أصبحت المقاربة التشاركية، خلال السنوات الأخيرة، إحدى أبرز التحولات العميقة في مسار إعداد البرامج الانتخابية، حيث لم يعد هذا الورش يقتصر على النقاشات الداخلية داخل الأحزاب السياسية أو على صياغة مغلقة للبرامج من طرف الهيئات الحزبية، بل انفتح بشكل متزايد على مختلف الفاعلين المجتمعيين، وفي مقدمتهم جمعيات المجتمع المدني، التي أضحت تقوم بتقديم مذكرات وتصورات ومقترحات تروم الإسهام في بلورة برامج أكثر ارتباطا بالواقع وأكثر استجابة لانتظارات المواطنات والمواطنين.
هذا التحول يعكس إعادة تعريف لطبيعة العلاقة بين الفاعل السياسي والمجتمع، إذ لم يعد المجتمع المدني مجرد طرف ملاحظ أو ناقل للانشغالات، بل أصبح فاعلا اقتراحيا، ويشارك في النقاش حول الأولويات الوطنية.
ويرتبط هذا التطور أيضا بتزايد الوعي بأهمية إشراك مختلف القوى الحية في صياغة السياسات العمومية، باعتبار أن تعقيد التحديات الاجتماعية والاقتصادية لم يعد يسمح بالاعتماد فقط على الرؤية الحزبية التقليدية.
ويجد هذا التوجه سنده في دستور المملكة لسنة 2011، الذي كرس الديمقراطية التشاركية باعتبارها إحدى ركائز تدبير الشأن العام. فقد نص الفصل 12 على مساهمة الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، في إطار الديمقراطية التشاركية، في إعداد قرارات ومشاريع المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية، وفي تفعيلها وتقييمها.
وينص الفصل 13 من الدستور على إحداث هيئات للتشاور قصد إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين في إعداد السياسات العمومية وتتبع تنفيذها، في حين وسع الفصل 139 هذا المنظور ليشمل الجماعات الترابية، من خلال اعتماد آليات تشاركية للحوار والتشاور تمكن المواطنات والمواطنين والجمعيات من المساهمة في إعداد برامج التنمية وتتبعها وتقييمها.
ولا تقتصر هذه المقتضيات الدستورية على كونها نصوصا تنظيمية، بل تشكل فلسفة جديدة في تدبير الشأن العام تقوم على إشراك المواطن في القرار العمومي، وتكريس منطق التفاعل بدل منطق التلقين.
ومن هذا المنطلق، تشهد المرحلة التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية دينامية متزايدة من اللقاءات التشاورية بين الأحزاب السياسية ومكونات المجتمع المدني، بهدف مناقشة الأولويات المجتمعية وإغناء مضامين البرامج الانتخابية، وجعلها أكثر التصاقا بالحاجيات الواقعية للمجتمع.
وفي هذا السياق، برزت مبادرات جمعوية تقوم على إعداد مذكرات مفصلة موجهة إلى الفاعلين السياسيين، تتضمن تصورات حول قضايا اجتماعية واقتصادية وثقافية وحقوقية، مع التركيز على إدماجها داخل البرامج الانتخابية.
وترى هذه المبادرات أن المرحلة الانتخابية ليست فقط لحظة للتنافس السياسي، بل فرصة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى المرتبطة بالتنمية والعدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي.
ويعتبر عدد من الباحثين في العلوم السياسية أن البرامج الانتخابية لم تعد مجرد وثائق سياسية تُعرض كوعود انتخابية، بل أصبحت بمثابة تعاقد سياسي وأخلاقي بين الحزب والناخبين.
هذا التحول يجعل جودة هذه البرامج مرتبطة بمدى انفتاحها على مختلف الفاعلين، وبقدرتها على استيعاب التحولات المجتمعية. فكلما اتسعت دائرة التشاور، ارتفعت فرص إدراج قضايا تمس الواقع اليومي للمواطنين، مثل التعليم، والصحة، والتشغيل، والحماية الاجتماعية، والعدالة المجالية، والانتقال الرقمي، والبيئة، والثقافة، والشباب.
في المقابل، يرى متابعون أن نجاح المقاربة التشاركية لا يقاس بعدد اللقاءات أو حجم المبادرات المنظمة، وإنما بمدى انعكاس مخرجاتها على البرامج الانتخابية نفسها. فالتحدي الحقيقي يكمن في تحويل المقترحات التي تقدمها الجمعيات إلى التزامات واضحة، مصحوبة بأهداف قابلة للقياس، وآليات تنفيذ دقيقة، ونظم للتتبع والتقييم، بما يضمن ألا تظل هذه المشاورات مجرد لحظة ظرفية مرتبطة بالسياق الانتخابي.
كما أن إشراك المجتمع المدني في مرحلة إعداد البرامج يساهم في تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات، من خلال نقل انشغالات الفئات الاجتماعية المختلفة إلى دوائر القرار السياسي، بما يساعد على صياغة برامج أكثر واقعية تستند إلى معطيات ميدانية وتشخيص دقيق للإشكالات المطروحة.
وانطلاقا من هذا التوجه، واصلت جمعية “قادرون وقادمون” سلسلة لقاءاتها التشاورية مع عدد من الأحزاب السياسية، في إطار مبادرة تروم عرض مذكرتها “دينامية الطريق الرابع” المتعلقة بإعداد البرامج الانتخابية، والدفع نحو ترسيخ المقاربة التشاركية وتعزيز إشراك فعاليات المجتمع المدني في بلورة التصورات والاقتراحات.
وفي هذا الإطار، استقبلت فاطمة سعدي، عضو القيادة الجماعية للأمانة العامة لحزب الأصالة و المعاصرة، بداية يوليوز الجاري وفدا عن الجمعية خلال لقاء تشاوري خُصص لتقديم مذكرة الجمعية وتبادل الرؤى حول عدد من المقترحات والتوصيات المرتبطة بإعداد البرامج الانتخابية، بما يعزز انفتاح الفاعل السياسي على مساهمة المجتمع المدني في صياغة السياسات والبرامج المستقبلية.
وفي تصريح لـ”AM + MEDIA”، أوضح ممثل جمعية “قادرون وقادمون”، مصطفى المريزق، أن هذه المبادرة تأتي في سياق حرص الجمعية على المساهمة في النقاش العمومي حول السياسات العمومية، من خلال تقديم مذكرة تستند إلى مقاربة تشاركية تستحضر حاجيات المواطنين في مختلف المجالات.
وأضاف أن الهدف من هذه اللقاءات هو الدفع نحو إشراك أوسع للمجتمع المدني في صياغة البرامج الانتخابية، وليس فقط الاكتفاء بدور استشاري محدود، بل تحويله إلى شريك فعلي في إنتاج التصورات.
وأشار إلى أن المذكرة التي أعدتها الجمعية هي خلاصة عمل ميداني ورصد لعدد من الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية، مبرزا أن أبرز محاورها تهم تحسين الخدمات الاجتماعية، وتعزيز العدالة المجالية، وتقوية آليات التشغيل، وتوسيع مشاركة الشباب والنساء في الحياة العامة، إلى جانب تعزيز الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير السياسات العمومية.
وفي المقابل، أكدت إيمان عزيزو، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، أن انفتاح الحزب على جمعيات المجتمع المدني يندرج ضمن رؤية سياسية تعتبر الحوار والتشاور جزءا أساسيا من منهجية إعداد البرامج الانتخابية.
وأبرزت أن الحزب يتعامل مع هذه المبادرات باعتبارها فرصة لإغناء النقاش وتوسيع دائرة المشاركة، بما يسمح ببلورة برنامج انتخابي يعكس انتظارات مختلف فئات المجتمع.
وأضافت أن المقاربة التي يعتمدها الحزب تقوم على الاستماع الفعلي لمختلف الفاعلين، وعلى التفاعل الإيجابي مع المقترحات المقدمة، انطلاقا من قناعة بأن الديمقراطية التشاركية ليست مجرد نصوص دستورية، بل ممارسة سياسية مؤسساتية تتطلب انخراطا مستمرا، وتواصلا دائما مع المجتمع المدني.
ويعكس هذا التوجه انتقال الديمقراطية التشاركية من مستوى المبادئ الدستورية إلى مستوى الممارسة السياسية، حيث لم يعد المجتمع المدني مجرد قوة اقتراح خارج الفعل الحزبي، بل أصبح شريكا في بلورة التصورات والسياسات. وهو تحول من شأنه أن يعزز جودة البرامج الانتخابية، ويقوي صلتها باحتياجات المجتمع، ويمنحها قدرا أكبر من المصداقية.

Leave a Reply