الكاتب: حمزة حشيشة

  • المسطرة المدنية تقلب قواعد التقاضي.. تضييق المماطلة، رقمنة المحاكم وملاحقة التنفيذ حتى وصول الحق

    المسطرة المدنية تقلب قواعد التقاضي.. تضييق المماطلة، رقمنة المحاكم وملاحقة التنفيذ حتى وصول الحق

    دخل القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية حيز التنفيذ، واضعا قواعد جديدة لمسار التقاضي في المغرب من لحظة إيداع الدعوى والتبليغ بها، مرورا بإجراءات التحقيق والطعن ووصولا إلى تنفيذ الأحكام، وهي الحلقة التي يتوقف عندها في كثير من الملفات الانتقال من حق تقرره المحكمة إلى حق يحصل عليه صاحبه فعليا.

    القانون الجديد، يأتي على تماس مباشر مع واحدة من أكثر الإشكالات التصاقا بتجربة المتقاضين أمام المحاكم وهي الزمن القضائي، فالنزاع لا تطيل عمره المرافعات وحدها بل قد يتعطل بسبب تبليغ متعذر أو آجال إجرائية ممتدة أو طعون متتالية، أو صعوبات تظهر بعد صدور الحكم عند الانتقال إلى التنفيذ، لذلك تمتد التعديلات إلى مختلف المحطات التي يقطعها الملف، مع حضور أوسع للإجراءات والوسائل الرقمية في تدبير الدعوى.

    بهذا المعنى، لا تقف المسطرة الجديدة عند إعادة ترتيب قواعد تقنية داخل المحاكم، بل تتدخل في الكيفية التي تتحرك بها الدعوى منذ تسجيلها إلى غاية تنفيذ الحكم بما فيها ضبط أكبر للآجال والإجراءات، تنظيم طرق الطعن، توسيع الرقمنة، ومحاولة الحد من المساحات التي تسمح بإطالة النزاعات دون أن تمس في المقابل بالضمانات المرتبطة بحقوق الدفاع والتقاضي.

    وبالنسبة إلى المتقاضي، ستقاس فعالية هذه المقتضيات خارج نصوص القانون أكثر مما ستقاس داخلها، فالمعيار سيكون في قدرة المنظومة الجديدة على تقليص الزمن بين إيداع الدعوى والحصول الفعلي على الحق وتجاوز الاختلال الذي يجعل صدور الحكم، في بعض القضايا محطة في النزاع لا نهايته.

    والتحول الذي يستهدفه القانون رقم 58.25 لا يقتصر على كيفية التقاضي أمام المحكمة، بل يمتد إلى المسار الكامل للعدالة من الوصول إلى القضاء، إلى صدور الحكم، ثم إلى اللحظة التي يصبح فيها ذلك الحكم قابلا للتنفيذ وذا أثر فعلي بالنسبة إلى صاحبه.

    من الورق إلى الشاشة.. هل تختصر الرقمنة طريق المتقاضي؟

    من أبرز المستجدات التي جاء بها القانون الجديد توسيع استعمال الوسائل الإلكترونية في المساطر القضائية.

    فالنص ينظم إحداث نظام معلوماتي لتدبير المساطر والملفات والإجراءات القضائية، كما يتيح إيداع المقالات والطلبات والطعون إلكترونيا، وأداء الرسوم القضائية عن بعد، مع تسليم وصل إلكتروني يثبت تاريخ وساعة الإيداع.

    ولا تقف الرقمنة عند تقديم الطلب، إذ تمتد إلى تبادل الوثائق والتبليغ وعدد من الإجراءات التي تتم بين المحكمة والمهنيين المتدخلين في المسطرة، مع تنظيم استعمال منصات مهنية لفائدة المحامين والموثقين والعدول والمفوضين القضائيين والخبراء والتراجمة المحلفين.

    وبذلك، لن يكون الملف القضائي مرتبطا فقط بالوثائق التي توضع داخل المحكمة، وإنما يمكن أن تتم مراحل من مساره عبر النظام المعلوماتي المخصص لذلك.

    ويرى الدكتور العباس الوردي، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن القانون الجديد لا يقتصر على تغيير بعض الإجراءات، وإنما يعكس توجها نحو إعادة تنظيم مسار الدعوى بشكل أكثر وضوحا وانضباطا، خاصة من خلال المقتضيات المرتبطة بالآجال وتدبير الملفات، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة.

    لكن الانتقال من الورق إلى الرقمي لا يحدث بمجرد النص عليه في القانون. فتنزيل هذه المقتضيات يظل مرتبطا بجاهزية الأنظمة المعلوماتية وقدرة مختلف المتدخلين على استعمالها بشكل مستقر وفعلي.

    وهنا يظهر الفرق بين رقمنة المسطرة على مستوى النص و رقمنتها داخل المحكمة، لأن أثرها الحقيقي على المتقاضي سيتحدد بمدى قدرتها على اختصار الإجراءات فعلا، وليس فقط تحويلها من وثيقة ورقية إلى وثيقة إلكترونية.

    التبليغ.. الحلقة التي قد تطيل عمر القضية

    إذا كان هناك إجراء يمكن أن يؤثر بشكل مباشر في عمر القضية، فهو التبليغ، فالوصول إلى الاستدعاء أو الحكم ليس مجرد خطوة شكلية، إذ ترتبط به آجال وإجراءات لاحقة، ويمكن لتعذر التبليغ أن يؤدي إلى تأجيل المسطرة وإبقاء الملف رائجا لفترة أطول.

    ولهذا أعاد القانون تنظيم عدد من قواعد التبليغ، وأدخل التبليغ الإلكتروني ضمن الحالات التي يسمح بها القانون، مع اعتماد حسابات مهنية إلكترونية بالنسبة إلى عدد من المهنيين والمتدخلين في العدالة.

    كما جعل النص العنوان المضمن بالبطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية مرجعا احتياطيا في حالات تعذر التبليغ في العنوان المصرح به، وفق الشروط التي حددها القانون.

    وتكتسي هذه المقتضيات أهمية خاصة لأن مشكل التبليغ لا يرتبط فقط بوصول الاستدعاء إلى صاحبه، وإنما يمكن أن يؤثر في بداية احتساب الآجال وفي انتقال القضية من مرحلة إلى أخرى.

    ومن هذه الزاوية، يحاول القانون معالجة إحدى الحلقات التي يمكن أن تجعل القضية تستمر دون أن تصل فعليا إلى مرحلة الحسم.

    ويرى الوردي أن إدخال الرقمنة في التبليغ وإيداع الطلبات وتدبير الملفات يمكن أن يساهم في تجاوز جزء من الصعوبات المرتبطة بالإجراءات التقليدية، خصوصا في ما يتعلق بتبادل الوثائق وإثبات تاريخ الإيداع والوصول إلى الأطراف، غير أن فعالية هذه المقتضيات ستظل مرتبطة بمدى جاهزية الأنظمة المعلوماتية وقدرة مختلف المتدخلين على استعمالها بشكل فعلي.

    الزمن القضائي.. متى يتحول التأخير إلى إنكار للعدالة؟

    لم يكتف القانون الجديد بتحديد آجال لبعض الإجراءات، بل جعل مسألة البت داخل أجل معقول جزءا من القواعد المنظمة للعمل القضائي.

    ويعتبر النص التأخير غير المبرر، في الحالات التي حددها، من صور إنكار العدالة، إلى جانب الامتناع عن اتخاذ الإجراءات اللازمة أو البت في طلب أو قضية أصبحت جاهزة للحكم دون سبب مشروع.

    وهنا ينتقل الزمن من كونه مجرد نتيجة لطريقة تدبير الملفات إلى عنصر يرتبط بحق المتقاضي نفسه.

    وفي هذا السياق، وضع القانون آجالا لتجهيز عدد من الملفات وإحالتها، كما قيد اللجوء إلى بعض إجراءات التحقيق بضرورة أن تكون مفيدة ولازمة للفصل في النزاع.

    فإذا كانت الدعوى تحتاج إلى خبرة أو إجراء من إجراءات التحقيق، فإن الغاية منه يفترض أن تكون مرتبطة بالحاجة إلى حسم النزاع، وليس إطالة المسطرة دون فائدة.

    ويعتبر الوردي أن “التعامل مع الزمن القضائي لا يمكن أن ينفصل عن ضمانات المحاكمة العادلة، لأن المطلوب ليس فقط الوصول إلى الحكم في أسرع وقت، وإنما الوصول إليه داخل أجل معقول يسمح للأطراف بممارسة حقوقهم كاملة”.

    وهنا تصبح المعادلة واضحة: تسريع المسطرة دون اختصار حق الدفاع، والحد من التأخير دون تحويل الآجال إلى ضغط على المحكمة أو الأطراف.

    القاضي يمسك أكثر بخيوط الدعوى.. هل تضيق مساحة المماطلة؟

    ولا يقتصر التغيير على المتقاضي والمحامي، إذ يتجه القانون أيضا إلى تعزيز دور المحكمة في تدبير سير الدعوى.

    وتوضح المذكرة التفسيرية لمشروع القانون التوجه نحو تجاوز ما وصفته بالدور السلبي للقاضي المدني في الإشراف على إجراءات التقاضي، مقابل منحه دورا أكبر في متابعة سير المسطرة، في الحدود التي يحددها القانون.

    كما يؤكد النص أن المحكمة تبت في حدود طلبات الأطراف، مع قيامها بالتكييف القانوني السليم للوقائع وتطبيق القانون الواجب عليها.

    ويظهر هذا التوجه في عدد من المقتضيات المرتبطة بتدبير الملفات وإجراءات التحقيق والآجال، حيث لا يقتصر دور المحكمة على الفصل في موضوع النزاع، وإنما يمتد إلى ضبط المسار الإجرائي للقضية ومتابعة مراحلها.

    ولا يعني ذلك أن القاضي أصبح طرفا في النزاع، وإنما أن القانون يمنحه دورا أكبر في تدبير المسطرة، بما يساعد على الحد من الإجراءات غير الضرورية ومنع تحولها إلى سبب في إطالة أمد القضية.

    ومن هذه الزاوية، يصبح دور القاضي في تدبير المسطرة جزءا من محاولة تحقيق توازن بين سرعة البت وضمان حقوق الأطراف.

    حق التقاضي تحت الاختبار.. متى يتحول الطعن إلى وسيلة للتعطيل؟

    في مقابل توسيع ضمانات التقاضي، يضع القانون الجديد قواعد لمواجهة الاستعمال التعسفي للمسطرة.

    فالنص يلزم بممارسة الحق في التقاضي بحسن نية، وعدم عرقلة حسن سير العدالة، ويتيح الحكم بالتعويض عن التقاضي التعسفي في الحالات التي يثبت فيها ذلك.

    كما يتضمن مقتضيات خاصة بمواجهة بعض صور استعمال الطعن للتسويف، من بينها الغرامة التي يمكن الحكم بها في حالات محددة عندما يتبين أن التعرض أو الاستئناف في مسطرة الأمر بالأداء لم يكن هدفه سوى تعطيل التنفيذ.

    ولا يعني ذلك أن القانون يمنع الطعن أو يحد من حق الدفاع، وإنما يحاول التمييز بين استعمال طرق الطعن لمراجعة الأحكام، واستعمالها بهدف إطالة النزاع دون مبرر.

    وهنا يضع القانون المتقاضي أمام معادلة دقيقة: حق اللجوء إلى القضاء وطرق الطعن يبقى قائما، لكن استعمال المسطرة يفترض أن يتم في إطار حسن النية.

    بعد الحكم.. ماذا يبقى من حق الطعن؟

    إلى جانب مواجهة المماطلة، أعاد القانون تنظيم عدد من قواعد الطعن والاختصاص.

    فقد نظم الاستئناف المثار والاستئناف الفرعي، وغير بعض الآجال، من بينها رفع أجل التعرض من 10 إلى 15 يوما، كما وضع مقتضيات خاصة بإلغاء بعض الأحكام الابتدائية الانتهائية في حالات محددة.

    وتهم هذه التغييرات مرحلة أساسية في رحلة الدعوى، لأن صدور الحكم لا يعني بالضرورة نهاية المسطرة بالنسبة إلى الأطراف.

    فإذا كان أحدهم يرى أن الحكم شابه خطأ أو أن شروط المحاكمة لم تحترم، فإن طرق الطعن تتيح، وفق الحالات والشروط التي يحددها القانون، إعادة عرض القضية أو مراجعة الحكم.

    ويرى الوردي أن “الغاية من تنظيم طرق الطعن لا ينبغي أن تكون التضييق على حق المتقاضي في مراجعة الحكم، وإنما ضبط استعمال هذه الآليات حتى تظل مرتبطة بوظيفتها الأصلية، أي حماية الحقوق وتصحيح الأخطاء، وليس تعطيل تنفيذ الأحكام”.

    وبذلك، يحاول القانون أن يوازن بين حق المتقاضي في مراجعة الحكم وبين الحاجة إلى وضع حد للاستعمال الذي يحول الطعن إلى وسيلة لإطالة النزاع.

    قبل الحكم.. الصلح طريق أقصر إلى الحق

    لا يراهن القانون الجديد على اختصار زمن الدعوى داخل المحكمة فقط، بل يفتح مجالا لإنهاء النزاع قبل أن يستهلك كامل درجات وإجراءات التقاضي، من خلال عرض الصلح على الأطراف أو توجيههم نحو الوساطة متى كانت طبيعة القضية والمقتضيات القانونية تسمح بذلك.

    والفارق هنا ليس إجرائيا فقط. فالنزاع الذي ينتهي باتفاق بين أطرافه يوفر جزءا من الزمن والكلفة اللذين تفرضهما مواصلة المسطرة، ويجنب الخصوم الانتقال من مرحلة إلى أخرى، بما تحمله من آجال وإجراءات وطعون محتملة.

    بهذا المنطق، يصبح الصلح جزءا من تدبير الزمن القضائي نفسه، لا مجرد إمكانية جانبية تسبق الحكم. فكل نزاع يجد طريقه إلى تسوية تحفظ حقوق أطرافه قبل استنفاد المسطرة، هو ملف أقل أمام درجات التقاضي ووقت أقل يفصل المتقاضي عن تسوية نزاعه.

    الجلسات عن بعد.. المحكمة تدخل زمن التقاضي الرقمي

    يمتد التحول الرقمي في القانون إلى واحدة من أكثر صور التقاضي ارتباطا بالمحكمة وهي الجلسة نفسها. إذ يتيح النص عقد جلسات عن بعد وفق ضوابط محددة، من بينها الموافقة الصريحة للأطراف، وضمان حقوق الدفاع، وتأمين اتصال مباشر ومتزامن بالمحكمة.

    ولا يعني ذلك الاستغناء عن قاعة الجلسات، بقدر ما يعني أن الحضور المادي لم يعد الوسيلة الوحيدة لإنجاز بعض الإجراءات القضائية.

    ويتكامل ذلك مع الاعتراف بحجية عدد من الوثائق المودعة إلكترونيا، وتنظيم التوقيع الإلكتروني للمقررات القضائية والتبليغ الإلكتروني في الحالات التي يشملها القانون.

    لكن نقل جزء من المسطرة إلى الفضاء الرقمي يجعل البنية التقنية نفسها جزءا من ضمانات التقاضي. فتعطل النظام المعلوماتي أو ضعف حماية المعطيات، أو تفاوت القدرة على استعمال الخدمات الرقمية، لم تعد مسائل تقنية محضة عندما يصبح إجراء قضائي أو أجل أو تبليغ مرتبطا بها.

    ويضع ذلك المحاكم وباقي المتدخلين أمام اختبار يتجاوز توفير المنصات إلى ضمان استقرارها وأمنها وسهولة استخدامها، حتى لا تختصر الرقمنة المسافة بالنسبة إلى متقاضٍ وتضيف عائقا جديدا أمام متقاضٍ آخر.

    وفي هذا الصدد، يؤكد الوردي أن “الرقمنة يمكن أن تختصر جزءا من الإجراءات التي كانت تتطلب الحضور أو تبادل الوثائق بشكل تقليدي، لكن نجاح هذا التحول يبقى مرتبطا بمدى جاهزية المحاكم والأنظمة المعلوماتية، وبضمان حماية المعطيات واستمرار حقوق الدفاع في البيئة الرقمية”.

    وعليه، لن تكون قيمة الجلسات والخدمات الرقمية في عدد الإجراءات التي انتقلت من الورق إلى الشاشة، وإنما في قدرتها على تقليص التنقل والانتظار وتبسيط علاقة المتقاضي بالمحكمة، من دون أن يدفع مقابل ذلك من ضماناته القانونية.

    الحكم ليس نهاية الطريق.. التنفيذ هو الاختبار

    صدور الحكم يمنح المتقاضي سندا قضائيا بحقه، لكنه لا يعني بالضرورة حصوله عليه. فبين منطوق الحكم وتنفيذه قد تبدأ مرحلة أخرى من الإجراءات، يصبح معها الزمن الذي استغرقه الفصل في النزاع جزءا فقط من المدة التي يحتاجها صاحب الحق للوصول إلى النتيجة الفعلية.

    لهذا يمتد ورش الرقمنة في القانون الجديد إلى التنفيذ، مع إدخال عدد من إجراءاته ضمن النظام المعلوماتي وتمكين قاضي التنفيذ من تتبع المسار وتبادل معطيات مرتبطة به إلكترونيا.

    ويتيح القانون الاستعانة بالمنصة الرقمية في البحث عن أموال المنفذ عليه وتتبع إجراءات التنفيذ، كما ينظم اللجوء إلى البيع عبر منصة إلكترونية في الحالات التي يحددها النص. وهي مقتضيات تنقل الرقمنة من تدبير الملف القضائي قبل الحكم إلى المرحلة التي يفترض أن يتحول فيها الحكم إلى أثر ملموس.

    وتكتسب هذه المرحلة ثقلا خاصا، لأن عدالة تنتهي إلى حكم يتأخر تنفيذه تظل، بالنسبة إلى صاحب الحق، عدالة غير مكتملة الأثر. لذلك يصبح تقليص زمن التنفيذ مكملا لتقليص زمن التقاضي، لا ملفا منفصلا عنه.

    ويقول الوردي إن “أهمية الإصلاح تظهر أيضا في مرحلة التنفيذ، لأن صدور الحكم لا يعني دائما حصول صاحب الحق على حقه بشكل فعلي. وإذا تمكنت الوسائل الرقمية من تسهيل تتبع إجراءات التنفيذ والبحث عن أموال المنفذ عليه وتبادل المعطيات بين المتدخلين، فإن ذلك يمكن أن يختصر جزءا من المسار الذي يعيشه صاحب الحق بعد صدور الحكم”

    وهنا سيكون الاختبار العملي الأكثر حساسية للقانون الجديد، فالمنصة تستطيع تسريع الوصول إلى المعلومة وتبادلها، لكنها لا تنفذ حكما بمفردها وما سيحدد الأثر الحقيقي لهذه المقتضيات هو قدرة قضاء التنفيذ وباقي المتدخلين على تحويل السرعة في تداول المعطيات إلى سرعة في الإجراءات، ثم إلى حق يصل فعليا إلى صاحبه.

    يجمع القانون رقم 58.25 بين تغييرات تمس مراحل مختلفة من الدعوى، من التبليغ والآجال إلى الطعون والصلح والرقمنة والتنفيذ لكن ما يجمع هذه المقتضيات هو محاولة جعل مسار الدعوى أكثر وضوحا وتنظيما، مع الحد من الإجراءات التي يمكن أن تؤدي إلى تأخير غير مبرر، وفتح المجال أمام استعمال أوسع للوسائل الرقمية.

  • هل ترفع رقمنة الوكالة مشاركة مغاربة العالم في الانتخابات؟

    هل ترفع رقمنة الوكالة مشاركة مغاربة العالم في الانتخابات؟

    يستعد مغاربة العالم للمشاركة في الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر المقبل وفق المسطرة المعمول بها في الاستحقاقات السابقة، إذ سيظل الناخب المقيم خارج المملكة مطالبا بتوكيل شخص داخل المغرب للتصويت باسمه، غير أن إنجاز هذه الوكالة سيعرف تغييرا مع اعتماد إمكانية إتمامها عن بعد عبر منصة إلكترونية.

    ويهم هذا التغيير مرحلة إعداد الوكالة فقط، دون أن يمتد إلى طريقة الإدلاء بالتصويت، إذ لن يكون بإمكان مغاربة العالم التصويت إلكترونيا أو الإدلاء بأصواتهم في مكاتب اقتراع ببلدان الإقامة، ليظل التصويت الفعلي داخل المغرب بواسطة الوكيل الذي يختاره الناخب.

    ويأتي اعتماد الوكالة الإلكترونية في سياق توجه نحو تبسيط الإجراءات المرتبطة بمشاركة مغاربة العالم في الاستحقاقات الانتخابية، من خلال تقليص التنقلات والخطوات الإدارية التي كانت تسبق إنجاز الوكالة.

    صوت يصل إلى الصندوق بالوكالة

    لفهم ما تغير في مشاركة الجالية في انتخابات 2026، ينبغي العودة أولا إلى الطريقة التي شارك بها مغاربة العالم في الاستحقاقات السابقة.

    فدستور 2011 نص في فصله 17 على تمتع المغاربة المقيمين في الخارج بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشيح في الانتخابات، وأحال إلى القانون تحديد شروط وكيفيات الممارسة الفعلية لهذه الحقوق انطلاقا من بلدان الإقامة.

    واعتمد التصويت بالوكالة عمليا باعتباره الآلية التي تسمح للناخب المقيد في اللوائح الانتخابية العامة والمقيم خارج المملكة بالمشاركة دون الحضور شخصيا إلى المغرب يوم الاقتراع.

    وبدل وجود مكاتب اقتراع في باريس أو مدريد أو بروكسيل أو روما، يرتبط صوت الناخب بالدائرة الانتخابية التي يقيد في لوائحها داخل المغرب؛ وإذا لم يكن موجودا في المملكة يوم الاقتراع، يمكنه اختيار شخص آخر يمنحه وكالة للتصويت نيابة عنه.

    هكذا حضرت الوكالة في الانتخابات التشريعية التي أعقبت دستور 2011، واستمرت الآلية نفسها خلال استحقاقي 2016 و2021، ليظل صوت المغربي المقيم بالخارج محسوبا داخل الدائرة الانتخابية التي يرتبط بها في المملكة، وليس ضمن دائرة خاصة بالجالية في بلد إقامته.

    وسبق للمحكمة الدستورية أن تناولت هذه المسألة عند فحص القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، معتبرة أن اعتماد التصويت بالوكالة بالنسبة إلى المغاربة المقيمين بالخارج يندرج ضمن الكيفيات القانونية لممارسة الحق الانتخابي.

    سعد القطيب: المسطرة كانت تبعد جزءا من المصوتين

    يرى سعد القطيب، وهو مغربي مقيم في فرنسا، أن عدم مشاركة جزء من الجالية لا ينبغي تفسيره دائما بعدم الاهتمام بالانتخابات، لأن الطريقة التي يتعين على الناخب المرور منها للوصول إلى التصويت يمكن أن تؤثر بدورها في قرار المشاركة.

    ويقول القطيب في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” إن “عددا من مغاربة العالم يتابعون ما يجري داخل المغرب، سواء الانتخابات أو النقاش السياسي أو القرارات التي تمس حياتهم وعائلاتهم، لكن المشاركة كانت تتطلب إجراءات إضافية بالنسبة إلى شخص يعيش في الخارج”.

    ويضيف أن “التصويت بالوكالة كان حلا لمن لا يستطيع العودة إلى المغرب، لكن عندما تكون المسطرة مرتبطة بالتنقل والوقت، يمكن أن تجد شخصا يريد التصويت في البداية ثم يتراجع، خصوصا أن الجالية لا تعيش كلها بالقرب من القنصليات”.

    وبالنسبة إلى القطيب، فإن تبسيط الوصول إلى الوكالة يمكن أن يزيل واحدا من الحواجز العملية أمام المشاركة، حتى وإن ظل التصويت نفسه يتم داخل المغرب.

    الرقمنة وحدها لا تكفي

    وبعد استكمال المعلومات والتأكد من صحتها، يتم إنجاز الوكالة وفق المسطرة المحددة، حتى يتمكن الشخص الذي اختاره الناخب من استعمالها يوم الاقتراع.

    عمليا، لم يتغير جوهر الوكالة، وإنما تغير الطريق إليها، إذ يعني ذلك لناخب يعيش بعيدا عن أقرب تمثيلية قنصلية، تقليص الحاجة إلى التنقل والوقت المرتبط بإنجاز المسطرة، وهي تحديدا النقطة التي يمكن أن تجعل الاستفادة منها أسهل مقارنة بالاستحقاقات السابقة.

    ويرى سعد القطيب أن هذا التحول يمكن أن يظهر أثره خلال انتخابات شتنبر، موضحا أن “رقمنة الوكالة يمكن أن ترفع نسبة مشاركة مغاربة العالم، لأنها تجعل العملية أسهل بالنسبة إلى الأشخاص الذين كانوا يترددون بسبب الإجراءات أو التنقل”.

    ويضيف أن “الشخص عندما يعرف أنه يستطيع إنجاز المسطرة من مكان إقامته، دون أن يضطر إلى قطع مسافة طويلة أو تخصيص جزء من يومه لإجراء إداري، ستكون لديه فرصة أكبر لإتمام العملية بدل تأجيلها أو التخلي عنها”.

    الرقمنة وحدها لا تكفي

    تستطيع الرقمنة تقريب الوكالة من الناخب وتخفيف الإجراءات، لكنها لا تغير طبيعة التمثيلية الناتجة عنها، فمغاربة العالم سيصوتون في انتخابات 2026 ضمن الدوائر الموجودة داخل المغرب، وليس داخل دوائر انتخابية خاصة بهم في بلدان الإقامة.

    ولهذا ظل مطلب التمثيلية المباشرة حاضرا لدى جزء من فعاليات الجالية خلال الاستحقاقات السابقة، سواء عبر المطالبة بإحداث دوائر انتخابية بالخارج أو تخصيص مقاعد برلمانية ينتخبها مغاربة العالم مباشرة.

    وتكتسب هذه المطالب بعدا آخر بالنظر إلى خصوصية القضايا التي تواجه الجالية، من الخدمات القنصلية والإجراءات الإدارية إلى الاستثمار وقضايا الأسر والتنقل والإقامة، وهي ملفات تختلف طبيعتها أحيانا باختلاف بلدان الاستقبال.

    ويشدد القطيب في هذا السياق على أن “الرقمنة لن تكون وحدها كافية، لأن هناك أيضا الثقة والاهتمام بالبرامج ومعرفة المرشحين والشعور بأن المشاركة يمكن أن تحدث فرقا”، مشيرا إلى أن “إزالة العراقيل العملية تبقى خطوة مهمة ويمكن أن يظهر أثرها في حجم المشاركة”.

    23 شتنبر.. اختبار لما بعد تبسيط المسطرة

    وتدخل مشاركة مغاربة العالم محطة جديدة دون أن تغادر نظام الوكالة، فالناخب الموجود في الخارج سيظل محتاجا إلى شخص داخل المغرب يضع الصوت نيابة عنه، لكن المسافة التي تفصله عن بداية العملية أصبحت أقصر مع رقمنة المسطرة.

    وانطلاقا من هذه التعديلات، لن يقاس أثر المستجد الإجرائي بنجاح المنصة تقنيا فقط، وإنما بقدرته على تحويل تبسيط الإجراءات إلى مشاركة فعلية.

    أما إذا لم يتغير الإقبال رغم تبسيط المسطرة، فستظهر حدود الحل التقني بشكل أوضح، وسينتقل النقاش من سؤال كيفية تسهيل التصويت إلى سؤال ما يحتاجه مغاربة العالم حتى تتحول علاقتهم بالانتخابات من حق يمكن ممارسته عن بعد إلى مشاركة سياسية أكثر حضورا وتأثيرا.

  • القانون 87.21.. فلسفة جديدة لتدبير الأزمات البنكية في المغرب

    القانون 87.21.. فلسفة جديدة لتدبير الأزمات البنكية في المغرب

    لم يعد التعامل مع تعثر مؤسسات الائتمان في المغرب رهينا بالتدخل بعد وقوع الأزمة، فالقانون الجديد رقم 87.21 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها يضع مسارا يبدأ قبل الانهيار، من خلال التخطيط الوقائي والتقويم، ويمر بالتدخل المبكر والإدارة المؤقتة، وصولا إلى تسوية منظمة عندما يصبح فشل المؤسسة واقعا أو وشيكا.

    ويكشف هذا المسار عن تحول في فلسفة تدبير الأزمات البنكية، لا يقوم فقط على محاولة إنقاذ المؤسسة في شكلها الحالي، وإنما على حماية استمرار الوظائف الحيوية، وحماية الودائع وأموال الزبناء، والحفاظ على الاستقرار المالي، مع تقليص كلفة الأزمة على المال العمومي.

    تحرك قانوني قبل الانهيار

    يبدأ القانون من مرحلة تسبق الفشل البنكي نفسه، من خلال إلزام مؤسسات الائتمان ذات المخاطر الخاصة أو الأهمية الشمولية بإعداد مخطط وقائي للتقويم.

    ويمكن أن يتضمن هذا المخطط تكوين احتياطيات لتغطية المخاطر، والحد من توزيع الأرباح، والرفع من رأس المال، وإعادة تنظيم المؤسسة، أو إغلاق أو تفويت بعض فروعها وشركاتها التابعة، إلى جانب البحث عن مساهمين أو شركاء جدد.

    لكن المقتضى الأكثر دلالة أن المخطط الوقائي لا يمكن أن يفترض اللجوء إلى الدعم المالي العمومي الاستثنائي، أي أن أراد أن تبدأ المؤسسة بمحاولة معالجة اختلالاتها من داخلها، قبل أن تتحول الأزمة إلى مسؤولية على الدولة، لينتقل القانون من منطق انتظار الأزمة إلى منطق الاستعداد لها والتدخل في مراحلها الأولى.

    ويخول القانون لبنك المغرب فرض تنفيذ تدابير محددة لإعادة الوضع إلى مساره الطبيعي في حال لاحظ أن وضعية المؤسسة تستدعي التقويم.

    ومع ارتفاع مستوى المخاطر، تتسع أدوات التدخل لتشمل فرض قيود إضافية مرتبطة بالملاءة والسيولة والمخاطر، أو توقيف بعض الأنشطة، أو تقليص شبكة المؤسسة، أو إعادة هيكلة الديون، أو تغيير بعض هياكلها القانونية والتنظيمية، زيادة على إمكانية الحد من توزيع الأرباح والمكافآت المتغيرة، والدعوة إلى عقد جمعية عامة، أو العمل على إدخال مساهمين جدد.

    الإدارة المؤقتة

    ويفتح القانون الباب أمام مرحلة أكثر تدخلا إذا لم تعد إجراءات التقويم كافية، من خلال تعيين مدير مؤقت تتوفر فيه الاستقلالية والكفاءة والخبرة في المجالات البنكية أو المالية أو القانونية، يتولى فعليا صلاحيات أجهزة الإدارة والرقابة والتسيير.

    وفي هذه الحالة، تتوقف الأجهزة المعنية عن ممارسة صلاحياتها، كما تتوقف اجتماعات الجمعية العامة، لتنتقل سلطة القرار إلى الإدارة المؤقتة خلال الفترة التي تقتضيها معالجة وضعية المؤسسة.

    ويقرأ الخبير والمستشار الدولي المغربي في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي، محمد أمين سامي، هذا التحول باعتباره انتقالا من منطق التدخل المتأخر إلى بناء قدرة مؤسساتية على استباق المخاطر.

    وأوضح سامي، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن أهمية الإطار الجديد تكمن في عدم انتظار وصول المؤسسة إلى مرحلة الانهيار قبل استعمال أدوات التقويم، لأن كلفة التدخل ترتفع كلما تأخر التعامل مع الاختلالات.

    إنقاذ الوظائف وليس البنك

    اللافت في القانون الجديد أنه لا يجعل هدف التسوية إنقاذ المؤسسة في شكلها الحالي بأي ثمن، وإنما يربطها بالحفاظ على وظائفها الحيوية، وحماية الاستقرار المالي، وتقليص اللجوء إلى المال العمومي، وحماية الودائع المشمولة بالضمان وأموال وأصول الزبناء.

    ولتدبير هذه المرحلة، يمنح القانون هيئة التسوية مجموعة من الأدوات، من بينها تفويت جزء من أنشطة المؤسسة أو أصولها والتزاماتها إلى مشترٍ، أو نقل بعض أو كل هذه العناصر إلى مؤسسة جسر، أو فصل بعض الأصول ونقلها إلى بنية متخصصة في تدبيرها.

    وتكتسب مؤسسة الجسر أهمية خاصة، لأنها تتيح استمرار الأنشطة الحيوية خلال فترة مؤقتة، في انتظار إعادة تفويت ما تم نقله إليها وفق الشروط والآجال التي تحددها هيئة التسوية.

    من يتحمل الخسائر؟

    إذا كان القانون يضع حماية الودائع والاستقرار المالي ضمن أهدافه، فإنه في المقابل يحدد من يتحمل تكلفة الفشل، إذ يضع المساهمين والشركاء في مقدمة من يتحملون الخسائر، يليهم أصحاب الديون المقرونة بشروط، ثم الدائنون العاديون، مع ضمان ألا يتحمل الدائن خسارة أكبر مما كان سيتحملها في حالة تصفية المؤسسة.

    أما الودائع المشمولة بالضمان، فتحظى بالحماية التي يقررها النظام القانوني للضمان.

    ويعتبر محمد أمين سامي في حديثه للجريدة أن هذا الجانب من الإطار الجديد مهم من زاوية الاستقرار المالي، لأن وضوح ترتيب تحمل الخسائر يساهم في تحديد المسؤوليات وتقليص حالة عدم اليقين عند وقوع الأزمة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حماية المودعين والوظائف الأساسية للمؤسسة.

    المال العمومي.. آخر الخيارات

    لم يغلق القانون الباب بشكل مطلق أمام تدخل الدول، فالدعم المالي العمومي الاستثنائي يظل ممكنا في حالات محددة، عندما يتبين أن أدوات التسوية الأخرى لن تكون كافية، وبعد المرور عبر المساطر والشروط التي يحددها القانون.

    لكن الفارق الأساسي أن الدعم العمومي لم يعد يمثل نقطة الانطلاق في معالجة الأزمة، وإنما خيارا استثنائيا وأخيرا، وهذه النقطة تعيد ترتيب العلاقة بين الدولة والمؤسسة البنكية عند الفشل، لأن الدولة تتدخل لحماية الاستقرار عندما تصبح الضرورة قائمة، لكنها لا تتحول تلقائيا إلى جهة تتحمل الخسائر التي كان يمكن تدبيرها داخل المؤسسة.

    حماية الزبون تتجاوز الوديعة

    لا يحصر القانون الحماية في الودائع المشمولة بالضمان، بل يربط التسوية أيضا بحماية أموال وأصول الزبناء واستمرار الخدمات والبنيات التحتية الحيوية، لأن أزمة مؤسسة ائتمان لا تتوقف آثارها عند ميزانيتها، بل يمكن أن تمتد إلى الأفراد والمقاولات والعمليات اليومية المرتبطة بالنظام المالي.

    لذلك، فإن استمرار الوظائف الحيوية للمؤسسة يصبح في حد ذاته هدفا من أهداف التسوية، حتى إذا كان مصير المؤسسة الأصلية هو التفويت أو إعادة الهيكلة أو تغيير الملكية.

    لكن القانون، في المقابل، وضع آلية للطعن في قرارات هيئة التسوية أمام محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء بالنسبة لكل شخص ذاتي أو اعتباري له مصلحة.

  • المغرب يُطوّق القرصنة الرقمية بقانون جديد يلاحق شبكة الاستغلال غير المشروع

    المغرب يُطوّق القرصنة الرقمية بقانون جديد يلاحق شبكة الاستغلال غير المشروع

    دخل القانون رقم 013.26، القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 2.00 المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، حيز التنفيذ في المغرب، في وقت أصبحت فيه طرق إنتاج المحتوى وتوزيعه واستهلاكه مختلفة بشكل كبير عما كانت عليه عند وضع الإطار القانوني السابق، حيث لم يعد المحتوى يصل إلى الجمهور عبر التلفزيون أو وسائل التوزيع التقليدية فقط، بل أصبح ينتقل أيضا عبر الإنترنت والمنصات الرقمية والتطبيقات والخوادم.

    ويأتي القانون الجديد لتحديث هذا الإطار، من خلال توسيع عدد من المفاهيم المرتبطة بالبث والنقل إلى الجمهور، وإدخال تعريف صريح للقرصنة يشمل الاستغلال غير المرخص للمحتويات المحمية عبر الوسائل الرقمية، إلى جانب تعزيز آليات البحث والمعاينة وإمكانية تدخل القضاء لوقف الاعتداءات على الحقوق المحمية.

    وبذلك، لا يتعلق الأمر بقانون خاص بتقنية معينة مثل “IPTV”، وفق ما تم تداوله مؤخرا، وإنما بإعادة تكييف قواعد حماية حقوق المؤلف والحقوق المجاورة مع واقع رقمي أصبحت فيه إعادة بث القنوات والأفلام والمنافسات الرياضية وغيرها من المحتويات تتم بوسائل أكثر تعقيدا وأوسع انتشارا.

    ومن هنا تبرز أهمية قراءة القانون من زاوية ما الذي تغير فعليا وكيف أعاد المشرع تعريف القرصنة؟ وما الأدوات الجديدة التي وضعها لمواجهة الاستغلال غير المرخص؟ وإلى أي حد أصبحت القواعد القانونية قادرة على مواكبة سوق محتوى تغيرت طريقة إنتاجه وتوزيعه واستهلاكه؟

    من وسيلة البث إلى فعل الاستغلال

    أبرز ما يميز القانون الجديد أنه لا يحاول ملاحقة تقنية محددة، وإنما يعيد صياغة المفاهيم القانونية بما يجعلها قابلة للتطبيق على وسائل مختلفة.

    فمفهوم “البث الإذاعي والتلفزي” أصبح يشمل تبليغ المصنفات والأداءات والتسجيلات إلى الجمهور، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عبر وسائل الإرسال السلكية أو اللاسلكية وبأي وسيلة كانت، بما فيها الأقمار الاصطناعية والشبكات الإلكترونية، كما جرى توسيع مفهوم “النقل إلى الجمهور” ليشمل النقل الرقمي عبر الإنترنت بالصوت أو الصورة.

    لكن التحول الأبرز يتمثل في إدخال تعريف قانوني صريح لـ”القرصنة”، باعتبارها كل استغلال غير مرخص لمصنف أو أداء أو تسجيل صوتي أو سمعي بصري، أيا كانت الوسيلة المستخدمة، بما فيها الوسائل الرقمية وشبكة الإنترنت.

    وهنا لا تكمن أهمية التعديل فقط في إضافة مصطلح جديد، وإنما في الانتقال من حماية كانت مرتبطة بدرجة كبيرة بوسائل الاستغلال التقليدية إلى حماية تركز على فعل استغلال المحتوى نفسه، بصرف النظر عن الأداة التقنية المستخدمة.

    ويعتبر الطيب الهزاز، الخبير في الأمن السيبراني، أن عدم تخصيص القانون لمصطلح “IPTV” بشكل مستقل يمكن اعتباره اختيارا أكثر مرونة، لأن التقنيات المستخدمة في القرصنة تتغير باستمرار، بينما يركز النص على الفعل غير المشروع، أي استغلال أو إعادة نقل المحتوى المحمي دون الترخيص اللازم.

    ويوضح الهزاز أن ربط التجريم بتقنية محددة قد يجعل النص متجاوزا مع ظهور وسائل جديدة، في حين أن توسيع مفاهيم البث والنقل إلى الجمهور يسمح للمنظومة القانونية باستيعاب أشكال مختلفة من القرصنة الرقمية.

    IPTV.. تطبيق عملي لقواعد أوسع

    في هذا الإطار، تبرز خدمات “IPTV” باعتبارها واحدة من أكثر الأمثلة وضوحا على التحول الذي يحاول القانون مواكبته، ففالنص لا يذكرها بالاسم، ولا ينشئ جريمة مستقلة تحمل اسم قرصنة “IPTV”، كما لا يحصر المقتضيات في القنوات التلفزيونية أو المباريات الرياضية، غير أن إعادة بث محتوى محمي عبر تطبيقات أو خوادم دون الحصول على حقوق الاستغلال وإعادة البث يمكن، بحسب طبيعة كل حالة، أن تدخل ضمن الاستغلال غير المرخص والقرصنة والنقل إلى الجمهور.

    وهنا يجب التمييز بين التقنية وطريقة استعمالها؛ فـ”IPTV”  كوسيلة لنقل المحتوى لا يعني في حد ذاته قرصنة، وإنما تطرح المسؤولية القانونية عندما تستعمل التكنولوجيا لإعادة توزيع محتوى محمي خارج شروط الترخيص.

    وبذلك، اختار المشرع صياغة قاعدة أوسع من مجرد تسمية تقنية، بما يسمح لها بمواكبة سوق تتغير أدواتها بسرعة.

    من ملاحقة المحتوى إلى إمكانية وقف النقل

    ولا يتوقف الإصلاح عند تعريف القرصنة، بل يمتد إلى وسائل وقف الاعتداء، إذ تنص المادة 61 بصيغتها الجديدة على إمكانية إصدار المحكمة حكما أو أمرا بمنع أو إيقاف أو إنهاء أي خرق لحق يحميه القانون.

    وفي حالة الخرق عن طريق “النقل إلى الجمهور”، يمكن أن يستهدف الحكم أو الأمر الشخص الذاتي أو الاعتباري الذي تكون لديه، بحكم وظيفته أو اختصاصاته، القدرة على وقف عملية النقل.

    وتكتسي هذه المقتضيات أهمية خاصة في البيئة الرقمية، حيث قد لا يكون الشخص الذي يقف وراء المحتوى غير المرخص هو نفسه الجهة التي تملك القدرة التقنية على إيقاف عملية نقله.

    ويشير الهزاز إلى أن القرصنة الرقمية أصبحت تعتمد، في عدد من الحالات، على منظومات تقنية تضم خوادم وتطبيقات وشبكات لإعادة نقل المحتوى إلى أعداد كبيرة من المستخدمين، لذلك، فإن إمكانية التدخل لوقف عملية النقل تكتسي أهمية خاصة، لأنها تفتح المجال أمام استهداف سلسلة التوزيع غير المشروع، وليس فقط ملاحقة المستخدم النهائي.

    لكن ذلك لا يعني أن القانون أقر حجبا إداريا تلقائيا للمواقع أو الخوادم؛ فالتدخل في هذا المجال يمر عبر القضاء، الذي يمكنه إصدار الأوامر اللازمة وفق الشروط والمساطر القانونية.

    ملاحقة البنية التقنية للقرصنة

    ولمواجهة طبيعة المخالفات الرقمية، عزز القانون أدوات المعاينة والبحث، إذ يتيح للأعوان المؤهلين الولوج إلى المحلات والأماكن ونظم المعلومات ووسائل النقل، والاطلاع على السجلات والمستندات والوثائق وأخذ نسخ منها، والحصول على المعلومات الضرورية للبحث، فضلا عن حجز المعدات والوسائل والأدوات والوثائق المرتبطة بالمخالفات.

    وتحرر بشأن المخالفات محاضر قبل إحالتها على النيابة العامة المختصة، ما يعني أن المواجهة لم تعد موجهة فقط إلى المحتوى الذي يصل إلى الجمهور، وإنما يمكن أن تمتد إلى الأدوات والبنية التقنية التي تسمح بإعادة توزيعه بشكل غير قانوني.

    العقوبة ليست وحدها عنوان الإصلاح

    على المستوى الزجري، يحيل القانون المعدل على منظومة العقوبات المنصوص عليها في المادة 64 من القانون رقم 2.00، مع إدخال مقتضيات جديدة وتوسيع بعض حالات الاستغلال غير المرخص، فضلا عن تجريم عرقلة الأعوان المؤهلين أثناء قيامهم بمهامهم.

    وبالنسبة إلى عدد من الانتهاكات العمدية، يمكن أن تصل العقوبة إلى الحبس من شهرين إلى ستة أشهر وغرامة من 10 آلاف إلى 100 ألف درهم، أو إحدى هاتين العقوبتين، فيما يمكن أن ترتفع في حالة العود إلى الحبس من سنة إلى أربع سنوات وغرامة من 60 ألفا إلى 600 ألف درهم، وفق الحالات والشروط المحددة في القانون.

    قانون يتجاوز القرصنة إلى اقتصاد المحتوى

    سيكون اختزال القانون في خدمات “IPTV” قراءة ناقصة، لأن التعديل يأتي ضمن ورش أوسع لتحديث منظومة حقوق المؤلف والحقوق المجاورة ومواكبة أنماط استهلاك المصنفات عبر المنصات الإلكترونية.

    وسبق لوزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد أن أكد أن الإصلاح بمواكبة التطورات التكنولوجية والتحولات الرقمية والاستحقاقات الرياضية الكبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، بما يجعل حماية حقوق البث واستغلال المحتويات الرياضية جزءا من رهانات أوسع مرتبطة بسوق المحتوى.

    ومن هذه الزاوية، لا يتعامل المشرع مع الإنترنت فقط باعتباره فضاء للمخالفات، وإنما باعتباره سوقا جديدة للمحتوى تحتاج إلى قواعد واضحة للاستغلال والتوزيع والاستفادة الاقتصادية.

    ويخلص الهزاز إلى أن الرهان الحقيقي للقانون الجديد لا يتمثل فقط في العقوبات، وإنما في الانتقال من التعامل مع القرصنة بعد انتشار المحتوى إلى محاولة تعطيل منظومة الاستغلال غير المشروع نفسها.

    ويعتبر الخبير في الأمن السيبراني أن الجمع بين التعريف القانوني الأوسع للقرصنة، وصلاحيات البحث والمعاينة، وإمكانية اللجوء إلى القضاء لوقف النقل، يمكن أن يوفر أساسا أكثر ملاءمة لمواجهة القرصنة الرقمية، شرط أن تواكب هذه المقتضيات آليات تقنية قادرة على الرصد والتحديد السريع لمصادر البث غير المرخص.

  • ربع قرن من الرؤية الملكية للشباب.. مسار متكامل من التكوين إلى المشاركة

    ربع قرن من الرؤية الملكية للشباب.. مسار متكامل من التكوين إلى المشاركة

    على امتداد أكثر من ربع قرن، اتسعت الرؤية الملكية لقضايا الأجيال الصاعدة، من سؤال الإدماج في مسلسل الإنتاج ومحاربة البطالة، إلى إصلاح التعليم والتكوين، وتشجيع المبادرة والمقاولة، ثم الانفتاح على التكنولوجيا ومهن المستقبل، وتوسيع مجالات الثقافة والرياضة والتطوع، وصولا إلى المشاركة في الحياة العامة وصناعة القرار.

    وفي ذكرى عيد الشباب، التي يحتفل بها المغاربة في 21 غشت من كل سنة، تسمح العودة إلى الخطب والرسائل الملكية، وربطها بالأوراش التي تبلورت على امتداد سنوات العهد الجديد، بقراءة مسار لم يتشكل دفعة واحدة، وإنما تطور مع تغير حاجيات المجتمع والاقتصاد، فكلما برز تحد جديد أمام الشباب، اتسعت معه الإجابة، من الوظيفة إلى الكفاءة، ومن الكفاءة إلى المبادرة، ومن المبادرة إلى الابتكار، ومن ذلك كله إلى المشاركة.

    وهكذا، فإن الخيط الناظم لهذا المسار، الذي حظي بعناية ملكية خاصة، لا يكمن في تعدد البرامج والمشاريع، بقدر ما يكمن في انتقال تدريجي من منطق توفير الفرصة للشباب إلى بناء الشروط التي تمكنه من صناعة الفرصة والمساهمة في صناعة المستقبل.

    حين كان السؤال هو إدماج الشباب في الإنتاج

    في السنوات الأولى للعهد الجديد، كان التشغيل في صلب الرؤية الملكية تجاه الشباب، باعتباره مدخلا للإدماج الاقتصادي والاجتماعي.

    ففي الرسالة الملكية الموجهة إلى الوزير الأول حول المخطط الخماسي في دجنبر 1999، دعا جلالة الملك محمد السادس إلى “إدماج الشباب وفي مقدمته الشباب المتعلم في مسلسل الإنتاج”، مع استثمار طاقاته ومؤهلاته وتحفيزه على الإبداع والابتكار والاعتماد على الذات.

    وبعد أسابيع، في يناير 2000، وضع جلالة الملك بطالة الشباب ضمن إطار أوسع، مؤكدا أن معالجتها لا تكتسي أبعادا اقتصادية فقط، وإنما لها أيضا أبعاد اجتماعية وثقافية.

    ثم جاء خطاب ثورة الملك والشعب في 20 غشت 2000 ليمنح عيد الشباب نفسه معنى يتجاوز الاحتفال بالمناسبة، فقد قدم الملك الذكرى باعتبارها فرصة للالتقاء بـ”الأجيال الصاعدة والتواصل معها”، وإثارة القضايا والمشاكل التي تواجهها والبحث عن حلول ناجعة لها، حتى تنفتح على المجتمع وتندمج فيه بمواطنة إيجابية وفاعلة.

    التعليم يدخل قلب معادلة التشغيل

    مع مرور السنوات، أخذت العلاقة بين التعليم والتكوين والتشغيل مكانة أكبر في الخطاب الملكي؛ ففي خطاب عيد العرش لسنة 2009، ارتبط إصلاح التربية والتعليم والتكوين بتأهيل الموارد البشرية والبحث والابتكار وبناء اقتصاد المعرفة وتوفير الشغل المنتج للشباب.

    لكن محطة 20 غشت 2018 ستمنح هذا التحول صياغة أكثر وضوحا، ففي خطاب ثورة الملك والشعب، اعتبر الملك الشباب “الثروة الحقيقية للبلاد”، مؤكدا أنه لا يمكن مطالبة الشاب بأداء دوره “دون تمكينه من الفرص والمؤهلات اللازمة لذلك”.

    وفي الخطاب نفسه، انتقل التشخيص إلى جوهر العلاقة بين الشهادة وسوق العمل، بالتأكيد أنه “لا يمكن أن نقبل لنظامنا التعليمي أن يستمر في تخريج أفواج من العاطلين”، مع الدعوة إلى إعطاء الأولوية للتخصصات التي توفر الشغل، واعتماد التوجيه المبكر، وإعادة النظر في تخصصات التكوين المهني حتى تستجيب لحاجيات المقاولات والقطاع العام وتواكب التحولات التي تعرفها الصناعات والمهن.

    مدن المهن والكفاءات تجسد التحول

    لم يبق هذا التصور والتوجيهات الملكية في مستوى الخطاب، إذ انتقلت إلى ورش مؤسساتي مع خارطة الطريق لتطوير التكوين المهني التي قدمت أمام جلالته سنة 2019، وكان مشروع مدن المهن والكفاءات أحد أبرز مكوناتها.

    ولم تكن الفكرة مجرد إحداث بنايات جديدة، بل بناء جيل جديد من مؤسسات التكوين، يقوم على المهارات التطبيقية، والانفتاح على المهن الجديدة، وربط التخصصات بحاجيات الاقتصاد والجهات.

    وفي خطاب 20 غشت 2019، أكد جلالة الملك أهمية التكوين المهني في تأهيل الشباب، وخاصة في القرى وضواحي المدن، للاندماج المنتج في سوق الشغل، قبل أن يلخص التحول في معنى المسار الدراسي بالقول: “فالحصول على الباكالوريا، وولوج الجامعة، ليس امتيازا، ولا يشكل سوى مرحلة في التعليم. وإنما الأهم هو الحصول على تكوين، يفتح آفاق الاندماج المهني، والاستقرار الاجتماعي”.

    وسيأخذ هذا التصور شكلا ملموسا مع تدشين الملك محمد السادس، في 30 ماي 2023، لمدينة المهن والكفاءات لجهة الرباط-سلا-القنيطرة بتمسنا، باعتبارها منشأة من جيل جديد، تستهدف توفير تكوينات مرتبطة بحاجيات سوق الشغل والقطاعات الواعدة.

    وبذلك، أصبحت مدن المهن والكفاءات ترجمة مباشرة لفكرة ظل الخطاب الملكي يؤكدها: قيمة التكوين لا تقاس فقط بالحصول على شهادة، وإنما بما يمنحه من قدرة على الاندماج والتطور المهني.

    ويرى ياسين اصبويا، الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، أن هذا التحول يعكس انتقالا في طريقة بناء السياسات الموجهة إلى الشباب، موضحا أن الرؤية لم تعد تتعامل معه باعتباره فقط فئة تحتاج إلى وظيفة، وإنما باعتباره طاقة بشرية تحتاج إلى بناء مسار كامل قبل الوصول إلى سوق الشغل، بما يجعل التكوين والمهارات والقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية عناصر أساسية في عملية التمكين.

    من انتظار الوظيفة إلى صناعة الفرصة

    ولم تحصر الرؤية الملكية مستقبل الشباب في الوظيفة، ففي خطاب عيد العرش لسنة 2007، دعا جلالة الملك إلى دعم المبادرات الحرة وتشجيع وتحفيز الشباب على إحداث المقاولات الصغرى والمتوسطة، قبل أن تتجدد الدعوة في خطاب 2018 إلى خلق المقاولات ودعم التشغيل الذاتي والمقاولات الاجتماعية.

    وفي أكتوبر 2019، دخل التمويل بشكل مباشر في المعادلة، عندما وجه جلالة الملك الحكومة وبنك المغرب إلى التنسيق مع القطاع البنكي لوضع برنامج خاص لدعم الخريجين الشباب وتمويل المشاريع الصغرى للتشغيل الذاتي، مع توفير المواكبة الضرورية.

    وفي امتداد لهذا التوجه، ظهرت خلال السنوات اللاحقة برامج لخلق فرص العمل وتعزيز قابلية التشغيل بهدف خلق مداخل مختلفة للإدماج.

    ويقول اصبويا في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” إن “تشجيع المبادرة والمقاولة يعكس انتقالا من تصور يجعل الشاب في موقع الباحث عن فرصة فقط، إلى تصور يمنحه أيضا إمكانية صناعة هذه الفرصة”، مضيفا “لكن هذا الانتقال لا ينجح بالتمويل وحده، لأن المشروع يحتاج إلى المواكبة والتأطير والولوج إلى السوق والقدرة على الاستمرار”.

    ويشير المتحدث عينه إلى أن “تمكين الشباب اقتصاديا ينبغي أن يقاس بقدرته على بناء استقلالية حقيقية، وإنتاج الدخل وخلق فرص أخرى، وليس فقط بعدد المشاريع التي تم إطلاقها”.

    من محاربة الهشاشة إلى بناء الاستقلالية

    وتقدم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية مسارا آخر لفهم تطور موقع الشباب داخل السياسات العمومية، فمع المرحلة الثالثة، أصبح تحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب محورا قائما بذاته، من خلال دعم ريادة الأعمال والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، إلى جانب منصات الشباب التي تستقبل حاملي الأفكار وتوجههم وتواكب مشاريعهم.

    وهنا يتضح أن الشباب ليس كتلة واحدة تحتاج إلى الحل نفسه، فهناك من يحتاج إلى التكوين، ومن يحتاج إلى التوجيه، ومن يملك فكرة لكنه يحتاج إلى التمويل، ومن يحتاج إلى مواكبة تساعده على تحويل الفكرة إلى نشاط اقتصادي قابل للاستمرار.

    الشباب ليس اقتصادا فقط

    في خطاب 20 غشت 2012، أكد جلالة الملك محمد السادس أن “قضايا الشباب لا تتعلق فقط بالمجال الخاص أو العائلي، أو بما هو مرتبط بالتربية والتكوين والتعليم، وإنما هي قضية المجتمع برمته”.

    وكانت هذه العبارة مؤشرا على اتساع المقاربة، لأن تمكين الشباب لا يقتصر على الدخل، وإنما يشمل أيضا الثقافة والرياضة والتطوع والفضاءات الشبابية والمشاركة الاجتماعية.

    وأصبحت السياسة الشبابية من هذه الزاوية تسأل أيضا عن قدرة الشاب على ممارسة الرياضة، واكتشاف مواهبه، والولوج إلى الثقافة، والمشاركة في العمل التطوعي، وبناء علاقات أكثر قوة مع المجتمع.

    وهكذا انتقل مفهوم التمكين من الإدماج الاقتصادي إلى بناء شخصية شابة أكثر حضورا وفاعلية داخل المجتمع.

    إعداد جيل لاقتصاد يتغير

    ومع التحول الرقمي، ظهر سؤال جديد: إذا كانت السياسات السابقة تستهدف إدماج الشباب في اقتصاد قائم، فكيف يمكن إعدادهم أيضا لاقتصاد تتغير مهنه بسرعة؟

    وتحدث الملك منذ سنة 2000 عن قدرة التطور السريع للتكنولوجيات الحديثة على فتح المجال أمام “قدرات شبابنا الخلاقة”، ومع مرور السنوات، تحول هذا الرهان من مجرد استعمال التكنولوجيا إلى بناء قطاعات اقتصادية جديدة.

    وتبرز صناعة الألعاب الإلكترونية نموذجا واضحا، ففي ماي 2026، ترأس صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن الرباط افتتاح الدورة الثالثة من معرض المغرب لصناعة الألعاب الإلكترونية “Morocco Gaming Expo 2026″، المنظم تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس.

    وأكدت البوابة الرسمية أن افتتاح المعرض من طرف ولي العهد يجسد العناية الملكية المتواصلة بالشباب وتكوينه وانفتاحه على التكنولوجيات الحديثة، بما يمكنه من الاندماج في اقتصاد المستقبل.

    كما أن دورة 2026، المنظمة تحت شعار “Talent Marocain”، ركزت على إبراز إبداع ومهارات الشباب المغربي وربط الفاعلين في القطاع بفرص الأعمال والتكوين والاستثمار.

    التنمية الترابية تدخل معادلة الشباب

    ولا يمكن أن يكتمل هذا المسار دون ربط الشباب بالمجال الذي يعيش فيه، ففي خطاب 2025، برز رهان ملكي على جيل جديد من برامج التنمية الترابية، يقوم على وتيرة أسرع وأثر أقوى، وعلى اعتماد معطيات ميدانية دقيقة واستعمال التكنولوجيات الرقمية، مع إقامة علاقات أكثر تكاملا بين المجالات الحضرية والقروية.

    وتهم هذه الرؤية الشباب بصورة مباشرة، لأن الكفاءة وحدها لا تكفي إذا كان المجال الذي يعيش فيه الشاب لا يوفر فرصا اقتصادية وتكوينية وثقافية كافية.

    ومن هنا يلتقي رهان الشباب مع رهان التنمية الترابية، فكلما أصبح المجال قادرا على إنتاج الفرص، أصبح نجاح الشاب أقل ارتباطا بضرورة مغادرة مدينته أو قريته.

    الشباب يقترب من مربع السياسة

    وصلت دائرة التمكين إلى المجال السياسي، حيث لم يعد الشباب في “العهد الجديد” مجرد مستفيد من السياسات العمومية، وإنما أصبح طرفا في إنتاجها وصناعة القرار بشأنها.

    وكان الملك محمد السادس قد أكد في خطاب افتتاح البرلمان سنة 2017 أن تأهيل الشباب المغربي وانخراطه الإيجابي والفعال في الحياة الوطنية يعد من أهم التحديات التي ينبغي رفعها، مع التأكيد أن الشباب، الذي يمثل أكثر من ثلث السكان، يجب اعتباره محركا للتنمية وليس عائقا أمامها.

    وقبل ذلك، ربط جلالة الملك، في خطاب 20 غشت 2011، ربط الدينامية الخلاقة للشباب بمواصلة حمل مشعل بناء المغرب، وبالمواطنة والمشاركة في رفع تحديات البلاد.

    وفي أفق الانتخابات التشريعية لسنة 2026، يكتسب دعم حضور الشباب داخل المؤسسات المنتخبة معنى يتجاوز مجرد تجديد النخب، فالمسار الذي بدأ من المدرسة والتكوين، ثم انتقل إلى الشغل والمبادرة والابتكار، يطرح في نهايته سؤال امتلاك الشباب موقعا في صناعة القرار الذي يرسم مستقبل البلاد.

    ويقول ياسين اصبويا، الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، إن “دعم مشاركة الشباب في انتخابات 2026 يكتسب أهميته لأنه ينقل مفهوم التمكين من المجال الاقتصادي والاجتماعي إلى المجال السياسي، لكن التحدي لا يكمن فقط في وصول الشباب إلى المؤسسات، وإنما في أن يتحول حضورهم إلى مشاركة مؤثرة في صناعة السياسات والقرارات”.

    وأضاف أن “التمثيلية لا تكتمل بمجرد وجود شاب داخل لائحة انتخابية، وإنما عندما يصبح الشباب جزءا من عملية إنتاج القرار نفسها، وتصبح الأحزاب والمؤسسات أكثر انفتاحا على الأجيال الجديدة وقدرة على بناء الثقة معها”.

    من “الثروة الحقيقية” إلى الجيل الذي يصنع المستقبل

    وعند جمع هذه المحطات، لا تظهر أمامنا برامج متفرقة بقدر ما يظهر مسار تطور في مفهوم الشباب نفسه، ففي البداية، كان السؤال هو البطالة وإدماج الشباب في مسلسل الإنتاج، ثم أصبح السؤال مرتبطا بجودة التعليم والتكوين وملاءمتهما مع حاجيات الاقتصاد، وبعدها توسع الرهان إلى المقاولة والتمويل والإدماج الاقتصادي، ثم إلى الثقافة والرياضة والتطوع والتكنولوجيا ومهن المستقبل، قبل أن يصل إلى المشاركة في الحياة العامة.

    ويأتي خطاب عيد العرش لسنة 2023 ليمنح هذه الرؤية بعدا آخر، عندما قال الملك محمد السادس: “فالشباب المغربي، متى توفرت له الظروف، وتسلح بالجد وبروح الوطنية، دائما ما يبهر العالم”، مستحضرا الإنجاز التاريخي للمنتخب الوطني في كأس العالم قطر 2022.

    ومن هنا يمكن قراءة أكثر من ربع قرن من التوجيهات الملكية في عيد الشباب في أن الرهان لم يعد فقط على ما يمكن أن تقدمه الدولة للشباب، وإنما على بناء الشروط التي تمكن الشباب من تقديم ما لديهم للمغرب.

    وفي ذكرى عيد الشباب، تبدو هذه المحطات حلقات داخل تصور أوسع يجعل من الأجيال الصاعدة جزءا من مشروع المغرب الصاعد، فالمغرب الذي يراهن على موقع متقدم في الاقتصاد والتكنولوجيا والرياضة والتنمية لا يحتاج فقط إلى شباب يبحث عن مكان له داخله، وإنما إلى جيل يمتلك الكفاءة، ويصنع الفرصة، ويشارك في القرار، ويجد في بلده المجال الذي يسمح له بتحويل طموحه إلى إنجاز.

  • ثورة الملك والشعب.. من منفى محمد الخامس إلى فجر الاستقلال

    ثورة الملك والشعب.. من منفى محمد الخامس إلى فجر الاستقلال

    دخل المغرب صيف 1953 واحدة من أكثر لحظات تاريخه المعاصر حساسية، بعدما بلغ التوتر بين السلطان محمد الخامس وسلطات الحماية مستوى لم تعد معه الضغوط السياسية كافية لضبط المشهد، في وقت كانت فيه الحركة الوطنية توسع مطالبها، ويتقدم التقارب بينها وبين القصر حول مستقبل البلاد.

    اختارت سلطات الحماية أن تكسر هذه المعادلة من أعلى سلطة في البلاد، ففي 20 غشت، أبعدت السلطان محمد الخامس رفقة أسرته عن المغرب، ونصبت محمد بن عرفة مكانه، في رهان لم يكن يستهدف تغيير السلطان فقط، بل فصل العرش عن الحركة الوطنية وإعادة ترتيب موازين القوة بما يسمح باستمرار الحماية.

    لكن القرار أعطى نتيجة معاكسة لما كانت تنتظره سلطات الحماية، فبعد نفي محمد الخامس، أولا إلى كورسيكا ثم إلى مدغشقر، تصاعد رفض المغاربة للقرار، واتسعت المقاومة، وأصبحت المطالبة بعودة السلطان ترتبط أكثر فأكثر بالمطالبة بإنهاء الحماية واستقلال المغرب.

    وبين 20 غشت 1953 و16 نونبر 1955، انقلبت المعادلة، ونجحت سلطات الحماية في إبعاد محمد الخامس عن بلاده، لكنها لم تنجح في نقل شرعيته إلى البديل الذي اختارته.

    حين أصبح الخلاف حول مستقبل المغرب

    وتروي كتب التاريخ أن الأزمة لم تبدأ في غشت 1953، بل سبقتها سنوات من التوتر المتصاعد بين القصر وسلطات الحماية، بالتوازي مع تطور الحركة الوطنية وانتقال مطالبها تدريجيا من الإصلاح إلى المطالبة بالاستقلال.

    وشكل تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944 محطة أساسية في هذا المسار، قبل أن تأتي زيارة “أب الأمة” محمد الخامس إلى طنجة في أبريل 1947 لتمنح المرحلة دلالة سياسية أكبر، في وقت كان فيه النقاش حول مستقبل المغرب ووحدته وسيادته يتقدم داخل الحركة الوطنية.

    ومع بداية الخمسينيات، لم يعد الخلاف مع الإقامة العامة مرتبطا بملفات متفرقة، بل أصبح موقع السلطان نفسه داخل المعادلة التي أقامتها الحماية منذ 1912 جزءا من الأزمة، فقد تعزز التقارب بين السلطان محمد الخامس والحركة الوطنية، في مقابل ضغوط متزايدة لإبعاده عنها ودفعه إلى مواقف أكثر انسجاما مع ما تريده سلطات الحماية.

    لذلك، لم يكن 20 غشت حدثا مفاجئا أو معزولا، بل جاء في نهاية مسار من الضغط والتوتر ومحاولات إعادة ضبط موقع القصر داخل المشهد السياسي.

    وفي قراءة لهذه المرحلة، يعتبر المؤرخ نور الدين بلحداد أن قرار النفي لا يمكن فصله عن السياق الذي سبقه، موضحا أن “نفي السلطان محمد الخامس في 20 غشت 1953 لا يمكن فهمه وحده دون العودة إلى المسار الذي سبق هذه المرحلة، خصوصا وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944، وخطاب طنجة سنة 1947، والتقارب الذي بدأ يكبر بين السلطان والحركة الوطنية”.

    لكن بلحداد أكد أن المسار غير تدريجيا نظرة سلطات الحماية إلى محمد الخامس، بعدما بدأت ترى أنه “لم يعد مجرد سلطان يمكن ممارسة الضغط عليه، وإنما أصبح رمزا وطنيا يلتقي حوله العرش والحركة الوطنية وجزء كبير من المغاربة”.

    ويضيف أن “الهدف من النفي لم يكن فقط إبعاد محمد الخامس عن القصر، وإنما كان كذلك محاولة لضرب العلاقة التي كانت تتقوى بين العرش والحركة الوطنية واسترجاع التحكم في المشهد السياسي”.

    وفي الأيام التي سبقت النفي، تسارعت التحركات المعارضة لمحمد الخامس بدعم من سلطات الحماية، وصولا إلى الدفع بمحمد بن عرفة، لتحاصر القوات التابعة للإقامة العامة القصر الملكي بالرباط في 20 غشت، قبل إبعاد السلطان محمد الخامس وأسرته عن البلاد، أولا إلى كورسيكا ثم إلى مدغشقر.

    من البيعة إلى ثورة الملك والشعب

    لم تبدأ علاقة العرش العلوي بمكونات المجتمع المغربي مع أحداث 20 غشت، إذ شكلت البيعة تاريخيا إحدى الآليات التي انتظمت عبرها العلاقة بين السلاطين العلويين ومكونات المجتمع، ضمن استمرارية الدولة المغربية قبل فرض الحماية سنة 1912.

    وجاءت مرحلة محمد الخامس لتضيف إلى هذا الامتداد التاريخي بعدا وطنيا ارتبط بالتحولات التي عاشها المغرب خلال سنوات الحماية، وبالتقارب الذي تشكل بين السلطان والحركة الوطنية في سياق تصاعد مطلب الاستقلال.

    وهذه الخلفية تساعد على تفسير أحد جوانب الخطأ في الحسابات الفرنسية، فسلطات الحماية استطاعت تغيير الشخص الموجود في القصر، لكنها تعاملت مع الأمر كما لو أن تغيير السلطان يكفي تلقائيا لنقل المكانة والقبول اللذين أصبح محمد الخامس يحظى بهما إلى البديل الذي اختارته.

    ويتوقف بلحداد عند هذه النقطة، معتبرا أن فرنسا “كانت تراهن على أن تنصيب محمد بن عرفة يمكن أن يفرض واقعا جديدا، لكن هذا كان واحدا من الأخطاء الكبيرة، لأنها تعاملت مع العرش وكأنه مجرد موقع سياسي يمكن تغيير الشخص الموجود فيه وتستمر الأمور بشكل عادي”.

    ويربط المؤرخ ذلك بالامتداد التاريخي للعلاقة بين العرش والمغاربة، موضحا أن سلطات الحماية “لم تستوعب بشكل كاف أن العلاقة بين المغاربة والعرش لها امتداد تاريخي، وأن البيعة كانت دائما جزءا من هذه العلاقة، ومع محمد الخامس أضيف إليها بعد وطني مرتبط بالتحرر والاستقلال”.

    ويمتد هذا المعطى، بحسب بلحداد، إلى المناطق الصحراوية، حيث يستحضر روابط البيعة التاريخية بين قبائل صحراوية والسلاطين العلويين، إلى جانب مظاهر التضامن مع محمد الخامس والمطالبة بعودته خلال مرحلة النفي.

    بهذا المعنى، لم تكن المشكلة التي واجهت سلطات الحماية مرتبطة فقط بمن يوجد داخل القصر، وإنما بقدرتها على جعل التغيير الذي فرضته من الأعلى مقبولا على الأرض.

    سلطان في المنفى

    على الورق، بدا مخطط سلطات الحماية قادرا على إنتاج واقع جديد، فالسلطان الشرعي محمد الخامس خارج البلاد، ومحمد بن عرفة على العرش، والإقامة العامة أمام فرصة لإعادة الإمساك بالمشهد.

    لكن ما لم تستطع القوة فرضه كان قبول المغاربة بهذا الترتيب، إذ يختصر بلحداد هذه المفارقة بالقول: “استطاعوا نفي محمد الخامس بالقوة، لكنهم لم يستطيعوا نقل شرعيته بالطريقة نفسها إلى محمد بن عرفة، لأن الشرعية لا تنتقل بقرار إداري، وليس مجرد وضع شخص على العرش يعني أنه سيأخذ المكانة نفسها لدى المغاربة”.

    وتشكل هذه العبارة مدخلا لفهم ما جرى بعد 20 غشت، فسلطات الحماية امتلكت الوسائل التي مكنتها من تغيير السلطان، لكنها لم تستطع أن تمنح البديل المكانة نفسها التي راكمها محمد الخامس خلال السنوات السابقة.

    وبدل أن يؤدي النفي إلى إنهاء حضوره في المشهد، أصبح السلطان المنفي أكثر ارتباطا بخطاب الحركة الوطنية والمقاومة، فيما تحولت المطالبة بعودته إلى أحد العناوين المركزية للمواجهة مع سلطات الحماية.

    وبدأت تداعيات القرار تظهر سريعا، وشهد المغرب احتجاجات وتحركات مقاومة، وتشكلت خلايا فدائية وتنظيمات سرية، وتصاعدت العمليات ضد الوجود الاستعماري.

    وفي 11 شتنبر 1953، بعد أسابيع قليلة من النفي، حاول المقاوم علال بن عبدالله استهداف محمد بن عرفة، في واقعة ستصبح واحدة من أبرز رموز المقاومة المغربية خلال تلك المرحلة.

    ولم يظل الرفض محصورا داخل الحركة الوطنية أو في بعض المراكز الحضرية، إذ يشير بلحداد إلى أن رد الفعل امتد إلى مناطق مختلفة من المغرب، وهو ما يعكس، في قراءته، أن القضية تجاوزت حدود صراع سياسي بين الإقامة العامة والتنظيمات الوطنية.

    وبذلك بدأت معادلة 20 غشت تنقلب، فأصبح محمد الخامس خارج المغرب، لكنه حاضر في قلب المواجهة داخله، بينما يوجد محمد بن عرفة في البلاد دون أن يتمكن من اكتساب الشرعية التي كان يفترض أن تسمح بتثبيت الوضع الجديد.

    حين تحولت عودة السلطان إلى معركة استقلال

    راكمت الحركة الوطنية قبل 1953 سنوات من العمل السياسي والتنظيمي والاحتجاجي، لكن نفي محمد الخامس نقل المواجهة إلى مرحلة مختلفة، فالمساس بالعرش وسع دائرة الأزمة إلى أبعد من التنظيمات السياسية، وأصبحت المطالبة بعودة السلطان تتقاطع بصورة متزايدة مع مطلب إنهاء الحماية.

    ويرى بلحداد أن النفي “غير طبيعة المواجهة”، موضحا أن الحركة الوطنية كانت قبل 1953 تراكم العمل السياسي والمطالبة بالإصلاح ثم الاستقلال، قبل أن يدخل المغرب بعد نفي محمد الخامس مرحلة اتسعت فيها المقاومة والعمل الفدائي.

    ومع مرور الأشهر، تصاعدت العمليات الفدائية والمقاومة المسلحة، قبل انطلاق عمليات جيش التحرير في شمال المغرب في أكتوبر 1955، في وقت كانت فيه سلطات الحماية تواجه أزمة لم يعد ممكنا احتواؤها بالطريقة التي سبقت قرار النفي.

    ويشرح بلحداد هذا التحول قائلا: “مع الوقت أصبح مطلب رجوع محمد الخامس مرتبطا بشكل مباشر بإنهاء الحماية والاستقلال، وهنا وقع العكس مما كانت تريده سلطات الحماية. فبدل أن يضعف النفي الحركة الوطنية ويعزل السلطان عنها، زاد من تقارب العرش والشعب ووسع دائرة المواجهة ضد الحماية”.

    من النفي إلى العودة

    فصلت سنتان وثلاثة أشهر تقريبا بين خروج السلطان محمد الخامس من المغرب وعودته إليه، لكنها كانت كافية لتغيير ميزان الأزمة.

    وتواصلت المقاومة واتسعت، ولم ينجح تنصيب محمد بن عرفة في إنتاج الاستقرار الذي كانت تنتظره سلطات الحماية، فيما ازدادت القضية المغربية تعقيدا بالنسبة إلى فرنسا، بالتزامن مع تصاعد حركات التحرر في شمال إفريقيا.

    ومع استمرار الأزمة، أصبح البحث عن تسوية سياسية يمر عبر السلطان الشرعي محمد الخامس نفسه، ويرى بلحداد أن هذه الحصيلة تجعل قرار النفي “واحدا من أكبر الأخطاء السياسية لسلطات الحماية”، لأنها أرادت “أن تفرق الملك عن الشعب، لكن النتيجة كانت أنها زادت من تقاربهما”.

    وفي 16 نونبر 1955، عاد محمد الخامس إلى المغرب، ولم تكن العودة مجرد نهاية لمنفى بدأ في غشت 1953، بل جاءت في سياق تغيرت فيه موازين المواجهة وسقط فيه عمليا رهان السلطان البديل.

    ويعتبر بلحداد أن عودة محمد الخامس “لم تعد مجرد مسألة رجوع سلطان إلى العرش، وإنما أصبحت جزءا أساسيا من حل الأزمة والمسار الذي سيقود إلى استقلال المغرب”.

    وكان السلطان الذي أخرج من البلاد لإضعاف موقعه يعود إليها وقد أصبحت عودته جزءا من الحل السياسي، بينما دخل المغرب المرحلة الحاسمة من المسار الذي سيقود خلال 1956 إلى إنهاء نظام الحماية واستعادة الاستقلال.

    وانتهت بذلك تجربة بدأت بمحاولة إبعاد السلطان محمد الخامس عن المعادلة بنتيجة معاكسة، وسقط رهان محمد بن عرفة، فيما أصبحت نهاية الحماية أقرب مما كانت عليه لحظة اتخاذ قرار النفي.

    من معركة التحرير إلى مغرب اليوم

    بعد أكثر من سبعة عقود، لا تستعيد ذكرى ثورة الملك والشعب واقعة نفي محمد الخامس وحدها، بل تستحضر واحدة من اللحظات التي كشفت طبيعة العلاقة بين العرش والمغاربة في مرحلة حاسمة من تاريخ المغرب.

    وبالنسبة إلى بلحداد، فإن “ثورة الملك والشعب ليست فقط حدثا وقع في 20 غشت 1953، وإنما لحظة تاريخية بينت بشكل واضح طبيعة العلاقة بين العرش والمغاربة في ظرف كان حاسما”.

    لكن المؤرخ ذاته لا يحصر دلالة هذه العلاقة في مرحلة الحماية، إذ يعتبر أنها “لم تبدأ سنة 1953 ولم تنته مع الاستقلال، وإنما الذي تغير هو طبيعة التحديات التي يجتمع عليها المغرب”.

    ففي الخمسينيات كان التحدي هو التحرر والاستقلال، قبل أن تنتقل الوحدة الترابية إلى قلب مرحلة أخرى من تاريخ المملكة، وهو ما يربطه بلحداد بالمسيرة الخضراء باعتبارها إحدى المحطات الكبرى التي جاءت لاحقا.

    أما اليوم، فيرى أن طبيعة الرهانات تغيرت وأصبحت مرتبطة أكثر “بالتنمية والسيادة والدفاع عن الوحدة الترابية وتقوية موقع المغرب ومصالحه الاستراتيجية”.

    وتسمح هذه القراءة بنقل الذكرى من مجرد استعادة سنوية لأحداث 1953 إلى سؤال ما الذي تقوله تلك الأحداث للأجيال التي لم تعش الحماية ولا معركة الاستقلال.

    ويخلص بلحداد إلى أن “هذه هي الدلالة التي يجب أن تصل إلى الجيل الجديد من ذكرى ثورة الملك والشعب، حتى لا تبقى مجرد ذكرى نعود فيها إلى أحداث الماضي، وإنما تكون كذلك مدخلا لفهم مسار الدولة المغربية وعلاقتها بتاريخها”.

  • من الدعم الاجتماعي إلى الشغل.. المغرب يعيد ترتيب العلاقة بين الإعانة والعمل

    من الدعم الاجتماعي إلى الشغل.. المغرب يعيد ترتيب العلاقة بين الإعانة والعمل

    قد يكون الحصول على فرصة عمل بداية لتحسن دخل أسرة تستفيد من الدعم الاجتماعي المباشر، غير أن الانتقال إلى الوظيفة كان يمكن أن يتزامن مع فقدان الإعانات التي ظلت تشكل جزءا من مواردها، بمجرد تغير وضعيتها والتصريح برب الأسرة أو أحد الزوجين لدى نظام الضمان الاجتماعي في القطاع الخاص.

    وتحاول الحكومة جعل المسافة بين الاستفادة من الدعم والاستقرار داخل سوق الشغل أكثر أمانا، من خلال آلية جديدة تمنح الأسر المعنية فترة انتقالية قد تصل إلى سنة، تحصل خلالها على مبلغ يعادل الإعانات التي كانت تستفيد منها قبل فقدان أهليتها بسبب الالتحاق بعمل مصرح به.

    ودخل الإجراء مرحلته التطبيقية بعد استكمال الإطار القانوني والتنظيمي للمنحة الاستثنائية التي أحدثها القانون رقم 41.26، المغير والمتمم للقانون رقم 58.23 المتعلق بنظام الدعم الاجتماعي المباشر، قبل أن يأتي المرسوم رقم 2.26.434 ليحدد مدة الاستفادة منها في اثني عشر شهرا، متصلة أو غير متصلة.

    ويكشف هذا التغيير عن مرحلة جديدة في تطور نظام الدعم الاجتماعي المباشر بعد ما يقارب ثلاث سنوات من إطلاقه، إذ لم يعد الرهان مرتبطا فقط بإيصال الإعانة إلى الأسر المستحقة، بل بدأ يمتد إلى مواكبتها عندما تتحسن وضعيتها وتنتقل نحو النشاط الاقتصادي، بما يجعل الحماية الاجتماعية أقرب إلى جسر نحو الشغل بدل أن تنتهي بمجرد الحصول على أول وظيفة.

    من حماية الأسرة إلى مواكبتها نحو الشغل

    انطلق نظام الدعم الاجتماعي المباشر نهاية سنة 2023 باعتباره إحدى الركائز الأساسية لورش الحماية الاجتماعية، قبل أن تتوسع قاعدة المستفيدين منه لتشمل، وفق معطيات قدمتها الحكومة أمام البرلمان، أكثر من أربعة ملايين أسرة.

    ومع توسع البرنامج، أتاح التطبيق العملي الوقوف عند جوانب تحتاج إلى التطوير، من بينها العلاقة بين الاستفادة من الدعم وتغير الوضعية المهنية للأسرة.

    فالتصريح برب الأسرة أو أحد الزوجين لدى نظام الضمان الاجتماعي في القطاع الخاص يمكن أن يؤدي، إذا ترتب عنه فقدان شروط الأهلية، إلى خروج الأسرة من نظام الدعم.

    وفي المقابل، لا يعني الحصول على أول وظيفة بالضرورة أن الاستقرار المالي تحقق منذ الشهر الأول، خصوصا عندما يتعلق الأمر ببداية مسار مهني جديد.

    وهنا ظهرت الحاجة إلى حلقة انتقالية بين الوضعيتين، تسمح للأسرة بالانتقال إلى العمل المصرح به دون أن تفقد بشكل مفاجئ موردا كانت تعتمد عليه، وتمنحها في الوقت نفسه فرصة لبناء استقرارها انطلاقا من الدخل الناتج عن العمل.

    وحضر هذا التوجه خلال إعداد القانون رقم 41.26 ومناقشته داخل البرلمان، إذ قدمت الحكومة التعديل باعتباره جزءا من معالجة ما كشفه التطبيق العملي، وربطته بتعزيز الإدماج الاقتصادي وتحقيق تكامل أكبر بين آليات الدعم الاجتماعي وآليات التشغيل.

    وخلال مناقشة المشروع داخل البرلمان، توقف الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، عند هذا الجانب، موضحا أن التطبيق أظهر وجود مستفيدين يترددون في ولوج سوق الشغل خشية فقدان الدعم، إلى جانب حالات قد يفضل فيها المعنيون الاشتغال دون التصريح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي حفاظا على الاستفادة.

    ومن هنا جاء التعديل ليعيد ترتيب العلاقة بين الاثنين، إذ لا ينبغي للحصول على عمل مصرح به أن يضع الأسرة أمام فقدان فوري لشبكة الحماية، بل يمكن أن يشكل بداية انتقال تدريجي من الإعانة إلى دخل مهني أكثر استدامة.

     في هذا السياق، يرى محمد أمين سامي، الخبير الاقتصادي والباحث في السياسات العمومية، أن أهمية هذا التحول تكمن في أخذه بعين الاعتبار طبيعة المرحلة الأولى من الاندماج المهني، موضحا أن “الأسرة المستفيدة لا تقارن فقط بين قيمة الدعم وقيمة الراتب الجديد، بل تأخذ بعين الاعتبار مدى استقرار الوظيفة وإمكانية استمرارها، إضافة إلى المصاريف التي قد ترافق بداية العمل، من نقل وغيره”.

    ويضيف سامي في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن “وجود فترة انتقالية يخفف حالة عدم اليقين التي يمكن أن ترافق بداية العمل، ويمنح الأسرة الوقت الكافي للتكيف مع مصدر دخل جديد، بدل الانتقال بشكل مفاجئ من وضعية إلى أخرى”.

    12 شهرا بين الدعم والاستقرار في الشغل

    ترجم القانون رقم 41.26 هذا التوجه إلى آلية عملية، من خلال إحداث منحة استثنائية لفائدة الأسر التي تفقد حقها في الاستفادة من الإعانات نتيجة التصريح بأحد الزوجين أو رب الأسرة لدى نظام الضمان الاجتماعي المعمول به في القطاع الخاص.

    وبموجب المقتضيات الجديدة، أصبح بإمكان الأسرة المعنية الاستفادة من منحة تعادل مبلغ الإعانة أو الإعانات التي كانت تستفيد منها في إطار نظام الدعم الاجتماعي المباشر.

    وحدد القانون مبدأ هذه الاستفادة، بينما ترك مدتها للنص التنظيمي، قبل أن يأتي المرسوم رقم 2.26.434، المتمم للمرسوم المتعلق بتطبيق قانون الدعم الاجتماعي المباشر، ليحدد سقفها في اثني عشر شهرا، متصلة أو غير متصلة.

    وكان مجلس الحكومة قد صادق على مشروع المرسوم في 22 يوليوز 2026، قبل نشره في الجريدة الرسمية عدد 7530 الصادرة في 30 يوليوز، ليستكمل بذلك الإطار التنظيمي لتنزيل الآلية الجديدة.

    وتحتسب مدة الاستفادة ابتداء من تاريخ التصريح بنظام الضمان الاجتماعي، في حدود اثني عشر شهرا، فيما ترتبط قيمة المنحة بالإعانات التي كانت تحصل عليها الأسرة قبل تغير وضعيتها.

    وتمنح هذه القاعدة للأسرة فترة للتكيف مع انتقالها من مورد اجتماعي إلى دخل مهني، بحيث لا يصبح أول راتب نقطة توقف مباشرة للدعم الذي اعتادت عليه، وإنما بداية مسار تدريجي يفترض أن يقود في نهايته إلى الاستقلال الاقتصادي.

    كما أن إمكانية احتساب الأشهر الاثني عشر بشكل متصل أو غير متصل تمنح الآلية قدرا من المرونة، بالنظر إلى أن بداية المسار المهني لا تكون دائما مستقرة أو متواصلة منذ أول تجربة.

    خطوة نحو توسيع العمل المصرح به

    لا تتوقف دلالة التعديل عند حماية دخل الأسرة خلال فترة محددة، إذ يحمل أيضا رهانا يرتبط بتوسيع دائرة العمل المصرح به والاندماج في الاقتصاد المهيكل، لأن الربط المباشر بين الحصول على وظيفة وفقدان الدعم كان يمكن أن يجعل بعض المستفيدين أكثر تحفظا تجاه العمل المصرح به، وهو ما حاول القانون الجديد تجاوزه عبر توفير مرحلة انتقالية تجعل الانتقال إلى الوظيفة أكثر سلاسة.

    ولهذا ربطت الحكومة القانون، منذ المصادقة على مشروعه في مجلس الحكومة في 21 ماي 2026، بتعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للمستفيدين، وبإقامة تكامل وظيفي بين آليات الدعم الاجتماعي وآليات التشغيل.

    وتبرز هنا دلالة تتجاوز المستفيد المباشر، لأن الانتقال إلى العمل المصرح به يعني أيضا دخول الأجير إلى منظومة الضمان الاجتماعي والاستفادة من الحقوق المرتبطة بها، بما يجعل الانتقال من الدعم إلى الشغل انتقالا نحو شكل آخر من أشكال الحماية الاجتماعية المرتبطة بالنشاط المهني.

    ويعتبر محمد أمين سامي أن هذه النقطة تمثل أحد الأبعاد الاقتصادية المهمة للإجراء، موضحا أن “المنحة لا ينبغي النظر إليها فقط باعتبارها استمرارا للدعم لمدة إضافية، بل باعتبارها أيضا آلية يمكن أن تشجع على الانتقال إلى العمل المصرح به، لأن تقليص كلفة الانتقال بالنسبة للأسرة يزيل أحد العوامل التي قد تجعلها مترددة في دخول سوق الشغل المهيكل”.

    ويضيف الخبير الاقتصادي أن “توسيع العمل المهيكل له أثر يتجاوز الدخل الذي يحصل عليه المستفيد، لأنه يعني أيضا توسيع التغطية المرتبطة بالضمان الاجتماعي وتعزيز التصريح بالأجراء، وفي المقابل يسمح للأسرة بأن تنتقل تدريجيا من الاعتماد على التحويلات الاجتماعية إلى دخل ناتج عن النشاط الاقتصادي”.

    فقدان العمل لا يغلق باب الدعم

    وتكتمل هذه المقاربة بمقتضى آخر يعالج الاتجاه المعاكس، أي ما يحدث إذا لم تستمر تجربة العمل بعد خروج الأسرة من نظام الدعم.

    فبداية العمل لا تضمن دائما استمرار الوظيفة، خصوصا في المراحل الأولى من المسار المهني، ولذلك جاءت التعديلات لتتيح للأسرة العودة إلى الاستفادة من الدعم الاجتماعي المباشر عند فقدان رب الأسرة أو أحد الزوجين للعمل، دون التقيد بالمدة التي كانت تفرضها القواعد السابقة، مع ضرورة استيفاء باقي شروط الاستفادة.

    ويعني ذلك أن النظام الجديد لا يواكب الأسرة فقط عند خروجها من الدعم، وإنما يحتفظ لها بإمكانية العودة إلى شبكة الحماية إذا تعثر انتقالها إلى النشاط المهني.

    وهكذا تتحرك الآلية في اتجاهين، تمنح فترة أمان عند الانتقال إلى الشغل، وتبقي باب الحماية الاجتماعية مفتوحا عندما لا يستمر مصدر الدخل الجديد.

    وتعطي هذه المرونة معنى أوسع للمقتضيات الجديدة، لأنها تتعامل مع الاندماج الاقتصادي باعتباره مسارا قد يحتاج إلى وقت حتى يستقر، بدل اعتباره تحولا نهائيا يتحقق بمجرد أول تصريح لدى نظام الضمان الاجتماعي.

    سنة للانتقال.. والرهان على الاستقرار بعدها

    توفر الأشهر الاثنا عشر للأسرة وقتا إضافيا لبناء استقرارها المهني، لكن نجاح الآلية في تحقيق غايتها سيظهر أساسا فيما يحدث بعد انتهاء هذه الفترة.

    فإذا استطاع المستفيد الاستمرار في وظيفته وتحسين دخله، تكون المنحة قد قامت بدورها باعتبارها جسرا ساعد الأسرة على الانتقال تدريجيا من الدعم إلى مورد ناتج عن العمل، دون صدمة مفاجئة في دخلها.

    وهنا يرى الخبير الاقتصادي محمد أمين سامي أن “السنة الانتقالية توفر هامشا مهما للأسرة حتى تدخل سوق الشغل في ظروف أكثر أمانا، لكنها تظل جزءا من منظومة أوسع، لأن الاستقرار بعد انتهائها سيبقى مرتبطا بمستوى الأجر واستمرارية الوظيفة وجودة فرصة العمل التي حصل عليها المستفيد”.

    وبالنسبة إلى سامي، فإن المؤشر الأهم لقياس أثر الآلية لن يكون فقط عدد الأسر التي حصلت على المنحة، بل أيضا “عدد الأسر التي استطاعت خلال هذه الفترة تثبيت موقعها داخل سوق الشغل والانتقال إلى دخل مهني مستقر يسمح لها تدريجيا بالاستغناء عن الدعم”.

    ومن هذه الزاوية، تصبح السنة الانتقالية نقطة التقاء بين الحماية الاجتماعية وسياسة التشغيل، فالأولى توفر للأسرة الأمان عندما تحتاج إليه، والثانية يفترض أن تمنحها فرصة بناء دخل يجعل حاجتها إلى الإعانة تتراجع مع مرور الوقت.

  • الحماية تواكب سرعة الرقمنة.. المغرب يرفع سقف دفاعاته في الفضاء السيبراني

    الحماية تواكب سرعة الرقمنة.. المغرب يرفع سقف دفاعاته في الفضاء السيبراني

    دخل المغرب قائمة أفضل 50 دولة عالميا في الأمن السيبراني، بعدما وضعه أحدث تصنيف للمؤشر الوطني للأمن السيبراني “NCSI” في المرتبة 43 من أصل 155 دولة، بنتيجة تعكس مستوى الجاهزية الذي راكمته المملكة في حماية فضائها الرقمي، بالتوازي مع توسع الخدمات الإلكترونية وتسارع أوراش الرقمنة.

    ويمنح هذا الترتيب صورة عن مسار امتد لسنوات لبناء منظومة قانونية ومؤسساتية وتقنية للأمن السيبراني، مكنت المغرب من تحقيق 79.17 نقطة من أصل 100، والتقدم على دول من بينها النرويج وسويسرا والبرازيل والصين، وفق المؤشر الذي تطوره أكاديمية الحوكمة الإلكترونية في إستونيا.

    ويقرأ التصنيف هذا التقدم من زاوية أوسع من مجرد مواجهة الهجمات، إذ لا يقيس عدد الاختراقات التي تتعرض لها كل دولة، ولا تعني النقطة المحققة نسبة حماية أنظمتها، وإنما يرصد مدى استعدادها للوقاية من التهديدات وقدرتها على الاستجابة للحوادث والتعامل مع آثارها.

    ويعتمد المؤشر في ذلك على 49 مؤشرا موزعة على 12 قدرة ضمن ثلاث فئات كبرى، تشمل التشريعات والمؤسسات المتخصصة وآليات التعاون والسياسات والبرامج والقدرات المرتبطة بالوقاية والاستجابة.

    ويطرح تقدم المغرب داخل هذا التصنيف سؤالا يتجاوز المرتبة 43 نفسها إلى كيفية بناء المملكة مستوى الجاهزية الذي أوصلها إلى هذا الموقع، وهل تستطيع منظومة الحماية مواكبة السرعة التي تتوسع بها رقمنة الدولة والاقتصاد؟

    من حماية الأنظمة إلى حماية التحول الرقمي

    يكتسب هذا السؤال أهمية أكبر مع دخول المملكة مرحلة جديدة من التحول الرقمي، تقودها استراتيجية “المغرب الرقمي 2030″، التي تراهن على توسيع رقمنة الخدمات العمومية وتطوير الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والبنيات التحتية والمهارات.

    ومع هذا التوسع، لم تعد معادلة الرقمنة مرتبطة فقط بعدد الخدمات التي يمكن نقلها إلى الإنترنت أو حجم الاستثمارات الرقمية، بل أيضا بقدرة الدولة على حماية الأنظمة والمعطيات التي تقوم عليها هذه الخدمات.

    وهنا تتقاطع، من موقعين مختلفين، أدوار وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة ومنظومة الأمن السيبراني، التي تشكل المديرية العامة لأمن نظم المعلومات التابعة لإدارة الدفاع الوطني أحد أبرز مكوناتها، إذ إن الوزارة تقود أوراش التحول وتوسيع الخدمات الرقمية، بينما تتولى المؤسسات المختصة بالأمن السيبراني تأمين جزء أساسي من البيئة التي يقوم عليها هذا التحول.

    رقمنة أسرع ترفع الحاجة إلى الحماية

    وأصبح هذا الترابط أكثر حضورا مع تقدم المشاريع الرقمية الجديدة، وأكدت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، خلال تقديم مقياس الأمن السيبراني بالمغرب لسنة 2026، أن الأمن السيبراني يشكل ركيزة للسيادة الرقمية والثقة في التحول الرقمي، في وقت تتقدم فيه أوراش البنيات التحتية الرقمية والحوسبة السحابية والجيل الخامس وتأهيل الكفاءات.

    ويظهر التوجه نفسه في رقمنة الخدمات العمومية، حيث أصبح إدماج متطلبات حماية المعطيات والأمن المعلوماتي منذ مرحلة تصميم بعض الخدمات جزءا من بنائها، بدل انتظار إطلاقها قبل التفكير في كيفية حمايتها.

    لكن هذه الحلقة التي تربط الرقمنة بالحماية لم تبدأ مع المشاريع الحالية، إذ سبقتها على مدى أكثر من عقد خطوات متتالية لبناء الإطار الذي يستند إليه الأمن السيبراني اليوم.

    إدارة الدفاع الوطني.. منظومة بُنيت على مراحل

    بدأ هذا المسار تدريجيا منذ سنة 2011، قبل اعتماد استراتيجية وطنية للأمن السيبراني سنة 2012، ثم إصدار التوجيهات الوطنية لأمن نظم المعلومات سنة 2014، بهدف رفع وتوحيد مستوى حماية الأنظمة المعلوماتية للإدارات والهيئات العمومية والبنيات ذات الأهمية الحيوية.

    وفي سنة 2020، انتقل البناء إلى مستوى قانوني أكثر وضوحا مع صدور القانون رقم 05.20 المتعلق بالأمن السيبراني، الذي وضع قواعد تستهدف تعزيز أمن وصمود نظم معلومات إدارات الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات والمقاولات العمومية، إلى جانب البنيات التحتية ذات الأهمية الحيوية التي تتوفر على نظم معلومات حساسة.

    ولا يقتصر هذا الإطار على محاولة منع الاختراق، إذ يمتد إلى ما يحدث بعد وقوعه، من ضمان صمود الأنظمة واستمرارية الأنشطة إلى الإبلاغ عن الحوادث والتدقيق والتنسيق عند مواجهة أحداث سيبرانية كبرى.

    وفي قلب هذه المنظومة توجد المديرية العامة لأمن نظم المعلومات، التي تشمل اختصاصاتها الاستراتيجية والتقنين واليقظة والرصد والتصدي للهجمات المعلوماتية من خلال مركز “maCERT”، إلى جانب المساعدة والتكوين والمراقبة والخبرة ونظم المعلومات المؤمنة.

    وتعطي هذه البنية جزءا من تفسير النتيجة التي حققها المغرب في التصنيف، بالنظر إلى أن المؤشر نفسه يمنح وزنا لوجود المؤسسات المتخصصة والتشريعات والقدرة على الاستجابة للتهديدات.

    ويرى الطيب الهزاز، الخبير في الأمن السيبراني، أن دخول المغرب ضمن أفضل 50 دولة عالميا يعكس العمل الذي تم خلال السنوات الأخيرة لتطوير المنظومة الوطنية، سواء على المستوى المؤسساتي والتشريعي أو من حيث تعزيز قدرات الرصد والاستجابة للهجمات.

    وأوضح الهزاز أن “المغرب أصبح يتوفر اليوم على مؤسسات متخصصة وإطار قانوني ينظم الأمن السيبراني، إلى جانب استراتيجية وطنية واضحة، وهذا مهم لأننا لم نعد نتحدث عن حماية موقع إلكتروني أو نظام معلوماتي بشكل منفصل، وإنما عن حماية منظومة رقمية تتوسع باستمرار وتشمل الإدارات والمؤسسات والبنيات التحتية والخدمات التي يستخدمها المواطنون”.

    وأضاف أن المرتبة المحققة “إيجابية، ويمكن اعتبارها مؤشرا على مستوى الجاهزية الذي وصل إليه المغرب، لكنها في الوقت نفسه ترفع سقف المسؤولية للحفاظ على هذا التقدم وتطويره”.

    استراتيجية 2030.. حماية ما يتوسع رقميا

    هذا الانتقال من بناء المؤسسات والقواعد إلى التفكير في ما تحتاجه المرحلة المقبلة يظهر أيضا في الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني في أفق 2030، التي تحدد أربعة محاور تشمل الحكامة والإطار المؤسساتي والقانوني، وأمن وصمود الفضاء السيبراني، وتطوير القدرات والتوعية، ثم التعاون الإقليمي والدولي.

    وتنطلق الاستراتيجية من واقع أن التحول الرقمي يوفر فرصا لتطوير الاقتصاد والخدمات، لكنه يوسع في المقابل حجم الأنظمة والمعطيات المرتبطة بالفضاء الرقمي، بما يجعل الثقة في هذا التحول مرتبطة بقدرة الدولة على ضمان أمنها واستمرار عملها.

    ولهذا لم يعد الرهان هو منع الهجوم فقط، وإنما اكتشافه في الوقت المناسب، وتقليص آثاره، واستعادة الأنظمة والخدمات بعد وقوعه، وهي المعادلة التي تضع “الصمود السيبراني” إلى جانب الوقاية والحماية.

    المرتبة 43.. الجاهزية لا تعني غياب الهجمات

    ورغم دلالة النتيجة، فإن دخول المغرب ضمن أفضل 50 دولة لا يعني أن المملكة أصبحت بمنأى عن الهجمات الإلكترونية، فالجاهزية تقيس القدرة على الوقاية والاستجابة، بينما يمكن أن ترتفع في الوقت نفسه أعداد التهديدات ودرجة تعقيدها.

    وهذه النقطة يشدد عليها الهزاز، معتبرا أن “الجاهزية السيبرانية شيء وحجم التهديدات شيء آخر”، موضحا: “كلما تقدمت الرقمنة وتوسعت الخدمات الإلكترونية، ارتفعت معها محاولات الاختراق وأصبحت الهجمات أكثر تطورا وتنظيما، وبالتالي نحن أمام سباق مستمر بين تطوير الخدمات الرقمية وتطوير وسائل حمايتها”.

    ويضع الهزاز التحدي المقبل في “تعزيز الرصد الاستباقي، وتحيين أنظمة الحماية باستمرار، والاستثمار أكثر في الكفاءات المغربية المتخصصة، مع تقوية التنسيق وتبادل المعلومات بين مختلف المتدخلين”.

    ويخلص إلى أن “الأمن السيبراني اليوم لم يعد مسألة تقنية فقط، بل أصبح مرتبطا بحماية المعطيات واستمرارية الخدمات والبنيات الحيوية، وبالتالي بحماية جزء أساسي من السيادة الرقمية للمملكة”.

  • البحث العلمي يصنع الفارق.. كيف تنافس الجامعات المغربية عالميا رغم الإكراهات؟

    البحث العلمي يصنع الفارق.. كيف تنافس الجامعات المغربية عالميا رغم الإكراهات؟

    تعزز الجامعات المغربية حضورها داخل التصنيفات الدولية، وهذه المرة من مراكش، حيث تصدرت جامعة القاضي عياض الترتيب الوطني في أحد تصنيفات سنة 2026، بالتوازي مع نتائج أخرى وضعتها ضمن الجامعات المغربية والإفريقية المتقدمة، في مسار يعكس حضورا راكمته الجامعة في البحث العلمي وعدد من التخصصات.

    ولا تقف دلالة هذه النتائج عند صدارة جامعة القاضي عياض وطنيا، إذ تكشف التصنيفات نفسها عن تقدم مؤسسات مغربية أخرى وفق المؤشرات التي يعتمدها كل ترتيب، من جامعة محمد الخامس بالرباط إلى جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية وجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء.

    وتعطي هذه النتائج مؤشرات إيجابية على قدرة الجامعات المغربية على تعزيز حضورها خارج الحدود الوطنية، لكنها تفتح في الوقت نفسه سؤال المرحلة المقبلة، وما الذي يسمح لجامعة مغربية بالتقدم داخل التصنيفات الدولية، وما تحتاجه المنظومة حتى يتحول هذا الحضور إلى مواقع أكثر تقدما واستقرارا عالميا.

    الصدارة تتغير حسب المؤشرات

    في تصنيف “يوني رانك” لسنة 2026، جاءت جامعة القاضي عياض في المرتبة الأولى مغربيا، والـ21 إفريقيا والـ24 عربيا، لتضيف نتيجة جديدة إلى حضورها في عدد من التصنيفات الدولية.

    غير أن ترتيب الجامعات المغربية يتغير عند الانتقال من تصنيف إلى آخر، بالنظر إلى اختلاف المؤشرات التي تعتمدها المؤسسات التي تصدر هذه الترتيبات.

    ففي تصنيف مركز الجامعات العالمية لسنة 2026، الذي شمل أكثر من 21 ألف جامعة، جاءت جامعة محمد الخامس بالرباط في المرتبة الأولى وطنيا والـ1011 عالميا، فيما حلت القاضي عياض ثانية مغربيا والـ19 إفريقيا، باحتلالها المركز 1101 عالميا، لتوجد بذلك ضمن أفضل 5.2 في المئة من الجامعات التي شملها التصنيف.

    أما تصنيف “تايمز للتعليم العالي” لسنة 2026، فوضع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية في مقدمة الجامعات المغربية، ضمن الفئة الممتدة بين المركزين 351 و400 عالميا، بينما جاءت القاضي عياض ضمن فئة 1501 وما بعدها.

    ولا يعني اختلاف المواقع أن جامعة تتقدم في تصنيف وتتراجع في آخر بالمعنى المباشر، وإنما يعكس اختلاف ما يقيسه كل ترتيب، من البحث العلمي وجودته وتأثيره إلى بيئة التدريس والانفتاح الدولي والعلاقة مع الاقتصاد وتشغيل الخريجين.

    ويرى الحبيب استاتي زين الدين، أستاذ التعليم العالي بجامعة القاضي عياض بمراكش، والباحث في العلوم السياسية والسياسات العامة، أن قراءة هذه النتائج ينبغي أن تتجاوز المرتبة في حد ذاتها.

    ويقول استاتي زين الدين في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” إن “تقدم جامعة القاضي عياض في عدد من التصنيفات الدولية لا يمكن اختزاله في نتيجة ظرفية أو ترتيب صدر هذه السنة، بل ينبغي قراءته ضمن مسار راكمته الجامعة على مدى سنوات، سواء على مستوى البحث العلمي أو حضور باحثيها وتخصصاتها، فضلا عن انفتاحها على محيطها الوطني والدولي”.

    ويضيف أن اختلاف موقع الجامعة من تصنيف إلى آخر ينبغي أخذه بعين الاعتبار، “لأن هذه التصنيفات لا تقيس المؤشرات نفسها، ولا ينبغي بالتالي التعامل معها باعتبارها حكما نهائيا على جودة الجامعة”.

    البحث العلمي.. أين تصنع جامعة مراكش قوتها؟

    يظهر البحث العلمي باعتباره واحدا من مفاتيح تفسير حضور القاضي عياض في عدد من التصنيفات. ففي تصنيف مركز الجامعات العالمية لسنة 2026، جاءت الجامعة في المرتبة 1056 عالميا على مستوى الأداء البحثي، أي في موقع أفضل من ترتيبها العام البالغ 1101، وهو ما يعطي مؤشرا على الوزن الذي يمثله البحث في حضورها الدولي.

    كما وسعت الجامعة حضورها على مستوى التخصصات، إذ ظهرت خلال 2026 في ثمانية مجالات ضمن تصنيف “تايمز للتعليم العالي”، تشمل الصحة والاقتصاد والتربية وعلوم الحاسوب والهندسة وعلوم الحياة والعلوم الفيزيائية والعلوم الاجتماعية.

    ولا يرتبط هذا الحضور بحجم الإنتاج العلمي وحده، إذ أصبحت المنافسة بين الجامعات تقاس كذلك بجودة الأبحاث، وعدد الاستشهادات التي تحققها، وحضورها داخل المجلات العلمية، فضلا عن حجم التعاون مع الجامعات ومراكز البحث الدولية.

    وفي هذا السياق، يعتبر استاتي زين الدين أن “أهمية النتيجة لا تكمن فقط في احتلال مركز متقدم وطنيا، وإنما في كونها تعكس قدرة الجامعة العمومية المغربية، رغم الإكراهات المرتبطة بأعداد الطلبة وتعدد وظائفها، على إنتاج البحث وبناء كفاءات علمية قادرة على الحضور والمنافسة”.

    ويضيف أن هذا التقدم ينبغي التعامل معه باعتباره نتيجة لمسار يحتاج إلى الاستمرار والتطوير، وليس غاية في حد ذاته.

    المنافسة تفتح تحديات جديدة

    لا تقتصر مؤشرات الحضور الدولي على القاضي عياض، ففي تصنيف مركز الجامعات العالمية، انتقلت جامعة مراكش من المرتبة 1129 عالميا سنة 2024 إلى 1128 في 2025، قبل أن تتقدم إلى المركز 1101 في نسخة 2026.

    وفي المقابل، تقدم جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية نموذجا مختلفا داخل المنظومة المغربية، بعدما وصلت إلى الفئة 351-400 عالميا في تصنيف “تايمز للتعليم العالي”.

    ولا تسمح طبيعة المؤسستين بمقارنة مباشرة، بالنظر إلى اختلاف نموذج التمويل والاستقطاب وحجم الطلبة والموارد، لكنها تكشف أن الوصول إلى مواقع دولية أكثر تقدما ممكن من داخل المنظومة الجامعية المغربية عندما تتعزز شروط البحث والابتكار والانفتاح الدولي.

    كما أن وجود جامعة محمد الخامس على مقربة من عتبة الألف الأولى في تصنيف مركز الجامعات العالمية، والقاضي عياض في المركز 1101 والحسن الثاني في المرتبة 1155، يعطي مؤشرا على وجود أكثر من مؤسسة مغربية قادرة على تعزيز حضورها إذا استمر تحسين العناصر التي تقيسها هذه التصنيفات.

    من إنتاج البحث إلى صناعة التأثير

    يبقى الانتقال إلى مواقع أكثر تقدما مرتبطا بقدرة الجامعات المغربية على تحويل الإنتاج العلمي إلى تأثير أوسع، فالجامعات العمومية تواجه تحديا مزدوجا، إذ يتعين عليها استقبال أعداد كبيرة من الطلبة وضمان التكوين، بالتوازي مع الحاجة إلى توفير الموارد والتجهيزات الضرورية للمختبرات والأساتذة الباحثين.

    وأصبحت المنافسة مرتبطة بقدرة المؤسسة على استقطاب الباحثين والطلبة الدوليين وبناء مشاريع مشتركة مع جامعات ومراكز بحث خارج المغرب، إلى جانب تحويل جزء من المعرفة المنتجة داخل المختبرات إلى ابتكار وبراءات اختراع وحلول مرتبطة بحاجيات الاقتصاد والمجتمع.

    ومن هنا، ينتقل استاتي زين الدين من قراءة نتيجة جامعة القاضي عياض إلى ما تحتاجه الجامعات المغربية عموما للانتقال إلى مواقع أكثر تقدما.

    ويعتبر أن “الانتقال بالجامعات المغربية إلى مراتب أفضل عالميا يقتضي الاشتغال على منظومة متكاملة، تبدأ بتقوية البحث العلمي وتوفير الإمكانات الضرورية للمختبرات والباحثين، ولا تنتهي عند زيادة عدد المنشورات”.

    ويضيف أن “المنافسة الدولية أصبحت مرتبطة بجودة البحث وتأثيره، وبناء شراكات علمية قوية، والانفتاح على الباحثين والطلبة الدوليين، إضافة إلى قدرة الجامعة على تحويل المعرفة إلى ابتكار يخدم الاقتصاد والمجتمع”.

    من تحسين الترتيب إلى تثبيت التقدم

    تعكس نتائج 2026 في النهاية وجود نقاط قوة مختلفة داخل الجامعات المغربية، فالقاضي عياض تحقق حضورا بحثيا ومواقع متقدمة وطنيا، ومحمد الخامس تقترب من عتبة الألف الأولى في أحد التصنيفات، فيما استطاعت جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية الوصول إلى فئة أكثر تقدما في تصنيف آخر.

    وتمنح هذه النتائج للجامعة المغربية قاعدة يمكن البناء عليها، لكن الرهان المقبل لا يتوقف عند تسجيل مركز أول وطنيا أو تحقيق تقدم في سنة واحدة، وإنما يرتبط بالقدرة على تثبيت هذا المسار وتوسيعه.

    وفي هذا السياق، يشدد استاتي زين الدين على أن “الرهان الحقيقي ليس أن تتقدم جامعة مغربية في تصنيف سنة وتتراجع في آخر، وإنما أن نبني شروطا تسمح للجامعات المغربية بتحقيق تقدم مستمر ومستدام، وأن يتحول حضورها الحالي في التصنيفات إلى موقع أقوى داخل المنافسة الجامعية الدولية”.

  • قانون الحيوانات الضالة في المغرب.. ماذا يفرض القانون 19.25 ولماذا يواجه الرفض؟

    قانون الحيوانات الضالة في المغرب.. ماذا يفرض القانون 19.25 ولماذا يواجه الرفض؟

    ظل تدبير الحيوانات الضالة في المغرب مرتبطا بما يحدث بعد وصولها إلى الشارع، من شكايات انتشار الكلاب، ومخاوف من العض والأمراض، غير أنه في الجهة المقابلة تبرز مبادرات فردية وجمعوية لإطعام الحيوانات وعلاجها والدفاع عن حمايتها من القتل والإيذاء.

    وتغيرت المعادلة اليوم إذ لم يعد التدبير يبدأ بالحيوان الموجود في الشارع فقط، بل يعود إلى مالكه، ويمتد إلى المواطن الذي يتعامل معه والجمعيات والجماعات ومراكز الرعاية، ضمن منظومة جديدة تحاول الانتقال من معالجة وجود الحيوانات الضالة بعد انتشارها إلى التحكم في مصادر الظاهرة وتكاثرها وتتبعها.

    هذا التحول يحمله القانون رقم 19.25 المتعلق بحماية الحيوانات الضالة ورعايتها والوقاية من أخطارها، الذي صدر في العدد 7533 من الجريدة الرسمية، بعد استكمال مساره التشريعي.

    ويجمع النص بين مستويين؛ الأول وقائي، يقوم على التصريح بالحيوانات المملوكة وترقيمها ومنع شرودها، والثاني يتعلق بما يحدث بعد وصول الحيوان إلى الفضاء العام، من الجمع والرعاية والتلقيح والتعقيم إلى إمكانية إعادته إلى وسط ملائم وتتبع وضعيته رقميا، وفي المقابل، يرتب مسؤوليات وعقوبات على المالك والمواطن ومراكز الرعاية، ويجرم القتل غير المبرر والتعذيب والإيذاء.

    غير أن هذه المقاربة أثارت بدورها نقاشا، خصوصا حول تنظيم إطعام الحيوانات الضالة وعلاجها وإيوائها، وحدود تدخل المواطنين والمتطوعين.

    الإطعام لم يمنع مطلقا لكنه لم يعد خارج التنظيم

    كانت المادة الخامسة من القانون رقم 19.25 من أكثر مقتضيات النص إثارة للنقاش، بالنظر إلى ارتباطها بممارسات يومية يقوم بها مواطنون ومتطوعون وجمعيات، من إطعام القطط والكلاب الضالة إلى علاج الحيوانات المصابة أو إيوائها.

    وتنص الصيغة النهائية للمادة على أنه لا يجوز لأي شخص رعاية حيوان ضال، سواء بإيوائه أو إطعامه أو علاجه، إلا وفق أحكام القانون ونصوصه التطبيقية.

    والتمييز هنا ضروري، لأن القانون لا يقرر منعا مطلقا لإطعام الحيوانات الضالة أو علاجها وإيوائها، وإنما يخضع هذه الممارسات لإطار قانوني.

    ويرتب القانون في المقابل، غرامة تتراوح بين 500 و2000 درهم عندما تتم في الفضاءات العامة خلافا لأحكامه.

    كما أن الصيغة النهائية جاءت بعد نقاش تشريعي حول المقتضى، انتهى بإضافة عبارة “إلا وفق أحكام هذا القانون ونصوصه التطبيقية”، بعدما كانت الصيغة السابقة أكثر تشددا في منع الرعاية والإيواء والإطعام والعلاج.

    وفي الاتجاه المقابل، لا يتعامل النص مع الحيوان الضال باعتباره مصدر خطر فقط، بل ينص صراحة على حمايته من الأمراض الخطيرة أو المعدية، ومن القتل غير المبرر والتعذيب والعنف والإيذاء بكل أشكاله. كما يسمح بالتبليغ عن وجوده، خصوصا عندما يكون في وضع يهدد صحته أو صحة المواطنين وسلامتهم.

    المالك أول حلقة في التدبير

    أحد أبرز التحولات التي يحملها القانون هو نقل جزء من المسؤولية إلى مرحلة تسبق تحول الحيوان إلى حيوان ضال.

    ويعرف القانون الحيوان الضال باعتباره كل حيوان يوجد في أحد الفضاءات العامة، بشكل دائم أو مؤقت، دون سيطرة ورقابة مالكه أو حارسه، وهو تعريف يجعل فقدان السيطرة على الحيوان عنصرا أساسيا في تحديد وضعيته.

    وانطلاقا من ذلك، يلزم المالك باتخاذ التدابير اللازمة لحماية الحيوان ومنع أسباب شروده أو وجوده في الفضاء العام دون مراقبة، ويفرض عليه التوفر على دفتر صحي والتصريح بكل حيوان يوجد في ملكيته عبر منصة إلكترونية.

    ويمنح الحيوان بعد التصريح رقما تعريفيا يسمح بالتعرف عليه وعلى مالكه، مع إلزام الأخير باتخاذ التدابير الضرورية لضمان حمل الحيوان لهذا الرقم بصورة دائمة.

    ولا يتعلق الأمر بإجراء إداري ينتهي بمجرد التسجيل، إذ يفرض القانون تحيين المعلومات المرتبطة بالحيوان، والتصريح بانتقال ملكيته إلى شخص آخر داخل 24 ساعة، كما يلزم المالك بالتصريح بفقدانه داخل أجل أقصاه ثلاثة أيام، ثم تحيين بياناته إذا تم العثور عليه.

    ويظهر أثر هذه المنظومة عندما يصل الحيوان المفقود إلى أحد مراكز الرعاية، فإذا تبين أنه مصرح به، يتم إشعار مالكه لاسترجاعه داخل أجل عشرة أيام، مع تحمله تكاليف رعايته خلال فترة الإيواء، وإذا لم يتسلمه داخل الأجل المحدد، يعتبر الحيوان متخلى عنه.

    أما التخلي الإرادي، فيخضع بدوره لمسار محدد، إذ يتعين على المالك إيداع الحيوان لدى أحد مراكز الرعاية مقابل وصل، بدل تركه في الشارع.

    ويحاول هذا المسار معالجة أحد مصادر الظاهرة من بدايته، عبر ربط الحيوان بمالكه، وتتبع انتقاله أو فقدانه، وترتيب المسؤولية عندما يترك دون رقابة أو يتم التخلي عنه.

    من جمع الحيوانات إلى التحكم في التكاثر

    إذا كانت مسؤولية المالك تمثل المستوى الأول من التدخل، فإن المستوى الثاني يبدأ عندما يصبح الحيوان ضالا، وهنا يمنح القانون مراكز الرعاية دورا يتجاوز جمع الحيوانات وإبعادها عن الشوارع.

    وتتولى المراكز المحدثة على مستوى المكاتب الجماعية لحفظ الصحة رصد الحيوانات الضالة وجمعها ونقلها، ثم ترقيمها وتقييم حالتها الصحية والسلوكية، إلى جانب إطعامها وعلاجها وتلقيحها ضد الأمراض الخطيرة أو المعدية.

    غير أن المقتضى الأكثر ارتباطا بالتحكم في أعداد الحيوانات يوجد في إلزام هذه المراكز باعتماد أساليب علمية ومبتكرة للحد من التكاثر، خصوصا بالنسبة إلى القطط والكلاب.

    ويتيح القانون إرجاع الحيوانات، عند الاقتضاء، إلى الوسط الذي كانت تعيش فيه أو إلى وسط آخر ملائم، لا سيما بعد تعقيمها وتلقيحها وترقيمها، كما يمكن تسليم الحيوان الذي يأويه المركز إلى شخص يرغب في رعايته، بعوض أو بدون عوض، بعد التأكد من قدرته على التكفل به.

    وفي الحالات التي لا يرجى فيها شفاء الحيوان من مرض أو عجز، أو عندما يشكل وجوده خطرا على صحة المواطنين أو سلامتهم أو على صحة حيوان آخر، يسمح القانون باللجوء إلى القتل الرحيم تحت إشراف طبيب بيطري.

    مستغفر: المطلوب تنظيم التضامن مع الحيوان لا تجريمه

    بالنسبة إلى هند مستغفر، الناشطة المغربية في مجال الرفق بالحيوان، يشكل وجود إطار قانوني ينظم الملف خطوة مهمة، خاصة مع إدراج التعقيم والتلقيح والرعاية وتجريم القتل غير المبرر والتعذيب، لكنها تربط نجاح هذه المقتضيات بالطريقة التي ستطبق بها على أرض الواقع.

    وقالت مستغفر لـ”AM+ MEDIA” إن “المبدأ بالنسبة إلينا ليس الاختيار بين سلامة المواطن وحماية الحيوان، لأن الاثنين يمكن أن يتحققا في الوقت نفسه. نحن بحاجة إلى تدبير يقلص أعداد الحيوانات الضالة ويحمي المواطنين من الأمراض والمخاطر، لكن عبر حلول مستدامة وإنسانية تقوم أساسا على التعقيم والتلقيح والتتبع، وليس على جعل الحيوان نفسه مشكلة يجب التخلص منها”.

    وتضع الناشطة في مجال الرفق بالحيوان المادة الخامسة في قلب النقاش الذي رافق القانون، معتبرة أن “تنظيم الإطعام والرعاية يمكن فهمه عندما تكون الغاية حماية الصحة العامة وضمان شروط سليمة، لكن ينبغي ألا يتحول التطبيق إلى معاقبة شخص قدم الماء أو الطعام لحيوان جائع أو حاول إنقاذ حيوان مصاب”، مضيفة أن “المطلوب هو تنظيم التضامن مع الحيوان وليس تجريمه، وهنا ستكون النصوص التطبيقية وطريقة تنزيل القانون حاسمتين”.

    وترى أن فعالية المقاربة الجديدة ستظل مرتبطة بتوفير البدائل التي ينص عليها القانون، مضيفة أن “التعقيم والتلقيح وإعادة الحيوانات المؤهلة إلى محيطها، إلى جانب التبني المسؤول ومراقبة التخلي عن الحيوانات، ويمكن أن يشكل مسارا أكثر استدامة، لكن ذلك يتطلب مراكز مجهزة وأطباء بيطريين وموارد مالية وتعاونا حقيقيا مع الجمعيات التي راكمت تجربة ميدانية في هذا المجال”.

    الجماعات أمام اختبار المراكز والموارد

    ينقل القانون جزءا مهما من مسؤولية التنفيذ إلى الجماعات، بالنظر إلى أن مراكز رعاية الحيوانات الضالة يفترض إحداثها على مستوى المكاتب الجماعية لحفظ الصحة.

    وتعمل هذه المراكز تحت إشراف طبيب بيطري تابع للمكتب الجماعي، وفي حالة عدم وجوده، يمكن إسناد المهمة إلى طبيب بيطري من القطاع الخاص ينتدبه رئيس المجلس الجماعي بموجب عقد.

    ولا يتعلق الأمر فقط بتوفير فضاء لإيواء الحيوانات، لأن الاختصاصات التي يحددها القانون تشمل الجمع والنقل والتقييم الصحي والعلاج والتلقيح والتعقيم والترقيم وإمكانية الإرجاع أو التسليم للرعاية، وهو ما يجعل توفر الموارد البشرية والبيطرية والتجهيزات جزءا أساسيا من قابلية النموذج للتطبيق.

    ويتيح النص للجماعات الاستعانة بجمعيات المجتمع المدني في بعض اختصاصات المراكز، شريطة أن تكون في وضعية قانونية سليمة، وأن يكون من أغراضها رعاية الحيوانات، وأن تتوفر على الموارد البشرية والمالية والخبرة اللازمة، وتحدد اتفاقية الشراكة طبيعة المهام وآليات المراقبة وكيفية تقديم الخدمات.

    كما يفتح المجال أمام أشخاص القانون الخاص لإنشاء مراكز للرعاية وتدبيرها بترخيص من الجماعة ووفق دفتر تحملات، لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد، مع إخضاع هذه المراكز للمراقبة وإمكانية سحب الترخيص عند عدم تصحيح الاختلالات المسجلة.

    ومن هذا المنطلق، يوسع القانون دائرة المتدخلين، لكنه يبقي الجماعة في قلب المنظومة باعتبارها الجهة التي ستتحمل جزءا كبيرا من مسؤولية تحويل المقتضيات القانونية إلى خدمات فعلية.

    العقوبات توزع المسؤولية

    إلى جانب تنظيم الرعاية، يعتمد القانون على منظومة زجرية تتدرج بحسب طبيعة المخالفة والجهة المسؤولة عنها.

    ويعرض إيواء حيوان ضال أو إطعامه أو علاجه في الفضاء العام خلافا لأحكام القانون صاحبه لغرامة بين 500 و2000 درهم، بينما تتراوح الغرامة بين ألف و5 آلاف درهم بالنسبة إلى مالك لا يصرح بحيوانه أو لا يتوفر على دفتره الصحي.

    ويرفع القانون الغرامة إلى ما بين 10 و20 ألف درهم بالنسبة إلى من يتسبب عمدا في شرود حيوان أو تركه في الفضاء العام دون سيطرة ورقابة، فيما تصل العقوبة إلى ما بين 50 و300 ألف درهم بالنسبة إلى إحداث أو تدبير مركز لرعاية الحيوانات الضالة دون ترخيص.

    وفي المقابل، يضع النص عقوبات لحماية الحيوان نفسه، إذ يعاقب بالحبس من شهرين إلى ستة أشهر وبغرامة من 5 آلاف إلى 20 ألف درهم، أو بإحدى العقوبتين، من يتعمد قتل حيوان ضال أو تعذيبه أو إيذاءه، باستثناء القتل الرحيم الذي يتم وفق الشروط القانونية. وفي حالة العود، ترفع العقوبات إلى الضعف.

    من تدبير الأعداد إلى تتبع الحالات

    لا تكتمل المنظومة الجديدة بالمراكز والعقوبات، إذ يراهن القانون أيضا على الانتقال من التعامل مع الحيوانات الضالة كأعداد موجودة في الشارع إلى تتبع وضعية كل حيوان يدخل مسار الرعاية.

    ولهذا يحدث قاعدة بيانات رقمية خاصة بالحيوانات الضالة، تتولى الإدارة تدبيرها وتقييد وتجميع وحفظ وتحيين البيانات الموجودة فيها.

    وتهدف القاعدة إلى منح رقم تعريفي لكل حيوان ضال، وتتبع وضعيته وتدابير الحماية التي خضع لها، وتحديد المركز المكلف برعايته، فضلا عن توفير البيانات الضرورية لتطوير التدابير الموجهة للحد من انتشار الحيوانات وتكاثرها.

    وتكمن أهمية هذه الآلية في أنها تسمح، من حيث المبدأ، بالانتقال من تدخل منفصل في كل مرة يظهر فيها الحيوان في الشارع إلى بناء معطيات حول مساره: جمعه، حالته الصحية، تلقيحه وتعقيمه، والمركز الذي تكفل به.

    وبجمع هذه المقتضيات، يتضح أن التحول الذي يحمله القانون 19.25 لا يقتصر على فرض غرامات أو تنظيم إطعام الحيوانات الضالة، بل يقوم على محاولة إعادة بناء سلسلة التدبير كاملة، من منع التخلي والشرود من المصدر، وتحديد مسؤولية المالك، وتنظيم الرعاية، والتحكم في التكاثر بالتعقيم، والحد من المخاطر بالتلقيح، إلى ترقيم الحيوانات وتتبعها.

    لكن الجزء الأصعب، وفق متتبعين، يبدأ بعد صدور القانون، فعدد من تفاصيل هذه المنظومة أحيل على نصوص تنظيمية، بما فيها كيفيات منح الرقم التعريفي وحمله ومعايير إنشاء مراكز الرعاية وقواعد الصحة والسلامة المطبقة عليها، لذلك، لن يتحدد أثر القانون فقط بما يتضمنه من التزامات وعقوبات، بل بقدرة الجماعات على توفير المراكز والأطباء البيطريين والموارد اللازمة، وبكيفية تنظيم تدخل الجمعيات والمواطنين، ومدى تحول التعقيم والتلقيح والترقيم من مقتضيات قانونية إلى ممارسة منتظمة.