الكاتب: حمزة حشيشة

  • الشباب في قلب “تغيير المسار”.. كيف يبني “البام” معادلة جديدة للإدماج والعدالة الاجتماعية؟

    الشباب في قلب “تغيير المسار”.. كيف يبني “البام” معادلة جديدة للإدماج والعدالة الاجتماعية؟

    لا يضع حزب الأصالة والمعاصرة ملف الشباب في برنامجه الانتخابي من زاوية البطالة فقط، بل يحاول بناء تصور أكثر شمولا، ينطلق من المدرسة ويمر عبر التكوين والإدماج في سوق الشغل، وصولا إلى الاستقرار المهني والسكن والحركية.

    ويضع البرنامج الانتخابي الذي اختار له “البام” شعار “من أجل تغيير المسار.. كْلمة وحْدة” الشباب ضمن أولوياته من خلال “ميثاق إدماج الشباب”، الذي يقوم على فكرة أساسية مفادها أن الشاب لا ينبغي أن يبقى خارج مسار واضح للتعليم أو التكوين أو العمل أو ريادة الأعمال أو الحركية المهنية.

    البرنامج يقترح الانتقال من التعامل مع كل ملف بشكل منفصل إلى تتبع المسار الكامل للشاب، باعتبار أن الانقطاع عن الدراسة، وضعف التكوين، والبطالة، وصعوبة الولوج إلى أول وظيفة، ثم مشاكل السكن والتنقل، ليست قضايا منفصلة تماما، وإنما حلقات يمكن أن تتداخل في حياة الشاب نفسه.

    من “الشاب العاطل” إلى مسار إدماج متكامل

    في هذا التصور، يقترح “البام” إطلاق برنامج وطني مندمج للشباب بين 2027 و2031 تحت شعار “أفق لكل شاب”، يقوم على الانتقال من تعدد البرامج القطاعية إلى سياسة تتبع مسار الشاب من التعليم والتكوين إلى الشغل والسكن والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

    ويشكل “مسار إدماج” إحدى أبرز آليات هذا التصور، من خلال إحداث منصة وطنية لتسجيل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 سنة، مع اعتماد تشخيص فردي لوضعية كل شاب، ودعم اجتماعي، ثم عقد للإدماج يحدد المسار المناسب، سواء تعلق الأمر بالتكوين أو العمل أو العودة إلى الدراسة أو إنشاء مشروع.

    ويستهدف البرنامج، عند بلوغ النظام سرعته الكاملة، مواكبة حوالي 300 ألف شاب سنويا.

    وفي هذا السياق، يرى جاد زهراش، عضو المكتب التنفيذي لمنظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، أن أهمية هذا التصور تكمن في الانتقال من التعامل مع الشباب باعتباره رقما في مؤشرات البطالة إلى النظر إليه باعتباره صاحب مسار يحتاج إلى مواكبة متواصلة.

    فالمشكل، وفقه، لا يبدأ بالضرورة عندما يصبح الشاب عاطلا، بل يمكن أن يبدأ في وقت أبكر، من خلال الانقطاع عن الدراسة، أو اختيار تكوين لا يستجيب لحاجيات سوق الشغل، أو غياب التوجيه، قبل أن تظهر نتائج ذلك لاحقا في شكل بطالة أو عمل غير مستقر.

    “صفر انقطاع عن الدراسة” ومسار بديل

    ومن هنا يأتي التزام “صفر انقطاع عن الدراسة دون حل بديل”، الذي يقترح من خلاله الحزب إرساء منظومة وطنية لرصد الانقطاع عن الدراسة، خصوصا في الفئة العمرية بين 15 و18 سنة، مع توجيه المنقطعين نحو مسارات التعليم أو التكوين المهني أو التدرج المهني.

    وفي هذا السياق، يشدد زهراش على أن الاستثمار في الشباب يبدأ قبل الولوج إلى سوق الشغل، لأن جزءا من صعوبات الإدماج يرتبط بالمسار الدراسي والتكويني الذي يسبق هذه المرحلة.

    وبذلك، لا ينتظر البرنامج وصول الشاب إلى البطالة حتى يبدأ التدخل، بل يقترح رصد نقاط الانقطاع في المسار والتدخل في وقت مبكر.

    التكوين.. من الشهادة إلى فرص العمل

    ولا يتوقف البرنامج عند توسيع العرض التكويني، بل يحاول ربط التكوين بالنتيجة التي يفترض أن يحققها في سوق الشغل.

    ويقترح الحزب رفع الطاقة الاستيعابية للتكوين المهني والتدرج المهني إلى ما بين 150 و200 ألف مستفيد سنويا، إلى جانب برنامج “كفاءات 2030” الذي يستهدف حوالي نصف مليون عملية تكوين وإعادة تأهيل، مع اعتماد تمويل مرتبط بنتائج الإدماج.

    ويأتي برنامج “أول عقد شغل” في السياق نفسه، إذ يستهدف 500 ألف شاب خلال خمس سنوات، عبر مساهمة مؤقتة وتناقصية للدولة في جزء من تكلفة أول تشغيل، مع ربط جزء مهم من الدعم باستمرار الشاب داخل المقاولة.

    بالنسبة لزهراش، فإن الرهان لا يتعلق فقط بمنح الشاب فرصة أولى، وإنما بأن تكون هذه الفرصة مدخلا فعليا إلى الاستقرار المهني، وليس مجرد انتقال مؤقت إلى سوق الشغل.

    من الالتزام إلى التنزيل

    لكن تحويل هذه الالتزامات إلى نتائج فعلية يفتح التنزيل، إذ يرى عمر الداودي، المنسق الجهوي لمنظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة بجهة الرباط سلا القنيطرة، أن تنزيل سياسة مندمجة للشباب يقتضي أولا تجاوز منطق البرامج المنفصلة، وربط مختلف المتدخلين حول مسار واحد تكون فيه مسؤولية كل جهة واضحة.

    وأبرز أن القرب من الشباب يظل عنصرا أساسيا في عملية التنزيل، لأن الحاجيات ليست واحدة بين مختلف المناطق والفئات، وهو ما يجعل تنفيذ البرامج مرتبطا بقدرتها على التكيف مع الواقع المحلي.

    ويذهب البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة أبعد من مسألة الولوج إلى العمل، من خلال إدراج “ظروف العمل اللائق” ضمن تصور إدماج الشباب.

    ويتعلق الأمر بعقد عمل مصرح به، والاستفادة من الحماية الاجتماعية منذ اليوم الأول، واحترام ساعات العمل وشروط الصحة والسلامة، إلى جانب إجراءات مرتبطة بالنقل والسكن.

    السكن والحركية جزء من معادلة الإدماج

    وفي الجانب المرتبط بالاستقلالية، يقترح الأصالة والمعاصرة إحداث صندوق عمومي لضمان كراء سكن الشباب، بما يسمح للدولة بتقديم الضمانة لفائدة الشاب دون أن يضطر إلى تجميد مبلغ مالي، مع تفعيل الضمان في حالة التعثر وفق آليات للاسترجاع.

    كما يقترح “جواز الحركية المهنية” لدعم الشباب الذين يقبلون على فرصة عمل أو تكوين خارج مناطق إقامتهم، من خلال تغطية جزء من تكاليف النقل والانتقال والإقامة المؤقتة، مستهدفا حوالي 250 ألف عملية حركية مهنية خلال خمس سنوات.

    ويأتي هذا الطرح من فكرة أن فرصة العمل لا تكون دائما قريبة من مكان إقامة الشاب، وقد تتحول المسافة وتكاليف الانتقال أو الحاجة إلى السكن إلى عائق أمام قبول فرصة مهنية متاحة في منطقة أخرى، لذلك يربط البرنامج بين الإدماج المهني والحركية، وبين الحصول على العمل والقدرة على الاستقرار.

  • المرأة في برنامج “البام”.. كيف وزع التزاماته بين رفع الحيف والإنصاف والتمكين الاقتصادي؟

    المرأة في برنامج “البام”.. كيف وزع التزاماته بين رفع الحيف والإنصاف والتمكين الاقتصادي؟

    وضع حزب الأصالة والمعاصرة ملف النساء أمام واحد من أكثر الوعود الانتخابية وضوحا في برنامجه “من أجل تغيير المسار.. كلمة وحدة برفع معاش الأرملة من 50 إلى 100 في المئة، في خطوة يقدمها باعتبارها مدخلا لإنهاء ما يصفه بالحيف الذي يطال النساء، في ظل مسارات مهنية غالبا ما تكون أكثر انقطاعا وأقل تصريحا.

    لكن المرأة في برنامج “البام” لا تظهر فقط في خانة الأرملة، لأنه يفتح، من مواقع مختلفة، ملفات مرتبطة بالعمل والدخل والاستقلال الاقتصادي، والنساء الشابات، والصحة، ورعاية الأطفال، وظروف الولوج إلى سوق الشغل.

    “البام” يرفع سقف إنصاف الأرامل

    يبدأ البرنامج من تشخيص يعتبر أن الوضع أكثر ظلما بالنسبة للنساء، خاصة أن مسارهن المهني يكون في كثير من الحالات أكثر انقطاعا وأقل تصريحا، وهو ما يؤدي إلى معاشات أضعف.

    وفي المقابل، يسجل البرنامج أن الأرامل يتقاضين 50 بالمئة من معاش تقاعد أزواجهن المتوفين.

    وفي هذا السياق، وضعت قلوب فيطح، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة ورئيسة منظمة نساء الحزب، هذا المقترح في سياق أوسع يرتبط بما تواجهه الأسرة بعد وفاة الزوج، معتبرة أن الأرملة تجد نفسها أمام معاناة مزدوجة، تتمثل في فقدان شريك الحياة وفقدان المصدر الكامل للدخل.

    وقالت فيطح في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” إن استفادة الأرملة والأيتام من 50 في المئة من الإيراد لا تلغي التزامات الحياة اليومية، من مصاريف المعيشة والتعليم والتطبيب والسكن وغيرها، وهو ما قد يعمق هشاشة الأسرة ويدفع في بعض الحالات إلى مغادرة الأطفال لصفوف الدراسة.

    وتعتبر فيطح أنه “من الحيف والظلم أن تستفيد الأرملة من 50 من المعاش فقط”، معتبرة أن الانتقال إلى معاش كامل يمثل، في تصور الحزب، “إنصافا للنساء وإنصافا للأيتام وضامنا لاستقرار الأسرة بعد وفاة الزوج”.

    ولا يعزل الحزب هذا المقترح عن ملف المعاشات بشكل عام، إذ يتعهد أيضا بأنه ابتداء من السنة الثانية من الولاية، لن يقل أي معاش، أيا كان نظامه، عن 3000 درهم شهريا.

    وترى رئيسة منظمة نساء الأصالة والمعاصرة أن ربط معاش الأرملة بهذا الحد الأدنى من شأنه أن يوفر حماية أكبر من الفقر والهشاشة، ويجعل التمكين الحقيقي للنساء مرتبطا أيضا بضمان حد أدنى من العيش الكريم والحفاظ على استقرار الأسرة، إلى جانب تيسير الولوج إلى الخدمات الاجتماعية وصون كرامة النساء.

    وتقول فيطح إن هذه الإجراءات “دافعنا عنها بمنظمة نساء الأصالة والمعاصرة كوجه من أوجه التمكين الاقتصادي والاجتماعي للنساء”، قبل أن تعتبر أن هذا التوجه يجد ترجمته اليوم في البرنامج الانتخابي للحزب.

    من معاش الأرملة إلى استقلال المرأة اقتصاديا

    إذا كان ملف الأرامل يقدم وعدا محددا يمكن قياسه، فإن البرنامج الانتخابي يذهب أبعد منه في مقاربته للمرأة، عبر جعل التمكين الاقتصادي واحدا من المداخل الأساسية.

    ويسجل البرنامج تراجع النشاط النسائي من 28 في المئة سنة 2000 إلى 19 في المئة سنة 2024، ويعتبر الفجوة بين النساء والرجال في النشاط الاقتصادي من أبرز الاختلالات التي تواجه سوق الشغل.

    وفي ميثاق النمو والاستدامة، يحدد الحزب هدفا واضحا يتمثل في رفع نسبة النشاط الاقتصادي للنساء إلى 21.2 في المئة سنة 2031.

    ويعني رفع مشاركة النساء في سوق الشغل، وفق منطق البرنامج، توسيع قاعدة المشتغلين وتحريك الاقتصاد والاستفادة من جزء من الطاقات البشرية التي لا تزال خارج النشاط الاقتصادي.

    وهنا تضع فيطح التمكين الاقتصادي للنساء في صلب الرهان التنموي، معتبرة أن المرأة لا ينبغي أن ينظر إليها فقط باعتبارها مستفيدة من السياسات العمومية، وإنما باعتبارها شريكا أساسيا في بناء “مغرب صاعد”، سواء في إنتاج الثروة أو التنمية أو صناعة القرار.

    الحضانة والنقل والعمل عن بعد.. إزالة عوائق العمل

    لكن رفع النشاط الاقتصادي للنساء لا يمكن أن يتحقق بمجرد خلق مناصب شغل، لذلك يقترح البرنامج حزمة من الإجراءات المرتبطة بالظروف التي تجعل دخول المرأة إلى سوق العمل واستمرارها فيه أكثر صعوبة، وفي مقدمتها الحضانة ورعاية الأطفال، والنقل الآمن، والعمل عن بعد، ومرونة أوقات العمل.

    وتظهر أهمية هذه الإجراءات في كونها تتعامل مع عوائق مرتبطة بتنظيم الحياة اليومية، وليس فقط مع مسألة العرض والطلب في سوق الشغل.

    وفي هذا السياق، توضح قلوب فيطح، رئيسة منظمة نساء حزب الأصالة والمعاصرة، أن تصور الحزب يقوم على معالجة العراقيل التي تحول دون ولوج النساء إلى سوق الشغل أو تدفعهن إلى مغادرته، من خلال توسيع دور الحضانة، ووضع إطار قانوني للعمل عن بعد والتوقيت المرن، بما يسمح بتحقيق قدر أكبر من التوازن بين المسؤوليات المهنية والأسرية.

    كما يتضمن التصور دعما لريادة الأعمال النسائية، من خلال صندوق لدعم ريادة الأعمال الخاصة بالنساء، إلى جانب حوافز للمقاولات التي تحقق مستويات أفضل من المناصفة.

    وترى فيطح أن توفير التمويل والمواكبة للمرأة المقاولة لا ينبغي النظر إليه باعتباره دعما لفئة بعينها، وإنما “استثمارا في الاقتصاد الوطني”، بالنظر إلى ما يمكن أن تخلقه المشاريع النسائية من فرص للشغل وقيمة اقتصادية.

    النساء الشابات.. مقاربة تبدأ من التكوين ولا تنتهي بالتشغيل

    ولا يكتفي البرنامج بإجراءات عامة لفائدة النساء، بل يخصص اهتماما بالنساء الشابات ضمن تصور لإدماجهن اقتصاديا واجتماعيا.

    وتقوم المقاربة على مجموعة من المداخل، من بينها التكوين، والحضانة، والنقل، والعمل عن بعد، وخدمات القرب، إلى جانب تطوير اقتصاد الرعاية.

    وتكتسب هذه النقطة أهميتها من كونها تربط بين وضع المرأة الشابة وبين مجموعة من الخدمات التي يمكن أن تحد من العوائق التي تحول دون استمرارها في الدراسة أو التكوين أو الولوج إلى سوق الشغل.

    وبذلك، لا يتم اختزال إدماج النساء الشابات في توفير وظيفة فقط، بل في بناء محيط يساعدهن على الوصول إلى الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي.

    وتشير فيطح، في السياق نفسه، إلى أن البرنامج الموجه إلى الشابات يجمع بين التكوين والحضانة والنقل والعمل عن بعد وخدمات القرب، بما يعكس “مقاربة تتجاوز توفير الوظيفة نحو بناء شروط الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي”.

    اقتصاد الرعاية.. من خدمة اجتماعية إلى فرصة اقتصادية

    ومن بين المداخل التي يراهن عليها البرنامج الانتخابي لـ”البام”، تطوير “اقتصاد الرعاية”، باعتباره مجالا يجمع بين الاستجابة لحاجيات الأسر وخلق فرص جديدة للشغل.

    وترى فيطح أن هذا الورش يمكن أن يوفر خدمات اجتماعية تستجيب لحاجيات الأسر، وفي الوقت نفسه يفتح مجالات جديدة للتشغيل، خصوصا بالنسبة للنساء.

    وتربط رئيسة منظمة نساء الأصالة والمعاصرة المشاركة الاقتصادية للمرأة بجودة محيطها الاجتماعي والخدمات المتاحة لها، من النقل والحضانة إلى التعليم والصحة والحماية الاجتماعية.

    صحة الأم والطفل.. المرأة داخل إصلاح المستشفى العمومي

    في ميثاق المواطنة، تحضر المرأة أيضا من بوابة الصحة، إذ يضع البرنامج ضمن التزامه المتعلق بالمستشفى العمومي تحسين صحة الأم والطفل، من خلال توفير تغطية طبية متخصصة على مدار الساعة داخل مصالح النساء والولادة بالمستشفيات العمومية على المستوى الوطني.

    ويضع الالتزام قضايا النساء والأمهات ضمن إصلاح الخدمات الصحية العمومية، من خلال التركيز على توفر الاختصاص والتكفل المستمر داخل مصالح مرتبطة بشكل مباشر بصحة النساء والأطفال.

    كما أن البرنامج لا يقدم هذه الإجراءات كسياسة منفصلة عن إصلاح المستشفى، وإنما كجزء من ميثاق المواطنة الذي يضم الصحة والشغل والمدرسة والسكن والرقميات.

    المرأة ليست ميثاقا مستقلا لكنها حاضرة في أكثر من ميثاق

    اللافت في برنامج الأصالة والمعاصرة أنه لم يخصص ميثاقا مستقلا للمرأة، وإنما وزع الالتزامات التي تخصها على عدد من المواثيق.

    فالأرامل يحضرن داخل ميثاق القدرة الشرائية من خلال مراجعة المعاشات، والمرأة العاملة تحضر داخل ميثاق النمو والاستدامة من خلال رفع معدل النشاط الاقتصادي، ودعم ريادة الأعمال، وتحسين شروط الولوج إلى سوق الشغل.

    أما النساء الشابات، فتتقاطع قضيتهن مع ميثاق إدماج الشباب من خلال التكوين والإدماج والاستقلال الاقتصادي، في المقابل، تظهر صحة النساء والأمهات داخل ميثاق المواطنة من خلال إصلاح خدمات المستشفى والتكفل الطبي المتخصص.

    هذا التوزيع ينسجم مع طبيعة البرنامج الذي يقدم نفسه باعتباره حزمة من الاختيارات المترابطة، وليس مجموعة من الإجراءات المنفصلة.

    من الإنصاف إلى المشاركة في الاقتصاد

    بهذا المعنى، فإن حضور المرأة في البرنامج الانتخابي لحزب “الجرار” يتحرك بين مستويين، الأول يرتبط بالإنصاف الاجتماعي، ويظهر بشكل مباشر في ملف الأرامل، حيث يقترح الحزب الانتقال من 50 إلى 100 في المئة من معاش الزوج المتوفى.

    والثاني يرتبط بالتمكين الاقتصادي، من خلال رفع النشاط النسائي إلى 21.2 في المئة، وتحسين ظروف العمل، ودعم ريادة الأعمال، وتوفير الحضانة والنقل والعمل عن بعد.

    وبين المستويين، يحضر أيضا البعد الصحي، خصوصا بالنسبة للنساء والأمهات، إلى جانب إجراءات تستهدف النساء الشابات.

    وتربط رئيسة منظمة نساء حزب الأصالة والمعاصرة في تصريح للجريدة بين هذه الأبعاد المختلفة وبين تصور أشمل للتمكين، معتبرة أن التمكين الاقتصادي والاجتماعي للنساء يرتبط أيضا بحضورهن في المجال السياسي ومواقع المسؤولية، باعتبار أن هذه المستويات تمثل، في نظرها، أوجها مختلفة لرهان واحد على مجتمع أكثر إنصافا واقتصاد أكثر إنتاجية وديمقراطية أكثر تمثيلية.

    في النهاية، لا يقدم البرنامج المرأة باعتبارها ملفا منفصلا عن باقي السياسات العمومية، بل يوزع قضيتها بين القدرة الشرائية والشغل والنمو والصحة وإدماج الشباب.

  • “من أجل تغيير المسار.. كلْمَة وحْدَة”.. كيف يبني “البام” معادلة شعاره الانتخابي؟  

    “من أجل تغيير المسار.. كلْمَة وحْدَة”.. كيف يبني “البام” معادلة شعاره الانتخابي؟  

    “من أجل تغيير المسار.. كْلْمَة وحْدة”.. شعار اختار حزب الأصالة والمعاصرة أن يخوض به الاستحقاقات الانتخابية، لكنه في تركيبته لا يكتفي بالإعلان عن رغبة في التغيير، بل يضع “الكْلْمة” في قلب الرسالة السياسية التي يتوجه بها إلى الناخبين.

    فـ”كْلْمَة وحْدة” لا تحيل فقط على توحيد الخطاب أو تجميع مواقف الحزب حول رسالة انتخابية واحدة، وإنما تحمل معنى الوعد والعهد والالتزام؛ كلمة يتعاهد عليها أعضاء الحزب، ويقدمونها للمواطنين، ويصبحون مطالبين بالوفاء بها.

    ومن هذا المنطلق، فإن الشعار، حسب قيادي “البام”، يختصر مسارا كاملا، “كْلْمَة وحْدة”، عنوانها تغيير المسار، ووجهتها نحو “مغرب صاعد”.

    “الكْلْمة”.. حين يصبح الوعد عهدا

    في حديث لـ”AM+ MEDIA”، يتوقف أحمد التويزي، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، عند الدلالة التي تحملها “الكْلْمة” في الوعي والتداول المغربيين.

    فالكْلْمة، كما يشرح التويزي، ليست مجرد كلام يقال وينتهي مفعوله بمجرد النطق به، وإنما ترتبط بمعان أعمق من قبيل الوعد والعهد والالتزام والوفاء، وحين يقول شخص لآخر “عطيتك الكْلْمة”، فهو لا يخبره فقط بما ينوي فعله، بل يضع نفسه أمام التزام أخلاقي بالوفاء بما قال.

    ومن هنا تأتي دلالة اختيار هذه العبارة في شعار “البام”، فالحزب، في هذه القراءة، لا يريد لـ”كْلْمة وحْدة” أن تكون مجرد عبارة انتخابية، وإنما أن تستحضر تلك الحمولة التي تجعل الكلمة مسؤولية على صاحبها.

    وهذا ما يمنح “كْلْمة وحدة” معناها السياسي، لأن الحزب لا يتحدث عن كلمات متعددة بحسب الظرف أو المنطقة أو المرشح، وإنما عن كلمة واحدة يتعاهد عليها الباميون، ويجتمعون حولها، ويقدمونها للمواطن باعتبارها اختيارهم للمرحلة المقبلة.

    من “الكْلْمة” إلى “تغيير المسار”

    إذا كانت “الكْلْمة” تحمل معنى العهد والالتزام، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو ما الذي تعهّد به الحزب؟

    الجواب موجود في الشطر الأول من الشعار: “تغيير المسار”، وبذلك، تصبح “كْلْمة وحدة” هي الصيغة التي يختصر بها “البام” التزامه السياسي، فيما يمثل “تغيير المسار” مضمون هذا الالتزام.

    فالأمر لا يتعلق، وفق هذه القراءة، بمجرد الرغبة في التغيير، وإنما باتفاق داخل الحزب على اتجاه سياسي يريد الدفاع عنه خلال الانتخابات وما بعدها، ويلتزم فيه أمام المغاربة على الوفاء به.

    فاطمة سعدي: “كْلْمة وحْدة” هي الوضوح والالتزام والمحاسبة

    هذه الحمولة التي يعطيها التويزي للكلمة تجد امتدادا أكثر عملية في قراءة فاطمة سعدي، عضوة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة.

    فسعدي ربطت، خلال كلمة افتتاحية للقاء تقديم البرنامج الانتخابي، عبارة “كْلْمَة وحْدَة” بثلاثة معان أساسية أولها الوضوح، ثم الالتزام، فالمحاسبة.

    فالوضوح، أولا، يعني أن تكون للحزب رسالة سياسية مفهومة ومحددة، وأن يعرف المواطن ما الذي يقترحه “البام”، وما هي أولوياته، وما الذي يضعه أمام الناخب باعتباره التزاما.

    أما الالتزام، فيمثل الانتقال من الكلام إلى التعهد، فحين يعلن الحزب موقفا أو يدرج إجراء ضمن برنامجه، فإنه، وفق هذا التصور، لا يقدم مجرد أفكار قابلة للنسيان بعد الحملة، وإنما يضع أمام نفسه التزامات يمكن العودة إليها.

    ثم تأتي المحاسبة باعتبارها النتيجة الطبيعية للوضوح والالتزام، فكلما كانت الكلمة محددة، أصبح من الممكن قياس مدى الوفاء بها، وكلما كانت الالتزامات واضحة، أصبح المواطن قادرا على العودة إليها ومساءلة من قدمها.

    “كْلْمة وحدة”.. حتى لا تختلف الوعود

    لكن قراءة السعدي للشعار لا تتوقف عند العلاقة بين الحزب والمواطن، بل تمتد إلى داخل الحزب نفسه.

    فـ”كْلْمة وْحدة” تعني أيضا أن يحمل مرشحو الحزب ومناضلوه الرسالة نفسها، وأن لا تتحول الحملة الانتخابية إلى مجموعة من الخطابات والوعود المختلفة بحسب المناطق أو الأشخاص.

    فالمرشح الذي يتقدم باسم “البام” لا يفترض أن يقدم برنامجا خاصا به منفصلا عن البرنامج الذي يقدمه الحزب، ولا أن يرفع وعودا تختلف عن الالتزامات التي يتعهد بها باقي المرشحين.

    تغيير المسار نحو مغرب صاعد

    لكن تغيير المسار لا يكتمل بمجرد إعلان الرغبة في الانتقال من وضع إلى آخر، إذ يبقى السؤال الأساسي: نحو أي مسار؟

    هنا تبرز عبارة “مغرب صاعد” باعتبارها الأفق الذي يربط به الحزب هذا التغيير الكامن في عرضه السياسي.

    وفي حديث لـ”AM+ MEDIA”، ربطت سلمى أبلحسين، رئيسة المجلس الوطني لمنظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، “تغيير المسار” بالتوجه نحو “مغرب صاعد”، بما يحمله هذا التصور من طموح إلى مغرب أكثر قدرة على خلق الفرص، وتحقيق النمو، والاستجابة لتطلعات الشباب والأجيال الجديدة، وبذلك، لا يصبح التغيير هدفا قائما بذاته، وإنما وسيلة للوصول إلى وجهة محددة.

    الشعار، بهذا المعنى، يبدأ بـ”كْلْمة وحْدة” باعتبارها عهدا، ويمر عبر “تغيير المسار” باعتباره اختيارا سياسيا، وينتهي عند “مغرب صاعد” باعتباره الأفق الذي يريد الحزب تقديمه للناخبين.

  • بلا اقتراض.. “البام” يضع النمو أساسا لتوفير 350 مليارا لتنزيل وعوده الانتخابية

    بلا اقتراض.. “البام” يضع النمو أساسا لتوفير 350 مليارا لتنزيل وعوده الانتخابية

    يضع حزب الأصالة والمعاصرة “ميثاق النمو والاستدامة” في قلب برنامجه الانتخابي، باعتباره الآلية التي يفترض أن تربط بين الوعود الاجتماعية للحزب وبين قدرة الاقتصاد والمالية العمومية على تمويلها.

    وينطلق الحزب من فكرة ألا قدرة شرائية مضمونة، ولا دولة اجتماعية متينة، ولا أمن استراتيجي دون اقتصاد ينمو بوتيرة أعلى، ويخلق مناصب الشغل، ويوسع الوعاء الضريبي عبر إدماج الاقتصاد غير المهيكل، بدل تحميل الطبقة الوسطى ضغطا جبائيا إضافيا.

    ومن هنا، لا يقدم “البام” النمو باعتباره هدفا اقتصاديا معزولا، وإنما كشرط لتمويل بقية التزامات البرنامج.

    النمو يمول الجزء الأكبر

    يراهن الحزب على تحقيق متوسط نمو سنوي في حدود 5 في المئة خلال الفترة 2027–2031، مقابل حوالي 3.7 في المئة خلال 2022–2025.

    وتتجلى أهمية هذا الرقم بالنسبة للبرنامج في أنه لا يتوقف عند رفع معدل النمو، فالحزب يبني عليه جزءا أساسيا من قدرته على خلق فرص الشغل وتوفير موارد إضافية لتمويل التزاماته.

    ويستند البرنامج إلى مرونة تشغيل/نمو تبلغ 0.53، أي ما يعادل تقريبا 53 ألف منصب شغل صاف عن كل نقطة نمو إضافية.

    وبهذه الطريقة، يصبح النمو في تصور الحزب وسيلة مزدوجة لخلق الثروة من جهة، وتحويل جزء من هذه الثروة إلى فرص شغل وموارد مالية من جهة أخرى.

    كيف يحوَّل النمو إلى تشغيل؟

    لا يكتفي البرنامج باستهداف معدل نمو مرتفع، بل يربطه بهدف أكثر مباشرة هو خلق مليون منصب شغل صاف على الأقل خلال الولاية الخماسية 2027–2031، أي ما لا يقل عن 200 ألف منصب سنويا.

    ويقوم التوزيع المقترح على قطاعات يعتبرها الحزب أكثر قدرة على امتصاص اليد العاملة وخلق قيمة مضافة.

    ويخصص البرنامج 360 ألف منصب لكأس العالم 2030 والأنشطة الاقتصادية المواكبة له، بشكل مباشر وغير مباشر، بما يمثل 36 في المئة من مجموع المناصب المستهدفة.

    كما يراهن على 270 ألف منصب في الخدمات ذات القيمة المضافة العالية واقتصاد المعرفة، و250 ألفا في الصناعة وتعويض الواردات.

    أما العالم القروي، فيستهدف البرنامج من خلاله خلق 80 ألف منصب شغل، مقابل 40 ألف منصب في اقتصاد الرياضة.

    وبذلك، يريد الحزب أن يجعل النمو “مشغلا ومندمجا”، عبر توسيع قاعدة المستفيدين منه لتشمل الشباب والنساء والعالم القروي، وليس الاقتصار على مؤشرات النمو الكلية.

    التشغيل في مواجهة البطالة

    الرهان على مليون منصب يرتبط مباشرة بهدف خفض معدل البطالة إلى 7 في المئة في أفق 2031، مقابل 10.8 في المئة وفق المنهجية الجديدة للمندوبية السامية للتخطيط.

    لكن تحقيق هذا الهدف، وفق منطق البرنامج، يمر عبر تغيير بنية النمو نفسها، من خلال دعم التصنيع، وتشجيع الإنتاج الوطني، وتطوير الخدمات ذات القيمة المضافة، وإعادة توجيه الاقتصاد القروي، والاستفادة من الزخم الاقتصادي المرتبط بكأس العالم 2030.

    كما يراهن الحزب على رفع معدل نشاط النساء إلى 21.2 في المئة، باعتبار إدماج النساء في سوق الشغل جزءا من توسيع قاعدة النمو وليس مجرد إجراء اجتماعي.

    النمو وحده لا يكفي

    إذا كان النمو يمثل النصف الأول من الميثاق، فإن الاستدامة المالية والاقتصادية تمثل النصف الثاني، فالبرنامج يضع مجموعة من المؤشرات الماكرو-اقتصادية التي يفترض أن تمنع تحقيق النمو عبر توسيع الاختلالات المالية.

    ويستهدف الحزب إبقاء التضخم في حدود 2 في المئة، والحفاظ على عجز الميزانية في سقف 3 في المئة من الناتج الداخلي الإجمالي، مع وضع المديونية العمومية في مسار تنازلي وصولا إلى حوالي 62 في المئة من الناتج الداخلي الإجمالي في أفق 2031.

    وبمعنى آخر، فالنمو المطلوب في تصور الحزب ليس نموا ممولا فقط بالإنفاق العمومي، بل نموا يفترض أن يحافظ في الوقت نفسه على القدرة الشرائية والاستقرار الماكرو-اقتصادي والحيز المالي للدولة.

    كلفة تكشف حجم الرهان

    الجزء الأكثر حساسية في الميثاق يرتبط بالتمويل، فالحزب يقدر الكلفة الإضافية التراكمية لبرنامجه بحوالي 350 مليار درهم خلال خمس سنوات، أي بمعدل يقارب 70 مليار درهم سنويا.

    وتتوزع هذه الكلفة على المواثيق الأربعة بـ150 مليار درهم لميثاق القدرة الشرائية، و100 مليار لميثاق المواطنة، و50 مليارا لميثاق إدماج الشباب، و50 مليار للأمان.

    كما يشكل تمويل برنامج التنمية المجالية المندمجة جزءا من التمويل الإضافي المعبأ لهذه المواثيق، بكلفة تبلغ 130 مليار درهم خلال خمس سنوات.

    300 مليار من النمو

    يقدم الحزب معادلة تمويل واضحة تقوم أساسا على النمو، فالبرنامج يقدر أن الأثر الإضافي الناتج عن تحقيق نمو في حدود 5 في المئة سيوفر حوالي 300 مليار درهم من الموارد الإضافية.

    وتكتمل المعادلة بـ40 مليار درهم من مساهمة الجماعات الترابية عبر صندوق الضريبة على القيمة المضافة، إضافة إلى 10 ملايير درهم من إعادة التخصيص والنجاعة الميزانياتية.

    وهنا تكمن إحدى أهم أفكار “ميثاق النمو والاستدامة”، فالجزء الأكبر من تمويل الوعود الانتخابية لا يفترض أن يأتي من الاقتراض أو من زيادة الضغط الجبائي، وإنما من الموارد الإضافية التي يفترض أن يولدها اقتصاد ينمو بوتيرة 5 في المئة.

    الاستدامة تبدأ من النفقات أيضا

    إلى جانب الموارد التي يفترض أن يولدها النمو، يضع البرنامج رافعة أخرى للتمويل تتمثل في مراجعة النفقات العمومية.

    ويقترح “البام” إجراء مراجعة شاملة خلال الأشهر الستة الأولى من الولاية، تشمل تجميع وتوحيد البرامج والمؤسسات العمومية المتداخلة في مهامها، ووضع سقف لنفقات التسيير غير الضرورية، إلى جانب افتحاص الاتفاقيات والعقود-البرامج الموقعة مع قطاعات اقتصادية خاصة.

    بهذا المعنى، فإن “ميثاق النمو والاستدامة” يقوم على معادلة مترابطة تبدأ بـ5 في المئة نمو لإنتاج الثروة، ثم مليون منصب لتحويل النمو إلى تشغيل، وتوسيع الوعاء الاقتصادي والضريبي لتوفير الموارد، مقابل سقف للعجز والتضخم انتهاء عند مسار تنازلي للمديونية لضمان الاستدامة.

  • قيادات “البام”: رفعنا سقف الطموح إلى قيادة الحكومة وبرنامجنا الانتخابي واقعي

    قيادات “البام”: رفعنا سقف الطموح إلى قيادة الحكومة وبرنامجنا الانتخابي واقعي

    كشف حزب الأصالة والمعاصرة عن برنامجه الانتخابي تحت شعار “من أجل تغيير المسار.. كلمة وْحْدة”، مقدما عرضا يمتد لخمس سنوات، ويرتكز على خمسة مواثيق و20 التزاما، بكلفة إجمالية تقدر بحوالي 350 مليار درهم.

    ويقدم الحزب برنامجه باعتباره تصورا يتجاوز مرحلة تشخيص الاختلالات إلى اقتراح إجراءات قابلة للتنفيذ والتتبع، مع ربط الالتزامات بآليات التمويل ومصادر الموارد.

    ويضم البرنامج خمسة مواثيق هي: “ميثاق القدرة الشرائية”، و”ميثاق إدماج الشباب”، و”ميثاق المواطنة”، و”ميثاق الأمان”، ثم “ميثاق النمو والاستدامة”.

    خمسة مواثيق لإعادة التوازن

    وتعكس المواثيق الخمسة أولويات البرنامج الانتخابي، إذ يخصص 150 مليار درهم لميثاق القدرة الشرائية، و50 مليار درهم لميثاق إدماج الشباب، و100 مليار درهم لميثاق المواطنة، و50 مليار درهم لميثاق الأمان.

    أما ميثاق النمو والاستدامة، فيشكل الإطار الاقتصادي الذي يعتبره الحزب شرطا لتنفيذ باقي الالتزامات، من خلال رفع وتيرة النمو وخلق فرص الشغل والحفاظ على التوازنات المالية.

    ويضع الحزب هذه المواثيق ضمن رؤية واحدة، تربط بين تحسين القدرة الشرائية، وإدماج الشباب، وجودة الخدمات العمومية، وتعزيز الأمن الاستراتيجي، وبناء اقتصاد قادر على خلق فرص الشغل وتمويل الالتزامات الاجتماعية.

    350 مليار درهم وأكثر من ستة أشهر لإعداد البرنامج

    وقال سمير بلفقيه، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، في تصريح لـ”AM+ MEDIA”، إن الاشتغال على البرنامج الانتخابي استغرق أكثر من ستة أشهر، موضحا أن الحزب عمل خلال هذه الفترة على إعداد عرض انتخابي يقوم على خمسة مواثيق و20 التزاما، ويمتد على مدى خمس سنوات، بكلفة إجمالية تقدر بحوالي 350 مليار درهم، وقابل للتنزيل وفق خطة واضحة للتمويل.

    وأوضح بلفقيه أن البرنامج يتضمن مجموعة من الإجراءات المرتبطة بالقدرة الشرائية، من بينها تخفيض الحد الأقصى للضريبة على الدخل إلى 20 في المئة، وضمان حد أدنى للمعاش في حدود 3000 درهم، إلى جانب إلغاء فواتير الكهرباء التي تقل عن 100 درهم.

    وفي ما يتعلق بالشباب، يقترح البرنامج إجراءات لإدماجهم في سوق الشغل وتمكينهم من السكن، مع هدف توفير مليون منصب شغل صاف على الأقل خلال الولاية الخماسية، إلى جانب إعادة إدماج الأطفال الذين غادروا المدرسة في مسارات التعليم أو التكوين.

    القدرة الشرائية في صلب البرنامج

    ويحتل “ميثاق القدرة الشرائية” موقعا مركزيا ضمن العرض الانتخابي، من خلال إجراءات تستهدف الأسعار والأجور والمعاشات والدعم الاجتماعي المباشر.

    وفي هذا السياق، قال عادل البيطار، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، في تصريح لـ”AM+ MEDIA”، إن الحزب يقترح مسارين متكاملين لإعادة التوازن إلى السوق وتحسين القدرة الشرائية، يقوم الأول على الرفع من مداخيل الأسر، فيما يرتبط الثاني بإصلاح وتنظيم مسارات الإنتاج والتسويق والتوزيع.

    ويؤكد البيطار أن معالجة القدرة الشرائية لا يمكن أن تقتصر على دعم دخل الأسر، بل تتطلب أيضا معالجة الاختلالات الموجودة في السوق، خاصة ما يرتبط بتعدد الوسطاء وسلاسل التسويق والتوزيع.

    ويقترح البرنامج في هذا الإطار إحداث ست شركات جهوية للتوزيع الفلاحي بالمناطق الفلاحية الكبرى، إلى جانب إعادة تنظيم أسواق الجملة وتعزيز آليات التموين والتخزين والتبريد، بما يهدف إلى تقليص كلفة الوسطاء والحد من الفوارق بين أسعار الإنتاج والأسعار النهائية.

    “ميثاق المواطنة”.. الخدمات الأساسية في الواجهة

    ويضع الحزب “ميثاق المواطنة” ضمن المحاور الأساسية لبرنامجه، باعتباره تصورا يجمع عددا من الخدمات التي ترتبط بشكل مباشر بالحياة اليومية للمواطن.

    في هذا السياق، أوضح عادل البيطار، أن ميثاق المواطنة يركز على مجالات الصحة، والشغل، والمدرسة، والسكن، والرقمنة، إلى جانب تسريع تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.

    ويشمل البرنامج في قطاع الصحة تأهيل المنظومة الصحية العمومية، وتحسين توزيع الأطباء والخدمات، وإنجاز أربع مستشفيات جامعية جهوية جديدة، إلى جانب تحسين مستوى المراكز الصحية والمستشفيات الجهوية والإقليمية، مع هدف الوصول إلى تغطية صحية بنسبة 100 في المئة.

    وفي التعليم، يقترح الحزب تعميم التعليم ما قبل المدرسي ابتداء من سن الرابعة، وتعميم النقل المدرسي في العالم القروي، وتعزيز الإطعام في المناطق الهشة، إلى جانب إجراءات مرتبطة بالقراءة والتعلمات الأساسية والتربية البدنية.

    أما في مجال السكن، فيضع البرنامج مجموعة من الأهداف، من بينها دعم السكن، وتوفير حلول سكنية للشباب، وتأهيل المدن العتيقة، ومحاربة السكن غير اللائق.  

    الشباب.. من التعليم والتكوين إلى سوق الشغل

    ويحتل “ميثاق إدماج الشباب” موقعا بارزا في البرنامج الانتخابي لـ”البام”، في ظل ما يصفه الحزب بتحديات مرتبطة بالانقطاع عن الدراسة والبطالة وصعوبة الانتقال من التعليم والتكوين إلى سوق الشغل.

    ويشير البرنامج إلى وجود حوالي 2.9 مليون شابة وشاب ما بين 15 و29 سنة خارج منظومة التعليم والتكوين وخارج سوق الشغل، فيما تبلغ بطالة الفئة العمرية بين 15 و24 سنة 29.2 في المئة، إلى جانب مغادرة حوالي 300 ألف تلميذ مقاعد الدراسة سنويا دون الحصول على مؤهل.

    وفي هذا السياق، قال أحمد التويزي، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، في تصريح لـ”AM+ MEDIA”، إن الشباب يوجد في صلب البرنامج الانتخابي للحزب، باعتبار أن الرهان لا يرتبط فقط بتشخيص وضعية الشباب، وإنما بإيجاد مسارات واضحة تمكنهم من الانتقال من التعليم والتكوين إلى سوق الشغل.

    وأوضح التويزي أن البرنامج يولي أهمية خاصة للتعليم والتكوين، باعتبارهما مدخلا أساسيا لإعداد الشباب وتأهيلهم للاندماج في الحياة المهنية، مشيرا إلى ضرورة تعزيز الصلة بين منظومة التكوين والحاجيات الفعلية لسوق الشغل.

    ويترجم البرنامج هذا التوجه من خلال “ميثاق إدماج الشباب”، الذي يضع قضية الشباب ضمن أولويات العرض الانتخابي، ويربط معالجة وضعيتهم بتحسين مسارات التعليم والتكوين وتسهيل الولوج إلى سوق الشغل.

    برنامج بكلفة 350 مليار درهم

    وتقدر الكلفة الإضافية التراكمية لتنفيذ البرنامج بحوالي 350 مليار درهم خلال خمس سنوات، أي بمعدل يقارب 70 مليار درهم سنويا.

    وتتوزع هذه الكلفة بين 150 مليار درهم لميثاق القدرة الشرائية، و100 مليار درهم لميثاق المواطنة، و50 مليار درهم لميثاق إدماج الشباب، و50 مليار درهم لميثاق الأمان.

    أما التنمية المجالية المندمجة، فتندرج ضمن التمويل الإضافي المعبأ لفائدة المواثيق الأربعة، ولا تشكل ميثاقا مستقلا ضمن المواثيق الخمسة.

    ويعتمد الحزب في تمويل هذه الالتزامات على ثلاثة مصادر رئيسية، تتمثل في الأثر الإضافي للنمو، ومساهمة الجماعات الترابية عبر صندوق الضريبة على القيمة المضافة، وإعادة التخصيص والنجاعة الميزانياتية.

    وبذلك يقدم “البام” برنامجه الانتخابي باعتباره تصورا لخمس سنوات، يجمع بين الالتزامات الاجتماعية والإصلاحات الاقتصادية والاستثمار في الشباب والخدمات العمومية والأمن الاستراتيجي، مع محاولة ربط الالتزامات بكلفتها ومصادر تمويلها وآليات تنزيلها.

    ومن خلال المواثيق الخمسة، يسعى الحزب إلى تقديم عرض انتخابي يقول إنه يستجيب لانتظارات المواطنين، واضعا القدرة الشرائية وإدماج الشباب والمواطنة والأمان والنمو والاستدامة ضمن تصور واحد لما يسميه “تغيير المسار”.

  • نجوى ككوس: “البام” لا يدعي الكمال وبرنامجنا الانتخابي ينطلق من انتظارات المواطن

    نجوى ككوس: “البام” لا يدعي الكمال وبرنامجنا الانتخابي ينطلق من انتظارات المواطن

    قبل أسابيع من موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، يعود النقاش السياسي إلى واجهة المشهد، محمّلا بأسئلة تتجاوز التنافس الانتخابي إلى تقييم التجارب الحكومية، وتجديد النخب، ومستقبل العمل الحزبي، وقدرة الأحزاب على استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات التمثيلية.

    وتفرض هذه الأسئلة نفسها على مختلف الفاعلين السياسيين، في لحظة تقدم فيها الأحزاب حصيلتها، وتعرض تصوراتها للمرحلة المقبلة، في سياق وطني يعرف أوراشا إصلاحية كبرى وتحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة.

    ودخلت الأحزاب السياسية منذ أشهر مرحلة إعادة ترتيب أوراقها للسباق الانتخابي في 23 شتنبر المقبل، وصياغة خطاب يستعيد ثقة الناخبين وإقناعهم ببرامج المرحلة المقبلة، وهي الدينامية التي يبرز في قلبها حزب الأصالة والمعاصرة، باعتباره أحد مكونات الأغلبية الحكومية، والحزب المتفرد بنموذج القيادة الجماعية في تدبير شؤونه التنظيمية، في تجربة تخوض أول اختبار انتخابي لها منذ اعتمادها.

    في هذا الحوار، تتحدث نجوى ككوس، رئيسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، عن تقييم تجربة القيادة الجماعية بعد أكثر من سنتين على إطلاقها، واستعدادات الحزب لانتخابات 2026، ورهانات برنامجه الانتخابي، وحصيلة مشاركته في الحكومة، كما تتناول قضايا تجديد النخب، وتمكين الشباب والنساء، ومعايير منح التزكيات، وعلاقة الأحزاب بالمواطن، إضافة إلى رؤية الحزب لأولويات المرحلة المقبلة، في حوار يسلط الضوء على الأسئلة السياسية والتنظيمية التي تسبق واحدة من أهم المحطات الانتخابية في المغرب.

    نص الحوار:

    اعتمد حزب الأصالة والمعاصرة، خلال مؤتمره الأخير، نموذج القيادة الجماعية باعتباره تحولا في أسلوب تدبير الحزب، وانتقالا من نموذج القيادة الفردية الذي كان معمولا به في أغلب الأحزاب. بصفتكم رئيسة للمجلس الوطني، وبعد قرابة سنتين ونصف من هذا الاختيار، هل يمكن القول إن التجربة حققت أهدافها؟ وما أبرز التغييرات التي أحدثتها داخل الحزب مقارنة بالمراحل السابقة؟

    كان المؤتمر الوطني لسنة 2024 محطة مفصلية في تاريخ حزب الأصالة والمعاصرة، لأنه جاء بعد أول تجربة للحزب في تدبير الشأن الحكومي منذ سنة 2021، كما تزامن مع مرحلة أعقبت مؤتمر 2020، الذي شكل بدوره نقطة تحول مهمة في مسار الحزب، سواء على مستوى أساليب التدبير أو اتخاذ القرار أو حتى في ما يتعلق بالمرجعية الفكرية والقيم التي يقوم عليها الحزب.

    لقد كانت الإرادة، منذ مؤتمر 2020، قائمة على تثمين ما تحقق من إيجابيات، مع القطع في المقابل مع الممارسات التي لم تعد تستجيب لطموحات الحزب. وجاء مؤتمر 2024 ليترجم هذه الإرادة إلى قرار جماعي يقضي باعتماد القيادة الجماعية بدل الاكتفاء بمنصب فردي، كما هو معمول به في عدد من الأحزاب السياسية. وقد كان هذا الاختيار ثمرة نقاش داخلي وإرادة جماعية عبرت عنها مختلف هياكل الحزب.

    واليوم، يمكن القول إن هذه التجربة مكنت أبناء وبنات الحزب من استخلاص العديد من الدروس. فمنذ التأسيس رفعنا شعارات تخليق الحياة السياسية، وتحرير الطاقات، وتجديد النخب، وأعتقد أننا نجحنا إلى حد كبير في تجسيد هذه المبادئ على أرض الواقع، وهو ما يظهر من خلال الدينامية التي تعرفها مختلف تنظيمات الحزب، سواء على المستوى المحلي أو الجهوي أو داخل التنظيمات الموازية.

    أما فيما يتعلق بالقيادة الجماعية، فإنها أثبتت نجاعتها لأنها تقوم على إشراك الجميع في صناعة القرار، فلا مجال لقرار فردي داخل الحزب، بل إن مختلف القرارات يتم التداول بشأنها داخل القيادة الجماعية، كما تُعرض على المكتب السياسي، بل إن بعض القرارات تُحال أيضا على المجلس الوطني، وهو ما يعزز مبدأ المؤسسات ويكرس العمل الجماعي.

    ورغم الحملات التي تعرض لها الحزب من خصومه، فإننا نعتبر أن هذه التجربة أثبتت قدرتها على الصمود، بل إن تلك الضغوط شكلت بالنسبة إلينا حافزا إضافيا لمواصلة العمل من أجل بناء حزب قوي، يخدم المواطن، ويسترشد بالتوجيهات الملكية السامية باعتبارها الإطار المرجعي الذي نتحرك داخله.

    لذلك، أستطيع القول إن تجربة القيادة الجماعية حققت نتائج إيجابية إلى حدود اليوم، ونثق بأنها ستبرهن على نجاحها بشكل أكبر خلال الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، باعتبارها أول انتخابات يخوضها الحزب تحت هذا النموذج القيادي.

    يستعد حزب الأصالة والمعاصرة لخوض الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، والقيادة الجماعية التي تضم ثلاثة أمناء عامين تعد تجربة غير مسبوقة في المشهد الحزبي المغربي. كيف ستُدار الحملة الانتخابية في ظل هذا النموذج؟ وهل تعتبرون القيادة الجماعية نقطة قوة تضيف تكاملا في الأدوار، أم أنها قد تطرح تحديات مرتبطة بوحدة الخطاب والقرار خلال المرحلة الانتخابية؟

    عندما نتحدث عن الأستاذة فاطمة الزهراء المنصوري، أو السيد محمد مهدي بنسعيد، أو الأستاذة فاطمة السعدي، فإننا نتحدث عن أبناء هذا الحزب الذين ساهموا في بنائه منذ تأسيسه، ويجمعهم المشروع السياسي نفسه، والمرجعية ذاتها، والقيم والمبادئ نفسها. لذلك، من الطبيعي أن يكون الخطاب منسجما، لأن الجميع ينطلق من المدرسة الفكرية والتنظيمية نفسها.

    فالاختلاف في الخطاب قد يطرح عندما يكون الأشخاص من تيارات أو مرجعيات مختلفة، أما نحن فقد ساهمنا جميعا، إلى جانب باقي قيادات الحزب، في بناء هذا التنظيم، وفي صياغة وثائقه السياسية والفكرية، وفي مختلف المحطات التنظيمية التي مر بها. كما أن مؤتمر 2012، الذي اعتمد شعار “تحصين الديمقراطية”، كان محطة مفصلية شاركنا فيها فكريا وتنظيميا، وهو ما جعلنا نتقاسم الرؤية نفسها تجاه المشروع الحزبي.

    ولهذا، فإن ما يجمع أعضاء القيادة الجماعية يتجاوز مجرد تحمل المسؤولية، لأنه يقوم على مسار نضالي مشترك وعلى قناعة واحدة بمبادئ الحزب واختياراته، وهو ما يفسر الانسجام الذي يطبع خطاباتنا، سواء في اللقاءات الإعلامية أو في التواصل مع المناضلين، حيث نكمل بعضنا بعضا ولا نقدم خطابات متعارضة.

    أما فيما يتعلق بتدبير العملية الانتخابية، فإن الأمور تسير، إلى حدود اليوم، بشكل جيد، وهناك توزيع واضح للأدوار بين أعضاء القيادة الجماعية، الذين يشكلون أمانة عامة واحدة تعمل في إطار من التكامل والتنسيق المستمر، وهو ما يجعل هذا النموذج مصدر قوة أكثر من مصدر اختلاف.

    ما هو الرهان الأكبر الذي يضعه الحزب في برنامجه الانتخابي المقبل؟ وما الذي سيجعل عرضه السياسي مختلفا وقادرا على إقناع الناخب مقارنة بما تقدمه باقي الأحزاب؟

    رهاننا هو نفسه رهان الشعب المغربي. منذ تأسيسه، ظل حزب الأصالة والمعاصرة يسعى إلى التفاعل مع انتظارات المواطنات والمواطنين، كما يسترشد في توجهاته الكبرى بالتوجيهات الملكية السامية، التي تشكل بالنسبة إلينا مرجعا أساسيا في رسم اختياراتنا الاستراتيجية. ولا ينبغي أن ننسى أن جلالة الملك له دور محوري في توجيه السياسات الكبرى للدولة، بينما من ضمن مسؤولية الأحزاب تنزيل هذه التوجهات واقتراح البرامج والسياسات العمومية الكفيلة بتحقيقها.

    أما بخصوص أولويات البرنامج الانتخابي، فإنها تنطلق من أولويات المواطن المغربي نفسه، وفي مقدمتها القدرة الشرائية والصحة والتعليم، فما يزال هذان القطاعان يشكلان أكبر التحديات التي تواجه بلادنا، ولا يمكن الادعاء بأننا تجاوزنا كل الإشكالات المطروحة فيهما.

    ورغم ما تحقق في إطار ورش التغطية الصحية الإجبارية، الذي جاء بفضل المبادرة الملكية، فإننا لا نزال نواجه تحديات تتعلق بالبنية التحتية، والموارد البشرية، والحكامة داخل القطاع الصحي، وهي أوراش ما تزال تتطلب عملا كبيرا خلال المرحلة المقبلة.

    والوضع نفسه ينطبق على قطاع التعليم. ففي تقديري، لا يمكن الحديث عن تعليم ناجح ما دام التردد السمة الأبرز في اختيار الأسر المغربية للمدرسة العمومية. وبالنسبة إلي، سيصبح بإمكاننا القول إننا حققنا تقدما حقيقيا عندما تصبح المدرسة العمومية الخيار الأول للمغاربة، وليس خيارا اضطراريا، وحتى نصل إلى تلك المرحلة، ما يزال أمامنا الكثير من العمل.

    أما التشغيل، فرغم أنه يشكل أولوية وطنية، فإنه أصبح اليوم ملفا أكثر تعقيدا من السابق، لأن أزمة البطالة لم تعد ترتبط فقط بقدرة الدولة أو القطاع الخاص على خلق فرص الشغل، بل أصبحت مرتبطة أيضا بتحولات اجتماعية وثقافية تمس علاقة الشباب بقيمة العمل. ولذلك نحن بحاجة إلى دراسات سوسيولوجية عميقة تساعد على فهم هذه التحولات، حتى نستطيع صياغة سياسات أكثر نجاعة في هذا المجال.

    إلى جانب ذلك، هناك أوراش استراتيجية أخرى، من بينها تنزيل مشروع الحكم الذاتي، ومواكبة مشروع “المغرب الصاعد”، وهي مشاريع كبرى تحتاج إلى حكامة جيدة وإلى حسن التدبير حتى تحقق أهدافها على أرض الواقع.

    شارك الحزب في انتخابات سنة 2021 وساهم في تدبير الشأن الحكومي. ما أبرز الدروس التي خرج بها من هذه التجربة؟ وما الأخطاء التي لا ترغبون في تكرارها خلال الاستحقاقات المقبلة؟

    خضنا انتخابات 2021 بكل ما حملته من رهانات، واستطعنا أن نحتل المرتبة الثانية، رغم أن طموحنا كان تحقيق المرتبة الأولى. ورغم ذلك، تعاملنا مع النتيجة بروح المسؤولية، وشاركنا في الحكومة، وتحملنا مسؤوليتنا كاملة داخل الأغلبية الحكومية.

    ومنذ بداية هذه التجربة، عمل الحزب على الحفاظ على تماسك الأغلبية الحكومية، وعلى ضمان استقرارها، رغم ما قد ينشأ داخل أي تحالف سياسي من اختلافات في وجهات النظر. وكان همنا الأساسي هو الحفاظ على هذا الاستقرار بما يخدم مصلحة المواطنين، لأن أي توتر داخل الأغلبية كان سينعكس مباشرة على الأداء الحكومي وعلى مصالح المغاربة، لذلك تحملنا مسؤوليتنا إلى آخر لحظة، وسنواصل القيام بذلك بالروح نفسها.

    أما بخصوص القطاعات التي أشرف عليها وزراء حزب الأصالة والمعاصرة، فإن حصيلتها تقاس بما تحقق فيها من نتائج وأرقام. ومع ذلك، فمن غير الواقعي انتظار تحقيق جميع الأهداف خلال خمس سنوات فقط، لأن تدبير القطاعات الحكومية يرتبط بإصلاحات عميقة تحتاج إلى الوقت حتى تظهر آثارها، وهناك مشاريع ستبرز نتائجها بشكل أوضح بعد سنة 2026، ونأمل أن تمنحنا ثقة المواطنين فرصة أكبر لمواصلة تنزيلها.

    أما الأخطاء، فنحن لا ندعي الكمال، بل نعتبرها جزءا من التجربة السياسية، ونسعى دائما إلى التعلم منها وتجاوزها في المحطات المقبلة.

    يتحدث حزب الأصالة والمعاصرة باستمرار عن تمكين الشباب والنساء، لكن السؤال الذي يطرحه الكثيرون هو: هل تمت ترجمة هذا الخطاب، من خلال منح الشباب والنساء مواقع متقدمة داخل اللوائح الانتخابية، أم سيظل الأمر في حدود الشعارات؟

    لو لم يكن حزب الأصالة والمعاصرة يؤمن فعلا بتمكين الشباب والنساء لما شهدنا هذا التجديد المستمر في قياداته منذ تأسيسه. ففي كل مؤتمر يفرز الحزب قيادة جديدة، ومكتبا سياسيا متجددا، كما تعرف مختلف تنظيماته الموازية تداولا دائما على المسؤوليات، وهو ما يعكس قناعة راسخة بضرورة تجديد النخب وضخ دماء جديدة داخل الحزب.

    ولو لم نتبنَّ هذا الاختيار، لكنا اليوم نعيش الوضع نفسه الذي تعرفه بعض الأحزاب، حيث تستمر القيادات نفسها لولايات متتالية، وتتكرر الأسماء ذاتها داخل مختلف الأجهزة، بينما تبقى فرص الشباب والنساء محدودة. نحن لم نستورد مسؤولين من خارج الحزب، بل عملنا منذ البداية على تكوين أبناء وبنات الحزب وتأهيلهم وتحمل مسؤولياتهم داخله.

    فلسفة الحزب منذ تأسيسه تقوم على بناء مدرسة سياسية حقيقية، تخرج أطره وقياداته من داخله، وتمنحهم التكوين والتأطير اللازمين لتحمل المسؤولية. وهذا هو المعنى الحقيقي لتجديد النخب، أي أن يكون الحزب قادرا على إنتاج كفاءاته بنفسه، لا البحث عنها خارج تنظيمه.

    ولهذا، فعندما يُطرح السؤال حول من يقود الحزب اليوم، فإن الجواب واضح: إنهم أبناء وبنات الحزب الذين تدرجوا داخله، واكتسبوا تجربتهم السياسية والتنظيمية بين صفوفه. أما بالنسبة لنا، فإن المعيار الحاسم في تحمل المسؤولية يظل هو الكفاءة والاستحقاق، لأن الهدف هو وضع الرجل المناسب والمرأة المناسبة في المكان الذي يستحقانه، بعيدا عن أي اعتبارات أخرى.

    منذ سنوات يثار الجدل حول المعايير التي تتحكم في منح التزكيات، بين من يعتبر أن الكفاءة والخبرة والقدرة على الترافع هي الأساس، وبين من يرى أن الإمكانيات المالية والقدرة على تمويل الحملات الانتخابية ما تزال حاضرة بقوة. وبعد أن حسم الحزب في أغلب مرشحيه للاستحقاقات المقبلة، هل يمكن القول إن معيار الكفاءة كان هو الحاسم؟

    في تقديري، لا ينبغي أن يكون امتلاك المال معيارا لتقييم أهلية المنتخب، لأن وظيفة المسؤول المنتخب ليست الإنفاق من ماله الخاص على المواطنين، بل تمثيلهم والدفاع عن حقوقهم، والعمل على إيجاد الحلول لمشاكلهم، أما تحويل الإمكانيات المالية إلى وسيلة للتأثير في الناخبين أو لكسب الأصوات، فهو يدخل في إطار الفساد الانتخابي.

    الدولة لا تحتاج إلى أشخاص ينفقون أموالهم الخاصة على تدبير الشأن العام، لأنها تتوفر على مواردها ومؤسساتها، ما تحتاج إليه هو منتخبون، ووزراء، وبرلمانيون، ورؤساء جماعات ترابية يمتلكون الكفاءة والحكامة، ويعرفون كيف يستقطبون الاعتمادات المالية، ويوظفونها في إنجاز المشاريع التي تستجيب لانتظارات المواطنين.

    أما من يستثمر مبالغ طائلة في الحملات الانتخابية، فمن الطبيعي أن يطرح السؤال حول كيفية استرجاع تلك الأموال بعد الانتخابات، وهو ما يثير إشكالا حقيقيا على مستوى النزاهة والشفافية.

    لذلك، فنحن لا نبحث عن مسؤولين ينفقون أموالهم الخاصة على الدولة أو على المواطنين، بل عن مسؤولين قادرين على تدبير المال العام، وأموال دافعي الضرائب، بكفاءة ونزاهة ومصداقية، بما يخدم المصلحة العامة.

    يخوض حزب الأصالة والمعاصرة الاستحقاقات المقبلة بعد تجربة في التدبير الحكومي راكم خلالها عددا من المنجزات. هل ستكون هذه الحصيلة مدخلا أساسيا لاستعادة ثقة المواطن في العمل السياسي؟ وإلى أي حد سيكون الحزب مستعدا للحديث، بكل صراحة، ليس فقط عما تحقق، بل أيضا عما لم يتحقق، وتفسير الإكراهات التي واجهت العمل الحكومي، باعتبار أن النقد الذاتي يمثل أحد عناصر القوة والمصداقية؟

    هذا ليس نقاشا سنفتحه اليوم فقط، لأن ثقافة المصارحة والنقد الذاتي رافقت حزب الأصالة والمعاصرة منذ بداية هذه الولاية الحكومية. فمنذ السنوات الأولى، كانت اجتماعات المكتب السياسي والمجلس الوطني فضاء مفتوحا للنقاش الحر، حيث كنا نعبر بكل مسؤولية عن آرائنا وملاحظاتنا، حتى وإن كانت أحيانا مكلفة سياسيا.

    كما أن فريق الحزب داخل مجلسي البرلمان كان يتمتع بهامش واسع من حرية التعبير، ولم يتردد في مناقشة مختلف القضايا والملفات، بل وحتى في توجيه النقد إلى القطاعات التي يشرف عليها وزراء الحزب أنفسهم عندما كان ذلك ضروريا. وربما كنا من أكثر الأحزاب ممارسة لهذا النوع من النقد تجاه القطاعات التي نتولى تدبيرها، لأننا نؤمن بأن المسؤولية تقتضي تقييم الأداء باستمرار، وليس الاكتفاء بالدفاع عنه.

    لذلك، فإن النقد الذاتي بالنسبة إلينا ليس مجرد شعار ظرفي، بل هو جزء من هوية الحزب منذ تأسيسه، ويظهر ذلك أيضا في احترامنا الدائم للمواعيد التنظيمية، وفي النقاشات الواسعة التي تسبق مؤتمرات الحزب، وترافقها، وتستمر بعدها، في إطار من الديمقراطية الداخلية والشفافية.

    في ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى الشباب المغربي، وخاصة أولئك الذين ما زالوا مترددين في الانخراط في العمل السياسي أو المشاركة في الانتخابات؟

    رسالتي إلى الشباب المغربي هي ألا يسمحوا لليأس أو الإحباط بأن يسيطر عليهم، لأن المغرب يتوفر على كل مقومات الأمل، فنحن ننعم بالاستقرار السياسي والأمني، كما نعيش استقرارا اجتماعيا يشكل أرضية مهمة لمواصلة البناء والإصلاح، أما باقي التحديات، مهما كانت كبيرة، فهي ليست مستحيلة الحل.

    ولهذا أدعو الشباب إلى الثقة بالله أولا، ثم الثقة في وطنهم، وفي مؤسساتهم، وإلى العمل بروح جماعية، والانخراط في الأحزاب السياسية، والتسجيل في اللوائح الانتخابية، والمشاركة المكثفة في مختلف الاستحقاقات الديمقراطية، لأن التغيير لا يتحقق بالمقاطعة، بل بالمشاركة وتحمل المسؤولية.

    فكل مشاركة مواطنة واعية تساهم في تقوية المؤسسات، وفي إيجاد حلول لمختلف التحديات التي تواجه بلادنا، وتفتح المجال أمام الشباب ليكونوا جزءا من صناعة القرار، لا مجرد متابعين له.

  • هل يضع المغرب قيودا لحماية القاصرين في منصات التواصل الاجتماعي؟

    هل يضع المغرب قيودا لحماية القاصرين في منصات التواصل الاجتماعي؟

    عندما بدأت أستراليا، في نهاية 2025، تطبيق قيود تمنع من هم دون 16 سنة من إنشاء حسابات على عدد من منصات التواصل الاجتماعي، لم يكن واضحا أن الخطوة ستتحول سريعا إلى واحدة من أبرز التجارب التي تستند إليها النقاشات حول حماية القاصرين في منصات التواصل.

    غير أن الجدل لم يتوقف عند تحديد سن لاستخدام المنصات، بل اتسع ليشمل مسؤولية الشركات عن تصميم خدماتها وما تفعله خوارزمياتها في حياة الأطفال والمراهقين، ليتغير بذلك موضوع النقاش نفسه.

    وبعدما كانت مسؤولية مراقبة وحماية القاصرين في منصات التواصل هي العنوان الأبرز، أصبحت المنصات تحت ضغط متزايد بشأن مدة الاستخدام، والمحتوى الذي تقترحه الخوارزميات، وتأثير الاستخدام المفرط على النوم والصحة النفسية، فضلا عن حماية المعطيات الشخصية للقاصرين.

    وفي الولايات المتحدة مثلا، دخل هذا النقاش مرحلة جديدة خلال الأيام الأخيرة، مع موافقة شركة “ميتا” على تسوية قضائية تصل قيمتها إلى 18 مليار دولار مع 48 ولاية وإقليما، تتضمن التزامات وقيودا جديدة على استخدام المراهقين لمنصتي “فيسبوك” و”إنستغرام”، مع طرح وضع حد افتراضي للاستخدام في حدود ساعتين يوميا، ومنع الاستخدام خلال الفترة الممتدة من منتصف الليل إلى السادسة صباحا.

    لكن هذه التسوية لا تعني أن الولايات المتحدة أقرت قاعدة اتحادية تلزم جميع المنصات بمنع القاصرين من الاستخدام بعد ساعتين يوميا، فهي اتفاق قضائي بين “ميتا” وعدد من الولايات والأقاليم، في وقت ما تزال فيه ملفات أخرى مرتبطة بحماية الأطفال على المنصات الرقمية مطروحة أمام القضاء والسلطات الأمريكية.

    حماية القاصرين في منصات التواصل

    شكلت أستراليا، مبكرا، نقطة تحول في نقاش حماية القاصرين في منصات التواصل، بعدما أصبحت في دجنبر 2025 أول دولة تطبق حظرا وطنيا واسعا على وسائل التواصل بالنسبة إلى من هم دون 16 سنة، مع إلزام المنصات باتخاذ إجراءات لمنع هذه الفئة من امتلاك حسابات على منصات مشمولة بالقانون.

    وبحلول منتصف دجنبر، أفادت هيئة السلامة الإلكترونية الأسترالية بإزالة أو تعطيل الوصول إلى نحو 4.7 ملايين حساب مرتبط بأشخاص دون 16 سنة.

    غير أن تحديد السن خلق مفارقة جديدة، لأن الدولة تريد حماية الطفل من المنصة، لكنها قد تحتاج في المقابل إلى إلزام المنصة بمعرفة معلومات أكثر عنه والتأكد من السن، ليصبح التحقق من العمر وحماية الخصوصية موضوعين متلازمين في أي نقاش حول تنظيم استخدام القاصرين للفضاء الرقمي.

    ويقول ربيع بعلبكي، خبير التكنولوجيا والتحول الرقمي، في تصريح لـAM+ MEDIA، إن حماية القاصرين في منصات التواصل لم تعد مسألة مرتبطة فقط بتحديد السن المسموح عنده بفتح الحسابات، وإنما أصبحت مرتبطة أيضا بطريقة تصميم المنصات نفسها.

    وأوضح أن مفهوم “السلامة الرقمية من خلال التصميم” يقتضي أن تكون حماية الأطفال جزءا أساسيا من تصميم المنصات منذ البداية، وليس مجرد إجراء يتم اللجوء إليه بعد وقوع الضرر أو تسجيل المخالفات، معتبرا أن المنصة مطالبة بالتفكير في سلامة المستخدم القاصر منذ لحظة تطوير الخدمة، وليس فقط بعد ظهور المشكلات.

    أوروبا تختبر أكثر من وصفة

    إذا كانت أستراليا اختارت مسارا واضحا يقوم على السن لحماية القاصرين في منصات التواصل، فإن أوروبا تكشف أنه لا يوجد نموذج واحد للحماية، ففرنسا تدرس منذ سنوات تشديد القيود المرتبطة بسن استخدام وسائل التواصل، بينما تتجه الدنمارك نحو تحديد سن أدنى عند 15 سنة مع إمكانية السماح بالاستخدام ابتداء من 13 سنة بموافقة الوالدين، في وقت تبحث فيه دول أوروبية أخرى بين تحديد السن، والتحقق من العمر، والرقابة الأبوية، وفرض التزامات إضافية على المنصات.

    وخلف هذه التحولات القانونية، توجد مخاوف صحية تتزايد مع اتساع حضور وسائل التواصل في حياة المراهقين.

    فقد أظهرت بيانات منظمة الصحة العالمية في أوروبا أن نسبة المراهقين الذين ظهرت لديهم مؤشرات على الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل ارتفعت من 7 في المئة سنة 2018 إلى 11 في المئة سنة 2022، مع تسجيل النسبة الأعلى لدى الفتيات.

    وتوضح سندس الصديقي، أخصائية في الأمراض العقلية والنفسية وعلاج الإدمان، في تصريح لـ”AM+ MEDIA” في هذا السياق، أن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال والمراهقين لا يمكن اختزاله في عدد الساعات التي يقضونها أمام الشاشة، موضحة أن طبيعة المحتوى وطريقة الاستخدام وتوقيت الولوج إلى المنصات، إضافة إلى قدرة الطفل على التوقف عنها، كلها عوامل تحدد ما إذا كان الاستخدام عاديا أو بدأ يتحول إلى استخدام إشكالي.

    وأضافت الصديقي أن من أبرز المؤشرات التي تستدعي الانتباه ظهور تغيرات في النوم أو الدراسة أو العلاقات الأسرية والاجتماعية، أو عدم قدرة الطفل على الابتعاد عن الهاتف رغم إدراكه للآثار السلبية لذلك، معتبرة أن هذه المؤشرات تظل أكثر دلالة من التعامل مع رقم ثابت لعدد ساعات الاستخدام.

    أي مسؤولية للأسرة في بيئة رقمية متغيرة؟

    من المنظور الذي تقدمه سندس الصديقي، تصبح الإشعارات، والتوصيات الخوارزمية، والفيديوهات المتتالية، ومؤشرات الإعجاب والمشاركة، تدخل في تصميم تجربة هدفها الأساسي إبقاء المستخدم متفاعلا، بحيث تصبح هذه المسألة أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالمراهقين، لأن الطفل لا يواجه مجرد تطبيق محايد، وإنما بيئة رقمية قادرة على تحليل سلوكه وتوقع اهتماماته واقتراح المحتوى الذي قد يدفعه إلى الاستمرار في الاستخدام.

    وفي هذا السياق، يوضح بعلبكي للجريدة أن تحميل الأسرة وحدها مسؤولية حماية القاصرين في منصات التواصل لم يعد كافيا، معتبرا أن طبيعة المنصات الرقمية تفرض توزيع المسؤولية بين مختلف الأطراف.

    وقال خبير التكنولوجيا والتحول الرقمي إن القوانين مطالبة بوضع التزامات واضحة على الشركات، خصوصا فيما يتعلق بالتحقق من أعمار المستخدمين، وحماية بيانات القاصرين، والحد من وصول الأطفال إلى الخدمات والمحتويات غير المناسبة لأعمارهم.

    وأضاف أن الأسرة تظل طرفا أساسيا في هذه المعادلة، لكن قدرتها على المراقبة تظل محدودة أمام بيئة رقمية متغيرة باستمرار، وهو ما يجعل التدخل التنظيمي ومسؤولية المنصات جزءا ضروريا من أي سياسة لحماية القاصرين في منصات التواصل.

    من وقت الاستخدام إلى بيانات الطفل

    وتكشف قضية “تيك توك” في الولايات المتحدة أن المعركة أكبر من السن القانوني، فقد توصلت الشركة ووزارة العدل الأمريكية إلى تسوية بقيمة 400 مليون دولار في قضية مرتبطة باتهامات بانتهاك قوانين حماية خصوصية الأطفال، بعدما اتهمت السلطات الشركة بجمع معلومات شخصية عن مستخدمين دون 13 سنة دون الحصول على الموافقات المطلوبة.

    وتنقل القضية الإشكال إلى مستوى آخر، فحماية الطفل لم تعد تتعلق فقط بمنع المحتوى الضار أو تقليص الوقت الذي يقضيه أمام الشاشة، وإنما أيضا بما تعرفه المنصة عن الطفل، وكيفية استخدام هذه البيانات، ومن يستطيع الوصول إليها.

    هذا السؤال أصبح أساسيا بالنسبة إلى أي تشريع مستقبلي في باب حماية القاصرين في منصات التواصل، خصوصا إذا اختار المشرع اعتماد التحقق من العمر، لأن كلما أصبحت مطالبة بالتأكد من سن المستخدم، أصبح من الضروري في الوقت نفسه وضع ضمانات تمنع تحول آلية الحماية إلى وسيلة لجمع مزيد من البيانات عن القاصرين.

    ويعتبر ربيع بعلبكي، خبير التكنولوجيا والتحول الرقمي أن هذه النقطة تحديدا تجعل حماية القاصرين في منصات التواصل ومسألة التحقق من العمر بحاجة إلى مقاربة دقيقة، لأن حماية الطفل لا ينبغي أن تتم على حساب حقه في الخصوصية.

    وبحسبه، فإن أي نظام للتحقق من السن يجب أن يحقق التوازن بين التأكد من أهلية المستخدم للوصول إلى المنصة وبين تقليص حجم البيانات التي يتم جمعها عنه، حتى لا تتحول إجراءات الحماية نفسها إلى مصدر لمخاطر جديدة.

    عندما تتحول المنصات إلى طريق نحو “الموت”

    أعطت أحداث سبتة الأخيرة للنقاش حول حماية القاصرين على المنصات الرقمية بعدا أكثر مباشرة في المغرب، سيما أن خلاصات تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان بشأن موجة العبور الجماعي أظهرت أن شبكات التواصل لم تكن مجرد فضاء انتشرت فيه أخبار الهجرة، بل تحولت إلى أداة للتعبئة والتنسيق وتبادل المعلومات العملية حول كيفية الوصول إلى سبتة.

    وكشف المجلس أن مراقبته للفضاء الرقمي شملت 23 مجموعة على “فيسبوك” تضم أكثر من 1.086 مليون عضو، وكانت تنشر في المتوسط أكثر من 1400 تدوينة يوميا، فيما أظهرت إفادات الأشخاص الذين جرى الاستماع إليهم أنهم تلقوا معلومات عن محاولات العبور عبر الهواتف أو شبكات التواصل ثم أعادوا تداولها داخل دوائرهم.

    الأخطر أن جزءا من هذا المحتوى لم يكتفِ بالترويج لفكرة العبور، بل قدمها في صورة أقرب إلى المغامرة الممكنة والآمنة، إذ رصد المجلس تداول تأويل مضلل لقرار المحكمة العليا الإسبانية رقم 814/2026، الصادر في 8 يوليوز، أوحى بأن من يصل إلى سبتة أو مليلية سباحة لن يكون عرضة للإعادة.

    وترافق ذلك مع تبادل إرشادات بشأن طرق الوصول، ونقاط التجمع، والاستعداد للسباحة، والتنقل الجماعي، بل ومعطيات ميدانية حول الوضع في مناطق العبور.

    وفي ليلتي 29 و30 يوليوز، انتشرت رسائل تفيد بأن «الحدود مفتوحة»، بينما أفاد شباب وقاصرون استمع إليهم المجلس بأنهم تلقوا عبر واتساب دعوات للتوجه بعد منتصف الليل إلى نقاط العبور.

    هذه المعطيات تجعل قضية “التغرير” بالقاصرين على الإنترنت تتجاوز الاستخدام الفضفاض للمصطلح، إذ وثق المجلس الوطني لحقوق الإنسان مشاركة أطفال ويافعين ضمن موجة العبور في 30 و31 يوليوز المنصرم، وسجل توقيف 11 قاصرا من بين 100 شخص تم توقيفهم على خلفية الأحداث، فيما وضع ستة منهم في مراكز لحماية الطفولة وأعيد خمسة إلى أوليائهم.

    هاجس حماية القاصرين في منصات التواصل حضر أيضا في تصريحات سابقة لوزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي تحدث عن تأثير مواقع التواصل في دفع الشباب والقاصرين إلى الهجرة، وقال إن المغرب تعرض لحملة إلكترونية تضمنت دعوات للقاصرين إلى الهجرة والعبور نحو سبتة، محذرا من أن استغلال الأطفال في مثل هذه السياقات يطرح مسؤوليات قانونية وأخلاقية تتجاوز مجرد مراقبة المحتوى.

     كما ربط الوزير بين أزمة القاصرين وشبكات الاتجار بالبشر واستغلال الأزمة، مؤكدا أن المغرب يطالب باستعادة القاصرين الموجودين في سبتة.

    الرباط تدخل النقاش عربيا

    في يونيو 2026، احتضنت الرباط اللقاء العربي الأول حول أثر وسائل التواصل الاجتماعي على الشباب، بمشاركة ممثلين عن دول عربية وخبراء وأكاديميين وشباب وفاعلين في المجال الرقمي. وتناول اللقاء تأثير وسائل التواصل على الشباب، إلى جانب التضليل الرقمي، وخطاب الكراهية، والتطرف، والأمن الرقمي، والخصوصية وصناعة المحتوى.

    وخلال اللقاء، شدد وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، على أهمية فهم التحولات التي أحدثها الفضاء الرقمي في حياة الأجيال الجديدة، والتعامل معها من خلال مقاربة تستبق التحولات بدل الاكتفاء برد الفعل أمام آثارها، مبرزا أن النقاش حول وسائل التواصل لا يرتبط فقط بالتكنولوجيا، وإنما يمتد إلى طريقة مواكبة الشباب وحمايتهم داخل فضاء رقمي أصبح جزءا من حياتهم اليومية.

    وقد خلال اللقاء تقرير حول “الشباب والتحول الرقمي: آثار وسائل التواصل الاجتماعي في أفق 2035″، بما يعكس انتقال الموضوع من نقاش ظرفي حول سلبيات المنصات إلى محاولة بناء رؤية أوسع لمستقبل علاقة الشباب بالعالم الرقمي.

    وتكتسب استضافة الرباط لهذا النقاش أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب، لأنها تضع المملكة داخل نقاش عربي يبحث في كيفية التعامل مع جيل أصبحت وسائل التواصل جزءا أساسيا من حياته اليومية.

    ويوجد المغرب اليوم أمام أكثر من خيار، فالتجارب الدولية لا تقدم وصفة واحدة يمكن للمغرب نقلها كما هي لحماية القاصرين في منصات التواصل، لأن الحظر قد يحد من وصول القاصر إلى بعض المنصات، لكنه لا يمنع بالضرورة التحايل على القيود أو الانتقال إلى منصات أخرى، فيما تحديد مدة الاستخدام قد يساعد في الحد من الإفراط، لكنه لا يعالج بالضرورة طبيعة المحتوى أو طريقة عمل الخوارزميات.

    المغرب يبحث عن نموذجه الخاص

    ولا يبدو أن النقاش في المغرب حول حماية القاصرين في منصات التواصل وسن الرشد الرقمي يتجه نحو استنساخ نموذج جاهز، في ظل غياب توافق دولي أصلا بشأن السن أو الإطار القانوني الأنسب لتنظيمه.

    فقد فتح المرصد الوطني للإجرام، التابع لوزارة العدل، مسارا تشاوريا مع المجتمع المدني حول حماية الأطفال في البيئة الرقمية، في لقاء احتضنته الرباط يوم 25 يونيو الماضي، بشراكة مع مجلس أوروبا والمركز المغربي للأبحاث متعددة التخصصات والابتكار، بمشاركة أكثر من 23 جمعية من مختلف جهات المملكة.

    وتكشف الخريطة المقارنة التي قدمها المرصد، كما كانت محينة في 24 يونيو 2026، عن تباين واضح في المقاربات الدولية؛ إذ اختارت تسع دول سن 16 عاما، من بينها الغابون كأول دولة إفريقية والإمارات العربية المتحدة كأول دولة عربية، فيما اعتمدت خمس دول، بينها فرنسا، سن 15 عاما، بينما ما تزال دول أخرى تدرس مشاريعها التشريعية.

    في المقابل، اختارت ألمانيا نموذجا أكثر تعقيدا يقوم على تعدد العتبات العمرية بين 14 و16 سنة، بما يعكس صعوبة اختزال المسألة في رقم موحد يصلح لجميع السياقات.

    والأهم في القراءة التي قدمها المرصد أن المقارنة الدولية لا تقدم للمغرب وصفة تشريعية جاهزة؛ فهي، بحسب خلاصاته، تكشف غياب توافق دولي حول السن، وغياب توافق مماثل حول النظام القانوني المنظم له، فضلا عن عدم وجود دولة تتطابق سياقاتها القانونية والمؤسساتية مع السياق المغربي وقد حسمت هذا الخيار.

    هذه الخلاصات تجعل النقاش المغربي حول حماية القاصرين في منصات التواصل أقرب إلى بناء نموذج خاص منه إلى مجرد نقل تجربة أجنبية، ويفتح في الوقت نفسه المجال أمام الرباط للمساهمة في النقاش الدولي حول حدود المسؤولية الرقمية وحماية القاصرين.

    ويتعامل المرصد الوطني للإجرام مع نقاش تقنين وسائل التواصل الاجتماعي للقاصرين باعتباره جزءا من مسار تشاوري وطني بدأ بورشة تأسيسية يومي 9 و10 دجنبر 2025 بسلا-تكنوبوليس، ومن المنتظر أن تُجمع مساهمات الجمعيات المشاركة في تقرير علمي يحال على السلطات المختصة والشركاء المؤسساتيين، لينضاف إلى ورقتي سياسات سبق للمرصد إعدادهما حول سن الرشد الرقمي وحماية القاصرين في البيئات الافتراضية الغامرة.

    في هذا السياق، يرى بعلبكي أن المغرب، في حال اختار تطوير إطار خاص لحماية القاصرين في منصات التواصل، يمكنه الاستفادة من التجارب الدولية دون استنساخها، عبر بناء مقاربة تراعي طبيعة المجتمع المغربي ومستوى استعمال الأطفال والشباب للتكنولوجيا.

    ويؤكد أن الأولوية ينبغي أن تكون لبناء بيئة رقمية أكثر أمانا، بدل اختزال النقاش في منع الوصول فقط، من خلال الجمع بين مسؤولية المنصات، وحماية البيانات، والتحقق المسؤول من العمر، والتربية الرقمية، ودور الأسرة.

    بدورها، تؤكد الصديقي أن منع الطفل من استخدام منصة معينة لا يعالج وحده جذور المشكلة، خصوصا خلال مرحلة المراهقة التي تتشكل فيها الهوية وتتطور فيها القدرة على تنظيم الانفعالات واتخاذ القرارات، معتبرة أن التعرض المستمر للمقارنة الاجتماعية والتنمر وبعض المحتويات الضارة يمكن أن يزيد من هشاشة بعض المراهقين.

    ولحماية القاصرين في منصات التواصل، دعت إلى مقاربة تجمع بين وضع حدود واضحة داخل الأسرة، وتعزيز التربية الرقمية والوقاية والتدخل المبكر، إلى جانب مسؤولية المنصات في الحد من المخاطر التي قد يتعرض لها القاصر، مؤكدة أن الهدف لا ينبغي أن يكون إبعاد الطفل عن العالم الرقمي، وإنما مساعدته على بناء علاقة أكثر توازنا وأمانا معه.

  • محمد المهدي بنسعيد: حماية التراث المغربي تتجاوز الثقافة إلى الاقتصاد

    محمد المهدي بنسعيد: حماية التراث المغربي تتجاوز الثقافة إلى الاقتصاد

    يضع وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، ملف حماية التراث المغربي في صلب الدبلوماسية الثقافية، رابطا بين استرجاع الممتلكات الثقافية وحماية التراث المادي وغير المادي وتطوير المتاحف والسياحة الثقافية.

    وتحدث بنسعيد، في أثناء حلوله ضيفا على برنامج “AM+ Talk”، عن استرجاع قطع أثرية من فرنسا، وعن القفطان والمطبخ المغربي، معتبرا أن حماية هذه العناصر تتجاوز البعد الثقافي إلى أبعاد اقتصادية وسياسية.

    ويشدد المسؤول الحكومي على أن التراث المغربي “حي” وما يزال مرتبطا بالحياة اليومية وبمصالح الصناع والحرفيين، ما يجعل حمايته مرتبطة أيضا بحماية مصادر الدخل المرتبطة به، واضعا محاولات نسب بعض عناصر التراث المغربي إلى جهات أخرى في سياق صراع سياسي أوسع، رابطا الدبلوماسية الثقافية بتعزيز حضور المغرب دوليا وحماية مصالحه الثقافية والاقتصادية.

    ولا يقدم بنسعيد استرجاع القطع الأثرية باعتباره نهاية للملف، بل يربطه برؤية أوسع تقوم على تطوير المتاحف، وتنشيط السياحة الثقافية، وتعزيز التعاون مع الدول، بالتوازي مع حماية تراث ما يزال حاضرا في الحياة اليومية للمغاربة، ويرتبط بمصالح اقتصادية واجتماعية لصناع وحرفيين وعائلات.

    حماية التراث المغربي.. من الخزائن إلى المتاحف

    وفي حديثه عن الدبلوماسية الثقافية، قال بنسعيد إن التعاون الذي يطوره المغرب مع عدد من الدول، إلى جانب المسؤولية التي يتحملها العاملون في مجال التراث، جعلا مجموعة من الدول تدرك وجود توجه مغربي صارم في هذا المجال.

    وأوضح أن المملكة المغربية طالبت باسترجاع ممتلكاتها الثقافية، غير أن الهدف، بحسبه، لا يتمثل في إعادة القطع إلى المغرب ثم وضعها داخل الخزائن، بل في إدماجها ضمن رؤية ثقافية أوسع.

    ويربط الوزير هذه الرؤية بالتوجيهات الملكية المتعلقة بالثقافة والمتاحف، مشيرا إلى أن مجموعة من المتاحف تفتح أبوابها أمام الجمهور، بالتوازي مع استثمارات كبرى في هذا المجال.

    وبالنسبة إلى بنسعيد، فإن المتاحف لا تؤدي وظيفة حفظ التراث فقط، بل يمكن أن يكون لها تأثير مباشر على ما يسمى بالسياحة الثقافية، بما يجعل استرجاع الممتلكات الثقافية جزءا من منظومة يمكن أن تنتج آثارا اقتصادية واجتماعية.

    قطع ديناصورات تعود إلى المغرب

    وضرب بنسعيد مثالا بالتعاون الأخير مع فرنسا، مشيرا إلى إعادة قطع مرتبطة بديناصورات مغربية يعود عمرها إلى أكثر من 60 مليون سنة.

    ولا يتوقف، وفق هذا التصور، أثر استرجاع هذه القطع عند إعادتها إلى المغرب، إذ ينتظر أن تتيح للباحثين مواصلة العمل العلمي عليها، قبل عرضها في متحف أثري بما يسمح للمغاربة والأجانب باكتشاف جانب من تاريخ هذه الأرض والمملكة.

    وتعكس هذه الحالة، بحسب الوزير، طبيعة التعاون الإيجابي الذي يمكن أن ينتج عن الدبلوماسية الثقافية، حين تتحول استعادة الممتلكات إلى فرصة للبحث العلمي والعرض المتحفي والتعريف بالتاريخ المغربي.

    حين يتحول التراث إلى قضية اقتصادية

    ولا يحصر بنسعيد النقاش في الممتلكات الأثرية، إذ ينتقل إلى ما يعتبره محاولات للسطو على عناصر من التراث المغربي، خصوصا في ظل انتشار المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي.

    ويستحضر في هذا السياق المطبخ المغربي، موضحا أن الزائر إلى دول مختلفة، مثل فرنسا أو الولايات المتحدة، عندما يبحث عن مطعم يقدم الأكل العربي قد يجد نفسه أمام مطعم يقدم الطاجين أو الكسكس باعتبارهما جزءا من المطبخ المغربي.

    وبالنسبة إلى الوزير، فإن هذه العناصر ليست مجرد منتجات سياحية أو رموزا فولكلورية، بل أطباق مرتبطة بالحياة اليومية داخل البيوت المغربية.

    والأمر نفسه ينطبق على اللباس، إذ يرفض بنسعيد اختزال القفطان والجلابة في مجرد أزياء فلكلورية، مشيرا إلى أنهما ما يزالان حاضرين في الأعراس والأعياد والتجمعات العائلية.

    “تراث حي ماشي ميت”

    ويقدم بنسعيد أحد أهم مفاتيح قراءته للملف من خلال التأكيد أن المغرب يتوفر على “تراث حي ماشي ميت”، شارحا أن عددا من الدول تتوفر على تراث يعود إلى مئات أو آلاف السنين، غير أن هذا التراث لا يظهر اليوم إلا داخل المتاحف، بينما ما يزال التراث المغربي حاضرا في الحياة اليومية.

    فالقفطان والجلابة ما يزالان يلبسان، والمطبخ المغربي ما يزال يمارس داخل البيوت، كما أن هناك صناعا وعائلات تستمر في العيش من هذا التراث وممارساته.

    وتكمن أهمية هذا المعطى، بالنسبة إلى بنسعيد، في أن التراث المغربي ليس مجرد ماض محفوظ داخل المتاحف، وإنما منظومة ثقافية واقتصادية مستمرة.

    وهذه الحيوية، بحسب الوزير، هي التي تجعل حماية التراث أكثر ارتباطا بالواقع، لأنها لا تتعلق فقط بالحفاظ على رموز تاريخية، وإنما أيضا بحماية الأشخاص والمهن والاقتصاد الذي يقوم حولها.

    حماية التراث المادي وغير المادي

    وفي مقابل ما يعتبره محاولات للسطو على عناصر من التراث المغربي، يرى بنسعيد أن المطلوب هو تقوية الإطار القانوني الخاص بالتراث المادي وغير المادي.

    ولا يعطي الوزير الأهمية نفسها لما يصفه بالسطو على الأقوال أو الموروث الشفوي، معتبرا أن الأولوية يجب أن تنصب على المجالات التي يمكن أن يكون لها أثر فعلي على التراث وعلى الأشخاص الذين يعيشون منه.

    بنسعيد: هذا ماشي صراع ثقافي هذا صراع سياسي

    لكن بنسعيد لا يكتفي بالبعد الثقافي والاقتصادي للملف، إذ يقدم قراءة سياسية مباشرة لمحاولات السطو على التراث المغربي.

    ويقول: “أنا ما نسميش هاد الشي صراع ثقافي، هاد صراع سياسي”، معتبرا أن أطرافا خسرت، بحسب قراءته، معارك دبلوماسية حول قضية سياسية تهمنا، وبالنسبة لنا هي قضية وطنية، وتحاول الانتقال إلى مجالات أخرى لمواصلة المواجهة.

    ويذكر في هذا السياق مجالات متعددة، من الرياضة إلى السياحة والثقافة، معتبرا أن الصراع يمكن أن ينتقل من مجال إلى آخر عندما يتعذر تحقيق أهدافه في المجال السياسي والدبلوماسي.

    القفطان.. اعتراف دولي بالهوية المغربية

    ويستحضر بنسعيد القفطان باعتباره أحد الأمثلة على ما يعتبره اعترافا دوليا بالثقافة المغربية، ويقول إن شخصيات عالمية ترتدي القفطان وتقدمه باعتباره “قفطان مغربي”، معتبرا أن هذا الأمر يشكل في حد ذاته اعترافا دوليا بالهوية المرتبطة بهذا اللباس.

    ولا ينظر الوزير إلى الانتشار الدولي للقفطان باعتباره مشكلة في حد ذاته، وإنما إلى الطريقة التي يمكن أن يتم بها استغلال عناصر التراث المغربي لأغراض اقتصادية دون حماية حقوق الصناع والحرفيين الذين ينتجونه.

  • “البام” يواجه معضلة “NEET” بنقاش مباشر مع الشباب في مراكش

    “البام” يواجه معضلة “NEET” بنقاش مباشر مع الشباب في مراكش

    لم يعد الحديث عن الشباب الذين لا يدرسون ولا يعملون ولا يستفيدون من أي تكوين “NEET” مرتبطا فقط بفرص الشغل أو الإدماج المهني، فخلف هذه الوضعية توجد أسئلة أخرى تتعلق بالفرص المتاحة، والثقة في المؤسسات، والتحولات التي يعرفها الاقتصاد، ومدى قدرة السياسات العمومية على مواكبة طموحات جيل جديد.

    هذا النقاش كان محور المحطة الرابعة من مبادرة “Open Mic” التي أطلقتها منظمة شباب الأصالة والمعاصرة، واختارت لها هذه المرة شعار “لنتجاوز الأحكام المسبقة”.

    اللقاء، الذي احتضنته مراكش عشية اليوم الأربعاء، جمع رئيس منظمة شباب الأصالة والمعاصرة صلاح الدين عبقري، ومنسقة القيادة الجماعية فاطمة الزهراء المنصوري، وعضو القيادة الجماعية للحزب محمد المهدي بنسعيد، والمنسق الجهوي للمنظمة طارق حيدر، إلى جانب رئيس أكاديمية الحزب أحمد خشيشن، ووزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات يونس السكوري، وقيادات ومناضلين وفعاليات شبابية.

    منذ البداية، لم يكن النقاش موجها فقط للبحث عن تعريف لظاهرة “NEET”، وإنما لفهم الأسباب التي جعلت جزءا من الشباب يجد نفسه خارج الدراسة والعمل والتكوين، ثم طرح سؤال أكثر حساسية: ماذا فعلت المؤسسات والسياسة لاستيعاب هذه الفئة؟

    عبقري.. “الشباب ماشي ساخط الشباب محتاج الانصات”

    صلاح الدين عبقري، رئيس منظمة شباب الأصالة والمعاصرة، وضع اللقاء في سياق المبادرة التي أطلقتها المنظمة لفتح نقاش مباشر مع الشباب حول القضايا التي تشغلهم.

    وقال عبقري إن هذه المحطة هي الرابعة ضمن مبادرة “Open Mic”، التي تريد المنظمة من خلالها المساهمة في التفكير الجماعي حول عدد من التحديات والظواهر الاجتماعية التي تمس الشباب.

    واستحضر قرار المنظمة إطلاق هذه اللقاءات بعد أحداث سبتة المحتلة والبلاغ الذي صدر عن المنظمة، موضحا أن الفكرة كانت هي فتح نقاش مع الشباب والاستماع إلى ما يطرحونه بدل الاكتفاء بتشخيص وضعهم من بعيد.

    ومن بين الأفكار التي شدد عليها أن الشباب لا يمكن اختزاله في صورة الشاب الساخط أو الذي لا يشعر بالانتماء، مؤكدا أن الشباب محتاج قبل كل شيء إلى من يسمعه ويفهم انتظاراته.

    ويعتبر عبقري أن الاستماع لا يمكن أن يبقى منفصلا عن توفير الفرص، لأن الشباب الذي لا يجد مسارا واضحا أمامه في التعليم أو التكوين أو سوق الشغل قد يجد نفسه مع مرور الوقت في وضعية أكثر بعدا عن المؤسسات.

    وأعطى رئيس منظمة شباب الأصالة والمعاصرة للموضوع بعدا اقتصاديا، معتبرا أن الشباب لم يعد فقط موضوعا اجتماعيا، بل أصبح مرتبطا بمستقبل الاقتصاد وبالسيادة المغربية، بالنظر إلى أهمية الرأسمال البشري في المرحلة المقبلة.

    ولهذا، يقول عبقري إن المنظمة اختارت أن تفتح النقاش من خلال هذه المبادرة، ليس من أجل رفع الشعارات، وإنما من أجل البحث عن أجوبة.

    وأشار أيضا إلى أن الانفتاح على هذا النوع من النقاشات بدأ منذ فبراير، من خلال اتفاقية جمعت منظمة الشباب بأكاديمية الحزب، في إطار محاولة إعطاء هذه المبادرات بعدا أكثر استمرارية.

    وفي مداخلته، شدد على أن النقاش يجب أن يبقى منصبا على قضايا الشباب والمواطنين، وأن الحديث عنهم لا يمكن أن يعوض الاستماع المباشر إليهم.

    المنصوري: شنو اللي خلا الشباب ما يتيقش فينا؟

    واختارت فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، أن تضع الحزب نفسه داخل دائرة الأسئلة التي يطرحها الشباب.

    وقالت إن السنتين الماضيتين حملتا بالنسبة إليها لحظتين صعبتين جعلتاها تعيد التفكير في علاقة الشباب بالمؤسسات وبالسياسة.

    الأولى كانت خروج الشباب إلى الشارع لمساءلة الحكومة، في إشارة إلى احتجاجات جيل “زيد”، إذ ترى المنصوري أن خروج الشباب للاحتجاج لا ينبغي أن يخيف الفاعل السياسي، لأن الاحتجاج في حد ذاته يمكن أن يكون تعبيرا عن مستوى من الممارسة الديمقراطية.

    لكن السؤال الذي قالت إنها طرحته داخل الحزب كان واضحا، وهو “شنو اللي خلا الشباب ما يتيقش فينا؟، مؤكدة أنها طرحته على نفسها أيضا، خصوصا بعد تجربة عايشتها في الشمال، حيث شاهدت شبابا تتراوح أعمارهم بين 19 و25 سنة يهاجرون بطرق غير قانونية.

    وقالت المنصوري إنها عاشت تلك اللحظة بالدموع، لأن المشهد جعلها تتساءل عن الأخطاء التي ارتكبها الفاعل السياسي.

    وبحسب المنصوري، فإن الحزب يمثل جزءا من هذا المجتمع، ولذلك لا يمكن أن يكتفي بانتقاد الشباب أو تحميله مسؤولية الابتعاد، مشيرة إلى أن الشباب الذين يغادرون البلاد لا يحتاجون في مثل هذه اللحظات إلى من يشكرونه، بل إلى من يستمع إليهم ويبحث معهم عن أسباب الوضع الذي وصلوا إليه.

    ومن هنا انتقلت إلى سؤال القطيعة بين الشباب والسياسة، وطرحت بدورها سؤالا حول المسؤولية عن تنامي مشاعر الرفض تجاه المؤسسات، مشددة على أن الحلول لا يمكن أن تفرض من فوق.

    وقالت إن السياسيين لا يمكنهم أن يجلسوا في مواقعهم ويقرروا وحدهم ما الذي يحتاجه الشباب، لأن الحل يبدأ من الاستماع إليهم وفهم ما يريدونه وما الذي جعل العلاقة بينهم وبين المؤسسات تصل إلى هذه الدرجة من التوتر.

    وتمنت المنصوري أن تخرج من اللقاء ببداية أجوبة يمكن أن تقود إلى حلول، وتسمح للحزب بالتفاعل بشكل أفضل مع المشاكل التي يعيشها الشباب.

    بنسعيد: المغرب يتغير والسؤال هو من يستفيد من هذا التغيير؟

    وانخرط محمد مهدي بنسعيد في النقاش من زاوية التحولات التي يعرفها المغرب، متوقفا عند مراكش، التي قال إنه لاحظ فيها تغيرا كبيرا خلال السنوات الماضية.

    وقال إن المراكشي قد لا ينتبه دائما إلى حجم التغيير الذي تشهده المدينة بحكم وجوده فيها بشكل يومي، بينما يستطيع الشخص القادم من خارجها أن يلاحظ هذه التحولات بشكل أوضح.

    لكن بنسعيد لم يتوقف عند حجم المشاريع أو التغير العمراني، بل طرح سؤالا استفادة المواطن من هذا التطور، معتبرا أن اختيار شعار “لنتجاوز الأحكام المسبقة” مهم، لأن شبابا لديهم طموحات وأحلام، لكنهم في المقابل ما زالوا يواجهون صعوبات في تحويل هذه الطموحات إلى واقع.

    وتحدث في هذا السياق عن الذكاء الاصطناعي والتحولات التي يفرضها على سوق الشغل، فالذكاء الاصطناعي، حسب بنسعيد، قد يشكل خطرا على عدد من الوظائف، لكنه في المقابل سيفتح مجالات جديدة وفرصا أخرى.

    وأشار عضو القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة إلى أن الاقتصاد الدولي يتغير بسرعة، والمغرب بدوره يسير في اتجاه هذا التحول، لكن السؤال الذي يجب أن يظل مطروحا هو كيف يمكن أن ينعكس هذا التطور على المواطن؟

    وفي هذا السياق، شدد على أهمية تقوية المجتمع المدني، معتبرا أنه يمكن أن يلعب دورا في مواكبة الشباب ومساعدتهم على التعامل مع التحولات الاقتصادية والمهنية.

    وربط ذلك أيضا بالحاجة إلى مواصلة العمل في مجال التطور المهني والذكاء الاصطناعي، حتى لا يجد الشباب أنفسهم أمام تحولات كبيرة من دون الأدوات التي تسمح لهم بالاستفادة منها.

    وفي نهاية مداخلته، اعتبر بنسعيد أن الطريق ما زال يحتاج إلى مجهود أكبر، وأن “الحلم المغربي” يجب أن يكون من بين أهداف الحكومة المقبلة، معربا عن أمله في نجاح الحزب في الانتخابات المقبلة.

    خشيشن: الفوارق المجالية حاضرة في النقاش

    وتفاعل أحمد خشيشن، رئيس أكاديمية حزب الأصالة والمعاصرة، مع مداخلات الشباب، خصوصا تلك التي أثارت مسألة الفوارق المجالية واختلاف الفرص بين شباب المدن وشباب العالم القروي.

    وأكد خشيشن أن هذه القضايا وما يطرحه الشباب من انتظارات ليست خارج النقاش الذي يشتغل عليه الحزب، مشيرا إلى أن خلاصات مثل هذه اللقاءات تدخل ضمن القضايا التي يأخذها الحزب بعين الاعتبار في إعداد برنامجه الحكومي.

    وجاء هذا التفاعل بعد نقاش ركز فيه عدد من الشباب على تفاوت فرص الولوج إلى التعليم والتكوين والعمل، بحسب المجال الذي يعيش فيه الشاب، وما يترتب عن ذلك من اختلاف في المسارات والفرص المتاحة أمامه.

    حيدر: الحزب ينزل إلى الميدان للاستماع

    طارق حيدر، المنسق الجهوي لمنظمة شباب الأصالة والمعاصرة، قال إن اختيار هذا النوع من اللقاءات يدخل في إطار سياسة القرب، من خلال انتقال الحزب والمنظمة إلى فضاءات الشباب والاستماع بشكل مباشر إلى همومهم وانتظاراتهم.

    وبدل الاكتفاء بمخاطبة الشباب من داخل المؤسسات، يقول حيدر، إن الحزب اختار أن ينزل إلى الميدان، في محاولة لفهم القضايا التي تشغل هذه الفئة.

    واعتبر أن اللقاء يأتي في مرحلة وصفها بأنها من أقوى المراحل التي يعيشها الحزب، في وقت يحاول فيه التنظيم توسيع النقاش حول قضايا الشباب والاستماع إلى ما يطرحونه.

    الشباب: نفس الطموح لكن فرص مختلفة

    النقاش لم يبق محصورا في مداخلات القيادات الحزبية، إذ أخذ عدد من الشباب الكلمة لطرح تجاربهم وقراءتهم الخاصة لظاهرة “NEET”، خصوصا ما يتعلق بالفوارق بين الشباب في المدن ونظرائهم في العالم القروي.

    وخلال النقاش، برزت فكرة أن الحديث عن الشباب الذين لا يدرسون ولا يعملون ولا يستفيدون من تكوين لا يمكن أن ينفصل عن السؤال حول الفرص المتاحة أمامهم.

    فالشاب في مراكش، كما قال أحد المتدخلين الشباب، قد تكون لديه الطموحات نفسها التي يحملها شاب يعيش في منطقة قروية، لكن الطريق أمام كل واحد منهما ليست بالضرورة نفسها.

    وارتبط النقاش أيضا بصعوبة الوصول إلى التكوين وفرص العمل، وبالفوارق في الإمكانيات والخدمات بين المجالات، حيث يمكن لبعد بعض المناطق عن مراكز التكوين أو فرص الشغل أن يجعل الانتقال من الطموح إلى الواقع أكثر صعوبة.

    ومن خلال تدخلات الشباب، بدا أن الأحكام المسبقة حول هذه الفئة لا تفسر وحدها أسباب وجودها خارج الدراسة والعمل والتكوين، لأن المسار الذي يقود إلى هذه الوضعية قد يرتبط أيضا بالبيئة التي يعيش فيها الشاب والفرص التي يجدها أمامه.

    وهذا ما جعل النقاش ينتقل من سؤال “لماذا لا يعمل هؤلاء الشباب؟” إلى سؤال آخر أكثر ارتباطا بالواقع: هل كانت لديهم أصلا فرص متكافئة للوصول إلى الدراسة والتكوين والعمل؟

    في هذا السياق، جاءت مداخلة ناهد العمري، منسقة الحزب بإقليم مراكش، لتؤكد أن جزءا مهما من شباب “NEET” يوجد في العالم القروي، معتبرة أن شباب المدينة والقرية قد يتقاسمون الطموحات والأحلام نفسها، لكنهم لا يحصلون بالضرورة على الفرص نفسها.

    الحبابي: ظاهرة “NEET” مسؤولية مشتركة

    من جانبه، اعتبر حمادة الحبابي، عضو المكتب التنفيدي لمنظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، أن ظاهرة “NEET” ليست جديدة، وأن المسؤولية عن استمرارها لا يمكن تحميلها لطرف واحد.

    وأشار إلى أن الأسرة والمجتمع المدني والحكومة كلها تتحمل جزءا من المسؤولية في إنتاج الظروف التي يمكن أن تدفع الشباب إلى البقاء خارج الدراسة والعمل والتكوين.

    وتوقف الحبابي عند التطور الذي يعرفه المغرب، قبل أن يطرح السؤال حول أثر هذا التطور على حياة الشباب، فالمشكلة، بحسبه، ليست فقط في وجود مشاريع أو نمو اقتصادي، وإنما في معرفة ما إذا كان هذا النمو يصل فعلا إلى الشباب ويغير شيئا في حياتهم اليومية.

    من “NEET” إلى أزمة الثقة

    اللقاء أظهر أن التعامل مع شباب NEET لا يمكن اختزاله في البحث عن وظيفة أو مقعد في مؤسسة للتكوين.

    الوضعية مرتبطة أيضا بمسار طويل يبدأ من المدرسة، ويمر عبر التكوين وسوق الشغل، ويتقاطع مع الفوارق المجالية والاجتماعية، قبل أن يصل في بعض الحالات إلى سؤال الثقة في المؤسسات والسياسة.

    ولهذا كان لافتا أن يتحول النقاش داخل لقاء شبابي حزبي إلى مراجعة للفاعل السياسي نفسه.

    عبقري دعا إلى تجاوز الأحكام المسبقة والاستماع إلى الشباب، بينما ربط بنسعيد مستقبلهم بالتحولات الاقتصادية والذكاء الاصطناعي، وطرح سؤال استفادة المواطن من التطور الذي يعرفه المغرب.

    أما المنصوري، فذهبت إلى سؤال العلاقة بين الشباب والسياسة، متوقفة عند أسباب فقدان الثقة، ومؤكدة أن مراجعة الأخطاء والاستماع إلى الشباب يجب أن يسبقا تقديم الحلول.

    في المقابل، وضع حيدر اللقاء ضمن سياسة القرب، باعتبار أن الحديث عن الشباب لا يمكن أن يعوض الاستماع المباشر إليهم.

  • من بوتاس الخميسات للتحكيم الدولي.. كيف تحول المشروع إلى نزاع بين المغرب و”إميرسون”؟

    من بوتاس الخميسات للتحكيم الدولي.. كيف تحول المشروع إلى نزاع بين المغرب و”إميرسون”؟

    يتجه النزاع التحكيمي بين المغرب وشركة التعدين البريطانية “إميرسون” بشأن مشروع البوتاس في الخميسات إلى الاستمرار حتى سنة 2028، بعدما حددت هيئة التحكيم المكلفة بالملف جدولا زمنيا جديدا للمذكرات والمرافعات، وصولا إلى عقد جلسة استماع في يوليوز من السنة ذاتها.

    وبحسب آخر مستجدات المسطرة المنشورة اليوم الثلاثاء 25 غشت، يتعين على المغرب إيداع مذكرته الجوابية في يناير 2027، على أن تقدم “إميرسون” مذكرتها التعقيبية في أكتوبر من السنة نفسها، قبل أن تودع المملكة مذكرة جوابية إضافية في يناير 2028.

    ومن المرتقب أن تعقد جلسة الاستماع في يوليوز 2028 على مدى عدة أيام، حيث ستتاح للطرفين فرصة عرض دفوعهما القانونية، وتقديم الأدلة واستجواب الخبراء والدفاع عن مواقفهما أمام هيئة التحكيم، غير أن الهيئة لم تحدد موعدا لإصدار الحكم النهائي، الذي سيأتي بعد دراسة المذكرات والوثائق والخبرات المقدمة من الطرفين.

    مطالب بـ1.215  مليار دولار

    يدور النزاع حول مشروع البوتاس بخميسات، الذي تعتبره “إميرسون” أحد أهم أصولها الاستثمارية، إذ ترى الشركة البريطانية أن قرارات اتخذتها السلطات المغربية ألحقت ضررا باستثمارها، وحرمت المشروع من الحماية التي تضمنها معاهدة الاستثمار الثنائية المعمول بها.

    وتستند الشركة إلى مجموعة من الضمانات المرتبطة بحماية الاستثمارات، من بينها الحماية من نزع الملكية والمعاملة العادلة والمنصفة، مطالبة بتعويضات تصل إلى نحو 1.215 مليار دولار عن الأضرار التي تقول إنها لحقت بها.

    منجم في الخميسات ومراهنة على مادة أساسية في الأسمدة

    لفهم أصل القضية، يجب أولا العودة إلى المشروع نفسه، فالبوتاس هو اسم يطلق على مجموعة من أملاح البوتاسيوم التي تستخدم أساسا في صناعة الأسمدة، ويعد عنصرا أساسيا لنمو النباتات، ما يجعل البوتاس مادة استراتيجية بالنسبة إلى الزراعة والصناعات المرتبطة بالأمن الغذائي.

    وهنا جاء رهان “Emmerson”، فمنذ دخولها إلى مشروع الخميسات سنة 2018، قدمت الشركة المشروع باعتباره فرصة لبناء صناعة جديدة للبوتاس في المغرب، اعتمادا على موارد معدنية قالت إنها قادرة على دعم إنتاج صناعي كبير.

    وكان المشروع يتجاوز فكرة استخراج الخام من المنجم، إذ كان التصور يقوم على إقامة منظومة لمعالجة الخام وتحويله إلى منتجات قابلة للتسويق، بما فيها البوتاس، إلى جانب منتجات معدنية وأسمدة أخرى.

    ومع تقدم الدراسات، أصبح المشروع أحد أهم أصول الشركة البريطانية، التي كانت تراهن على تحويله إلى مشروع منجمي وصناعي كبير.

    2021.. رخصة التعدين تفتح الباب

    في فبراير 2021، حصل المشروع على رخصة التعدين، وهو ما شكل تطورا مهما بالنسبة إلى الشركة، لكنه لم يكن آخر محطة قبل بدء الأشغال، لأن الرخصة المنجمية لا تلغي باقي المتطلبات القانونية والتنظيمية، وكان على المشروع أن يحصل أيضا على الموافقة المتعلقة بدراسة التأثير البيئي والاجتماعي.

    وأصبحت الموافقة لاحقا العقدة الأساسية في الملف، إذ كان المشروع يحتاج إلى معالجة كميات كبيرة من الخام، وهي عملية لها آثار مرتبطة بالمياه والمخلفات وطريقة تدبيرها.

    أزمة الماء تدخل على الخط

    خلال 2023، كان الحصول على الموافقة البيئية هو الأولوية الأساسية بالنسبة إلى الشركة البريطانية، لكن المسار لم يسر كما كانت الشركة تتوقع، بعدما واجهت دراسة التأثير البيئي والاجتماعي للمشروع قرارا غير موات من اللجنة الجهوية الموحدة للاستثمار، لتقرر الشركة اللجوء إلى مسار إحالة القرار على اللجنة الوزارية المختصة.

    ولم تتعامل الشركة مع ذلك باعتباره نهاية المشروع، بل حاولت تغيير الطريقة التي سيعالج بها الخام. وفي بداية 2024، كشفت عما سمته Khemisset Multi-Mineral Process، وهي طريقة جديدة قالت إنها تسمح بخفض استهلاك المياه بنحو 50 بالمئة، إلى جانب الاستغناء عن الحاجة إلى التخلص من المحاليل الملحية الناتجة عن المعالجة بالطريقة السابقة.

    وفي مارس 2024، أعلنت الشركة أن اللجنة الوزارية قبلت إحالة الملف من جديد إلى اللجنة الجهوية، ودعتها إلى تحديث دراسة التأثير البيئي وإعادة تقديمها، مع إدخال التحسينات الجديدة على المشروع.

    2024.. نسخة جديدة من المشروع

    في أبريل 2024، أعادت “Emmerson” تقديم دراسة التأثير البيئي والاجتماعي بعد إدخال التعديلات المرتبطة بطريقة المعالجة الجديدة، وكانت الشركة تعتقد أنها اقتربت من تجاوز العقبة التي أوقفت المشروع، بحكم تضمنها تحسينات في استهلاك المياه وتدبير المخلفات، بينما كانت التعديلات التقنية تهدف إلى تقليص البصمة البيئية للمشروع.

    واستمر الانتظار حتى أكتوبر 2024، عندما أعلنت “Emmerson” أن اللجنة الجهوية أصدرت توصية غير مواتية بشأن الموافقة على الدراسة البيئية المحدثة، لتطلب توضيحات بشأن التوصية ومسارها، قبل أن تبدأ في دراسة الخيارات القانونية والتنظيمية المتاحة أمامها.

    من قرار بيئي إلى نزاع استثماري

    بالنسبة إلى الشركة، فقد أصبح الأمر يتعلق باستثمار تقول إنها أنفقت عليه سنوات من العمل والموارد، وأن القرارات التي حالت دون حصوله على الموافقة البيئية عطلت المشروع عمليا.

    وفي بداية نونبر 2024، وبعد حصولها على استشارة قانونية، أعلنت “Emmerson” أنها أبلغت الحكومة المغربية بوجود نزاع استثماري بينها وبين المملكة، كما عينت مكتبا لتمثيلها في المسار القانوني، لتدخل معاهدة الاستثمار بين المغرب والمملكة المتحدة إلى قلب القضية.

    وفي 30 أبريل 2025، تقدمت شركتا “Khemisset UK Ltd” و”Potasse de Khemisset SA” بطلب تحكيم ضد المغرب أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار “CIRDI/ICSID”، وسجل المركز طلب التحكيم رسميا في 23 ماي 2025.

    وتقول الشركة إن المغرب خالف، بحسب ادعائها، عددا من الالتزامات المنصوص عليها في معاهدة الاستثمار المغربية البريطانية، من بينها الحماية من نزع الملكية والمعاملة العادلة والمنصفة والحماية الكاملة للاستثمار.

    وفي مارس 2026، قدمت “Emmerson” مذكرتها الرئيسية في القضية، مرفقة بأدلتها ووثائقها وشهادات وخبرات، وحددت مطالبتها المالية في 1.215 مليار دولار، شاملة الفوائد وصافية من الضرائب المحلية.

    القضية تتجه إلى 2028

    في ماي 2026، تقدم بطلب إجرائي إلى هيئة التحكيم من أجل فصل بعض الاعتراضات المتعلقة باختصاص الهيئة والنظر فيها بشكل أولي، قبل الانتقال إلى جوهر القضية.

    لكن الهيئة رفضت هذا الطلب في يوليوز 2026، وقررت أن تنظر في الاعتراضات المتعلقة بالاختصاص إلى جانب جوهر النزاع، وليس في مرحلة منفصلة.

    وفي آخر تطورات الملف، أعلنت “Emmerson” في 25 غشت 2026 أن هيئة التحكيم حددت الجدول الزمني الكامل للمسطرة، فالمغرب مطالب بتقديم مذكرته المضادة في يناير 2027، ثم تقدم الشركة ردها في أكتوبر من السنة نفسها، على أن يقدم المغرب مذكرته اللاحقة في يناير 2028.

    بعد ذلك، ستعقد جلسة الاستماع الرئيسية بين 17 و26 يوليوز 2028، حيث سيقدم الطرفان مرافعاتهما، وتتم مناقشة الأدلة والاستماع إلى الخبراء والشهود عند الاقتضاء.