الكاتب: حمزة حشيشة

  • الأصالة والمعاصرة يرسم خريطته الانتخابية.. قراءة في هندسة التزكيات

    الأصالة والمعاصرة يرسم خريطته الانتخابية.. قراءة في هندسة التزكيات

    لا تمثل اللوائح المحلية التي أعلن عنها حزب الأصالة والمعاصرة خلال الدورة الثانية والثلاثين لمجلسه الوطني، المنعقدة السبت الماضي بسلا، مجرد مرحلة تنظيمية تسبق إيداع الترشيحات، بل تقدم مؤشرات أولية على الكيفية التي يقرأ بها الحزب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، وعلى طبيعة الرهانات التي اختار خوضها في انتخابات 23 شتنبر المقبل.

    ولا تُحسم الانتخابات فقط بالبرامج السياسية، وإنما تبدأ منذ لحظة اختيار المرشحين، لأن التزكية تعكس تصور الحزب لشكل المنافسة، والفئات التي يريد مخاطبتها، وطبيعة الرسائل التي يسعى إلى إيصالها للناخبين.

    تكشف معطيات لوائح ترشيحات “الجرار” أن الحزب احتفظ بـ52 وكيلا للائحة سبق لهم خوض انتخابات 2021، مقابل 38 مرشحا يقودون اللوائح لأول مرة.

    ولا يقتصر معنى هذه الأرقام على كونها استمرارا للأسماء نفسها، بل تكشف أن الحزب يعتبر التجربة الانتخابية عنصرا حاسما في المنافسة، فالمرشح الذي سبق له خوض الانتخابات يمتلك في الغالب معرفة بالدوائر المحلية، وشبكات للتواصل مع الناخبين، وقدرة أكبر على إدارة الحملة الانتخابية مقارنة بمرشح يخوض التجربة للمرة الأولى.

    كما أن الإبقاء على عدد كبير من المرشحين السابقين يحد من الصراعات الداخلية التي قد تنتج عن تغيير وكلاء اللوائح، خصوصا في الدوائر التي تعرف تنافسا حادا أو توازنات تنظيمية دقيقة.

    ومن هذا المنطلق، تبدو الاستمرارية خيارا تنظيميا أيضا، لأنها تضمن الحفاظ على البنية المحلية للحزب خلال مرحلة انتخابية تحتاج إلى قدر كبير من الانسجام الداخلي.

    وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي والأستاذ الجامعي، عبد العزيز خليل، أن الاحتفاظ بأكثر من نصف وكلاء اللوائح السابقين لا يعكس غياب التجديد، بقدر ما يعكس قناعة بأن الانتخابات التشريعية تقوم بدرجة كبيرة على شبكات الثقة والامتداد الميداني والقدرة على تعبئة الهيئة الناخبة.

    ويرى خليل أن هذه عناصر يصعب بناؤها في فترة وجيزة، لذلك، فضل الحزب الاستثمار في الرصيد التنظيمي الذي راكمه خلال السنوات الماضية، باعتباره أقل مخاطرة من إحداث تغيير واسع قبل أشهر قليلة من موعد الاقتراع.

    لماذا اختار الحزب إدخال وجوه جديدة؟

    في الاتجاه المقابل، منح الحزب قيادة 38 لائحة لمرشحين لم يسبق لهم الترشح وكلاء للائحة. ورغم أن الرقم يبدو أقل من عدد المرشحين السابقين، فإنه يعكس محاولة لإحداث تجديد تدريجي داخل النخب الحزبية دون إحداث قطيعة مع القيادات التي راكمت تجربة انتخابية.

    ويلاحظ أن الوجوه الجديدة التي منحها الحزب التزكية تجمع بين أطر حزبية راكمت تجربة تنظيمية، ومنتخبين محليين، إلى جانب شخصيات استقطبها الحزب من مجالات اقتصادية ومهنية وأكاديمية مختلفة.

    هذا التنوع مؤشر على توجه نحو توسيع قاعدة المرشحين عبر المزج بين الكفاءات الداخلية والاستقطاب الخارجي، بما يهدف إلى تعزيز العرض السياسي للحزب واستقطاب فئات جديدة من الناخبين.

    ويعتبر الشرقاوي أن هذا الأسلوب يعكس ما يمكن تسميته بـ”التجديد الآمن”، أي تجديد لا يقوم على القطيعة مع النخب السابقة، بل على إدماج وجوه جديدة بشكل تدريجي، بما يسمح بضخ كفاءات جديدة داخل الحزب دون المساس باستقراره التنظيمي أو إضعاف حضوره في الدوائر التي راكم فيها نفوذا انتخابيا.

    من أبرز ملامح هذه التزكيات تصدر عدد من أعضاء الحكومة والقيادة الجماعية للوائح المحلية، من بينهم المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية فاطمة الزهراء المنصوري، ووزير الشباب والثقافة والتواصل محمد مهدي بنسعيد، ووزير العدل عبد اللطيف وهبي.

    ولا يقتصر حضور الوزراء على بعد انتخابي محلي، بل يمنح للحملة الانتخابية بعدا وطنيا، لأن هؤلاء سيقودون النقاش حول حصيلة الحزب داخل الحكومة، وليس فقط حول القضايا المرتبطة بالدوائر التي يترشحون فيها.

    وبذلك، تتحول بعض الدوائر إلى فضاءات للنقاش السياسي حول أداء الحكومة، في وقت يسعى الحزب إلى ربط التصويت المحلي بتقييم تجربته في تدبير الشأن العام على المستوى الوطني.

    وفي قراءته لهذا المعطى، يرى الأستاذ الجامعي عبد العزيز خليل أن الحضور البارز للوزراء والقيادات الوطنية يحمل رسالة سياسية واضحة، مفادها أن الحزب اختار أن يجعل الانتخابات المقبلة اختبارا لحصيلته الحكومية، وليس مجرد منافسة بين مرشحين محليين.

    فكلما ارتفع حضور أعضاء الحكومة في الحملة الانتخابية، يضوح الأكاديمي ذاته، أصبح النقاش موجها نحو تقييم السياسات العمومية التي شارك الحزب في تنفيذها، وهو ما يعني أن الحزب يراهن على ربط شرعيته الانتخابية بأدائه داخل الحكومة

    من المؤشرات اللافتة أيضا طبيعة الخلفيات المهنية للمرشحين، بعدما منح الحزب التزكية لـ49 مرشحا من رجال وسيدات الأعمال والمقاولين، إلى جانب محامين وموثقين وأطباء ومهندسين وأساتذة جامعيين وأطر عليا.

    ولا يتعلق الأمر فقط بالتنوع المهني، بل يعكس تصورا لطبيعة المرشح الذي يريد الحزب تقديمه للناخبين، إذ يبدو أن معيار الكفاءة والخبرة المهنية يحتل مكانة متقدمة في عملية الاختيار، إلى جانب الحضور الانتخابي.

    ويفسر ذلك بكون تدبير الملفات المحلية أصبح يرتبط أكثر بقدرة المنتخب على مواكبة المشاريع الاستثمارية، وتتبع السياسات العمومية، والتفاعل مع الملفات الاقتصادية والاجتماعية، وهي مجالات تتطلب خبرات تقنية وإدارية إلى جانب العمل السياسي.

    ويضيف خليل أن هذه البروفايلات تعكس تحولا في معايير التزكية داخل الأحزاب المغربية، حيث لم يعد الحضور السياسي أو التنظيمي وحده كافيا، بل أصبحت الكفاءة المهنية والخبرة في التدبير من العناصر التي تمنح المرشح قيمة مضافة، بالنظر إلى ارتفاع انتظارات المواطنين من المنتخبين في مجالات الاستثمار والتنمية المحلية وتتبع المشاريع العمومية.

    رغم أن اللوائح المحلية لحزب الأصالة والمعاصرة ضمت سبع وكيلات لوائح، فإن هذا الرقم يُعد الأعلى مقارنة بالأحزاب التي أعلنت عن مرشحيها إلى حدود الآن، وحتى في تاريخ الانتخابات المغربية، ما يعكس استمرار الحزب في منح النساء مواقع متقدمة داخل المنافسة الانتخابية المحلية، وعدم حصر حضورهن في اللوائح الجهوية فقط.

    ويشير ذلك إلى أن الحزب يواصل تبني خيار توسيع مشاركة النساء في مراكز القرار الانتخابي، انسجاما مع الخطاب الذي دافع عنه خلال السنوات الأخيرة بشأن تعزيز التمثيلية النسائية.

    ومع ذلك، تكشف هذه الأرقام أن الحضور النسائي في الدوائر المحلية لا يزال دون مستوى المناصفة، إذ تبقى غالبية التزكيات من نصيب المرشحين الرجال، وهو معطى لا يقتصر على حزب الأصالة والمعاصرة، بل يعكس واقع المنافسة الانتخابية داخل مختلف الأحزاب المغربية، في وقت يظل فيه جزء مهم من تمثيلية النساء داخل مجلس النواب مرتبطاً باللوائح الجهوية.

    حافظ الحزب على معظم قياداته في الجهات التي حقق فيها نتائج متقدمة سنة 2021، ويشير ذلك إلى أن الحزب اختار البناء على موازين القوة التي أفرزتها الانتخابات السابقة، بدل إعادة توزيع مرشحيه بشكل واسع، وهو ما يمكن قراءته باعتباره سعياً إلى تثبيت المكاسب الانتخابية قبل التفكير في التوسع داخل دوائر جديدة.

    ويرى  خليل أن الحفاظ على الأسماء ذات الامتداد المحلي يعكس قراءة انتخابية تعتبر أن الانتخابات التشريعية تُحسم في جزء مهم منها بقدرة المرشح على تعبئة شبكاته المحلية والمحافظة على قواعده الانتخابية، لذلك فضّل الحزب تعزيز نقاط قوته التقليدية بدل إعادة رسم خريطته الانتخابية بالكامل.

    في المحصلة، لا تبدو التزكيات مجرد إعلان عن أسماء مرشحين، بل تقدم قراءة أولية للاستراتيجية التي اختارها حزب الأصالة والمعاصرة قبل انطلاق الحملة الانتخابية. فهي تعكس توجهاً يقوم على الحفاظ على الاستقرار التنظيمي، وإدماج تجديد محدود ومدروس، وتوظيف الحصيلة الحكومية، والاعتماد على الكفاءة المهنية إلى جانب الامتداد الانتخابي. وفي هذا الإطار، يرى عمر الشرقاوي أن نجاح هذه المقاربة لن يقاس بعدد الأسماء التي تغيرت أو بقيت، وإنما بمدى قدرة الحزب على تحويل هذه الاختيارات التنظيمية إلى نتائج انتخابية، في سياق يتسم بمنافسة قوية وارتفاع سقف انتظارات الناخبين، حيث سيظل صندوق الاقتراع هو الفيصل الحقيقي في تقييم هذه الاستراتيجية.

  • السكن في المغرب.. إصلاح يُحرِّك السوق وتحوّل في فلسفة الدعم يختبر رهان التملك

    السكن في المغرب.. إصلاح يُحرِّك السوق وتحوّل في فلسفة الدعم يختبر رهان التملك

    بعد سنوات من تحفيز المنعشين العقاريين من خلال الإعفاءات الضريبية وبرامج السكن الاجتماعي، انتقلت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، ابتداء من سنة 2024، إلى نموذج يقوم على تقديم الدعم المالي مباشرة إلى المواطنين الراغبين في اقتناء سكن رئيسي، واضعة بذلك الأسر في صلب السياسة العمومية.

    وجاء اعتماد هذه المقاربة في سياق اتسم بتحديات متعددة واجهت القطاع العقاري خلال السنوات الأخيرة، فقد أسهمت تداعيات جائحة كوفيد-19، إلى جانب موجة التضخم وارتفاع أسعار مواد البناء وكلفة التمويل، في تباطؤ الطلب على السكن وتراجع وتيرة الاستثمار العقاري، بالتزامن مع تآكل القدرة الشرائية للأسر، سيما المنتمية إلى الطبقة المتوسطة، ما أثر في دينامية القطاع عموما.

    وكانت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة قد خلصت، في تشخيصها لوضعية القطاع مع بداية الولاية الحكومية، إلى وجود اختلالات شملت تراجع العرض والطلب، وانتهاء برامج السكن الاجتماعي السابقة، ومحدودية ملاءمة العرض مع حاجيات مختلف الفئات الاجتماعية، فضلا عن استمرار مظاهر السكن غير اللائق وبطء وتيرة معالجتها، وهي عوامل دفعت إلى مراجعة المقاربة المعتمدة والبحث عن آليات جديدة للاستجابة للحاجيات السكنية.

    وفي خارطة الطريق التي وضعتها الوزارة، لم يعد الهدف يقتصر على تشجيع البناء، بل أصبح يشمل تيسير ولوج الأسر إلى السكن، وإنعاش الاستثمار العقاري، وخلق فرص الشغل، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز جاذبية العالم القروي، باعتبار السكن رافعة اقتصادية واجتماعية في آن واحد.

    وبعد مرور أكثر من سنتين على انطلاق البرنامج، بدأت تظهر أولى المؤشرات التي تسمح بقراءة نتائجه، سواء من خلال عدد المستفيدين، أو توزيعهم حسب الفئات الاجتماعية، أو الأثر الذي خلفه على حركة السوق العقارية، وقطاع البناء، والتمويل البنكي، وهو ما يطرح سؤالا أساسيا: هل نجح البرنامج فعلا في تغيير معادلة التملك بالمغرب، أم أن نجاحه لا يزال رهينا بمعالجة تحديات أخرى مرتبطة بالأسعار والتمويل والعرض العقاري؟

    من دعم المنعش إلى دعم الأسر

    لأكثر من عقدين، ارتكزت السياسة السكنية بالمغرب على تحفيز العرض، من خلال تشجيع المنعشين العقاريين على بناء وحدات سكنية “السكن الاقتصادي” موجهة لشرائح معينة، مقابل امتيازات ضريبية وعقارية، ما مكن من إنتاج مئات الآلاف من الوحدات السكنية، لكنها لم تنجح دائما في تحقيق التوازن بين العرض والطلب، خاصة مع تغير الظرفية الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية للأسر.

    ومع نهاية برامج السكن الاجتماعي السابقة، وارتفاع أسعار العقار ومواد البناء، أصبح عدد متزايد من الأسر، وخاصة أفراد الطبقة المتوسطة، يجدون صعوبة في الولوج إلى السكن، رغم توفر العرض في عدد من المدن.

    وأمام هذه المعطيات، اختارت الوزيرة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري تغيير منطق التدخل، عبر الانتقال من دعم المقاولة العقارية إلى دعم المواطن مباشرة، وهو تحول اعتبرته الوزارة جزءا من خارطة طريق جديدة تهدف إلى تعزيز القدرة الشرائية للأسر، خاصة ذوي الدخل المحدود والطبقة المتوسطة، مع إعطاء دفعة جديدة للاستثمار وخلق فرص الشغل.

    ويقوم البرنامج على منح دعم مباشر للمقتنين حسب قيمة السكن، بما يسمح بتقليص المبلغ الذي تتحمله الأسرة عند الاقتناء، وبالتالي تسهيل الولوج إلى التمويل البنكي وتقليص قيمة القروض.

    ولا يقتصر هذا التحول على تغيير طريقة صرف الدعم، بل يعكس تغييرا في تصور الدولة لدورها داخل السوق العقارية؛ فبدل التدخل عبر المنتج، أصبحت تتدخل عبر المستهلك، انطلاقا من فرضية اقتصادية مفادها أن تحفيز الطلب سيؤدي تلقائيا إلى تنشيط العرض، وتحريك الاستثمار، وخلق دورة اقتصادية يستفيد منها قطاع البناء والصناعات المرتبطة به.

    هل نجح البرنامج في رفع قدرة الأسر على التملك؟

    عندما أعلنت الحكومة، بداية سنة 2024، إطلاق برنامج الدعم المباشر للسكن، لم يكن الهدف المعلن يقتصر على إنعاش القطاع العقاري، بل كان يتمثل أساسا في تمكين عدد أكبر من الأسر المغربية من امتلاك سكنها الرئيسي، بعدما أصبحت كلفة الاقتناء تمثل أحد أكبر التحديات أمام الطبقة المتوسطة وذوي الدخل المحدود، فقد أكدت الوزارة، ضمن خارطة الطريق التي وضعتها، أن تعزيز القدرة الشرائية للأسر وتيسير الولوج إلى السكن يشكلان أحد المرتكزات الأساسية للإصلاح الجديد.

    ويقوم البرنامج على منح دعم مالي مباشر بقيمة 100 ألف درهم لاقتناء سكن لا يتجاوز ثمنه 300 ألف درهم، و70 ألف درهم للسكن الذي يتراوح ثمنه بين 300 ألف و700 ألف درهم، وهو ما خفف جزءا مهما من كلفة الاقتناء بالنسبة لآلاف الأسر، وساهم في تقليص قيمة التمويل البنكي المطلوب.               

    وتشير آخر المعطيات الرسمية إلى أن عدد المستفيدين من برنامج الدعم المباشر للسكن بلغ أزيد من 118 ألف مستفيد إلى غاية غشت 2026 من الأسر ذات الدخل المحدود والطبقة المتوسطة، وهو ما يعكس استمرار الإقبال على البرنامج واتساع قاعدة المستفيدين عبر مختلف جهات المملكة.

    وتظهر الأرقام أن الطلب لم يعد يقتصر على المدن الكبرى، بل امتد إلى مختلف جهات المملكة، كما أن فئات عمرية مختلفة أبدت اهتماما بالبرنامج، إذ يشكل الشباب دون الأربعين سنة أكثر من نصف المستفيدين، وهو ما يعكس أن البرنامج استهدف شريحة كانت تجد صعوبة في ولوج سوق العقار بسبب ارتفاع الأسعار وصعوبة الادخار.

    غير أن ارتفاع عدد المستفيدين لا يعني بالضرورة أن معضلة الولوج إلى السكن قد حلت بالكامل، فعدد الطلبات المسجلة يفوق بكثير عدد الملفات التي استفادت فعليا من الدعم، وهو ما يعكس استمرار وجود طلب مرتفع على السكن، لكنه يكشف أيضا عن وجود تحديات مرتبطة باستكمال الملفات، والحصول على التمويل البنكي، واختيار السكن المناسب ضمن السقف المالي المحدد.

    كما أن الدعم المالي، مهما بلغت أهميته، يبقى جزءا من تكلفة الاقتناء، إذ ما تزال الأسرة مطالبة بتغطية الجزء المتبقي من الثمن، وهو ما يجعل الولوج إلى القروض البنكية وأسعار الفائدة ومستوى الدخل عوامل مؤثرة في القرار النهائي بالشراء.

    ويرى عدد من المتابعين أن نجاح البرنامج ينبغي أن يقاس على المدى المتوسط، ليس فقط بعدد المستفيدين، وإنما بقدرته على تحويل الأسر التي كانت خارج سوق العقار إلى ملاك فعليين، مع الحفاظ على استقرار الأسعار وتوفير عرض سكني كاف يستجيب للطلب المتزايد.

    هل حقق البرنامج الهدف الذي أطلق من أجله؟

    شكلت الطبقة المتوسطة إحدى أكثر الفئات التي راهنت عليها الحكومة عند إطلاق برنامج الدعم المباشر للسكن، كونها كانت لسنوات خارج دائرة الاستفادة من عدد من برامج السكن الاجتماعي، وفي الوقت نفسه لم تكن قادرة على تحمل الارتفاع المتواصل في أسعار العقار أو كلفة التمويل البنكي.

    ولهذا، صممت الحكومة البرنامج بشكل يسمح باستفادة الأسر الراغبة في اقتناء سكن يصل ثمنه إلى 700 ألف درهم، وهو سقف يستهدف أساسا جزءا كبيرا من الطبقة المتوسطة، التي تبحث عن سكن بمواصفات أفضل وفي أحياء أكثر تجهيزا.

    وتؤكد المعطيات الرسمية أن 60 في المئة من المستفيدين ينتمون إلى الطبقة المتوسطة، وهو ما تعتبره الوزارة مؤشرا على أن البرنامج نجح في الوصول إلى الفئة التي كانت تواجه أكبر صعوبة في الولوج إلى التملك.

    غير أن خبراء الاقتصاد يعتبرون أن نجاح البرنامج بالنسبة إلى هذه الفئة لا ينبغي أن يقاس فقط بنسبة المستفيدين، بل أيضا بمدى قدرتها على تحمل الأقساط الشهرية للقروض في ظل استمرار ارتفاع أسعار بعض العقارات، وتكاليف المعيشة، والفوائد البنكية، خاصة بالنسبة للأسر الشابة التي توجد في بداية مسارها المهني.

    كما يطرح ارتفاع الطلب على السكن تحديا آخر يتعلق بضرورة مواكبة العرض العقاري لهذا الإقبال، حتى لا يؤدي ارتفاع الطلب إلى الضغط على الأسعار، وهو ما قد يقلص جزءا من الأثر الإيجابي للدعم.

    وفي المقابل، يرى منعشون عقاريون أن وجود دعم مباشر موجه للمواطن خلق وضوحا أكبر داخل السوق، وشجع المستثمرين على إطلاق مشاريع جديدة، بعدما أصبح الطلب أكثر استقرارا مقارنة بالسنوات السابقة.

    ويؤكد متابعون أن قدرة البرنامج على الحفاظ على هذا الزخم ستظل رهينة باستمرار توازن العلاقة بين الدعم العمومي، وأسعار العقار، وكلفة التمويل، حتى لا يتحول ارتفاع الطلب إلى عامل يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وهو ما قد يحد من أثر البرنامج بالنسبة للطبقة المتوسطة.

    استفادة النساء.. هل تغيّرت خريطة التملك؟

    وإذا كانت السياسات السكنية السابقة تقاس في الغالب بعدد الوحدات السكنية التي يتم إنجازها، فإن البرنامج الجديد أضاف مؤشرا آخر لا يقل أهمية، يتعلق بهوية المستفيدين من الدعم، فإلى جانب استهداف الأسر ذات الدخل المحدود والطبقة المتوسطة، أتاح البرنامج إمكانية قياس مدى استفادة النساء والشباب ومغاربة العالم من حق التملك، باعتباره أحد المؤشرات المرتبطة بالإدماج الاقتصادي والاجتماعي.

    وتظهر المعطيات الرسمية التي تحصلت عليه “AM+ MEDIA” من وزارة إعداد التراب الوطنب أن النساء يمثلن 47.5 في المئة من مجموع المستفيدين من برنامج الدعم المباشر للسكن إلى غاية 7 ماي 2026، وهي نسبة تعتبرها الحكومة مؤشرا على اتساع قاعدة الولوج إلى التملك مقارنة بالبرامج السابقة، التي كانت ترتبط في الغالب بالأسرة كوحدة اجتماعية دون إبراز توزيع المستفيدين حسب الجنس.

    ولا تعني هذه النسبة بالضرورة أن جميع المستفيدات اقتنين مساكن بشكل فردي، إذ إن جزءا من الطلبات يقدم باسم أحد الزوجين، غير أنها تعكس حضورا متزايدا للمرأة داخل سوق العقار، سواء باعتبارها المقتنية الرئيسية أو شريكة في عملية الاقتناء.

    ويرى متابعون أن هذا المعطى يرتبط بعدة عوامل، من بينها ارتفاع نسبة النساء المشتغلات، وتوسع ولوجهن إلى التمويل البنكي، إضافة إلى اعتماد البرنامج على معايير موضوعية للاستفادة، بعيدا عن أي تمييز مرتبط بالجنس أو الوضعية الاجتماعية.

    كما ينسجم هذا التوجه مع المقاربة الحكومية الرامية إلى تعزيز الإدماج الاقتصادي، باعتبار أن امتلاك السكن لا يمثل فقط استقرارا اجتماعيا، بل يشكل أيضا أحد أشكال بناء الثروة الأسرية وتعزيز الاستقلالية المالية.

    ومع ذلك، يرى خبراء أن رفع نسبة استفادة النساء بشكل أكبر يظل رهينا باستمرار تحسين ولوج المرأة إلى سوق الشغل، ورفع دخلها، وتوسيع استفادتها من التمويل، لأن الدعم المالي وحده لا يكفي إذا لم يكن مقرونا بقدرة فعلية على تحمل باقي كلفة الاقتناء.

    هل نجح البرنامج في تقليص الفوارق المجالية؟

    منذ انطلاق الحوار الوطني حول التعمير والإسكان سنة 2022، وضعت الوزارة تقليص الفوارق المجالية في صلب الإصلاح الجديد، معتبرة أن الولوج إلى السكن لا ينبغي أن يبقى رهينا بالمدن الكبرى، بل يجب أن يشمل أيضا العالم القروي والمناطق الجبلية، التي تعاني في كثير من الأحيان من ضعف العرض السكني، وقلة الاستثمار، وصعوبة الولوج إلى التمويل. وقد جعلت خارطة الطريق من دعم العالم القروي وتعزيز جاذبيته الاقتصادية أحد أهدافها الاستراتيجية.

    كما أبرز التشخيص الذي أعدته الوزارة قبل إطلاق الإصلاح وجود اختلالات خاصة بالمجال القروي، من بينها ضعف التخطيط، والفوارق الاجتماعية والمجالية، وندرة فرص الشغل، وهو ما انعكس على جاذبية الاستثمار والسكن بهذه المناطق.

    ورغم أن البرنامج مفتوح أمام جميع جهات المملكة، فإن الاستفادة منه تختلف بحسب طبيعة العرض العقاري. ففي المدن الكبرى، يجد المواطن خيارات أكثر تنوعا، سواء من حيث عدد المشاريع أو أنواع السكن، بينما يظل العرض محدودا في عدد من الجماعات القروية والمراكز الصاعدة، وهو ما يجعل الاستفادة مرتبطة أيضا بقدرة السوق المحلية على توفير مساكن تستجيب لشروط البرنامج.

    ولهذا، تؤكد الوزارة أن نجاح السياسة السكنية لا يقتصر على تقديم الدعم المالي، بل يرتبط أيضا بإعداد التراب، وتسريع وثائق التعمير، وتحسين جاذبية المراكز القروية، وتشجيع الاستثمار بها، حتى يصبح العرض السكني متوفرا خارج المحاور الحضرية الكبرى. وقد تضمنت خارطة الطريق إجراءات لتطوير المراكز القروية الصاعدة، وإحداث أقطاب متخصصة بالعالم القروي، وتسريع وثائق التعمير، وتبسيط المساطر لفائدة الاستثمار.

    ويعتبر متابعون أن نجاح البرنامج في تحقيق العدالة المجالية سيقاس خلال السنوات المقبلة بمدى قدرته على تشجيع المنعشين العقاريين على الاستثمار خارج المدن الكبرى، وبمدى توفر البنيات التحتية والخدمات الأساسية التي تجعل السكن في العالم القروي خيارا اقتصاديا واجتماعيا مستداما، وليس مجرد استفادة من دعم مالي.

    لماذا انخرط المنعشون في البرنامج الحالي بينما تعثر برنامج 2019؟

    تكشف حصيلة وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة عن تفاوت واضح بين نتائج برنامج الدعم المباشر للسكن والبرنامج السابق الموجه إلى السكن الاجتماعي بالعالم القروي.

    فقد انطلق برنامج السكن الاجتماعي بالقرى سنة 2019 على أساس إبرام اتفاقيات مع المنعشين العقاريين لإنجاز مساكن اجتماعية بالمجال القروي، إذ بلغ عدد الاتفاقيات الموقعة 13 اتفاقية، تستهدف بناء 6852 وحدة، غير أن المنجز لم يتجاوز 1347 وحدة إلى غاية مارس 2025، ما دفع الوزارة إلى الإقرار بأن البرنامج لم يحقق الأهداف المنتظرة ولم يعرف انخراطا كافيا للمنعشين.

    أما البرنامج الحالي، فيقوم على تقديم الإعانة مباشرة إلى الأسر المؤهلة، بدل ربطها بمشاريع عقارية متعاقد بشأنها مسبقا، وتبلغ قيمة الدعم 100 ألف درهم بالنسبة إلى السكن الذي لا يتجاوز ثمنه 300 ألف درهم، و70 ألف درهم بالنسبة إلى السكن الذي يتراوح سعره بين 300 ألف و700 ألف درهم.

    وساهم هذا التحول في توفير طلب ممول جزئيا داخل السوق، بعدما أصبح المستفيد يتوفر على مساهمة من الدولة في ثمن المسكن، وهو ما شجع المنعشين والمقاولات الصغرى على عرض وحدات منسجمة مع الشروط المالية للبرنامج.

    ويؤكد عمر رحال، منعش عقاري بدوار قصبة الطاهر، في تصريح لمنصة “AM+ MEDIA”  إن تحويل الدعم مباشرة إلى المقتني أحدث تغييرا مهما في السوق العقارية، لأنه جعل المستفيد هو من يختار المشروع الذي يناسب احتياجاته، بدل أن يكون الدعم مرتبطا بمنتج عقاري معين، مضيفا أن هذا التحول أعاد الثقة إلى عدد من الأسر، وساهم في تحريك الطلب، كما دفع المنعشين العقاريين إلى تحسين جودة المشاريع والأسعار والخدمات من أجل استقطاب الزبناء.

    وأوضح أن الطلب أصبح اليوم أكثر وضوحا بالنسبة إلى المستثمرين مقارنة بالسنوات الماضية، إذ بات المنعش العقاري يمتلك رؤية أفضل للفئات المستهدفة وقيمة الدعم الذي تستفيد منه، وهو ما يساعد على برمجة المشاريع واتخاذ قرارات الاستثمار بثقة أكبر، كما أن ارتفاع عدد الراغبين في الاستفادة من البرنامج منح الفاعلين في القطاع مؤشرات أوضح حول احتياجات السوق، خاصة في المدن التي تعرف طلبًا متزايدًا على السكن.

    وفي المقابل، أشار رحال إلى أن إنجاز مشاريع سكنية في المجال القروي ما يزال يواجه عددا من التحديات، في مقدمتها ضعف التجهيزات الأساسية في بعض المناطق، وتعقيد المساطر المرتبطة بالتعمير والعقار، إضافة إلى محدودية الطلب مقارنة بالمجال الحضري، وهو ما يقلص الجدوى الاقتصادية للمشاريع العقارية، معتبرا أن تشجيع الاستثمار في العالم القروي يقتضي مواكبة إضافية من خلال تحسين البنيات التحتية، وتبسيط المساطر الإدارية، وإقرار تحفيزات خاصة تراعي خصوصية هذه المناطق، بما يساهم في تحقيق تنمية عمرانية أكثر توازنا.

    دعم السكن ينعش معاملات العقار والبناء

    إلى جانب البعد الاجتماعي، قدمت الحكومة برنامج الدعم المباشر للسكن باعتباره آلية لإنعاش قطاع العقار، وتحريك الاستثمار، وإشراك المقاولات الصغرى والمتوسطة، ودعم فرص الشغل في البناء والأنشطة المرتبطة به.

    وإلى غاية 3 يونيو 2026، صرح أديب بنبراهيم، كاتب الدولة المكلف بالإسكان، بمجلس المستشارين، بأن القيمة الإجمالية للمساكن المقتناة تجاوزت 43.19 مليار درهم، مقابل مساهمة للدولة بلغت نحو 8.6 مليارات درهم في شكل دعم مباشر، أي ما يمثل حوالي 20 في المئة من القيمة الإجمالية للاستثمارات المنجزة.

    وساهم البرنامج، إلى جانب برامج السكن الاجتماعي والسكن منخفض التكلفة، في توفير ما مجموعه 99 ألفاً و140 وحدة سكنية مدعمة إلى غاية متم سنة 2025.

    وتزامن تنفيذ البرنامج مع تحسن عدد من مؤشرات القطاع، إذ سجلت مبيعات الإسمنت ارتفاعا بنسبة 7 في المئة، وزاد عدد المعاملات العقارية بنسبة 12.1 في المائة، فيما ارتفعت مبيعات العقارات السكنية بنسبة 11.1 في المئة، ومبيعات الأراضي الحضرية بنسبة 25.6 في المئة.

    كما ارتفعت قروض السكن بنسبة 1.49 في المئة، والقروض الموجهة إلى المنعشين العقاريين بنسبة 5.57 في المئة، وفق الفترات المرجعية الواردة في العرض الوزاري.

    وتعكس هذه المؤشرات استعادة القطاع جزءا من ديناميته، غير أن قياس الأثر المباشر للبرنامج يحتاج إلى التمييز بين المساكن الجديدة والمساكن الجاهزة التي جرى تداولها داخل السوق، وبين أثر الدعم وبقية العوامل المؤثرة في العقار والبناء.

    وبينما تظهر الأرقام تحسنا في معاملات العقار، وارتفاعا في مبيعات الإسمنت، وانتعاشا في القروض السكنية، يظل تقييم الأثر الاقتصادي الحقيقي للبرنامج مرتبطا بمدى قدرته على تحويل هذا التحسن الظرفي إلى دينامية استثمارية مستدامة.

    وفي هذا الإطار، يرى بدر الزاهر الأزرق، المحلل الاقتصادي، أن المؤشرات الحالية تعكس عودة الثقة تدريجيا إلى السوق العقارية، لكنها تستدعي قراءة متأنية لتمييز ما هو ناتج عن برنامج الدعم وما يرتبط بعوامل اقتصادية أخرى.

    ويؤكد أن ارتفاع مبيعات الإسمنت والمعاملات العقارية يشير إلى تحسن النشاط داخل القطاع، لكنه لا يعني بالضرورة أن جميع العمليات ترتبط بإنتاج مساكن جديدة، إذ إن جزءا مهما من هذا النشاط يعود إلى تسويق المخزون السكني الجاهز الذي ظل ينتظر الطلب خلال السنوات الماضية.

    ويضيف أن الدعم المباشر للمقتنين نجح في تحريك هذا الطلب الكامن، وهو ما انعكس على وتيرة البيع واستعادة السوق جزءاً من حيويتها، قبل أن تبدأ آثاره تدريجياً في تشجيع المنعشين على إطلاق مشاريع جديدة استجابة لتحسن مؤشرات السوق.

    ويشير إلى أن البرنامج لم يؤثر فقط على حركة البيع والشراء، بل امتد أثره إلى القطاع البنكي، حيث ساهم في رفع الطلب على القروض السكنية من خلال تعزيز القدرة الشرائية للأسر المستفيدة وتقليص حجم التمويل الذي تحتاج إليه لإتمام عملية الاقتناء. كما استفاد المنعشون العقاريون بصورة غير مباشرة من تحسن وتيرة التسويق، وهو ما عزز ثقة المؤسسات البنكية في تمويل مشاريع جديدة، لأن انخفاض مخاطر التسويق ينعكس إيجاباً على قرارات الاستثمار والتمويل.

    ويرى بدر أن الحفاظ على هذه الدينامية يظل رهيناً باستمرار وضوح البرنامج واستقراره، مع توفير عرض سكني كافٍ يستجيب للطلب المتزايد، وتسريع المساطر الإدارية، وضمان توفر العقار المجهز، إلى جانب الحفاظ على توازن الأسعار حتى لا يتحول ارتفاع الطلب إلى عامل لزيادة أثمنة السكن. ويخلص إلى أن نجاح البرنامج على المدى المتوسط سيقاس بقدرته على الانتقال من تحريك السوق إلى توسيع الإنتاج السكني وخلق استثمارات جديدة وفرص شغل مستدامة، بما يعزز مساهمة قطاع البناء والعقار في النمو الاقتصادي.

  • الدعم الاجتماعي الجامعي.. إنجازات مرحلية ورهانات مفتوحة

    الدعم الاجتماعي الجامعي.. إنجازات مرحلية ورهانات مفتوحة

    شكّل الدعم الاجتماعي الجامعي أحد أبرز التحديات التي واجهت منظومة التعليم العالي بالمغرب منذ سنوات، وذلك في ظل التحولات المتسارعة التي عرفها الطلب على المنح والخدمات الاجتماعية الجامعية منذ سنة 2011.

    فقد ارتفع عدد المستفيدين من المنحة من حوالي 182 ألف طالب خلال الموسم الجامعي 2011-2012 إلى نحو 330 ألف مستفيد سنة 2015-2016، ثم إلى أكثر من 415 ألف مستفيد خلال الموسم الجامعي 2020-2021. في المقابل، لم يواكب الغلاف المالي هذا التوسع إلا بشكل تدريجي، إذ انتقل من حوالي 718 مليون درهم إلى ما يقارب 2.39 مليار درهم، ما يعكس فجوة متنامية بين الطلب المتزايد والقدرة التمويلية للمنظومة.

    ومع تجاوز عدد طلبة الجامعات العمومية حاجز مليون طالب مع بداية الولاية الحكومية الحالية، تفاقمت الضغوط على منظومة الدعم الاجتماعي، سواء على مستوى المنح أو الأحياء الجامعية أو الخدمات الموازية، وهو ما أفرز تحديات بنيوية أبرزها محدودية تغطية الطلبات، والاكتظاظ داخل الأحياء الجامعية، وارتفاع الطلب على الإيواء والإطعام، ما جعل من تكافؤ الفرص والحد من الهدر الجامعي أحد رهانات السياسات العمومية في القطاع.

    ومع انطلاق الولاية الحكومية في أكتوبر 2021، تسلمت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار ملفا مثقلا بتراكمات سنوات من الضغط، أبرزها اتساع قاعدة الطلب على المنح، وارتفاع الحاجة إلى الطاقة الإيوائية، وتزايد الطلب على تطوير الخدمات الاجتماعية الموجهة للطلبة.

    وفي هذا السياق، جعلت الحكومة إصلاح منظومة الدعم الاجتماعي ضمن أولوياتها، عبر استهداف رفع نسبة تغطية المنح الجامعية إلى 97 في المئة من الطلبة المستحقين، إلى جانب توسيع الطاقة الاستيعابية للأحياء الجامعية وتحسين جودة الخدمات المقدمة.

    وباشرت الوزارة، وفق هذا التوجه، مجموعة من الإصلاحات التدريجية التي شملت تعزيز الاستفادة من المنح، وتحسين حكامة تدبيرها، وتوسيع العرض الإيوائي والخدمات الجامعية، إضافة إلى تسريع وتيرة الرقمنة وتحديث آليات التتبع والمراقبة.

    ضغط متواصل ورقمنة متقدمة

    وعرف الموسم الجامعي 2020-2021 استمرار الضغط على منظومة الدعم الاجتماعي، حيث بلغ عدد المستفيدين من المنح حوالي 403.689 مستفيدا، قبل أن يرتفع إلى 409.000 منحة خلال موسم 2021-2022، أي بنسبة تطور تناهز 1.3 في المئة، مع تسجيل نسبة حضور نسائي بلغت حوالي 57 في المئة.

    وخلال هذه المرحلة، تم تعزيز الرقمنة عبر فتح فضاءات رقمية لتدبير لوائح الطلبة، وإطلاق خدمات إلكترونية لتتبع وضعية المنح وإيداع الطلبات عن بعد، إضافة إلى تطوير نظام تدبير بطائق “منحتي”، حيث استفاد أكثر من 130 ألف طالب من خدمات الحجز الإلكتروني لاستلام بطاقاتهم البنكية.

    تعزيز الحكامة وربط الدعم بالاستحقاق

    وتميز الموسم الجامعي 2021-2022 باعتماد آليات تدقيق للوائح المستفيدين، ما أسفر عن توقيف حوالي 8200 منحة غير مستحقة، في إطار تعزيز الشفافية وربط الدعم بمعايير الاستحقاق الاجتماعي.

    كما ارتفعت الميزانية المخصصة للمنح بـ200 مليون درهم، لتنتقل من 1.831 مليار درهم إلى 2.031 مليار درهم، وتم كذلك تطوير المنصات الرقمية الخاصة بتدبير الطلبات داخل المغرب وخارجه، وتحسين آليات صرف المنح بشراكة مع الخزينة العامة للمملكة.

    وفي هذا السياق، أكدت ماجدولين النهيبي، أستاذة التعليم العالي بكلية علوم التربية بالرباط، أن نظام المنح الجامعية عرف تحولات مهمة مقارنة بالماضي، إذ انتقل من الاعتماد على معايير مرتبطة أساسا بمكان الدراسة إلى الاستناد على مؤشرات اجتماعية واقتصادية أكثر دقة، تعتمد السجل الاجتماعي الموحد ووضعية الأسرة.

    واعتبرت النهيبي أن هذا التحول يعزز نجاعة الاستهداف، مع ضرورة الحرص على عدم إقصاء أي طالب مستحق، خاصة من الفئات الهشة.

    وأضافت الأستاذة الجامعية أن اعتماد الحكامة في تدبير ملف المنح والخدمات الاجتماعية يمثل خطوة إيجابية نحو عقلنة التسيير، من خلال إدخال مؤشرات دقيقة وآليات حديثة للتتبع والتقييم، لكنها شددت في المقابل على أهمية تطوير هذا النموذج بشكل ديناميكي ومستمر، بما يسمح بمواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة وطنيا ودوليا، وضمان استجابة أكثر فعالية لحاجيات الطلبة في مختلف السياقات.

    توسع محدود وضغط متزايد

    وعلى مستوى الأحياء الجامعية، تم افتتاح الحي الجامعي تطوان-المضيق بطاقة 1008 أسرّة، وتوسعة الحي الجامعي بالرشيدية بـ1200 سرير، ليصل عدد الأحياء الجامعية إلى 23 حيا جامعيا بطاقة إجمالية تناهز 52.253 سريرا، منها حوالي 61.5 في المئة مخصصة للإناث.

    غير أن تداعيات ما بعد جائحة كوفيد-19 فرضت تقليصا مؤقتا للطاقة الإيوائية بنسبة بلغت حوالي 30 في المئة، حيث تم إيواء ما يقارب 37 ألف طالب وطالبة، مع تسجيل معدل استجابة لا يتجاوز 40 في المئة من الطلبات، ما يعكس استمرار الضغط البنيوي على هذا المرفق الاجتماعي.

    وفي سياق هذا النقاش المرتبط بمدى نجاعة معايير الاستفادة من المنح والخدمات الاجتماعية الجامعية، تؤكد الطالبة رهام كريمي، التي تتابع دراستها بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن المعايير المعتمدة للاستفادة من المنحة لا تعكس دائما الوضعية الاجتماعية الحقيقية للطلبة، ما يجعلها، حسب رأيها، في حاجة إلى مراجعة أكثر دقة وإنصافا.

    وأضافت الطالبة، التي لا تستفيد من المنحة، أن غياب المنحة يزيد من حجم الأعباء المالية الملقاة على عاتقها وعلى أسرتها، ويجعل تحمل مصاريف الدراسة والتنقل والإقامة أكثر صعوبة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على استقرار مسارها الدراسي وظروف تحصيلها الأكاديمي.

    وأوضحت أنها لم تستفد أيضا من السكن الجامعي، رغم أن أسرتها تقيم بمدينة القصر الكبير، وهو ما يزيد من صعوبة وضعيتها، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف العيش بمدينة الدار البيضاء وصعوبة إيجاد بدائل سكنية ملائمة.

    وفي ما يتعلق بأبرز الإصلاحات المنتظرة، شددت على ضرورة إعادة النظر في معايير الاستفادة، خاصة ما يرتبط باعتماد المؤشر الاجتماعي، مع تحسين دقته وملاءمته للواقع المعيشي للطلبة، إلى جانب توسيع قاعدة المستفيدين من المنح، وضمان صرفها في آجالها المحددة، فضلا عن الرفع من جودة خدمات السكن والمطاعم الجامعية، بما يساهم في تخفيف الضغط الاجتماعي وتحسين ظروف الحياة الجامعية.

    ووفق معطيات الحصيلة المرحلية لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، تواصلت الجهود الرامية إلى توسيع العرض وتحسين شروط الاستفادة من السكن والخدمات الجامعية، في محاولة للتقليص من حدة الفجوة بين الطلب المتزايد والقدرة الاستيعابية المحدودة.

    وشملت هذه الجهود إطلاق خدمات إلكترونية جديدة لتدبير السكن الجامعي، وتبسيط المساطر الإدارية، وتحسين حكامة الأحياء الجامعية، إلى جانب تشجيع الشراكة مع القطاع الخاص لإحداث إقامات طلابية جديدة.

    وفي تقييمها لهذه الحصيلة، اعتبرت ماجدولين النهيبي أن اعتماد الحكامة في تدبير ملف المنح والخدمات الاجتماعية يشكل خطوة إيجابية نحو عقلنة التسيير، من خلال إدخال مؤشرات دقيقة وآليات حديثة للتتبع والتقييم، غير أنها شددت على أن هذا النموذج يظل في حاجة إلى تطوير مستمر لمواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية، بما يضمن استجابة أكثر فعالية لحاجيات الطلبة.

    تحسن المؤشرات وفجوة مستمرة

    وفي الموسم الجامعي 2024-2025، سجلت منظومة الدعم الاجتماعي خلال هذا الموسم تطورا ملموسا، حيث بلغ عدد المنح 421.551 منحة مقابل 407.178 خلال الموسم السابق، أي بنسبة تطور بلغت 3.5 في المئة، مع هيمنة الإناث بنسبة تقارب 63 في المئة.

    كما ارتفعت نسبة الاستجابة لطلبات المنح إلى حوالي 93 مقابل 82 في المئة، نتيجة تحسين الحكامة واعتماد السجل الاجتماعي الموحد وربط منصة “منحتي” بالمعايير الجديدة للاستحقاق.

    وعلى مستوى الإيواء، ارتفعت الطاقة الاستيعابية إلى حوالي 55.818 سريرا، مع تسجيل معدل استجابة لطلبات السكن في حدود 47 في المئة، مقابل استمرار ضغط الطلب الذي يفوق 46.700 طلبا.

    وفي هذا السياق، صرح آدم السعودي، طالب بالمدرسة العليا للتجارة والتسيير، أن المنحة ساهمت بشكل مهم في مواصلة دراسته وتخفيف جزء من الأعباء المالية عن أسرته، خصوصا ما يتعلق بمصاريف النقل واللوازم الدراسية وبعض الاحتياجات اليومية، غير أنه يعتبر أن قيمة المنحة، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، لم تعد كافية لتغطية فترة الصرف كاملة، داعيا إلى مراجعتها ورفع قيمتها بما يتناسب مع الظرفية الحالية.

    ويضيف الطالب ذاته أن اعتماد الرقمنة والسجل الاجتماعي الموحد ساهم في تبسيط الإجراءات وتحسين تنظيم عملية الاستفادة، مع تعزيز الشفافية وتقليص التعقيدات الإدارية، معتبرا أن هذه الخطوة إيجابية وتحتاج إلى مزيد من التطوير لتصبح أكثر سرعة وفعالية.

    وشدد على أنه رغم الجهود المبذولة فمنظومة الدعم الاجتماعي ما تزال بحاجة إلى مزيد من التحسين، سواء على مستوى قيمة المنحة أو جودة الخدمات المرتبطة بالسكن الجامعي والإطعام، من خلال تحسين ظروف الإقامة والصيانة والنظافة والتجهيزات، وتطوير جودة وتنوع الوجبات، بما يضمن ظروفاً دراسية ومعيشية أفضل للطلبة.

    وفي ضوء هذه المعطيات، وبين دينامية الإصلاحات واستمرار الضغوط البنيوية، يظل الدعم الاجتماعي الجامعي في قلب سؤال التحول: هل يتعلق الأمر ببداية مرحلة جديدة في تدبير هذا الورش الاجتماعي، أم باستمرار مسار إصلاحي تدريجي يحتاج إلى مزيد من الزمن والموارد؟

    وفي هذا السياق، يرى عدد من المتتبعين أن تقييم هذه الحصيلة يستوجب قراءة مزدوجة، تأخذ بعين الاعتبار حجم التراكمات من جهة، والظرفية الاقتصادية والاجتماعية غير المسبوقة التي رافقت تنزيل هذه الإصلاحات من جهة ثانية، مع التأكيد أن التحدي الأكبر للمرحلة المقبلة يظل مرتبطاً باستدامة التمويل، وتوسيع العرض الجامعي، وتعزيز العدالة المجالية في الولوج إلى الخدمات الجامعية.

    نحو تغطية أوسع وإصلاح هيكلي

    وفي سياق استمرارية هذا الورش، أكد وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي، خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس النواب في ماي المنصرم، أن الاستفادة من المنح الجامعية تبقى مرتبطة بمعايير السجل الاجتماعي الموحد، مشيرا إلى أن نسبة المستفيدين ارتفعت من 83 إلى 95 في المئة خلال الموسم الجامعي الحالي، على أن تبلغ 97 في المئة قبل نهاية الولاية الحكومية.

    وأوضح الوزير أن المنحة والسكن الجامعيين يشكلان ركيزتين أساسيتين لتحسين المردودية الدراسية والحد من الهدر الجامعي، مؤكدا مراجعة قيمة المنحة ومعايير الاستفادة، خصوصا عبر السجل الاجتماعي الموحد، بما يضمن استهدافا أدق للفئات المستحقة.

    كما كشف أن المغرب يتوفر حاليا على 23 مطعما جامعيا تُدبَّر في إطار التدبير المفوض، مع تحمل الدولة ما بين 30 و35 درهما عن كل وجبة، مقابل أداء رمزي لا يتجاوز 1.40 درهم من طرف الطالب.

    وفي ما يتعلق بالبنية الإيوائية، أقر الوزير بوجود خصاص واضح في الطاقة الاستيعابية للأحياء الجامعية، حيث لا يتجاوز عدد الأسرة المتوفرة حوالي 60 ألف سرير، في حين تُقدَّر الحاجيات بنحو 400 ألف سرير، ما يعكس حجم الفجوة المسجلة في هذا القطاع.

    وفي مستجد لاحق خلال جلسة 29 يونيو بالبرلمان، أوضح ميداوي أن الوزارة تواصل جهودها لمعالجة هذا الخصاص من خلال مراجعة الإطار القانوني المنظم للمكتب الوطني للأعمال الجامعية الاجتماعية والثقافية، واعتماد نموذج حكامة جديد قائم على الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بهدف بلوغ الطاقة الاستيعابية المطلوبة في أفق سنة 2030.

    وأضاف أن القانون رقم 24.49 أتاح لأول مرة إمكانية مساهمة الجماعات الترابية والجهات، إلى جانب المحسنين والفاعلين الآخرين، في تمويل وإنجاز الأحياء الجامعية وتقديم الدعم، بعدما كان هذا المجال يفتقر إلى إطار قانوني واضح، داعيا مختلف المتدخلين إلى الانخراط في هذا الورش باعتباره مسؤولية جماعية تتطلب تعبئة واستثمارات على المدى المتوسط والبعيد.

  • كثافة التشريع.. حصيلة إصلاح العدالة بين الجرأة وكلفة الجدل

    كثافة التشريع.. حصيلة إصلاح العدالة بين الجرأة وكلفة الجدل

    ظلت أوراش كبرى لإصلاح العدالة لسنوات حاضرة في النقاش المؤسساتي والقانوني بالمغرب، فيما بقيت نصوص أساسية تنتظر المراجعة أو الحسم، رغم التحولات التي عرفها المجتمع وتطور انتظارات المواطنين والمهنيين.

    وبين تعقيد المساطر، وتراكم القضايا، وتحديات السياسة الجنائية، وضغط التحول الرقمي، استمر سؤال تحديث منظومة العدالة، مع الحفاظ على التوازن بين النجاعة القضائية وضمان الحقوق والحريات، يطرح نفسه بقوة.

    وسط هذا المشهد، تولى عبد اللطيف وهبي حقيبة العدل في أكتوبر 2021، ليجد أمامه تراكما من المشاريع والقوانين والمطالب المهنية التي امتد بعضها عبر حكومات متعاقبة.

    وغير أن أوراش الإصلاح بدأت قبل الحكومة الحالية، فالسمة التي طبعت الولاية الحالية تمثلت في فتح عدد من الملفات الثقيلة، والدفع بها من دائرة الانتظار إلى مراحل التشريع والتنفيذ.

    من المسطرتين المدنية والجنائية إلى العقوبات البديلة، ومن تنظيم المؤسسات السجنية إلى إعادة تأطير المهن القانونية والقضائية، ارتبط اسم وهبي بأوراش أثارت نقاشات واسعة واحتجاجات مهنية وخلافات انتقلت، في بعض المحطات، من طاولات الحوار إلى البرلمان ووسائل الإعلام.

    وفي أكثر من مناسبة، بدا الجدل حول شخصية الوزير وتصريحاته أعلى صوتا من النقاش حول طبيعة التحولات التي كانت تتحرك داخل الوزارة. ومع الاقتراب من نهاية الولاية الحكومية، يصبح السؤال المحوري حول الحصيلة التشريعية، ماذا تحقق؟ وهل تعبر كثافة النصوص التي تم إخراجها عن تحول فعلي في منظومة العدالة، أم عن إنتاج تشريعي سيظل أثره رهينا بقدرة المؤسسات على التنفيذ؟

    المسطرة المدنية.. من تراكم الملفات إلى فتح الأوراش الثقيلة

    تكشف قراءة حصيلة وزارة العدل عن تحرك الإصلاح على ثلاثة مستويات متوازية؛ قوانين دخلت حيز التنفيذ، ومشاريع قطعت مراحل متقدمة من المسطرة التشريعية، وأوراش ما تزال في طور الإعداد أو التفاوض.

    ولا تكمن خصوصية هذه الحصيلة في العدد وحده، وإنما في طبيعة المجالات التي مستها، فقد تحرك الإصلاح من قواعد التقاضي المدني والجنائي إلى فلسفة العقوبة وظروف تنفيذها، ومن التنظيم القضائي إلى المهن المرتبطة بالمحكمة، بالتوازي مع تحديث البنية التحتية والموارد البشرية وتوسيع الخدمات الرقمية.

    ويتقدم القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية قائمة الأوراش الكبرى التي طبعت هذه المرحلة، الذي يحدد الطريق الذي تسلكه الدعوى منذ ولوجها إلى المحكمة، مرورا بالتبليغ والإجراءات والطعن، وصولا إلى صدور الحكم وتنفيذه.

    وتنبع أهمية مراجعة هذا النص من كون قواعد التقاضي المدني ظلت تواجه تحديات مرتبطة بطول الآجال وتعقيد بعض المساطر وصعوبة تنفيذ الأحكام، بالتوازي مع الحاجة إلى إدماج التكنولوجيا في العمل القضائي.

    وقد مر القانون بمسار دستوري وتشريعي دقيق، قبل إحالته على المحكمة الدستورية، التي صرحت بتاريخ 4 غشت 2025، بعدم مطابقة بعض مقتضياته للدستور. وبعد تعديل النص وترتيب الأثر على القرار، صودق على الصيغة الجديدة، قبل نشر القانون في الجريدة الرسمية بتاريخ 29 يناير 2026.

    ولا تقتصر أهمية المسطرة المدنية الجديدة على تحديث الإجراءات التقليدية، بل تمتد إلى توفير سند تشريعي للتحول الرقمي، إذ إن بناء محكمة رقمية لا يمكن أن يتم عبر التطبيقات والمنصات وحدها، وإنما يحتاج إلى قواعد تمنح الإجراءات والوثائق الإلكترونية حجيتها القانونية وتنظم موقع التكنولوجيا في مختلف مراحل التقاضي.

    المسطرة الجنائية.. الإصلاح في منطقة الحقوق والحريات

    وبموازاة ذلك، شكل القانون رقم 03.23 المعدل للمسطرة الجنائية واحدا من أكثر الأوراش حساسية، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالحرية الفردية والحراسة النظرية والبحث والتحقيق والمحاكمة وحقوق الدفاع.

    وقد نشر القانون في الجريدة الرسمية في 8 شتنبر 2025، حاملا مقتضيات تتعلق بالتسجيل السمعي البصري للمشتبه فيهم الموضوعين تحت الحراسة النظرية في بعض الجرائم، وتنظيم ظروف تغذيتهم، وإحداث قاعدة بيانات مركزية للسجل العدلي، إلى جانب تدابير تراعي وضعية الأطفال الموجودين في تماس مع القانون.

    وتكمن حساسية النص في المعادلة التي تحكم كل سياسة جنائية، أي منح الدولة الوسائل الضرورية للبحث عن الجرائم وحماية المجتمع، مع إحاطة هذه السلطة بضمانات تحمي حقوق الأشخاص وتصون شروط المحاكمة العادلة.

    وبهذا المعنى، لم تمثل مراجعة المسطرة الجنائية تعديلا تقنيا لبعض المواد، وإنما محاولة لإعادة ترتيب جوانب من العلاقة بين سلطة البحث وحقوق الأفراد، فيما سيظل الاختبار الحقيقي مرتبطا بكيفية تنزيل الضمانات وتوحيد تطبيقها داخل مختلف المحاكم.

    وفي قراءة لطبيعة هذه الدينامية التشريعية، يرى خليل عبد العزيز، المحامي بهيئة الرباط والخبير القانوني، أن ولاية عبد اللطيف وهبي تميزت بإعطاء دفعة قوية لعدد من الأوراش الإصلاحية، في إطار تنزيل التوجيهات الملكية الرامية إلى تعزيز سيادة القانون، وتسريع البت في القضايا، وتقريب العدالة من المواطن.

    ويعتبر عبد العزيز أن الوزارة قادت ورشا تشريعيا واسعا شمل إصلاح المسطرة الجنائية، وتعزيز حقوق الدفاع، وتوسيع نطاق العقوبات البديلة، وتنظيم مهنة المفوضين القضائيين بموجب القانون رقم 46.21، إلى جانب أوراش مرتبطة بالتوثيق والأمن التعاقدي وحماية الحقوق العينية.

    ويرى أن أهمية هذه الإصلاحات لا تكمن فقط في عدد النصوص، وإنما في اتصالها المباشر بحقوق المواطنين ومصالحهم، سواء تعلق الأمر بضمانات المحاكمة، أو تنفيذ الأحكام، أو حماية المعاملات القانونية والعقارية وتحسين البيئة الاستثمارية.

    لكن قياس أثر هذه الدينامية لا يمكن أن يتوقف عند النصوص، فالقانون لا يتحول إلى إصلاح بمجرد نشره، وإنما حين تبدأ مقتضياته في تغيير الممارسة، ومن بين مختلف الأوراش المفتوحة، تقدم العقوبات البديلة نموذجا يسمح بقياس المسافة بين إخراج القانون وبدء إنتاج أثره.

    العقوبات البديلة.. ثورة في قلب السياسات الزجرية

    يعد القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة أحد أبرز النصوص التي ميزت هذه المرحلة، ليس فقط لأنه أضاف أنواعا جديدة من العقوبات، بل لأنه أعاد طرح السؤال حول فلسفة الجزاء الجنائي نفسها.

    فبعدما ظل السجن العقوبة المركزية في التعامل مع عدد واسع من الجرائم، فتح القانون المجال أمام بدائل تستهدف تحقيق التناسب بين الجريمة والجزاء، وتشجيع إعادة الإدماج، وترشيد اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية.

    وتشمل هذه البدائل الغرامة اليومية، والعمل لأجل المنفعة العامة، وتقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية، إضافة إلى المراقبة الإلكترونية.

    وبعد ثمانية أشهر من دخول القانون حيز التنفيذ، كشف وزير العدل، في جواب عن سؤال كتابي للنائبة البرلمانية لطيفة أعبوث، أن عدد العقوبات البديلة الصادرة بلغ، إلى غاية 14 أبريل 2026، ما مجموعه 2605 عقوبات.

    وتصدرت الغرامة اليومية القائمة بـ1075 مقررا، أي 41 في المئة من المجموع، تلاها العمل لأجل المنفعة العامة بـ1027 عقوبة، بنسبة 39 في المئة، ثم تقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية بـ483 مقررا، أي 19 في المئة، فيما ظل اللجوء إلى المراقبة الإلكترونية محدودا في 20 عقوبة فقط، بما يمثل واحدا في المئة.

    ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في عدد الأحكام فقط، وإنما في أثرها المباشر، فقد مكن تطبيق القانون، وفق معطيات الوزير، من الإفراج عن 1578 معتقلا، كما جنب 90 شخصا مدانا كانوا يتابعون في حالة سراح دخول المؤسسات السجنية.

    وبالنسبة إلى مئات الأسر، أصبحت العقوبات البديلة تغييرا فعليا في مسار تنفيذ العقوبة، فيما يمكن أن تساهم، بالنسبة إلى المؤسسات السجنية، في الحد من الاكتظاظ وتوجيه الإمكانات والبرامج التأهيلية نحو الحالات التي تقتضي طبيعة جرائمها تنفيذ عقوبات سالبة للحرية.

    غير أن الأرقام تكشف أيضا حدود التنزيل، فاستحواذ الغرامة اليومية والعمل لأجل المنفعة العامة على معظم الأحكام، مقابل محدودية المراقبة الإلكترونية، يعكس استمرار صعوبات مرتبطة بتفعيل بعض العقوبات ذات الطابع التقني.

    وقد أقر وهبي بوجود تحديات تتعلق بتتبع تطبيق المقررات القضائية، وتنوع الوضعيات الإجرائية، وحالات رفض التنفيذ أو الإخلال بشروطه، إلى جانب ضعف تفعيل بعض العقوبات، داعيا إلى تعزيز الآليات القانونية والتنظيمية وتقوية العدالة التصالحية والوساطة الجنائية.

    كما طالب بتوسيع نطاق الجرائم القابلة للاستفادة من العقوبات البديلة، مع مراعاة طبيعة الجريمة وخطورتها وشخصية مرتكبها وإمكانية جبر الضرر.

    من العقوبة إلى السجن وإعادة الإدماج

    لم يتوقف إصلاح السياسة العقابية عند إيجاد بدائل للسجن، بل امتد إلى ظروف تنفيذ العقوبة من خلال القانون رقم 10.23 المتعلق بتنظيم وتدبير المؤسسات السجنية، الصادر سنة 2024.

    وتنبع أهمية النص من كونه ينقل الإصلاح من قاعة المحكمة إلى مرحلة تنفيذ الحكم، لأن العدالة لا تنتهي بصدور العقوبة، وإنما تشمل أيضا ظروف الاعتقال وحماية كرامة السجين وإعداده للعودة إلى المجتمع.

    ويتقاطع هذا التوجه مع تطور اللجوء إلى الإفراج المقيد بشروط، إذ ارتفع عدد المستفيدين من 13 شخصا خلال الفترة الممتدة من أكتوبر إلى نهاية 2021، إلى 160 سنة 2022، ثم 204 سنة 2023، و420 سنة 2024، وصولا إلى 447 مستفيدا إلى غاية 14 أكتوبر 2025.

    كما أبرمت الوزارة مذكرة تفاهم مع مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، بهدف مواكبة المستفيدين من الإفراج المقيد بشروط ومساعدتهم على الاندماج في النسيجين الاجتماعي والاقتصادي.

    وتكشف هذه الدينامية توجها نحو توسيع أدوات السياسة الجنائية خارج منطق السجن وحده، من خلال الجمع بين العقوبات البديلة والإفراج المقيد بشروط وإعادة الإدماج. غير أن نجاح هذه السياسة يظل مرتبطا بقدرة المؤسسات على مواكبة المستفيدين اجتماعيا واقتصاديا حتى لا تتحول البدائل القانونية إلى حلول مؤقتة.

    الرقمنة.. إصلاح لا يرى في القانون فقط

    إذا كانت المسطرتان المدنية والجنائية والعقوبات البديلة تمثل الواجهة التشريعية للإصلاح، فإن الرقمنة شكلت وجهه التنفيذي الأكثر اتصالا بالحياة اليومية للمرتفقين.

    فقد تجاوزت نسبة الطلبات الإلكترونية للسجل العدلي 80 في المئة، فيما ناهزت طلبات شهادة الجنسية المغربية المقدمة عن بعد 90 في المئة من مجموع الطلبات المعالجة.

    كما تم إطلاق بوابة إلكترونية لطلبات العفو والإفراج المقيد، وخدمة الأداء الإلكتروني للغرامات، وتطبيق “محاكم”، والبوابة الإلكترونية للشكايات، والمكتبة القانونية الرقمية “عدالة”، ومنصة الحماية الإلكترونية “e-Himaya”، إلى جانب خدمات تتبع الملفات وجدول الجلسات وأداء مخالفات السير.

    وامتدت الرقمنة إلى العلاقة بين المحاكم والمهن القانونية والمؤسسات، من خلال منصات للتبادل الإلكتروني مع المحامين والمفوضين القضائيين والخبراء، وأخرى لتتبع تنفيذ الأحكام الصادرة في حق أشخاص القانون العام، مفعلة لفائدة 17 وزارة و20 مؤسسة عمومية، فضلا عن التبادل الإلكتروني مع الأبناك وشركات التأمين وعدد من الإدارات.

    وخلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2024، خصصت الوزارة أكثر من 124.6 مليون درهم للمشاريع الرقمية على مستوى الإدارة المركزية، ونحو 315.5 مليون درهم على المستوى الإقليمي.

    وبالنسبة إلى المواطن، يفترض أن يترجم هذا التحول إلى تقليص عدد التنقلات نحو المحاكم، وتبسيط الحصول على الوثائق والخدمات، وتقليص زمن الانتظار، فيما يمنح المهنيين إمكانية تتبع الملفات وتبادل المعطيات بشكل أسرع.

    وفي هذا السياق، يعتبر المحامي خليل عبد العزيز أن ورش الرقمنة وإرساء تصور المحكمة الرقمية الموحدة يمثلان أحد أبرز الإنجازات الاستراتيجية خلال ولاية وهبي، بالنظر إلى ما تتيحه الخدمات الرقمية من إمكانات لتتبع الملفات القضائية ومواعيد الجلسات والإجراءات والأحكام عن بعد.

    ويرى أن المشروع، القائم على التنسيق بين وزارة العدل والسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة وهيئات المحامين، يمكن أن يشكل أداة مهمة لتعزيز الشفافية ومحاربة بعض مظاهر الفساد والبيروقراطية، من خلال التتبع الفوري والدقيق للعمليات القضائية والإدارية.

    حلقات متكاملة في مسار العدالة

    لم تقتصر الدينامية على قواعد التقاضي والعقوبة، بل امتدت إلى المؤسسة القضائية نفسها، من خلال القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي وتعديله بموجب القانون رقم 73.24.

    ويؤطر هذا الورش أصناف المحاكم وبنياتها واختصاصاتها والإدارة القضائية، فيما جرى، في إطار تنزيله، تحديث الخريطة القضائية للمملكة، في محاولة لتقريب الخدمات من المواطنين ومراعاة التحولات الديمغرافية والمجالية.

    كما شملت الدينامية قوانين تنظيمية مرتبطة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة، في سياق استكمال البناء المؤسساتي للسلطة القضائية بعد تكريس استقلالها.

    لكن فعالية العدالة لا تتوقف عند القاضي أو صدور الحكم، لأن مسار القضية يمر عبر مهن تضطلع بالتبليغ والتنفيذ والخبرة والترجمة والتوثيق والدفاع. وفي هذا الإطار، صدر القانون رقم 46.21 المتعلق بتنظيم مهنة المفوضين القضائيين، وهي مهنة ترتبط مباشرة بتبليغ الإجراءات وتنفيذ الأحكام، فالحكم لا يحقق غايته إذا تعثر تبليغه أو تنفيذه، ما يجعل إصلاح هذه الحلقة مرتبطا مباشرة بقدرة المواطن على الحصول فعليا على الحق الذي أقره له القضاء.

    كما شمل الورش الخبرة القضائية من خلال القانون رقم 44.22، إلى جانب إعداد مشروع قانون جديد لتنظيم مهنة الخبراء القضائيين، فضلا عن صدور القانون رقم 52.23 المتعلق بمهنة التراجمة المحلفين المقبولين لدى المحاكم.

    وفي مجال التكوين، صدر القانون رقم 37.22 المتعلق بالمعهد العالي للقضاء، في تأكيد أن تغيير القوانين يحتاج إلى موارد بشرية قادرة على استيعابها وتطبيقها.

    وامتدت الحصيلة إلى القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، الذي يؤطر وسائل بديلة لتسوية المنازعات خارج القضاء التقليدي، بما يمكن أن يخفف الضغط على المحاكم ويوفر آليات أكثر مرونة، خصوصا في النزاعات التجارية والاستثمارية.

    كما شمل الإصلاح القانون رقم 71.24 المتعلق بمقتضيات الشيك، وهو مجال تتقاطع فيه السياسة الجنائية مع حماية الثقة في المعاملات الاقتصادية، حيث يرتبط الرهان بإيجاد توازن بين ضمان حقوق المستفيد وعدم الإفراط في توظيف العقوبة السالبة للحرية.

    وامتدت الإصلاحات إلى الأمن التعاقدي وحماية الحقوق العينية، من خلال الاشتغال على سجل الوكالات الرسمية وتنظيم دورات تكوينية للتعريف به وضمان حسن استعماله، بما يوفر إمكانية أفضل للتحقق من الوكالات ويعزز الثقة في المعاملات القانونية والعقارية والبيئة الاستثمارية.

    بين المنجز والأوراش المفتوحة

    إلى جانب القوانين النافذة، تضم حصيلة الوزارة مشاريع لم تستكمل جميع مراحلها، في مقدمتها مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، الذي صادق عليه مجلس الحكومة في 8 يناير 2026، قبل مواصلة دراسته بالبرلمان بغرفتين والمصادقة عليه، قبل إحالته على المحكمة الدستورية، المنتظر منها حسم الجدل الذي رافق مشروع القانون بسبب رفض المحامين له.

    ويكتسي القانون حساسية خاصة بالنظر إلى موقع المحاماة في منظومة العدالة وارتباطها بحقوق الدفاع وضمان شروط المحاكمة العادلة، وهو ما يفسر النقاش المهني الواسع الذي رافقه.

    كما يوجد مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، الذي صادق عليه مجلس النواب في أبريل 2026، إلى جانب مشروع القانون رقم 58.24 المتعلق بمهنة التوثيق، وهما مجالان يرتبطان مباشرة بالأمن التعاقدي وتوثيق الحقوق والمعاملات الأسرية والعقارية والمالية.

    وتشمل المشاريع كذلك مشروع القانون رقم 53.23 المتعلق بالرسوم والمصاريف القضائية، وهو نص يرتبط بكلفة الولوج إلى العدالة، إلى جانب مشاريع إحداث البنك الوطني للبصمات الجينية، ومراجعة بعض مقتضيات مدونة الأسرة، ومراجعة مجموعة القانون الجنائي.

    التنفيذ.. من النص إلى المؤسسة

    منذ بداية الولاية، باشرت الوزارة 118 مشروعا في مجالي البناء والتهيئة بمختلف الدوائر القضائية، منها 35 مشروعا مدشنا بكلفة 1.35 مليار درهم، و20 مشروعا جاهزا للتدشين، و13 ورشا مفتوحا، إضافة إلى 50 مشروعا في طور الدراسة.

    كما تم إحداث وتجهيز 39 خلية للتكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف، إلى جانب 23 فضاء أزرق داخل أقسام قضاء الأسرة، صممت لتوفير ظروف أكثر ملاءمة للأطفال أثناء تفاعلهم مع النظام القضائي.

    ولا يتعلق الأثر هنا بتحديث المباني وحدها، بل بتحسين ظروف استقبال المتقاضين، وخاصة الفئات الأكثر هشاشة، داخل فضاء العدالة.

    وعلى مستوى الموارد البشرية، شهدت الولاية نقل المناصب المالية والوضعيات الإدارية للقضاة والملحقين القضائيين إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وتخصيص 450 منصبا ماليا على مدى ثلاث سنوات لدعم أقسام قضاء الأسرة، وإحداث المعهد الوطني لكتابة الضبط والمهن القانونية والقضائية.

    كما أشرفت الوزارة على برامج تكوينية لفائدة أطرها ومديريها الإقليميين والمساعدين الاجتماعيين، خصوصا في ما يتعلق بالعقوبات البديلة والمستجدات التشريعية، وعقدت، وفق معطيات الحصيلة، 42 جلسة مع الفرقاء الاجتماعيين بين سنة 2021 وماي 2026.

    غير أن الخصاص في الموارد البشرية يظل من أبرز التحديات، إذ يقدر بنحو 4500 موظف، وهو خصاص ترافع وزير العدل من أجل تقليصه عبر إحداث مناصب مالية جديدة.

    ويعتبر المحامي خليل عبد العزيز أن الاستثمار في التكوين والعنصر البشري يمثل شرطا أساسيا لإنجاح الإصلاحات، لأن المحكمة الرقمية تحتاج إلى موظفين قادرين على تشغيلها، والعقوبات البديلة إلى أطر تتولى تتبعها، فيما تتطلب القوانين الجديدة تكوينا مستمرا يضمن حسن فهمها وتطبيقها.

    ويخلص الخبير القانوني، في تقييم أكاديمي، إلى أن حصيلة عبد اللطيف وهبي تعكس “قيادة عملية وطموحة” نجحت في إعطاء دفعة قوية لإصلاح منظومة العدالة، خصوصا من خلال الرقمنة وتحديث التشريعات والانكباب على قضايا تمس في جوهرها حقوق المواطنين ومصالحهم.

    ومع ذلك، يعتبر أن الخصاص في الموارد البشرية وتحديات التنسيق المؤسساتي يحتاجان إلى معالجة أسرع، حتى تتمكن المنظومة من استيعاب الترسانة القانونية التي أخرجت خلال هذه الولاية، ويرى أن الدينامية التي أطلقها وهبي يمكن أن تشكل إرثا إصلاحيا مهما، شرط ضمان استمرارها وتسريع التنفيذ وتوفير الموارد اللازمة.

    كلفة الإصلاح.. بين منطقي التصادم والحسم

    وتكشف حصيلة عبد اللطيف وهبي على رأس وزارة العدل عن مرحلة اتسمت بكثافة الأوراش وتعدد مستوياتها، ولا يعني ذلك أن جميع هذه الأوراش بدأت مع وهبي أو أنها اكتملت كلها خلال ولايته؛ فالإنصاف يقتضي الاعتراف بتراكمات الحكومات والوزراء السابقين، والتمييز بين القوانين النافذة والمشاريع التي لم تستكمل مسارها بعد.

    لكن السمة الأبرز لهذه المرحلة تظل في الدفع بعدد كبير من الملفات الثقيلة إلى واجهة التشريع والتنفيذ خلال فترة متقاربة، بدل الاكتفاء بتدبير الشؤون اليومية للقطاع أو تأجيل الأوراش المثيرة للخلاف.

    ولم تكن كلفة هذه الأوراش قانونية وتقنية فقط، بل كانت سياسية ومهنية أيضا، فكل تعديل يمس قواعد التقاضي أو صلاحيات المهن القانونية يعيد توزيع الأدوار والمصالح داخل منظومة شديدة الحساسية، وهو ما يفسر انتقال الخلاف، في بعض الملفات، من النقاش التقني حول مواد القوانين إلى توترات مفتوحة بين الوزارة والهيئات المهنية.

    وقد جعلت هذه المقاربة الجدل جزءا من الولاية، فكلما اقترب الإصلاح من قواعد التقاضي أو العقاب أو شروط ممارسة المهن القانونية، اتسعت دائرة المتأثرين به وتعددت المواقف بشأنه.

    ويكشف ذلك أن اختيار فتح هذه الملفات خلال ولاية واحدة لم يكن قرارا إداريا محضا، بل توجها سياسيا وقبولا لتحمل كلفة الجدل بدل الاستمرار في تأجيل مشاريع ظلت معلقة لسنوات. غير أن الجرأة في فتح الملفات لا تعفي من تقييم جودة التشاور، ومدى استيعاب ملاحظات المهنيين، وقدرة الوزارة على بناء توافقات تضمن سهولة التنفيذ لاحقا.

    لذلك، لا يمكن اعتبار كل اصطدام دليلا على فشل الإصلاح، كما لا يمكن تقديم الجدل وحده دليلا على الجرأة والنجاح، فالمعيار الأكثر دقة يوجد في مضمون النصوص، وطريقة إعدادها، ومستوى التشاور بشأنها، ثم قدرتها على إنتاج أثر بعد دخولها حيز التنفيذ.

    وقد قدمت العقوبات البديلة أول نموذج واضح لهذه المعادلة؛ كونه قانونا انتقل إلى التطبيق واستفاد منه آلاف الأشخاص، لكنه كشف أيضا عن صعوبات في التنفيذ وضعف اللجوء إلى بعض العقوبات التقنية.

    أما التحدي الأكبر الذي تضعه هذه الحصيلة أمام المرحلة المقبلة، فيتمثل في قدرة المنظومة على استيعاب هذا الحجم من التحولات، وإصدار النصوص التنظيمية الضرورية، وتكوين الموارد البشرية، وضمان استمرار الإصلاح بعد نهاية الولاية الحكومية.

  • متى ينتقل التمكين الاقتصادي للنساء من شعار إلى واقع؟

    متى ينتقل التمكين الاقتصادي للنساء من شعار إلى واقع؟

    لم يعد الحديث عن التمكين الاقتصادي للنساء في المغرب يقتصر على كونه مطلبا يرتبط بالمساواة أو العدالة الاجتماعية، بل أصبح يحضر بشكل متزايد ضمن النقاشات المرتبطة بالنمو الاقتصادي، والإنتاجية، وتنافسية الاقتصاد الوطني.

    ومع كل تقرير جديد حول سوق الشغل، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة؛ لماذا ما تزال مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي محدودة، رغم التحولات التي عرفها المغرب على مستوى التعليم، والإصلاحات التشريعية، وتعدد البرامج الموجهة لدعم التشغيل وريادة الأعمال النسائية؟

    يأتي هذا النقاش في سياق شهد ارتفاعا في عدد النساء الحاصلات على الشهادات الجامعية، وتوسيعا لعدد من برامج الإدماج الاقتصادي، إلى جانب إدماج مقاربة النوع في عدد من الاستراتيجيات العمومية، غير أن تقييم أثر هذه الجهود يظل مرتبطا بما تعكسه المؤشرات الرسمية، وفي مقدمتها المعطيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، التي تتابع تطور مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي وتقيس مدى حضورهن داخل سوق الشغل.

    وتظهر إحصائيات سنة 2025 أن معدل النشاط الاقتصادي لدى النساء بلغ 19 في المئة، مقابل 68.5 في المئة لدى الرجال، فيما استقر المعدل الوطني عند 42.9 في المئة.

    وتزداد دلالة هذا المؤشر عند تتبع تطوره خلال السنوات الماضية، إذ انتقل معدل النشاط الاقتصادي لدى النساء من 28.1 في المئة سنة 2000 إلى نحو 19 في المئة سنة 2023، بينما تراجع المعدل الوطني خلال الفترة نفسها من 53.1 إلى 43.6 في المئة. ويعكس هذا المسار اتجاها مستمرا أكثر منه وضعية ظرفية، وهو ما جعل ضعف مشاركة النساء في سوق الشغل يتحول إلى أحد أبرز التحديات المطروحة أمام الحكومة المتعاقبة منذ أكثر من عقد ونيف.

    ورغم هذا التراجع، لم يعرف سوق الشغل جمودا كاملا خلال السنة الماضية، إذ سجل الاقتصاد الوطني إحداث 193 ألف منصب شغل سنة 2025، مقابل 82 ألفا خلال سنة 2024، توزعت أساسا بين قطاعات الخدمات والبناء والصناعة، غير أن ارتفاع عدد المناصب المحدثة لا يكفي وحده لقياس استفادة النساء من هذه الدينامية، وهو ما تدفع إليه قراءة مؤشرات البطالة.

    المعطيات نفسها تظهر أن معدل البطالة لدى النساء ارتفع من 19.4 في المئة سنة 2024 إلى 20.5 في المئة سنة 2025، في الوقت الذي تراجع فيه المعدل الوطني بشكل طفيف إلى 13 في المئة، ما يبرز أن تحسن بعض مؤشرات سوق الشغل لا ينعكس بالضرورة على مختلف الفئات بالوتيرة نفسها.

    وتقود هذه المؤشرات إلى ملاحظة أخرى، مفادها أن محدودية مشاركة النساء لا ترتبط فقط بعدد فرص الشغل المتاحة، بل أيضا بطبيعة البيئة التي تسمح لهن بولوج سوق العمل والاستمرار فيه، إذ إن خدمات الرعاية والحضانة، وإمكانية التوفيق بين الحياة المهنية والأسرية، ووسائل النقل، وجودة التكوين، ومرونة تنظيم العمل، كلها عوامل تؤثر في قرار المشاركة الاقتصادية، كما تؤثر في قدرة النساء على الحفاظ على استقرارهن المهني.

    واقع مرير واختيارات محدودة

    وانطلاقا من هذه المعطيات، يرى المهدي ليمينة، رئيس لجنة المساواة وتكافؤ الفرص بالمجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، في تصريح لـ “AM PLUS MEDIA”، أن ضعف مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي يعكس إشكالية بنيوية تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية وثقافية، رغم الإصلاحات التي راكمها المغرب في مجال المساواة.

    ويوضح ليمينة أن العوائق لا ترتبط بكفاءة النساء، بل باستمرار المعيقات من قبيل ضعف خدمات الرعاية والحضانة، وصعوبة التوفيق بين الحياة المهنية والأسرية، واستمرار الصور النمطية، إضافة إلى محدودية ولوج النساء إلى القطاعات ذات القيمة المضافة، وارتفاع حضورهن في القطاع غير المهيكل.

    ويعتبر رئيس لجنة المساواة بالمجلس الوطني لـ”البام”، أن الاستثمار في النساء لم يعد خيارا اجتماعيا فقط، بل أصبح رهانا اقتصاديا يرتبط بتحسين الإنتاجية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، موضحا أن رفع مشاركة النساء في سوق الشغل يساهم في توسيع القاعدة الضريبية، وتحفيز الاستهلاك، ورفع الاستثمار في التعليم والصحة، بما ينعكس على النمو الاقتصادي.

    ولا يقتصر النقاش حول التمكين الاقتصادي للنساء على رصد المؤشرات أو تشخيص الإكراهات، بل يمتد إلى البحث عن السياسات القادرة على تحويل هذه الأرقام إلى نتائج ملموسة، إذ إن محدودية مشاركة المرأة في سوق الشغل لا ترتبط فقط بفرص العمل المتاحة، وإنما أيضا بقدرة البيئة الاقتصادية والاجتماعية على استيعابهن، وضمان استمراريتهن داخل الدورة الإنتاجية، ليتحول السؤال من كيف نرفع نسبة تشغيل النساء فقط، إلى كيف نجعل مشاركتهن أكثر استقرارا وجودة وإنتاجية؟

    هذا السؤال كان محور النقاش خلال منتدى المرأة، الذي نظمته الأمانة الإقليمية لحزب الأصالة والمعاصرة في 18 يوليوز الجاري بالدار البيضاء-أنفا تحت شعار “التمكين الاقتصادي للنساء… الواقع والآفاق”، بمشاركة مسؤولات ومنتخبات وخبيرات في قضايا التنمية والمقاولة والعمل الاجتماعي.

    وأكد المشاركون في المنتدى أن التمكين الاقتصادي لم يعد ملفا اجتماعيا معزولا، بل أصبح أحد المؤشرات التي يقاس بها مستوى التنمية وقدرة الاقتصاد الوطني على تعبئة موارده البشرية.

    إكراهات خارج العمل

    وفي هذا الإطار، اعتبرت مليكة مزور، عضوة المكتب التنفيذي لمنظمة نساء حزب الأصالة والمعاصرة، أن الحديث عن التمكين الاقتصادي لا يمكن فصله عن تمكين النساء من المشاركة في صناعة القرار، موضحة أن حضور المرأة داخل المؤسسات المنتخبة وهيئات التدبير لا يقتصر على تحقيق التمثيلية، بل ينعكس على طبيعة السياسات العمومية نفسها.

    واستحضرت مزور الإكراهات التي تواجه النساء في حياتهن اليومية، سواء تعلق الأمر بخدمات القرب، أو النقل، أو فضاءات رعاية الأطفال، أو ظروف التوفيق بين الحياة الأسرية والمهنية، مشددة على أن الاستثمار في هذه الجوانب يشكل مدخلا عمليا لتوسيع مشاركة النساء في سوق الشغل، لأن جزءا مهما من الإكراهات التي تحد من نشاطهن يرتبط بعوامل خارج المقاولة أكثر مما يرتبط بسوق العمل نفسه.

    ومن زاوية أكثر ارتباطا بالواقع اليومي للنساء داخل سوق الشغل، توقفت نجوى كوكوس، رئيسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، عند عدد من الإكراهات الاجتماعية والمهنية التي ما تزال تحد من استقرار النساء في العمل، معتبرة أن التمكين الاقتصادي لا يرتبط فقط بإحداث فرص الشغل، بل أيضا بتوفير الظروف التي تسمح للمرأة بالاستمرار فيها.

    وأشارت إلى أن العديد من النساء يواجهن أشكالا مختلفة من المضايقات والتمييز داخل بيئة العمل، إلى جانب صعوبات مرتبطة بالتوفيق بين المسؤوليات الأسرية والمهنية، خاصة في ظل محدودية المرافق والخدمات الموجهة للأمهات العاملات، مثل دور الحضانة وفضاءات رعاية الأطفال، ما يدفع عددا منهن إلى الانقطاع عن العمل أو التخلي عن فرص مهنية.

    واعتبرت كوكوس أن تعزيز مشاركة النساء في سوق الشغل يقتضي مواكبة الإصلاحات الاقتصادية بإجراءات اجتماعية ومؤسساتية توفر بيئة عمل أكثر أمانا وإنصافا، وتضمن احترام الحقوق المهنية والاجتماعية للنساء.

    التمويل وحده لا يكفي

    أما مريم ولهان، نائبة عمدة الدار البيضاء، فقد تناولت الموضوع من زاوية المقاولة النسائية، معتبرة أن تشجيع النساء على إطلاق مشاريعهن لا يكتمل بمجرد توفير التمويل، مشيرة إلى أن التجربة أظهرت أن عددا من المشاريع النسائية يواجه صعوبات خلال سنواته الأولى بسبب محدودية المواكبة، وضعف الولوج إلى الأسواق، وصعوبة بناء شبكات مهنية تفتح آفاق الاستثمار والتسويق.

    واعتبرت أن تطوير منظومة متكاملة للمواكبة، تجمع بين التكوين والتأطير وربط المقاولات الناشئة بفرص الشراكة، يمثل أحد الشروط الأساسية لتحويل ريادة الأعمال النسائية إلى رافعة حقيقية للتشغيل وخلق القيمة المضافة.

    ولم يقتصر النقاش على التشغيل وريادة الأعمال، بل امتد أيضا إلى إعادة النظر في مفهوم المساهمة الاقتصادية للنساء، فجزء مهم من العمل الذي تؤديه النساء يوميا، سواء داخل الأسرة أو في مجال الرعاية، لا ينعكس في المؤشرات الاقتصادية رغم دوره في استقرار الأسر واستمرار النشاط الاقتصادي، ما يجعل عددا من الخبراء يعتبرون أن قياس المشاركة الاقتصادية للنساء يظل غير مكتمل إذا اقتصر على سوق الشغل النظامي وحده، دون استحضار الأدوار الأخرى التي تؤديها النساء داخل المجتمع.

    وتلتقي مختلف القراءات التي طُرحت، سواء من خلال المؤشرات الرسمية أو المداخلات التي شهدها منتدى المرأة، عند فكرة مفادها أن التمكين الاقتصادي للنساء لم يعد يُقاس بعدد البرامج أو المبادرات المعلنة، ولا بارتفاع معدلات التشغيل وحدها، بل بمدى قدرتها على إحداث تغيير فعلي في واقع مشاركة النساء داخل الاقتصاد الوطني.

    ومع استمرار معدل النشاط الاقتصادي للنساء دون عتبة 20 في المئة، يبرز أن التحدي اليوم في المغرب لا يرتبط فقط بإحداث فرص شغل جديدة، وإنما أيضا بتهيئة بيئة اقتصادية واجتماعية أكثر إدماجا، تتيح للنساء الولوج إلى سوق الشغل والاستمرار فيه، وتوفر لهن فرصا متكافئة في التكوين، والتمويل، وريادة الأعمال، والوصول إلى مراكز القرار.

    وبينما تؤكد المعطيات الرسمية استمرار الفجوة في المشاركة الاقتصادية بين النساء والرجال، تبرز مختلف المداخلات أن هذا الورش يظل رهينا بتكامل السياسات العمومية، وربط إصلاحات التشغيل بمنظومة أوسع تشمل اقتصاد الرعاية، والحماية الاجتماعية، وتأهيل الرأسمال البشري، ودعم المقاولة النسائية، بما يضمن انتقال المرأة من موقع المستفيدة من البرامج إلى فاعل اقتصادي يساهم في الإنتاج والاستثمار وخلق القيمة المضافة. وفي هذا السياق، يبقى الرهان المطروح هو مدى قدرة هذه الأوراش على تحويل التمكين الاقتصادي من هدف تتضمنه الاستراتيجيات والسياسات العمومية إلى أثر ملموس ينعكس على النمو، ويعزز تنافسية الاقتصاد الوطني، ويكرس مساهمة النساء كشريك أساسي في تحقيق التنمية.

    وفي هذا السياق، دعا المهدي ليمينة، رئيس لجنة المساواة وتكافؤ الفرص بالمجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، في تصريح لجريدة “AM PLUS MEDIA”، إلى اعتماد سياسات عمومية مندمجة تشمل تطوير اقتصاد الرعاية، وتحفيز المقاولات الدامجة، وتسهيل ولوج النساء إلى التمويل والاقتصاد الرقمي والصناعة والاقتصاد الأخضر، مشددا على ضرورة تعزيز آليات المواكبة والتكوين، بما يجعل المرأة شريكا أساسيا في خلق الثروة وتحقيق التنمية.

  • البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية على محك المقاربة التشاركية

    البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية على محك المقاربة التشاركية

    أصبحت المقاربة التشاركية، خلال السنوات الأخيرة، إحدى أبرز التحولات العميقة في مسار إعداد البرامج الانتخابية، حيث لم يعد هذا الورش يقتصر على النقاشات الداخلية داخل الأحزاب السياسية أو على صياغة مغلقة للبرامج من طرف الهيئات الحزبية، بل انفتح بشكل متزايد على مختلف الفاعلين المجتمعيين، وفي مقدمتهم جمعيات المجتمع المدني، التي أضحت تقوم بتقديم مذكرات وتصورات ومقترحات تروم الإسهام في بلورة برامج أكثر ارتباطا بالواقع وأكثر استجابة لانتظارات المواطنات والمواطنين. 

    هذا التحول يعكس إعادة تعريف لطبيعة العلاقة بين الفاعل السياسي والمجتمع، إذ لم يعد المجتمع المدني مجرد طرف ملاحظ أو ناقل للانشغالات، بل أصبح فاعلا اقتراحيا، ويشارك في النقاش حول الأولويات الوطنية.

    ويرتبط هذا التطور أيضا بتزايد الوعي بأهمية إشراك مختلف القوى الحية في صياغة السياسات العمومية، باعتبار أن تعقيد التحديات الاجتماعية والاقتصادية لم يعد يسمح بالاعتماد فقط على الرؤية الحزبية التقليدية.

    ويجد هذا التوجه سنده في دستور المملكة لسنة 2011، الذي كرس الديمقراطية التشاركية باعتبارها إحدى ركائز تدبير الشأن العام. فقد نص الفصل 12 على مساهمة الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، في إطار الديمقراطية التشاركية، في إعداد قرارات ومشاريع المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية، وفي تفعيلها وتقييمها.

    وينص الفصل 13 من الدستور على إحداث هيئات للتشاور قصد إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين في إعداد السياسات العمومية وتتبع تنفيذها، في حين وسع الفصل 139 هذا المنظور ليشمل الجماعات الترابية، من خلال اعتماد آليات تشاركية للحوار والتشاور تمكن المواطنات والمواطنين والجمعيات من المساهمة في إعداد برامج التنمية وتتبعها وتقييمها.

    ولا تقتصر هذه المقتضيات الدستورية على كونها نصوصا تنظيمية، بل تشكل فلسفة جديدة في تدبير الشأن العام تقوم على إشراك المواطن في القرار العمومي، وتكريس منطق التفاعل بدل منطق التلقين.

    ومن هذا المنطلق، تشهد المرحلة التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية دينامية متزايدة من اللقاءات التشاورية بين الأحزاب السياسية ومكونات المجتمع المدني، بهدف مناقشة الأولويات المجتمعية وإغناء مضامين البرامج الانتخابية، وجعلها أكثر التصاقا بالحاجيات الواقعية للمجتمع.

    وفي هذا السياق، برزت مبادرات جمعوية تقوم على إعداد مذكرات مفصلة موجهة إلى الفاعلين السياسيين، تتضمن تصورات حول قضايا اجتماعية واقتصادية وثقافية وحقوقية، مع التركيز على إدماجها داخل البرامج الانتخابية.

    وترى هذه المبادرات أن المرحلة الانتخابية ليست فقط لحظة للتنافس السياسي، بل فرصة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى المرتبطة بالتنمية والعدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي.        

    ويعتبر عدد من الباحثين في العلوم السياسية أن البرامج الانتخابية لم تعد مجرد وثائق سياسية تُعرض كوعود انتخابية، بل أصبحت بمثابة تعاقد سياسي وأخلاقي بين الحزب والناخبين.

    هذا التحول يجعل جودة هذه البرامج مرتبطة بمدى انفتاحها على مختلف الفاعلين، وبقدرتها على استيعاب التحولات المجتمعية. فكلما اتسعت دائرة التشاور، ارتفعت فرص إدراج قضايا تمس الواقع اليومي للمواطنين، مثل التعليم، والصحة، والتشغيل، والحماية الاجتماعية، والعدالة المجالية، والانتقال الرقمي، والبيئة، والثقافة، والشباب.

    في المقابل، يرى متابعون أن نجاح المقاربة التشاركية لا يقاس بعدد اللقاءات أو حجم المبادرات المنظمة، وإنما بمدى انعكاس مخرجاتها على البرامج الانتخابية نفسها. فالتحدي الحقيقي يكمن في تحويل المقترحات التي تقدمها الجمعيات إلى التزامات واضحة، مصحوبة بأهداف قابلة للقياس، وآليات تنفيذ دقيقة، ونظم للتتبع والتقييم، بما يضمن ألا تظل هذه المشاورات مجرد لحظة ظرفية مرتبطة بالسياق الانتخابي.

    كما أن إشراك المجتمع المدني في مرحلة إعداد البرامج يساهم في تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات، من خلال نقل انشغالات الفئات الاجتماعية المختلفة إلى دوائر القرار السياسي، بما يساعد على صياغة برامج أكثر واقعية تستند إلى معطيات ميدانية وتشخيص دقيق للإشكالات المطروحة.

    وانطلاقا من هذا التوجه، واصلت جمعية “قادرون وقادمون” سلسلة لقاءاتها التشاورية مع عدد من الأحزاب السياسية، في إطار مبادرة تروم عرض مذكرتها “دينامية الطريق الرابع” المتعلقة بإعداد البرامج الانتخابية، والدفع نحو ترسيخ المقاربة التشاركية وتعزيز إشراك فعاليات المجتمع المدني في بلورة التصورات والاقتراحات.

    وفي هذا الإطار، استقبلت فاطمة سعدي، عضو القيادة الجماعية للأمانة العامة لحزب الأصالة و المعاصرة، بداية يوليوز الجاري وفدا عن الجمعية خلال لقاء تشاوري خُصص لتقديم مذكرة الجمعية وتبادل الرؤى حول عدد من المقترحات والتوصيات المرتبطة بإعداد البرامج الانتخابية، بما يعزز انفتاح الفاعل السياسي على مساهمة المجتمع المدني في صياغة السياسات والبرامج المستقبلية.

    وفي تصريح لـ”AM + MEDIA”، أوضح ممثل جمعية “قادرون وقادمون”، مصطفى المريزق، أن هذه المبادرة تأتي في سياق حرص الجمعية على المساهمة في النقاش العمومي حول السياسات العمومية، من خلال تقديم مذكرة تستند إلى مقاربة تشاركية تستحضر حاجيات المواطنين في مختلف المجالات.

    وأضاف أن الهدف من هذه اللقاءات هو الدفع نحو إشراك أوسع للمجتمع المدني في صياغة البرامج الانتخابية، وليس فقط الاكتفاء بدور استشاري محدود، بل تحويله إلى شريك فعلي في إنتاج التصورات.

    وأشار إلى أن المذكرة التي أعدتها الجمعية هي خلاصة عمل ميداني ورصد لعدد من الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية، مبرزا أن أبرز محاورها تهم تحسين الخدمات الاجتماعية، وتعزيز العدالة المجالية، وتقوية آليات التشغيل، وتوسيع مشاركة الشباب والنساء في الحياة العامة، إلى جانب تعزيز الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير السياسات العمومية.

    وفي المقابل، أكدت إيمان عزيزو، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، أن انفتاح الحزب على جمعيات المجتمع المدني يندرج ضمن رؤية سياسية تعتبر الحوار والتشاور جزءا أساسيا من منهجية إعداد البرامج الانتخابية.

    وأبرزت أن الحزب يتعامل مع هذه المبادرات باعتبارها فرصة لإغناء النقاش وتوسيع دائرة المشاركة، بما يسمح ببلورة برنامج انتخابي يعكس انتظارات مختلف فئات المجتمع.

    وأضافت أن المقاربة التي يعتمدها الحزب تقوم على الاستماع الفعلي لمختلف الفاعلين، وعلى التفاعل الإيجابي مع المقترحات المقدمة، انطلاقا من قناعة بأن الديمقراطية التشاركية ليست مجرد نصوص دستورية، بل ممارسة سياسية مؤسساتية تتطلب انخراطا مستمرا، وتواصلا دائما مع المجتمع المدني.

    ويعكس هذا التوجه انتقال الديمقراطية التشاركية من مستوى المبادئ الدستورية إلى مستوى الممارسة السياسية، حيث لم يعد المجتمع المدني مجرد قوة اقتراح خارج الفعل الحزبي، بل أصبح شريكا في بلورة التصورات والسياسات. وهو تحول من شأنه أن يعزز جودة البرامج الانتخابية، ويقوي صلتها باحتياجات المجتمع، ويمنحها قدرا أكبر من المصداقية.