التصنيف: slide

  • المغرب يرد بالأرقام: الهجرة مسؤولية مشتركة ولن نخضع للابتزاز ولسنا حارسا لأوروبا

    المغرب يرد بالأرقام: الهجرة مسؤولية مشتركة ولن نخضع للابتزاز ولسنا حارسا لأوروبا

    أكد مصدر حكومي، اليوم الاثنين بالرباط، أن المملكة المغربية ظلت شريكا “ذا سيادة ومخلصا ومسؤولا” في إطار محاربة الهجرة غير النظامية، مشددا على أن تدبير ملف الهجرة يمثل “مسؤولية مشتركة” طالما “تحمل المغرب نصيبه منها”.

    وأبرز المصدر ذاته أن “المغرب لم يخضع يوما للضغط، ولم يتحرك قط بدافع الإكراه أو تحت وطأة الابتزاز”، مؤكدا أن “الالتزام والمسؤولية كانا دوما الدافع الأساسي لعملنا”.

    وأشار، في هذا السياق، إلى أن الهجرة تشكل “ظاهرة معقدة تقتضي من كل طرف تحمل مسؤولياته”، مضيفا “نحن نتحمل مسؤولياتنا كاملة”.

    وتابع المصدر الحكومي أن هذا الالتزام يتجلى في “نتائج ملموسة للجميع، حتى وإن كان البعض يتعامل معها كبديهيات دون إدراك حجم الإنجاز الذي تمثله”.

    وفي هذا الصدد، حرص على التذكير بحقيقة غالبا ما يتم تناسيها “إذا كانت الواجهة الغربية للبحر الأبيض المتوسط هي الأقل إشكالية بالنسبة لأوروبا منذ سنوات، فليس لأنها غير مستهدفة من طرف شبكات الاتجار بالبشر، بل لأن المغرب عبأ بفاعلية وسائل ضخمة – وما يزال يواصل ذلك إلى اليوم”.

    وشدد المصدر ذاته على أنه تمت تعبئة إمكانيات بشرية وتقنية ومالية مهمة لهذه الغاية.

    كما سجل أن التعاون بين المغرب والحكومة الإسبانية يعتبر “نموذجيا”.

    واستنادا إلى الأرقام، أفاد المصدر بأنه تم إحباط 74 ألف محاولة للهجرة غير النظامية خلال سنة 2025، و79 ألف محاولة سنة 2024، أي نحو 160 ألف محاولة خلال سنتين، موضحا أنه تم أيضا تفكيك 632 شبكة للهجرة غير النظامية خلال سنتي 2024 و2025، وتنفيذ أزيد من 32 ألف عملية إنقاذ في عرض البحر بنجاح خلال الفترة نفسها، مع الإشارة إلى إحباط أكثر من 360 ألف محاولة للهجرة غير النظامية خلال السنوات الخمس الماضية.

    ونبه المصدر الحكومي إلى أنه لا يمكن لقاض إسباني أن يقوض منظومة مكافحة الهجرة غير النظامية، ثم يطالب المملكة المغربية بتحمل التبعات.

    وأوضح أن “الحاجز أمام الهجرة لم ينهر بسبب المهربين، بل نتيجة قرار قضائي إسباني”، مضيفا أن “المغرب، من جهته، لم يتخلف يوما” عن الوفاء بالتزاماته أو بمسؤولياته.

    وفي هذا السياق، ذكر المصدر بأن قاضيا إسبانيا قرر، في الثامن من يوليوز الماضي، اعتبار وصول المهاجرين غير النظاميين عن طريق البحر مانعا من الترحيل التلقائي، “وهو الإجراء الذي يشكل حجر الزاوية في منظومتنا الردعية”.

    وأوضح المصدر نفسه أنه في نظر شبكات التهريب والاتجار بالبشر والمرشحين للهجرة غير النظامية، يوفر قرار القاضي “ببساطة حصانة للوصول غير القانوني عن طريق البحر”.

    وأعرب عن أسفه لانهيار العنصر الرادع في المنظومة وسقوط الحاجز نتيجة لهذا القرار، وليس تحت ضغط المجرمين.

    كما أشار إلى أن هذا الحكم “كان معروفا لدى السلطات الإسبانية، ولم يكن بإمكانها تجاهل كونه يضعف المنظومة برمتها”، متسائلا: “هل قام أحد بإبلاغ المغرب حتى يستعد؟ لا. وهل استبق أحد العواقب التي كانت مع ذلك متوقعة جدا؟ لا!”.

    وأضاف أنه “ليس مستغربا، في ظل هذه الظروف، أن تستغل هذه الشبكات هذه الفرصة”.

    وخلص المصدر إلى أن “نقطة التحول” تكمن في التباين بين العامل المسبب (قرار القاضي)، وردة الفعل المتأخرة.

    وشدد المصدر الحكومي “لسنا شرطيا ولا حارسا لأوروبا؛ بل نحن شريك ذو سيادة ولسنا مناولا” في مجال تدبير ملف الهجرة، متسائلا عما إذا كان نموذج التدبير الحالي ما يزال مجديا ومناسبا للسياق الجديد.

    وأشار إلى أنه “من المخيب للآمال أن توظف أحداث سبتة لتحقيق مكاسب انتخابية وتصفية حسابات سياسية”، لافتا إلى أنه “عندما كانت الأزمة في أوجها، وفي ظل تغطية إعلامية طغى عليها التهويل والسعي إلى الإثارة، رصدت أكثر التعليقات تحريضا وأكثر التحليلات شططا”.

    وأعرب المصدر عن أسفه، بالقول “رأينا إلى أي حد كان بعض الفاعلين السياسيين دون مستوى اللحظة التاريخية، وكم كانت ردود أفعالهم مخيبة للآمال”، معربا عن صدمته الكبيرة ليس فقط بغياب الرؤية، بل بالقصور الاستراتيجي الشديد لدى البعض، والاستغلال السياسي لدى البعض الآخر.

    وأضاف أنه اليوم، وبعد التثبت من غياب الجدية، وغياب النظرة الشاملة إلى الشراكة، بل وحتى الغياب التام لأي إرادة لتمييز الأمور، “نصل إلى خلاصة واضحة: يجب أن تتغير قواعد التعامل مع الوضع!”، مشددا على ضرورة وضوح الأمر في أذهان الجميع: “المغرب يحمي أراضيه، ولا أحد يقوم بذلك نيابة عنه”.

    وشدد المصدر الحكومي على أنه “يتعين على الجميع تحمل مسؤولياتهم، فالمغرب ليس شرطيا ولا حارسا لأوروبا. نحن نتصرف كشريك موثوق وملتزم، في إطار شراكة واضحة المعالم، لا يمكن أن تكون في اتجاه واحد”، مؤكدا على وجوب تحيين قواعد هذه الشراكة.

    واعتبر أنه لا بد من إعادة تعبئة الإرادات السياسية، وإعادة إرساء الوضوح واستشراف المستقبل في صلب هذه المنظومة، وإعادة الاعتبار للثقة والمسؤولية، فضلا عن إعادة تأطير ضوابط التعامل.

    وأكد أنه “لا ينبغي الاعتقاد بأن ضخ الأموال يكفي لتسير الأمور من تلقاء نفسها”، مسجلا أن التمويلات لم تكن يوما الدافع لعمل المغرب.

    وتابع المصدر الحكومي أن المغرب أكد مرارا أنه “لا وجود لحل أمني صرف لقضية الهجرة”، مضيفا أن هذه القناعة الثابتة تتأكد اليوم، حيث عاين الجميع حركة عودة طوعية تعادل في حجمها حركة التدفق نحو سبتة.

    وقال إن “هذه العودة هي الدليل القاطع على الحقيقة، المتمثلة في أن صاحب الجلالة الملك محمد السادس استثمر بشكل مكثف في التنمية السوسيو-اقتصادية للمغرب وللأقاليم الشمالية”.

    وسجل المصدر ذاته أن “هؤلاء الشباب عادوا لأنهم عاينوا عن قرب أن الوضع في المغرب أفضل من (الفردوس الموعود) الذي كانوا يتوهمونه”.

    وأبرز أن “عودتهم كانت بالتالي طوعية؛ حيث تؤكد إسبانيا أن 95 في المئة من الأشخاص غادروا سبتة”، موضحا أن هؤلاء الأشخاص لم يعودوا بفضل تدخل إسبانيا، بل بناء على قناعتهم الخاصة واختيارهم”.

    وأكد المصدر الحكومي أن هذا الأمر يعزز مسار المغرب التنموي ووجاهة الخيارات الاستراتيجية التي نفذت تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، مشيرا إلى أن المبادرات الملكية في الأقاليم الشمالية أحدثت طفرة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، تمثلت في خلق أكثر من 430 ألف فرصة شغل.

    وأضاف أن “(الفردوس الموعود) ليس سوى وهم فككه شبابنا بأنفسهم من خلال عودتهم الطوعية. فالرد الأمثل على الهجرة غير النظامية يكمن في تحقيق التنمية”.

    وخلص المصدر الحكومي إلى أنه يتوجب على أوروبا أن تكون شريكا معنيا بتنمية المغرب، وأن تتوقف عن اتخاذ قرارات وإجراءات تعيق هذه التنمية، ولا سيما الإجراءات التي تؤثر سلبا على الموانئ المغربية، وصناعة السيارات الوطنية، وقطاع المالية، والخدمات، والنقل، و ترحيل الخدمات.

  • الدولة الاجتماعية بالمغرب.. خريطة ربع قرن من الإصلاحات

    الدولة الاجتماعية بالمغرب.. خريطة ربع قرن من الإصلاحات

    على امتداد أكثر من عقدين، انتقلت الدولة الاجتماعية في المغرب من مفهوم يطرح في النقاشات العمومية إلى ورش إصلاحي واسع تتقاطع فيه السياسات الصحية والاجتماعية والاقتصادية.

    ولم يكن التحول نتيجة برنامج حكومي محدود، بل جاء ضمن رؤية قادها الملك محمد السادس، انطلقت من تشخيص مواطن الهشاشة والفوارق الاجتماعية، قبل أن تترجم إلى إصلاحات متتالية شملت الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والدعم المباشر للأسر وسياسات السكن وتأهيل الخدمات الأساسية.

    ومن خلال تتبع الخطب الملكية ومحطات إطلاق هذه الأوراش، تتضح معالم مسار اعتمد التدرج في الإصلاح وربط التشخيص بالتنزيل والمتابعة.

    من محاربة الفقر إلى الاستثمار في الإنسان

    شكل إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في 18 ماي 2005 إحدى المحطات الأولى التي رسمت التوجه الاجتماعي للعهد الجديد، بنقل تدخل الدولة من مساعدات متفرقة إلى مشاريع تنطلق من حاجيات السكان، وتشمل فك العزلة، ودعم التمدرس، وتحسين الولوج إلى الماء والصحة، ومواكبة الأشخاص في وضعية هشاشة.

    ومع إطلاق المرحلة الثالثة من المبادرة سنة 2018، اتسع مجال تدخلها ليشمل تنمية الرأسمال البشري، والطفولة، وتحسين الدخل، والإدماج الاقتصادي للشباب.

    ولم تعد محاربة الفقر، وفق المقاربة الملكية لجلالة الملك محمد السادس، مرتبطة فقط بتقديم مساعدة آنية، وإنما بمعالجة أسبابه منذ السنوات الأولى لحياة المواطن، انطلاقا من الأوراش التي مولتها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، فالطفل الذي يستفيد من التعليم الأولي والتغذية والنقل المدرسي تكون فرصته في مواصلة الدراسة أكبر من طفل تحدد هشاشة أسرته مساره منذ البداية.

    خطاب العرش 2018.. إعادة ترتيب السياسة الاجتماعية

    في خطاب عيد العرش ليوم 29 يوليوز 2018، وضع الملك محمد السادس البعد الاجتماعي في صدارة أولويات المرحلة، مؤكدا أن “الشأن الاجتماعي يحظى عندي باهتمام وانشغال بالغين، كملك وكإنسان”.

     ولم يكتف الخطاب بتأكيد مركزية هذا الورش، بل قدم تشخيصا واضحا للاختلالات التي كانت تحد من نجاعة منظومة الدعم الاجتماعي، مشيرا إلى أن تعدد البرامج، رغم الاعتمادات المالية المهمة التي ترصدها الدولة، لم يكن كفيلا بتحقيق الأثر المطلوب بسبب تشتت المتدخلين، وضعف التنسيق، وعدم دقة آليات استهداف المستفيدين.

    ومن هذا المنطلق، وجه الملك إلى إحداث السجل الاجتماعي الموحد واعتماد معايير دقيقة وموضوعية لتحديد الأسر المستحقة، بما يؤسس لمرحلة جديدة تقوم على توحيد منظومة الاستهداف وربط الاستفادة بالوضعية الاجتماعية والاقتصادية للأسر، عوض الاعتماد على لوائح وبرامج متفرقة.

    وفي قراءته لهذا المسار، يرى الخبير الاستراتيجي والاقتصادي، محمد أمين سامي، أن الدولة الاجتماعية في المغرب لم تكن نتاج قرار واحد، بل ثمرة رؤية ملكية متدرجة قادها جلالة الملك محمد السادس، انطلقت مع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005، ثم تعززت بدسترة الحقوق الاجتماعية سنة 2011، قبل أن تدخل مرحلة إعادة هيكلة منظومة الحماية الاجتماعية ابتداء من خطاب العرش لسنة 2018.

    ويوضح سامي في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن هذا المسار يعكس انتقالا تدريجيا من معالجة مظاهر الفقر والهشاشة إلى بناء الأسس القانونية والمؤسساتية للدولة الاجتماعية، عبر توحيد منظومة الدعم، وتحسين آليات الاستهداف، وربط السياسات الاجتماعية بالنجاعة والأثر الفعلي على حياة المواطنين.

    خطاب العرش 2020.. الحماية الاجتماعية لكل المغاربة

    سرّعت جائحة كورونا هذا المسار، بعدما كشفت أن فئات واسعة من المهنيين والفلاحين والتجار والحرفيين والعاملين لحسابهم الخاص ظلت خارج أنظمة التأمين، وأن توقف النشاط أو المرض يمكن أن يفقد الأسرة دخلها في وقت قصير.

    وفي خطاب عيد العرش بتاريخ 29 يوليوز 2020، أعلن جلالة الملك محمد السادس التوجه نحو “توفير الحماية الاجتماعية لكل المغاربة، التي ستبقى شغلنا الشاغل حتى نتمكن من تعميمها على جميع الفئات الاجتماعية”.

    وربط الخطاب هذا القرار بالعدالة الاجتماعية والمجالية، معتبرا أن تعميم الحماية ينبغي أن يشمل جميع الفئات، وليس فقط العاملين في الوظيفة العمومية أو القطاع الخاص المنظم.

    وفي خطاب افتتاح البرلمان في 9 أكتوبر 2020 بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية العاشرة، نقلت التوجيهات الملكية المشروع من الإعلان السياسي إلى جدول للتنفيذ، يقوم على أربعة مكونات هي تعميم التأمين الإجباري عن المرض، والتعويضات العائلية، وتوسيع التقاعد، ثم التعويض عن فقدان الشغل.

    14 أبريل 2021.. من التوجيه إلى التنفيذ

    في 23 مارس 2021، صدر القانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية، ليمنح المشروع مرجعية قانونية تتجاوز البرامج الحكومية الظرفية.

    وبعد ذلك، ترأس الملك محمد السادس يوم 14 أبريل 2021، بالقصر الملكي بفاس، حفل إطلاق تنزيل مشروع تعميم الحماية الاجتماعية وتوقيع الاتفاقيات الأولى المتعلقة به.

    ومثلت هذه الخطوة بداية إدماج تدريجي للفئات التي ظلت لسنوات خارج منظومة التأمين الصحي، مما مكن فئات مهنية واجتماعية جديدة من الولوج إلى التغطية الصحية والاستفادة من خدماتها في مواجهة تكاليف العلاج.

    وفي 13 يوليوز 2022، ترأس جلالة الملك مجلسا وزاريا جرى خلاله التداول في مشروع القانون الإطار رقم 06.22 المتعلق بالمنظومة الصحية الوطنية.

    وجاء المشروع لتوفير الشروط الضرورية لإنجاح تعميم الحماية الصحية، من خلال حكامة جديدة، وتأهيل العرض الصحي، وتثمين الموارد البشرية، ورقمنة الخدمات، وضمان توزيع أكثر إنصافا للعلاجات بين مختلف مناطق المملكة.

    ومن أبرز مكونات الإصلاح إحداث المجموعات الصحية الترابية، التي تهدف إلى تدبير المؤسسات الصحية داخل كل جهة ضمن شبكة منسجمة، بدل استمرار المستشفيات والمراكز في العمل بصورة منفصلة.

    ويعتبر محمد أمين سامي أن الانتقال من تعميم التغطية الصحية إلى إصلاح المنظومة الصحية يعكس تطورا في الرؤية الملكية من ضمان الحق في التأمين إلى ضمان الحق في العلاج، موضحا أن “الحماية الاجتماعية لا تتحقق بمجرد منح المواطن بطاقة التأمين، وإنما بتوفير مستشفى قريب، وأطر صحية كافية، وتجهيزات ملائمة، وحكامة قادرة على ضمان جودة الخدمات”.

    وتابع أنه لهذا الغرض جاء إصلاح المنظومة الصحية مكملا لورش الحماية الاجتماعية، حتى يتحول الحق الدستوري في العلاج إلى خدمة عمومية متاحة لجميع المواطنين بمختلف جهات المملكة.

    تدشينات تواكب تعميم التغطية

    سبق إصلاح المنظومة الصحية إعطاء الملك، في 5 ماي 2022، انطلاقة أشغال المركز الاستشفائي الجامعي الجديد ابن سينا بالرباط، باستثمار يناهز 6 مليارات درهم.

    ولا يقتصر دور المشروع على زيادة الطاقة الاستيعابية، بل يشمل التخصصات الدقيقة والتكوين والبحث الطبي، فالمستشفى الجامعي يعالج المرضى، لكنه يكوّن أيضا الأطباء والممرضين الذين تحتاج إليهم المؤسسات الصحية في باقي الجهات.

    كما أعطى الملك في يناير 2022 انطلاقة مشروع وحدة صناعية لإنتاج اللقاحات ببنسليمان، ضمن توجه يهدف إلى تحقيق السيادة الصحية وتقليص التبعية للأسواق الخارجية.

    وإلى جانب المؤسسات الكبرى، جرى نشر وحدات صحية متنقلة ومتصلة لفائدة المناطق القروية والنائية، قبل إطلاق مرحلة إضافية في 26 مارس 2024 شملت 50 وحدة جديدة.

    وتستجيب هذه الوحدات لمشكلة عملية تواجه سكان القرى والجبال على رأسها المسافة بين المواطن والطبيب، إذ بدلا من تحمل تكاليف النقل والإقامة، تصل بعض الفحوصات والاستشارات إلى منطقته، مع إمكانية الاستعانة بالطب عن بعد.

    2023.. استهداف مباشر للدعم والسكن

    بعد التغطية الصحية، انتقلت الدولة الاجتماعية إلى حماية دخل الأسر، ففي خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية الحادية عشرة يوم 13 أكتوبر 2023، أكد جلالته أن الدعم المباشر ينبغي أن يشمل الأطفال المتمدرسين، والأطفال في وضعية إعاقة، وحديثي الولادة، والأسر التي تعيل مسنين.

    وقال العاهل المغربي ” وسنشرع، بعون الله وتوفيقه، في نهاية هذه السنة، في تفعيل برنامج الدعم الاجتماعي المباشر. وتجسيدا لقيم التضامن الاجتماعي، الراسخة عند المغاربة، فقد قررنا ألا يقتصر هذا البرنامج، على التعويضات العائلية فقط؛ بل حرصنا على أن يشمل أيضا بعض الفئات الاجتماعية، التي تحتاج إلى المساعدة”.

    وبعد أيام، ترأس جلالة الملك مجلسا وزاريا يوم 19 أكتوبر 2023، جرى خلاله عرض التوجهات المالية للبرنامج، مع التأكيد على ألا يقل الدعم عن 500 درهم شهريا لكل أسرة مستهدفة، مهما كانت تركيبتها.

    وبدأ صرف الدفعة الأولى من الدعم في 28 دجنبر 2023، تنفيذا للتوجيه الملكي القاضي بإطلاقه قبل نهاية السنة.

    وفي 17 أكتوبر 2023، ترأس الملك جلسة عمل خصصت لقطاع السكن، جرى خلالها تقديم برنامج الدعم المباشر للسكن للفترة 2024-2028.

    وحدد البرنامج مساعدة بقيمة 100 ألف درهم لاقتناء سكن لا يتجاوز ثمنه 300 ألف درهم، و70 ألف درهم للسكن الذي يتراوح ثمنه بين 300 ألف و700 ألف درهم.

    الجديد هنا هو توجيه الدعم إلى المقتني بدل ربطه بالمنعش أو المشروع العقاري. وبالنسبة إلى الأسرة، يمكن للمساعدة أن تغطي جزءا من التسبيق، وتخفض قيمة القرض والأقساط الشهرية.

    لا مجال لمغرب بسرعتين

    وفي خطاب عيد العرش يوم 29 يوليوز 2025، وضع جلالة الملك معيارا أكثر صرامة لقياس نتائج التنمية، قائلا “لن أكون راضيا، مهما بلغ مستوى التنمية الاقتصادية والبنيات التحتية، إذا لم تساهم، بشكل ملموس، في تحسين ظروف عيش المواطنين”، مضيفا “فلا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين”.

    ودعا جلالته إلى جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، يركز على التشغيل والتعليم والصحة والماء وتأهيل المناطق الأكثر هشاشة.

    ويحمل هذا التوجيه انتقالا من توسيع البرامج الاجتماعية على المستوى الوطني إلى مساءلة أثرها داخل كل جهة، فقد يستفيد مواطنان من التأمين والدعم نفسيهما، لكن وضعهما يظل مختلفا إذا كان أحدهما يعيش قرب مستشفى ومدرسة وفرص للعمل، بينما يبعد الآخر عشرات الكيلومترات عن أبسط الخدمات.

    وفي قراءته لهذه المرحلة، يرى المحلل الاستراتيجي والاقتصادي محمد أمين سامي أن انتقال الأوراش الملكية من تعميم الحماية الاجتماعية إلى ترسيخ العدالة المجالية يعكس تطورا في فهم أسباب الهشاشة.

    ويوضح ذلك بأن الفوارق الاجتماعية لا ترتبط فقط بدخل الأسرة، بل أيضا بالمجال الذي تعيش فيه، فالمواطن قد يستفيد من التأمين الصحي أو الدعم المباشر، لكنه يظل في وضع هش إذا كان بعيدا عن المستشفى أو المدرسة أو الماء أو فرص الشغل.

    لذلك، يضيف سامي، أن الرؤية الملكية انتقلت من حماية الفرد داخل مجال هش إلى تأهيل المجال نفسه، عبر ربط العدالة الاجتماعية بالتنمية الترابية المندمجة، بما يجعل مكان الولادة أو الإقامة أقل تأثيرا في فرص المواطن في الولوج إلى الخدمات الأساسية وتحسين ظروف العيش.

    ويؤكد المحلل ذاته أن عبارة جلالة الملك محمد السادس “لا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين”، لا تمثل مجرد شعار سياسي، بل تؤسس لمرحلة جديدة في تقييم السياسات العمومية، قوامها الانتقال من الاكتفاء بالمؤشرات الوطنية العامة إلى قياس أثر التنمية داخل كل جهة ومجال ترابي.

    وأبرز أن المطلوب لم يعد يقتصر على معرفة نسبة النمو الاقتصادي، بل يشمل أيضا تحديد أماكن إنتاج الثروة، وعدد مناصب الشغل اللائقة التي تم إحداثها، وحجم القيمة المضافة التي بقيت داخل المجالات الترابية، ومدى تحسن الولوج إلى الصحة والتعليم، وتطور دخل النساء والشباب، وتراجع الهجرة الاضطرارية.

    وشدد محمد أمين سامي على أن الرؤية الملكية لا تستهدف الحد من دينامية الجهات الأكثر تقدما، وإنما تسريع وتيرة تنمية المجالات الأقل استفادة وربطها بمحركات النمو الوطنية، بما يرسخ عدالة مجالية حقيقية داخل إطار الدولة الاجتماعية.

  • 636 مقاولة و2.5 مليار لرأس مال المخاطر.. هل نجح المغرب في بناء منظومة الشركات الناشئة؟

    636 مقاولة و2.5 مليار لرأس مال المخاطر.. هل نجح المغرب في بناء منظومة الشركات الناشئة؟

    لم يكن أكبر تحد يواجه المقاولات الناشئة في المغرب هو نقص الأفكار أو غياب الكفاءات، بل صعوبة تحويل الابتكار إلى شركات تنمو وتستقطب الاستثمار وتخلق الثروة وتنافس خارج الحدود، سيما وأنه على امتداد سنوات ظل المشهد المقاولاتي الرقمي ينتج عشرات المشاريع الجديدة لكنه كان يفقد جزءا كبيرا منها قبل أن تبلغ مرحلة النضج، بسبب محدودية التمويل وضعف المواكبة وغياب منظومة متكاملة تربط بين الفكرة والسوق.

    عندما انطلقت الولاية الحكومية الحالية سنة 2021 كان هذا التشخيص واضحا، فمنظومة المقاولات الناشئة كانت ما تزال في مرحلة التأسيس ورأس المال المخاطر لم يتجاوز سوى نحو 30 مليون دولار، أي أقل بكثير من مستويات الدول الإفريقية الأكثر تقدما، فيما لم تكن سوى 167 مقاولة تحمل علامة “المقاولة الشابة المبتكرة” (JEI)، وكانت أغلبية المقاولات الناشئة تجد صعوبة في الانتقال من مرحلة الإحداث إلى مرحلة النمو أو في ولوج الأسواق الدولية.

    وخلال خمس سنوات من عمر الولاية الحكومية الحالية، عمدت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة إلى تجاوز منطق إطلاق برامج دعم جديدة بإعادة بناء المنظومة المقاولاتية من أساسها عبر تعبئة تمويلات غير مسبوقة، وإحداث أول صندوق وطني مخصص لرأس المال المخاطر في المجال الرقمي وتوسيع شبكات الاحتضان والتسريع، فضلا عن استقطاب فاعلين دوليين وتطوير الإطار القانوني ومضاعفة عدد المقاولات الحاصلة على علامة “المقاولة الشابة المبتكرة” إلى 636 مقاولة سنة 2026، بيد أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يتجاوز حصيلة الأرقام ويدفعنا إلى الاستفهام حول مدى نجاح المغرب فعلا في الانتقال من سياسة تشجيع المبادرات الفردية إلى بناء صناعة وطنية للمقاولات الناشئة، وإذا ما كانت المنظومة ما تزال في طور التأسيس وتنتظر اختبارها الحقيقي؟

    منظومة تنتج شركات لكنها لا تفرز “أبطالا اقتصاديين

    لم تكن الإشكالية التي واجهتها المقاولات الناشئة المغربية سنة 2021 مرتبطة بعدد المشاريع التي يتم إطلاقها سنويا وإنما بقدرتها على الاستمرار والنمو، فالمؤشرات التي استندت إليها وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة عند بداية الولاية الحكومية رسمت صورة لمنظومة ما تزال في طور التأسيس تعاني اختلالات على مستوى التمويل والمواكبة والانفتاح على الأسواق الدولية، وهو ما كان يحد من تحول الابتكار إلى قيمة اقتصادية مضافة.

    وتكشف الأرقام حجم هذا التحدي، إذ إن تمويلات رأس المال المخاطر بالمغرب لم تكن تتجاوز سنة 2021 حوالي 0.03 مليار دولار مقابل حوالي ملياري دولار في الدول الإفريقية الأكثر تقدما في هذا المجال، وهو فارق يعكس محدودية قدرة المستثمرين على تمويل الشركات التكنولوجية في مراحلها الأولى، حيث تكون المخاطر مرتفعة والاحتياجات المالية كبيرة.

    ولا يسعنا اعتبار التمويل وحده نقطة الضعف، فالمعطيات التي حصلت عليها “AM+ MEDIA” من الوزارة الوصية تظهر أن أقل من 15 في المئة فقط من المقاولات الناشئة المغربية كان عمرها أقل من سنة، بما يعكس محدودية دينامية إحداث شركات جديدة بوتيرة مرتفعة، بينما كانت 60 في المئة من المقاولات التي تجاوز عمرها خمس سنوات لا تشغل أكثر من عشرة أجراء، وهو مؤشر على أن عددا مهما من هذه الشركات كان ينجح في البقاء لكنه لا ينجح في الانتقال إلى مرحلة النمو الحقيقي.

    أما على مستوى التوسع الدولي، فقد بدا الفارق أكثر وضوحا، إذ لم تكن سوى أقل من 20 في المئة من المقاولات الناشئة المغربية تنشط في أكثر من دولة، مقارنة بحوالي 80 في المئة في جنوب إفريقيا، وهو ما يعكس محدودية قدرة الشركات المغربية على تصدير خدماتها أو جذب الاستثمارات الخارجية أو الاندماج في الأسواق الإقليمية والعالمية.

    حتى علامة المقاولة الشابة المبتكرة التي يفترض أن تشكل بوابة للاستفادة من عدد من الامتيازات التنظيمية والمالية ظلت من جانبها محدودة الانتشار، إذ لم تكن تشمل سوى 167 مقاولة سنة 2021، بينما لم تتجاوز حصة شركات التكنولوجيا المالية 8 في المئة من مجموع المقاولات الناشئة، في وقت ظل فيه انخراط المقاولات الكبرى في مواكبة الابتكار ضعيفا، بما جعل الحلقة التي تربط بين الشركات الكبرى والمقاولات الناشئة شبه غائبة.

    ولم تكن المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة في وضع أفضل، فإلى جانب صعوبة الولوج إلى التمويل، كانت تواجه تأخرا في اعتماد الحلول الرقمية والخدمات السحابية ونقصا في الكفاءات المتخصصة، وهو ما انعكس على موقع المغرب في مؤشر تسريع الرقمنة لمجموعة بوسطن الاستشارية، حيث لم يحصل سوى على 27 نقطة من أصل 100، بينما تقترب الاقتصادات الأكثر تقدما من 70 نقطة، ما يعني أن جزءا كبيرا من النسيج الاقتصادي الوطني كان لا يزال بعيدا عن التحول الرقمي الكامل.

    من دعم المقاولات إلى بناء المنظومة

    أمام هذا التشخيص، اختارت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة مقاربة مختلفة، فبدل الاكتفاء بإطلاق برامج دعم متفرقة اتجهت نحو بناء منظومة متكاملة تنطلق من توفير التمويل مرورا بالاحتضان والتسريع ووصولا إلى التشريع والانفتاح على المستثمرين والأسواق الدولية. بمعنى آخر، لم يعد الهدف تمويل شركة ناشئة هنا أو مواكبة مشروع هناك، وإنما بناء سلسلة متكاملة تجعل انتقال المقاولة من الفكرة إلى السوق ثم إلى التوسع الدولي مسارا أكثر قابلية للتحقق.

    ويظهر هذا التحول بوضوح في ملف رأس المال المخاطر، الذي ظل لسنوات الحلقة الأضعف داخل المنظومة المغربية، فلأول مرة ساهمت الدولة في إحداث صندوق مخصص حصريا لتمويل المقاولات الناشئة الرقمية، بلغت قيمته الإجمالية 1.5 مليار درهم ساهمت فيه الوزارة بـ400 مليون درهم مع أثر تعبئة متوقع يصل إلى 2.5 مليار درهم.

    ولم يقتصر الأمر على ضخ التمويلات، بل تم أيضا اعتماد آلية لتغطية جزء من المخاطر الأولى بهدف تشجيع المستثمرين على تمويل الشركات التكنولوجية في أكثر مراحلها حساسية، وهي مرحلة الانطلاق، كما استقطب الصندوق 47 طلب ترشيح منها 12 وطنيا و33 دوليا وترشيحان مختلطان، قبل الانتقاء الأولي لتسع شركات متخصصة في تدبير رأس المال المخاطر، بينها ثلاث شركات مغربية وخمس دولية وفاعل مختلط، في خطوة تعكس رهان الوزارة على استقطاب الخبرة الدولية بالتوازي مع تطوير الفاعلين المحليين.

    كيف حاول المغرب سد فجوات نمو المقاولات الناشئة؟

    إذا كان التمويل يمثل الوقود الذي تحتاجه المقاولة الناشئة للانطلاق، فإن التجارب الدولية أظهرت أن ضخ الأموال وحده لا يكفي لصناعة شركات قادرة على المنافسة فجزء مهم من الشركات الناشئة يفشل، ليس بسبب غياب التمويل فقط وإنما بسبب غياب التأطير وصعوبة الولوج إلى المستثمرين، وضعف الربط بالأسواق ونقص الخبرات الإدارية والتجارية.

    ولهذا، اختارت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة أن توسع تدخلها ليشمل مختلف مراحل دورة حياة المقاولة الناشئة بدءا من مرحلة بناء الفكرة مرورا بالاحتضان والتسريع ووصولا إلى مرحلة التوسع داخل المغرب وخارجه.

    في هذا السياق، أطلقت الوزارة صندوقا خاصا ببناء المقاولات الناشئة الرقمية، خصص له وفق المعطيات التي حصلت عليها “AM+MEDIA”، غلافا ماليا يفوق 760 مليون درهم بهدف مواكبة إحداث وتطوير وتسريع أكثر من 840 مقاولة ناشئة تكنولوجية خلال ثلاث سنوات، فيما تتجاوز أهمية هذا البرنامج حجم التمويل المرصود إلى طبيعة المقاربة المعتمدة، إذ تم اختيار ست مؤسسات متخصصة في بناء المقاولات من بينها أربع مؤسسات دولية وهيكلان مغربيان توجد في طور الاستقرار داخل المملكة بما يسمح بنقل الخبرات العالمية إلى المنظومة الوطنية، وخلق فرص شغل ذات قيمة مضافة، وإدماج المقاولات المغربية في شبكات الاستثمار الدولية.

    ويوازي هذا التوجه تطورا لافتا في دور “تكنوبارك”، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة من فضاء لاستقبال المقاولات الناشئة إلى أحد أهم أدوات السياسة العمومية في مجال الابتكار، ولهذا الغرض خصصت الوزارة 70.4 مليون درهم لتوسيع النموذج الاقتصادي للشبكة وتعزيز قدرتها على مواكبة حاملي المشاريع والشركات التكنولوجية.

    وتكشف نتائج البرامج المنجزة داخل “تكنوبارك” عن هذا التحول، فقد نظم برنامج “Boost Up Lab” خمس دورات متتالية، استقطبت أكثر من 1000  طلب ترشيح، وأسفرت عن مواكبة 150 مقاولة ناشئة من بينها 84 مقاولة انتقلت إلى مرحلة الاحتضان. أما برنامج Export Technopark Acceleration Program (ETAP)”، فقد وفر مواكبة مكثفة لـ41 مقاولة ناشئة بين سنتي 2024 و2026 مع تركيز خاص على إعدادها للولوج إلى الأسواق الخارجية.

    وفي الاتجاه نفسه، انخرط المغرب في شراكة مع منصة Plug and Play، إحدى أبرز شبكات الابتكار والاستثمار في العالم، حيث تم تسريع 18 مقاولة ناشئة بينما توجد 19 مقاولة أخرى في طور المواكبة مع تعبئة تمويلات بلغت 8.2 ملايين دولار وإحداث حوالي 150 منصب شغل، فيما تكمن أهمية هذا البرنامج في قيمة الاستثمارات التي استقطبها، وأيضا في إدماج المقاولات المغربية داخل شبكة عالمية تربط الشركات الناشئة بكبرى الشركات الاستثمارية والتكنولوجية.

    وهذا التحول يشمل طبيعة البرامج أيضا بعدها الترابي، ففي الوقت الذي كانت شبكة “تكنوبارك” تتركز في عدد محدود من المدن، اتجهت الوزارة إلى توسيع انتشارها ضمن رؤية تقوم على العدالة المجالية، حيث انتقلت الشبكة من خمسة مواقع سنة 2024 إلى 10 سنة 2026 مع توسعها لتشمل الدار البيضاء والرباط وطنجة وأكادير والصويرة وتمارة وسلا والقنيطرة وفاس ووجدة ومراكش وتزنيت والعيون، في أفق تغطية الجهات الـ12 للمملكة بحلول سنة 2030، ويعكس هذا التوسع رهانا على نقل منظومة الابتكار من التمركز في محور الدار البيضاء-الرباط إلى مختلف الجهات، بما يتيح لحاملي المشاريع الولوج إلى خدمات الاحتضان والمواكبة دون الاضطرار إلى الانتقال نحو المركز.

    “جايتكس أفريكا” عندما تحول الابتكار إلى أداة لجذب الاستثمار

    إذا كانت برامج الاحتضان والتسريع تستهدف بناء المقاولة من الداخل، فإن تنظيم “جاتكس أفريقيا المغرب” شكل الرهان الخارجي في الاستراتيجية الحكومية من خلال تحويل المغرب إلى منصة قارية تجمع المستثمرين والشركات الناشئة وصناديق الاستثمار، والفاعلين التكنولوجيين في مكان واحد.

    ويحمل هذا المشروع بعدا رمزيا واستراتيجيا في الآن نفسه، إذ اختير المغرب لاحتضان أول نسخة من معرض “جايتكس أفريقيا” خارج دبي، في خطوة تعكس الثقة في موقعه داخل المنظومة الرقمية الإفريقية ومنذ إطلاق التظاهرة سنة 2023، خصصت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة ميزانية إجمالية تجاوزت 140 مليون درهم عبر أربع دورات، كما دعمت مشاركة 800 مقاولة ناشئة، بما ينسجم مع هدف وطني يتمثل في مواكبة 3 آلاف مقاولة ناشئة بحلول سنة 2030.

    وتظهر المؤشرات المسجلة خلال الدورات الأربع حجم الدينامية التي عرفها الحدث، فقد ارتفع عدد الزوار من 30 ألفا سنة 2023 إلى 55 ألف زائر سنة 2026، بينما ارتفع عدد المقاولات الناشئة المدعومة من الوزارة من 100 إلى 300 مقاولة خلال الفترة نفسها. كما ارتفع إجمالي عدد المقاولات الناشئة المشاركة من 400 إلى أكثر من 800، فيما انتقل عدد العارضين من 900 إلى 1500، وارتفع عدد الدول الممثلة من 95 دولة إلى 140 دولة.

    وتتجاوز أهمية هذه الأرقام بعدها التنظيمي لأن هذا النوع من المعارض أصبح يشكل في التجارب الدولية منصة لعقد الصفقات وجذب المستثمرين، وربط الشركات الناشئة بالأسواق العالمية، بما يفسر حرص المغرب على تحويله إلى موعد قار ضمن أجندة التكنولوجيا الإفريقية، وليس مجرد تظاهرة سنوية.

    من الترويج إلى التقنين.. هل اكتملت حلقات المنظومة؟

    إذا كانت برامج التمويل والاحتضان والتسريع استهدفت معالجة الجوانب الاقتصادية لمنظومة المقاولات الناشئة، فإن استدامة هذا التحول كانت تتطلب في المقابل إطارا قانونيا وتنظيميا يمنح المستثمرين ورواد الأعمال وضوحا أكبر بشأن الحقوق والامتيازات وآليات المواكبة، فالتجارب الدولية الناجحة لم تبن فقط على توفر التمويل وإنما أيضا على وجود تشريعات مستقرة تجعل الاستثمار في الابتكار جزءا من البيئة الاقتصادية أكثر منه مجرد برنامج عمومي محدود زمنيا.

    وفي هذا الإطار، شرعت الحكومة في إعداد مشروع قانون خاص بالمقاولات الناشئة، يوجد حاليا في طور المصادقة بعد استكمال إعداد نص المشروع ومراسيمه التطبيقية، بالاستناد إلى مواكبة تقنية من البنك الدولي ومقارنة معيارية مع عدد من التجارب الدولية، وقد أحيل المشروع خلال السنة الجارية 2026 على الأمانة العامة للحكومة في خطوة تروم الانتقال من مرحلة إطلاق المبادرات إلى إرساء إطار قانوني دائم ينظم هذا القطاع ويؤسس لتطوره على المدى البعيد.

    وفي موازاة ذلك، شهدت علامة “المقاولة الشابة المبتكرة” (JEI) تحولا لافتا، سواء من حيث عدد المقاولات المستفيدة أو من حيث الامتيازات المرتبطة بها، فقد ارتفع عدد الشركات الحاصلة على العلامة من 167 مقاولة سنة 2021 إلى 636 مقاولة سنة 2026، أي بزيادة تناهز أربعة أضعاف خلال خمس سنوات. ويعكس هذا التطور اتساع قاعدة الشركات التي أصبحت تستوفي شروط الابتكار والاستفادة من الامتيازات التي توفرها الدولة، بعدما كانت هذه الآلية تظل محصورة في نطاق محدود عند بداية الولاية الحكومية.

    ولم يقتصر التطور على العدد، بل شمل أيضا طبيعة الامتيازات الممنوحة، فقد ارتفع سقف مخصصات مكتب الصرف لفائدة هذه المقاولات من 500 ألف درهم إلى مليوني درهم، بما يتيح لها هامشا أكبر للتعامل مع الأسواق الدولية، سواء عبر اقتناء الخدمات التكنولوجية أو التعاقد مع الخبراء أو المشاركة في برامج التسريع بالخارج.

    ويبرز مستجد آخر يحمل دلالة خاصة، يتمثل في تمكين المقاولات الحاصلة على علامة “JEI” لأول مرة من إمكانية القيام باستثمارات خارج المغرب، ما يعكس تحولا في فلسفة السياسة العمومية، فبعدما كان الهدف الأساسي هو تشجيع إحداث المقاولات الناشئة داخل المملكة، أصبح الرهان يمتد إلى دعم قدرتها على التوسع الدولي، باعتبار أن نجاح المقاولة التكنولوجية لم يعد يقاس فقط بحضورها داخل السوق الوطنية، وإنما أيضا بقدرتها على الاندماج في سلاسل القيمة والأسواق العالمية.

    المقاولات الصغرى والمتوسطة.. حلقة لا يمكن تجاوزها

    غير أن بناء اقتصاد رقمي تنافسي لا يمر فقط عبر دعم الشركات الناشئة مهما بلغ حجمها أو عددها، لأن هذه الأخيرة تظل جزءا من منظومة اقتصادية أوسع، يشكل فيها نسيج المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة العمود الفقري للإنتاج والتشغيل.

    ومن هذا المنطلق، وسعت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة تدخلها ليشمل هذه الفئة، في محاولة لتقليص الفجوة الرقمية التي كانت تعيق تنافسيتها.

    ففي سنة 2021، كان المغرب لا يحقق سوى 27 نقطة من أصل 100 في مؤشر تسريع الرقمنة الصادر عن مجموعة بوسطن الاستشارية، وهي نتيجة تعكس محدودية اعتماد الحلول الرقمية داخل المقاولات، مقارنة باقتصادات بلغت مستويات تقارب 70 نقطة.

    ولمواجهة هذا الواقع، أطلقت الوزارة برنامج “DigiTPME” بشراكة مع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)، حيث استفادت 300 مقاولة من التكوين في ثلاث جهات نموذجية، فيما تمت مواكبة 120 مقاولة في إعداد وتنفيذ خرائطها الرقمية، إلى جانب اختيار 9 شركات تكنولوجية مغربية لتقديم الحلول الرقمية وإطلاق شبكة وطنية متخصصة في هذا المجال.

    وفي الاتجاه نفسه، جاءت مبادرة “WE-Elevate” التابعة لمنظمة التعاون الرقمي، لتوسيع دائرة المستفيدين من التحول الرقمي، عبر استهداف 10 آلاف امرأة وشاب في مختلف جهات المملكة ومواكبة 1000 مقاولة في الانتقال نحو التجارة الإلكترونية، بما يعكس توجها يربط الرقمنة بالإدماج الاقتصادي وخلق فرص جديدة لريادة الأعمال.

    وامتد هذا التوجه إلى قطاع التعليم، حيث خصص للمختبر الرقمي للتربية الوطنية غلاف مالي بلغ 240 مليون درهم من بينها 100 مليون درهم ساهمت بها وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، ويستفيد من موارده الرقمية حاليا أكثر من 80 ألف أستاذ وما يزيد عن 3 ملايين تلميذ، فيما أسفر طلب إبداء الاهتمام الخاص بتكنولوجيا التعليم عن 139 ترشيحا، تم انتقاء 20 فاعلا منها لتطوير حلول تعليمية رقمية.

    وتكشف حصيلة السنوات الخمس الأخيرة أن المغرب بدأ يغير مقاربته تجاه ريادة الأعمال التكنولوجية، منتقلا تدريجيا من منطق تمويل المشاريع إلى منطق بناء منظومة متكاملة تضم التمويل والاحتضان والتشريع والانفتاح على المستثمرين والأسواق الدولية، غير أن التجارب العالمية تؤكد أن هذه المرحلة رغم أهميتها ليست سوى نقطة الانطلاق.

    والاختبار الحقيقي يبدأ عندما تصبح الشركات الناشئة قادرة على الاستمرار بعد سنواتها الأولى، والتحول إلى مؤسسات كبرى تقود الابتكار وتنافس في الأسواق العالمية، فبين ما تحقق من إصلاحات وما ينتظر من نتائج، سيظل الرهان الملح هو مدى نجاح المغرب في تحويل هذا الاستثمار العمومي والمؤسساتي إلى شركات عالمية تحمل علامة “صنع في المغرب”.

  • بين الصدمات ورهان السيادة.. كيف واجه المغرب عاصفة الطاقة العالمية؟

    بين الصدمات ورهان السيادة.. كيف واجه المغرب عاصفة الطاقة العالمية؟

    شهدت المنظومة الطاقية العالمية خلال السنوات الأخيرة واحدة من أعنف الأزمات منذ عقود، في سياق دولي اتسم بتوالي الاضطرابات، بدءا من تداعيات جائحة كوفيد-19 سنة 2020 وما خلفته من اختلالات في سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والشحن، وصولا إلى الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، التي أدت إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط والغاز والفحم، وأعادت قضية الأمن الطاقي إلى صدارة أولويات الدول.

    وقد شكلت هذه التطورات ما يمكن وصفه بـ”صدمة الطاقة”، بالنظر إلى انعكاساتها المباشرة على معدلات التضخم وأسعار المواد الأساسية والقدرة الشرائية للمواطنين عبر العالم.

    وعلى المستوى الوطني، فقد تزامنت هذه التطورات مع توقف العمل بأنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي سنة 2021، وهو ما وضع المغرب أمام تحديات إضافية مرتبطة بتأمين إمداداته من الغاز الطبيعي وتنويع مصادر التزود بالطاقة.

    وجاء ذلك في وقت كانت فيه المنظومة الطاقية الوطنية تواجه تحديات بنيوية مرتبطة بارتفاع التبعية الطاقية للخارج، التي ناهزت 88 في المئة من الحاجيات الطاقية، واستمرار الاعتماد الكبير على الوقود الأحفوري، رغم التقدم المحرز منذ إطلاق الاستراتيجية الطاقية الوطنية سنة 2009.

    وفي المقابل، راكمت المملكة خلال السنوات الماضية مؤهلات مهمة في مجال الطاقات المتجددة، مستفيدة من إمكاناتها الكبيرة في مجالي الطاقة الشمسية والريحية، ومن مشاريع استراتيجية واعدة، من قبيل الهيدروجين الأخضر ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي-الأطلسي، بما يفتح آفاقا لتعزيز الأمن الطاقي وتقليص التبعية للخارج.

    وأمام مخاطر انتقال آثار صدمة الطاقة العالمية إلى الداخل المغربي وما قد ينجم عنها من ارتفاع في أسعار الكهرباء وغاز البوتان وتفاقم الضغوط الاجتماعية، اختارت الدولة التدخل من خلال تعبئة موارد مالية استثنائية بلغت نحو 79 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين 2022 و2025، بهدف الحفاظ على استقرار الأسعار وحماية القدرة الشرائية للأسر.

    وفي هذا السياق، يطرح حجم التدخل المالي الذي خصصته الدولة لمواجهة تداعيات الأزمة، والمقدر بحوالي 79 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين ما 2022 و2025، تساؤلات حول الكيفية التي تم بها توظيف هذه الاعتمادات لتفادي انتقال صدمة الطاقة العالمية إلى الداخل المغربي، وما كان يمكن أن ينجم عنها من ارتفاع في أسعار الكهرباء وغاز البوتان وتفاقم الضغوط الاجتماعية.

    من تدبير الأزمة إلى تعزيز الأمن الطاقي

    فرضت التحولات التي عرفها قطاع الطاقة منذ سنة 2021 على المغرب تحديات مرتبطة بتأمين الإمدادات والتحكم في كلفة الطاقة، ما دفع وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة إلى تبني مقاربة تجمع بين التدخلات الآنية والإصلاحات الهيكلية، بهدف تعزيز صمود المنظومة الطاقية الوطنية والحد من تداعيات الأزمة على مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.

    ومن بين أبرز التدابير التي اتخذها المغرب لمواجهة تداعيات الأزمة الطاقية، تفعيل آلية التدفق العكسي لأنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي، وذلك عقب توقف العمل به في اتجاهه التقليدي سنة 2021.

    وسمح هذا الإجراء بتغيير اتجاه نقل الغاز من إسبانيا نحو المغرب، وتمكين المملكة من استيراد الغاز الطبيعي المسال من الأسواق الدولية، وضمان استمرارية تزويد محطتي تهدارت وعين بني مطهر بالغاز دون انقطاع.

    وفي هذا الصدد، أشار خبير الطاقات المتجددة محمد بوحاميدي إلى أن الدعم الذي خصصته الدولة خلال سنوات الأزمة كان ضروريا للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وحماية الأسر والمقاولات من الارتفاعات غير المسبوقة في أسعار الطاقة، غير أنه يؤكد أن الرهان على المدى البعيد يقتضي توجيه الجهود نحو الاستثمار في الطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية باعتبارهما الحل المستدام لتقليص فاتورة الطاقة وتعزيز الأمن الطاقي.

    وبالتوازي مع جهود تعزيز الأمن الطاقي، عملت وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة على تسريع تحديث البنيات التحتية الكهربائية لمواكبة الارتفاع المتزايد في حصة الطاقات المتجددة ضمن المزيج الطاقي الوطني، باستثمار 2.5 مليار درهم في مشاريع نقل الكهرباء خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025، مع برمجة استثمارات إضافية تناهز 30 مليار درهم خلال الفترة 2025-2030.

    وفي سياق تعزيز قدرة الشبكة الوطنية على استيعاب الإنتاج المتزايد من الكهرباء المتجددة، أطلقت المملكة عددا من المشاريع الهيكلية، أبرزها مشروع خط الضغط العالي جدا الرابط بين الجنوب والوسط بقدرة تصل إلى 3 جيغاواط، والذي يهدف إلى نقل الطاقات المتجددة.

    وتمت برمجة إضافة قدرات إنتاجية جديدة تصل إلى 15.672 ميغاواط خلال الفترة ما بين 2025 و2030، إلى جانب إدماج حلول التخزين الطاقي عبر إنجاز محطة منزل للضخ والتخزين بقدرة 350 ميغاواط المرتقب دخولها الخدمة سنة 2029، فضلا عن برمجة بطاريات تخزين بقدرة إجمالية تصل إلى 1.500 ميغاواط، في خطوة تروم تعزيز استقرار المنظومة الكهربائية الوطنية وتدبير الطابع المتقطع للطاقات المتجددة.

    ويرى محمد بوحاميدي في هذا الإطار أن تطوير شبكات نقل الكهرباء وتعزيز قدرات التخزين وتشجيع التصنيع المحلي لمعدات الطاقات المتجددة، إلى جانب تسريع برامج النجاعة الطاقية، تشكل عناصر أساسية لتعزيز استقلالية المملكة في المجال الطاقي، مشيرا إلى أن استمرار التبعية لاستيراد الوقود الأحفوري يظل أحد أبرز التحديات التي تواجه الأمن الطاقي الوطني، إذ يجعل الاقتصاد الوطني أكثر عرضة لتقلبات الأسعار والتحولات الجيوسياسية في الأسواق الدولية.

    وشملت التدابير المتخذة إصلاحا يهم الضريبة على القيمة المضافة المطبقة على الطاقة الكهربائية، وذلك في إطار مقتضيات قانون المالية لسنة 2024، الذي أقر مسارا تدريجيا لتوحيد أسعار هذه الضريبة، من خلال رفعها من 14 إلى 16 في المئة سنة 2024، ثم إلى 18 في المئة سنة 2025، وصولا إلى 20 في المئة ابتداء من سنة 2026. غير أن هذا الإصلاح أُرفق، خلال المرحلة الانتقالية، بآلية موازية تقوم على تخفيض التعريفات الصافية للكهرباء، بما يضمن عدم انعكاس الزيادة الجبائية على الفاتورة النهائية للمستهلكين، في إطار مقاربة تروم إصلاح النظام الضريبي مع الحفاظ على القدرة الشرائية للأسر.

    كما أطلقت الوزارة في يوليوز 2022 الحملة الوطنية للاقتصاد في الطاقة تحت شعار “الاقتصاد في الطاقة، ربح لنا ولبلادنا”، والتي أسفرت عن خفض الاستهلاك الوطني للكهرباء بنسبة 3 في المئة خلال شهر دجنبر 2022، أي ما يعادل اقتصادا يقدر بنحو 800 جيغاواط ساعة، كما تم توزيع 240 مليون درهم في إطار منح تحفيزية لفائدة الأسر المقتصدة.

    وإلى جانب هذه الإجراءات، واصلت الوزارة تنفيذ برامج الكهربة القروية في إطار تعزيز العدالة المجالية وفك العزلة عن المناطق النائية، حيث تم ربط 747 دوارا بالكهرباء خلال الفترة الممتدة من أكتوبر 2021 إلى غشت 2025، لفائدة 17 ألفا و361 أسرة، إلى جانب ربط 2059 مؤسسة تعليمية و738 مسجدا و207 مستوصفات، باستثمارات بلغت 706 ملايين درهم.

    وساهمت هذه الجهود في رفع معدل الكهربة الوطني إلى 99,91 في المئة، مقابل 99,80 في المئة سنة 2021، بما يعكس استمرارية ورش الكهربة القروية ودوره في تقليص الفوارق المجالية وتعزيز الاندماج الاقتصادي والاجتماعي للمناطق القروية.

    كما تم إطلاق برنامج PERG 2.0 القائم على الحلول الشمسية لفائدة الدواوير المعزولة التي يصعب ربطها بالشبكة التقليدية، وذلك من خلال اعتماد محطات كهروضوئية صغيرة وشبكات مصغرة أو تجهيز الأسر بأطقم شمسية فردية، بما يساهم في تعميم الولوج إلى الكهرباء وتقليص الفوارق المجالية وتعزيز التنمية المحلية المستدامة.

    تسريع الانتقال الطاقي وبناء أسس السيادة الطاقية

    بعد التدخلات الاستعجالية الرامية إلى الحد من تداعيات أزمة الطاقة العالمية، اتجه المغرب نحو إطلاق إصلاحات هيكلية تروم بناء نموذج طاقي أكثر قدرة على مواجهة الصدمات المستقبلية، وذلك من خلال تسريع الانتقال الطاقي وتعزيز الأمن والسيادة الطاقية.

    وفي هذا الإطار، عملت المملكة على تسريع الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية المرتبطة بالانتقال الطاقي، من خلال اعتماد القانون رقم 82.21 المتعلق بالإنتاج الذاتي للطاقة الكهربائية، إلى جانب القانون رقم 40.19 المعدل للقانون رقم 13.09 المتعلق بالطاقات المتجددة، والقانون رقم 48.15 المتعلق بتنظيم قطاع الكهرباء، بما ساهم في تعزيز انفتاح سوق الطاقة، وتوسيع ولوج المنتجين الخواص إلى الشبكة الكهربائية، وتشجيع الاستثمار الخاص في مشاريع الطاقات المتجددة.

    كما سجل المغرب تقدما ملحوظا في مجال الطاقات المتجددة، حيث ارتفعت حصته في القدرة الكهربائية المركبة من 37,1 في المئة سنة 2021 إلى 46,1 في المئة سنة 2025، مع إضافة 1733 ميغاواط من القدرات المتجددة الجديدة وتعبئة استثمارات تجاوزت 21 مليار درهم خلال الفترة نفسها، وهو ما يعكس تسارع وتيرة الانتقال الطاقي واقتراب المملكة من تحقيق هدفها المتمثل في رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 52 في المئة بحلول سنة 2030.

    وفي هذا الصدد، يرى المحلل الاقتصادي إدريس عيساوي أن المغرب انتقل بشكل ملموس من منطق التسيير الآني للأزمات إلى التأسيس التدريجي لنموذج طاقي أكثر مرونة وصمودا، مشيرا إلى أن الإصلاحات التشريعية والإنفاق الاستثنائي ساهما في تحويل المملكة إلى منصة جاذبة للمشاريع الكبرى والاستثمارات في مجالات الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر.

    وفي المقابل، أكد أن هذا الانتقال لا يزال يواجه تحديات بنيوية، في مقدمتها استمرار التبعية الطاقية للخارج، إلى جانب الفجوة القائمة بين ارتفاع القدرة الكهربائية المركبة ومحدودية مساهمة الطاقات المتجددة في الإنتاج الفعلي للكهرباء.

    رهانات الانتقال الطاقي وأهداف المغرب في أفق 2030

    رغم التقدم المسجل، لا تزال المملكة تواجه تحديات بنيوية مرتبطة باستكمال الانتقال الطاقي وتعزيز قدرتها على الصمود أمام التقلبات الدولية، خاصة في ظل استمرار التبعية الطاقية للخارج، التي لا تزال تناهز 88 في المئة من الحاجيات الطاقية الوطنية.

    وفي هذا الصدد، يرى المحلل الاقتصادي بدر زاهر الأزرق أن المغرب بدأ ينتقل من منطق تدبير الأزمة إلى منطق بناء الأمن الطاقي، من خلال الإصلاحات التي أُطلقت في مجالات الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والغاز الطبيعي، لكن هذا الانتقال ما زال في بدايته، لأن تحقيق السيادة الطاقية يحتاج إلى سنوات من الاستثمار، وإلى تسريع تنفيذ المشاريع، ورفع وتيرة الربط بالشبكات وتعزيز القدرات الصناعية المحلية المرتبطة بالطاقة.

    وتجسيدا لهذا التوجه، تراهن وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة على رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 52 في المئة من القدرة الكهربائية المركبة بحلول سنة 2030، مع استهداف بلوغ 59 في المئة وفق مخطط التجهيز الكهربائي الجديد، إلى جانب تعبئة استثمارات تناهز 120 مليار درهم خلال الفترة 2025-2030، يخصص أكثر من 100 مليار درهم منها لمشاريع الطاقات المتجددة.

    كما تشمل الأوراش المستقبلية تطوير البنية التحتية الغازية الوطنية، لاسيما إنجاز وحدة استيراد الغاز الطبيعي المسال بناظور غرب المتوسط وربطها بالأنبوب المغاربي-الأوروبي والمناطق الصناعية، فضلا عن إنجاز خط الضغط العالي جدا الرابط بين جنوب ووسط المملكة بقدرة 3 جيغاواط.

    وفي هذا الإطار، اعتبر محمد بوحاميدي أن مراجعة خارطة طريق الغاز الطبيعي وتسريع مشاريع الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر تعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى، موضحا أن الغاز الطبيعي يمكن أن يشكل طاقة انتقالية لضمان استقرار المنظومة الكهربائية، في حين يمنح الهيدروجين الأخضر للمغرب فرصة للتموقع كمركز إقليمي لإنتاج وتصدير الطاقة النظيفة، غير أن نجاح هذه المشاريع يظل رهينا بتسريع وتيرة الإنجاز وتكوين الموارد البشرية وتشجيع البحث العلمي وإشراك القطاع الخاص.

    كما يراهن المغرب على تعزيز موقعه كمركز إقليمي للطاقة النظيفة بين إفريقيا وأوروبا، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، إلى جانب تحقيق أهدافه المناخية المتمثلة في خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 53 في المئة في أفق 2035، والالتزام بالحياد الكربوني بحلول سنة 2050.

    وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق الطاقة العالمية، يبقى تعزيز الأمن والسيادة الطاقية من أبرز التحديات الاستراتيجية المطروحة أمام المغرب، بما سيحدد إلى حد كبير ملامح المنظومة الطاقية الوطنية وقدرتها على الصمود في أفق 2030 وما بعده.

  • تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.. بين حصيلة الإنجازات وأسئلة الرهانات

    تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.. بين حصيلة الإنجازات وأسئلة الرهانات

    بعد مرور أكثر من عقد على الاعتراف الدستوري باللغة الأمازيغية كلغة رسمية إلى جانب العربية، عاد ملف تفعيل طابعها الرسمي إلى واجهة النقاش العمومي، في ظل تسارع الإجراءات الحكومية الرامية إلى إدماجها في مختلف مناحي الحياة العامة.

    ويعد القانون التنظيمي رقم 26.16، الصادر سنة 2019، المرجع الأساسي لتحديد مراحل وكيفيات إدماج الأمازيغية في التعليم والإدارة والفضاءات العمومية، غير أن بداية الولاية الحكومية الحالية في أكتوبر سنة 2021 كانت تتسم بمحدودية التفعيل الميداني، سواء على مستوى خدمات الاستقبال والتوجيه، أو حضور الأمازيغية في التشوير والمواقع المؤسساتية.

    ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، تبرز مؤشرات جديدة تعكس تسارع وتيرة تنزيل هذا الورش، من خلال إحداث آليات مؤسساتية وتمويلية مخصصة، وتوسيع حضور اللغة الأمازيغية داخل المرافق العمومية واعتمادها بشكل متزايد في عدد من الخدمات والفضاءات الرسمية.

    أين وصل تنزيل الطابع الرسمي للأمازيغية؟

    ويؤكد عبد الله بادو، عضو المكتب التنفيذي للشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة، أن الولاية الحكومية الحالية شكلت مرحلة انتقالية في مسار تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، بعد الانتقال من حالة الجمود إلى الشروع في تنزيل إجراءات عملية مدعومة باعتمادات مالية مخصصة، همت تعزيز حضور الأمازيغية داخل الفضاءات وبعض الخدمات العمومية.

    وفي هذا السياق، تبرز حصيلة وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة أن الحكومة اتجهت إلى إرساء إطار مؤسساتي ومالي خاص بورش الأمازيغية في محاولة لتجاوز محدودية التنزيل، إذ كانت الإدارات العمومية تفتقر إلى خدمات استقبال مهيكلة باللغة الأمازيغية، كما كان حضورها شبه غائب في اللوحات واللافتات ومركبات الخدمة العمومية، فضلا عن غياب إطار ميزانياتي مخصص لهذا الورش أو بنية مؤسساتية مكلفة بتتبعه، إلى جانب محدودية الأدوات والمصطلحات الإدارية باللغة الأمازيغية.

    وأدرجت الوزارة دعم تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية ضمن صندوق تحديث الإدارة العمومية ودعم الانتقال الرقمي، إلى جانب إصدار نصوص تنظيمية تحدد معايير الاستفادة من هذا الدعم بالنسبة للقطاعات الوزارية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، فضلا عن الجمعيات والقطاع الخاص.

    وتم أيضا إحداث مديرية مخصصة ضمن الهيكل التنظيمي للوزارة، مكلفة بتطوير استعمال اللغة الأمازيغية داخل الإدارات العمومية وتتبع هذا الورش وتنسيق تنزيله بين مختلف القطاعات، في خطوة تعكس انتقال ملف الأمازيغية من بعده الرمزي والثقافي إلى مستوى السياسات العمومية المهيكلة.

    إدماج الأمازيغية في الإدارات العمومية

    وأبرز تقرير حصيلة وزارة الانتقال الرقمي برسم الولاية الحكومية 2021-2026 تسجيل تقدم على مستوى تقريب الخدمات العمومية من المواطنين الناطقين بالأمازيغية، بعد سنوات من محدودية حضور هذه اللغة داخل المرافق الإدارية.

    وفي هذا الإطار، تم توظيف 491 عونا متخصصا لتأمين خدمات الاستقبال والتوجيه باللغات الأمازيغية بتنويعاتها الوطنية الثلاث؛ تاريفيت وتاشلحيت وتامازيغت، على مستوى المصالح المركزية واللاممركزة، إلى جانب تعبئة 1387 عونا إضافيا من خلال اتفاقيات خاصة، فضلا عن تخصيص 75 عونا للاستقبال الهاتفي باللغة الأمازيغية على مستوى 11 مركزا للاتصال تعرف ضغطا مرتفعا من حيث طلبات المواطنات والمواطنين.

    وشهدت السنوات الخمس الماضية بدء الإدارات العمومية في اعتماد التشوير ثنائي اللغة، من خلال نشر أكثر من 3153 لوحة ولافتة مدمجة للغة الأمازيغية على مستوى ثماني إدارات، مع وجود أكثر من ألفي لوحة إضافية في طور الإنتاج، إلى جانب برمجة إدماج الأمازيغية داخل المحطات الطرقية والمطارات والموانئ والطرق والطرق السيارة.

    ويؤكد لحسن أمقران، أستاذ اللغة والثقافة الأمازيغية، أن توظيف أعوان للاستقبال واعتماد التشوير الثنائي والترجمة الرقمية يمثل “خطوات مهمة لكسر الحاجز النفسي واللغوي بين الإدارة والمواطن”، خاصة بالنسبة لسكان المناطق القروية والجبلية وكبار السن الذين يواجهون صعوبات في التواصل مع الإدارة.

    وشدد أمقران على أن حضور الأمازيغية، بحروف “تيفيناغ” في الإدارات، يحمل بعدا رمزيا يتمثل في تعزيز شعور الناطقين بها بالتمثيل داخل الفضاء العام.

    وتبرز الحصيلة أن هذا الورش امتد ليشمل وسائل النقل والمركبات العمومية، حيث تم جرد 20 ألفا و385 مركبة تابعة للمديرية العامة للأمن الوطني ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية والدرك الملكي والوقاية المدنية والمفتشية العامة للقوات المساعدة. كما تم إدراج الكتابة بالأمازيغية على 512 مركبة تابعة للأمن الوطني ووزارة الصحة، مع برمجة تعميمها على 19 ألفا و402 مركبة إضافية خلال السنوات المقبلة، في إطار تعزيز حضور الأمازيغية في الفضاء العمومي وترسيخ هويتها البصرية داخل المرافق والخدمات التابعة للدولة.

    وعلى المستوى الرقمي، شهدت المواقع المؤسساتية بدورها خطوات نحو اعتماد ثنائية اللغة، من خلال ترجمة 310 آلاف و292 كلمة تهم محتويات المواقع الإلكترونية ووثائق التواصل الخاصة بـ12 مؤسسة، من بينها رئاسة النيابة العامة، ووزارة الشباب والثقافة والتواصل، ووزارة النقل واللوجستيك، ووزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، والصندوق المغربي للتقاعد، فضلا عن إنجاز دراسة لتقييم مستوى إدماج اللغة الأمازيغية في المواقع الإلكترونية الرسمية وإعداد خارطة طريق عملية لتنزيلها.

    وموازاة مع ذلك، عملت “وزارة السغروشني” على دعم التكوين والمصطلحية الإدارية، من خلال تكوين 130 موظفا في مجال التواصل باللغة الأمازيغية، وإعداد معجم إداري يضم 7949 مصطلحا بالأمازيغية، بهدف تيسير استعمال الأمازيغية داخل الإدارة وتعزيز التواصل الثنائي بين اللغتين الرسميتين للمملكة.

    الأثر على المواطن الناطق باللغة الأمازيغية

    تمثل الولاية الحكومية 2021-2026، وفق معطيات الحصيلة، مرحلة انتقالية في مسار تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، من مستوى الاعتراف الدستوري إلى مستوى الولوج التدريجي إلى خدمات عمومية متاحة باللغة الأمازيغية.

    وبهذا الصدد، شرعت مجموعة من الإدارات والمؤسسات العمومية في السنوات الأخيرة في تعزيز حضور الأمازيغية داخل الفضاء الإداري، سواء من خلال تعبئة ما يقارب ألفي عون للاستقبال والتوجيه باللغة الأمازيغية، أو عبر إدماجها في اللوحات واللافتات ومركبات الخدمة العمومية.

    واتجهت المواقع الإلكترونية الرسمية تدريجيا نحو اعتماد ثنائية اللغة، بما يتيح للمواطنين الناطقين بالأمازيغية الولوج إلى المعلومات والخدمات الرقمية بلغتهم، في حين أصبح بإمكانهم متابعة الجلسات العامة للبرلمان والندوات الصحفية الحكومية باللغة الأمازيغية.

    وامتد أثر هذا الورش إلى الفاعلين الاقتصاديين والمدنيين، إذ تتيح الآليات الجديدة لدعم تفعيل الأمازيغية إمكانية تمويل مشاريع تروم إدماج “تيفيناغ” في الخدمات والوسائط التواصلية، بما يساهم في توسيع استعمالها خارج المجال الإداري والثقافي.

    وعلى مستوى تدبير الشأن العام، انتقلت الأمازيغية تدريجيا من كونها موضوعا ذا بعد رمزي وثقافي إلى مكون يندرج ضمن السياسات العمومية.

    ويعكس إعداد 25 مخططا قطاعيا وإطلاق تجربة نموذجية على مستوى 40 جماعة ترابية تشمل الاستقبال، والتكوين، وحملات التحسيس، والمواقع الإلكترونية، وإدراج اللغة الأمازيغية على علامات 12.725 مركبة، تشمل سيارات الإسعاف، ونقل الأموات، والنقل المدرسي، إضافة إلى التشوير داخل 30 محطة طرقية، (يعكس) توجها نحو إرساء مقاربة مؤسساتية تروم التعميم التدريجي لهذا الورش في أفق سنة 2030.

    ورغم هذه المؤشرات التي تعكس تقدما في مسار تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، يرى عدد من الفاعلين والباحثين في الشأن الأمازيغي أن الأثر الفعلي لهذه الإجراءات على الحياة اليومية للمواطنين الناطقين باللغة الأمازيغية لا يزال محدودا، وأن هذا الورش يواجه مجموعة من التحديات.

    وفي هذا السياق، أشار أمقران إلى وجود عدد من التحديات التي تحد من الأثر الفعلي لهذه الإجراءات، معتبرا أن خدمات الاستقبال باللغة الأمازيغية لا تزال في كثير من الأحيان “حبيسة البوابة”، في ظل عدم توفر أطر تتقن الأمازيغية في مختلف مراحل المسار الإداري.

    وأشار المتحدث إلى استمرار تأخر إدماج الأمازيغية في بعض القطاعات الحيوية، لاسيما قطاع العدالة، بسبب غياب مترجمين معتمدين ومحلفين داخل المحاكم، وهو ما يطرح تحديات مرتبطة بتمكين المتقاضين من التواصل بلغتهم الأم.

    ومن جهته، أكد عبدالله بادو أن هذه الإجراءات لم تنعكس بعد بشكل كامل على الحياة اليومية لجزء من المواطنين الناطقين بالأمازيغية، خاصة في المناطق القروية، معتبرا أن العديد منهم لا يزالون يواجهون صعوبات لغوية عند الولوج إلى عدد من المرافق والخدمات العمومية.

    وفي تقييمه للحصيلة، اعتبر بادو أن بعض التدابير المتخذة ما تزال تتسم بطابع جزئي، إذ يرتكز جزء منها على حلول مؤقتة، من قبيل الاستعانة بأعوان استقبال ومقدمي خدمات، بدل إرساء مأسسة شاملة تدمج الأمازيغية داخل مختلف مستويات الوظيفة العمومية.

    وأشار إلى أن حضور الأمازيغية في عدد من المنصات والخدمات الرقمية ما يزال في كثير من الأحيان شكليا، إذ لا يشمل مختلف الخدمات والوثائق والمساطر الرقمية، فضلا عن محدودية حضورها في عدد من المنصات الوطنية الكبرى، مثل منصات الدعم الاجتماعي المباشر والسجل الاجتماعي الموحد وبعض البوابات القانونية والإدارية الموجهة للمواطنين.

     ودعا، في هذا السياق، إلى تعزيز آليات الحكامة والتتبع وربط المسؤولية بالمحاسبة في تنزيل الطابع الرسمي للأمازيغية.

    2030 ورهان تعميم الأمازيغية في مختلف المرافق العمومية

    وتعي الحكومة حجم التحديات التي تواجه ورش تنزيل الطابع الرسمي للأمازيغية، لذلك تُراهن خلال الفترة الممتدة ما بين 2026 و2030 على الانتقال إلى مرحلة التعميم التدريجي لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.

    وتشمل هذه المرحلة توسيع تنزيل الورش ليشمل مجموع الجماعات الترابية، ومواصلة إدماج الأمازيغية في المركبات العمومية، وإطلاق منصة للتعليم عن بعد مخصصة للغة الأمازيغية، إلى جانب مواصلة ترجمة النصوص التشريعية وإعداد معجم قانوني متخصص.

    وفي هذا الإطار، أشار لحسن أمقران إلى أن الانتقال من “التدابير الترقيعية” إلى “المأسسة الشاملة” يقتضي التركيز على ثلاثة أوراش أساسية، تتمثل في تسريع تعميم تدريس اللغة الأمازيغية في السلكين الابتدائي والإعدادي، وتعزيز تكوين الموارد البشرية، إلى جانب دعم حضور الأمازيغية في مسار التحول الرقمي من خلال تطوير تطبيقات وخدمات حكومية رقمية تدعم حرف “تيفيناغ” وتيسر الولوج إلى الخدمات الرقمية التفاعلية لفائدة الناطقين بالأمازيغية.

    ودعا إلى تسريع وتيرة ترجمة النصوص التشريعية والقانونية، بما في ذلك الدساتير والقوانين التنظيمية ومدونة الأسرة وقانون الالتزامات والعقود، معتبرا أن “القوانين لا تحمي من لا يفهمها”.

    وفي السياق ذاته، يؤكد عبدالله بادو أن إنجاح المرحلة المقبلة يقتضي الانتقال من منطق التدابير القطاعية إلى مأسسة فعلية للأمازيغية داخل مختلف السياسات العمومية، وذلك من خلال مأسسة حضورها داخل الوظيفة العمومية، وتسريع تعميم تدريسها وتأهيل الموارد البشرية، إلى جانب مراجعة الإطار القانوني وتعزيز آليات التتبع والتقييم.

    وشدد بدوره على ضرورة تعزيز حضور الأمازيغية في مجالي العدالة والإعلام، والانتقال من حضورها الرمزي في الفضاء العام إلى استعمالها كلغة وظيفية تضمن الولوج الفعلي للمواطنين إلى الخدمات والحقوق.

    ومن هذا المنطلق، ورغم ما تحقق من تقدم في مسار تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وانتقاله من مستوى الاعتراف الدستوري إلى مرحلة التفعيل المؤسساتي، يبقى الرهان الأساسي للحكومة المقبلة متمثلا في ضمان استفادة المواطنين الناطقين بالأمازيغية من خدمات عمومية متاحة بلغتهم بشكل فعلي ومتوازن على مختلف جهات المملكة، بما يترجم المقتضيات الدستورية إلى ممارسات يومية ملموسة.

  • كثافة التشريع.. حصيلة إصلاح العدالة بين الجرأة وكلفة الجدل

    كثافة التشريع.. حصيلة إصلاح العدالة بين الجرأة وكلفة الجدل

    ظلت أوراش كبرى لإصلاح العدالة لسنوات حاضرة في النقاش المؤسساتي والقانوني بالمغرب، فيما بقيت نصوص أساسية تنتظر المراجعة أو الحسم، رغم التحولات التي عرفها المجتمع وتطور انتظارات المواطنين والمهنيين.

    وبين تعقيد المساطر، وتراكم القضايا، وتحديات السياسة الجنائية، وضغط التحول الرقمي، استمر سؤال تحديث منظومة العدالة، مع الحفاظ على التوازن بين النجاعة القضائية وضمان الحقوق والحريات، يطرح نفسه بقوة.

    وسط هذا المشهد، تولى عبد اللطيف وهبي حقيبة العدل في أكتوبر 2021، ليجد أمامه تراكما من المشاريع والقوانين والمطالب المهنية التي امتد بعضها عبر حكومات متعاقبة.

    وغير أن أوراش الإصلاح بدأت قبل الحكومة الحالية، فالسمة التي طبعت الولاية الحالية تمثلت في فتح عدد من الملفات الثقيلة، والدفع بها من دائرة الانتظار إلى مراحل التشريع والتنفيذ.

    من المسطرتين المدنية والجنائية إلى العقوبات البديلة، ومن تنظيم المؤسسات السجنية إلى إعادة تأطير المهن القانونية والقضائية، ارتبط اسم وهبي بأوراش أثارت نقاشات واسعة واحتجاجات مهنية وخلافات انتقلت، في بعض المحطات، من طاولات الحوار إلى البرلمان ووسائل الإعلام.

    وفي أكثر من مناسبة، بدا الجدل حول شخصية الوزير وتصريحاته أعلى صوتا من النقاش حول طبيعة التحولات التي كانت تتحرك داخل الوزارة. ومع الاقتراب من نهاية الولاية الحكومية، يصبح السؤال المحوري حول الحصيلة التشريعية، ماذا تحقق؟ وهل تعبر كثافة النصوص التي تم إخراجها عن تحول فعلي في منظومة العدالة، أم عن إنتاج تشريعي سيظل أثره رهينا بقدرة المؤسسات على التنفيذ؟

    المسطرة المدنية.. من تراكم الملفات إلى فتح الأوراش الثقيلة

    تكشف قراءة حصيلة وزارة العدل عن تحرك الإصلاح على ثلاثة مستويات متوازية؛ قوانين دخلت حيز التنفيذ، ومشاريع قطعت مراحل متقدمة من المسطرة التشريعية، وأوراش ما تزال في طور الإعداد أو التفاوض.

    ولا تكمن خصوصية هذه الحصيلة في العدد وحده، وإنما في طبيعة المجالات التي مستها، فقد تحرك الإصلاح من قواعد التقاضي المدني والجنائي إلى فلسفة العقوبة وظروف تنفيذها، ومن التنظيم القضائي إلى المهن المرتبطة بالمحكمة، بالتوازي مع تحديث البنية التحتية والموارد البشرية وتوسيع الخدمات الرقمية.

    ويتقدم القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية قائمة الأوراش الكبرى التي طبعت هذه المرحلة، الذي يحدد الطريق الذي تسلكه الدعوى منذ ولوجها إلى المحكمة، مرورا بالتبليغ والإجراءات والطعن، وصولا إلى صدور الحكم وتنفيذه.

    وتنبع أهمية مراجعة هذا النص من كون قواعد التقاضي المدني ظلت تواجه تحديات مرتبطة بطول الآجال وتعقيد بعض المساطر وصعوبة تنفيذ الأحكام، بالتوازي مع الحاجة إلى إدماج التكنولوجيا في العمل القضائي.

    وقد مر القانون بمسار دستوري وتشريعي دقيق، قبل إحالته على المحكمة الدستورية، التي صرحت بتاريخ 4 غشت 2025، بعدم مطابقة بعض مقتضياته للدستور. وبعد تعديل النص وترتيب الأثر على القرار، صودق على الصيغة الجديدة، قبل نشر القانون في الجريدة الرسمية بتاريخ 29 يناير 2026.

    ولا تقتصر أهمية المسطرة المدنية الجديدة على تحديث الإجراءات التقليدية، بل تمتد إلى توفير سند تشريعي للتحول الرقمي، إذ إن بناء محكمة رقمية لا يمكن أن يتم عبر التطبيقات والمنصات وحدها، وإنما يحتاج إلى قواعد تمنح الإجراءات والوثائق الإلكترونية حجيتها القانونية وتنظم موقع التكنولوجيا في مختلف مراحل التقاضي.

    المسطرة الجنائية.. الإصلاح في منطقة الحقوق والحريات

    وبموازاة ذلك، شكل القانون رقم 03.23 المعدل للمسطرة الجنائية واحدا من أكثر الأوراش حساسية، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالحرية الفردية والحراسة النظرية والبحث والتحقيق والمحاكمة وحقوق الدفاع.

    وقد نشر القانون في الجريدة الرسمية في 8 شتنبر 2025، حاملا مقتضيات تتعلق بالتسجيل السمعي البصري للمشتبه فيهم الموضوعين تحت الحراسة النظرية في بعض الجرائم، وتنظيم ظروف تغذيتهم، وإحداث قاعدة بيانات مركزية للسجل العدلي، إلى جانب تدابير تراعي وضعية الأطفال الموجودين في تماس مع القانون.

    وتكمن حساسية النص في المعادلة التي تحكم كل سياسة جنائية، أي منح الدولة الوسائل الضرورية للبحث عن الجرائم وحماية المجتمع، مع إحاطة هذه السلطة بضمانات تحمي حقوق الأشخاص وتصون شروط المحاكمة العادلة.

    وبهذا المعنى، لم تمثل مراجعة المسطرة الجنائية تعديلا تقنيا لبعض المواد، وإنما محاولة لإعادة ترتيب جوانب من العلاقة بين سلطة البحث وحقوق الأفراد، فيما سيظل الاختبار الحقيقي مرتبطا بكيفية تنزيل الضمانات وتوحيد تطبيقها داخل مختلف المحاكم.

    وفي قراءة لطبيعة هذه الدينامية التشريعية، يرى خليل عبد العزيز، المحامي بهيئة الرباط والخبير القانوني، أن ولاية عبد اللطيف وهبي تميزت بإعطاء دفعة قوية لعدد من الأوراش الإصلاحية، في إطار تنزيل التوجيهات الملكية الرامية إلى تعزيز سيادة القانون، وتسريع البت في القضايا، وتقريب العدالة من المواطن.

    ويعتبر عبد العزيز أن الوزارة قادت ورشا تشريعيا واسعا شمل إصلاح المسطرة الجنائية، وتعزيز حقوق الدفاع، وتوسيع نطاق العقوبات البديلة، وتنظيم مهنة المفوضين القضائيين بموجب القانون رقم 46.21، إلى جانب أوراش مرتبطة بالتوثيق والأمن التعاقدي وحماية الحقوق العينية.

    ويرى أن أهمية هذه الإصلاحات لا تكمن فقط في عدد النصوص، وإنما في اتصالها المباشر بحقوق المواطنين ومصالحهم، سواء تعلق الأمر بضمانات المحاكمة، أو تنفيذ الأحكام، أو حماية المعاملات القانونية والعقارية وتحسين البيئة الاستثمارية.

    لكن قياس أثر هذه الدينامية لا يمكن أن يتوقف عند النصوص، فالقانون لا يتحول إلى إصلاح بمجرد نشره، وإنما حين تبدأ مقتضياته في تغيير الممارسة، ومن بين مختلف الأوراش المفتوحة، تقدم العقوبات البديلة نموذجا يسمح بقياس المسافة بين إخراج القانون وبدء إنتاج أثره.

    العقوبات البديلة.. ثورة في قلب السياسات الزجرية

    يعد القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة أحد أبرز النصوص التي ميزت هذه المرحلة، ليس فقط لأنه أضاف أنواعا جديدة من العقوبات، بل لأنه أعاد طرح السؤال حول فلسفة الجزاء الجنائي نفسها.

    فبعدما ظل السجن العقوبة المركزية في التعامل مع عدد واسع من الجرائم، فتح القانون المجال أمام بدائل تستهدف تحقيق التناسب بين الجريمة والجزاء، وتشجيع إعادة الإدماج، وترشيد اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية.

    وتشمل هذه البدائل الغرامة اليومية، والعمل لأجل المنفعة العامة، وتقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية، إضافة إلى المراقبة الإلكترونية.

    وبعد ثمانية أشهر من دخول القانون حيز التنفيذ، كشف وزير العدل، في جواب عن سؤال كتابي للنائبة البرلمانية لطيفة أعبوث، أن عدد العقوبات البديلة الصادرة بلغ، إلى غاية 14 أبريل 2026، ما مجموعه 2605 عقوبات.

    وتصدرت الغرامة اليومية القائمة بـ1075 مقررا، أي 41 في المئة من المجموع، تلاها العمل لأجل المنفعة العامة بـ1027 عقوبة، بنسبة 39 في المئة، ثم تقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية بـ483 مقررا، أي 19 في المئة، فيما ظل اللجوء إلى المراقبة الإلكترونية محدودا في 20 عقوبة فقط، بما يمثل واحدا في المئة.

    ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في عدد الأحكام فقط، وإنما في أثرها المباشر، فقد مكن تطبيق القانون، وفق معطيات الوزير، من الإفراج عن 1578 معتقلا، كما جنب 90 شخصا مدانا كانوا يتابعون في حالة سراح دخول المؤسسات السجنية.

    وبالنسبة إلى مئات الأسر، أصبحت العقوبات البديلة تغييرا فعليا في مسار تنفيذ العقوبة، فيما يمكن أن تساهم، بالنسبة إلى المؤسسات السجنية، في الحد من الاكتظاظ وتوجيه الإمكانات والبرامج التأهيلية نحو الحالات التي تقتضي طبيعة جرائمها تنفيذ عقوبات سالبة للحرية.

    غير أن الأرقام تكشف أيضا حدود التنزيل، فاستحواذ الغرامة اليومية والعمل لأجل المنفعة العامة على معظم الأحكام، مقابل محدودية المراقبة الإلكترونية، يعكس استمرار صعوبات مرتبطة بتفعيل بعض العقوبات ذات الطابع التقني.

    وقد أقر وهبي بوجود تحديات تتعلق بتتبع تطبيق المقررات القضائية، وتنوع الوضعيات الإجرائية، وحالات رفض التنفيذ أو الإخلال بشروطه، إلى جانب ضعف تفعيل بعض العقوبات، داعيا إلى تعزيز الآليات القانونية والتنظيمية وتقوية العدالة التصالحية والوساطة الجنائية.

    كما طالب بتوسيع نطاق الجرائم القابلة للاستفادة من العقوبات البديلة، مع مراعاة طبيعة الجريمة وخطورتها وشخصية مرتكبها وإمكانية جبر الضرر.

    من العقوبة إلى السجن وإعادة الإدماج

    لم يتوقف إصلاح السياسة العقابية عند إيجاد بدائل للسجن، بل امتد إلى ظروف تنفيذ العقوبة من خلال القانون رقم 10.23 المتعلق بتنظيم وتدبير المؤسسات السجنية، الصادر سنة 2024.

    وتنبع أهمية النص من كونه ينقل الإصلاح من قاعة المحكمة إلى مرحلة تنفيذ الحكم، لأن العدالة لا تنتهي بصدور العقوبة، وإنما تشمل أيضا ظروف الاعتقال وحماية كرامة السجين وإعداده للعودة إلى المجتمع.

    ويتقاطع هذا التوجه مع تطور اللجوء إلى الإفراج المقيد بشروط، إذ ارتفع عدد المستفيدين من 13 شخصا خلال الفترة الممتدة من أكتوبر إلى نهاية 2021، إلى 160 سنة 2022، ثم 204 سنة 2023، و420 سنة 2024، وصولا إلى 447 مستفيدا إلى غاية 14 أكتوبر 2025.

    كما أبرمت الوزارة مذكرة تفاهم مع مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، بهدف مواكبة المستفيدين من الإفراج المقيد بشروط ومساعدتهم على الاندماج في النسيجين الاجتماعي والاقتصادي.

    وتكشف هذه الدينامية توجها نحو توسيع أدوات السياسة الجنائية خارج منطق السجن وحده، من خلال الجمع بين العقوبات البديلة والإفراج المقيد بشروط وإعادة الإدماج. غير أن نجاح هذه السياسة يظل مرتبطا بقدرة المؤسسات على مواكبة المستفيدين اجتماعيا واقتصاديا حتى لا تتحول البدائل القانونية إلى حلول مؤقتة.

    الرقمنة.. إصلاح لا يرى في القانون فقط

    إذا كانت المسطرتان المدنية والجنائية والعقوبات البديلة تمثل الواجهة التشريعية للإصلاح، فإن الرقمنة شكلت وجهه التنفيذي الأكثر اتصالا بالحياة اليومية للمرتفقين.

    فقد تجاوزت نسبة الطلبات الإلكترونية للسجل العدلي 80 في المئة، فيما ناهزت طلبات شهادة الجنسية المغربية المقدمة عن بعد 90 في المئة من مجموع الطلبات المعالجة.

    كما تم إطلاق بوابة إلكترونية لطلبات العفو والإفراج المقيد، وخدمة الأداء الإلكتروني للغرامات، وتطبيق “محاكم”، والبوابة الإلكترونية للشكايات، والمكتبة القانونية الرقمية “عدالة”، ومنصة الحماية الإلكترونية “e-Himaya”، إلى جانب خدمات تتبع الملفات وجدول الجلسات وأداء مخالفات السير.

    وامتدت الرقمنة إلى العلاقة بين المحاكم والمهن القانونية والمؤسسات، من خلال منصات للتبادل الإلكتروني مع المحامين والمفوضين القضائيين والخبراء، وأخرى لتتبع تنفيذ الأحكام الصادرة في حق أشخاص القانون العام، مفعلة لفائدة 17 وزارة و20 مؤسسة عمومية، فضلا عن التبادل الإلكتروني مع الأبناك وشركات التأمين وعدد من الإدارات.

    وخلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2024، خصصت الوزارة أكثر من 124.6 مليون درهم للمشاريع الرقمية على مستوى الإدارة المركزية، ونحو 315.5 مليون درهم على المستوى الإقليمي.

    وبالنسبة إلى المواطن، يفترض أن يترجم هذا التحول إلى تقليص عدد التنقلات نحو المحاكم، وتبسيط الحصول على الوثائق والخدمات، وتقليص زمن الانتظار، فيما يمنح المهنيين إمكانية تتبع الملفات وتبادل المعطيات بشكل أسرع.

    وفي هذا السياق، يعتبر المحامي خليل عبد العزيز أن ورش الرقمنة وإرساء تصور المحكمة الرقمية الموحدة يمثلان أحد أبرز الإنجازات الاستراتيجية خلال ولاية وهبي، بالنظر إلى ما تتيحه الخدمات الرقمية من إمكانات لتتبع الملفات القضائية ومواعيد الجلسات والإجراءات والأحكام عن بعد.

    ويرى أن المشروع، القائم على التنسيق بين وزارة العدل والسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة وهيئات المحامين، يمكن أن يشكل أداة مهمة لتعزيز الشفافية ومحاربة بعض مظاهر الفساد والبيروقراطية، من خلال التتبع الفوري والدقيق للعمليات القضائية والإدارية.

    حلقات متكاملة في مسار العدالة

    لم تقتصر الدينامية على قواعد التقاضي والعقوبة، بل امتدت إلى المؤسسة القضائية نفسها، من خلال القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي وتعديله بموجب القانون رقم 73.24.

    ويؤطر هذا الورش أصناف المحاكم وبنياتها واختصاصاتها والإدارة القضائية، فيما جرى، في إطار تنزيله، تحديث الخريطة القضائية للمملكة، في محاولة لتقريب الخدمات من المواطنين ومراعاة التحولات الديمغرافية والمجالية.

    كما شملت الدينامية قوانين تنظيمية مرتبطة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة، في سياق استكمال البناء المؤسساتي للسلطة القضائية بعد تكريس استقلالها.

    لكن فعالية العدالة لا تتوقف عند القاضي أو صدور الحكم، لأن مسار القضية يمر عبر مهن تضطلع بالتبليغ والتنفيذ والخبرة والترجمة والتوثيق والدفاع. وفي هذا الإطار، صدر القانون رقم 46.21 المتعلق بتنظيم مهنة المفوضين القضائيين، وهي مهنة ترتبط مباشرة بتبليغ الإجراءات وتنفيذ الأحكام، فالحكم لا يحقق غايته إذا تعثر تبليغه أو تنفيذه، ما يجعل إصلاح هذه الحلقة مرتبطا مباشرة بقدرة المواطن على الحصول فعليا على الحق الذي أقره له القضاء.

    كما شمل الورش الخبرة القضائية من خلال القانون رقم 44.22، إلى جانب إعداد مشروع قانون جديد لتنظيم مهنة الخبراء القضائيين، فضلا عن صدور القانون رقم 52.23 المتعلق بمهنة التراجمة المحلفين المقبولين لدى المحاكم.

    وفي مجال التكوين، صدر القانون رقم 37.22 المتعلق بالمعهد العالي للقضاء، في تأكيد أن تغيير القوانين يحتاج إلى موارد بشرية قادرة على استيعابها وتطبيقها.

    وامتدت الحصيلة إلى القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، الذي يؤطر وسائل بديلة لتسوية المنازعات خارج القضاء التقليدي، بما يمكن أن يخفف الضغط على المحاكم ويوفر آليات أكثر مرونة، خصوصا في النزاعات التجارية والاستثمارية.

    كما شمل الإصلاح القانون رقم 71.24 المتعلق بمقتضيات الشيك، وهو مجال تتقاطع فيه السياسة الجنائية مع حماية الثقة في المعاملات الاقتصادية، حيث يرتبط الرهان بإيجاد توازن بين ضمان حقوق المستفيد وعدم الإفراط في توظيف العقوبة السالبة للحرية.

    وامتدت الإصلاحات إلى الأمن التعاقدي وحماية الحقوق العينية، من خلال الاشتغال على سجل الوكالات الرسمية وتنظيم دورات تكوينية للتعريف به وضمان حسن استعماله، بما يوفر إمكانية أفضل للتحقق من الوكالات ويعزز الثقة في المعاملات القانونية والعقارية والبيئة الاستثمارية.

    بين المنجز والأوراش المفتوحة

    إلى جانب القوانين النافذة، تضم حصيلة الوزارة مشاريع لم تستكمل جميع مراحلها، في مقدمتها مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، الذي صادق عليه مجلس الحكومة في 8 يناير 2026، قبل مواصلة دراسته بالبرلمان بغرفتين والمصادقة عليه، قبل إحالته على المحكمة الدستورية، المنتظر منها حسم الجدل الذي رافق مشروع القانون بسبب رفض المحامين له.

    ويكتسي القانون حساسية خاصة بالنظر إلى موقع المحاماة في منظومة العدالة وارتباطها بحقوق الدفاع وضمان شروط المحاكمة العادلة، وهو ما يفسر النقاش المهني الواسع الذي رافقه.

    كما يوجد مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، الذي صادق عليه مجلس النواب في أبريل 2026، إلى جانب مشروع القانون رقم 58.24 المتعلق بمهنة التوثيق، وهما مجالان يرتبطان مباشرة بالأمن التعاقدي وتوثيق الحقوق والمعاملات الأسرية والعقارية والمالية.

    وتشمل المشاريع كذلك مشروع القانون رقم 53.23 المتعلق بالرسوم والمصاريف القضائية، وهو نص يرتبط بكلفة الولوج إلى العدالة، إلى جانب مشاريع إحداث البنك الوطني للبصمات الجينية، ومراجعة بعض مقتضيات مدونة الأسرة، ومراجعة مجموعة القانون الجنائي.

    التنفيذ.. من النص إلى المؤسسة

    منذ بداية الولاية، باشرت الوزارة 118 مشروعا في مجالي البناء والتهيئة بمختلف الدوائر القضائية، منها 35 مشروعا مدشنا بكلفة 1.35 مليار درهم، و20 مشروعا جاهزا للتدشين، و13 ورشا مفتوحا، إضافة إلى 50 مشروعا في طور الدراسة.

    كما تم إحداث وتجهيز 39 خلية للتكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف، إلى جانب 23 فضاء أزرق داخل أقسام قضاء الأسرة، صممت لتوفير ظروف أكثر ملاءمة للأطفال أثناء تفاعلهم مع النظام القضائي.

    ولا يتعلق الأثر هنا بتحديث المباني وحدها، بل بتحسين ظروف استقبال المتقاضين، وخاصة الفئات الأكثر هشاشة، داخل فضاء العدالة.

    وعلى مستوى الموارد البشرية، شهدت الولاية نقل المناصب المالية والوضعيات الإدارية للقضاة والملحقين القضائيين إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وتخصيص 450 منصبا ماليا على مدى ثلاث سنوات لدعم أقسام قضاء الأسرة، وإحداث المعهد الوطني لكتابة الضبط والمهن القانونية والقضائية.

    كما أشرفت الوزارة على برامج تكوينية لفائدة أطرها ومديريها الإقليميين والمساعدين الاجتماعيين، خصوصا في ما يتعلق بالعقوبات البديلة والمستجدات التشريعية، وعقدت، وفق معطيات الحصيلة، 42 جلسة مع الفرقاء الاجتماعيين بين سنة 2021 وماي 2026.

    غير أن الخصاص في الموارد البشرية يظل من أبرز التحديات، إذ يقدر بنحو 4500 موظف، وهو خصاص ترافع وزير العدل من أجل تقليصه عبر إحداث مناصب مالية جديدة.

    ويعتبر المحامي خليل عبد العزيز أن الاستثمار في التكوين والعنصر البشري يمثل شرطا أساسيا لإنجاح الإصلاحات، لأن المحكمة الرقمية تحتاج إلى موظفين قادرين على تشغيلها، والعقوبات البديلة إلى أطر تتولى تتبعها، فيما تتطلب القوانين الجديدة تكوينا مستمرا يضمن حسن فهمها وتطبيقها.

    ويخلص الخبير القانوني، في تقييم أكاديمي، إلى أن حصيلة عبد اللطيف وهبي تعكس “قيادة عملية وطموحة” نجحت في إعطاء دفعة قوية لإصلاح منظومة العدالة، خصوصا من خلال الرقمنة وتحديث التشريعات والانكباب على قضايا تمس في جوهرها حقوق المواطنين ومصالحهم.

    ومع ذلك، يعتبر أن الخصاص في الموارد البشرية وتحديات التنسيق المؤسساتي يحتاجان إلى معالجة أسرع، حتى تتمكن المنظومة من استيعاب الترسانة القانونية التي أخرجت خلال هذه الولاية، ويرى أن الدينامية التي أطلقها وهبي يمكن أن تشكل إرثا إصلاحيا مهما، شرط ضمان استمرارها وتسريع التنفيذ وتوفير الموارد اللازمة.

    كلفة الإصلاح.. بين منطقي التصادم والحسم

    وتكشف حصيلة عبد اللطيف وهبي على رأس وزارة العدل عن مرحلة اتسمت بكثافة الأوراش وتعدد مستوياتها، ولا يعني ذلك أن جميع هذه الأوراش بدأت مع وهبي أو أنها اكتملت كلها خلال ولايته؛ فالإنصاف يقتضي الاعتراف بتراكمات الحكومات والوزراء السابقين، والتمييز بين القوانين النافذة والمشاريع التي لم تستكمل مسارها بعد.

    لكن السمة الأبرز لهذه المرحلة تظل في الدفع بعدد كبير من الملفات الثقيلة إلى واجهة التشريع والتنفيذ خلال فترة متقاربة، بدل الاكتفاء بتدبير الشؤون اليومية للقطاع أو تأجيل الأوراش المثيرة للخلاف.

    ولم تكن كلفة هذه الأوراش قانونية وتقنية فقط، بل كانت سياسية ومهنية أيضا، فكل تعديل يمس قواعد التقاضي أو صلاحيات المهن القانونية يعيد توزيع الأدوار والمصالح داخل منظومة شديدة الحساسية، وهو ما يفسر انتقال الخلاف، في بعض الملفات، من النقاش التقني حول مواد القوانين إلى توترات مفتوحة بين الوزارة والهيئات المهنية.

    وقد جعلت هذه المقاربة الجدل جزءا من الولاية، فكلما اقترب الإصلاح من قواعد التقاضي أو العقاب أو شروط ممارسة المهن القانونية، اتسعت دائرة المتأثرين به وتعددت المواقف بشأنه.

    ويكشف ذلك أن اختيار فتح هذه الملفات خلال ولاية واحدة لم يكن قرارا إداريا محضا، بل توجها سياسيا وقبولا لتحمل كلفة الجدل بدل الاستمرار في تأجيل مشاريع ظلت معلقة لسنوات. غير أن الجرأة في فتح الملفات لا تعفي من تقييم جودة التشاور، ومدى استيعاب ملاحظات المهنيين، وقدرة الوزارة على بناء توافقات تضمن سهولة التنفيذ لاحقا.

    لذلك، لا يمكن اعتبار كل اصطدام دليلا على فشل الإصلاح، كما لا يمكن تقديم الجدل وحده دليلا على الجرأة والنجاح، فالمعيار الأكثر دقة يوجد في مضمون النصوص، وطريقة إعدادها، ومستوى التشاور بشأنها، ثم قدرتها على إنتاج أثر بعد دخولها حيز التنفيذ.

    وقد قدمت العقوبات البديلة أول نموذج واضح لهذه المعادلة؛ كونه قانونا انتقل إلى التطبيق واستفاد منه آلاف الأشخاص، لكنه كشف أيضا عن صعوبات في التنفيذ وضعف اللجوء إلى بعض العقوبات التقنية.

    أما التحدي الأكبر الذي تضعه هذه الحصيلة أمام المرحلة المقبلة، فيتمثل في قدرة المنظومة على استيعاب هذا الحجم من التحولات، وإصدار النصوص التنظيمية الضرورية، وتكوين الموارد البشرية، وضمان استمرار الإصلاح بعد نهاية الولاية الحكومية.

  • جواز الشباب.. من توسيع الولوج إلى رهان قياس الأثر

    جواز الشباب.. من توسيع الولوج إلى رهان قياس الأثر

    أضحت قدرة الدول على الاستثمار في شبابها تقاس اليوم بمدى نجاحها في بناء جسور عملية بينها وبين فرص التكوين والإدماج والتمكين، لا بمجرد توفير خدمات مرحلية تنتهي بانقضاء ولاية واضعيها في زمن حكومي قصير.

    في المغرب، حيث تطرح فئة الشباب تحديات تنموية واجتماعية متشابكة، سيما في ظل ارتفاع بطالة الشباب واستشراء ظاهرة شباب “NEET”، اتجهت وزارة الشباب والثقافة والتواصل، خلال الولاية الحكومية الحالية، إلى تبني مقاربة جديدة تقوم على تقريب الخدمات من المستفيدين وتجميعها ضمن منظومات أكثر تكاملا.

    ويعد “جواز الشباب” أحد أبرز تجليات هذا التحول، باعتباره مشروعا حكوميا يتجاوز البعد الرقمي الضيق إلى نموذج جديد في تدبير السياسات الشبابية، يرتكز على تسهيل الولوج إلى الفرص، وتوسيع قاعدة المستفيدين وتعزيز الإدماج الاجتماعي والاقتصادي لفئة تشكل رهانا أساسيا في مسار التنمية.

    ومنذ تنصيب الحكومة في 7 أكتوبر 2021، انخرطت وزارة الشباب والثقافة والتواصل، التي يحمل حقيبتها محمد مهدي بنسعيد، في تنفيذ خطة عمل تستهدف إعادة صياغة السياسات العمومية الموجهة للشباب والنساء والأطفال، عبر مقاربة جديدة تقوم على تحديث البنيات التحتية، وتعزيز الكفاءات، وتطوير فضاءات التعلم والإبداع والحماية، مع التركيز على أهداف استراتيجية ترتبط بالإدماج الاجتماعي والتمكين الاقتصادي وتعزيز المواطنة.

    وأتت هذه الدينامية في سياق وطني اتسم بتحديات حقيقية تواجه فئة الشباب، خاصة مع تقديرات المندوبية السامية للتخطيط التي أظهرت أن حوالي 1.5 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة كانوا سنة 2022 في وضعية “NEET”، أي خارج منظومة التعليم والتكوين والشغل.

    هذه المعطيات عكست حجم الرهانات المطروحة أمام السياسات العمومية، وفرضت البحث عن آليات مبتكرة لتقريب الخدمات والفرص من الشباب وتحفيز اندماجهم الاقتصادي والاجتماعي.

    السياسات الشبابية بمنطق جديد

    وأطلقت وزارة الشباب والثقافة والتواصل، سنة 2023 برنامج “جواز الشباب” باعتباره أحد أبرز المشاريع الهيكلية ضمن حزمة برامجها الكبرى، إلى جانب برنامج “متطوع”، والمخيمات الصيفية، وبرامج تمكين النساء وتطوير دور الحضانة وتحديث البنيات التحتية.

    وعكس “جواز الشباب” تحولا نوعيا في فلسفة التدخل العمومي تجاه الشباب، إذ بدل الاقتصار على تقديم خدمات متفرقة وموزعة بين عدد من المؤسسات، تم اعتماد مقاربة تقوم على تجميع الخدمات داخل منصة موحدة وسهلة الولوج، تتيح للشباب الاستفادة من عروض متعددة عبر تطبيق رقمي واحد، يؤكد محمد شكال، رئيس مشروع “جواز الشباب” بوزارة الشباب والثقافة والتواصل.

    ويوضح شكال، في تصريح لمنصة “AM+ MEDIA”، أن جواز الشباب لم يكن هدفه معالجة إشكال واحد فقط، بل مواجهة مجموعة من التحديات المتداخلة التي كانت تحد من استفادة الشباب من الفرص والخدمات المتاحة.

    ويضيف أن التشخيصات المنجزة عن الفترة السابقة أظهرت وجود تشتت الخدمات والبرامج الموجهة للشباب بين عدة قطاعات ومؤسسات، إضافة إلى ضعف الولوج إلى هذه الخدمات، خاصة بالنسبة للشباب في المناطق القروية والنائية، ونقص المعلومة وصعوبة التعرف على الفرص المتاحة وشروط الاستفادة منها، زيادة على غياب منصة موحدة تجمع مختلف الخدمات والعروض في فضاء رقمي واحد.

    ومن هنا جاء “جواز الشباب”، يضيف شكال، كمنصة وطنية موحدة تهدف إلى تقريب الخدمات من الشباب وتسهيل الولوج إليها وتعزيز تكافؤ الفرص بينهم أينما كانوا.

    بدوره، يرى أنس هدان، المدير التنفيذي لحركة مواطنون، أن السياسة العمومية الموجهة للشباب في عهد الحكومة الحالية عرفت تطورا مهما من حيث الأدوات، خصوصا مع اعتماد الرقمنة والخدمات المندمجة.

    وأبرز أن “جواز الشباب” من بين “المبادرات التي تحمل إمكانات كبيرة، فهو لا يقتصر فقط على تقديم تخفيضات أو خدمات، بل ساهم أيضا في التعريف بحقوق وخدمات كانت موجودة منذ سنوات لكنها لم تكن معروفة لدى أغلب الشباب، مثل المراكز الصحية الخاصة بالشباب وبعض الخدمات العمومية الأخرى”، مضيفا أن هذا في حد ذاته مكسب مهم.

    لكن لكي يتحول جواز الشباب إلى رافعة حقيقية للإدماج، ينبغي أن يتجاوز منطق تجميع الخدمات إلى منطق مرافقة المسار، أي أن يصبح منصة تربط الشاب بالتكوين، والتوجيه، وفرص الشغل، وريادة الأعمال، والصحة النفسية، والسكن، والثقافة، والعمل التطوعي، والمشاركة المواطنة، مع تتبع لمساره وليس فقط توفير خدمة معزولة، يؤكد رئيس حركة مواطنون.

    أرقام مرضية

    غير أن الحصيلة الرقمية للبرنامج تظهر نجاح “جواز الشباب” في الوصول إلى فئة واسعة من الشباب، فالتطبيق سجل أكثر من مليوني عملية تحميل، فيما بلغ عدد المستخدمين نصف مليون شاب وشابة، وهي مؤشرات تبرهن على قدرة المبادرة على جذب اهتمام الشباب واستعمالهم الفعلي للخدمات المعروضة، وفق مدير المشروع.

    ولدى سؤال “AM+ MEDIA” لمحمد شكال عن تفسيره للفرق بين عدد التحميلات والمستخدمين الفعليين، أكد أن بلوغ مليوني تحميل في ظرف وجيز دليل على “نجاح الرؤية التي تأسس عليها المشروع، على رأسها توفير خدمات حقيقية وذات قيمة مضافة للشباب، واعتماد مسطرة تسجيل مبسطة وآمنة بفضل التكامل مع الهوية الرقمية الوطنية، ناهيك عن توسيع شبكة الشركاء بشكل مستمر وإضافة عروض جديدة، وتنظيم حملات تواصلية وتحسيسية على المستوى الوطني والجهوي، انتهاء عند اعتماد التطبيق كمنصة موحدة تجمع خدمات متعددة داخل فضاء رقمي واحد.

    وأشار المسؤول ذاته إلى أن عدد المستخدمين الفعليين يعكس مستوى التفاعل الحقيقي مع الخدمات، وليس فقط تحميل التطبيق، ما يؤكد أن الشباب لا يكتفون بالتسجيل وإنما يستفيدون فعليا من العروض المتاحة.

    وبهذا صدد، يظهر مؤشر الرضا، الذي أوردته الحصيلة المرحلية للوزارة، أن ثمانية شباب من أصل عشرة يوصون باستعمال “جواز الشباب”، الذي يقدم 33 خدمة متنوعة تشمل مجالات الإدماج الاجتماعي والاقتصادي، والتكوين، والإبداع، والنقل والإيواء، والصحة، والولوج المجاني للمتاحف والمعالم التاريخية، وتخفيضات على تذاكر المسارح والسينما…، ما يعكس مستوى الثقة في الخدمات المقدمة ويؤشر على وجود قيمة مضافة ملموسة بالنسبة للمستفيدين، وفق ما تكشفه الحصيلة المرحلية للوزارة الوصية على القطاع.

    رافعة لمواجهة الهشاشة الاجتماعية

    وكشف شكال للمنصة أن تحديد الخدمات والعروض التي يقدمها “جواز الشباب” تم بناء على مقاربة تشاركية وواقعية اعتمدت على دراسة حاجيات وانتظارات الشباب في مختلف جهات المملكة، وتحليل الخدمات الأكثر طلبا من طرف هذه الفئة العمرية، والتنسيق مع القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والشركاء الخواص، إضافة إلى الحرص على تغطية المجالات الأساسية التي تهم الشباب، مثل التنقل، والصحة، والتكوين، والثقافة، والترفيه، والمشاركة المواطنة، والخدمات البنكية.

    غير أن رئيس حركة مواطنون يرى أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة “التفريد” أو “التكييف الترابي” للسياسات العمومية، لأن “احتياجات شاب في الدار البيضاء ليست هي احتياجات شاب في الحوز أو جرادة أو زاكورة أو فكيك”، مشددا على أنه “يجب أن تمنح الجهات والجماعات الترابية ودور الشباب هامشا أكبر لتطوير برامج تستجيب لأولويات كل مجال، بدل اعتماد مقاربة موحدة على المستوى الوطني”.

    وأكد محمد شكال بهذا الصدد أن وزارة الشباب والثقافة والتواصل واعية بحجم التحديات التي تنتظر “جواز الشباب”، سيما على مستوى التكييف الترابي، مشددا على أن العروض المقدمة بالبرنامج تخضع بشكل مستمر للتقييم والتطوير وفق مؤشرات الاستعمال وملاحظات المستفيدين، بما يضمن ملاءمتها لاحتياجات الشباب المتجددة.

    الأمر ذاته أكده وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد مهدي بنسيعد، خلال حلوله ضيفا على برنامج “ديكريبتاج” بإذاعة “إم إف إم”، مبيّنا أن “هناك إشكاليات في بعض الجهات وطلبنا من المجالس المنتخبة أن توقع معنا شراكات من أجل التجاوب مع الإشكاليات التي يعتبرونها كفاعلين محليين وإقليميين وجهويين ويمكن أن يقدموها لشباب جهاتهم، لأن مجموعة من البنيات التحتية غير موجودة في بعض الأقاليم والجهات على غرار ‘الترامواي” الموجود في الرباط وسلا والدار البيضاء، لكنه لا يوجد في جهات ومدن أخرى”.

    وشدد بنعسيد على أن وزارته تحاول التجاوب بطرق أخرى مع هذه الإشكالية، و”نحن منفتحون حتى لإدخال خدمة حافلات النقل الحضري، ونعمل على تقديم الخدمات للشباب حتى لا يكون هناك إحساس نقص جهة على حساب أخرى”.

    أكثر من مليون رحلة

    غير أن أنس هدان يشير إلى ضرورة الانتقال من منطق تقييم الإنجاز بالأرقام إلى تقييمه بالأثر، لأن السؤال الحقيقي بحسبه “ليس فقط كم عدد المستفيدين؟ بل كيف تغيرت حياة هؤلاء الشباب؟ وهل ساهمت هذه البرامج فعلا في تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية؟ وهل عززت الثقة بين الشباب والمؤسسات؟”.

    وبهذا الصدد، تظهر حصيلة “وزارة بنسعيد” أنها عملت، بالشراكة مع الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، على إتاحة العمل بتطبيق جواز الشباب والاستفادة من خدماته دون الحاجة إلى إنترنت، مراعاة للظروف الاجتماعية للشباب الأكثر هشاشة، إذ لا يحتاج التطبيق إلى إنترنت سوى في مرحلة التحميل والتسجيل لا غير.

    ويكشف محمد شكال أن معطيات الاستعمال تضع خدمات التنقل في صدارة الخدمات الأكثر طلبا ضمن “جواز الشباب”، خاصة التخفيضات المقدمة بشراكة مع المكتب الوطني للسكك الحديدية وترامواي الرباط-سلا، و”مركوب.ما”، التي مكنت من تسجيل أكثر من مليون رحلة.

    وأبرز أن الخدمات الثقافية والترفيهية تحظى بإقبال مهم بأزيد من 100 ألف استفادة من الخدمة، سيما العروض الخاصة بالسينما والمتاحف والتظاهرات الثقافية، إلى جانب الخدمات الصحية والتكوينية والرياضة والسكن.

    ويعزى هذا الإقبال، وفق المتحدث عينه، إلى ارتباط هذه الخدمات بالحاجيات اليومية للشباب، وتأثير التخفيضات المباشر في تعزيز القدرة الشرائية، فضلا عن سهولة الولوج إليها عبر التطبيق، وتنوع العروض التي تغطي مجالات متعددة تهم فئة الشباب.

     حصيلة تتجاوز الأرقام

    ولا يمكن قراءة حصيلة “جواز الشباب” بمعزل عن باقي البرامج التي أطلقتها الوزارة في إطار رؤيتها الموجهة للشباب، والتي تقوم على الجمع بين التمكين الاقتصادي والاجتماعي وتعزيز قيم المواطنة والمشاركة.

    وفي هذا السياق، يبرز البرنامج الوطني “متطوع” كأحد الأوراش المكملة لهذه الرؤية، حيث استفاد منه؛ منذ انطلاقه سنة 2022، ما مجموعه 2718 شابا وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و22 سنة، مع تحقيق مبدأ المناصفة ببلوغ نسبة مشاركة النساء 50 في المئة، فضلا عن تغطيته لجميع جهات المملكة.

    ويترجم هذا البرنامج، وفق معطيات الوزارة الوصية، التوجه نحو الاستثمار في الرأسمال البشري للشباب من خلال تعزيز المشاركة المواطنة وتطوير المهارات الشخصية والمهنية ورفع الوعي بالقضايا المعاصرة، عبر مجالات متنوعة تشمل التكوين والتضامن والتعاون والتربية والتنشيط والتراث والثقافة والمقاولة الاجتماعية والتظاهرات الرياضية وحماية المعطيات الشخصية والذكاء الاصطناعي والعمل التطوعي.

    وأطلقت الوزارة أيضا برنامج “تدرج” بشراكة مع وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، الرامي إلى تكوين 21 ألف متدرب ومتدربة سنويا في أفق سنة 2030، بما يعزز فرص الإدماج المهني للشباب ويقربهم من متطلبات سوق الشغل.

    هذه المؤشرات تعكس، وفق حصيلة وزارة الشباب، اتجاها واضحا نحو الاستثمار المبكر في مهارات المستقبل، من خلال هدف تكوين 200 ألف طفل في مجال الذكاء الاصطناعي في أفق سنة 2030، وهو توجه ينسجم مع التحولات العالمية المتسارعة نحو الاقتصاد الرقمي واقتصاد المعرفة.

    وفي السياق ذاته، واصلت الوزارة توسيع قاعدة المستفيدين من برامجها الموجهة للشباب، حيث استفاد نحو 12 ألف شاب وشابة من برنامج “متطوع” خلال السنوات الثلاث الأخيرة، فيما استفادت حوالي 10 آلاف فتاة من برامج التكوين الأساسي والمهني، بما يعزز فرص التمكين الاقتصادي والاجتماعي ويكرس مبدأ تكافؤ الفرص.

    أيضا، استفاد ألف شاب من تكوين في اللغة الأمازيغية بشراكة مع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، كما استفاد 677 شابا وشابة من برنامج “مهارات” المنجز بشراكة مع منظمة اليونيسيف، فضلا عن تمكين الشباب من تخفيضات خاصة على دروس اللغة الفرنسية والتحضير لشهادات دولية معترف بها، من قبيل DAF وDELF وTCF، بشراكة مع المعهد الفرنسي.

    ويمتد العمل على التكوين إلى شبكة دور الشباب التي تحولت بدورها إلى فضاءات للتعلم واكتساب المهارات، من خلال تنظيم تكوينات متنوعة بشراكة مع النسيج الجمعوي، إذ سجلت هذه الدينامية أكثر من مليوني مشاركة في برامج مرتبطة بريادة الأعمال والرقمنة ومجالات أخرى، ما يؤشر على الانتقال من الاكتفاء بخدمات استهلاكية أو امتيازات ظرفية إلى جعل الشباب فاعلا في التنمية ومؤهلا لاقتناص الفرص الاقتصادية الجديدة.

  • البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية على محك المقاربة التشاركية

    البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية على محك المقاربة التشاركية

    أصبحت المقاربة التشاركية، خلال السنوات الأخيرة، إحدى أبرز التحولات العميقة في مسار إعداد البرامج الانتخابية، حيث لم يعد هذا الورش يقتصر على النقاشات الداخلية داخل الأحزاب السياسية أو على صياغة مغلقة للبرامج من طرف الهيئات الحزبية، بل انفتح بشكل متزايد على مختلف الفاعلين المجتمعيين، وفي مقدمتهم جمعيات المجتمع المدني، التي أضحت تقوم بتقديم مذكرات وتصورات ومقترحات تروم الإسهام في بلورة برامج أكثر ارتباطا بالواقع وأكثر استجابة لانتظارات المواطنات والمواطنين. 

    هذا التحول يعكس إعادة تعريف لطبيعة العلاقة بين الفاعل السياسي والمجتمع، إذ لم يعد المجتمع المدني مجرد طرف ملاحظ أو ناقل للانشغالات، بل أصبح فاعلا اقتراحيا، ويشارك في النقاش حول الأولويات الوطنية.

    ويرتبط هذا التطور أيضا بتزايد الوعي بأهمية إشراك مختلف القوى الحية في صياغة السياسات العمومية، باعتبار أن تعقيد التحديات الاجتماعية والاقتصادية لم يعد يسمح بالاعتماد فقط على الرؤية الحزبية التقليدية.

    ويجد هذا التوجه سنده في دستور المملكة لسنة 2011، الذي كرس الديمقراطية التشاركية باعتبارها إحدى ركائز تدبير الشأن العام. فقد نص الفصل 12 على مساهمة الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، في إطار الديمقراطية التشاركية، في إعداد قرارات ومشاريع المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية، وفي تفعيلها وتقييمها.

    وينص الفصل 13 من الدستور على إحداث هيئات للتشاور قصد إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين في إعداد السياسات العمومية وتتبع تنفيذها، في حين وسع الفصل 139 هذا المنظور ليشمل الجماعات الترابية، من خلال اعتماد آليات تشاركية للحوار والتشاور تمكن المواطنات والمواطنين والجمعيات من المساهمة في إعداد برامج التنمية وتتبعها وتقييمها.

    ولا تقتصر هذه المقتضيات الدستورية على كونها نصوصا تنظيمية، بل تشكل فلسفة جديدة في تدبير الشأن العام تقوم على إشراك المواطن في القرار العمومي، وتكريس منطق التفاعل بدل منطق التلقين.

    ومن هذا المنطلق، تشهد المرحلة التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية دينامية متزايدة من اللقاءات التشاورية بين الأحزاب السياسية ومكونات المجتمع المدني، بهدف مناقشة الأولويات المجتمعية وإغناء مضامين البرامج الانتخابية، وجعلها أكثر التصاقا بالحاجيات الواقعية للمجتمع.

    وفي هذا السياق، برزت مبادرات جمعوية تقوم على إعداد مذكرات مفصلة موجهة إلى الفاعلين السياسيين، تتضمن تصورات حول قضايا اجتماعية واقتصادية وثقافية وحقوقية، مع التركيز على إدماجها داخل البرامج الانتخابية.

    وترى هذه المبادرات أن المرحلة الانتخابية ليست فقط لحظة للتنافس السياسي، بل فرصة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى المرتبطة بالتنمية والعدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي.        

    ويعتبر عدد من الباحثين في العلوم السياسية أن البرامج الانتخابية لم تعد مجرد وثائق سياسية تُعرض كوعود انتخابية، بل أصبحت بمثابة تعاقد سياسي وأخلاقي بين الحزب والناخبين.

    هذا التحول يجعل جودة هذه البرامج مرتبطة بمدى انفتاحها على مختلف الفاعلين، وبقدرتها على استيعاب التحولات المجتمعية. فكلما اتسعت دائرة التشاور، ارتفعت فرص إدراج قضايا تمس الواقع اليومي للمواطنين، مثل التعليم، والصحة، والتشغيل، والحماية الاجتماعية، والعدالة المجالية، والانتقال الرقمي، والبيئة، والثقافة، والشباب.

    في المقابل، يرى متابعون أن نجاح المقاربة التشاركية لا يقاس بعدد اللقاءات أو حجم المبادرات المنظمة، وإنما بمدى انعكاس مخرجاتها على البرامج الانتخابية نفسها. فالتحدي الحقيقي يكمن في تحويل المقترحات التي تقدمها الجمعيات إلى التزامات واضحة، مصحوبة بأهداف قابلة للقياس، وآليات تنفيذ دقيقة، ونظم للتتبع والتقييم، بما يضمن ألا تظل هذه المشاورات مجرد لحظة ظرفية مرتبطة بالسياق الانتخابي.

    كما أن إشراك المجتمع المدني في مرحلة إعداد البرامج يساهم في تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات، من خلال نقل انشغالات الفئات الاجتماعية المختلفة إلى دوائر القرار السياسي، بما يساعد على صياغة برامج أكثر واقعية تستند إلى معطيات ميدانية وتشخيص دقيق للإشكالات المطروحة.

    وانطلاقا من هذا التوجه، واصلت جمعية “قادرون وقادمون” سلسلة لقاءاتها التشاورية مع عدد من الأحزاب السياسية، في إطار مبادرة تروم عرض مذكرتها “دينامية الطريق الرابع” المتعلقة بإعداد البرامج الانتخابية، والدفع نحو ترسيخ المقاربة التشاركية وتعزيز إشراك فعاليات المجتمع المدني في بلورة التصورات والاقتراحات.

    وفي هذا الإطار، استقبلت فاطمة سعدي، عضو القيادة الجماعية للأمانة العامة لحزب الأصالة و المعاصرة، بداية يوليوز الجاري وفدا عن الجمعية خلال لقاء تشاوري خُصص لتقديم مذكرة الجمعية وتبادل الرؤى حول عدد من المقترحات والتوصيات المرتبطة بإعداد البرامج الانتخابية، بما يعزز انفتاح الفاعل السياسي على مساهمة المجتمع المدني في صياغة السياسات والبرامج المستقبلية.

    وفي تصريح لـ”AM + MEDIA”، أوضح ممثل جمعية “قادرون وقادمون”، مصطفى المريزق، أن هذه المبادرة تأتي في سياق حرص الجمعية على المساهمة في النقاش العمومي حول السياسات العمومية، من خلال تقديم مذكرة تستند إلى مقاربة تشاركية تستحضر حاجيات المواطنين في مختلف المجالات.

    وأضاف أن الهدف من هذه اللقاءات هو الدفع نحو إشراك أوسع للمجتمع المدني في صياغة البرامج الانتخابية، وليس فقط الاكتفاء بدور استشاري محدود، بل تحويله إلى شريك فعلي في إنتاج التصورات.

    وأشار إلى أن المذكرة التي أعدتها الجمعية هي خلاصة عمل ميداني ورصد لعدد من الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية، مبرزا أن أبرز محاورها تهم تحسين الخدمات الاجتماعية، وتعزيز العدالة المجالية، وتقوية آليات التشغيل، وتوسيع مشاركة الشباب والنساء في الحياة العامة، إلى جانب تعزيز الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير السياسات العمومية.

    وفي المقابل، أكدت إيمان عزيزو، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، أن انفتاح الحزب على جمعيات المجتمع المدني يندرج ضمن رؤية سياسية تعتبر الحوار والتشاور جزءا أساسيا من منهجية إعداد البرامج الانتخابية.

    وأبرزت أن الحزب يتعامل مع هذه المبادرات باعتبارها فرصة لإغناء النقاش وتوسيع دائرة المشاركة، بما يسمح ببلورة برنامج انتخابي يعكس انتظارات مختلف فئات المجتمع.

    وأضافت أن المقاربة التي يعتمدها الحزب تقوم على الاستماع الفعلي لمختلف الفاعلين، وعلى التفاعل الإيجابي مع المقترحات المقدمة، انطلاقا من قناعة بأن الديمقراطية التشاركية ليست مجرد نصوص دستورية، بل ممارسة سياسية مؤسساتية تتطلب انخراطا مستمرا، وتواصلا دائما مع المجتمع المدني.

    ويعكس هذا التوجه انتقال الديمقراطية التشاركية من مستوى المبادئ الدستورية إلى مستوى الممارسة السياسية، حيث لم يعد المجتمع المدني مجرد قوة اقتراح خارج الفعل الحزبي، بل أصبح شريكا في بلورة التصورات والسياسات. وهو تحول من شأنه أن يعزز جودة البرامج الانتخابية، ويقوي صلتها باحتياجات المجتمع، ويمنحها قدرا أكبر من المصداقية.

  • هل تملك الشبيبات الحزبية مفتاح إعادة ثقة الشباب في السياسة؟

    هل تملك الشبيبات الحزبية مفتاح إعادة ثقة الشباب في السياسة؟

    لم يعد السؤال المطروح اليوم هو لماذا يعزف الشباب المغربي عن السياسة، بل لما لم تعد السياسة، في صورتها الحزبية التقليدية، قادرة على إقناع الشباب بأنها فضاء قادر على إحداث التغيير، لأن التحولات التي عرفها المجتمع المغربي خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب الانتقال المتسارع للنقاش العمومي نحو الفضاء الرقمي، كشفت أن أزمة المشاركة السياسية لم تعد ترتبط فقط بالمواعيد الانتخابية، وإنما أصبحت تعكس أزمة أعمق تمس وظيفة الوساطة التي يفترض أن تؤديها الأحزاب بين المجتمع ومؤسسات الدولة.

    ويشخص المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة في دراسة بعنوان “المشهد الحزبي والسياسي بالمغرب في أفق 2035” الخلل الحقيقي في أزمة ثقة في الفاعل الحزبي ذاته وليس في الديمقراطية في حد ذاتها، بعدما تراجعت قدرته على التأطير، واستقطاب النخب، وصياغة البرامج، وتحويل مطالب المواطنين إلى سياسات عمومية.

    وتكشف الأرقام التي تقدمها الدراسة أن من أصل 25.23 مليون مغربي مؤهل للتصويت، لم يشارك في انتخابات 2021 سوى 8.8 ملايين ناخب، بينما بلغت “الفئة الصامتة” نحو 16.4 مليون مواطن، أي ما يعادل 65.1 في المئة من المؤهلين للتصويت.

    ويسلط الباروميتر العربي 2023-2024 الضوء على معطى أكثر دلالة، ذلك أن الثقة في الأحزاب السياسية لا تتجاوز 18 في المئة بالمغرب، وهو معطى يعكس أن أزمة المشاركة ليست مجرد تراجع في الإقبال على صناديق الاقتراع، وإنما تعبير عن فقدان الثقة في المؤسسات الحزبية وقدرتها على تمثيل المجتمع واستيعاب انتظاراته.

    الفضاء الرقمي ملاذ جديد

    ولم يكن هذا التراجع في الثقة وليد الأرقام الانتخابية وحدها، بل تجلى أيضا في طبيعة التعبيرات الاحتجاجية التي عرفها المغرب خلال العقد الأخير؛ فمن حراك الريف سنة 2016، إلى احتجاجات جرادة سنة 2018، مرورا بالاحتجاجات القطاعية المتلاحقة، انتهاء عند موجة الاحتجاجات التي قادها “جيل زد” من المنصات الرقمية إلى الفضاء العام، برزت ملامح تحول عميق في علاقة الشباب بالفعل السياسي.

    ويفسر المحلل السياسي، كريم عايش، هذا الانزياح صوب العالم الافتراضي بكونه مؤشرا على وجود ضعف في الوساطة السياسية، لكن بدرجة كبيرة من الحذر، على حد قوله، إذ يرى أن الاحتجاج ليس دائما ضد الأحزاب أو ضد الانتخابات، بل أحيانا يكون رسالة قوية تقول إن هناك مطالب لم تجد طريقها الطبيعي عبر المؤسسات والهيئات الوسيطة.

    لذلك، يرفض عايش، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” الحديث عن أن الشباب المغربي ابتعد عن السياسة كليا، لأن هذه الفئة ابتعدت عن الأشكال التقليدية لممارسة السياسة، موضحا أن هناك جيل يعيش يوميا ضغط التشغيل، والتعليم، والصحة، والسكن، والهجرة، ويريد أجوبة سريعة وواضحة، وعندما نعرف أن معدل البطالة وسط الشباب ما بين 15 و24 سنة بلغ حوالي 37.2 بالمئة سنة 2025، نستطيع أن نفهم لماذا أصبح جزء من الشباب يشعر بأن الخطاب الحزبي لا يلامس دائما واقعه اليومي، مستدركا بالقول: “هذا لا يعني أن الأحزاب فقدت دورها، بل يعني أن عليها أن تقترب أكثر من لغة الشباب ومن قضاياه الملموسة”.

    وإذا كانت هذه المؤشرات تضع الأحزاب أمام مسؤولية مباشرة، فإنها تجعل الشبيبات الحزبية في قلب معركة استعادة الثقة، باعتبارها الواجهة الأقرب إلى الأجيال الجديدة والأقدر نظريا على مخاطبتها بلغتها وهمومها.

    أين الخلل؟

    المشكلة، إذن، ليست في غياب الوعي السياسي، وإنما في عجز الأحزاب عن استيعاب هذه الدينامية الجديدة وتحويلها إلى مشاركة مؤسساتية، وفق ما يؤكد رئيس منظمة شبيبة حزب الأصالة والمعاصرة، صلاح الدين عبقري.

    ويوضح عبقري لجريدة “AM+ MEDIA” أن استخدام “فجوة” لتوصيف الهوّة بين الشباب والسياسة “مصطلح ليّنٌ للغاية”، إذ يرى الأصح الحديث عن “خندق، أي مسافة كبيرة وهوة سحيقة بين الشاب والسياسي، ونحن السياسيون مسؤولون عن هذا الخندق”.

    ويبرز أن ما يسمعه الشباب في غالب الأوقات هو كلمات وخطابات رنانة لا تفهم، ووعود لا تطبق، وبرامج تظل معلقة، ما يزيد الهوة ويغيّب الثقة لدى الشباب.

    الأمر ذاته، خلص إليه المركز الإفريقي للدراسات، الذي أشار في دراسته إلى أن الأحزاب أصبحت، في كثير من الأحيان، أقرب إلى تحالفات انتخابية ظرفية منها إلى مؤسسات قادرة على إنتاج الأفكار وتكوين القيادات، وهو ما انعكس مباشرة على أداء الشبيبات نفسها، التي تحولت في عدد من الحالات إلى هياكل تنظيمية تقتصر وظيفتها على التعبئة خلال الاستحقاقات الانتخابية، بدل أن تكون مختبرا لإنتاج النخب وتجديد المشروع الحزبي.

    هذا الواقع، أقر به رئيس منظمة شباب “البام”، الذي يؤكد أن الشبيبات الحزبية تاريخيا كان لها دور كبير في صناعة النخب السياسية، وربما هذا الدور كُبِح لأسباب وأخرى، موضحا أن الانطباع السائد بأن الشبيبات مجرد تنظيمات موسمية لم يأت من فراغ لأن الأحزاب بصفة عامة رُبِطت بدور قاصر”.

    عبد الغني السرار، أستاذ كلية الحقوق بالجديدة، يؤكد بدوره أن الأسباب التي جعلت الشباب ينفر من العمل السياسي كثيرة، بيد أن الطريقة التي تُدبر وتُسير بها البيوت الداخلية للعديد من التنظيمات الحزبية، تعتبر في طليعة الأسباب التي جعلت الشباب يبحث عن فضاءات موازية وبديلة للتعبير عن مواقفه وآرائه من كيفية تدبير الشأن العام وفقدان الثقة في العمل السياسي.

    ومن هذا المنطلق، تبدو الشبيبات الحزبية مطالبة اليوم بدور يتجاوز الدفاع عن مواقف أحزابها أو الترويج لبرامجها إلى المساهمة في إصلاح الأحزاب من الداخل، عبر الدفع نحو تكريس الديمقراطية الداخلية، وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة، وتجديد النخب، وإرساء ثقافة تقوم على تقييم الأداء وربط المسؤولية بالمحاسبة.

    ويشير سرار بهذا الصدد إلى أن نفور الشباب من السياسة يمكن تفسيره كرد فعل على اعتبارهم مجرد أصوات انتخابية توظفهم الأحزاب في الاستحقاقات الانتخابية، ما يدفع فئات واسعة منهم للتوجه صوب المنصات الرقمية، التي تتيح لهم التعبير عن آرائهم ومواقفهم السياسية.

    الأمر ذاته يؤكده عبقري، مشددا على أن الشبيبة ليس دورها ملء القاعات أو الشعارات أو توزيع أوراق الانتخابات، رغم أن هذه المهام أمر عادي لأنه دور من أدوار المناضلين، ولكن عندما يصبح المناضل الشاب ناضجا سياسيا تكون سُبّة في حقه أن يظل محصورا في هذه الأدوار فقط، لذلك نعمل على تطوير هذا الجانب داخل الشبيبة إلى مستوى النقاش، لذلك أبرمنا اتفاقية مع أكاديمية البام للفكر السياسي للمساهمة في المجهود الفكري للحزب، وفي إعداد البرنامج الانتخابي.

    من جانبه، يشير السرار إلى عامل محوري في مسببات النفور من السياسة، إذ يرى أن تهميش الشباب كشف محدودية التدابير التي نص عليها القانون التنظيمي للأحزاب السياسية، إذ إن مقتضيات مثل إلزام الأحزاب بتوسيع مشاركة الشباب وتحديد نسبتهم في الأجهزة القيادية ظلت مرتبطة أساسا بالتزامات أخلاقية غير ملزمة قانونيا، وهو ما جعل أثرها العملي محدودا في إدماج الشباب داخل الأحزاب.

    ويوضح أن المشرع اتجه في المقابل إلى اعتماد مقاربة أكثر إلزاما من خلال التعديلات القانونية الأخيرة التي ستشهدها الانتخابات التشريعية في 23 شتنبر المقبل، حيث انتقل من تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية إدماج الشباب إلى تدخل الدولة عبر فرض نسب دنيا لتمثيلية الشباب عند تأسيس الأحزاب، وإقرار تحفيزات مالية لدعم ترشيحاتهم في الانتخابات وفق شروط محددة، بما يعكس توجها جديدا يروم تشجيع مشاركتهم السياسية والانتخابية بشكل أكثر فعالية.

    الشبيبات الحزبية في قلب المعادلة

    ويقتضي تحقيق التحول المرجو في المشهد السياسي، الذي يراد فيه أن يكون للشباب دور محوري، أولا مراجعة الدور الذي تؤديه الشبيبات داخل أحزابها، لأنها ارتبطت تاريخيا بإعداد القيادات المستقبلية، وتأطير الشباب، وصناعة النخب السياسية، وتنمية الوعي السياسي، غير أن هذه الوظائف تراجعت تدريجيا تحت تأثير ضعف الديمقراطية الداخلية، وتقارب البرامج السياسية.

    لذلك، يؤكد عبقري أن المنظمة تبنت أساليب جديدة في التواصل، وأطلقت في الحزب مبادرة “جيل 2030” كأسلوب مختلف، لأن تطور الشباب يسير بسرعة، والتجديد المستمر لمنظمة الشبيبة شيء ضروري، حسب تعبيره.

    بدوره، يشدد كريم عايش على أن الشبيبات الحزبية يمكن أن تلعب دورا أساسيا، لأنها الأقرب عمريا ونفسيا إلى الشباب، كما أن دورها لا يجب أن يبقى محصورا في تعبئة انتخابية موسمية أو في ترديد خطاب القيادات، لأن المطلوب حسبه أن تتحول إلى فضاء للتكوين والنقاش والاقتراح، وأن تفتح نقاشات صريحة حول التشغيل، التعليم، الصحة النفسية، الرقمنة، المقاولة، المشاركة المحلية، والبيئة

    من الشعارات إلى الميدان

    تظهر العديد من الدراسات أن الشباب لا يثقون بالأحزاب السياسية، التي غالبا ما تعتبر غير فعّالة في معالجة تحديات التوظيف والتعليم والصحة، غير أنه إذا كان الحديث عن تجديد العلاقة بين الشباب والفاعل السياسي لاستعادة الثقة يظل في كثير من الأحيان حبيس النقاشات النظرية، فإن بعض المبادرات بدأت تترجم هذا التوجه إلى برامج ميدانية تستهدف فئات عمرية مبكرة.

    واتجهت بعض الأحزاب السياسية إلى مراجعة مقاربتها في استقطاب الشباب، بعدما أدركت أن الرهان لم يعد يقتصر على الناخبين الشباب، بل يشمل أيضا الفئات التي لم تبلغ بعد سن التصويت، وبدأت في الاستثمار في مبادرات ذات طابع تربوي وتكويني تستهدف التلاميذ واليافعين، بهدف تنمية الوعي بالمواطنة وتعزيز الاهتمام بالشأن العام.

    ويرى الأستاذ الجامعي عبد الغني السرار أن هذا التحول أمر عادي ومنتظر، لأن الشبيبات في أصلها قناة من قنوات التعبئة السياسية والانتخابية، كانت وما زالت توظفها أغلب الأحزاب السياسية لخدمة أهدافها الدعائية سواء تعلق الأمر بقرب موعد الانتخابات أو بعدها.

    ويذهب المحلل ذاته إلى أن الشبيبات الحزبية؛ بالإضافة إلى كونها تعتبر إطارات للتنشئة السياسية والتثقيف الحزبي وتكوين أطر وقيادات حزبية في المستقبل، فوظيفتها في التعبئة السياسية والانتخابية تفوق وظيفتها في مجال التكوين السياسي والحزبي، شأنها في ذلك شأن التنظيمات الأخرى الموازية كالتنظيمات النقابية والجمعوية التي تتبع لتنظيمات سياسية، وتقوم بالوظيفة نفسها في التعبئة السياسية وتتبع تبعية مطلقة للحزب السياسي بغض النظر عن موقعه في المشهد السياسي، وبغض النظر عن ما إذا كانت في الأغلبية الحكومية أو خارجها.

    وجهة نظر يختلف معها المحلل كريم عايش، الذي أكد أن استهداف الفئات غير الناخبة يمكن أن يكون إيجابيا، لكن شرط أن يتم ذلك باحترام واضح لمنطق التربية المدنية، وليس بمنطق الاستقطاب المبكر أو التوظيف الحزبي الضيق.

    ويبرز المحلل ذاته أن التلاميذ، حتى لو لم يكونوا ناخبين اليوم، هم مواطنو الغد، وتعريفهم بالدستور، وبالمؤسسات، وبالمشاركة، وبالانتخابات، وبقيم الحوار والاختلاف، يمكن أن يخلق جيلا أكثر وعيا وأقل نفورا من السياسة، مضيفا أنه “على المدى البعيد، مثل هذه المبادرات قد تكون مفيدة إذا احترمت ثلاثة شروط: الشفافية، التعددية، والبعد التربوي. بمعنى ألا تتحول المدرسة إلى مجال للدعاية، بل إلى فضاء لفهم الحياة العامة”.

    في هذا السياق، يشرح رئيس منظمة شبيبة “البام” أن “ملتقى التلاميذ: طموح اليوم.. قيادة الغد”، الذي نظمته منظمة شباب الأصالة والمعاصرة نهاية يونيو الفارط بمشاركة أكثر من 300 تلميذ، باعتباره مبادرة تعد الأولى من نوعها باستهدافها المباشر لتلاميذ التعليم الثانوي التأهيلي، لم تقم على منطق الاستقطاب أو التعبئة الحزبية، بقدر ما راهنت على بناء وعي مدني وسياسي لدى التلاميذ، وتشجيعهم على النقاش الحر، واكتساب مهارات التعبير واتخاذ القرار، وربط المدرسة بمحيطها المجتمعي.

    ويوضح أن “قناعتنا أن الشباب فئات لها اهتمامات مختلفة، وهذه المرحلة مفصلية في حياتهم، مرت من تكوين له ما له وعليه ما عليه لتجد نفسها أما العديد من الأبواب المفتوحة والأخرى المغلقة، والهدف هو توفير فضاء للنقاش والاستفادة لهذه الفئة”.

    ويحبذ عبقري أن ينخرط الشباب في السياسة بشكل مبكر لأنه أمر أفيد للمشهد السياسي، “لأننا سنكون أمام فئة دخلت السياسة وعمرها 16 سنة أو أقل، واحتكت أكثر في الفضاء السياسي وفهمت اللعبة السياسية بشكل جيد”.

    طريق الألف ميل يبدأ بخطوة

    ولم يبق أثر المبادرة حبرا على الورقة التنظيمية للملتقى، بل انعكس أيضا على انطباعات التلاميذ المشاركين التي استقتها منصة “AM+”، سيما في صفوف غير المنتمين للحزب.

    وقالت نهيلة ديوشي، طالبة تدرس بـ”طاليس أنترناسيونال سكول” ببوزنيقة، إن الملتقى جعلها تكتشف أن “السياسة ليست فقط شأنا حزبيا، بل ترتبط أيضا بالمواطنة والحقوق والواجبات”، مؤكدة أنها شعرت للمرة الأولى بأن رأيها يحظى بالإنصات داخل فضاء مفتوح للنقاش.

    وأوضحت للجريدة أن “شبيبة الأصالة والمعاصرة أعطتنا فرصة للتعبير عن رأينا، لأننا كنا مهمشين، وكنت أعتقد أن التلميذ لا رأي له ولا يمكن أن يوصل صوته أو يعبر عنه، لكن في هذا الملتقى تفاجأت كثيرا، وتغيرت نظرتي لأشياء كثيرة، سواء دور التلميذ في محيطه، وأيضا أن هناك من هو مستعد للاستماع لنا”.

    وتؤكد نهيلة أنها غادرت الملتقى وهي تحمل رؤية مختلفة تماما عن تلك التي دخلت بها، موضحة: “وجهة نظري عن السياسة تغيرت كثيرا، كنت ألوم كثيرا المسؤولين، لكن الآن أصبحت أرى أن السياسة أخذ ورد، ويجب أن نساهم وننخرط في النقاش العمومي لكي نأخذ، ونعبر عن رأيننا ليعرف السياسيون ما نريده بالضبط”.

    أما عمر فاريق، وهو شاب في سن الـ18 يتحدر من حد السوالم، فيرى أن أهم ما ميز الملتقى الوطني الأول للتلاميذ هو أن شبيبة الأصالة والمعاصرة لم تنظمه لغرض حزبي ضيق لاستقطاب التلاميذ، مؤكدا أن “الغرض كان توجيهيا بالأساس، وحرصوا على تكويننا وتوجيهنا من أجل ضمان مستقبلنا الدراسي والمهني”.

    ويضيف الشاب شارحا وجهة نظره: “استفدنا بشكل كبير، خصوصا كيف ندبر توجيهنا الدراسي، لأن النجاح بتميز في البكالوريا لا يعني بالضرورة مستقبلا ناجحا، لأن صاحب نقطة متوسطة يمكن أن يكون مساره ناجحا بعد البكالوريا مقارنة بمن نال نقطة ممتازة بسبب توجيه أحسن”.

    فاريق أكد عدم اهتمامه بالسياسة بشكل قاطع لأنه يرى أن للسياسة أناسها القادرين على تحمل ضغوطها، لكنه شدد على أن الملتقى الوطني الأول للتلاميذ يشكل “مبادرة جيدة لتلاميذ أغلبيتهم لديهم فكرة سيئة عن السياسة، وصحح لهم منظورهم، وحفز بعضهم للاهتمام أكثر بالسياسة”.

    من جانبه، أوضح حسن بناني، طفل برلماني ورئيس المجلس التلاميذي، أن منظمة شبيبة الأصالة والمعاصرة كانت سباقة في أن تكون أول من تنظم ملتقى وطنيا للتلميذ، ليس بهدف سياسي، وإنما للتحبيب في العمل السياسي بشكل عام.

    وأكد بناني، في تصريح مماثل، أن “طموح الشباب اليوم يجب أن يكون ترك أثرا إيجابيا، وشبيبة البام قدمت لنا نموذجا مبتكرا وفعالا لتكون وسيطنا مع صناع القرار، ولنسير معا لنقوم بالتغيير الذي نريده لوطننا”.

    ويمكن القول إن الشبيبات الحزبية تمتلك اليوم فرصة حقيقية لتغيير واقعها، شرط أن تتحول من مدارس لإعادة إنتاج النخب التقليدية إلى فضاءات لإنتاج قيادات جديدة، وتجديد الخطاب، وإعادة بناء الثقة بين الشباب والسياسة.