النتائج لا تعني بالضرورة رضا مطلقا عن مختلف الأوضاع، بقدر ما تعكس ثقة في الاتجاه العام وانتظارا لتحقيق تقدم أكبر خلال السنوات المقبلة، لافتا إلى المفارقة بين تحسن تقييم الاقتصاد الوطني وتراجع نسبة الأسر التي تقول إن دخلها يغطي مصاريفها.

    واعتبر أبو الذهب أن التحدي خلال المرحلة المقبلة يتمثل في تحويل هذا الرصيد من الثقة والتفاؤل إلى نتائج أكثر وضوحا على مستوى التشغيل والدخل والقدرة الشرائية، بما يجعل أثر التحولات الاقتصادية أكثر حضورا في الحياة اليومية للمواطنين.

    شراكات بمنطق المصالح

    يمتد الاستطلاع إلى نظرة المغاربة للقوى الدولية والإقليمية، حيث تكشف النتائج عن انفتاح على شركاء ينتمون إلى مواقع وتحالفات مختلفة.

    وعبر 64 في المئة من المغاربة عن نظرة إيجابية تجاه الولايات المتحدة، بارتفاع قدره 15 نقطة مئوية مقارنة بسنة 2020، وهو تحول يربطه التقرير بالموقف الأمريكي الداعم للسيادة المغربية على الصحراء.

    كما تحظى الإمارات بنظرة إيجابية لدى 79 في المئة من المغاربة، بزيادة 16 نقطة مقارنة بسنة 2020، فيما تبلغ النظرة الإيجابية إلى روسيا 61 في المئة.

    من الاقتصاد إلى جيب الأسرة.. هنا تظهر حدود التفاؤل

    لكن المؤشر الذي يعيد ترتيب الصورة يظهر عندما ينتقل الاستطلاع من تقييم اقتصاد البلاد إلى الوضع المالي للأسرة، إذ في الوقت الذي ارتفعت فيه نسبة المغاربة الذين يقيمون الاقتصاد إيجابيا من 39 في المئة سنة 2020 إلى 60 في المئة سنة 2026، قال 44 في المئة فقط إن دخل أسرهم يغطي مصاريفهم، بعدما كانت النسبة تقارب 65 في المئة قبل ست سنوات.

    والمفارقة أن التغيرين حدثا بالحجم نفسه وفي اتجاهين متعاكسين، أي 21 نقطة إضافية في التقييم الإيجابي للاقتصاد، مقابل تراجع بـ21 نقطة في قدرة دخل الأسر على تغطية المصاريف.

    ومع ذلك، تظل نسبة 44 في المئة المسجلة في المغرب الأعلى بين البلدان المشمولة، وهو ما يجعل المقارنة مزدوجة بين تقدم على بقية العينة، وتراجع مقارنة بوالضع المسجل سنة 2020.

    ويتوقف التقرير نفسه عند هذه المفارقة، معتبرا أن تحسن نظرة المواطنين إلى الاقتصاد الوطني لا يعني بالضرورة تحسنا موازيا في أمنهم الاقتصادي الشخصي.

  • بين السكن والاستثمار.. “وزارة المنصوري” تراهن على تعزيز ثقة مغاربة العالم

    بين السكن والاستثمار.. “وزارة المنصوري” تراهن على تعزيز ثقة مغاربة العالم

    تشكل عودة مغاربة العالم إلى المملكة خلال فصل الصيف محطة سنوية تتكثف خلالها حاجياتهم المرتبطة بالخدمات والإدارة، خصوصا في ما يتصل بالملفات التي تتطلب معرفة دقيقة بالمساطر أو تعاملا مع أكثر من مؤسسة.

    وبينما تختصر فترة الإقامة في المغرب بالنسبة إلى عدد كبير منهم في أسابيع محدودة، تظل بعض المشاريع والقرارات التي يشتغلون عليها ممتدة طوال السنة، من اقتناء السكن والعقار إلى البناء وإطلاق مشاريع استثمارية.

    ويكتسي قطاع التعمير والإسكان أهمية خاصة ضمن هذه العلاقة، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بجزء مهم من مشاريع مغاربة العالم داخل المملكة، لأن الحصول على المعلومة التعميرية، ومعرفة وضعية العقار، وتحديد المساطر والوثائق المطلوبة، ثم مواكبة إجراءات الاقتناء أو البناء والاستثمار، كلها مراحل قد تتحول فيها المسافة بين بلد الإقامة والإدارة المغربية إلى عائق عملي، خصوصا عندما تكون الحاجة إلى الحضور مرتبطة بآجال محدودة.

    وفي هذا السياق، أطلقت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة قافلة “التعمير والإسكان في خدمة مغاربة العالم”، واضعة قطاعها ومؤسساته في واجهة مواكبة أفراد الجالية خلال فترة وجودهم بالمغرب، مع توسيع نطاق الخدمات والمعلومات المتاحة لهم.

    الجالية في قلب التعبئة

    لا تنفصل التعبئة التي تقودها وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة عن التحول الأوسع الذي تعرفه السياسة العمومية الموجهة لمغاربة العالم.

    فقد دعا صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في خطاب الذكرى التاسعة والأربعين للمسيرة الخضراء، إلى إحداث تحول جديد في مجال تدبير شؤون الجالية المغربية بالخارج، يقوم على إعادة هيكلة المؤسسات المعنية بها والتجاوب مع حاجياتها الجديدة.

    ووضع جلالة الملك تبسيط ورقمنة المساطر الإدارية والقضائية التي تهم المغاربة المقيمين بالخارج ضمن أبرز التحديات المطروحة، إلى جانب مواكبة أصحاب المبادرات والمشاريع وفتح آفاق جديدة أمام استثمارات أبناء الجالية داخل وطنهم.

    وتكتسب مبادرة الوزارة أهميتها من هذا السياق، باعتبارها تنقل جزءا من هذه التوجيهات إلى قطاع يرتبط مباشرة بمصالح شريحة واسعة من مغاربة العالم، عبر تقريب خدمات السكن والتعمير وتسهيل الولوج إلى البرامج والمعلومة.

    تقوم القافلة على تعبئة مختلف مكونات وزارة إعداد التراب الوطني، خاصة المصالح اللاممركزة والوكالات الحضرية، إلى جانب المؤسسات التابعة للقطاع، بهدف توفير مواكبة أقرب، سواء تعلق الأمر بالحصول على المعلومات المرتبطة بالتعمير أو السكن، أو الاستفسار عن المساطر والوثائق، أو تتبع الملفات والمشاريع.

    وتكتسي هذه المواكبة أهمية بالنسبة للمغاربة المقيمين بالخارج بالنظر إلى خصوصية وضعهم، إذ غالبا ما ترتبط معاملاتهم داخل المملكة بفترة زمنية محدودة، ما يجعل سرعة الوصول إلى المعلومة وتحديد الإدارة المعنية ومعرفة وضعية الملف عناصر أساسية في علاقتهم بالخدمة العمومية.

    ومن هنا، تراهن المبادرة على جعل فترة العودة الصيفية مناسبة لتقريب الإدارة من الجالية، مع العمل بالتوازي على الخدمات الرقمية التي تسمح باستمرار هذه العلاقة بعد عودة أفرادها إلى بلدان الإقامة.

    من الاستقبال إلى المواكبة

    وتتجاوز العملية مفهوم الاستقبال الإداري التقليدي، لتشمل التعريف بمختلف الخدمات التي يقدمها قطاع التعمير والإسكان، وتوجيه أفراد الجالية بحسب طبيعة طلباتهم.

    ففي مجال التعمير، يتعلق الأمر أساسا بتوفير المعلومات المرتبطة بوثائق التعمير والمساطر المتعلقة بالبناء والمشاريع العقارية، إلى جانب توجيه أصحاب المشاريع نحو المصالح المختصة.

    أما في مجال السكن، فتشمل المواكبة التعريف بالبرامج العمومية المتاحة، وفي مقدمتها برنامج الدعم المباشر للسكن، إلى جانب الخدمات والمنتجات التي توفرها المؤسسات التابعة للقطاع.

    وتتيح هذه المقاربة لأفراد الجالية الحصول على صورة أوضح حول المساطر قبل الانخراط في مشروع لاقتناء مسكن أو بناء عقار أو الاستثمار، بدل توزيع البحث عن المعلومة بين عدد من الإدارات والمتدخلين.

    من السكن إلى الاستثمار

    ويأتي القافلة في وقت يتوسع فيه النقاش حول الدور الاقتصادي لمغاربة العالم، فقد أعاد منتدى طنجة حول التحويلات وقطاع الصرف طرح مسألة الانتقال من النظر إلى الجالية أساسا من زاوية الأموال التي تحولها سنويا إلى تعزيز حضورها في الاستثمار والمشاريع المنتجة.

    وتجاوزت تحويلات مغاربة العالم 122 مليار درهم خلال سنة 2025، وفق معطيات رسمية، فيما سبق لجلالة الملك أن سجل أن مساهمة أبناء الجالية في حجم الاستثمارات الوطنية الخاصة لا تزال في حدود 10 في المئة، داعيا إلى فتح آفاق جديدة أمام استثماراتهم.

    وفي أحدث الأرقام، كشف مكتب الصرف أن تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج بلغت 61.48 مليار درهم خلال النصف الأول من 2026، بزيادة 9.9 في المئة، بينما بلغت ودائعهم لدى البنوك 221.9 مليار درهم في نهاية 2025، وفق بنك المغرب، بارتفاع 7.1 في المئة.

    ووفق رأي للمجلس الاقتصادي حول “تمتين الرباط الجيلي لمغاربة العالم”، الذي أنجز سنة 2022، فإن تمثلات مغاربة العالم بشأن الإكراهات التي تحول دون مساهمتهم في تنمية البلاد تتجلة في الفساد والمحسوبية (78.32 في المائة)، والطابع المعقد والبطيء للخدمات الإدارية (76.98 في المئة)، ثم جاء عدم وضوح الرؤية بشأن فرص الاستثمار في المرتبة الثالثة بنسبة 53.55 في المئة من الإجابات، تليه محدودية الوصول إلى المعلومات (50.42 في المئة).

    فرص مهدورة

    ورغم الثقل المالي المتزايد لمغاربة العالم، لا تتيح المعطيات الرسمية المنشورة حتى غشت 2026 رقما سنويا محيّنا يحدد القيمة الإجمالية لاستثمارات المغاربة المقيمين بالخارج داخل المملكة.

    ويظل أحدث مرجع رسمي تفصيلي في هذا المجال دراسة أصدرتها المندوبية السامية للتخطيط في دجنبر 2022، بالاستناد إلى المسح الوطني للهجرة الدولية 2018-2019، الذي شمل 15.076 أسرة، وأظهرت أن 2.9 بالمئة فقط من المهاجرين المغاربة المقيمين بالخارج صرحوا بإنجاز مشاريع استثمارية في المغرب، بنسبة بلغت 3.4 في المئة لدى الرجال و1.8 في المئة لدى النساء، فيما ارتفعت النسبة إلى 14 في المئة لدى المهاجرين العائدين إلى المغرب، موزعة بين 16.7 بالمئة للرجال و7.1 في المئة للنساء.

    وتكشف تركيبة هذه الاستثمارات عن استمرار هيمنة الأنشطة العقارية، إذ استحوذ العقار بمعناه الضيق على 40.7 في المئة من مشاريع أفراد الجالية الذين صرحوا بالاستثمار، مقابل 19 في المئة للفلاحة و16.6 في المئة للبناء و6 في المئة للخدمات و5.5 في المئة للتجارة و4.5 في المئة للمطاعم والمقاهي و3.6 في المئة للصناعة.

    وباحتساب البناء واقتناء الأراضي غير الفلاحية، تصل حصة العقار بمعناه الواسع إلى 60.4 في المئة من مجموع المشاريع، وهو ما يعكس استمرار توجيه جزء كبير من استثمارات الجالية نحو حفظ القيمة وامتلاك السكن أو الأرض، بدل توجيهها إلى أنشطة إنتاجية أكثر تنوعا وقدرة على خلق فرص الشغل.

    وتؤكد معطيات المسح محدودية تحول تحويلات الجالية إلى استثمار منتج؛ فقد كان تمويل الاستثمار هو الاستخدام الرئيسي المصرح به للأموال المحولة إلى الأسر في 1.3 في المئة فقط من الحالات، مقابل 3.3 في المئة للادخار و87.1 في المئة للنفقات العادية، خصوصا الغذاء والملابس والصحة والتعليم والسكن.

    أما أسباب عدم الاستثمار، فتصدّرها نقص رأس المال بنسبة 38.9 في المئة، ثم تعقيد المساطر الإدارية بنسبة 14 في المئة، وضعف الدعم المالي والتحفيزات الجبائية بنسبة 8.6 في المئة، والفساد أو المحسوبية بنسبة 7.5 في المئة، وضعف الخبرة والتكوين بنسبة 5.5 في المئة. وبجمع تعقيد الإجراءات والفساد، يتبين أن العوائق المرتبطة بالمناخ الإداري والمؤسساتي تمثل 21.5 في المئة من أسباب العزوف المصرح بها.

    حصة الأسد للعقار

    يشكل العقار أحد المداخل التي يظهر فيها ارتباط مغاربة العالم بالاقتصاد الوطني بوضوح، إذ يستقطب 70 في المئة من استثمارات الجالية، كما أن نسبة 24 في المئة من المستفيدين من برنامج الدعم المباشر للسكن من مغاربة العالم.

    وسنة 2023، كشفت وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فاطمة الزهراء المنصوري، خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس المستشارين، أن 70 في المئة من استثمارات أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج مرتبطة بقطاع العقار.

    وأوضحت المنصوري أن وزارتها اتخذت إجراءات لتسهيل ولوج مغاربة العالم إلى الإدارة ومواكبتهم في عمليات اقتناء السكن أو العقار المخصص للاستثمار، إذ نُظمت خلال صيف 2022 أول حملة لمواكبة الجالية، امتدت من أواخر يوليوز إلى 10 غشت، وشملت إحداث فضاءات للاستقبال في المطارات والموانئ وباحات الاستراحة، بهدف توفير الخدمات والمعلومات التي تقدمها الوكالات الحضرية وتقريبها من أفراد الجالية خلال مقامهم الصيفي بالمغرب.

    وشكلت الرقمنة محورا أساسيا في هذه المواكبة، إذ خصصت الوكالات الحضرية نوافذ إلكترونية لمغاربة العالم تتيح طلب مذكرات المعلومات التعميرية، ومعالجة الشكايات عن بعد، والاطلاع على العروض الترابية الموجهة للاستثمار.

    وبحسب الأرقام التي قدمتها الوزيرة، مكنت هذه الإجراءات خلال سنة 2022 من دراسة 3667 ملفا، حظي 2853 منها بالموافقة، أي بنسبة قبول بلغت 78 في المئة، كما جرى تسليم 645 مذكرة للمعلومات التعميرية، كان 32 في المئة منها رقميا.

    وفي ما يتعلق بالعرض السكني، أفادت المنصوري بأن مجموعة العمران تنظم سنويا معارض عقارية في عدد من العواصم الأجنبية، إلى جانب أيام مفتوحة في المدن المغربية، للتعريف بالمنتجات السكنية وتقريبها من أفراد الجالية وتسهيل المساطر الإدارية ومساطر الاقتناء.

    مغاربة العالم في قلب دعم السكن

    ويشكل برنامج الدعم المباشر للسكن أحد أبرز البرامج التي تستهدف القافلة التعريف بها لدى مغاربة العالم، خاصة أن الاستفادة منه لا تقتصر على المغاربة المقيمين داخل المملكة.

    فالبرنامج يتيح للمغاربة المقيمين بالخارج الاستفادة من الدعم المباشر المخصص لاقتناء السكن، متى استوفوا الشروط المحددة، وهو ما جعل أفراد الجالية حاضرين بشكل لافت ضمن المستفيدين منذ انطلاق البرنامج.

    وتكشف أحدث المعطيات المقدمة حول البرنامج أن المغاربة المقيمين بالخارج يمثلون 24 في المئة من مجموع المستفيدين، أي ما يقارب مستفيدا واحدا من كل أربعة.

    وتمنح هذه النسبة بعدا خاصا للقافلة التي تقودها وزارة إعداد التراب الوطني، لأنها تظهر أن علاقة مغاربة العالم بقطاع السكن لا تقتصر على الاهتمام أو الاستفسار، بل تترجم إلى حضور فعلي ضمن المستفيدين من أحد أبرز البرامج العمومية المرتبطة بالقطاع، إضافة إلى الحفاظ على مكانة السكن في موقع متقدم ضمن المشاريع التي ينجزها مغاربة العالم داخل المملكة، سواء بهدف امتلاك مسكن شخصي أو الحفاظ على ارتباط مادي واجتماعي بوطنهم.

    وتعيد نسبة 24 في المئة طرح طبيعة العلاقة بين مغاربة العالم والسوق العقارية، خاصة أن اقتناء السكن ظل تاريخيا أحد أبرز أوجه توجيه مدخرات الجالية داخل المملكة.

     في هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي إدريس الفينة أن ارتباط مغاربة العالم بالقطاع العقاري يجد جزءا من تفسيره في طبيعة الهجرة المغربية خلال مراحلها الأولى، إذ اتجه الجيل الأول من المهاجرين، الذي انطلق جزء منه من أوضاع اجتماعية محدودة، إلى اقتناء العقار باعتباره وسيلة لضمان الاستقرار عند العودة إلى المغرب والحفاظ على ارتباطه بالوطن.

    ويشير الفينة في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” إلى أن هذا التوجه بدأ يعرف تحولا تدريجيا، مع دخول استثمارات مغاربة العالم إلى قطاعات أخرى، من بينها السياحة والخدمات، غير أنها تظل في الغالب استثمارات محدودة الحجم مقارنة بالإمكانات التي تتوفر عليها الجالية.

    ويعتبر أن رفع مساهمة مغاربة العالم في الاستثمار يظل مرتبطا بمعالجة العراقيل التي تواجه المستثمرين، وفي مقدمتها تعقيد بعض المساطر الإدارية، رغم الإصلاحات التي تم اعتمادها خلال السنوات الأخيرة.

    ويرى الخبير الاقتصادي أن تشجيع الجالية على توسيع استثماراتها يتطلب توفير “تسهيلات وتحفيزات ومواكبة”، ضمن رؤية واضحة تسمح بتعبئة الإمكانات المالية والكفاءات المغربية بالخارج، وتحويل جزء أكبر منها نحو مشاريع واستثمارات داخل المملكة.

    إقبال يعكس الفرص

    وفي قراءته لهذا الإقبال، يرى المنعش العقاري عمر رحال أن وصول حصة مغاربة العالم إلى 24 في المئة من المستفيدين من برنامج الدعم المباشر للسكن يعكس تحول هذه الفئة إلى مكون مهم داخل الطلب على السكن، بعدما ظل حضورها لسنوات مرتبطا أساسا بفترة الصيف وباقتناء العقار لأغراض عائلية أو استثمارية.

    وأوضح رحال في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن المهنيين يلمسون هذا الطلب بشكل أكبر خلال فترات عودة الجالية إلى المغرب، حيث ترتفع الاستفسارات حول المشاريع المتاحة والأسعار وشروط الاستفادة من الدعم، إلى جانب إمكانية استكمال جزء من إجراءات الاقتناء بعد العودة إلى بلد الإقامة.

    وبحسب المتحدث، فإن الطلب لا يتجه إلى منتوج واحد؛ فهناك أسر تبحث عن شقق متوسطة المساحة قريبة من العائلة والخدمات الأساسية، بينما يهتم جزء من الشباب والأجيال الجديدة بمساكن داخل المدن الكبرى ومحيطها، سواء بهدف التملك أو الاستثمار، كما تظل مدن مثل الدار البيضاء والرباط وطنجة والقنيطرة، إلى جانب المدن التي تنحدر منها أسر أفراد الجالية، حاضرة ضمن اختيارات هذه الفئة.

    واعتبر رحال أن هذا التطور يفرض على السوق العقارية مواكبة الطلب؛ ليس فقط من حيث توفير السكن المناسب، وإنما أيضا عبر تقديم معلومات واضحة حول المشاريع وتسهيل التواصل والإجراءات عن بعد، بالنظر إلى أن فترة وجود المغربي المقيم بالخارج داخل المملكة تكون في الغالب محدودة.

    الرقمنة تقلص الهوة

    بالنسبة للمغاربة المقيمين بالخارج، تشكل المساطر والوقت اللازم لإنجاز المعاملات جزءا أساسيا من قرار اقتناء العقار أو إطلاق مشروع، ما يجعل البعد الرقمي حاضرا ضمن الخدمات الموجهة للجالية، سواء عبر الحصول على المعلومات أو الولوج إلى المنصات والخدمات التي تسمح بإنجاز وتتبع عدد من الإجراءات عن بعد.

    ويكتسي هذا الجانب أهمية بالنظر إلى أن أفراد الجالية لا يوجدون بالمغرب طوال السنة، وبالتالي فإن ربط المعاملات العقارية والإدارية حصرا بالحضور الشخصي يمكن أن يشكل عائقا أمام إتمام المشاريع.

    وشكل الهاجس الرقمي محورا أساسيا في مواكبة وزارة إعداد التراب الوطني، إذ خصصت الوكالات الحضرية نوافذ إلكترونية لمغاربة العالم تتيح طلب مذكرات المعلومات التعميرية، ومعالجة الشكايات عن بعد، والاطلاع على العروض الترابية الموجهة للاستثمار.

    ووفي الحصيلة التي قدمتها وزيرة إعداد التراب الوطني سنة 2023، فقد مكنت هذه الإجراءات خلال سنة 2022 من دراسة 3667 ملفا، حظي 2853 منها بالموافقة، أي بنسبة قبول بلغت 78 في المئة، كما جرى تسليم 645 مذكرة للمعلومات التعميرية، كان 32 في المئة منها رقميا.

    وفي جانب آخر، فبرنامج الدعم المباشر للسكن نفسه يقوم على منصة رقمية مخصصة لتدبير طلبات الاستفادة، بما يسمح للمواطن ببدء وتتبع جزء مهم من مسار الاستفادة إلكترونيا.

    ويراهن المغرب على الرقمنة للانتقال من مواكبة ترتبط أساسا بفترة العودة الصيفية إلى خدمة يمكن أن تستمر طوال السنة، بحيث يستطيع المغربي المقيم بالخارج الوصول إلى المعلومة وتتبع ملفه من بلد إقامته.

  • النساء في انتخابات 2026.. بين تطور التمثيلية وحسابات الدوائر المحلية

    النساء في انتخابات 2026.. بين تطور التمثيلية وحسابات الدوائر المحلية

    قُبيل أسابيع من الانتخابات التشريعية، حضرت المناصفة بقوة في خطابات الأحزاب السياسية، وتعددت البرامج واللقاءات الموجهة لتأهيل النساء للمشاركة السياسية، بالتوازي مع مقترحات لرفع تمثيليتهن داخل مجلس النواب وتوسيع حضورهن في مواقع القرار.

    لكن الاختبار الفعلي لهذا الخطاب بدأ مع توزيع التزكيات، فبعيدا عن الدوائر الجهوية التي عززت حضور النساء داخل البرلمان، تضع الدوائر المحلية الأحزاب أمام حساب انتخابي مختلف: كم امرأة حصلت فعلا على فرصة قيادة لائحة والدخول في منافسة مباشرة على مقعد برلماني؟

    وإلى حدود الترشيحات المعلنة، بدأت الإجابة تتشكل من خلال الأرقام، فحزب الأصالة والمعاصرة حسم سبع تزكيات نسائية في الدوائر المحلية، فيما أعلن التقدم والاشتراكية عن ست نساء ضمن قائمة أولية شملت 80 دائرة، ووضع الاتحاد الاشتراكي 5 نساء ضمن لائحة مرشحيه، بينما زكى العدالة والتنمية 4 نساء، ومثلهن بالنسبة لحزب التجمع الوطني للأحرار، فيما لم تكشف باقي الأحزاب عن اللوائح الكاملية لمرشحيها.

    ورغم أن الخريطة الكاملة لترشيحات الأحزاب لم تكتمل بعد، لكنها تسمح بنقل النقاش من عدد النساء الحاضرات في الأحزاب إلى موقعهن داخل المنافسة نفسها، لاختبار مواقف المغاربة من القيادة السياسية للنساء.

    أحكام مسبقة وأزمة أعمق

    كشف الباروميتر العربي في مارس الماضي عن مفارقة في مواقف المغاربة من القيادة السياسية للنساء، فقد وافق 57 في المئة من المستجوبين على المقولة التي تفيد بأن الرجال، عموما في المئة، أفضل من النساء في القيادة السياسية.

    ولا تمثل هذه النسبة مجرد استمرار لموقف سابق، بل ارتفاعا بثماني نقاط مقارنة بسنة 2022، حين بلغت 49 في المئة، وبـ22 نقطة مقارنة بسنة 2018، حين لم تتجاوز 35 في المئة، كما تظهر النتائج فجوة كبيرة بين الجنسين، إذ إن 68 في المئة من الرجال وافقوا على المقولة، مقابل 46 في المئة من النساء.

    لكن الميل إلى تفضيل القيادة الذكورية لا يقترن برفض مماثل للآليات القانونية الداعمة لحضور النساء، فقد أيد 71 في المئة تخصيص حصة للنساء في البرلمان، وأيد 70 في المئة “كوطا” نسائية داخل الحكومة، فيما اعتبر 73 في المئة أن وجود النساء في مواقع القيادة يساهم في النهوض بحقوق النساء، وترتفع هذه النسبة إلى 84 في المئة لدى النساء، مقابل 61 في المئة لدى الرجال.

    توحي هذه الأرقام بوجود فصل في الوعي العام بين الصورة النمطية عن «القائد السياسي الأفضل» وبين القبول بضرورة ضمان تمثيل النساء مؤسساتيا في المئة. فجزء من المواطنين قد يشكك في كفاءة القيادة النسائية بصورة مجردة، لكنه يرى في الكوتا وسيلة مشروعة لتصحيح الاختلال القائم. وقد يفسر ذلك استمرار الحاجة إلى اللوائح المخصصة للنساء، مقابل الصعوبات التي تواجهها المرشحات في المنافسات المحلية المباشرة، حيث يمكن للأحكام المسبقة أن تصبح أكثر تأثيرا في المئة.

    أُنجز البحث ميدانيا بين 11 دجنبر 2023 و30 يناير 2024، وشمل 2,411 مواطنا في المئة ومواطنة من مختلف جهات المغرب، عبر مقابلات مباشرة وعينة احتمالية متعددة المراحل ممثلة وطنيا في المئة، بهامش خطأ قدره نقطتان مئويتان.

    لذلك تقيس النتيجة اتجاهات عامة في الرأي، ولا تعني أن 57 في المئة سيرفضون بالضرورة التصويت لامرأة بعينها، كما أنها ليست مقياسا لمواقف الناخبين خلال حملة انتخابات 2026.

    سبع مرشحات ومسارات مختلفة لاختبار واحد

    تضم خريطة الترشيحات المحلية لحزب الأصالة والمعاصرة سبع نساء موزعات على أكثر من جهة، هن فاطمة الزهراء المنصوري بدائرة المدينة-سيدي يوسف بن علي بمراكش، ونجوى كوكوس بالدار البيضاء-أنفا، ومنال بديل ببرشيد، وإيمان الماوي بورزازات، وحنان الماسي بتارودانت الشمالية، وزينب السيمو بالعرائش، وبشرى الوردي بتيفلت-الرماني.

    ولا تأتي الأسماء السبعة من المسار السياسي نفسه، إذ تجمع بينها تجارب في القيادة الحزبية والتدبير المحلي والعمل البرلماني والحضور الميداني، لكنها تلتقي عند موقع واحد، هو قيادة اللائحة المحلية وتحمل مسؤولية المنافسة المباشرة داخل الدائرة.

    فالمنصوري تدخل الاستحقاق من موقعها منسقة للقيادة الجماعية للحزب ورئاسة مجلس جماعة مراكش، فيما تنتقل كوكوس، رئيسة المجلس الوطني، إلى المنافسة في دائرة أنفا بالدار البيضاء، وتدخل منال بديل السباق من تجربة في التدبير المحلي ببرشيد، بينما تحمل بشرى الوردي معها تجربة في رئاسة المجلس الإقليمي للخميسات.

    وفي العرائش وورزازات وتارودانت، تدخل زينب السيمو وإيمان الماوي وحنان الماسي المنافسة بعد تجربة برلمانية خلال الولاية الحالية، ما يضع أمامهن اختبارا آخر لتحويل الرصيد المؤسساتي والميداني الذي راكمنه إلى منافسة مباشرة أمام الناخبين.

    هل أصبحت “الكوطا” منصة إقلاع؟

    تظهر أهمية هذا الانتقال عند العودة إلى نتائج انتخابات 2021، التي أفرزت ذلك الاستحقاق وصول 96 امرأة إلى مجلس النواب من أصل 395 عضوا، أي ما يقارب ربع تركيبة المجلس، غير أن توزيع المقاعد يكشف صورة مختلفة، إذ وصلت 90 امرأة عبر الدوائر الجهوية، مقابل ست نساء فقط استطعن الفوز عبر الدوائر المحلية.

    بمعنى آخر، مقابل كل امرأة وصلت إلى البرلمان من دائرة محلية، وصلت 15 امرأة عبر الدوائر الجهوية.

    ولا يقلل هذا الفارق من وظيفة آليات التمييز الإيجابي في رفع التمثيلية النسائية، لكنه يفتح سؤال المرحلة التالية، فالمرأة التي تدخل البرلمان عبر دائرة جهوية وتقضي ولاية كاملة في التشريع والرقابة والترافع، يفترض أن تخرج منها برصيد سياسي يمكن اختباره لاحقا في دائرة محلية، غير أن هذا الاختبار ما يزال يثير توجس الأحزاب، التي تكتفي ترشيحات قليلة في اللوائح المحلية.

    2021.. حين انتهت المنافسة المحلية بست فائزات

    إذا كانت التزكيات تكشف اختيارات الأحزاب، فإن نتائج 2021 تظهر حجم الصعوبة التي تبدأ بعد الحصول عليها.

    فالنساء الست اللواتي فزن عبر الدوائر المحلية في ذلك الاستحقاق توزعن على ثلاثة أحزاب فقط، أربع منهن كن مرشحات باسم الأصالة والمعاصرة، تتزعمهن فاطمة الزهراء المنصوري بمراكش، وبديعة الفيلالي بوجدة أنجاد، وخديجة حجوبي بفاس الشمالية، وفاطمة الزهراء بنطالب بمراكش أيضا، فيما فازت مريم وحساة باسم التقدم والاشتراكية في بني ملال، وحنان عدباوي باسم حزب الاستقلال في تيزنيت.

    وهكذا، لم يكن الفارق بين النساء والرجال موجودا فقط عند توزيع التزكيات، بل ظهر بصورة أكبر عند إعلان النتائج، بعدما انتهت المنافسة المحلية على الصعيد الوطني بست نائبات فقط.

    وبالنسبة للأصالة والمعاصرة، تنتقل الخريطة في 2026 من أربع وكيلات للوائح المحلية في الاستحقاق السابق إلى سبع هذه المرة، مع عنصر إضافي يتمثل في دخول برلمانيات راكمن تجربة خلال الولاية الحالية إلى المنافسة المحلية.

    التزكية ليست فرصة متساوية

    غير أن عدد وكيلات اللوائح لا يكفي وحده لقياس موقع النساء في المنافسة، فالدوائر المحلية ليست متساوية في وزنها ولا في فرص الفوز بها.

    وتختلف القيمة السياسية للتزكية بين دائرة يتوفر فيها الحزب على حضور انتخابي وتنظيمي متراكم، وأخرى يدخلها من موقع أضعف، يضاف إلى ذلك تدخل في الحساب قوة المرشحة نفسها، وعلاقتها بالدائرة، وحضورها الميداني، وهوية المنافسين الذين ستواجههم.

    وتتوزع الأسماء النسائية السبعة في حالة الأصالة والمعاصرة بين مراكش والدار البيضاء والعرائش وبرشيد وتيفلت-الرماني وورزازات وتارودانت، وهي دوائر تختلف في تركيبتها وتوازناتها، كما تختلف المواقع التي تدخل منها كل مرشحة إلى المنافسة.

    وقبل الوصول إلى مرحلة التزكيات، يكاد الخطاب الحزبي يلتقي حول ضرورة توسيع مشاركة النساء في السياسة ورفع حضورهن داخل المؤسسات المنتخبة، لكن توزيع الدوائر ينقل هذا الالتزام إلى مستوى آخر.

    الخريطة الحالية ترتيبا نهائيا، لكنها تقدم أول اختبار قابل للقياس للمسافة بين ما أعلنته الأحزاب بشأن المناصفة وبين اختياراتها عند توزيع فرص المنافسة.

    أما الاختبار الثاني فسيأتي يوم 23 شتنبر، عندما تنتقل الأرقام من عدد النساء اللواتي حصلن على وكالة لائحة إلى عدد اللواتي استطعن تحويل هذه الفرصة إلى مقعد برلماني.

    بارومتر لقياس التمثيلية السياسية للنساء

    وأمام الانتقادات التي توجه للفرص التي تمنح للنساء في مشهد سياسي يغلب عليه الطابع الذكوري، أطلقت الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، في يوليوز المنصرم، “بارومتر التمثيلية السياسية للنساء”، باعتباره آلية لرصد أداء الأحزاب وقياس مدى ترجمتها لخطاب المساواة والمناصفة إلى ممارسات تنظيمية وانتخابية ملموسة.

    ولا يتعلق الأمر باستطلاع للرأي، بل بأداة تقييم تجمع بين مؤشرات كمية وأخرى نوعية، يفترض أن تفضي إلى تقرير وطني وترتيب علني للأحزاب بحسب درجة التزامها بالتمكين السياسي للنساء.

    ويرتكز البارومتر على خمسة محاور، يتعلق الأول بالالتزام السياسي للحزب، من خلال حصيلته في تمثيل النساء، وبرامجه ومواقفه من الإصلاحات القانونية المرتبطة بالمناصفة.

    ويختبر المحور الثاني حكامة الترشيحات، سيما نسبة النساء في الدوائر المحلية، وشفافية معايير الاختيار، والانفتاح على القيادات النسائية، وإعادة ترشيح البرلمانيات والمنتخبات اللواتي راكمن تجربة سياسية، في حين يقيس المحور الثالث ما تحصلت عليه المرشحات من دعم مالي ولوجستي وتكويني، ومدى تكافؤ شروط الحملة بينهن وبين المرشحين الرجال.

    ويرصد المحور الرابع حضور النساء والقيادات النسائية في الخطاب السياسي والإعلامي للأحزاب، بينما يتناول الخامس آليات الوقاية من العنف السياسي ضد النساء والتبليغ عنه والتكفل بضحاياه، سواء داخل التنظيمات الحزبية أو خلال الانتخابات.

  • بعدما عاد إلى نقطة البداية دستوريا.. أي مسار ينتظر قانون المحاماة؟

    بعدما عاد إلى نقطة البداية دستوريا.. أي مسار ينتظر قانون المحاماة؟

    بعدما قطع مسارا تشريعيا طويلا بين غرفتي البرلمان، عاد القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة إلى نقطة الصفر في مسار الرقابة الدستورية الذي كان يفترض أن يشكل محطته الأخيرة قبل إصدار الأمر بتنفيذه.

    ولم تفحص المحكمة الدستورية مادة واحدة من مواد القانون، ولم تقل كلمتها في مدى مطابقة مقتضياته للدستور، بعدما تبين لها أن ملف الإحالة المقدم من رئيس مجلس النواب لا يتضمن الصيغة النهائية للنص كما وافق عليها البرلمان.

    وأصبح قانون “أصحاب البذلة السوداء” عالقا بين مسار تشريعي اكتمل داخل البرلمان ورقابة دستورية لم تبدأ فعليا، ما يعيد مسار فحصه الدستوري إلى نقطة الانطلاق، ويجعل أي نظر في مضمونه رهين إحالة جديدة تتضمن الصيغة النهائية المعتمدة.

    من الحكومة إلى البرلمان

    بدأ المسار المؤسساتي لمشروع القانون رقم 66.23 في 8 يناير 2026، عندما تداول فيه مجلس الحكومة وصادق عليه، بعد تقديمه من طرف وزير العدل عبد اللطيف وهبي، مع الأخذ بعين الاعتبار، بحسب البلاغ الحكومي، مجموعة من الملاحظات المثارة بشأنه.

    وانتقل المشروع بعد ذلك إلى البرلمان، وسط نقاش مهني رافق مضامينه منذ البداية، قبل أن يصل إلى أول محطة حاسمة داخل مجلس النواب. ففي 19 ماي 2026، صادق مجلس النواب بالأغلبية على المشروع في قراءة أولى، بـ163 صوتا مقابل 57 معارضا، دون تسجيل أي امتناع.

    وفي اليوم الموالي، 20 ماي، ورد النص على مجلس المستشارين، وأحيل في 22 ماي على لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان. وتظهر المعطيات الرسمية لمجلس المستشارين حجم النقاش الذي رافق هذه المرحلة، إذ تقدمت مكونات المجلس بـ266 تعديلا، وأسفرت أشغال اللجنة الفرعية عن إدخال 48 تعديلا همت 35 مادة، قبل أن يوافق مجلس المستشارين على المشروع معدلا خلال جلسته العامة المنعقدة في 23 يونيو 2026.

    وأعادت هذه التعديلات المشروع إلى مجلس النواب في إطار قراءة ثانية، ليدخل خلال الأسبوع الأول من يوليوز مرحلته التشريعية الأخيرة، ليصادق مجلس النواب في 6 يوليوز 2026 على النص في قراءة ثانية بعد تعديله وإعادة ترتيب عدد من مواده، في جلسة سبقتها محاولات من المعارضة لإعادة المشروع إلى لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان قبل التصويت عليه.

    وبسبب التعديلات التي أدخلها مجلس النواب، عاد النص مرة أخرى إلى مجلس المستشارين في 7 يوليوز، وأحيل في اليوم نفسه على لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، التي وافقت عليه بالأغلبية، قبل أن يصادق عليه مجلس المستشارين في قراءة ثانية خلال جلسة عامة عقدت في التاريخ نفسه.

    وبهذه المصادقة، اكتمل المسار التشريعي للنص داخل غرفتي البرلمان، وانتقل القانون من مرحلة المناقشة والتعديل إلى المرحلة التي تسبق إصدار الأمر بتنفيذه، لكن قبل ذلك فتح أمامه مسار آخر يتعلق بالرقابة الدستورية.

    جدل قانون المهنة أمام المحكمة الدستورية

    بعد يوم واحد من مصادقة مجلس المستشارين في القراءة الثانية، سجلت الأمانة العامة للمحكمة الدستورية، في 8 يوليوز 2026، رسالة إحالة من رئيس مجلس النواب، يطلب بموجبها البت في مطابقة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة للدستور.

    ويتيح الفصل 132 من الدستور إحالة القوانين، قبل إصدار الأمر بتنفيذها، على المحكمة الدستورية من طرف الملك أو رئيس الحكومة أو رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس المستشارين، كما يمكن أن تتم الإحالة من طرف خمس أعضاء مجلس النواب أو أربعين عضوا من مجلس المستشارين.

    ولم تكن إحالة القانون رقم 66.23 على المحكمة الدستورية مرحلة إلزامية في مساره، باعتباره قانونا عاديا وليس قانونا تنظيميا يخضع وجوبا للرقابة الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذه.

    لكنها جاءت في إطار الرقابة الدستورية القبلية والاختيارية التي يتيحها الفصل 132 من الدستور، والذي يمنح لرئيس مجلس النواب، إلى جانب جهات أخرى، صلاحية إحالة القوانين على المحكمة قبل إصدار الأمر بتنفيذها، قصد البت في مدى مطابقتها للدستور.

    وفي حالة القانون المنظم لمهنة المحاماة، استعمل رئيس مجلس النواب هذه الصلاحية وأحال النص على المحكمة في 8 يوليوز 2026، غداة استكمال المصادقة عليه داخل البرلمان، سيما بعد الجدل الكبير الذي أثاره القانون، وسلسلة إضرابات المحامين الرافضين للنص الذين يعتبرونه “مساسا باستقلالية” المهنة.

    هل يمكن إعادة الإحالة؟

    بعد صدور القرار، لم يعد السؤال مرتبطا فقط بسبب توقف الرقابة الدستورية، وإنما بالخطوة التي يمكن أن تليه. فهل يمكن تقديم إحالة جديدة مرفقة هذه المرة بالنص النهائي المطابق للأصل؟ وهل يعني تعبير “على حالها” أن المانع مرتبط بالإحالة كما قدمت، وليس بإمكانية مراقبة القانون من حيث المبدأ؟

    في قراءة قانونية للقرار، توضح محامية بهيئة الرباط، فضلت عدم ذكر اسمها، أن التصريح بـ”تعذر البت” يفترض وجود مانع إجرائي حال دون انتقال المحكمة الدستورية إلى مرحلة النظر في مدى مطابقة النص للدستور من الناحية الموضوعية.

    وتوضح أن هذا الوضع يختلف عن قرار تفصل من خلاله المحكمة في دستورية المقتضيات المعروضة عليها، سواء انتهت إلى عدم دستوريتها أو إلى مطابقتها للدستور.

    وبحسب المحامية، فإن القرار رقم 277/26 ركز على الجانب الإجرائي الذي أحيل به النص، ولم ينتقل إلى بحث مدى توافق مقتضيات القانون رقم 66.23 مع الدستور من حيث الجوهر.

    وترى أنه، من هذه الزاوية، “يظل من الممكن، من حيث المبدأ، أن تتم إحالة النص من جديد على المحكمة الدستورية متى استوفت الإحالة شروطها الدستورية والإجرائية، وتوفرت المحكمة على الصيغة النهائية المعتمدة من البرلمان”.

    من يستطيع إعادة القانون للميزان الدستوري؟

    لا يحصر الفصل 132 إمكانية إحالة القوانين في رئيس مجلس النواب، فإلى جانب الملك، يمنح الدستور هذه الصلاحية لرئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين، كما يمنحها لخمس أعضاء مجلس النواب أو أربعين عضوا من مجلس المستشارين، شريطة أن تتم الإحالة قبل إصدار الأمر بتنفيذ القانون.

    وبالتالي، فإن النقاش لا يرتبط فقط بإمكانية تحرك رئيس مجلس النواب من جديد، بل بإمكانية تقديم إحالة جديدة من إحدى الجهات المخول لها دستوريا ذلك، متى ظلت شروط الرقابة السابقة متوفرة.

    وفي هذا الصدد، تؤكد المحامية أن الجهات المخولة دستوريا بالإحالة مطالبة بمراعاة الشروط والضوابط الشكلية والإجرائية عند ممارسة هذا الاختصاص، حتى لا يتكرر المانع الذي حال دون نظر المحكمة في الموضوع.

    وتشدد على أن رقابة المحكمة لا تنصب على مجرد نسخة من النص موجودة لدى أحد مجلسي البرلمان، وإنما على الصيغة النهائية التي أقرها البرلمان بمجلسيه، مضيفة أن التحقق من هذه الصيغة يعد أساسيا قبل الانتقال إلى فحص المضمون، لأن عدم توفر المحكمة على النص الذي يمثل التعبير النهائي عن الإرادة التشريعية للبرلمان قد يحول دون ممارسة الرقابة الموضوعية عليه.

    عامل الزمن يدخل المعادلة

    يأتي قرار المحكمة بعد استكمال مراحل المصادقة البرلمانية على القانون، وفي وقت تقترب فيه الولاية الانتدابية الحالية من نهايتها، ما يطرح سؤال الزمن المتاح أمام أي إحالة جديدة.

    ويحدد الفصل 132 للمحكمة الدستورية أجل شهر للبت في القوانين المحالة عليها، ابتداء من تاريخ الإحالة، ويمكن خفض هذا الأجل إلى ثمانية أيام في حالة الاستعجال بطلب من الحكومة، كما تؤدي الإحالة إلى وقف سريان أجل إصدار الأمر بالتنفيذ إلى حين بت المحكمة.

    أما انتهاء الولاية الانتدابية، فإن المهام الانتدابية لمجلس النواب تظل سارية حتى الانتخابات المقبلة، بعد افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية في أكتوبر القبل. ويبقى الشرط الأساسي في أي إحالة جديدة أن تتم قبل إصدار الأمر بتنفيذ القانون، وهو شرط سبق للمحكمة الدستورية أن تحققت منه عند نظرها في إحالات لقوانين عادية أخرى.

  • كيف أعاد المغرب رسم الخريطة الاقتصادية لأقاليمه الجنوبية بعد 47 سنة من استرجاع وادي الذهب؟

    كيف أعاد المغرب رسم الخريطة الاقتصادية لأقاليمه الجنوبية بعد 47 سنة من استرجاع وادي الذهب؟

    تحولت الداخلة، بعد 47 سنة على استرجاع إقليم وادي الذهب، إلى واحدة من أبرز واجهات الدينامية التنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية للمملكة، حيث تعكس المشاريع الكبرى والاستثمارات والمؤشرات الاقتصادية مسارا انتقل من تجهيز المجال وتعزيز ارتباطه بباقي التراب الوطني إلى تثمين موقعه كحلقة وصل بين المغرب وعمقه الإفريقي.

    وتعكس الأرقام جزءا من هذا التحول، ففي جهة يبلغ عدد سكانها نحو 220 ألف نسمة، وصل الناتج الداخلي الإجمالي إلى 20.288 مليار درهم سنة 2024، وسجل الاقتصاد نموا بـ7 في المئة، مقابل 4.4 في المئة على المستوى الوطني، فيما بلغ الناتج الداخلي الإجمالي للفرد 92 ألفا و904 دراهم، وهو أعلى مستوى بين جهات المملكة.

    ولا يتعلق الأمر بمؤشرات اقتصادية معزولة، بل بمسار تدعمه مشاريع مهيكلة جاءت في إطار الرؤية الملكية السامية لتنمية الأقاليم الجنوبية، من المحور الطرقي تيزنيت-الداخلة وميناء الداخلة الأطلسي، إلى الطاقة والقطاعات المنتجة والاستثمارات الجديدة.

    وتتقاطع في جهة الداخلة-وادي الذهب، هذه المشاريع التنموية مع موقع جغرافي يفتح الجهة على المحيط الأطلسي من جهة، وعلى موريتانيا وغرب إفريقيا من جهة أخرى، لتصبح التنمية المحلية جزءا من امتداد اقتصادي أوسع للمملكة نحو القارة.

    من استرجاع الإقليم إلى بناء قطب اقتصادي

    شكل استرجاع إقليم وادي الذهب في 14 غشت 1979 محطة أساسية في مسار استكمال الوحدة الترابية للمملكة، لتدخل المنطقة بعد ذلك مرحلة أخرى عنوانها البناء والتجهيز وتعزيز اندماجها الاقتصادي والاجتماعي في محيطها الوطني.

    وأخذ هذا المسار دفعة جديدة مع إطلاق جلالة الملك محمد السادس، في نونبر 2015، النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، ضمن برنامج تنموي مندمج بغلاف مالي يتجاوز 77 مليار درهم، بهدف إطلاق دينامية اقتصادية واجتماعية وخلق فرص الشغل والاستثمار وتوفير البنيات التحتية والمرافق الضرورية.

    وشمل هذا التوجه مجموعة من الأوراش الكبرى، من الطريق والربط الكهربائي والطاقات المتجددة إلى تثمين منتجات الصيد البحري وميناء الداخلة الأطلسي، ضمن رؤية تجمع بين الاستثمار في البنيات التحتية وتطوير القطاعات المنتجة.

    وفي هذا السياق، أكد جلالة الملك محمد السادس، في خطاب المسيرة الخضراء لسنة 2022، أن الصحراء المغربية شكلت عبر التاريخ صلة وصل إنسانية وروحية وحضارية واقتصادية بين المغرب وعمقه الإفريقي، معتبرا أن العمل التنموي يروم ترسيخ هذا الدور وجعله أكثر انفتاحا على المستقبل.

    وعلى هذا الأساس، برزت الداخلة-وادي الذهب باعتبارها واحدة من المناطق التي تتجسد فيها هذه الرؤية الملكية بشكل واضح، بالنظر إلى مواردها البحرية والفلاحية والطاقية، وإلى موقعها على الواجهة الأطلسية وعلى المحور البري الممتد نحو إفريقيا.

    اقتصاد بمؤشرات تتجاوز المتوسط الوطني

    تكشف الحسابات الجهوية لسنة 2024، التي نشرتها المندوبية السامية للتخطيط خلال صيف 2026، عن دينامية واضحة في اقتصاد جهة الداخلة-وادي الذهب.

    فقد ارتفع الناتج الداخلي الإجمالي للجهة، بالأسعار الجارية، من 18.444 مليار درهم سنة 2023 إلى 20.288 مليار درهم في 2024، لترتفع مساهمتها في الناتج الداخلي الإجمالي الوطني من 1.2 إلى 1.3 في المئة.

    وفي الوقت نفسه، سجل اقتصاد الجهة نموا حقيقيا بلغ 7 في المئة خلال سنة 2024، مقابل 4.4 في المئة للاقتصاد الوطني.

    أما نصيب الفرد من الناتج الداخلي الإجمالي، فبلغ 92 ألفا و904 دراهم، مقابل 43 ألفا و891 درهما وطنيا، لتحتل الداخلة-وادي الذهب المرتبة الأولى بين جهات المملكة وفق هذا المؤشر.

    وتكشف بنية الاقتصاد المحلي أيضا عن تحول تدريجي في الأنشطة؛ فإلى جانب الوزن الذي يحتفظ به الصيد البحري، ارتفعت بالقيمة الجارية خلال 2024 أنشطة البناء بـ14 في المئة، والنقل والتخزين بـ49.6 في المئة، والفنادق والمطاعم بـ39.7 في المئة، والصناعة التحويلية بـ7.2 في المئة.

    ويرى محمد أمين سامي، الخبير والمستشار الدولي في مجال الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي، أن هذه المؤشرات تعكس تحولا فعليا في البنية الاقتصادية للجهة.

    ويقول سامي، في تصريح لـAM+ MEDIA، إن “الداخلة انتقلت تدريجيا من اقتصاد يعتمد بشكل أساسي على الصيد البحري والأنشطة الأولية إلى اقتصاد أكثر تنوعا، تدخل فيه اللوجستيك والصناعة والطاقات المتجددة والخدمات المرتبطة بالتجارة والنقل”، موضحا أن “هذا التحول يرتبط بشكل مباشر بالمشاريع الكبرى التي عرفتها الجهة، وفي مقدمتها ميناء الداخلة الأطلسي والمحور الطرقي تيزنيت-الداخلة”.

    أكثر من ملياري درهم من الاستثمارات في سنة

    تظهر الدينامية نفسها في أرقام الاستثمار بالجهة، حيث تمت خلال سنة 2024، المصادقة على 118 مشروعا استثماريا بقيمة إجمالية تفوق ملياري درهم، يرتقب أن تساهم في إحداث 2707 مناصب شغل مباشرة، وفق المعطيات الرسمية لوزارة الاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية.

    وتتوزع مؤهلات الجهة بين الصيد البحري والصناعات المرتبطة به، والفلاحة والسياحة والخدمات والطاقات المتجددة، فيما توسع البنيات الكبرى مجالات الاستثمار باتجاه الصناعة واللوجستيك والتجارة.

    وبهذا الصدد، يرى محمد أمين سامي أن قيمة المشاريع الكبرى التي تعرفها الداخلة “لا تقاس فقط بكلفتها المالية، وإنما بما أنتجته وما ستنتجه حولها من أنشطة اقتصادية جديدة”، مسترسلا “مثلا، ميناء الداخلة لا يمثل مجرد منشأة لاستقبال السفن، بل قاعدة لاستقطاب وحدات صناعية ولوجستية، وتثمين المنتجات المحلية وربط المستثمرين والأسواق”.

    وتابع بالقول: “التحول الذي تحقق على مستوى البنية التحتية وفر للجهة قاعدة قوية لاستثمارات منتجة وفرص شغل وقيمة مضافة محلية، وهو ما يعزز انتقال الداخلة نحو منظومة اقتصادية أكثر تكاملا”.

    ميناء الداخلة بوابة بحرية على الأطلسي

    في قلب هذه المنظومة يبرز ميناء الداخلة الأطلسي، باعتباره واحدا من أبرز المشاريع المهيكلة التي تجسد المرحلة الجديدة من تنمية الأقاليم الجنوبية، وركيزة لتطوير قطب يجمع بين أنشطة التجارة والصيد البحري والصناعة واللوجستيك، ويرتبط بمنطقة مخصصة للأنشطة الاقتصادية، بما يسمح باستقطاب استثمارات جديدة وتثمين جزء أكبر من موارد المنطقة محليا.

    ويكتسب المشروع أهميته من موقعه المطل على المحيط الأطلسي وبالقرب من محور بري يمتد نحو موريتانيا وغرب إفريقيا، ما يمنح البنية المينائية وظيفة تتجاوز حاجيات السوق الجهوية إلى دعم المبادلات الوطنية والقارية.

    وكان المشروع ضمن الأوراش التي وضعها البرنامج التنموي للأقاليم الجنوبية في صلب التحول الاقتصادي للمنطقة، إلى جانب الطريق والطاقات المتجددة والربط بالشبكة الكهربائية الوطنية.

    ومع تواصل أشغاله خلال سنة 2026، يضيف الميناء إلى الوظيفة البرية للداخلة امتدادا بحريا، ويعزز تشكل منظومة تجمع بين الإنتاج والتصنيع والتخزين والنقل والتصدير.

    1055 كيلومترا تعزز الربط بين الشمال والجنوب

    وإذا كان ميناء الداخلة الأطلسي يعزز الواجهة البحرية للجهة، فإن المحور الطرقي تيزنيت-الداخلة رسخ ارتباطها البري بباقي المملكة.

    ويمتد المشروع على 1055 كيلومترا، في واحد من أكبر الأوراش الطرقية التي عرفتها الأقاليم الجنوبية، ويجمع بين الطريق السريع تيزنيت-العيون وتوسيع وتقوية الطريق الوطنية رقم 1 في المقطع الرابط بين العيون والداخلة.

    وأكدت وزارة التجهيز والماء في يونيو 2026 أن هذا المحور يشكل شريانا استراتيجيا للربط بين شمال المملكة وجنوبها ودعم الاندماج الاقتصادي والاجتماعي.

    ولا تقتصر أهميته على تحسين تنقل الأشخاص، بل تمتد إلى حركة البضائع والمنتجات وربط مناطق الإنتاج بالموانئ والأسواق، وتقليص أثر المسافات الطويلة التي كانت تمثل أحد تحديات الاستثمار في المنطقة.

    ومن الداخلة، يستمر الامتداد البري عبر الكركرات نحو موريتانيا ودول غرب إفريقيا، ما يمنح المحور وظيفة تتجاوز الربط الداخلي للمملكة.

    من ثروة الصيد البحري إلى التثمين

    ويظل الصيد البحري أحد أبرز مرتكزات اقتصاد الداخلة-وادي الذهب، وفق ما تؤكده أحدث الحسابات الجهوية للمندوبية السامية للتخطيط.

    وارتفعت القيمة المضافة للقطاع بالجهة من 2.542 مليار درهم سنة 2023 إلى 2.968 مليار درهم سنة 2024، بزيادة بلغت 16.8 في المئة بالأسعار الجارية.

    ومثلت الداخلة-وادي الذهب خلال السنة نفسها 33.8 في المئة من القيمة المضافة الوطنية لقطاع الصيد البحري، ما يعكس الوزن الذي تحتله الجهة داخل الاقتصاد البحري للمملكة.

    غير أن التحول الذي تعرفه المنطقة لم يعد يقوم فقط على استغلال هذه الثروة، بل على تثمينها محليا عبر التحويل والتبريد والتخزين والصناعات الغذائية والخدمات اللوجستية، ما يسمح بربط الموارد البحرية بالصناعة والنقل والتصدير، والاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة المضافة داخل الجهة، إلى جانب توسيع أثر القطاع على الاستثمار والتشغيل.

    وسيعزز ميناء الداخلة الأطلسي والمناطق الاقتصادية المرتبطة به هذا المسار، من خلال توفير بنية قادرة على ربط الإنتاج البحري بالتصنيع والأسواق الوطنية والخارجية.

    الهيدروجين الأخضر يوسع خريطة الاستثمار

    وإلى جانب القطاعات التي راكمت فيها الداخلة حضورا اقتصاديا، بدأت مجالات جديدة تدخل خريطة الاستثمار في الجهة.

    ففي يونيو 2026، وقفت لجنة تتبع مشروع مندمج لإنتاج الهيدروجين الأخضر بجهة الداخلة-وادي الذهب على مدى تقدم المشروع، وصادقت على أولى مخرجات الدراسات الجارية، في إطار تنزيل “عرض المغرب” للهيدروجين الأخضر.

    ويضيف هذا المشروع بعدا جديدا للاقتصاد المحلي، ويربط الموارد الطاقية التي تتوفر عليها المنطقة بالتحول الذي يعرفه المغرب في مجالات الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، كما يعكس استمرار الدينامية الاستثمارية إلى غاية سنة 2026، وانتقال الجهة من القطاعات التقليدية إلى أنشطة جديدة ذات ارتباط بالتحول الطاقي والأسواق الدولية.

    حين تتحول الجغرافيا إلى قوة اقتصادية

    شكلت المسافة التي تفصل الداخلة عن المراكز الاقتصادية الكبرى للمملكة، في مراحل سابقة، أحد تحديات الاستثمار وحركة السلع، لكن تطوير البنيات التحتية أعاد تدريجيا صياغة هذه المعادلة.

    وأصبحت الداخلة توجد اليوم في نقطة اتصال بين السوق الوطنية شمالا وموريتانيا وغرب إفريقيا جنوبا، بينما تمنحها واجهتها الأطلسية منفذا على حركة التجارة البحرية.

    ويؤكد ذلك الخبير والمستشار الدولي في مجال الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي محمد أمين سامي، موضحا أن “الداخلة توجد اليوم في نقطة تقاطع استراتيجية بين ثلاثة مجالات: السوق المغربية شمالا، والعمق الإفريقي جنوبا، والمسارات البحرية على الواجهة الأطلسية غربا. والمشاريع التي تم إنجازها والجاري استكمالها حولت هذه الجغرافيا إلى ميزة تنافسية حقيقية”س.

    ويضيف سامي أن “محور تيزنيت-الداخلة عزز حركة الأشخاص والبضائع داخل المملكة، بينما سيمنح ميناء الداخلة الأطلسي هذا الامتداد منفذا بحريا كبيرا، والتكامل بين الطريق والميناء والمناطق الصناعية واللوجستية يجعل الداخلة منصة طبيعية للتجارة والاستثمار والربط مع الأسواق الإفريقية”.

    الداخلة.. بوابة المغرب نحو إفريقيا

    اكتسب هذا الموقع بعدا أكبر مع الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 48 للمسيرة الخضراء سنة 2023، حين أكد الملك محمد السادس أن الواجهة الأطلسية هي بوابة المغرب نحو إفريقيا، ودعا إلى استكمال المشاريع الكبرى في الأقاليم الجنوبية وتعزيز البنيات التحتية والنقل واللوجستيك.

    وفي الخطاب نفسه، أطلق الملك المبادرة الدولية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، مع إعلان استعداد المغرب لوضع بنياته التحتية الطرقية والمينائية والسككية رهن إشارة هذه الدول.

    ويمنح هذا التوجه للمشاريع المنجزة والجارية في الأقاليم الجنوبية وظيفة تتجاوز التنمية المحلية، إذ تصبح البنيات الطرقية والمينائية جزءا من رؤية أوسع للربط الاقتصادي مع إفريقيا.

    وفي هذا السياق، رسخت الداخلة موقعها كإحدى البوابات الرئيسية للمغرب نحو عمقه الإفريقي، بما تتوفر عليه من اتصال بري مع موريتانيا وغرب القارة، وواجهة أطلسية، وموارد واستثمارات ومشاريع لوجستية وصناعية.

    ويقول محمد أمين سامي لـ”AM+ MEDIA” إن الداخلة “أصبحت اليوم جزءا فعليا من الرؤية الاقتصادية المغربية تجاه إفريقيا، فالموقع والبنية التحتية والاستثمارات لم تعد عناصر منفصلة، وإنما مكونات لمنظومة تربط المغرب بغرب إفريقيا ودول الساحل، وتفتح أمام المنطقة فرصا أكبر في التجارة واللوجستيك والصناعة”.

    وهكذا، تحمل ذكرى 14 غشت، إلى جانب رمزيتها الوطنية المرتبطة باسترجاع وادي الذهب واستكمال الوحدة الترابية، صورة مسار تنموي متواصل على الأرض، تعكسه الطرق والموانئ والاستثمارات والمؤشرات الاقتصادية، وتشهد على الانتقال من استرجاع المجال إلى تثمينه، ومن تعزيز ارتباطه إلى ترسيخ موقعه كحلقة وصل بين المغرب وعمقه الإفريقي وواجهته الأطلسية.

  • دعوات مضللة وخوارزميات عمياء.. تعبئة رقمية للهجرة نحو المجهول

    دعوات مضللة وخوارزميات عمياء.. تعبئة رقمية للهجرة نحو المجهول

    بعد أقل من أسبوعين على الأحداث التي أعادت ملف الهجرة غير النظامية عبر سبتة المحتلة إلى واجهة النقاش، عادت دعوات مضللة للظهور على منصات التواصل الاجتماعي، تحث على التوجه نحو المدينة ومحاولة العبور، في موجة جديدة تعيد وضع الدور المتنامي للفضاء الرقمي في التعبئة للهجرة تحت المجهر.

    وتأتي هذه الدعوات، التي قال مرصد الشمال لحقوق الإنسان إنها مجهولة المصدر، في أعقاب أحداث نهاية يوليوز، وفي وقت بات فيه البعد الرقمي جزءا أساسيا من فهم ما يسبق تحرك الراغبين في الهجرة نحو المناطق الحدودية.

    ولا يقتصر تكرار هذه الدعوات خلال فترة زمنية قصيرة على ما يحدث عند الحدود، بل يطرح أسئلة أوسع حول الأسباب الكامنة وراء سرعة تجدد التعبئة، وكيف يمكن لدعوة مجهولة المصدر أن تنتقل من منشور أو مقطع فيديو محدود التداول إلى محتوى واسع الانتشار، بما يعيد طرح سؤال آخر حول ما إذا كانت مراقبة المحتوى الرقمي والتدخل المبكر عبر المنصات أصبحت جزءا من الوقاية من موجات قد تنتقل في وقت قصير من الفضاء الافتراضي إلى أرض الواقع.

    السلطات تتعبأ وتتوعد المروجين

    وكشفت وزارة الداخلية، اليوم الأربعاء، إنها رصدت تداول منشورات ورسائل مجهولة المصدر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تحرض على تنظيم محاولات للعبور الجماعي غير القانوني نحو مدينتي سبتة ومليلية، محذرة من الانسياق وراء هذه الدعوات بالنظر إلى ما تنطوي عليه من مخاطر على سلامة الأشخاص، وما قد يترتب عنها من متابعات قانونية في حق المشاركين فيها أو المتورطين في الترويج لها.

    وأكدت وزارة الداخلية أن السلطات تتابع الوضع عن كثب، وأن جاهزية الأجهزة الأمنية لا ترتبط بتاريخ محدد، بل تدخل ضمن منظومة يقظة مستمرة، خصوصا في المناطق القريبة من سبتة ومليلية، يجري تعزيزها وتكييفها تبعا لتطور الوضع الميداني.

    ووصفت الوزارة هذه الممارسات بأنها تسعى إلى استغلال قضية الهجرة في أعمال تحريضية يجرمها القانون، في إشارة واضحة إلى أن التعامل مع الظاهرة لن يقتصر على إحباط محاولات العبور ميدانيا، وإنما سيشمل أيضا تتبع الجهات والأشخاص الذين يقفون وراء الدعوات الرقمية أو يساهمون في نشرها.

    وأعلنت الداخلية أنها ستتخذ جميع التدابير الضرورية للتصدي لمحاولات العبور غير القانوني واعتراض كل من يسعى إلى المشاركة فيها، بالتوازي مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حق كل من يثبت تورطه في أعمال مخالفة للقانون، بما في ذلك مروجي هذه الدعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

    وفي هذا السياق، كشفت الداخلية أن التحركات الأمنية المرتبطة بهذه الدعوات أفضت بالفعل إلى توقيف مجموعة من الأشخاص يشتبه في قيامهم بأعمال تحريضية.

    وتم إخضاع الموقوفين لمسطرة البحث القضائي تحت إشراف النيابة العامة المختصة، في خطوة تعكس انتقال التعامل مع الدعوات المتداولة من مرحلة الرصد والتحذير إلى مباشرة الإجراءات القضائية بشأن الحالات التي تشتبه السلطات في تورطها في التحريض.

    لماذا عادت الدعوات بهذه السرعة؟

    أظهرت محاولات 30 و31 يوليوز الماضي أن انتهاءها على الأرض لا يعني بالضرورة انتهاء أثرها رقميا، إذ تنتج كل موجة صورا وفيديوهات وشهادات تستمر في التداول بعد انتهاء الحدث، ويمكن أن تعود إلى الواجهة بمجرد ظهور دعوة جديدة.

    غير أن خالد مونة، أستاذ علم الاجتماع بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، يرى أن المنصات الرقمية لا تخلق الرغبة في الهجرة من الصفر، لكنها أصبحت جزءا من البيئة التي يتشكل داخلها القرار.

    ويوضح في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن الدوافع تختلف باختلاف الأفراد والأوضاع الاجتماعية، غير أن تكرار الصور والدعوات على منصات التواصل الاجتماعي يمكن أن يسرع الانتقال من التفكير إلى الفعل، خصوصا عندما يشعر الشاب بأن آخرين يستعدون للتحرك أيضا.

    ويضيف أن “فهم هذه الموجات يقتضي عدم الاكتفاء بما يحدث عند الحدود، بل دراسة الفئات التي تتفاعل مع هذه الدعوات، ودوافعها، وكيف أصبحت المنصات والشبكات الاجتماعية جزءا من الطريقة التي يتخذ بها قرار الهجرة”.

    حكم قضائي عابر للحدود

    أحداث نهاية يوليوز الفائت تقدم نموذجا عمليا للطريقة التي يمكن أن تنتقل بها المعلومة من سياقها الأصلي إلى سردية مختلفة داخل المنصات، إذ ربط المجلس الوطني لحقوق الإنسان تصاعد المضامين الرقمية بصدور قرار المحكمة العليا الإسبانية رقم 814/2026 في 8 يوليوز، والمتعلق بالمسطرة القانونية الواجب اتباعها عند اعتراض مهاجرين في البحر.

    لكن مضمون الحكم سرعان ما خضع لتأويلات مختلفة على شبكات التواصل الاجتماعي. ففي اليوم نفسه، رصد المجلس محتوى على صفحة “فيسبوكية” يتجاوز عدد متابعيها 90 ألف شخص، يقدم الحكم على أساس أن المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر عند العبور إلى سبتة أو مليلية “لا يمكن إرجاعهم”.

    وبعد خمسة أيام فقط، ظهر مضمون مشابه داخل مجموعة يتجاوز عدد أعضائها 124 ألف شخص، وكانت تنشر بمعدل يصل إلى 231 تدوينة يوميا.

    وبحسب رصد المجلس، استخدمت حسابات ومجموعات رقمية التضليل والترويج والتنسيق والإرشاد والتعبئة لتقديم رسالة أكثر تبسيطا وإغراء، مفادها أن الوصول عن طريق البحر يعني عدم إمكانية الإرجاع.

    من منشور متفرق إلى موجة رقمية

    قد تبدأ الدعوة بمنشور أو فيديو محدود، ثم يعاد نشره عبر حسابات أخرى، قبل أن ينتقل من منصة إلى أخرى أو إلى مجموعات التراسل الخاصة، وخلال هذه العملية، قد تضاف إلى المحتوى الأصلي معلومات وتعليقات جديدة، إلى درجة يصبح معها تحديد مصدر الرسالة الأولى أكثر صعوبة.

    ومع تكرار المعلومة نفسها من حسابات مختلفة، قد يتولد لدى المستخدم انطباع بأن تعدد الجهات التي تتداولها دليل على صحتها، رغم أن الجميع قد يكون في الواقع بصدد إعادة إنتاج الرسالة المضللة الأولى نفسها.

    وتكشف معطيات الرصد التي قدمها المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول أحداث نهاية يوليوز حجم البيئة الرقمية التي يمكن أن تتحرك داخلها هذه المضامين، فقد تابع المجلس منشورات 23 مجموعة على “فيسبوك” تضم مجتمعة أكثر من مليون و86 ألف عضو، وكانت تنتج أكثر من 1400 تدوينة يوميا في المتوسط، خلال الأيام التي سبقت أحداث سبتة الأخيرة.

    كما امتد الرصد إلى “تيك توك” و”إنستغرام” و”إكس”، فضلا عن مجموعات مغلقة أو شبه مغلقة على “واتساب” و”تلغرام”.

    ولم يقتصر الأمر على تداول صور أو نقاشات عامة حول الهجرة، إذ رصد المجلس داخل بعض هذه الفضاءات تبادل معلومات مرتبطة بالعبور، من نقاط الالتقاء وطرق الوصول إلى سبتة إلى تقاسم روابط مجموعات خاصة لمواصلة التنسيق بعيدا عن الفضاءات المفتوحة.

    وتدخل أنظمة التوصية “الخوارزميات” بدورها في هذه المعادلة، إذ تقترح على المستخدم محتويات بناء على أنماط مشاهدته وتفاعله السابق، ما قد يجعل الشخص المهتم بموضوع الهجرة أكثر تعرضا لمحتويات مشابهة.

    وتوضح لبنى الخواجة، الباحثة في الإعلام والتواصل الرقمي، أن “خطورة التضليل لا ترتبط فقط بالمعلومة غير الصحيحة، وإنما أيضا بسرعة تداولها وتكرارها، لأن ظهور الرسالة نفسها من حسابات متعددة قد يمنح المستخدم انطباعا بأنها مؤكدة، فيما يمكن لأنظمة التوصية أن توسع وصول المحتوى إلى أشخاص سبق أن أبدوا اهتماما بالموضوع”.

    وتنبه الخواجة في حديثها لجريدة “AM+ MEDIA” في المقابل إلى أن “الانتشار الواسع لا يكفي وحده للحديث عن حملة منظمة، لأن إثبات التنسيق يحتاج إلى تحليل مصادر المنشورات وتوقيتاتها ومسارات انتشارها، لذلك تبرز أهمية الرصد والتفنيد السريع والتعاون مع المنصات، مع احترام الخصوصية وحرية التعبير”.

    تعبئة جديدة نحو المجهول

    بعد فترة قصيرة من أحداث نهاية يوليوز، عادت المؤشرات الرقمية للظهور، فقد أعلن مرصد الشمال لحقوق الإنسان رصده دعوات مجهولة المصدر متداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تدعو إلى محاولة عبور جديدة نحو سبتة.

    وطالب المرصد بالتحقيق في مصادر هذه الدعوات والجهات التي تقف وراءها، في ظل المخاطر التي يمكن أن تترتب عن انتقال التعبئة مجددا من العالم الرقمي إلى تحركات ميدانية.

    وتكمن حساسية الدعوات الجديدة في انتقالها من الحديث العام عن الرغبة في الهجرة إلى تحديد تاريخ بعينه، لأن وصول الرسالة نفسها إلى عدد كبير من الأشخاص خلال فترة زمنية متقاربة قد يجعل قرارات فردية منفصلة تتزامن في المكان والزمان.

    وهو ما يعيد طرح السؤال نفسه الذي فرضته أحداث نهاية يوليوز؛ هل ينبغي انتظار وصول الموجة إلى الحدود، أم يمكن التدخل عندما تكون مؤشراتها لا تزال رقمية؟

    هل أصبح ضبط الخوارزميات ضروريا؟

    لم يعد التعامل مع هذا النوع من المحتوى مرتبطا بمحاربة الأخبار الزائفة فقط، بعدما أظهرت الأحداث الأخيرة أن التعبئة الرقمية يمكن أن تنتقل خلال فترة قصيرة إلى تحركات ميدانية.

    ومن هذه الزاوية، يصبح التعاون مع المنصات جزءا من مقاربة وقائية أوسع، هدفها التقاط المؤشرات المبكرة والحد من انتشار المضامين المضللة أو الدعوات التي يمكن أن تعرض سلامة الأشخاص والأمن العام للخطر.

    وقد دخل هذا الخيار بالفعل مرحلة التطبيق، بعدما وافقت شركتا “ميتا” و”تيك توك” على اتخاذ إجراءات مرتبطة بالمحتويات المتعلقة بعبور الحدود إلى إسبانيا.

    وفعلت المنصتان بروتوكولات للأزمات وآلية خاصة للتعاون مع مدققي الحقائق، إلى جانب إجراءات للتعامل مع المحتويات المخالفة المرتبطة بتهريب الأشخاص.

    وبذلك لم يعد دور شبكات التواصل الاجتماعي مجرد موضوع للنقاش حول تأثيرها في الشباب، بل أصبح جزءا من التعامل المؤسساتي مع تداعيات موجات العبور والتضليل الرقمي.

    هل يحتاج المغرب إلى مرصد وطني للهجرة؟

    تكرار موجات التعبئة يطرح في المقابل سؤالا مؤسساتيا حول إمكانية تجميع مختلف المؤشرات المرتبطة بالهجرة داخل آلية واحدة للمعرفة والتحليل والاستباق.

    فالمعطيات المتعلقة بالظاهرة موزعة بين قطاعات ومؤسسات متعددة، في وقت أصبحت فيه الهجرة تتقاطع مع عوامل اقتصادية واجتماعية وديمغرافية ونفسية وأمنية ورقمية.

    ومن هنا يمكن طرح فكرة مرصد وطني للهجرة، لا باعتباره جهازا لمراقبة شبكات التواصل الاجتماعي، وإنما آلية تجمع ما هو موزع اليوم بين المعطيات الميدانية والبحث العلمي والدراسات الاجتماعية والديمغرافية والمؤشرات الرقمية العامة.

    وتشير لبنى الخواجة في هذا السياق أن المغرب اليوم في حاجة إلى مرصد وطني للهجرة لكن بشرط ألا يكون مجرد مؤسسة إضافية تنتج التقارير والأرقام، لأن المطلوب هو آلية تشتغل بشكل مستمر على رصد الظاهرة وفهم التحولات التي تعرفها خصوصا أننا لم نعد أمام هجرة مرتبطة فقط بالوضع الاقتصادي أو البحث عن العمل.

    وأبرزت أن هناك تأثير واضح لمواقع التواصل الاجتماعي وتغير في الفئات العمرية وفي طريقة اتخاذ قرار الهجرة وحتى في سرعة انتشار الدعوات إلى العبور، موضحة أن وجود مرصد يمكن أن يسمح بتجميع المعطيات الموجودة لدى مختلف القطاعات وتحليلها وربط ما يحدث في الفضاء الرقمي بما يحدث على الأرض.

    وشددت على أن هذا مهم لأننا في كثير من الأحيان نبدأ في مناقشة الهجرة عندما يصل الشباب إلى الحدود بينما السؤال الأساسي ماذا حدث قبل ذلك؟ لماذا قرر هؤلاء الشباب الهجرة ومن أين حصلوا على المعلومات؟ وكيف تحولت دعوات متفرقة على مواقع التواصل إلى تحرك جماعي؟”، مضيفة أنه إذا استطعنا الإجابة عن هذه الأسئلة بشكل مبكر يمكن أن ننتقل من رد الفعل إلى الاستباق”.

  • ماذا بعد أحداث سبتة؟ نهاية منطق “دركي الحدود” وشراكة الهجرة أمام رهانات جديدة

    ماذا بعد أحداث سبتة؟ نهاية منطق “دركي الحدود” وشراكة الهجرة أمام رهانات جديدة

    أعادت أحداث العبور الجماعي نحو سبتة ملف الهجرة غير النظامية إلى الواجهة، وطرحت من جديد سؤال المقاربة المعتمدة في تدبير الحدود بين المغرب وإسبانيا.

    وخلال السنوات الماضية، عزز البلدان تعاونهما في مراقبة الحدود وتبادل المعلومات ومحاربة شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، ضمن شراكة أوسع تجمع المغرب بالاتحاد الأوروبي في مجال الهجرة.

    لكن الأحداث الأخيرة أظهرت أن التدخل الأمني يبدأ أساسا في المرحلة الأخيرة من مسار الهجرة، عندما يصل المهاجر إلى الحدود، فيما تتشكل دوافع الظاهرة قبل ذلك بكثير.

    ولا يتعلق السؤال بما إذا كان المغرب سيغير موقعه داخل هذه الشراكة، فهو شريك أساسي فيها، وإنما بما إذا كانت أحداث سبتة ستدفع نحو توسيع مجالات التعاون، من تدبير الحدود إلى معالجة مختلف أبعاد الهجرة وتقاسم المسؤولية بين ضفتي المتوسط.

    شراكة قائمة منذ سنوات

    يشكل المغرب منذ سنوات شريكا رئيسيا لإسبانيا والاتحاد الأوروبي في تدبير الهجرة على الطريق الغربي للمتوسط.

    ولا يقتصر التعاون على اعتراض محاولات العبور، بل يشمل تبادل المعلومات، ومكافحة شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، والتعاون الشرطي، إلى جانب ملفات العودة وإعادة الإدماج.

    وفي يوليوز 2022، عزز المغرب والاتحاد الأوروبي هذا المسار بإطلاق شراكة عملياتية لمكافحة تهريب المهاجرين، تقوم على دعم إدارة الحدود وتقوية التعاون الشرطي ومواجهة الشبكات الإجرامية.

    وبموازاة ذلك، طور المغرب مقاربته الخاصة من خلال الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء، باعتباره بلدا للمنشأ والعبور والاستقبال في الوقت نفسه.

    ويجعل هذا تدبير الهجرة بالنسبة إلى المملكة يتجاوز مسألة منع العبور، ليرتبط أيضا باعتبارات الأمن والسيادة والاستقبال والإدماج والتعاون مع دول المنشأ والاستقبال.

    الحدود.. آخر مراحل الهجرة

    وتظل مراقبة الحدود ومواجهة شبكات تهريب البشر جزءا أساسيا من تدبير الهجرة غير النظامية، سواء لحماية الأمن أو للحد من المخاطر التي يتعرض لها المهاجرون خلال محاولات العبور.

    غير أن الوصول إلى الحدود يمثل المرحلة الأخيرة من مسار يبدأ قبل ذلك، فقرار الهجرة يرتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية، وبفرص العمل والتنقل، إلى جانب نشاط شبكات تستفيد من الرغبة في الوصول إلى أوروبا.

    ويعالج إحباط محاولات العبور جانبا أساسيا من الظاهرة، لكنه لا يختزل مختلف أبعادها، خاصة عندما تتداخل في مسارات الهجرة دول المنشأ والعبور والاستقبال.

    ويرى عبد الفتاح الزين، الأستاذ والباحث المتخصص في قضايا الهجرة، أن أحداث سبتة تؤكد الحاجة إلى النظر إلى الهجرة باعتبارها مسارا متكاملا، وليس فقط لحظة وصول المهاجر إلى الحدود.

    ويعتبر الزين أن المقاربة الأمنية تظل ضرورية لحماية الحدود والتصدي للشبكات التي تستفيد من الهجرة غير النظامية، لكنها تحتاج إلى أن تندرج ضمن رؤية أوسع تشتغل أيضا على العوامل التي تسبق قرار الهجرة.

    ويضيف أن موقع المغرب كبلد منشأ وعبور واستقبال يجعله معنيا بمختلف أبعاد الظاهرة، وهو ما يفرض أن تقوم الشراكة مع أوروبا على مسؤولية مشتركة تشمل دول المنشأ والعبور والاستقبال.

    التمويل.. أحد مكونات الشراكة

    يشكل التمويل أحد مكونات التعاون المغربي الأوروبي في مجال الهجرة، لكنه لا يمثل مقابلا ماليا عن مراقبة الحدود، كما لا يوجد مبلغ سنوي ثابت يمنحه الاتحاد الأوروبي للمغرب مقابل منع عمليات العبور.

    وتظهر معطيات المفوضية الأوروبية أن صندوق الطوارئ الأوروبي لإفريقيا التزم، بين 2015 و2021، بما مجموعه 234 مليون يورو لدعم برامج مرتبطة بالهجرة في المغرب، عبر عقود ثنائية وإقليمية.

    ومن هذا المبلغ، خُصص 179 مليون يورو للإدارة المندمجة للحدود ومكافحة تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، فيما توزعت اعتمادات أخرى على الحماية والاستقرار المجتمعي، وحكامة الهجرة والعودة الطوعية، ودعم هجرة اليد العاملة.

    ومع دورة التعاون الجديدة، أعلنت المفوضية الأوروبية عن غلاف دعم تأشيري يصل إلى 500 مليون يورو للمغرب في مجال الهجرة خلال الفترة 2021-2027.

    وفي هذا الإطار، وقع الاتحاد الأوروبي والمغرب، في مارس 2023، برنامجا شاملا للهجرة بقيمة 152 مليون يورو، ولمدة أقصاها أربع سنوات، يشمل دعم تدبير الحدود ومكافحة شبكات التهريب، إلى جانب الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء، والعودة الطوعية وإعادة إدماج المهاجرين في بلدانهم الأصلية.

    التعاون أكبر من التمويل

    ولا تختزل هذه الأرقام طبيعة التعاون المغربي الأوروبي في ملف الهجرة، الذي يمتد إلى جوانب أمنية وقضائية وتنموية، فضلا عن العودة وإعادة الإدماج والتنقل.

    وفي قراءته لهذا الجانب، يشدد عبد الفتاح الزين على أن العلاقة بين المغرب والاتحاد الأوروبي في ملف الهجرة لا ينبغي قراءتها من زاوية التمويل وحده، بالنظر إلى تعدد مستويات التعاون بين الجانبين.

    ويرى أن الدعم المالي يمثل أداة ضمن شراكة تشمل الأمن والتنمية والعودة وإعادة الإدماج والتنقل، وليس مقابلا عن قيام المغرب بمراقبة حدوده، باعتبار أن هذه الأخيرة ترتبط أساسا بممارسة الدولة لمسؤولياتها السيادية.

    وبحسب الزين، فإن الرهان، بعد أحداث سبتة يكمن في توسيع المجالات الوقائية داخل هذه الشراكة، من خلال الاستثمار والتكوين والتنقل القانوني والهجرة الدائرية، بما يسمح بالتعامل مع جزء من دوافع الهجرة قبل انتقالها إلى محاولة عبور غير نظامية.

    المغرب شريك وليس حارسا

    هنا تبرز الدلالة السياسية والدبلوماسية لرفض اختزال دور المغرب في حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.

    فالمغرب لا يطالب بموقع داخل تدبير ملف الهجرة، لأنه شريك قائم بالفعل لإسبانيا والاتحاد الأوروبي، كما أن مراقبة حدوده ليست خدمة مرتبطة بمقابل خارجي، بل تدخل في صميم مسؤوليات الدولة عن أمنها وسيادتها ومحاربة الشبكات الإجرامية.

    وفي هذا الإطار، يعتبر عبد الفتاح الزين أن رفض وصف المغرب بـ”دركي أوروبا” يحمل أساسا دلالة سيادية تتعلق بموقع المملكة داخل منظومة التعاون حول الهجرة.

    ويوضح أن المغرب يتعامل مع الهجرة انطلاقا من مصالحه والتزاماته ومسؤوليته في حماية حدوده، وليس باعتباره طرفا مكلفا بحراسة المجال الأوروبي، مشيرا إلى أن التعاون مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي يقوم على مصالح متبادلة وليس على تفويض مهمة حماية الحدود لطرف واحد.

    ويرى الزين أن أحداث سبتة تعيد إبراز أهمية هذا التمييز، لأن المسؤولية المشتركة تفترض أن يقوم كل طرف بدوره، سواء قبل العبور أو خلاله أو بعد وصول المهاجر إلى الضفة الأخرى.

    ماذا قد يتغير مع إسبانيا؟

    لا تشير الأحداث الأخيرة إلى اتجاه نحو تراجع التعاون بين المغرب وإسبانيا، بل أظهرت مجددا أهمية التنسيق بين البلدين في ملف يرتبط مباشرة بأمنهما ومصالحهما المشتركة.

    لذلك، فإن ما يمكن أن يتغير بعد سبتة ليس مبدأ التعاون، وإنما نطاقه.

    فمراقبة الحدود وتبادل المعلومات ومحاربة شبكات التهريب ستظل عناصر أساسية، لكن ما يحدث بعد تجاوز الحدود يفتح ملفات أخرى، من تحديد الهوية والعودة إلى التنسيق الإداري والقضائي وتدبير أوضاع القاصرين غير المصحوبين.

    وقد يدفع ذلك نحو تعزيز التنسيق في المراحل التي تلي الوصول، وليس فقط في منع العبور، خاصة في ما يتعلق بسرعة تبادل المعطيات، والتحقق من الهوية، وتنفيذ إجراءات العودة.

    كما تظل الهجرة القانونية والتنقل المهني وإعادة الإدماج مجالات تسمح بتوسيع البعد الوقائي للتعاون، بحيث يصبح الجانب الأمني جزءا من منظومة أشمل لتدبير الهجرة، وليس عنوانها الوحيد.

    القاصرون.. المسؤولية بعد العبور

    يقدم ملف القاصرين المغاربة غير المصحوبين أحد أبرز الاختبارات العملية لهذا التعاون.

    فبعد أحداث سبتة، أعلن المغرب استعداده للتعاون مع إسبانيا من أجل تحديد هويات القاصرين المغاربة غير المصحوبين والعمل على إعادتهم إلى المملكة، في وقت ما تزال تعقيدات المساطر القانونية في إسبانيا تحول دون ذلك.

    ويأتي ذلك امتدادا للموقف المغربي القائم على الاستعداد لاستعادة القاصرين بعد استكمال المساطر القانونية اللازمة.

    وفي هذا السياق، أكد وزير العدل عبد اللطيف وهبي تمسك المغرب بإعادة القاصرين الموجودين في إسبانيا إلى أسرهم.

    وأوضح وهبي أول أمس الثلاثاء في حوار صحفي أن الرباط عقدت اجتماعات متعددة مع الجانب الإسباني بشأن الملف، وأن المغرب أبدى استعداده لاستعادة القاصرين، معتبرا أن استمرار الإشكال يرتبط بتعثر إجراءات إعادتهم من الجانب الإسباني.

    وتخضع إعادة القاصرين لضمانات قانونية مرتبطة بالتحقق من الهوية والوضع العائلي والمصلحة الفضلى للطفل، ما يجعلها أكثر تعقيدا من إجراءات إعادة البالغين.

    ويرى الأستاذ والباحث المتخصص في قضايا الهجرة عبد الفتاح الزين أن ملف القاصرين يمثل اختبارا عمليا لمفهوم المسؤولية المشتركة بين المغرب وإسبانيا، لأنه ينقل التعاون من مرحلة منع العبور إلى مرحلة تدبير نتائجه.

    ويعتبر أن إعلان المغرب استعداده لاستعادة القاصرين يضع الطرفين أمام ضرورة تسريع التنسيق القانوني والإداري، مع احترام الضمانات المرتبطة بحماية الطفل، حتى لا تتحول تعقيدات المساطر إلى عائق دائم أمام معالجة الملف.

    ويخلص الزين إلى أن تطوير التعاون بعد سبتة يقتضي أن يشمل مختلف مراحل الهجرة، لأن الشراكة لا يمكن أن تقتصر على ما يحدث قبل الوصول إلى الحدود، بل يجب أن تشمل أيضا العودة وإعادة الإدماج وتدبير أوضاع من وصلوا بالفعل إلى الجانب الآخر.

  • من الأخبار الزائفة لاستهداف الحياة الخاصة.. تحديات رقمية تسبق انتخابات 2026

    من الأخبار الزائفة لاستهداف الحياة الخاصة.. تحديات رقمية تسبق انتخابات 2026

    لم تعد الأخبار الزائفة خلال الفترات الانتخابية مرتبطة فقط بمنشور يتضمن معلومة غير صحيحة أو اتهاما يصعب إثباته، فتطور أدوات الذكاء الاصطناعي أضاف إلى المشهد تسجيلات صوتية يمكن استنساخها، وصورا قابلة للتعديل، وتصريحات يمكن تركيبها، إلى جانب فيديوهات حقيقية تقتطع من سياقها ويعاد نشرها بطريقة تغير مضمونها.

    ومع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، يطرح هذا التحول تحديا يتعلق بطبيعة النقاش السياسي، خصوصا عندما تنتقل المواجهة من مناقشة البرامج والكفاءة والحصيلة إلى استهداف السمعة والحياة الخاصة والعائلة.

    وتظهر حساسية هذه الممارسات بشكل أكبر بالنسبة للنساء الحاضرات في المجال السياسي، بالنظر إلى أن حملات الاستهداف الرقمي قد تتجاوز عملهن ومواقفهن إلى حياتهن الشخصية والعائلية، وقد تأخذ في بعض الحالات شكل إيحاءات أو شائعات ذات طبيعة جنسية.

    وخلال الفترة الأخيرة، أعادت حالات طالت شخصيات سياسية، من بينها فاطمة الزهراء المنصوري ونجوى ككوس، إلى جانب قضية سابقة مرتبطة بعبد اللطيف وهبي، طرح الحدود بين النقد السياسي المشروع والتشهير، في وقت تستعد فيه المنظومة الانتخابية لاختبار مقتضيات جديدة لمواجهة الأخبار الزائفة والمحتويات المفبركة.

    من مساءلة المسؤول إلى الافتراء واستهداف السمعة

    أثار ملف أراضي تسلطانت جدلا حول وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فاطمة الزهراء المنصوري، وعائلتها، بعد اتهامات بشأن طبيعة العقار ووضعه التعميري واستغلال النفوذ، غير أن المنصوري كذّبت كل الشائعات وأوضحت الحقيقة أمام الرأي العام، قبل أن تلجأ في أبريل 2026 إلى القضاء ضد الادعاءات الكاذبة والمعطيات التشهيرية.

    وعاد العنف الرقمي إلى الواجهة مع نجوى ككوس، رئيسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، التي أعلنت تعرضها لحملات ممنهجة من التشهير والسب والقذف والمس بالسمعة، معلنة لجوءها إلى القضاء، مشددة على أن استهداف النساء سياسيا قد يتجاوز النقد المشروع للأداء إلى المس بالحياة الخاصة والعائلة، بما يحول التشهير إلى وسيلة للضغط والإقصاء من المجال العام.

    وسبق لوزير العدل عبد اللطيف وهبي أن لجأ إلى القضاء في قضية مرتبطة بمحتويات اعتبرها متضمنة لأخبار وادعاءات كاذبة تمس بسمعته، وانتهت ابتدائيا سنة 2024 بإدانة المشتكى به على خلفية تهم مرتبطة ببث وتوزيع ادعاءات ووقائع كاذبة بقصد التشهير والقذف والسب العلني.

    وفي هذا السياق، يرى حاتم بومهود، الباحث في علوم المعلومة والتواصل، أن سرعة تداول المحتوى على المنصات الرقمية أفرزت تحديات جديدة تتعلق بمصداقية المعلومات وحيادها، في ظل قدرة هذه المنصات على نشر المعلومة بشكل فوري بصرف النظر عن طبيعتها أو مدى صحتها.

    ويحذر بومهود من تحول بعض المنصات الرقمية إلى فضاءات لصناعة وتداول المحتويات العنيفة، معتبرا أن انعكاسات هذه الظاهرة لا تقف عند المستخدمين، بل يمكن أن تمتد إلى المجتمع والممارسة الديمقراطية، خصوصا في ظل ما تعرفه الهوية والحياة الشخصية من اختراقات داخل الفضاء الرقمي.

    العنف الرقمي.. عقبة إضافية أمام النساء

    لم تنتظر أشكال العنف الموجه ضد النساء انطلاق الحملة الانتخابية لتظهر في الفضاء الرقمي، إذ سجل المرصد الوطني للحماية من العنف الرقمي، خلال يوليوز المنصرم وبداية غشت الجاري، تنامي حالات استهداف لنساء مرشحات عبر منصات التواصل الاجتماعي، في وقت ما تزال فيه الاستعدادات للاستحقاق التشريعي المقرر في 23 شتنبر في مراحلها الأولى.

    وبحسب المعطيات التي أوردها المرصد في بلاغ له، اتخذت هذه الاعتداءات صورا متعددة، تراوحت بين السب والقذف والتشهير، والمساس بالحياة الخاصة والكرامة، وصولا إلى تداول ادعاءات ومضامين مسيئة تستهدف المرشحات على المستويين الشخصي والسياسي.

    ولا يتعلق الأمر، وفق المصدر ذاته، بوقائع متفرقة فقط، إذ كشفت عمليات الرصد عن حالات اتخذ فيها الاستهداف طابعا متكررا أو منظما، بما يجعل الفضاء الرقمي يتحول تدريجيا إلى إحدى ساحات الضغط على النساء المقبلات على المنافسة الانتخابية، حتى قبل اكتمال الصورة النهائية للترشيحات النسائية.

    وتتجاوز خطورة هذه الممارسات، في تقدير المرصد، حدود الضرر الذي يلحق بالنساء المستهدفات مباشرة، لتطال شروط المشاركة السياسية نفسها، لأن التشهير والتهديد والمساس بالحياة الخاصة يمكن أن تؤثر في قدرة المرشحات على خوض المنافسة والتعبير عن مواقفهن ومواصلة مسارهن السياسي، كما قد يبعث برسالة ردع إلى نساء أخريات يفكرن في دخول المجال العام.

    وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية في انتخابات 2026، التي ستكون، بحسب المرصد، أول استحقاق لاختبار المقتضيات الزجرية الجديدة التي جاء بها القانون التنظيمي رقم 53.25، ولا سيما المادة 51 المكررة، في مواجهة الأفعال المرتكبة عبر الوسائط الرقمية خلال العملية الانتخابية.

    المادة 51 المكررة.. حماية السمعة تدخل القانون الانتخابي

    وتجرم المادة 51 المكررة استخدام وسائل تكنولوجيا الإعلام والتواصل الحديثة لبث أو توزيع تركيبة مكونة من أقوال شخص أو صورته دون موافقته، أو نشر وتوزيع أخبار زائفة أو ادعاءات ووقائع كاذبة أو مستندات مختلقة أو مدلس فيها، عندما يكون القصد المس بالحياة الخاصة للناخبين أو المترشحين أو التشهير بهم.

    وتمتد المقتضيات إلى نشر الإشاعات أو الأخبار الزائفة بقصد التشكيك في مصداقية ونزاهة الانتخابات، فيما حددت العقوبة في الحبس من سنتين إلى خمس سنوات وغرامة من 50 ألفا إلى 100 ألف درهم.

    وفي المقابل، يرتبط التجريم بتوافر القصد الجنائي ونية الإضرار أو التأثير غير المشروع، بما يضع فاصلا من حيث المبدأ بين النقد والمساءلة السياسية وبين نشر محتوى كاذب بقصد التشهير أو التأثير في العملية الانتخابية.

    وفي هذا السياق، يرى حميد بلغيث، أستاذ القانون الدستوري، أن المقتضيات الجديدة تعكس محاولة من المشرع لمواكبة التحول الذي عرفته الحملات الانتخابية مع توسع استخدام المنصات الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي.

    وأبرز في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن “المادة 51 المكررة لا تستهدف النقد السياسي أو حق المواطنين والصحافة في مساءلة المترشحين، وإنما تتجه إلى الأفعال التي تقوم على نشر أخبار أو ادعاءات كاذبة، أو تركيب أقوال وصور، بقصد التشهير أو المس بالحياة الخاصة أو التأثير في نزاهة العملية الانتخابية”، مبرزا أن “هذا التمييز مهم لأن حرية التعبير تظل مضمونة، لكن ممارستها لا تعني إباحة المس بسمعة الأشخاص أو صناعة محتوى زائف ونسبه إليهم”.

    وأضاف أن أهمية هذه المقتضيات تزداد مع تطور الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح يسمح باستنساخ الأصوات وتركيب الصور والفيديوهات وإنتاج تصريحات تبدو حقيقية، لافتا إلى أن التحدي لن يكون في وجود النص القانوني فقط، بل في إثبات التلاعب وتحديد مصدر المحتوى والمسؤول عن إنتاجه ونشره، خاصة بالنظر إلى سرعة تداوله على المنصات الرقمية

    وشدد على أن التطبيق العملي للمادة ومدى سرعة التعامل مع المخالفات عنصر أساسي في تحقيق التوازن بين حماية نزاهة الانتخابات والحياة الخاصة للمترشحين وبين ضمان حرية الرأي والتعبير.

    الذكاء الاصطناعي.. تحد جديد

    يمكن اليوم استنساخ صوت شخصية سياسية، أو تركيب تصريح لم يصدر عنها، أو تعديل صورة وفيديو، فضلا عن استخدام محتوى حقيقي بطريقة مضللة عبر اقتطاع جزء منه وإخراجه من سياقه.

    وهذا التطور غير طبيعة الأخبار الزائفة، ولم يعد التحقق مقتصرا على السؤال عن صحة المعلومة، بل أصبح يشمل أصالة الصوت والصورة والفيديو والسياق الذي أخذ منه التصريح.

    ولا يحتاج المحتوى المفبرك بالضرورة إلى إقناع جميع المتلقين، فقد يكون تسجيل أو فيديو مثير كافيا لخلق جدل أو زرع الشك حول شخصية سياسية، بينما يحتاج التحقق منه أو نفيه إلى وقت أطول، كما أن التصحيح لا يضمن الوصول إلى الجمهور نفسه الذي شاهد المحتوى الأصلي.

    وتزداد حساسية هذا التفاوت خلال الفترات الانتخابية، حيث يمكن لمحتوى ينتشر خلال ساعات أن يؤثر على النقاش حول مترشح قبل التأكد من صحته.

    الهاكا” تطوق التضليل بالذكاء الاصطناعي

    وبالتوازي مع المقتضيات القانونية، وضع المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري ضوابط للأخبار الزائفة والذكاء الاصطناعي ضمن القواعد المؤطرة لتغطية انتخابات 2026.

    ويلزم القرار رقم 50-26 خدمات الاتصال السمعي البصري بالمساهمة في محاربة الأخبار الزائفة التي يمكن أن تؤثر على السير العادي للانتخابات أو تمس سلامة المعلومة الانتخابية، إلى جانب رفع يقظة الجمهور تجاه الأخبار المضللة بهدف صون الاختيار الحر والتصويت الواعي.

    ويمنع القرار بث أي محتوى انتخابي مركب أو مولد بواسطة الذكاء الاصطناعي من شأنه تضليل الجمهور أو المساس بنزاهة وصدقية النقاش الانتخابي.

    أما استخدام المحتوى الاصطناعي لأغراض إخبارية أو تفسيرية أو للتحقق، فيشترط الكشف عن طبيعته بشكل واضح، كما يجب أن يكون المحتوى المولد أو المعدل اصطناعيا قابلا للتعرف عليه، مع التنبيه إلى أي استنساخ أو محاكاة لصوت أو مظهر أو هوية شخص حقيقي.

    ويمتد التنظيم إلى المحتوى الحقيقي المستخدم بشكل مضلل، إذ يلزم القرار وسائل الاتصال السمعي البصري بعدم فصل مقتطفات تصريحات وتعليقات الفاعلين السياسيين عن سياقها.

  • خالد مونة: الفقر لم يعد كافيا لفهم لماذا يقرر الشباب الهجرة

    خالد مونة: الفقر لم يعد كافيا لفهم لماذا يقرر الشباب الهجرة

    لم تعد الهجرة، خصوصا في أوساط الأجيال الجديدة، قابلة للتفسير فقط من خلال ثنائية الفقر والبحث عن العمل، فإلى جانب العوامل الاقتصادية والاجتماعية، طرأت تحولات على بنية الأسرة وموقع الفرد داخلها، وعلى الطريقة التي يبني بها الشباب تطلعاتهم ومشاريعهم المستقبلية، بالتوازي مع حضور متزايد للفضاء الرقمي في تشكيل الصور والتمثلات المرتبطة بالهجرة والحياة في الخارج.

    وتعيد أحداث الهجرة الجماعية الأخيرة نحو سبتة المحتلة طرح هذه الأسئلة بإلحاح أكبر، خاصة أن التفكير في الرحيل لا يرتبط دائما بالفقر أو الحرمان المادي المباشر، وإنما قد يتداخل مع البحث عن الاستقلال، والرغبة في تغيير نمط الحياة، ونظرة الشباب إلى مستقبلهم والآفاق المتاحة أمامهم.

    في هذا الحوار مع  AM+ MEDIA، يقدم خالد مونة، الأنتروبولوجي وأستاذ علم الاجتماع بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس ورئيس مركز الرباط للدراسات الاجتماعية، قراءته للتحولات التي تعرفها الهجرة، ويتوقف عند تغير موقع الأسرة والفرد في صناعة قرار الرحيل، وحدود تأثير شبكات التواصل الاجتماعي، وخصوصية التحركات الجماعية نحو سبتة، فضلا عن طريقة تعاطي المؤسسات والفاعلين السياسيين مع الظاهرة.

    واقع الهجرة تغيّر بطبيعة الحال، لكن هذا التغير لا يرتبط فقط بتحول الدوافع والأسباب التي تدفع الأفراد إلى الهجرة، وإنما أيضا بالتحولات التي عرفتها البنية الاجتماعية، وبالأدوار التي أصبح يؤديها الأفراد داخل الأسرة والمجتمع. فالانتقال التدريجي من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية، وما رافقه من إعادة توزيع للأدوار وتنامٍ لاستقلالية الفرد في اتخاذ قراراته، غيّر بالضرورة طبيعة الممارسة الهجرية والآليات التي تُبنى من خلالها.

    لذلك، لا ينبغي النظر إلى الهجرة باعتبارها استجابة مباشرة لأسباب اقتصادية أو اجتماعية ثابتة، فهذه الأسباب تختلف من فرد إلى آخر، ومن جيل إلى آخر، كما تختلف باختلاف السياقات الاجتماعية، والأهم أن التحولات الاجتماعية غيّرت الطريقة التي تُتخذ بها قرارات الهجرة، والجهات التي تشارك في صناعتها، والشبكات التي تسهّلها، وكذلك طبيعة العلاقة بين الفرد والأسرة عند بناء المشروع الهجروي.

    لهذا، فإن فهم التحول الذي تعرفه الهجرة لا ينبغي أن يقتصر على سؤال: لماذا يهاجر الناس؟، وإنما يقتضي أيضا طرح أسئلة أخرى من قبيل: من يقرر الهجرة؟، وكيف يُتخذ هذا القرار؟، “ما الدور الذي تلعبه الأسرة وشبكات القرابة والصداقة في ذلك؟

    هذه الأسئلة تنقلنا من البحث عن سبب مباشر للهجرة إلى محاولة فهم السياق الاجتماعي الذي يُصنع داخله القرار، لأن قرار الهجرة نفسه يتغير بتغير المجتمع، وبتغير موقع الفرد داخل الأسرة، وبتحول طبيعة العلاقات الاجتماعية التي تحيط به.

    مع الانتقال التدريجي من نموذج الأسرة الممتدة إلى نموذج اجتماعي أكثر فردانية، لم تعد العوامل الاقتصادية وحدها كافية لفهم الظاهرة الهجرية. وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، إلغاء أهمية العامل الاقتصادي، وإنما يعني أن اختزال الهجرة فيه وحده لا يسمح بفهم جميع المسارات والتجارب التي نلاحظها اليوم.

    وأتذكر في هذا السياق أحد الشباب الذين حاولوا الهجرة إلى سبتة، حيث قال: “وجدت في سبتة الجوع فقط، وأنا لست معتادا على ذلك، فأنا أعيش في خير في بيت والدي”. هذه الشهادة تكشف أن الهجرة لا ترتبط بالضرورة بالفقر أو الحرمان المادي المباشر.

    قد يكون الشاب يعيش في ظروف توفر له حاجياته الأساسية داخل أسرته، لكنه مع ذلك يفكر في الهجرة بسبب تطلعات أخرى، مثل البحث عن الاستقلال، أو الرغبة في تغيير نمط الحياة، أو محاولة الخروج من واقع ينظر إليه باعتباره محدود الآفاق.

    وهنا ينبغي الانتباه إلى موقع الفرد في هذه التحولات؛ فالمهاجر، خصوصا في الأجيال الجديدة، أصبح فاعلا أكثر استقلالية في بناء مشروعه الهجروي، حتى وإن ظل مرتبطا بشبكات القرابة والصداقة والتضامن.

    ومن ثم، يمكن الحديث عن انتقال تدريجي من هجرة تُبنى أساسا داخل استراتيجية أسرية جماعية، يكون فيها قرار هجرة أحد أفراد الأسرة مرتبطا بمصالح الأسرة ككل، إلى هجرة تصبح فيها المسارات الفردية والتطلعات الشخصية ومشاريع المستقبل عناصر أساسية في صناعة القرار.

    هذا التحول لا يعني اختفاء الأسرة من المشروع الهجروي، ولا انتهاء تأثير شبكات القرابة والتضامن، وإنما يعني أن الفرد أصبح يحتل موقعا أكبر في تحديد مساره وفي بناء تصوره لمستقبله، وبالتالي في اتخاذ قرار الهجرة نفسه.

    شبكات التواصل الاجتماعي ليست فاعلا أساسيا أو محركا مباشرا للهجرة، والقول بعكس ذلك قد يقود إلى قراءة مضللة للظاهرة. فالعالم الافتراضي لا يصنع الرغبة في الهجرة من العدم، كما أنه لا ينتج وحده الأزمات التي تدفع الأفراد إلى التفكير فيها.

    ما يقوم به هذا الفضاء، من خلال الصور والفيديوهات وقصص الأشخاص الذين نجحوا في مسارات الهجرة، هو أنه يقدم للأفراد تمثلات ومخارج محتملة للأزمات التي يعيشونها. فالشخص الذي يعيش وضعا معينا، أو يشعر بأن الآفاق أمامه محدودة، قد يجد عبر هذه المنصات صورا وتجارب ومسارات تجعله يرى الهجرة باعتبارها أحد المخارج الممكنة.

    بهذا المعنى، تشكل شبكات التواصل الاجتماعي عاملا مؤثرا في الظاهرة الهجرية، لكنها ليست عاملا مؤسسا أو بنيويا لها؛ فهي قد تسرّع اتخاذ القرار، وتعيد تشكيل التمثلات المرتبطة بالحياة في الخارج، وتوفر المعلومات، وتُظهر مسارات وتجارب لم تكن متاحة بالوضوح والسرعة نفسيهما في السابق.

    لكن كل ذلك لا يعني أنها تفسر بمفردها لماذا يقرر شخص معين الهجرة، لأنه علينا أن نميز بين العامل الذي يؤثر في الظاهرة والعامل الذي يؤسس لها.

    لذلك، فإن العلاقة بين العالم الافتراضي والهجرة هي، في تقديري، علاقة ارتباط وليست علاقة سببية مباشرة، فالفضاء الرقمي يتفاعل مع دوافع اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية موجودة أصلا، وقد يمنحها سرعة وانتشارا أكبر، لكنه لا يمكن اعتباره السبب المؤسس للظاهرة.

    وإذا ركزنا على شبكات التواصل الاجتماعي باعتبارها التفسير الرئيسي للهجرة، فإننا نخاطر بإبعاد النقاش عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية التي تجعل الفرد مستعدا أصلا للتفاعل مع ما يشاهده في العالم الافتراضي، والتفكير في الهجرة باعتبارها حلا ممكنا.

    لا يمكن فهم هذه التجربة فقط من خلال مسارات الأفراد، لأنها كانت مرتبطة أساسا بالطابع الجماعي والاستثنائي للحركة. فقد تحرك آلاف الأشخاص في الوقت نفسه تقريبا، وهو ما خلق دينامية مختلفة تماما عن تلك المرتبطة بالهجرة الفردية أو الأسرية.

    عندما نتحدث عن حركة بهذا الحجم وفي فترة زمنية متقاربة، فإننا لا نكون أمام مجرد مجموعة من القرارات الفردية المنفصلة، وإنما أمام وضع جماعي واستثنائي يحتاج إلى أن يُقرأ أيضا من زاوية الدينامية التي يخلقها وجود أعداد كبيرة من الأشخاص في المكان والزمان نفسيهما.

    ومن المحتمل أيضا أن جزءا من الأشخاص الذين شاركوا في هذه الحركة لم يكن يتوقع بالضرورة الاستقرار الفوري في أوروبا، وإنما كان ينتظر نوعا من الاستقبال أو التكفل المؤقت. فقد يكون لدى بعضهم اعتقاد بأن الوصول إلى سبتة سيتيح لهم الاستفادة من الماء والغذاء، أو من أشكال من المساعدة التي تقدمها جهات حكومية أو منظمات غير حكومية.

    لكن ينبغي التعامل مع هذه الفرضية بحذر، وتجنب افتراض أن جميع المشاركين كانت لديهم النية نفسها أو التوقعات ذاتها، لأن الطابع الجماعي للحركة لا يعني بالضرورة أن كل فرد شارك فيها كان يحمل المشروع نفسه أو يتصور النتيجة بالطريقة ذاتها.

    كما لا ينبغي التقليل من أثر هذا الوصول الجماعي على سكان المدينة. فالخوف الذي ساد بين جزء من السكان يمكن فهمه، في جانب منه، باعتباره رد فعل اجتماعيا أمام وضع استثنائي.

    أن يشاهد سكان مدينة صغيرة، ذات مجال جغرافي محدود ويقطنها أكثر من ستين ألف شخص، آلاف الشباب يصلون إليها في وقت واحد، هو حدث كفيل بإنتاج شعور قوي بالقلق وعدم الأمان والارتباك. وهنا نحن لا نصدر حكما على الأشخاص الذين وصلوا، وإنما نحاول فهم الأثر الاجتماعي الذي يمكن أن ينتجه حدث بهذا الحجم على السكان الموجودين أصلا داخل مجال محدود.

    لذلك، لا تكمن المسألة فقط في الحكم على ما إذا كان هذا الخوف “مبررا” أم لا، وإنما في فهم الكيفية التي أدى بها هذا التدفق الاستثنائي، من حيث حجمه وتزامنه، إلى إعادة تشكيل تصورات السكان وسلوكياتهم والعلاقات بينهم وبين الوافدين الجدد، في ظرف زمني قصير جدا.

    لا يمكنني أن أعطي دروسا في هذا المجال، لكن بإمكاني أن أقرأ، من خلال التصريحات والمواقف الحكومية، كيف تنظر الدولة إلى هذه المسألة وكيف تحدد أولوياتها.

    فبعد أيام قليلة من أحداث سبتة، صدرت تعليمات من طرف رئيس الحكومة، في إطار التحضير للميزانية الجديدة للسنة المقبلة، تقضي بإعطاء الأولوية للأوراش الكبرى. وهذا التوجه يكشف، في نظري، عن استمرار مقاربة اقتصادية كلية تركز على المؤشرات والمشاريع الكبرى، من دون أن تمنح الاهتمام نفسه لمسألة الاستقرار الاجتماعي وللأسباب العميقة التي تدفع جزءا من الشباب إلى فقدان الأمل في المستقبل.

    وفي المقابل، رأينا كيف اختارت الأحزاب السياسية، في معظمها، الصمت وانتظار الرواية الرسمية للأحداث، خصوصا أن الحدث قُدِّم منذ البداية باعتباره قضية ذات أبعاد خارجية وأمنية.

    وبعد أن تبلورت هذه الرواية، لاحظنا أن الجميع تقريبا أصبح يردد الخطاب نفسه، بما في ذلك الخطاب الذي يحمّل شبكات التواصل الاجتماعي مسؤولية ما حدث؛ والحال أن اختزال الظاهرة في دور شبكات التواصل الاجتماعي يُغفل العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الأعمق التي أنتجت السياق الذي جعل هذا النوع من التحرك ممكنا.

    فالفضاء الرقمي يمكن أن يكون عاملا مؤثرا ومسرّعا، لكنه ليس العامل المؤسس أو البنيوي للظاهرة. وإذا جعلناه في مركز التفسير، فقد نغفل الأسئلة المرتبطة بالواقع الاجتماعي نفسه، وبالظروف التي تجعل جزءا من الشباب يرى في الهجرة مخرجا ممكنا.

    وهنا تكمن، في تقديري، المشكلة الأساسية: نحن في النهاية نحصد ما ننتجه. فعندما ننتج التهميش، ونقتل الأمل، ولا نوفر للشباب آفاقا حقيقية للمستقبل، لا ينبغي أن نتفاجأ عندما يبحث هؤلاء الشباب عن مخارج أخرى، بما فيها الهجرة.

    المسألة، إذن، ليست فقط مسألة مراقبة الحدود أو تشديد المقاربة الأمنية، وإنما تتعلق أيضا بنوع المجتمع الذي ننتجه، وبالفرص التي نوفرها لأفراده، وبمدى قدرتنا على جعل المستقبل ممكنا وقابلا للحياة بالنسبة إلى الشباب.