قانون الحيوانات الضالة في المغرب.. ماذا يفرض القانون 19.25 ولماذا يواجه الرفض؟

ظل تدبير الحيوانات الضالة في المغرب مرتبطا بما يحدث بعد وصولها إلى الشارع، من شكايات انتشار الكلاب، ومخاوف من العض والأمراض، غير أنه في الجهة المقابلة تبرز مبادرات فردية وجمعوية لإطعام الحيوانات وعلاجها والدفاع عن حمايتها من القتل والإيذاء.

وتغيرت المعادلة اليوم إذ لم يعد التدبير يبدأ بالحيوان الموجود في الشارع فقط، بل يعود إلى مالكه، ويمتد إلى المواطن الذي يتعامل معه والجمعيات والجماعات ومراكز الرعاية، ضمن منظومة جديدة تحاول الانتقال من معالجة وجود الحيوانات الضالة بعد انتشارها إلى التحكم في مصادر الظاهرة وتكاثرها وتتبعها.

هذا التحول يحمله القانون رقم 19.25 المتعلق بحماية الحيوانات الضالة ورعايتها والوقاية من أخطارها، الذي صدر في العدد 7533 من الجريدة الرسمية، بعد استكمال مساره التشريعي.

ويجمع النص بين مستويين؛ الأول وقائي، يقوم على التصريح بالحيوانات المملوكة وترقيمها ومنع شرودها، والثاني يتعلق بما يحدث بعد وصول الحيوان إلى الفضاء العام، من الجمع والرعاية والتلقيح والتعقيم إلى إمكانية إعادته إلى وسط ملائم وتتبع وضعيته رقميا، وفي المقابل، يرتب مسؤوليات وعقوبات على المالك والمواطن ومراكز الرعاية، ويجرم القتل غير المبرر والتعذيب والإيذاء.

غير أن هذه المقاربة أثارت بدورها نقاشا، خصوصا حول تنظيم إطعام الحيوانات الضالة وعلاجها وإيوائها، وحدود تدخل المواطنين والمتطوعين.

الإطعام لم يمنع مطلقا لكنه لم يعد خارج التنظيم

كانت المادة الخامسة من القانون رقم 19.25 من أكثر مقتضيات النص إثارة للنقاش، بالنظر إلى ارتباطها بممارسات يومية يقوم بها مواطنون ومتطوعون وجمعيات، من إطعام القطط والكلاب الضالة إلى علاج الحيوانات المصابة أو إيوائها.

وتنص الصيغة النهائية للمادة على أنه لا يجوز لأي شخص رعاية حيوان ضال، سواء بإيوائه أو إطعامه أو علاجه، إلا وفق أحكام القانون ونصوصه التطبيقية.

والتمييز هنا ضروري، لأن القانون لا يقرر منعا مطلقا لإطعام الحيوانات الضالة أو علاجها وإيوائها، وإنما يخضع هذه الممارسات لإطار قانوني.

ويرتب القانون في المقابل، غرامة تتراوح بين 500 و2000 درهم عندما تتم في الفضاءات العامة خلافا لأحكامه.

كما أن الصيغة النهائية جاءت بعد نقاش تشريعي حول المقتضى، انتهى بإضافة عبارة “إلا وفق أحكام هذا القانون ونصوصه التطبيقية”، بعدما كانت الصيغة السابقة أكثر تشددا في منع الرعاية والإيواء والإطعام والعلاج.

وفي الاتجاه المقابل، لا يتعامل النص مع الحيوان الضال باعتباره مصدر خطر فقط، بل ينص صراحة على حمايته من الأمراض الخطيرة أو المعدية، ومن القتل غير المبرر والتعذيب والعنف والإيذاء بكل أشكاله. كما يسمح بالتبليغ عن وجوده، خصوصا عندما يكون في وضع يهدد صحته أو صحة المواطنين وسلامتهم.

المالك أول حلقة في التدبير

أحد أبرز التحولات التي يحملها القانون هو نقل جزء من المسؤولية إلى مرحلة تسبق تحول الحيوان إلى حيوان ضال.

ويعرف القانون الحيوان الضال باعتباره كل حيوان يوجد في أحد الفضاءات العامة، بشكل دائم أو مؤقت، دون سيطرة ورقابة مالكه أو حارسه، وهو تعريف يجعل فقدان السيطرة على الحيوان عنصرا أساسيا في تحديد وضعيته.

وانطلاقا من ذلك، يلزم المالك باتخاذ التدابير اللازمة لحماية الحيوان ومنع أسباب شروده أو وجوده في الفضاء العام دون مراقبة، ويفرض عليه التوفر على دفتر صحي والتصريح بكل حيوان يوجد في ملكيته عبر منصة إلكترونية.

ويمنح الحيوان بعد التصريح رقما تعريفيا يسمح بالتعرف عليه وعلى مالكه، مع إلزام الأخير باتخاذ التدابير الضرورية لضمان حمل الحيوان لهذا الرقم بصورة دائمة.

ولا يتعلق الأمر بإجراء إداري ينتهي بمجرد التسجيل، إذ يفرض القانون تحيين المعلومات المرتبطة بالحيوان، والتصريح بانتقال ملكيته إلى شخص آخر داخل 24 ساعة، كما يلزم المالك بالتصريح بفقدانه داخل أجل أقصاه ثلاثة أيام، ثم تحيين بياناته إذا تم العثور عليه.

ويظهر أثر هذه المنظومة عندما يصل الحيوان المفقود إلى أحد مراكز الرعاية، فإذا تبين أنه مصرح به، يتم إشعار مالكه لاسترجاعه داخل أجل عشرة أيام، مع تحمله تكاليف رعايته خلال فترة الإيواء، وإذا لم يتسلمه داخل الأجل المحدد، يعتبر الحيوان متخلى عنه.

أما التخلي الإرادي، فيخضع بدوره لمسار محدد، إذ يتعين على المالك إيداع الحيوان لدى أحد مراكز الرعاية مقابل وصل، بدل تركه في الشارع.

ويحاول هذا المسار معالجة أحد مصادر الظاهرة من بدايته، عبر ربط الحيوان بمالكه، وتتبع انتقاله أو فقدانه، وترتيب المسؤولية عندما يترك دون رقابة أو يتم التخلي عنه.

من جمع الحيوانات إلى التحكم في التكاثر

إذا كانت مسؤولية المالك تمثل المستوى الأول من التدخل، فإن المستوى الثاني يبدأ عندما يصبح الحيوان ضالا، وهنا يمنح القانون مراكز الرعاية دورا يتجاوز جمع الحيوانات وإبعادها عن الشوارع.

وتتولى المراكز المحدثة على مستوى المكاتب الجماعية لحفظ الصحة رصد الحيوانات الضالة وجمعها ونقلها، ثم ترقيمها وتقييم حالتها الصحية والسلوكية، إلى جانب إطعامها وعلاجها وتلقيحها ضد الأمراض الخطيرة أو المعدية.

غير أن المقتضى الأكثر ارتباطا بالتحكم في أعداد الحيوانات يوجد في إلزام هذه المراكز باعتماد أساليب علمية ومبتكرة للحد من التكاثر، خصوصا بالنسبة إلى القطط والكلاب.

ويتيح القانون إرجاع الحيوانات، عند الاقتضاء، إلى الوسط الذي كانت تعيش فيه أو إلى وسط آخر ملائم، لا سيما بعد تعقيمها وتلقيحها وترقيمها، كما يمكن تسليم الحيوان الذي يأويه المركز إلى شخص يرغب في رعايته، بعوض أو بدون عوض، بعد التأكد من قدرته على التكفل به.

وفي الحالات التي لا يرجى فيها شفاء الحيوان من مرض أو عجز، أو عندما يشكل وجوده خطرا على صحة المواطنين أو سلامتهم أو على صحة حيوان آخر، يسمح القانون باللجوء إلى القتل الرحيم تحت إشراف طبيب بيطري.

مستغفر: المطلوب تنظيم التضامن مع الحيوان لا تجريمه

بالنسبة إلى هند مستغفر، الناشطة المغربية في مجال الرفق بالحيوان، يشكل وجود إطار قانوني ينظم الملف خطوة مهمة، خاصة مع إدراج التعقيم والتلقيح والرعاية وتجريم القتل غير المبرر والتعذيب، لكنها تربط نجاح هذه المقتضيات بالطريقة التي ستطبق بها على أرض الواقع.

وقالت مستغفر لـ”AM+ MEDIA” إن “المبدأ بالنسبة إلينا ليس الاختيار بين سلامة المواطن وحماية الحيوان، لأن الاثنين يمكن أن يتحققا في الوقت نفسه. نحن بحاجة إلى تدبير يقلص أعداد الحيوانات الضالة ويحمي المواطنين من الأمراض والمخاطر، لكن عبر حلول مستدامة وإنسانية تقوم أساسا على التعقيم والتلقيح والتتبع، وليس على جعل الحيوان نفسه مشكلة يجب التخلص منها”.

وتضع الناشطة في مجال الرفق بالحيوان المادة الخامسة في قلب النقاش الذي رافق القانون، معتبرة أن “تنظيم الإطعام والرعاية يمكن فهمه عندما تكون الغاية حماية الصحة العامة وضمان شروط سليمة، لكن ينبغي ألا يتحول التطبيق إلى معاقبة شخص قدم الماء أو الطعام لحيوان جائع أو حاول إنقاذ حيوان مصاب”، مضيفة أن “المطلوب هو تنظيم التضامن مع الحيوان وليس تجريمه، وهنا ستكون النصوص التطبيقية وطريقة تنزيل القانون حاسمتين”.

وترى أن فعالية المقاربة الجديدة ستظل مرتبطة بتوفير البدائل التي ينص عليها القانون، مضيفة أن “التعقيم والتلقيح وإعادة الحيوانات المؤهلة إلى محيطها، إلى جانب التبني المسؤول ومراقبة التخلي عن الحيوانات، ويمكن أن يشكل مسارا أكثر استدامة، لكن ذلك يتطلب مراكز مجهزة وأطباء بيطريين وموارد مالية وتعاونا حقيقيا مع الجمعيات التي راكمت تجربة ميدانية في هذا المجال”.

الجماعات أمام اختبار المراكز والموارد

ينقل القانون جزءا مهما من مسؤولية التنفيذ إلى الجماعات، بالنظر إلى أن مراكز رعاية الحيوانات الضالة يفترض إحداثها على مستوى المكاتب الجماعية لحفظ الصحة.

وتعمل هذه المراكز تحت إشراف طبيب بيطري تابع للمكتب الجماعي، وفي حالة عدم وجوده، يمكن إسناد المهمة إلى طبيب بيطري من القطاع الخاص ينتدبه رئيس المجلس الجماعي بموجب عقد.

ولا يتعلق الأمر فقط بتوفير فضاء لإيواء الحيوانات، لأن الاختصاصات التي يحددها القانون تشمل الجمع والنقل والتقييم الصحي والعلاج والتلقيح والتعقيم والترقيم وإمكانية الإرجاع أو التسليم للرعاية، وهو ما يجعل توفر الموارد البشرية والبيطرية والتجهيزات جزءا أساسيا من قابلية النموذج للتطبيق.

ويتيح النص للجماعات الاستعانة بجمعيات المجتمع المدني في بعض اختصاصات المراكز، شريطة أن تكون في وضعية قانونية سليمة، وأن يكون من أغراضها رعاية الحيوانات، وأن تتوفر على الموارد البشرية والمالية والخبرة اللازمة، وتحدد اتفاقية الشراكة طبيعة المهام وآليات المراقبة وكيفية تقديم الخدمات.

كما يفتح المجال أمام أشخاص القانون الخاص لإنشاء مراكز للرعاية وتدبيرها بترخيص من الجماعة ووفق دفتر تحملات، لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد، مع إخضاع هذه المراكز للمراقبة وإمكانية سحب الترخيص عند عدم تصحيح الاختلالات المسجلة.

ومن هذا المنطلق، يوسع القانون دائرة المتدخلين، لكنه يبقي الجماعة في قلب المنظومة باعتبارها الجهة التي ستتحمل جزءا كبيرا من مسؤولية تحويل المقتضيات القانونية إلى خدمات فعلية.

العقوبات توزع المسؤولية

إلى جانب تنظيم الرعاية، يعتمد القانون على منظومة زجرية تتدرج بحسب طبيعة المخالفة والجهة المسؤولة عنها.

ويعرض إيواء حيوان ضال أو إطعامه أو علاجه في الفضاء العام خلافا لأحكام القانون صاحبه لغرامة بين 500 و2000 درهم، بينما تتراوح الغرامة بين ألف و5 آلاف درهم بالنسبة إلى مالك لا يصرح بحيوانه أو لا يتوفر على دفتره الصحي.

ويرفع القانون الغرامة إلى ما بين 10 و20 ألف درهم بالنسبة إلى من يتسبب عمدا في شرود حيوان أو تركه في الفضاء العام دون سيطرة ورقابة، فيما تصل العقوبة إلى ما بين 50 و300 ألف درهم بالنسبة إلى إحداث أو تدبير مركز لرعاية الحيوانات الضالة دون ترخيص.

وفي المقابل، يضع النص عقوبات لحماية الحيوان نفسه، إذ يعاقب بالحبس من شهرين إلى ستة أشهر وبغرامة من 5 آلاف إلى 20 ألف درهم، أو بإحدى العقوبتين، من يتعمد قتل حيوان ضال أو تعذيبه أو إيذاءه، باستثناء القتل الرحيم الذي يتم وفق الشروط القانونية. وفي حالة العود، ترفع العقوبات إلى الضعف.

من تدبير الأعداد إلى تتبع الحالات

لا تكتمل المنظومة الجديدة بالمراكز والعقوبات، إذ يراهن القانون أيضا على الانتقال من التعامل مع الحيوانات الضالة كأعداد موجودة في الشارع إلى تتبع وضعية كل حيوان يدخل مسار الرعاية.

ولهذا يحدث قاعدة بيانات رقمية خاصة بالحيوانات الضالة، تتولى الإدارة تدبيرها وتقييد وتجميع وحفظ وتحيين البيانات الموجودة فيها.

وتهدف القاعدة إلى منح رقم تعريفي لكل حيوان ضال، وتتبع وضعيته وتدابير الحماية التي خضع لها، وتحديد المركز المكلف برعايته، فضلا عن توفير البيانات الضرورية لتطوير التدابير الموجهة للحد من انتشار الحيوانات وتكاثرها.

وتكمن أهمية هذه الآلية في أنها تسمح، من حيث المبدأ، بالانتقال من تدخل منفصل في كل مرة يظهر فيها الحيوان في الشارع إلى بناء معطيات حول مساره: جمعه، حالته الصحية، تلقيحه وتعقيمه، والمركز الذي تكفل به.

وبجمع هذه المقتضيات، يتضح أن التحول الذي يحمله القانون 19.25 لا يقتصر على فرض غرامات أو تنظيم إطعام الحيوانات الضالة، بل يقوم على محاولة إعادة بناء سلسلة التدبير كاملة، من منع التخلي والشرود من المصدر، وتحديد مسؤولية المالك، وتنظيم الرعاية، والتحكم في التكاثر بالتعقيم، والحد من المخاطر بالتلقيح، إلى ترقيم الحيوانات وتتبعها.

لكن الجزء الأصعب، وفق متتبعين، يبدأ بعد صدور القانون، فعدد من تفاصيل هذه المنظومة أحيل على نصوص تنظيمية، بما فيها كيفيات منح الرقم التعريفي وحمله ومعايير إنشاء مراكز الرعاية وقواعد الصحة والسلامة المطبقة عليها، لذلك، لن يتحدد أثر القانون فقط بما يتضمنه من التزامات وعقوبات، بل بقدرة الجماعات على توفير المراكز والأطباء البيطريين والموارد اللازمة، وبكيفية تنظيم تدخل الجمعيات والمواطنين، ومدى تحول التعقيم والتلقيح والترقيم من مقتضيات قانونية إلى ممارسة منتظمة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *