الكاتب: حمزة حشيشة

  • البطالة تحت مجهر المنهجية الجديدة.. كيف يُقرأ تراجع البطالة في المغرب؟

    البطالة تحت مجهر المنهجية الجديدة.. كيف يُقرأ تراجع البطالة في المغرب؟

    حين أعلنت المندوبية السامية للتخطيط أن معدل البطالة بالمفهوم الضيق استقر عند 9.5 في المئة خلال الفصل الثاني من سنة 2026، بعد 10.8 في المئة خلال الفصل الأول، بدا الرقم في ظاهره مؤشرا إيجابيا على تطور سوق الشغل.

    غير أن الجدل لم ينصب على الرقم في حد ذاته، بقدر ما انصب على الطريقة التي احتُسب بها، بعدما انتقل المغرب لأول مرة إلى منهجية جديدة لقياس سوق الشغل، أعادت تعريف مفاهيم أساسية مثل البطالة والتشغيل والقوى العاملة.

    السؤال يجد مبرره في كون سنة 2026 شكلت بداية العمل بـ”بحث القوى العاملة” (EMO 2026)، الذي حل محل “البحث الوطني حول التشغيل” (ENE)، وفق إطار يستند إلى المعايير الدولية الحديثة التي أقرتها المؤتمرات الدولية لإحصائيات العمل.

    ولم يمس التغيير تعديل معادلة حسابية، بقدر ما يمس تعريف الشغل والعاطل والقوى العاملة نفسها.

    تشخيص أدق لسياسيا أكثر استهدافا

    لسنوات، شكل معدل البطالة المؤشر الأكثر حضورا عند تقييم سوق الشغل، إذ يشكل ارتفاعه اتساع صعوبات الولوج إلى العمل، وانخفاضه يقدم كإشارة إلى تحسن الوضع، غير أن تطور سوق العمل أفرز حالات لا يستطيع مؤشر واحد التعبير عنها بالكامل.

    وتشمل هذه الحالات من يشتغل ساعات أقل مما يرغب فيه، ومن يريد العمل ومستعد له لكنه توقف عن البحث بعد فقدان الأمل، إلى جانب اتساع التشغيل غير المنظم وتعدد أشكال العمل الموسمي والمؤقت.

    وعلى هذا الأساس، اتجهت منظمة العمل الدولية منذ مؤتمر خبراء إحصاءات العمل سنة 2013 إلى توسيع مفهوم قياس “عدم استغلال اليد العاملة”، بحيث لا تبقى البطالة المؤشر الوحيد، ليصبح الإطار الدولي يميز بين البطالة، والعمل الناقص المرتبط بمدة العمل، والقوى العاملة المحتملة، ثم مؤشرات تجمع هذه الحالات لقياس الضغط الحالي والمحتمل على سوق العمل.

    وهنا توجد إحدى أهم خلفيات انتقال المغرب إلى البحث الجديد، إذ لم تعد المسألة معرفة عدد العاطلين فقط، وإنما فهم الفئات التي لا تجد ما يكفي من العمل، أو التي توجد على هامش سوق الشغل رغم رغبتها في دخوله.

    وفي تفسيره لخلفيات الانتقال إلى المنهجية الجديدة، يرى الخبير الاقتصادي، خالد أشيبان، أن التحول الذي اعتمدته المندوبية السامية للتخطيط لا يعكس بالضرورة تغيرا في واقع سوق الشغل، بقدر ما يعكس تغيرا في طريقة قياسه وفق المعايير الدولية الجديدة التي اعتمدتها منظمة العمل الدولية.

    ويوضح أن المنهجية السابقة كانت تعتمد مفهوما أوسع للتشغيل والبطالة، بينما تقوم المنهجية الجديدة على تعريف أكثر صرامة للفئة النشيطة، إذ لم يعد يُحتسب ضمن العاطلين إلا الأشخاص الذين لا يشتغلون، ويبحثون بشكل فعلي عن عمل، ويكونون مستعدين للالتحاق به فورا، كما لم تعد بعض الأنشطة التي تُمارس دون أجر تدخل ضمن مفهوم التشغيل كما كان معمولا به سابقا.

    ويضيف أشيبان أن هذا التحول يجعل المقارنة المباشرة بين الأرقام الصادرة وفق المنهجية الجديدة وتلك التي كانت تعتمد في السابق أمرا يحتاج إلى كثير من الحذر، لأن جزءا من الفوارق يعود إلى اختلاف معايير القياس وليس بالضرورة إلى تغير الواقع الاقتصادي.

    ويرى أن أهمية المنهجية الجديدة لا تكمن في تأثيرها على معدل البطالة وحده، وإنما في قدرتها على توفير قراءة أكثر تفصيلا لمختلف أوضاع سوق الشغل، بما يساعد على تشخيص الاختلالات بشكل أدق وبناء سياسات تشغيل أكثر استهدافا.

    لكن.. من هو العاطل وفق المنهجية الجديدة؟

    ويعد أبرز تغيير في المنهجية الجديدة طريقة احتساب البطالة نفسها، إذ لم يعد يكفي أن يكون الشخص بدون عمل حتى يُعتبر عاطلا، بل يجب أيضا أن يكون يبحث بشكل فعلي عن وظيفة، وأن يكون مستعدا للالتحاق بها فورا.

    أما الأشخاص الذين توقفوا عن البحث عن عمل، رغم رغبتهم في الاشتغال، فلم يعودوا يُحتسبون ضمن معدل البطالة، بل يُدرجون ضمن فئة “القوى العاملة المحتملة”.

    وبذلك، لم يعد قياس البطالة يقتصر على حصر عدد الأشخاص الذين لا يشتغلون، بل أصبح يمر عبر تصنيف السكان في سن النشاط إلى فئات مختلفة وفق معايير محددة.

    وتبدأ المندوبية أولا بتحديد الأشخاص الذين يزاولون عملا مقابل أجر أو بهدف تحقيق ربح، ثم تميز داخل غير المشتغلين بين من يبحثون بشكل فعلي عن عمل ويستوفون شروط البطالة بالمفهوم الضيق، وبين أشخاص آخرين ما يزالون على صلة بسوق الشغل، مثل المستعدين للعمل الذين توقفوا عن البحث أو الذين يشتغلون لساعات أقل مما يرغبون.

    ومن خلال هذا التصنيف، لا تقتصر نتائج البحث على معدل البطالة فقط، بل تشمل أيضا مؤشرات أخرى تعكس مختلف أشكال ضعف الاندماج في سوق الشغل، ما يمنح صورة أكثر شمولا عن واقع التشغيل.

    ولتقريب الصورة، إذا كان شاب تخرج من الجامعة وظل يبحث عن عمل لفترة طويلة ثم توقف عن إرسال طلبات التوظيف بعدما فقد الأمل، فإنه لا يختفي من الإحصاءات، لكنه لا يُصنف بالطريقة نفسها التي يُصنف بها شخص ما يزال يبحث عن وظيفة بشكل نشط.

    حتى تعريف “المشتغل” تغير

    وطال التغيير أيضا، وفق “EMO 2026″، التشغيل الذي أصبح محصورا في النشاط المنجز مقابل أجر أو بهدف تحقيق ربح، في حين لم تعد بعض الأنشطة الموجهة أساسا للاستهلاك الذاتي داخل وحدات غير سوقية تصنف تشغيلا، بل إنتاجا للاستخدام الخاص.

    في المقابل، فالمنهجية السابقة، القائمة على المعايير الدولية الأقدم، كانت تعتمد تعريفا أوسع للتشغيل يسمح بإدراج بعض أنشطة الإنتاج للاستهلاك الذاتي، بينما تفصل المعايير الجديدة بين “العمل” باعتباره مفهوما واسعا، و”التشغيل” باعتباره عملا مقابل أجر أو ربح.

    وارتفع حجم العينة السنوية التي تعتمدها المندوبية من نحو 90 ألفا إلى 135 ألف أسرة، أي بزيادة تناهز 50 في المئة؛ كما انتقلت المعاينة من تصميم من ثلاث درجات إلى تصميم من درجتين، وأصبحت تعتمد قاعدة جديدة مستخرجة من إحصاء 2024.

    ووفق المذكرة التقنية للمندوبية، يستهدف ذلك تقليص أخطاء المعاينة وتحسين متانة المؤشرات، خصوصا على المستويات الجهوية والإقليمية.

    وأُدخل كذلك نظام جديد لتناوب الأسر يسمح بمتابعة جزء منها عبر الزمن، فيما اتسع مضمون البحث ليشمل التشغيل غير المنظم، وصعوبات الولوج إلى سوق العمل، والتكوين مدى الحياة، وأشكال عدم استغلال اليد العاملة.

    وبذلك، فإن القول إن المنهجية الجديدة “تخفض البطالة” يبسط تحولا أكثر تعقيدا؛ فهي من جهة تضيق تعريف بعض المؤشرات، لكنها من جهة أخرى توسع مساحة الرصد لتشمل أوضاعا كانت تحتاج إلى مؤشرات منفصلة وأكثر وضوحا.

    لماذا لا يمكن مقارنة 9.5% مباشرة بالأرقام القديمة؟

    تنبه المندوبية السامية للتخطيط نفسها إلى أن نتائج “EMO2026” غير قابلة للمقارنة مباشرة مع النتائج المنشورة سابقا وفق “ENE”، بسبب القطيعة المفاهيمية والمنهجية بين البحثين.

    ولهذا أعادت احتساب المؤشرات الفصلية الرئيسية للفترة بين 2017 و2025 وفق الإطار الجديد، حتى تتيح سلسلة تاريخية يمكن مقارنتها بنتائج 2026، غير أنها لا تزال مؤقتة، على أن تصدر النسخة النهائية بالتزامن مع النتائج السنوية لسنة 2026.

    وهنا ينبغي التمييز بين مسألتين، فمقارنة 9.5 في المئة بأرقام قديمة منشورة وفق “ENE” قد تخلط أثر الاقتصاد بأثر تغيير المنهجية، أما المقارنة بين 10.8 في المئة في الفصل الأول و9.5 في المئة في الفصل الثاني من 2026 فهي مختلفة، لأن الرقمين أُنتجا داخل EMO2026 نفسها؛ لذلك، لا يمكن تفسير انخفاض 1.3 نقطة بين الفصلين بمجرد تغيير طريقة الحساب.

    وفي هذا السياق، يرى الخبير في السياسات العمومية، رضوان الرياش، أن أول ما ينبغي الانتباه إليه عند قراءة نتائج “بحث القوى العاملة” هو أن المقارنة بين الأرقام الحالية وتلك الصادرة وفق “البحث الوطني حول التشغيل” يجب أن تتم بحذر، لأن الأمر يتعلق بمنهجيتين مختلفتين في التعاريف وأدوات القياس.

    ويوضح الرياش في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن المندوبية نفسها أعادت احتساب السلاسل الإحصائية للفترة الممتدة بين 2017 و2025 وفق المنهجية الجديدة، حتى تتيح تتبع تطور المؤشرات داخل مرجعية موحدة، وهو ما يؤكد أن المقارنة المباشرة مع الأرقام القديمة قد تؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة.

    ويضيف أن الانخفاض المسجل في معدل البطالة من 10.8 في المئة خلال الفصل الأول إلى 9.5 في المئة خلال الفصل الثاني من سنة 2026 لا يمكن تفسيره بتغيير المنهجية، لأن المؤشرين أُنتجا وفق الإطار الإحصائي نفسه، لذلك، فإن الحكم على أداء سوق الشغل يقتضي قراءة هذا التطور إلى جانب مؤشرات أخرى، مثل حجم القوى العاملة، ومعدل النشاط، وعدد مناصب الشغل المحدثة، والعمل الناقص، والقوى العاملة المحتملة، حتى يمكن التمييز بين التحسن الظرفي والتحولات الاقتصادية الأكثر استدامة.

    ويؤكد الخبير في السياسات العمومية أن القيمة الحقيقية للمنهجية الجديدة لا تكمن في إنتاج معدل مختلف للبطالة، وإنما في توسيع قاعدة المعلومات المتاحة أمام صناع القرار، مردفا أنه “كلما أصبحت المعطيات أكثر تفصيلا، أصبح بالإمكان الانتقال من معالجة البطالة كمؤشر عام إلى تصميم سياسات تشغيل أكثر استهدافا، تستجيب لاختلاف أوضاع الشباب والنساء والعاملين في القطاع غير المنظم، وتوجه التدخلات العمومية نحو مكامن الخلل الحقيقية في سوق الشغل”.

  • منطق جديد للاقتصاد.. السيادات تعيد رسم أولويات النمو في المغرب

    منطق جديد للاقتصاد.. السيادات تعيد رسم أولويات النمو في المغرب

    لم تعد الأزمات العالمية التي عرفها العالم خلال السنوات الأخيرة أحداثا ظرفية تنتهي بانتهاء أسبابها، بل تحولت إلى منعطفات أعادت تشكيل أولويات الدول، وغيرت نظرتها إلى مفاهيم الأمن والتنمية والسيادة.

    من جائحة كورونا، إلى الحرب الروسية الأوكرانية، وأزمة الطاقة، والتضخم، وصولا إلى التغيرات المناخية والجفاف، أصبح العالم يعيش مرحلة عنوانها الأساسي عدم اليقين، ما دفع عددا من الدول إلى مراجعة نماذجها الاقتصادية.

    وفي المغرب، لم تقتصر الاستجابة على تدبير آثار هذه الأزمات، بل اتجهت، تنفيذا للتوجيهات الملكية، نحو إعادة بناء الأولويات الوطنية على أسس جديدة، تقوم على تعزيز السيادة في القطاعات الحيوية، وتقليص التبعية للأسواق الخارجية، وبناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود أمام التحولات الدولية.

    اليوم، لم تعد مفاهيم مثل الأمن الصحي، والأمن الغذائي، والأمن المائي، والسيادة الطاقية، والسيادة الصناعية، مجرد شعارات سياسية، بل أصبحت محاور تؤطر عددا من الأوراش الكبرى التي انخرط فيها المغرب خلال السنوات الأخيرة، في إطار رؤية استراتيجية تعتبر أن التنمية لم تعد تقاس فقط بنسبة النمو، وإنما أيضا بقدرة الدولة على حماية مصالحها الحيوية في أوقات الأزمات.

    كورونا.. عندما أصبحت السيادة الصحية ضرورة استراتيجية

    كانت جائحة كورونا أول اختبار حقيقي لقدرة الدول على حماية أمنها الصحي؛ ففي الوقت الذي أغلقت فيه الحدود، وتعطلت سلاسل الإمداد، واحتفظت العديد من الدول بإنتاجها من اللقاحات والأدوية، أدرك العالم أن الصحة لم تعد مجرد خدمة اجتماعية، بل أصبحت جزءا من الأمن القومي.

    بالنسبة للمغرب، شكلت الجائحة نقطة تحول في الرؤية الاستراتيجية للدولة، حيث وجه جلالة الملك محمد السادس، خلال فترة الجائحة، نحو بناء منظومة صحية أكثر استقلالية، قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية، وعدم الارتهان للأسواق الخارجية.

    وترجمة لهذه التوجيهات، أطلق المغرب مشروع “Marbio” ببنسليمان، الذي يعد من أكبر المشاريع الصناعية في مجال اللقاحات والمنتجات البيوتكنولوجية بإفريقيا، إلى جانب تعزيز الاستثمار في الصناعة الدوائية الوطنية، وتشجيع تصنيع الأدوية محليا.

    ولا يتعلق الأمر فقط بإنتاج اللقاحات، بل ببناء منظومة صناعية وصحية تجعل المغرب أكثر قدرة على الاستجابة للأزمات، وتمنحه مكانة إقليمية في مجال الأمن الصحي.

    وفي هذا السياق، يرى نجيب الشرفي الإدريسي،  الباحث  في تنزيل السياسات العمومية، أن جائحة كورونا كشفت أن الأمن الصحي لم يعد يقتصر على جودة الخدمات الطبية، بل أصبح مرتبطا أيضا بقدرة الدولة على إنتاج احتياجاتها الاستراتيجية.

    وأبرز الإدريسي في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن المغرب، تنفيذا للتوجيهات الملكية، اتجه إلى تعزيز الصناعة الدوائية، في تحول يعكس الانتقال من تدبير أزمة صحية ظرفية إلى بناء سيادة صحية قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية وتقليص التبعية للأسواق الخارجية”. 

    الجفاف.. الماء يتحول إلى قضية سيادية

    إذا كانت كورونا قد غيرت مفهوم الأمن الصحي، فإن سنوات الجفاف المتتالية غيرت مفهوم الأمن المائي.

    فالمغرب، الذي يواجه واحدة من أطول فترات الجفاف في تاريخه الحديث، لم يعد يتعامل مع ندرة المياه باعتبارها أزمة موسمية، بل باعتبارها تحديا هيكليا يفرض إعادة بناء السياسة المائية.

    ومن هذا المنطلق، جاءت التوجيهات الملكية الداعية إلى جعل الماء أولوية وطنية، من خلال إطلاق البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي، وتسريع بناء السدود، وإنجاز مشاريع الربط بين الأحواض المائية، والتوسع في إنشاء محطات تحلية مياه البحر.

    ويشكل مشروع الربط بين حوضي سبو وأبي رقراق، إلى جانب محطات التحلية في أكادير والدار البيضاء والداخلة، تحولا من تدبير آثار الجفاف إلى بناء أمن مائي طويل الأمد.

    ولا تقتصر أهمية هذه المشاريع على توفير مياه الشرب، بل تمتد إلى حماية النشاط الفلاحي، وضمان استقرار الاستثمار، وتأمين احتياجات الصناعة، بما يجعل الماء عنصرا أساسيا في معادلة السيادة الوطنية.

    الأمن الغذائي.. الفلاحة تدخل مرحلة جديدة

    لم تكن الحرب الروسية الأوكرانية؛ المستمرة منذ فبراير 2024، مجرد أزمة سياسية، بل أعادت طرح سؤال الأمن الغذائي على المستوى العالمي.

    فارتفاع أسعار الحبوب، واضطراب سلاسل الإمداد، أظهرا أن الدول التي تعتمد بشكل كبير على الخارج تبقى أكثر عرضة للتقلبات.

    في المغرب، جاء هذا التحول ليعزز الرؤية الملكية التي تعتبر الفلاحة قطاعا استراتيجيا، ليس فقط لدوره الاقتصادي، بل أيضا لارتباطه بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.

    ومنذ إطلاق مخطط المغرب الأخضر، عملت المملكة على تحديث القطاع الفلاحي، وتطوير سلاسل الإنتاج، وتحسين مردودية الضيعات، قبل أن تتعزز هذه الرؤية، خلال سنوات الجفاف، بتوجيهات ملكية تدعو إلى ترشيد استعمال المياه، وتشجيع الزراعات الملائمة للمناخ، وتوسيع مشاريع السقي الموضعي، وربط التنمية الفلاحية بالحفاظ على الموارد المائية.

    واليوم، لم تعد الفلاحة مجرد قطاع للإنتاج أو التصدير، بل أصبحت إحدى ركائز السيادة الوطنية، بالنظر إلى دورها في ضمان استقرار السوق الداخلية، والحد من تأثير الأزمات العالمية على الأمن الغذائي للمغاربة.

    الطاقة.. من الانتقال الطاقي إلى بناء السيادة

    إذا كانت جائحة كورونا قد أعادت تعريف مفهوم الأمن الصحي، والجفاف قد جعل الأمن المائي أولوية وطنية، فإن الحرب الروسية الأوكرانية أعادت رسم خريطة الطاقة في العالم، بعدما كشفت هشاشة الاقتصادات التي تعتمد بشكل كبير على الواردات لتأمين احتياجاتها.

    وبالنسبة للمغرب، لم يكن الرهان على الطاقات المتجددة وليد هذه الأزمة، بل جاء امتدادا لتوجيهات ملكية انطلقت منذ سنوات، غير أن التحولات الدولية سرعت وتيرة تنزيل هذا الورش، وأعطته بعدا استراتيجيا جديدا.

    فالمملكة لم تعد تنظر إلى الطاقة المتجددة باعتبارها خيارا بيئيا فقط، بل كركيزة لتعزيز السيادة الطاقية، وتقليص التبعية للخارج، ورفع تنافسية الاقتصاد الوطني.

    ومن هذا المنطلق، شكل مركب نور ورزازات أحد أبرز المشاريع التي وضعت المغرب ضمن الدول الرائدة في إنتاج الطاقة الشمسية، قبل أن تتوسع الاستثمارات في الطاقة الريحية، وتطلق المملكة “عرض المغرب” للهيدروجين الأخضر، تنفيذا للتوجيهات الملكية، بهدف التموقع داخل الأسواق العالمية للطاقة النظيفة.

    كما تعزز هذا التوجه بمواصلة مشاريع الربط الكهربائي مع إسبانيا، وإعادة إطلاق مشروع الربط مع البرتغال، فضلا عن المباحثات المتعلقة بتوسيع الربط مع فرنسا، بما يعزز موقع المغرب كشريك استراتيجي في أمن الطاقة الأوروبي.

    ولم يعد الهدف إنتاج الكهرباء فقط، بل بناء منظومة طاقية تجعل المملكة أكثر قدرة على مواجهة تقلبات الأسواق العالمية، وأكثر جاذبية للاستثمارات الصناعية.

    ومن هذا المنطلق، يعتبر نجيب الشرفي الإدريسي،  الباحث  في تنزيل السياسات العمومية، أن الاستثمار في الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر لم يعد خيارا بيئيا أو اقتصاديا فقط، بل أصبح رهانا سياديا يهدف إلى تعزيز الأمن الطاقي، وتقوية تنافسية الاقتصاد المغربي، وترسيخ موقع المملكة كشريك استراتيجي في التحول الطاقي العالمي”.

    الصناعة… من جلب الاستثمار إلى بناء السيادة الصناعية

    كشفت الأزمات العالمية المتتالية في السنوات الأخيرة أن الدول التي تمتلك قاعدة صناعية قوية تكون أكثر قدرة على حماية اقتصادها، وتأمين احتياجاتها، والحفاظ على تنافسيتها.

    وفي هذا السياق، واصل المغرب، تنفيذا للتوجيهات الملكية، تطوير صناعاته الاستراتيجية، عبر تعزيز منظومة صناعة السيارات، وصناعة الطيران، والانفتاح على الصناعات المرتبطة بالبطاريات الكهربائية، والهيدروجين الأخضر، والصناعات الدوائية.

    ولم يعد الهدف استقطاب المستثمرين فقط، بل رفع نسبة الإدماج المحلي، وتطوير منظومات صناعية متكاملة، قادرة على خلق قيمة مضافة، ونقل التكنولوجيا، وتوفير فرص الشغل.

    وتعكس الاستثمارات المرتبطة ببطاريات السيارات الكهربائية، إلى جانب توسع صناعة السيارات التي جعلت المغرب من بين أبرز المنتجين في إفريقيا، وتطور صناعة الطائرات في المغرب التي أصبحت قطاعا استراتيجيا متكاملا، يضم أكثر من 150 شركة عالمية ويحقق صادرات تتجاوز 29 مليار درهم، انتقال المملكة إلى مرحلة جديدة، تسعى فيها إلى الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، وليس الاكتفاء بدور منصة للتجميع.

    ويبرز هذا التوجه أن مفهوم السيادة الصناعية لم يعد يعني الانغلاق على الذات، بل بناء اقتصاد قادر على المنافسة، وأكثر قدرة على مواجهة اضطرابات التجارة الدولية.

    وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي يوسف كيراوي فيلالي، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن التحول الذي يشهده المغرب لم يكن وليد الظرفية الدولية، بل هو ثمرة مسار تراكمي انطلق منذ سنوات، موضحا أن “هذا التميز تطلب المرور بعدة مراحل، بدأت بتطوير البنيات التحتية واللوجستية، وإرساء ترسانة قانونية للمناطق الحرة ومناطق التسريع الصناعي، وهو ما مكن المملكة من استقطاب استثمارات كبرى ورفع نسب الاندماج المحلي، خاصة في قطاعي السيارات والطيران”.

    وأضاف أن التحولات العالمية الأخيرة “أعطت لهذه المكتسبات بعدا جديدا، بعدما أصبحت الصناعة الوطنية جزءا من مفهوم السيادة الاقتصادية، في ظل التوجه نحو تطوير مشاريع استراتيجية، مثل صناعة البطاريات، ومحركات وأنظمة هبوط الطائرات، إلى جانب تنزيل “عرض المغرب” في مجال الهيدروجين الأخضر”.

    البنية التحتية.. عندما أصبح اللوجستيك جزءا من السيادة

    لا تقتصر السيادة الاقتصادية على الإنتاج فقط، بل تشمل أيضا القدرة على نقل السلع، وربط الأسواق، واستقطاب الاستثمارات.

    ومن هذا المنطلق، واصل المغرب تنفيذ رؤية ملكية طويلة المدى لتطوير بنيته التحتية، من خلال مشاريع كبرى مثل ميناء طنجة المتوسط، الذي تحول إلى أحد أكبر موانئ البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، ومشروع ميناء الناظور غرب المتوسط، إلى جانب ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يرتقب أن يعزز الواجهة الأطلسية للمملكة ويربطها بعمقها الإفريقي.

    كما يندرج ضمن هذه الرؤية توسيع شبكة السكك الحديدية، وإنجاز الخط فائق السرعة نحو مراكش، وتطوير الشبكة الطرقية، باعتبارها مشاريع لا تستهدف تحسين التنقل فقط، بل تعزيز القدرة اللوجستية للمغرب، وترسيخ مكانته كمركز إقليمي للتجارة والاستثمار.

    وتؤكد هذه المشاريع أن الاستثمار في البنيات التحتية لم يعد يقتصر على مواكبة النمو الاقتصادي، بل أصبح أداة لتعزيز السيادة الاقتصادية، وربط المغرب بشكل أفضل بسلاسل التجارة العالمية.

    وتكشف هذه الأوراش أيضا أن المغرب دخل خلال السنوات الأخيرة مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من تدبير الأزمات إلى بناء مقومات السيادة في مختلف القطاعات الاستراتيجية؛ إذ لم تعد السيادة الصحية، والمائية، والغذائية، والطاقية، والصناعية رهانات قطاعية، بل أصبحت ركائز لمشروع تنموي متكامل.

    غير أن قيمة هذه الأوراش لا تقاس بإطلاقها فقط، بل بمدى استمرارية تنزيلها وتحقيق أهدافها، فالتجارب الدولية تؤكد أن المشاريع الاستراتيجية تحتاج إلى نفس طويل، لأنها تمثل خيارات دولة تتجاوز الولاية الحكومية.

    وبهذا الصدد، يؤكد كيراوي فيلالي أن المرحلة المقبلة تستوجب الانتقال إلى مستوى جديد من البناء الاقتصادي، موضحا أن “تعزيز السيادة الاقتصادية لا يقتصر على استقطاب الاستثمارات الأجنبية، بل يقتضي بناء نسيج مقاولاتي وطني، وعلامات مغربية قادرة على الابتكار، وتدبير التكنولوجيا، وخلق قيمة مضافة محلية”.

    واعتبر أن نجاح هذا التحول “يبقى رهينا باستمرارية تنزيل التوجيهات الملكية بنفس الرؤية الاستراتيجية، لأن هذه الأوراش تمثل خيارات دولة طويلة المدى، وتتطلب حكومة قادرة على مواصلة التنفيذ ورفع النجاعة، حتى يواصل المغرب الصاعد ترسيخ مكانته الاقتصادية وتعزيز قدرته على مواجهة التحولات العالمية”.

    ومن هذا المنطلق، تبرز المرحلة المقبلة باعتبارها محطة حاسمة لترسيخ هذا المسار، من خلال مواصلة تنفيذ التوجيهات الملكية، وتسريع إنجاز المشاريع المفتوحة، ورفع نجاعتها، وتعزيز الالتقائية بين مختلف السياسات العمومية.

    ويكتسي هذا الرهان أهمية خاصة في سنة انتخابية، إذ لا يتعلق الأمر فقط باختيار حكومة جديدة، بل بضمان وجود حكومة قادرة على مواصلة هذه الأوراش بنفس الرؤية الاستراتيجية، وتحويلها إلى نتائج ملموسة تعزز السيادة الاقتصادية وترسخ تنافسية المملكة.

  • 18 عاما وسبع محطات قيادية.. “البام” باستقرار تنظيمي وخطى ثابتة نحو الانتخابات

    18 عاما وسبع محطات قيادية.. “البام” باستقرار تنظيمي وخطى ثابتة نحو الانتخابات

    منذ تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008، تعاقبت على قيادته أسماء وشخصيات اختلفت معها مراحل الحزب وموقعه داخل المشهد السياسي، من سنوات التأسيس والصعود الانتخابي، إلى تجربة المعارضة، ثم المشاركة لأول مرة في تدبير الشأن الحكومي بعد انتخابات 2021.

    لكن التحول التنظيمي الأبرز في مسار الحزب لم يرتبط بانتقاله من المعارضة إلى الأغلبية الحكومية فقط، بل جاء خلال مؤتمره الوطني الخامس في فبراير 2024، عندما قرر التخلي عن النموذج التقليدي القائم على أمين عام واحد، وتعويضه بقيادة جماعية للأمانة العامة.

    ثمانية عشر عاما بعد التأسيس، يجد الحزب نفسه أمام تجربة مختلفة عن مختلف المراحل السابقةن فالقرار لم يعد مرتبطا بشخص واحد في قمة التنظيم، بل بثلاثة أعضاء يشكلون قيادة واحدة، في نموذج يسعى الحزب من خلاله إلى توزيع المسؤولية وتوسيع دائرة اتخاذ القرار والحد من شخصنة العمل الحزبي.

    ومع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، تستعد هذه التجربة لأول اختبار انتخابي وطني لها، ما يفتح السؤال حول حصيلتها التنظيمية بعد أكثر من سنتين على اعتمادها، وحول مدى قدرتها على ركوب تحدي واحدة من أكثر المحطات حساسية في حياته السياسية.

    من ستة أمناء عامين إلى قيادة جماعية

    منذ ميلاد الأصالة والمعاصرة، ظل نموذج الأمين العام الفردي هو القاعدة التي حكمت التنظيم كباقي الأحزاب الأخرى، فتولى حسن بنعدي الأمانة العامة عند تأسيس الحزب سنة 2008، ثم انتقلت القيادة إلى محمد الشيخ بيد الله بعد المؤتمر الوطني الأول سنة 2009، فمصطفى بكوري في مؤتمر 2012، ثم إلياس العماري سنة 2016، ثم حكيم بنشماش سنة 2018، قبل أن يصل عبد اللطيف وهبي إلى الأمانة العامة عقب المؤتمر الوطني الرابع سنة 2020.

    ست قيادات فردية تعاقبت بذلك على الحزب قبل أن يأتي المؤتمر الخامس، المنعقد في بوزنيقة في فبراير 2024، ويغير للمرة الأولى البنية التي حكمت قمة “الجرار” منذ تأسيسه.

    ففي 10 فبراير 2024، صادق الحزب على صيغة القيادة الجماعية، وانتخب المجلس الوطني فاطمة الزهراء المنصوري، ومحمد مهدي بنسعيد، وصلاح الدين أبو الغالي ضمن قيادة ثلاثية للأمانة العامة، مع تولي المنصوري مهمة التنسيق الوطني للقيادة.

    وبعد التطورات التنظيمية التي عرفها الحزب خلال السنة نفسها، انتخب المجلس الوطني في 19 أكتوبر 2024 فاطمة السعدي عضوا في القيادة الجماعية خلفا لصلاح الدين أبو الغالي، لتصبح القيادة مكونة من فاطمة الزهراء المنصوري ومحمد مهدي بنسعيد وفاطمة السعدي.

    نموذج متفرد

    ولا تعد القيادة الجماعية التي اعتمدها البام في مؤتمره الوطني جديدة على المشهد السياسي، فقد سبق لأحزاب أخرى في خمسينات وستينات وتسعينات القرن الماضي تبني هذه النظام بصيغ متفاتة في وقت أزماتها الداخية، غير أنه ليس الوضع ذاته بالنسبة لحزب الأصالة والمعاصرة.

    خصوصية تجربة “البام”، ليست في وجود ثلاثة أسماء في قمة التنظيم، وإنما الطريقة التي جرى بها توزيع الصلاحيات، وربط ممارسة القيادة بالتوافق والتداول داخل الأمانة العامة والمكتب السياسي والمجلس الوطني، بما جعل القيادة الجماعية جزءا من هندسة مؤسساتية أشمل، لا مجرد ترتيب مرحلي أو صيغة انتقالية، كما هو الحال في تجاربة سابقة لأحزاب مغربية.

    وبهذا المعنى، أعاد حزب الأصالة والمعاصرة صيغة القيادة الثلاثية إلى واجهة الحياة السياسية المغربية، لكن في سياق سياسي وتنظيمي مختلف، وبكيفية ومضمون وصلاحيات وآليات تجعل تجربته مختلفة.

    لماذا أنهى البام نموذج القيادة المنفردة؟

    لم يقدم قادة الأصالة والمعاصرة قرار فبراير 2024 باعتباره مجرد تغيير في أسماء المسؤولين، بل بوصفه محاولة لإعادة النظر في طريقة ممارسة القيادة نفسها.

    محمد مهدي بنسعيد اعتبر، عقب المؤتمر الخامس، أن القيادة الجماعية تمثل خيارا استراتيجيا يروم تجديد أنماط التفكير والتنظيم والتدبير، والانتقال من التركيز على الأشخاص إلى التركيز على المشروع السياسي للحزب.

    أما فاطمة الزهراء المنصوري، فقد أوضحت، بعد المؤتمر، أن القيادة ستعمل بمنطق التوافق، وأن الأمر لا يتعلق بوجود ثلاثة رؤوس متنافسة داخل الحزب، كما ارتبط اختيار منسقة وطنية للقيادة بمتطلبات التمثيل القانوني والتنظيمي للحزب.

    وبعد أكثر من سنتين على اعتماد هذه الصيغة، لم يعد النقاش مرتبطا فقط بأسباب اختيارها، وإنما بما أنتجته فعليا داخل الحزب، ومدى قدرتها على تحويل فكرة الجماعية من مقتضى تنظيمي إلى ممارسة يومية في تدبير القرار.

    نجوى كوكوس: دينامية تنظيمات الحزب مقياس النجاح

    وترى رئيسة المجلس الوطني للحزب، نجوى كوكوس، أن تقييم التجربة يجب أن ينطلق من التحولات التي عرفها الأصالة والمعاصرة منذ مؤتمر 2020، وليس فقط من لحظة انتخاب القيادة الجديدة.

    وفي حوار مع “AM+ MEDIA”، سينشر قريبا، تعتبر كوكوس أن المؤتمر الوطني لسنة 2024 شكل محطة مفصلية، لكونه جاء بعد أول تجربة للحزب في تدبير الشأن الحكومي منذ 2021، وبعد مرحلة تنظيمية بدأت منذ مؤتمر 2020 بهدف تثمين ما تحقق داخل الحزب ومراجعة عدد من أساليب التدبير السابقة.

    وتوضح أن الانتقال إلى القيادة الجماعية لم يكن قرارا فرديا أو ظرفيا، بل جاء نتيجة نقاش داخل هياكل الحزب، وانتهى إلى اختيار نموذج يقوم على توزيع المسؤولية وتوسيع مساحة التداول حول القرارات.

    وبحسب رئيسة المجلس الوطني، فإن أبرز ما أفرزته التجربة هو تراجع مساحة القرار الفردي لصالح المؤسسات، إذ تتم مناقشة القرارات داخل القيادة الجماعية ثم المكتب السياسي، فيما تصل بعض القضايا إلى المجلس الوطني.

    وتقول كوكوس في هذا السياق إن “القيادة الجماعية أثبتت نجاعتها لأنها تقوم على إشراك الجميع في صناعة القرار، فلا مجال لقرار فردي داخل الحزب، بل إن مختلف القرارات يتم التداول بشأنها داخل القيادة الجماعية، كما تُعرض على المكتب السياسي، بل إن بعض القرارات تُحال أيضا على المجلس الوطني، وهو ما يعزز مبدأ المؤسسات ويكرس العمل الجماعي”.

    وترى أن نجاح التجربة لا يقاس فقط باستمرار القيادة نفسها، وإنما بالدينامية التي تعرفها مختلف تنظيمات الحزب، سواء على المستوى المحلي أو الجهوي أو داخل التنظيمات الموازية، معتبرة أن هذه الدينامية تندرج ضمن المبادئ التي رفعها الحزب منذ تأسيسه، وفي مقدمتها تحرير الطاقات وتجديد النخب.

    وبالنسبة إلى رئيسة المجلس الوطني، فإن التجربة حققت إلى حدود اليوم نتائج إيجابية، على أن يكون الاستحقاق التشريعي المقبل أول انتخابات وطنية يخوضها الحزب تحت هذا النموذج القيادي.

    القيادة الجماعية في اختبار الانتخابات

    ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يتحول سؤال القيادة الجماعية من مسألة تنظيمية داخلية إلى قضية مرتبطة مباشرة بإدارة الحملة السياسية.

    فالانتخابات تفرض سرعة اتخاذ القرار، ووحدة الخطاب، وتوزيع المسؤوليات، والتفاعل اليومي مع المستجدات، وهي وظائف ارتبطت تاريخيا في الأحزاب بصورة الأمين العام الذي يتحمل مسؤولية قيادة الحملة.

    لكن نجوى كوكوس ترى أن تعدد أعضاء القيادة لا يعني تعدد الخطابات، فهي تعتبر أن فاطمة الزهراء المنصوري ومحمد مهدي بنسعيد وفاطمة السعدي ينتمون إلى المسار السياسي والتنظيمي نفسه داخل الأصالة والمعاصرة، ويتقاسمون المرجعية والوثائق والمشروع السياسي ذاته، وهو ما يجعل اختلاف الأشخاص عاملا لتكامل الأدوار وليس لإنتاج مواقف متعارضة.

    وتضيف أن ما يجمع أعضاء القيادة الجماعية يتجاوز تحمل المسؤولية التنظيمية، لأنه يقوم على مسار حزبي مشترك وعلى قناعة واحدة بالمبادئ والاختيارات التي راكمها الحزب خلال مختلف محطاته.

    ومن هذا المنطلق، ترى كوكوس أن الخطاب يظل منسجما، سواء في اللقاءات الإعلامية أو في التواصل مع المناضلين، على أساس أن أعضاء القيادة يكمل بعضهم بعضا ولا يقدمون خطابات متعارضة.

    أما فيما يتعلق بتدبير المرحلة الانتخابية، فتؤكد أن هناك توزيعا واضحا للأدوار بين أعضاء القيادة الجماعية، الذين يشكلون أمانة عامة واحدة تعمل في إطار من التكامل والتنسيق المستمر، وهو ما يجعل هذا النموذج، “مصدر قوة أكثر من كونه مصدر اختلاف”. وسيكون هذا الانسجام أمام أول اختبار انتخابي وطني له خلال استحقاقات شتنبر المقبل، حين تنتقل القيادة الجماعية من تدبير الحياة التنظيمية والسياسية اليومية للحزب إلى قيادة حملة انتخابية وطنية، بما تتطلبه من سرعة في القرار وتنسيق بين الهياكل ووحدة في الخطاب السياسي.

  • الصحراء المغربية.. كيف يخدم التحول الكولومبي موقف الرباط بمجلس الأمن؟

    الصحراء المغربية.. كيف يخدم التحول الكولومبي موقف الرباط بمجلس الأمن؟

    هذا التحول لا يستمد أهميته فقط من إضافة دولة جديدة إلى قائمة الدول التي تعزز الموقف المغربي في قضية الصحراء، بل من كون كولومبيا تعد من الدول ذات الوزن السياسي والاقتصادي في أمريكا الجنوبية، وهي منطقة احتفظت فيها ميليشيا البوليساريو تاريخيا بشبكة من العلاقات والدعم، كما أن بوغوتا تشغل حاليا مقعدا غير دائم في مجلس الأمن خلال الفترة 2026-2027.

    وبين كولومبيا التي أعادت، مع وصول غوستافو بيترو إلى السلطة سنة 2022، علاقاتها مع البوليساريو، وكولومبيا التي تعلن اليوم، في عهد الرئيس الجديد أبيلاردو دي لا إسبرييلا، الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، تغير موقع دولة كانت تحسب، إلى وقت قريب، ضمن الأصوات غير المريحة للرباط داخل مجلس الأمن.

    من بوغوتا إلى مجلس الأمن.. أكثر من اعتراف جديد

    أعلنت كولومبيا موقفها الجديد خلال لقاء جمع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، بنائب الرئيس الكولومبي خوسيه مانويل ريستريبو، بحضور وزير العلاقات الخارجية عمر بولا إسكوبار.

    وأكد إسكوبار أن بلاده “تعترف بسيادة المغرب على صحرائه”، فيما اعتبر ريستريبو أن القرار يشكل “بداية جديدة” في العلاقات بين البلدين، وذهب أبعد من ذلك بوصف المغرب بـ”حليف كولومبيا الرئيسي في إفريقيا”، معبرا عن رغبة بلاده في إقامة شراكة استراتيجية مع المملكة.

    أما وزير الخارجية المغربية، فوصف سحب بوغوتا اعترافها بالكيان الانفصالي والاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء بالقرار “التاريخي”، معتبرا أنه قادر على منح دفعة قوية للعلاقات الثنائية.

    لكن القراءة السياسية للقرار تتجاوز العلاقات بين الرباط وبوغوتا، بالنظر إلى أن كولومبيا تشغل منذ يناير 2026 مقعدا غير دائم في مجلس الأمن، وتستمر عضويتها إلى غاية نهاية 2027، وهو معطى يمنح التحول الجديد وزنا إضافيا، لأن بوغوتا ستكون حاضرة بصوتها داخل المجلس لدعم المغرب.

    أكتوبر.. أول اختبار للموقف الجديد

    يأتي التحول الكولومبي بعد أقل من سنة من اعتماد مجلس الأمن القرار رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025، الذي جدد ولاية “المينورسو” إلى غاية 31 أكتوبر 2026، ومنح مقترح الحكم الذاتي المغربي أولوية في تسوية سياسية للنزاع المفتعل.

    واعتمد القرار بـ11 صوتا دون أي صوت معارض، مقابل امتناع ثلاثة أعضاء، فيما لم تشارك الجزائر في التصويت.

    وبالتالي، سيكون أكتوبر 2026 أول موعد كبير يمكن أن تظهر فيه عمليا توجهات الدبلوماسية الكولومبية الجديدة بشأن الملف.

    واللافت أن بوغوتا كانت، إلى وقت قريب، تُقرأ في الاتجاه المعاكس، إذ في تحليل نشر في يونيو الماضي حول تركيبة مجلس الأمن وتأثيرها على ملف الصحراء، اعتبر السفير السابق والباحث في العلاقات الدولية، أحمد فوزي، أن كولومبيا كانت العضو الذي يمكن أن يعارض التطور الذي يعرفه الملف، رابطا ذلك باعتبارات إيديولوجية أكثر منها بحسابات مرتبطة بتطور النزاع نفسه.

    تحول بدلالات متعددة الأبعاد

    وفي هذا السياق، يرى محمد زكرياء أبو الذهب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن التحول الكولومبي يحمل دلالة تتجاوز العلاقات الثنائية، بالنظر إلى عضوية بوغوتا الحالية في مجلس الأمن وتوقيت القرار قبيل استحقاق أكتوبر.

    ويوضح أبو الذهب في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن “انتقال كولومبيا من الاعتراف بالكيان الانفصالي إلى الاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه يمثل تحولا سياسيا مهما في ميزان المواقف داخل مجلس الأمن، لأن الأمر يتعلق بدولة تملك اليوم صوتا داخل المجلس، ما يعزز الدينامية الدبلوماسية الداعمة للموقف المغربي، خصوصا مع اقتراب مناقشة الملف مجددا في أكتوبر المقبل”.

    ويضيف أن هذا التحول يحمل دلالة إضافية بالنظر إلى موقع كولومبيا داخل أمريكا اللاتينية، التي شكلت تاريخيا إحدى ساحات تحرك البوليساريو.

    أربع سنوات بين موقفين متناقضين

    في غشت 2022، بعد وصول الرئيس اليساري غوستافو بيترو إلى السلطة، أعادت كولومبيا علاقاتها مع ما يسمى “الجمهورية الصحراوية” الوهمية، بعدما كانت هذه العلاقات مجمدة منذ سنوات.

    وفي أبريل 2026، قبل أربعة أشهر فقط من رحيل بيترو، استقبلت الرئاسة الكولومبية أوراق اعتماد ممثل للبوليساريو بصفته سفيرا في بوغوتا.

    لكن العلاقة مع البوليساريو لم تكن تحظى بإجماع داخلي كولومبي، إذ صدرت خلال السنوات الماضية مواقف عن برلمانيين كولومبيين تنتقد توجه السلطة التنفيذية، وتدعو في المقابل إلى تعزيز العلاقات مع المغرب ودعم وحدته الترابية.

    ومع نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بدأ اتجاه السياسة الخارجية الكولومبية يتغير بعدما وصل أبيلاردو دي لا إسبرييلا إلى كرسي الرئاسة، حاملا توجها سياسيا مختلفا عن سلفه، لتظهر أولى إشارات القطيعة حتى قبل تنصيبه، عندما أعلن إعادة هيكلة الشبكة الدبلوماسية لبلاده وإغلاق عدد من السفارات، من بينها السفارة الكولومبية في الجزائر.

    وبرر الرئيس الجديد إعادة الهيكلة بالرغبة في تقليص النفقات وتوجيه الموارد إلى أولويات داخلية، مؤكدا أن إغلاق السفارات لا يعني بالضرورة قطع العلاقات مع الدول المعنية، غير أن هذه الخطوة، متبوعة بالاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه، تعكس في إعادة ترتيب أوسع لأولويات السياسة الخارجية الكولومبية بعد انتهاء مرحلة بيترو.

    ماذا يربح المغرب؟

    يشكل الموقف الكولومبي الجديد مكسبا كبيرا للمغرب، إذ على المستوى الأممي، يعد تحول موقف دولة تشغل مقعدا غير دائم في مجلس الأمن، بعدما كانت تُصنف قبل أشهر قليلة ضمن الدول التي يمكن أن تتحفظ على المسار الذي أخذه الملف، ضربة موجعة للجبهة الانفاصلية، وراعيتها الجزائر.

    لكن المكسب الأهم بالنسبة للمغرب فيتجلى في الموقف الكولومبي نفسه، فبوغوتا لم تكتف بتوصيف مبادرة الحكم الذاتي المغربية بالجدية أو المصداقية، وإنما انتقلت إلى إعلان الاعتراف بـ”سيادة المغرب على صحرائه”، وهو موقف يتجاوز مجرد دعم البحث عن حل سياسي في إطار المقترح المغربي.

    ويأتي ذلك في سياق دبلوماسي تعمل فيه الرباط على توسيع دائرة الدول التي انتقلت مواقفها من دعم مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسا للحل إلى التعبير عن مواقف أكثر وضوحا بشأن السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية.

    ماذا تريد كولومبيا من المغرب؟

    تقوم السياسة الخارجية للدول على المصالح، والتصريحات الصادرة عن القيادة الكولومبية الجديدة تكشف أن بوغوتا تبحث بدورها عن بناء علاقة مختلفة مع المغرب بعد موقفها الجديد في ملف الصحراء.

    ووصف نائب الرئيس خوسيه مانويل ريستريبو المملكة بأنها “حليف كولومبيا الرئيسي في إفريقيا” يكشف جزءا من التصور الجديد للعلاقة بين البلدين.

    وبالنسبة إلى بوغوتا، يمكن للمغرب أن يشكل بوابة لتعزيز الحضور الكولومبي في القارة الإفريقية، مستفيدا من شبكة علاقاته الاقتصادية والدبلوماسية وحضور مقاولاته واستثماراته في عدد من دول القارة.

    وفي الاتجاه المقابل، تستطيع كولومبيا أن تشكل للمغرب منصة إضافية لتعزيز حضوره الاقتصادي والسياسي في أمريكا اللاتينية، وهو ما عبر عنه ناصر بوريطة عندما أكد أن المغرب وكولومبيا يمكن أن يشكلا منصتين اقتصاديتين لبعضهما البعض، بالاستفادة من موقعيهما في إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

  • ليست الهشاشة ولا البطالة.. أحداث سبتة تكشف دوافع جديدة للهجرة

    ليست الهشاشة ولا البطالة.. أحداث سبتة تكشف دوافع جديدة للهجرة

    لطالما ارتبطت الهجرة غير النظامية بصورة الشاب الباحث عن فرصة عمل أو الهارب من الفقر، غير أن أحداث العبور الجماعي نحو سبتة نهاية يوليوز الماضي أعادت طرح سؤال مختلف حول ما إذا كانت الدوافع الاقتصادية وحدها كافية لتفسير إقدام آلاف الشباب على المجازفة بحياتهم.

    هذا السؤال حضر في الخلاصات الأولية للمجلس الوطني لحقوق الإنسان حول أحداث سبتة، والذي اعتبر أن اختزال الهجرة في الفقر والهشاشة الاجتماعية لم يعد كافيا، داعيا إلى فهم التحولات التي تعرفها تطلعات الشباب، والدور المتزايد الذي أصبحت تلعبه المنصات الرقمية في تشكيل قرار الهجرة.

    فهم جديد لدوافع الهجرة غير النظامية

    واستنادا إلى الشهادات التي جمعها، يرى مجلس حقوق الإنسان أنه لا يمكن اختزال محاولات العبور الجماعي للشباب والقاصرين في المقاربة التقليدية التي تفسر الهجرة حصرا بالفقر أو الهشاشة.

    ويطرح، في المقابل، ضرورة فهم التحولات العميقة في “تطلعات” الشباب، والنظر أيضا إلى الهجرة باعتبارها قرارا شخصيا لدى المعني بها، في سياق ما يصفه بـ”مجتمعات رقمية” رافضة، في الأصل، لمنطق الحدود والحواجز.

    وفي حالة سبتة، يرسم تقرير مجلس حقوق الإنسان مسارا بدأ في 8 يوليوز بتأويل مضلل لحكم قضائي، ومر بصورة انتصار انتشرت على نطاق واسع، ثم بأخبار تقول إن “الحدود مفتوحة”، وانتهى برسائل “واتساب” تحدد موعد التوجه بعد منتصف الليل وبتدفق جماعي نحو نقاط العبور.

    وهو تسلسل يجعل التضليل الرقمي، في قراءة المجلس، أبعد من مجرد أخبار زائفة عابرة، إذ أصبح أحد العوامل المؤثرة في التعبئة واتخاذ القرار والتنظيم الميداني، في حدث انتهى إلى وفيات وإصابات وعنف واعتقالات ومس خطير بحقوق الأطفال والمهاجرين والحق في السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية.

    وتفتح هذه الخلاصة بابا أمام نقاش أوسع حول ما إذا كانت الهجرة اليوم تعكس أزمة اقتصادية فقط، أم أنها أصبحت أيضا نتيجة لتحولات اجتماعية وثقافية ورقمية غيرت نظرة جزء من الشباب إلى المستقبل، وإلى معنى النجاح وتحقيق الذات.

    واقع اجتماعي جديد للشباب

    وفي قراءته للتحولات التي تعرفها دوافع الهجرة غير النظامية، يرى الباحث في علم الاجتماع، عادل النجاري، أن الاقتصار على تفسير الظاهرة بالفقر أو البطالة لم يعد يعكس الواقع الاجتماعي الذي يعيشه الشباب اليوم، معتبرا أن الهجرة أصبحت ترتبط أيضا بتحولات عميقة في منظومة التطلعات وطريقة بناء المستقبل.

    ويوضح النجاري في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أنه “في السنوات الأخيرة، لم تعد الهجرة غير النظامية تفسر فقط باعتبارها نتيجة للفقر أو البطالة، رغم أن هذين العاملين ما يزالان حاضرين بقوة”، مبرزا أن “ما نلاحظه اليوم هو أن دوافع الهجرة أصبحت أكثر تعقيدا، لأنها ترتبط أيضا بتحول في منظومة تطلعات الشباب”.

    وأشار المتحدث ذاته إلى أن الأجيال الحالية تعيش في فضاء مفتوح على العالم، وتقارن أوضاعها بشكل يومي بما تراه على المنصات الرقمية، وهو ما يرفع سقف انتظاراتها ويجعلها تبحث عن تحقيق الذات بالسرعة نفسها التي ترى بها تجارب الآخرين.

    لذلك، يرى النجاري، أن الهجرة لم تعد بالنسبة إلى البعض مجرد وسيلة لتحسين الدخل، بل أصبحت في كثير من الحالات مشروعا لتحقيق حياة مختلفة، يختلط فيه الاقتصادي بالاجتماعي والثقافي والنفسي.

    التضليل الرقمي.. عندما يصنع الهاتف حلم الهجرة

    إذا كان المجلس الوطني لحقوق الإنسان يدعو إلى تجاوز تفسير الهجرة بالفقر وحده، فإنه في المقابل يسلط الضوء على عامل آخر لا يقل تأثيرا، يتمثل في الفضاء الرقمي.

    وفق تقرير “مجلس بوعياش”، لم تكن المنصات الاجتماعية مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل تحولت إلى فضاء للتعبئة والتنسيق، ساهم في تشكيل قناعة لدى عدد من الشباب بأن فرصة العبور أصبحت ممكنة أكثر من أي وقت مضى.

     فقد رصد المجلس انتشار منشورات ومجموعات على فيسبوك وواتساب وتلغرام تداولت معلومات وإرشادات حول مسارات العبور، ونقاط التجمع، وحتى التوقيت المناسب للتحرك، إلى جانب محتويات روجت لتأويلات خاطئة لقرار المحكمة العليا الإسبانية الصادر في 8 يوليوز 2026، ما منح هذه الرواية انتشارا واسعا بين الراغبين في الهجرة.

    وتتقاطع هذه المعطيات مع ما أكده المغرب، الذي اعتبر أن شبكات الاتجار بالبشر استغلت القرار القضائي الإسباني لتسويق فكرة مفادها أن الوصول إلى سبتة عبر البحر أصبح يضمن عدم الإرجاع، وهو ما غذى لدى عدد من الشباب صورة عن “فرصة استثنائية” للعبور.

    وفي تفسيره للدور الذي لعبه الفضاء الرقمي خلال موجة العبور الأخيرة، يعتبر عادل النجاري أن المنصات الاجتماعية لم تعد مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل تحولت إلى فضاء يعيد تشكيل تصورات الشباب ويؤثر في قراراتهم.

    الباحث في علم الاجتماع يؤكد أن الفضاء الرقمي لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، بل تحول إلى فاعل اجتماعي يؤثر في بناء التصورات والسلوكيات، فالشباب لا يتابعون فقط الأخبار المتعلقة بالهجرة، بل يتعرضون يوميا لمحتويات تقدم نماذج حياة تبدو أكثر جاذبية خارج الوطن، دون أن تنقل في الغالب الوجه الآخر لهذه التجارب”.

    واسترسل موضحا أن تزامن ذلك مع انتشار معلومات مضللة أو تأويلات خاطئة، يفرز تأثيرها أكبر، لأنها تعزز لدى بعض الشباب الاعتقاد بأن فرصة العبور أصبحت ممكنة أو أقل خطرا، وهنا لا يصنع المحتوى الرقمي قرار الهجرة من الصفر، لكنه يسرع اتخاذه ويمنحه شرعية نفسية واجتماعية”.

    بين “الفردوس الموعود” وصدمة الواقع

    غير أن الصورة التي رُسمت على المنصات الرقمية لم تصمد طويلا أمام الواقع، فبعد أيام قليلة من أحداث العبور، بدأت تتداول مشاهد عودة أعداد كبيرة من الشباب إلى المغرب، في وقت أكد فيه مصدر حكومي لوكالة الأنباء المغربية أن نحو 95 في المئة من الذين وصلوا إلى سبتة غادروها طواعية، معتبرا أن هؤلاء اكتشفوا بأنفسهم أن “الفردوس الموعود” الذي روجت له شبكات التهريب وبعض المحتويات الرقمية لا يعكس حقيقة ما ينتظرهم على الضفة الأخرى.

    وتتقاطع هذه الرواية مع جزء مما وثقه المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي سجل حالات عودة طوعية، كما رصد شهادات تحدثت عن أوضاع صعبة عاشها عدد من العابرين، من بينها الجوع والعطش، إلى جانب تعرض بعضهم لاعتداءات وممارسات عنيفة داخل سبتة.

    ووثق المجلس الوطني لحقوق الإنسان انتشار خطاب معاد للمهاجرين، واعتداءات ذات طابع عنصري استهدفت عددا من الشباب المغاربة، ما يعكس الهوة بين الصورة التي سبقت قرار الهجرة والواقع الذي واجهه عدد منهم بعد الوصول.

    وبخصوص ما كشفته العودة السريعة لعدد من الشباب بعد وصولهم إلى سبتة، يرى الباحث في علم الاجتماع أن هذه التجربة أبرزت الفارق بين الصورة التي تُبنى قبل الهجرة والواقع الذي يواجهه الشباب بعد العبور.

    ويشير النجاري إلى أن التجربة التي عاشها عدد من الشباب بعد الوصول إلى سبتة كشفت الفارق بين الصورة التي تشكلت لديهم قبل العبور والواقع الذي وجدوه بعده، الأمر الذي يؤكد أن جزءا من القرار كان مبنيا على تمثلات أكثر منه على معرفة دقيقة بالواقع

    لذلك فإن معالجة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تعتمد فقط على المقاربة الأمنية أو حتى الاقتصادية، بل تحتاج أيضا إلى العمل على مستوى الوعي، وتعزيز التفكير النقدي لدى الشباب، ومواجهة المحتويات المضللة، إلى جانب خلق آفاق حقيقية تمنحهم الثقة في المستقبل. فكلما تمكن المجتمع من تقليص الفجوة بين الواقع والتصورات التي تنتجها المنصات الرقمية، أصبح أكثر قدرة على الحد من القرارات المبنية على الوهم أو على صور غير مكتملة عن الهجرة.”

    ولذلك، فإن مواجهة الهجرة غير النظامية لم تعد تقتصر على خلق فرص الشغل أو تشديد المراقبة الأمنية، رغم أهميتهما، بل أصبحت تقتضي أيضا بناء خطاب قادر على مواجهة التضليل الرقمي، وتعزيز ثقة الشباب في مستقبلهم، وفهم التحولات التي يعرفها جيل نشأ في عالم تصنع فيه الشاشات الأحلام بالقدر نفسه الذي تصنع فيه الوقائع. وهو ما يجعل قراءة المجلس دعوة إلى توسيع زاوية النظر، والانتقال من تفسير اقتصادي أحادي إلى فهم أكثر شمولا لظاهرة أصبحت أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.

    ما بعد أحداث الفنيدق.. أي مقاربة لفهم الهجرة؟

    لعل أهم ما تكشفه أحداث الفنيدق ليس فقط أنها أعادت ملف الهجرة غير النظامية إلى الواجهة، بل أنها أظهرت محدودية التفسيرات التقليدية التي تختزل الظاهرة في البطالة أو الفقر، لأن الهجرة اليوم تبدو أكثر تعقيدا؛ إذ تتداخل فيها الإكراهات الاقتصادية مع تحولات تطلعات الشباب، وتأثير الفضاء الرقمي، والصور التي تُبنى يوميا عن الحياة في الضفة الأخرى.

    وفي هذا السياق، يشدد الباحث في علم الاجتماع عادل النجاري على أن معالجة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تعتمد فقط على المقاربة الأمنية أو حتى الاقتصادية، بل تحتاج أيضا إلى العمل على مستوى الوعي، وتعزيز التفكير النقدي لدى الشباب، ومواجهة المحتويات المضللة، إلى جانب خلق آفاق حقيقية تمنحهم الثقة في المستقبل.

    ويذهب الناجري إلى أن نجاح المجتمع في تقليص الفجوة بين الواقع والتصورات التي تنتجها المنصات الرقمية، يجعله أكثر قدرة على الحد من القرارات المبنية على الوهم أو على صور غير مكتملة عن الهجرة.

    وفي هذا السياق، تبدو أهمية خلاصات المجلس الوطني لحقوق الإنسان في أنها تنقل النقاش من سؤال “كم تبلغ نسبة البطالة؟” إلى سؤال آخر أكثر عمقا: “كيف تتشكل تطلعات الشباب اليوم؟”، لأن الهجرة، وفق هذه المقاربة، لم تعد مجرد استجابة لواقع اقتصادي صعب، بل أصبحت أيضا نتاجا لتفاعل عوامل اجتماعية وثقافية ورقمية، تجعل بعض الشباب يرى في الهجرة مشروعا لتحقيق الذات، قبل أن يصطدم في كثير من الأحيان بواقع مختلف تماما.

  • انتخابات 23 شتنبر.. بين عداد دقائق الإعلام العمومي وسرعة المنصات الرقمية

    انتخابات 23 شتنبر.. بين عداد دقائق الإعلام العمومي وسرعة المنصات الرقمية

    تدخل الأحزاب السياسية المغربية مرحلة حاسمة من التحضير للانتخابات المقررة في 23 شتنبر المقبل، و لتبدأ معها الاستعدادات التنظيمية للحملة الانتخابية مرحلة جديدة بعدما أجريت في 23 يوليوز الفائت القرعة الخاصة بتوزيع الحصص الإعلامية للأحزاب السياسية في وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية.

    وبينما تبدو العملية في ظاهرها إجراء تقنيا يقتصر على تحديد مواعيد بث الوصلات الانتخابية، فإنها تستند في الواقع إلى منظومة قانونية تنظم حضور الأحزاب في الإعلام العمومي، وتحدد كيفية تحقيق التوازن بين مبدأ تكافؤ الفرص وبين اختلاف التمثيلية السياسية للأحزاب.

    وأجرت وزارة الشباب والثقافة والتواصل، بحضور ممثلي الأحزاب السياسية ومؤسسات الإعلام العمومي، القرعة الخاصة ببرمجة الحصص الإعلامية الخاصة بالحملة الانتخابية، بعد تقسيم الأحزاب المشاركة، وعددها 27 حزبا، إلى ثلاث مجموعات وفق معيار التمثيلية البرلمانية، مع تحديد مدة البث المخصصة لكل فئة، إضافة إلى آليات تغطية التجمعات الانتخابية واستضافة ممثلي الأحزاب في النشرات الإخبارية.

    غير أن هذه العملية تطرح أسئلة تتجاوز الجانب التنظيمي، من قبيل: لماذا لا تستفيد جميع الأحزاب من المدة الزمنية نفسها؟ وما الأساس القانوني لاعتماد التمثيلية البرلمانية معيارا للتوزيع؟ وكيف يضمن الإعلام العمومي الحياد خلال الحملة الانتخابية؟

    من ينظم الظهور الإعلامي للأحزاب؟

    لا يخضع توزيع الحصص الإعلامية لاجتهادات ظرفية، وإنما تنظمه مقتضيات المرسوم رقم 2.11.610 المتعلق باستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال الحملات الانتخابية، والذي يحدد المبادئ العامة المؤطرة لحضور الأحزاب السياسية في القنوات التلفزية والإذاعات العمومية.

    وينص هذا الإطار التنظيمي على تخصيص فترات بث للأحزاب المشاركة في الانتخابات، مع مراعاة مجموعة من الضوابط، من بينها توزيع الحصص على مختلف الفترات الزمنية خلال اليوم، واستمرار حضور الأحزاب طيلة الحملة، وتفادي بث الحصة نفسها في أكثر من وسيلة إعلامية في التوقيت ذاته، بما يسمح بوصول الرسائل الانتخابية إلى أكبر شريحة من المواطنين.

    ويشمل التنظيم تغطية الأنشطة الميدانية للأحزاب، واستضافة ممثليها في النشرات الإخبارية وفق قواعد موحدة، بما يضمن حضور مختلف الفاعلين السياسيين داخل الإعلام العمومي خلال فترة الحملة.

    ويأتي هذا التنظيم في إطار تنزيل المبادئ الدستورية المرتبطة بالتعددية السياسية، وحق المواطنين في الاطلاع على البرامج الانتخابية، مع ضمان حياد وسائل الإعلام العمومية وعدم توظيفها لخدمة أي طرف سياسي.

    لماذا تختلف مدة البث بين الأحزاب؟

    أبرز ما يلفت الانتباه في توزيع الحصص الإعلامية خلال الحملة الانتخابية هو اختلاف الزمن المخصص لكل حزب، فالأحزاب التي تمتلك فريقا برلمانيا تحظى بحيز زمني أكبر، تليها الأحزاب الممثلة في البرلمان دون فريق، بينما تستفيد الأحزاب غير الممثلة من مدة أقل.

    ويستند هذا التوزيع إلى معيار التمثيلية البرلمانية التي أفرزتها آخر انتخابات تشريعية، باعتبارها مؤشرا على حجم الحضور السياسي لكل تنظيم داخل المؤسسات المنتخبة.

    ولا يقوم هذا النظام على مبدأ المساواة المطلقة في عدد الدقائق، بل على مبدأ الإنصاف القانوني، الذي يميز بين الأحزاب وفق وضعيتها التمثيلية مع ضمان حد أدنى من الحضور الإعلامي لجميع التنظيمات المشاركة في الانتخابات.

    وبهذا المعنى، فإن جميع الأحزاب تستفيد من حق الولوج إلى الإعلام العمومي، لكن حجم الاستفادة يختلف وفق معايير محددة سلفا في النصوص التنظيمية، وليس بناء على قرارات تقديرية أو اعتبارات سياسية.

    ويهدف هذا التصور إلى التوفيق بين اعتبارات متوازنة؛ فمن جهة، يمنح الأحزاب الناشئة أو الصغيرة فرصة التعريف ببرامجها والوصول إلى الناخبين، ومن جهة أخرى، يعكس الوزن الانتخابي للأحزاب التي سبق أن نالت ثقة الناخبين وحصلت على تمثيلية داخل البرلمان، انطلاقا من أن نتائج الاقتراع تشكل أساسا لتوزيع بعض الحقوق المرتبطة بالمنافسة الانتخابية.

    ورغم ذلك، يظل هذا النظام محل نقاش مع كل استحقاق انتخابي، إذ يرى مؤيدوه أنه يجسد مبدأ التمثيلية ويحترم الإرادة التي أفرزتها صناديق الاقتراع، بينما تعتبر أطراف أخرى أن التفاوت في الزمن الإعلامي، إلى جانب الفوارق في الإمكانيات التنظيمية والمالية، قد يحد من تكافؤ فرص الأحزاب الأقل تمثيلا في الوصول إلى الناخبين.

    ولا يقتصر دور الإعلام العمومي، في هذا الإطار، على بث الوصلات والرسائل الانتخابية، بل يضطلع بوظيفة ديمقراطية تتمثل في إتاحة فضاء تعددي يعرض مختلف البرامج والرؤى السياسية وفق قواعد موحدة وشفافة، بما يساعد الناخب على المقارنة بين الخيارات المطروحة وتكوين رأي قبل الإدلاء بصوته يوم الاقتراع.

    وفي تفسيره للأساس القانوني الذي يقوم عليه توزيع الحصص الإعلامية خلال الحملات الانتخابية، يرى أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، حميد بلغيث، أن اعتماد التمثيلية البرلمانية معيارا لتوزيع الزمن الإعلامي يعكس فلسفة تشريعية تسعى إلى التوفيق بين احترام نتائج الاقتراع السابق وضمان حق جميع الأحزاب المشاركة في الولوج إلى وسائل الإعلام العمومية.

    ويؤكد بلغيث، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن اعتماد المشرع معيار التمثيلية البرلمانية يستند إلى الإرادة الشعبية التي أفرزتها الانتخابات السابقة، ويعكس الوزن السياسي لكل حزب داخل المؤسسات المنتخبة”، غير أنه يشدد على أن ذلك لا يعني المساواة المطلقة في الزمن الإعلامي، بل تحقيق تكافؤ الفرص وفق معايير قانونية موضوعية.

    ويبرز أن المساواة في الزمن تختلف عن المساواة في الحقوق الانتخابية، التي تضمن لجميع الأحزاب الحق في الترشح، والولوج إلى الإعلام العمومي، والاستفادة من الضمانات القانونية نفسها، مشيرا إلى أن القانون ألزم وسائل الإعلام العمومية باحترام مبادئ الحياد والتعددية والإنصاف، مع إخضاعها لرقابة الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، التي تتولى تتبع توزيع الزمن الإعلامي ورصد مدى الالتزام بالمقتضيات القانونية، بما يضمن شفافية الحملة الانتخابية ونزاهة المنافسة السياسية.

    الإعلام العمومي.. أي دور خلال الحملة الانتخابية؟

    لا يقتصر دور وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال فترة الحملة الانتخابية على بث الوصلات الخاصة بالأحزاب، بل يمتد إلى توفير فضاء إعلامي يخضع لقواعد قانونية تضمن احترام التعددية السياسية وتكافؤ فرص الوصول إلى الناخبين.

    ولهذا السبب، لا تقتصر برمجة الحملة على الحصص الانتخابية فقط، إذ يشمل التنظيم أيضا تغطية التجمعات الانتخابية، واستضافة ممثلي الأحزاب داخل النشرات الإخبارية وفق ضوابط محددة سلفا.

    وبحسب التنظيم المعتمد، تستفيد الأحزاب الممثلة في البرلمان من فقرة “ضيف النشرات الإخبارية”، كما تتولى وسائل الإعلام العمومية تغطية تجمع انتخابي واحد لكل حزب، مع اختلاف مدة التغطية بحسب المجموعة التي ينتمي إليها الحزب.

    ويهدف هذا التنظيم إلى ضمان حد أدنى من الحضور الإعلامي لجميع الأحزاب المشاركة، مع تفادي احتكار الفضاء السمعي البصري العمومي من قبل جهة سياسية واحدة، ما يجعل الإعلام العمومي جزءا من الضمانات المؤسساتية المنظمة للعملية الانتخابية، وليس مجرد ناقل للأنشطة الحزبية.

    غير أن تحقيق الحياد لا يرتبط فقط بتوزيع الزمن الإعلامي، بل يشمل كذلك طريقة تقديم الأخبار، وترتيب المواضيع، واحترام التوازن في تغطية الأنشطة، وهي عناصر تخضع بدورها للمراقبة من قبل الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري “الهاكا”، باعتبارها المؤسسة المكلفة بالسهر على احترام قواعد التعددية داخل وسائل الإعلام السمعية البصرية.

    هل ما زال التلفزيون يصنع القرار الانتخابي؟

    خلال العقد الأخير، تغيرت أنماط استهلاك الأخبار والمضامين السياسية، وأصبحت شبكات التواصل الاجتماعي تحتل موقعا متقدما في متابعة النقاش العمومي، خصوصا لدى فئة الشباب.

    وأصبحت الأحزاب السياسية تعتمد بشكل متزايد على المنصات الرقمية لنشر برامجها، وبث لقاءاتها، والتفاعل المباشر مع المواطنين، وهو ما جعل الحملة الانتخابية لا تقتصر على الفضاء الذي ينظمه القانون داخل وسائل الإعلام العمومية، بل تمتد أيضا إلى فضاءات رقمية مفتوحة تختلف فيها قواعد المنافسة.

    ويلاحظ أن هذا التحول لا يلغي أهمية الإعلام العمومي، بل يعيد تحديد وظيفته، لأن المنصات الرقمية تمنح الأحزاب إمكانية الوصول السريع إلى جمهور واسع، لكن الإعلام العمومي يظل الفضاء الذي يخضع لضوابط قانونية واضحة، ويضمن حضور مختلف الفاعلين السياسيين وفق قواعد موحدة، بعيدا عن منطق الخوارزميات أو الإمكانيات المالية المخصصة للإعلانات الرقمية.

    وفي قراءته للتحولات التي يعرفها التواصل السياسي، يرى جلال زين العابدين، أستاذ التواصل السياسي، أن الحملات الانتخابية لم تعد تعتمد على الإعلام العمومي بالكيفية نفسها التي كانت عليها في السابق، في ظل تنامي حضور المنصات الرقمية وتغير أنماط تفاعل الناخبين مع الخطاب السياسي، وهو ما يطرح، بحسبه، تحديات جديدة أمام الإطار القانوني المنظم للحملات الانتخابية.

    ويؤكد، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن “الإعلام العمومي لا يزال يحتفظ بدور أساسي داخل الحملات الانتخابية، باعتباره فضاء يضمن حضورا مؤسساتيا متوازنا للأحزاب وفق قواعد قانونية واضحة، لكنه لم يعد الوسيلة الوحيدة المؤثرة في تشكيل الرأي العام كما كان في السابق”.

    ويشرح زين العابدين هذا التوحل بالتغيير الذي أحدثه المنصات الرقمية في قواعد التواصل السياسي، بعدما أتاحت للأحزاب الوصول المباشر إلى الناخبين، والتفاعل الفوري معهم، واستهداف فئات محددة برسائل موجهة، مشددا على أنه أصبح من الضروري أن يواكب الإطار القانوني هذا التحول، من خلال تنظيم التواصل السياسي الرقمي بما يضمن الشفافية، وتكافؤ الفرص، والحد من التضليل الإعلامي، مع الحفاظ على حرية التعبير والتنافس الديمقراطي.

    بين التنظيم القانوني والتحول الرقمي

    ويطرح هذا الواقع تحديا جديدا أمام المنظومة الانتخابية، يتمثل في كيفية الحفاظ على مبدأ تكافؤ الفرص داخل فضاء إعلامي أصبح منقسما بين وسائل إعلام عمومية منظمة قانونا، ومنصات رقمية يصعب إخضاعها للقواعد نفسها.

    ففي الوقت الذي يحدد فيه القانون مدة بث كل حزب داخل التلفزيون والإذاعة، تبقى المنافسة على المنصات الرقمية مرتبطة بقدرات الأحزاب على إنتاج المحتوى، وتدبير الحملات الرقمية، واستثمار الإعلانات الممولة، وهو ما يفتح نقاشا حول مدى الحاجة إلى تطوير الإطار القانوني المنظم للاتصال السياسي بما يواكب التحولات التكنولوجية.

    ويثير هذا التطور تساؤلات حول تأثير المحتوى الرقمي في تشكيل الرأي العام، خاصة مع تنامي استعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي، وانتشار المحتويات القصيرة، وتزايد مخاطر الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة خلال الفترات الانتخابية.

    وفي هذا السياق، يرى عدد من الباحثين أن التحدي لم يعد يقتصر على ضمان عدالة توزيع الزمن الإعلامي داخل القنوات العمومية، بل أصبح يشمل أيضا التفكير في آليات تعزز شفافية الحملات الرقمية، وتحافظ على ثقة الناخبين في سلامة المنافسة الانتخابية.

    وفي هذا السياق، يبرز تحدي تحقيق التوازن بين توسيع فضاءات التعبير السياسي وضمان منافسة نزيهة تحترم قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص، كما تزداد أهمية تطوير آليات الرقابة والتقنين بما يواكب تطور وسائل الاتصال، ويحافظ على حق المواطن في الوصول إلى معلومة سياسية دقيقة ومتوازنة بعيدا عن التضليل أو الممارسات غير المشروعة.

  • بعد أزمة سبتة.. شبيبة “البام” تفتح “المايك” أمام الشباب في أول تحرك لفهم دوافع الهجرة

    بعد أزمة سبتة.. شبيبة “البام” تفتح “المايك” أمام الشباب في أول تحرك لفهم دوافع الهجرة

    شهدت الأسابيع الأخيرة عودة ملف الهجرة غير النظامية إلى واجهة النقاش العمومي، بعد الأحداث التي عرفتها نقط العبور نحو باب سبتة ومعبر بني أنصار، والتي أعادت طرح أسئلة قديمة ومتجددة حول الأسباب التي تدفع عددا من الشباب إلى المجازفة بحياتهم أملا في الوصول إلى الضفة الأخرى.

    محاولات الهجرة إلى سبتة المحتلة أبرزت، من خلال القراءات الأمنية والتفسيرات السياسية، الحاجة إلى الإنصات المباشر لأصوات الشباب وفهم واقعهم الاجتماعي والاقتصادي، بعيدا عن الأحكام الجاهزة.

    وامتد نقاش الظاهرة إلى قضايا أوسع تتعلق بقطاعات مختلفة، التعليم والتكوين والشغل، إضافة إلىوتراجع الإحساس بفرص الاندماج، واتساع الفجوة بين تطلعات الشباب وما يواجهونه من تحديات يومية.

    لذلك، يجمع عدد من الباحثين أن معالجة هذه الظواهر لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية، بل تقتضي أيضا فتح فضاءات للحوار والإنصات، وإشراك الشباب في صياغة الحلول التي تمس حاضرهم ومستقبلهم.

    وفي هذا السياق، نظمت منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، أول أمس الثلاثاء، لقاء حواريا مفتوحا في إطار مبادرة “PAM YOUTH OPEN MIC”، تحت شعار “نرجعو الثقة” (Get the Trust Back)، وذلك في أعقاب الأحداث التي شهدها باب سبتة ومعبر بني نصار، بهدف فتح نقاش مباشر حول الظواهر الاجتماعية المهددة لمستقبل الشباب، والاستماع إلى آرائهم وتصوراتهم بشأن القضايا التي تشغلهم. 

    وشهد اللقاء حضورا لافتا لشباب من خلفيات مختلفة، إلى جانب باحثين وفاعلين، حيث تحول إلى فضاء للنقاش الحر حول الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تقف وراء تنامي مشاعر الإحباط، وتدفع بعض الشباب إلى التفكير في الهجرة غير النظامية.

    عبقري: الاستماع مدخل لفهم حقيقي للمشكلات

    وأكد رئيس منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، صلاح الدين عبقري، أن المبادرة جاءت انطلاقا من ملاحظة وجود شعور بالإحباط وفقدان الثقة لدى جزء من الشباب، نتيجة تراكم عدد من العوامل والظواهر الاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر في حاضرهم ومستقبلهم.

    وأوضح عبقري أن الهدف من هذا الفضاء الحواري لا يتمثل في تقديم أجوبة جاهزة، وإنما في الاستماع إلى الشباب، إلى جانب باحثين ومختصين، من أجل تحليل هذه الظواهر وفهم أسبابها الحقيقية، قبل التفكير في سبل معالجتها.

    وأضاف أن مبادرة “نرجعو الثقة” تنطلق من قناعة بأن الحوار والإنصات يشكلان الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة، موجها شكره إلى جميع الشباب الذين لبوا الدعوة وشاركوا في هذا النقاش.

    ودعا عبقري الحاضرين إلى التعبير عن آرائهم بكل شفافية ووضوح، معتبرا أن اختلاف التجارب ووجهات النظر يمثل مدخلا أساسيا لفهم واقع الشباب وصياغة حلول أكثر ارتباطا بتطلعاتهم.

    وفي معرض حديثه عن التحولات التي يعرفها المجتمع، أشار المتحدث إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تضطلع بدور متزايد في التأثير على وعي الشباب وتوجيه سلوكهم، بعدما تحولت لدى كثير منهم إلى مصدر رئيسي لتشكيل القناعات والمواقف.

    واعتبر أن هذا الواقع أفرز، في بعض الأحيان، سلوكيات لا تنسجم مع قيم المجتمع، في ظل تراجع أدوار مؤسسات التنشئة، وعلى رأسها الأسرة، إلى جانب الحاجة إلى مناهج تعليمية أكثر قدرة على مواكبة التحولات الاجتماعية وتعزيز قيم المواطنة والتفكير النقدي لدى الأجيال الصاعدة.

    السياسة أمام المرآة

    ولم يقتصر اللقاء على كلمات الخبراء  وأعضاء المكتب التنفيدي لمنظمة شباب “البام”، بل منح الكلمة للشباب أنفسهم لعرض تجاربهم وانشغالاتهم.

    وفي هذا السياق، اعتبر أحد المشاركين الشباب أن فقدان الثقة يرتبط، في جانب منه، بتراكم الوعود التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ، وهو ما انعكس على نظرتهم إلى العمل العام وإمكانية تحقيق التغيير.

    وأضاف، بصفته فنانا، أنه يسعى إلى توظيف الموسيقى للتعبير عن معاناته الشخصية ومعاناة الشباب الذين يعيش بينهم، معتبرا أن الفن ينبغي أن يكون وسيلة لنقل الواقع وطرح القضايا التي تشغل الشباب، بما يتيح لهم إيصال أصواتهم والتعبير عن همومهم وتطلعاتهم.

    من جانب آخر، تقاسم عدد من الشباب الذين سبق لهم خوض تجربة محاولة الهجرة غير النظامية تفاصيل ما عاشوه قبل اتخاذ قرار المغادرة، مستحضرين الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي دفعتهم إلى التفكير في الهجرة باعتبارها مخرجا من واقع صعب.

    وتحدث بعضهم عن الضغوط المعيشية، والشعور بانسداد الأفق، وقلة فرص الشغل، مؤكدين أن هذه العوامل رسخت لديهم فكرة الهجرة، قبل أن يصطدموا بحقيقة المخاطر التي ترافقها أثناء محاولات العبور.

    إعادة بناء جسور الثقة ضرورة ملحة

    ولم يتوقف اللقاء عند حدود عرض الشهادات، بل تحول إلى فضاء للنقاش المفتوح بين الشباب وأعضاء منظمة شباب “البام” والخبراء، حيث تفاعلت مختلف المداخلات مع الأسئلة والملاحظات المطروحة.

    وتناول النقاش قضايا متعددة، من الهجرة غير النظامية والبطالة، إلى دور المدرسة والأسرة، وتأثير مواقع التواصل الاجتماعي، وسبل استعادة الثقة في المؤسسات، في أجواء اتسمت بالصراحة وتبادل الآراء.

    وامتد هذا الحوار لأكثر من خمس ساعات، أتيحت خلالها الفرصة لكل المشاركين للتعبير عن وجهات نظرهم ومناقشة تجاربهم الشخصية، دون قيود أو أحكام مسبقة، فيما حرص المتدخلون على التفاعل مع مختلف المداخلات والإجابة عن تساؤلات الشباب، مؤكدين أن الإنصات والحوار الصريح يمثلان مدخلا أساسيا لفهم الإشكالات التي تواجه الشباب، وتحويلها إلى مقترحات يمكن أن تسهم في بلورة سياسات عمومية أكثر قربا من واقعهم وتطلعاتهم.

    واختُتم اللقاء بالتأكيد على شعار “نرجعو الثقة” (Get the Trust Back)، باعتباره دعوة إلى إعادة بناء جسور الثقة بين الشباب والعمل السياسي، من خلال الإنصات الجاد لانشغالاتهم، وفتح فضاءات دائمة للحوار، وتوفير فرص حقيقية للإدماج الاقتصادي والاجتماعي وتعزيز التنمية المحلية. كما شدد المشاركون على أن استمرار مثل هذه المبادرات من شأنه أن يتيح نقل صوت الشباب وتطلعاتهم إلى مراكز القرار، بما يسهم في بلورة سياسات عمومية أكثر استجابة لواقعهم وأكثر قدرة على استعادة ثقتهم في المستقبل.

    ويشار إلى أن مبادرة “PAM YOUTH OPEN MIC” تأتي تفعيلا لإعلان منظمة شباب “البام”، في 31 يوليوز، عن نيتها فتح نقاش رصين مع مختصين وأكاديميين وممارسين، في أفق إعداد قراءة سياسية دقيقة واقتراح إجراءات عملية وواقعية، تسهم في فهم الظواهر التي تسببت في الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة والحد من أسبابها وتداعياتها، بعيدا عن الأحكام الجاهزة ودون إقصاء لأي سؤال مشروع.

  • قانون جديد يعيد ترتيب سوق التجزئات لكسر دوامة التعثر

    قانون جديد يعيد ترتيب سوق التجزئات لكسر دوامة التعثر

                           

    ظلت لسنوات مشاريع عقارية عالقة بين الأشغال التي لم تستكمل، والتجهيزات التي تأخرت، والمساطر التي لم تجد طريقها إلى الحسم، وفي كل مرة يتعثر فيها مشروع من هذا النوع، لا يتوقف الاستثمار وحده، بل تتأخر معه مساكن يفترض أن تستقبل سكانا، وطرق وشبكات تنتظر الاستكمال، ومرافق عمومية مرتبطة بتوسع عمراني يفترض أن يتم في إطار منظم.

    ومع مرور الوقت، تحولت هذه الوضعيات إلى واحدة من أكثر النقاط تعقيدا في تدبير المجال العمراني، بما لها من كلفة على المستثمرين والجماعات والسكان على حد سواء.

    هذا التراكم هو ما أعاد إلى الواجهة الحاجة إلى مراجعة الإطار القانوني المنظم للتجزئات العقارية، الذي يعود في صيغته الأساسية إلى سنة 1992.

    وبعد سنوات من النقاش حول سبل معالجة المشاريع المتعثرة وتجاوز الاختلالات التي أفرزتها الممارسة، جاء مشروع القانون رقم 34.21، القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات وعمليات التهيئة الكبرى ذات النفع العام، حاملا تعديلات تروم إعادة ترتيب عدد من القواعد المرتبطة بالتجزئات والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات، مع توسيع نطاق النص ليشمل أيضا عمليات التهيئة الكبرى ذات النفع العام.

    وصادق مجلس النواب على المشروع القانون في 8 يونيو 2026، بموافقة 120 نائبا وامتناع 50، قبل أن يصادق عليه مجلس المستشارين بالإجماع في 30 يونيو، ليقترب هذا الورش من نهايته التشريعية بعد سنوات من التعثر الذي طبع عددا من الملفات المرتبطة بالتجزئات العقارية.

    ويأتي القانون في إطار تفعيل توصيات الحوار الوطني حول التعمير والإسكان الذي أطلقته فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في شتنبر 2022، وذلك بالنظر للدور الذي تلعبه مشاريع التجزئات العقارية في تأطير نمو المجالات العمرانية، وتشجيع مختلف الأنشطة الاقتصادية وإنتاج عرض سكني ومرافق عمومية.

    قانون يعود إلى واقع عمراني مختلف

    صدر القانون رقم 25.90 سنة 1992 في سياق كانت فيه مشاريع التجزئة أقل حجماً وتعقيداً، قبل أن تتوسع المدن وتتزايد حاجيات السكن والمرافق وتتعدد المؤسسات المتدخلة في الترخيص والتجهيز والتسلم.

    وأظهرت الممارسة بعد أكثر من ثلاثة عقود أن القواعد نفسها لا يمكن أن تطبق بالكفاءة ذاتها على تجزئة محدودة المساحة ومشروع يمتد على مئات الهكتارات.

    وكان أجل الإذن من أبرز مصادر الإشكال، فالمشروع قد يظل قانونياً مرتبطاً بمدة محددة، رغم أن إنجازه يتوقف على مراحل تقنية وتمويلية وعلى تدخل الجماعات والوكالات الحضرية والمحافظة العقارية والجهات المكلفة بشبكات الماء والكهرباء والتطهير؛ وعند انتهاء الأجل قبل استكمال الأشغال، يصبح المشروع معرضاً للتوقف أو لإعادة ترتيب وضعيته القانونية، حتى عندما يكون التأخير ناتجاً عن أسباب لا يتحكم فيها صاحبه.

    لذلك، لا يقدم القانون الجديد رقم 34.21 تمديداً شكلياً للرخص، بل يغير طريقة احتساب الزمن المخصص للمشروع، بعدما اعتبر أن حجم العملية وطبيعتها يجب أن يدخلا في تحديد أجل إنجازها.

    آجال ترتبط بحجم المشروع

    اعتمد النص آجالاً جديدة ومتدرجة بحسب مساحة التجزئة، تبدأ من ثلاث سنوات بالنسبة إلى المشاريع الصغيرة، وترتفع تدريجياً لتصل إلى 15 سنة عندما تتجاوز مساحة المشروع 400 هكتار.

    ويمنح هذا التدرج صاحب المشروع قدرة أكبر على برمجة الأشغال والتمويل، بدل إخضاع جميع العمليات لأجل لا يراعي تفاوت أحجامها وتعقيدها.

    ولا يعني ذلك منح المستثمر مهلة مفتوحة، بل الانتقال من أجل موحد إلى أجل يفترض أن يكون متناسباً مع المشروع، لأن التجزئة الكبرى تحتاج إلى إنجاز الطرق والشبكات والمرافق على مراحل، وقد ترتبط بموافقات متعددة يصعب استكمالها خلال المدة نفسها التي يحتاج إليها مشروع صغير.

    كما يسمح القانون بإيقاف سريان أجل الإذن إذا توقفت أشغال التجهيز اضطرارياً بسبب ظروف خارجة عن إرادة صاحب المشروع، بمعنى أنه عندما يثبت وجود عائق قهري، تتوقف “الساعة القانونية” إلى حين زواله، بدلاً من استمرار احتساب أجل لا يستطيع المستثمر خلاله مواصلة الأشغال.

    ويمثل هذا المقتضى انتقالاً من التعامل مع كل تأخير باعتباره تقاعساً، إلى التمييز بين المشروع الذي يتوقف بسبب صاحبه والمشروع الذي تعرقله ظروف خارجية.

    وفي هذا السياق، يرى المنعش العقاري عمر رحال أن القانون الجديد رقم 34.21 جاء لمعالجة عدد من الإشكالات التي ظل القطاع يواجهها لسنوات، خاصة تلك المرتبطة بآجال إنجاز المشاريع وسقوط الرخص قبل استكمال الأشغال.

    ويؤكد رحال في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن المشاريع الكبرى تحتاج بطبيعتها إلى مراحل متعددة تشمل الدراسات والتجهيز والتمويل، ما يجعل اعتماد آجال متدرجة بحسب حجم المشروع، مع إمكانية توقيف سريانها في الحالات الخارجة عن إرادة المستثمر، من بين أهم المستجدات التي يمكن أن تحد من التعثر المرتبط بالجوانب القانونية والإدارية أكثر من ارتباطه بالجوانب التقنية.

    هل ينهي القانون تعثر التجزئات؟

    يعالج النص بصورة مباشرة أسباباً قانونية ظلت تضع مشاريع أمام خطر فقدان الإذن، كما يفتح، بصفة استثنائية، إمكانية منح أجل إضافي لبعض التجزئات التي سقطت أذونها، تحدده لجنة تقنية بغرض استكمال أشغال التجهيز.

    وهذا يعني أن الإصلاح يمكنه إنقاذ مشاريع لم تتوقف بسبب غياب الأرض أو الطلب، بل بسبب انتهاء الأجل أو تعقد الوضعية الإدارية، وسيكون فتح المجال أمام استكمالها بمثابة تحرير لاستثمارات مجمدة وتسريع لدخول بقع ومساكن وتجهيزات جديدة إلى المجال العمراني.

    نقل المرافق وحسم الوضعية القانونية

    من المستجدات المهمة أيضا في القانون الجديد النقل التلقائي والمجاني إلى الملك العام للجماعة للطرق والشبكات والمساحات غير المبنية المغروسة، بعد التسلم المؤقت لأشغال التجهيز.

    ويهدف هذا المقتضى إلى إنهاء وضعيات كانت فيها مرافق مستعملة من السكان من دون أن تُحسم سرعة إدماجها في الملك العام للجماعة.

    ويساعد النقل التلقائي الجماعة على تولي تدبير هذه المرافق وصيانتها داخل إطار قانوني واضح، لكنه يضعها أيضاً أمام مسؤولية مالية وتقنية أكبر.

    وفي مقابل منح القانون مرونة أكبر في الإنجاز، إذ يقوي مسؤولية المجزئ عن جودة الأشغال؛ فإذا ظهرت عيوب خلال السنة الموالية للتسلم المؤقت، وامتنع صاحب التجزئة عن إصلاحها، يمكن لرئيس مجلس الجماعة تحصيل المصاريف المرتبطة بالإصلاح، كما أن هذا المقتضى يمنع نقل كلفة العيوب مباشرة إلى الجماعة أو السكان، ويجعل التبسيط الإداري مقروناً بالمسؤولية عن جودة التجهيز.

    مناخ الاستثمار.. تقليص المخاطر

    يحمل القانون رقم 34.21 رسالة إيجابية للمستثمر، لأنه يمنحه رؤية أوضح حول مدة الإذن ومآل المشروع عند حدوث توقف اضطراري، ويقدم حلولاً لاستكمال بعض العمليات بدل سقوطها نهائياً.

    ويتقاطع هذا الإصلاح مع توجه أوسع لتبسيط الإجراءات وتحسين مناخ الاستثمار الذي يشهده المغرب في السنوات الأخيرة، ومع الحاجة إلى تسريع إنتاج السكن والتجهيزات في ظل توسع المدن والأوراش العمرانية الكبرى.

    ويرى المنعش العقاري عمر رحال أن أهمية هذا الإصلاح لا تكمن فقط في المقتضيات الجديدة التي جاء بها، وإنما في كيفية تنزيلها على أرض الواقع، موضحا أن نجاح القانون سيظل رهينا بتبسيط المساطر، وتسريع معالجة الملفات، وتحسين التنسيق بين مختلف الإدارات المتدخلة.

    وأضاف أن تحقيق هذه الشروط من شأنه أن يعزز ثقة المستثمرين، ويخفض جزءاً من المخاطر المرتبطة بالتأخير الإداري، ويساهم في تسريع إنجاز المشاريع وتوفير عرض عقاري وسكني أكبر، بما ينعكس إيجاباً على دينامية الاستثمار في القطاع.

    التهيئة الكبرى والبعد الاجتماعي

    ويشكل توسيع النص ليشمل عمليات التهيئة الكبرى ذات النفع العام ما يمنحه وظيفة تتجاوز التجزئات التجارية التقليدية، كما يؤطر الإنجاز التدريجي لأشغال التجهيز في عمليات تنجزها الدولة أو الجماعات الترابية أو المؤسسات والمقاولات العمومية، خصوصاً لإعادة إسكان ضحايا الكوارث الطبيعية، ومحاربة السكن غير اللائق، أو تنفيذ مشاريع للمنفعة العامة.

    وتتيح هذه المرونة التدخل بسرعة في الحالات الاجتماعية والاستعجالية، من دون اشتراط استكمال جميع مراحل المشروع دفعة واحدة.

    وفي قراءته لمستقبل هذا الإصلاح، يؤكد عمر رحال أن القانون يمثل خطوة مهمة نحو تحديث الإطار القانوني المنظم للتجزئات العقارية، لكنه يشدد على أن الأثر الحقيقي سيقاس بمدى انعكاسه على أرض الواقع.

    وأوضح المتحدث ذاته أن المستثمر لا يبحث فقط عن نصوص قانونية جديدة، بل عن مساطر واضحة، وآجال معقولة، وقرارات إدارية منسجمة، معتبراً أن نجاح هذا الورش رهين بتعبئة جميع المتدخلين، من جماعات ترابية ووكالات حضرية وإدارات معنية، لضمان تنزيل المقتضيات الجديدة بالنجاعة والسرعة المطلوبتين.

    وأضاف أن تحقيق هذا التكامل من شأنه أن يرفع ثقة المستثمرين، ويقلص المشاريع المتعثرة، ويساهم في تطوير عرض عمراني أكثر تنظيماً واستجابة لحاجيات التنمية.

  • شريك بسيادته لا حارس حدود.. المغرب يغيّر قواعد الهجرة مع أوروبا

    شريك بسيادته لا حارس حدود.. المغرب يغيّر قواعد الهجرة مع أوروبا

    تعيد الأحداث الأخيرة المسجلة عند نقاط العبور نحو سبتة ومليلية المحتلتين ملف الهجرة غير النظامية إلى واجهة النقاش، في وقت يؤكد المغرب أنه يواصل الاضطلاع بدور محوري في تأمين حدوده والحد من نشاط شبكات الاتجار بالبشر.

    وأظهرت طريقة تدبير هذه الأحداث من الجانب المغربي اعتماد مقاربة استباقية جمعت بين المراقبة الميدانية والإنقاذ والتنسيق، بما ساعد على احتواء الوضع وتفادي حصيلة أكثر مأساوية.

    ويستند المغرب في الدفاع عن حصيلة عمله إلى أرقام تعكس حجم الجهد المبذول خلال السنوات الأخيرة، إذ أحبطت نحو 160 ألف محاولة للهجرة غير النظامية خلال سنتي 2024 و2025، وفككت 632 شبكة، إلى جانب تنفيذ أكثر من 32 ألف عملية إنقاذ في البحر.

    هذه النتائج ساهمت في جعل الواجهة الغربية للبحر الأبيض المتوسط أقل ضغطا على أوروبا، كما عززت مكانة المملكة شريكا موثوقا في التعاون الأمني والإنساني، سيما مع الجار الشمالي إسبانيا.

    غير أن تطورات الثغرين المحتلين تؤكد أن الظاهرة لا يمكن تطويقها بالإجراءات الأمنية وحدها، خصوصا مع تنامي تأثير المعلومات المضللة والتأويلات الخاطئة لبعض القرارات القانونية واستمرار نشاط شبكات التهريب.

    وتبدو دعوة الرباط الاتحاد الأوروبي إلى تقاسم المسؤولية والأعباء منسجمة مع واقع ملف تتداخل فيه اعتبارات الأمن والتنمية وحماية الأرواح، فيما يظل نجاح المقاربة المغربية مرتبطا أيضا باستمرار التنسيق مع الشركاء الأوروبيين وتعزيز التواصل الدقيق حول الوقائع والأرقام.

    من لغة الأرقام إلى لغة الرسائل السياسية

    طوال السنوات الماضية، كانت البلاغات المتعلقة بالهجرة تركز أساسا على حصيلة العمليات الأمنية، وعدد الشبكات المفككة، ومحاولات العبور التي جرى إحباطها، غير أن الموقف الأخير، المعبر عنه في قصاصة لوكالة الأنباء المغربية الرسمية “لاماب” منسوبة إلى مصدر حكومي، فلم يقتصر على مجرد سرد للأرقام.

    وتعكس العبارات التي تكررت، من قبيل “شريك ذو سيادة”، و”لم يخضع يوما للضغط”، و”لم يتحرك تحت وطأة الابتزاز”، أن المغرب أراد نقل النقاش من الجانب الأمني إلى مستوى آخر يرتبط بطبيعة العلاقة مع أوروبا، لأن المسألة اليوم لم تعد تقتصر على قدرة المملكة على حماية حدودها والنظر إليها كـ”حارس حدود” لأوروبا، بل أصبحت تشمل أيضا الكيفية التي يريد أن ينظر بها إلى هذا الدور وإلى موقعه داخل معادلة تدبير الهجرة.

    وفي هذا السياق، اعتبر السوسيولوجي المغربي عبد الفتاح الزين، في تصريح لـ “AM+ MEDIA”، أن اللغة التي اعتمدها المغرب في هذه المرحلة تكشف أن الهجرة لم تعد تُطرح باعتبارها ملفا أمنيا فقط، بل أصبحت تحمل أبعادا دبلوماسية وسياسية.

    وأضاف الزين أن الرسائل التي وجهها المغرب لأوروبا، من قبيل التشديد على مفاهيم مثل “السيادة” و”الشراكة” تعكس رغبة المملكة في إعادة تعريف موقعها داخل هذا الملف، باعتبارها شريكا يساهم في صياغة قواعد التعاون، لا مجرد طرف يقتصر دوره على حماية الحدود الأوروبية.

    وحرصت الرباط على أن تضع حدا لصورة ظلت تتكرر في بعض النقاشات الأوروبية، والتي تقدم المغرب باعتباره مجرد خط دفاع متقدم عن الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي، لذلك أكدت أن التعاون في مكافحة الهجرة غير النظامية ليس استجابة لضغوط خارجية، وإنما خيار سيادي تمليه المصالح الوطنية والالتزامات الدولية للمملكة.

    وأصبحت المقاربة الدبلوماسية المغربية، تربط التعاون الدولي بشكل أوضح بمبدأ السيادة، فالمغرب يؤكد استمرار انخراطه في الجهود المشتركة لمكافحة الهجرة غير النظامية، لكنه في المقابل يشدد على أن هذا التعاون ينبغي أن يقوم على الاعتراف المتبادل بالأدوار التي يؤديها كل طرف، وبالكلفة التي يتحملها في مواجهة ظاهرة عابرة للحدود.

    وفي الوقت نفسه، لم يتخل المغرب عن إبراز حجم المجهود الذي يبذله ميدانيا، مذكرا بإحباط عشرات الآلاف من محاولات الهجرة خلال العامين الأخيرين، وتفكيك مئات الشبكات الإجرامية، وإنقاذ آلاف الأشخاص في عرض البحر.

    غير أن هذه الأرقام لم تُقدم فقط لإبراز النجاعة الأمنية، بل للتأكيد أن استقرار الواجهة الغربية للبحر الأبيض المتوسط هو نتيجة تعبئة بشرية وتقنية ومالية متواصلة، وليس معطى قائما بذاته.

    إعادة تعريف الشراكة مع أوروبا

    ومن بين أكثر العناصر دلالة في الموقف المغربي، الإصرار على مفهوم “المسؤولية المشتركة”، إذ تكررت هذه العبارة أكثر من مرة، بما يعكس رغبة المغرب في التأكيد أن الهجرة ليست مسؤولية دولة العبور وحدها، وإنما ظاهرة عابرة للحدود تتداخل فيها عوامل أمنية وقانونية واقتصادية وإنسانية.

    وفي هذا السياق، جاء موقف وزارة الداخلية الذي عرض الإجراءات التي اتخذتها السلطات المغربية، بل أشارت أيضا إلى عوامل مرتبطة بالجانب الأوروبي، من بينها التأويلات التي صاحبت بعض القرارات القضائية الإسبانية، والتي ساهمت في ترسيخ اعتقاد لدى بعض المهاجرين بإمكانية تفادي الإعادة الفورية عبر سلوك مسارات معينة.

    من جانبه، اعتبر عبد الصادق حيدر، الخبير في قضايا الهجرة ومدير مركز إدماج المهاجرين، في تصريح لـ “AM+ MEDIA”، أن المغرب لم يعد يتعامل مع ملف الهجرة باعتباره مهمة أمنية يؤديها نيابة عن أوروبا، بل كقضية إقليمية تستدعي شراكة متكافئة تقوم على المسؤولية المشتركة.

    وأوضح حيدر أن الرسالة التي يحملها الخطاب الرسمي تتمثل في أن دور المملكة لا يقتصر على حماية الحدود، وإنما يمتد إلى المساهمة في بلورة مقاربة شاملة للهجرة تراعي الأبعاد الأمنية والتنموية والإنسانية.

    وأضاف أن التشديد على مفاهيم مثل “السيادة” و”الشراكة المتوازنة” يعكس توجها لإعادة تعريف العلاقة مع أوروبا، بما يجعل المغرب شريكا في صياغة المقاربات وتدبير هذا الملف، وليس مجرد طرف يقتصر دوره على تنفيذها.

    ويلاحظ أيضا أن الموقف الرسمي تجنب لغة التصعيد أو المواجهة مع الشركاء الأوروبيين، إذ حافظ على التأكيد بأن التعاون مع إسبانيا يظل “نموذجيا”، لكنه في الوقت نفسه أعاد رسم الإطار السياسي لهذا التعاون، مشيرا إلى أنه توازن يعكس رغبة في الجمع بين استمرار التنسيق الميداني، وبين تثبيت خطاب دبلوماسي يؤكد أن التعاون لا يتعارض مع الدفاع عن السيادة الوطنية أو مع المطالبة بتقاسم الأعباء بشكل أكثر توازنا.

    ويأتي هذا التحول في وقت تعرف فيه أوروبا نقاشا متزايدا حول مستقبل سياسات الهجرة، وكيفية تقاسم أعباء تدبيرها مع دول الجوار.

  • الدولة الاجتماعية بالمغرب.. خريطة ربع قرن من الإصلاحات

    الدولة الاجتماعية بالمغرب.. خريطة ربع قرن من الإصلاحات

    على امتداد أكثر من عقدين، انتقلت الدولة الاجتماعية في المغرب من مفهوم يطرح في النقاشات العمومية إلى ورش إصلاحي واسع تتقاطع فيه السياسات الصحية والاجتماعية والاقتصادية.

    ولم يكن التحول نتيجة برنامج حكومي محدود، بل جاء ضمن رؤية قادها الملك محمد السادس، انطلقت من تشخيص مواطن الهشاشة والفوارق الاجتماعية، قبل أن تترجم إلى إصلاحات متتالية شملت الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والدعم المباشر للأسر وسياسات السكن وتأهيل الخدمات الأساسية.

    ومن خلال تتبع الخطب الملكية ومحطات إطلاق هذه الأوراش، تتضح معالم مسار اعتمد التدرج في الإصلاح وربط التشخيص بالتنزيل والمتابعة.

    من محاربة الفقر إلى الاستثمار في الإنسان

    شكل إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في 18 ماي 2005 إحدى المحطات الأولى التي رسمت التوجه الاجتماعي للعهد الجديد، بنقل تدخل الدولة من مساعدات متفرقة إلى مشاريع تنطلق من حاجيات السكان، وتشمل فك العزلة، ودعم التمدرس، وتحسين الولوج إلى الماء والصحة، ومواكبة الأشخاص في وضعية هشاشة.

    ومع إطلاق المرحلة الثالثة من المبادرة سنة 2018، اتسع مجال تدخلها ليشمل تنمية الرأسمال البشري، والطفولة، وتحسين الدخل، والإدماج الاقتصادي للشباب.

    ولم تعد محاربة الفقر، وفق المقاربة الملكية لجلالة الملك محمد السادس، مرتبطة فقط بتقديم مساعدة آنية، وإنما بمعالجة أسبابه منذ السنوات الأولى لحياة المواطن، انطلاقا من الأوراش التي مولتها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، فالطفل الذي يستفيد من التعليم الأولي والتغذية والنقل المدرسي تكون فرصته في مواصلة الدراسة أكبر من طفل تحدد هشاشة أسرته مساره منذ البداية.

    خطاب العرش 2018.. إعادة ترتيب السياسة الاجتماعية

    في خطاب عيد العرش ليوم 29 يوليوز 2018، وضع الملك محمد السادس البعد الاجتماعي في صدارة أولويات المرحلة، مؤكدا أن “الشأن الاجتماعي يحظى عندي باهتمام وانشغال بالغين، كملك وكإنسان”.

     ولم يكتف الخطاب بتأكيد مركزية هذا الورش، بل قدم تشخيصا واضحا للاختلالات التي كانت تحد من نجاعة منظومة الدعم الاجتماعي، مشيرا إلى أن تعدد البرامج، رغم الاعتمادات المالية المهمة التي ترصدها الدولة، لم يكن كفيلا بتحقيق الأثر المطلوب بسبب تشتت المتدخلين، وضعف التنسيق، وعدم دقة آليات استهداف المستفيدين.

    ومن هذا المنطلق، وجه الملك إلى إحداث السجل الاجتماعي الموحد واعتماد معايير دقيقة وموضوعية لتحديد الأسر المستحقة، بما يؤسس لمرحلة جديدة تقوم على توحيد منظومة الاستهداف وربط الاستفادة بالوضعية الاجتماعية والاقتصادية للأسر، عوض الاعتماد على لوائح وبرامج متفرقة.

    وفي قراءته لهذا المسار، يرى الخبير الاستراتيجي والاقتصادي، محمد أمين سامي، أن الدولة الاجتماعية في المغرب لم تكن نتاج قرار واحد، بل ثمرة رؤية ملكية متدرجة قادها جلالة الملك محمد السادس، انطلقت مع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005، ثم تعززت بدسترة الحقوق الاجتماعية سنة 2011، قبل أن تدخل مرحلة إعادة هيكلة منظومة الحماية الاجتماعية ابتداء من خطاب العرش لسنة 2018.

    ويوضح سامي في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن هذا المسار يعكس انتقالا تدريجيا من معالجة مظاهر الفقر والهشاشة إلى بناء الأسس القانونية والمؤسساتية للدولة الاجتماعية، عبر توحيد منظومة الدعم، وتحسين آليات الاستهداف، وربط السياسات الاجتماعية بالنجاعة والأثر الفعلي على حياة المواطنين.

    خطاب العرش 2020.. الحماية الاجتماعية لكل المغاربة

    سرّعت جائحة كورونا هذا المسار، بعدما كشفت أن فئات واسعة من المهنيين والفلاحين والتجار والحرفيين والعاملين لحسابهم الخاص ظلت خارج أنظمة التأمين، وأن توقف النشاط أو المرض يمكن أن يفقد الأسرة دخلها في وقت قصير.

    وفي خطاب عيد العرش بتاريخ 29 يوليوز 2020، أعلن جلالة الملك محمد السادس التوجه نحو “توفير الحماية الاجتماعية لكل المغاربة، التي ستبقى شغلنا الشاغل حتى نتمكن من تعميمها على جميع الفئات الاجتماعية”.

    وربط الخطاب هذا القرار بالعدالة الاجتماعية والمجالية، معتبرا أن تعميم الحماية ينبغي أن يشمل جميع الفئات، وليس فقط العاملين في الوظيفة العمومية أو القطاع الخاص المنظم.

    وفي خطاب افتتاح البرلمان في 9 أكتوبر 2020 بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية العاشرة، نقلت التوجيهات الملكية المشروع من الإعلان السياسي إلى جدول للتنفيذ، يقوم على أربعة مكونات هي تعميم التأمين الإجباري عن المرض، والتعويضات العائلية، وتوسيع التقاعد، ثم التعويض عن فقدان الشغل.

    14 أبريل 2021.. من التوجيه إلى التنفيذ

    في 23 مارس 2021، صدر القانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية، ليمنح المشروع مرجعية قانونية تتجاوز البرامج الحكومية الظرفية.

    وبعد ذلك، ترأس الملك محمد السادس يوم 14 أبريل 2021، بالقصر الملكي بفاس، حفل إطلاق تنزيل مشروع تعميم الحماية الاجتماعية وتوقيع الاتفاقيات الأولى المتعلقة به.

    ومثلت هذه الخطوة بداية إدماج تدريجي للفئات التي ظلت لسنوات خارج منظومة التأمين الصحي، مما مكن فئات مهنية واجتماعية جديدة من الولوج إلى التغطية الصحية والاستفادة من خدماتها في مواجهة تكاليف العلاج.

    وفي 13 يوليوز 2022، ترأس جلالة الملك مجلسا وزاريا جرى خلاله التداول في مشروع القانون الإطار رقم 06.22 المتعلق بالمنظومة الصحية الوطنية.

    وجاء المشروع لتوفير الشروط الضرورية لإنجاح تعميم الحماية الصحية، من خلال حكامة جديدة، وتأهيل العرض الصحي، وتثمين الموارد البشرية، ورقمنة الخدمات، وضمان توزيع أكثر إنصافا للعلاجات بين مختلف مناطق المملكة.

    ومن أبرز مكونات الإصلاح إحداث المجموعات الصحية الترابية، التي تهدف إلى تدبير المؤسسات الصحية داخل كل جهة ضمن شبكة منسجمة، بدل استمرار المستشفيات والمراكز في العمل بصورة منفصلة.

    ويعتبر محمد أمين سامي أن الانتقال من تعميم التغطية الصحية إلى إصلاح المنظومة الصحية يعكس تطورا في الرؤية الملكية من ضمان الحق في التأمين إلى ضمان الحق في العلاج، موضحا أن “الحماية الاجتماعية لا تتحقق بمجرد منح المواطن بطاقة التأمين، وإنما بتوفير مستشفى قريب، وأطر صحية كافية، وتجهيزات ملائمة، وحكامة قادرة على ضمان جودة الخدمات”.

    وتابع أنه لهذا الغرض جاء إصلاح المنظومة الصحية مكملا لورش الحماية الاجتماعية، حتى يتحول الحق الدستوري في العلاج إلى خدمة عمومية متاحة لجميع المواطنين بمختلف جهات المملكة.

    تدشينات تواكب تعميم التغطية

    سبق إصلاح المنظومة الصحية إعطاء الملك، في 5 ماي 2022، انطلاقة أشغال المركز الاستشفائي الجامعي الجديد ابن سينا بالرباط، باستثمار يناهز 6 مليارات درهم.

    ولا يقتصر دور المشروع على زيادة الطاقة الاستيعابية، بل يشمل التخصصات الدقيقة والتكوين والبحث الطبي، فالمستشفى الجامعي يعالج المرضى، لكنه يكوّن أيضا الأطباء والممرضين الذين تحتاج إليهم المؤسسات الصحية في باقي الجهات.

    كما أعطى الملك في يناير 2022 انطلاقة مشروع وحدة صناعية لإنتاج اللقاحات ببنسليمان، ضمن توجه يهدف إلى تحقيق السيادة الصحية وتقليص التبعية للأسواق الخارجية.

    وإلى جانب المؤسسات الكبرى، جرى نشر وحدات صحية متنقلة ومتصلة لفائدة المناطق القروية والنائية، قبل إطلاق مرحلة إضافية في 26 مارس 2024 شملت 50 وحدة جديدة.

    وتستجيب هذه الوحدات لمشكلة عملية تواجه سكان القرى والجبال على رأسها المسافة بين المواطن والطبيب، إذ بدلا من تحمل تكاليف النقل والإقامة، تصل بعض الفحوصات والاستشارات إلى منطقته، مع إمكانية الاستعانة بالطب عن بعد.

    2023.. استهداف مباشر للدعم والسكن

    بعد التغطية الصحية، انتقلت الدولة الاجتماعية إلى حماية دخل الأسر، ففي خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية الحادية عشرة يوم 13 أكتوبر 2023، أكد جلالته أن الدعم المباشر ينبغي أن يشمل الأطفال المتمدرسين، والأطفال في وضعية إعاقة، وحديثي الولادة، والأسر التي تعيل مسنين.

    وقال العاهل المغربي ” وسنشرع، بعون الله وتوفيقه، في نهاية هذه السنة، في تفعيل برنامج الدعم الاجتماعي المباشر. وتجسيدا لقيم التضامن الاجتماعي، الراسخة عند المغاربة، فقد قررنا ألا يقتصر هذا البرنامج، على التعويضات العائلية فقط؛ بل حرصنا على أن يشمل أيضا بعض الفئات الاجتماعية، التي تحتاج إلى المساعدة”.

    وبعد أيام، ترأس جلالة الملك مجلسا وزاريا يوم 19 أكتوبر 2023، جرى خلاله عرض التوجهات المالية للبرنامج، مع التأكيد على ألا يقل الدعم عن 500 درهم شهريا لكل أسرة مستهدفة، مهما كانت تركيبتها.

    وبدأ صرف الدفعة الأولى من الدعم في 28 دجنبر 2023، تنفيذا للتوجيه الملكي القاضي بإطلاقه قبل نهاية السنة.

    وفي 17 أكتوبر 2023، ترأس الملك جلسة عمل خصصت لقطاع السكن، جرى خلالها تقديم برنامج الدعم المباشر للسكن للفترة 2024-2028.

    وحدد البرنامج مساعدة بقيمة 100 ألف درهم لاقتناء سكن لا يتجاوز ثمنه 300 ألف درهم، و70 ألف درهم للسكن الذي يتراوح ثمنه بين 300 ألف و700 ألف درهم.

    الجديد هنا هو توجيه الدعم إلى المقتني بدل ربطه بالمنعش أو المشروع العقاري. وبالنسبة إلى الأسرة، يمكن للمساعدة أن تغطي جزءا من التسبيق، وتخفض قيمة القرض والأقساط الشهرية.

    لا مجال لمغرب بسرعتين

    وفي خطاب عيد العرش يوم 29 يوليوز 2025، وضع جلالة الملك معيارا أكثر صرامة لقياس نتائج التنمية، قائلا “لن أكون راضيا، مهما بلغ مستوى التنمية الاقتصادية والبنيات التحتية، إذا لم تساهم، بشكل ملموس، في تحسين ظروف عيش المواطنين”، مضيفا “فلا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين”.

    ودعا جلالته إلى جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، يركز على التشغيل والتعليم والصحة والماء وتأهيل المناطق الأكثر هشاشة.

    ويحمل هذا التوجيه انتقالا من توسيع البرامج الاجتماعية على المستوى الوطني إلى مساءلة أثرها داخل كل جهة، فقد يستفيد مواطنان من التأمين والدعم نفسيهما، لكن وضعهما يظل مختلفا إذا كان أحدهما يعيش قرب مستشفى ومدرسة وفرص للعمل، بينما يبعد الآخر عشرات الكيلومترات عن أبسط الخدمات.

    وفي قراءته لهذه المرحلة، يرى المحلل الاستراتيجي والاقتصادي محمد أمين سامي أن انتقال الأوراش الملكية من تعميم الحماية الاجتماعية إلى ترسيخ العدالة المجالية يعكس تطورا في فهم أسباب الهشاشة.

    ويوضح ذلك بأن الفوارق الاجتماعية لا ترتبط فقط بدخل الأسرة، بل أيضا بالمجال الذي تعيش فيه، فالمواطن قد يستفيد من التأمين الصحي أو الدعم المباشر، لكنه يظل في وضع هش إذا كان بعيدا عن المستشفى أو المدرسة أو الماء أو فرص الشغل.

    لذلك، يضيف سامي، أن الرؤية الملكية انتقلت من حماية الفرد داخل مجال هش إلى تأهيل المجال نفسه، عبر ربط العدالة الاجتماعية بالتنمية الترابية المندمجة، بما يجعل مكان الولادة أو الإقامة أقل تأثيرا في فرص المواطن في الولوج إلى الخدمات الأساسية وتحسين ظروف العيش.

    ويؤكد المحلل ذاته أن عبارة جلالة الملك محمد السادس “لا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين”، لا تمثل مجرد شعار سياسي، بل تؤسس لمرحلة جديدة في تقييم السياسات العمومية، قوامها الانتقال من الاكتفاء بالمؤشرات الوطنية العامة إلى قياس أثر التنمية داخل كل جهة ومجال ترابي.

    وأبرز أن المطلوب لم يعد يقتصر على معرفة نسبة النمو الاقتصادي، بل يشمل أيضا تحديد أماكن إنتاج الثروة، وعدد مناصب الشغل اللائقة التي تم إحداثها، وحجم القيمة المضافة التي بقيت داخل المجالات الترابية، ومدى تحسن الولوج إلى الصحة والتعليم، وتطور دخل النساء والشباب، وتراجع الهجرة الاضطرارية.

    وشدد محمد أمين سامي على أن الرؤية الملكية لا تستهدف الحد من دينامية الجهات الأكثر تقدما، وإنما تسريع وتيرة تنمية المجالات الأقل استفادة وربطها بمحركات النمو الوطنية، بما يرسخ عدالة مجالية حقيقية داخل إطار الدولة الاجتماعية.