تدخل دائرة الرباط-المحيط، المعروفة إعلاميا بـ”دائرة الموت”، الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر الجاري بوصفها واحدة من أكثر دوائر العاصمة تنافسية، بالنظر إلى وزن الأسماء وتعدد اللوائح المتنافسة على أربعة مقاعد فقط.
ورغم التغيرات التي شهدها المشهد السياسي في السنوات الخمس الفارطة، تظل نقطة الانطلاق الأكثر صلابة لقراءة فنجان سباق الرباط المحيط أرقام اقتراع 8 شتنبر 2021.
واستنادا إلى أرقام تشريعيات 2021، يبدو أن محمد مهدي بنسعيد، عضو القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة ووكيل لائحة “البام” في دائرة الرباط المحيط، لا يبدأ حملته الانتخابية من مجرد رصيد حكومي أو حضور إعلامي؛ بل يعود إلى الدائرة نفسها بعدما فاز فيها بمقعد برلماني، محتلا المرتبة الثانية من حيث الأصوات.
ماذا تقول أرقام 2021؟
تنتخب دائرة الرباط-المحيط أربعة نواب، ووفق جدول النتائج النهائي المنشور على بوابة الانتخابات في انتخابات 2021، بلغ عدد المسجلين 150.072 ناخبا، فيما وصل مجموع الأصوات الصحيحة إلى 47.753 صوتا، أي ما يعادل 31.82 في المئة من المسجلين.
وتنص المادة 84 من القانون التنظيمي لمجلس النواب، بصيغته المحينة، على استخراج القاسم الانتخابي في الدائرة المحلية بقسمة عدد الناخبين المقيدين على عدد المقاعد، ثم توزيع المقاعد المتبقية وفق قاعدة أكبر البقايا.
وكشفت النتائج النهائية لانتخابات 2021 بدائرة الرباط-المحيط عن تصدر التجمع الوطني للأحرار بـ15.888 صوتا، بما يعادل 33.27 في المئة من الأصوات الصحيحة، متقدما بفارق 8.812 صوتا عن حزب الأصالة والمعاصرة، الذي حل ثانيا بـ7.076 صوتا ونسبة 14.82 في المئة.
وجاء حزب الاستقلال ثالثا بـ4.545 صوتا، أي 9.52 في المئة، متبوعا بالحركة الشعبية بـ4.299 صوتا ونسبة 9 في المئة، ثم العدالة والتنمية في المرتبة الخامسة بـ4.028 صوتا، بما يعادل 8.44 في المئة.
واستحوذت الأحزاب الخمسة مجتمعة على 35.836 صوتا، أي نحو 75 في المئة من مجموع 47.753 صوتا صحيحا، غير أن المقاعد الأربعة توزعت بواقع مقعد واحد لكل من الأحرار والبام والاستقلال والحركة الشعبية، بينما بقي العدالة والتنمية خارج التمثيل.
وتظهر تفاصيل النتيجة أن المنافسة لم تكن متوازنة في جميع المراتب؛ فبينما انفرد الأحرار بصدارة واسعة، احتل البام بقيادة محمد المهدي بنسعيد موقعا ثانيا مريحا، متقدما بـ2.531 صوتا عن الاستقلال، وبـ2.777 صوتا عن الحركة الشعبية، وبـ3.048 صوتا عن العدالة والتنمية، أول الأحزاب غير الممثلة.
وفي المقابل، لم يتجاوز الفارق بين الاستقلال والحركة الشعبية 246 صوتا، وبين الحركة الشعبية والعدالة والتنمية 271 صوتا فقط، ما يؤكد أن التنافس الحقيقي على المقعدين الثالث والرابع كان شديد التقارب.
وانطلاقا من هذه الأرقام، فالمركز الثاني بالنسبة لـ”البام” كان أكثر أمانا بكثير من المقعدين الثالث والرابع، ما يجعل وكيل لائحة “الجرار” في وضع مطمئن حسابيا خلال انتخابات 2026، إذ إن تراجع أصواته بنحو 39 في المئة ستجعله يساوي رقم صاحب المرتبة الرابعة في 2021، وهو ما يسمى بـ”الوسادة الانتخابية”.
وتمنح هذه المعطيات مرشح “الجرار” نقطة انطلاق إيجابية، إذ يعود إلى الاستحقاق الجديد برصيد انتخابي مثبت وموقع أقل هشاشة من مواقع منافسي الصف الثاني، فضلا عما أضافته تجربته الحكومية من حضور سياسي وتنفيذي منذ انتخابه بالدائرة وتعيينه وزيرا سنة 2021.
خريطة المنافسة في 2026
تضع الترشيحات المودعة والمعلنة بنسعيد أمام أسماء لها رصيد سياسي وتنظيمي، وهم طه الجماني عن التجمع الوطني للأحرار، وعبد الإله البوزيدي عن الاستقلال، ونبيل الدخش عن الحركة الشعبية، ومصطفى الخلفي عن العدالة والتنمية، وعبد الكريم بنوعتيق عن الاتحاد الاشتراكي، إلى جانب مرشحي التقدم والاشتراكية والاتحاد الدستوري وفيدرالية اليسار.
ويمكن تقسيم المنافسة، رقميا، إلى ثلاث دوائر، وهي دائرة المتقدمين التي تضم الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار، استنادا إلى فارق 2021 الكبير عن بقية اللوائح.
وفي دائرة الدفاع عن المقعد نجد الاستقلال والحركة الشعبية؛ إذ لم يفصل بينهما في 2021 سوى 246 صوتا، وكان رصيد الحركة لا يتقدم على العدالة والتنمية، الخامس، سوى بـ271 صوتا.
ودائرة الاقتحام، يأتي العدالة والتنمية أولا، لأنه الأقرب حسابيا إلى المقعد الرابع استنادا إلى نتائج آخر استحقاق انتخابي، ثم الاتحاد الاشتراكي وفيدرالية اليسار والتقدم والاشتراكية، وهي أحزاب تحتاج إلى زيادات أكبر قياسا بنتائجها السابقة.
وقياسا إلى رقم المقعد الرابع سنة 2021، كان العدالة والتنمية يحتاج إلى 271 صوتا إضافيا فقط، بينما كان الاتحاد الاشتراكي يحتاج إلى 1.853 صوتا، وفيدرالية اليسار إلى 1.649 صوتا، والتقدم والاشتراكية إلى 2.089 صوتا.
لماذا يدخل بنسعيد من موقع إيجابي؟
وتعد الاستمرارية الانتخابية أول عناصر القوة لمحمد مهدي بنسعيد، فقد أكدت المحكمة الدستورية انتخاب بنسعيد نائبا عن الرباط-المحيط في اقتراع 8 شتنبر 2021، قبل إعلان شغور مقعده عقب تعيينه عضوا في الحكومة يوم 7 أكتوبر من السنة نفسها.
ويستطيع بنسعيد، بالتالي، أن يقدم للناخب نتيجة فوز حديثة باسمه وفي الدائرة نفسها، في مقابل مرشحين جدد لدى عدد من منافسيه؛ مع الإشارة إلى أن الاستقلال والحركة الشعبية جددا بدورهما الثقة في الفائزين باسمهما سنة 2021.
أما العنصر الثاني فهو تراكم الخبرة بين البرلمان والحكومة، فبنسعيد كان نائبا منذ 2011، وترأس لجنة الشؤون الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية والمغاربة المقيمين بالخارج بين 2014 و2016، قبل توليه حقيبة وزارة الشباب والثقافة والتواصل منذ أكتوبر 2021.
هذه المحطات تمنح بنسعيد مزيجا من الخبرة التشريعية والتنفيذية، وهو عنصر قابل للتحويل انتخابيا سيما أنه نجح في ربط المنجز الحكومي بحاجات أحياء الدائرة.
ويتجلى عنصر القوة الثالث فهو القرب من قضايا الشباب، إذ تجاوز عدد المنخرطين في برنامج “جواز شباب” مليوني شاب وشابة، مع استفادة قرابة نصف مليون منهم يوميا من خدماته، بعد انطلاقه التجريبي في جهة الرباط–سلا–القنيطرة وتعميمه وطنيا مطلع 2025.
وتدعم تركيبة لائحة بنسعيد رسالة الاهتمام بالشباب الذي طالما كان على رأس أولوياته؛ فإلى جانبه، ضمت لائحته مجيد خلوة، المنتخب بمقاطعة حسان، وجاد زهراش، المحامي البالغ 26 سنة ونائب رئيس مقاطعة يعقوب المنصور، وجواد الكرواني، المنتخب بالمقاطعة نفسها، وهي صيغة تجمع بين رأس لائحة ذي حضور وخبرة حكومية، ووجوه لها ارتباط بالمجالس المحلية، وتمثيل شبابي واضح.
من 2016 إلى 2021.. تبدل موازين القوة والبام قوة ثابتة
تكشف المقارنة بين استحقاقي 2016 و2021 أن دائرة الرباط-المحيط لا تمنح الأحزاب مواقع ثابتة، فقد انتقل العدالة والتنمية من 29.531 صوتا ومقعدين إلى 4028 صوتا من دون مقعد، فاقدا نحو 86.4 في المئة من رصيده، بينما تراجع تحالف فيدرالية اليسار من 8048 إلى 2650 صوتا وخسر تمثيله.
وفي المقابل، احتفظ الأصالة والمعاصرة بمقعده وبالمرتبة الثانية، رغم انخفاض أصواته من 15.358 إلى 7076، وهو ما يجعله الحزب الوحيد بين القوى الثلاث الممثلة سنة 2016 الذي حافظ على حضوره البرلماني بالدائرة في 2021.
وعلى الضفة الأخرى، صعد التجمع الوطني للأحرار من 3762 صوتا إلى 15888، مضيفا 12.126 صوتا إلى رصيده، فيما ارتفع الاستقلال من 2629 إلى 4545 صوتا، والحركة الشعبية من 2722 إلى 4299.
تعبئة شبابية ورسائل تربط التشغيل بالقرب الميداني
مع انطلاق الحملة الانتخابية رسميا في 10 شتنبر، قدّم محمد المهدي بنسعيد مشهدا لافتا للتعبئة بدائرة الرباط-المحيط، خلال لقاء تواصلي حضرته قيادات وشبيبة الأصالة والمعاصرة، وتجاوز عدد المشاركين فيه أربعة آلاف مواطنة ومواطن، غالبيتهم شباب.
ولم يترك بنسعيد الحضور الشبابي عند حدود الصورة، بل جعل التشغيل محور رسالته السياسية، مؤكدا أن نحو 80 في المئة من برنامج البام موجه إلى إشكاليات الشباب.
وربط طموح الحزب إلى تصدر الانتخابات بتقديم جواب حكومي شامل عن البطالة، يتجاوز التدخلات القطاعية التي قال إنها عالجت جزءا من المشكل.
وفي دفاعه عن مصداقية الوعود، استحضر بنسعيد قانون العقوبات البديلة، الذي أخرجه إلى حيز التطبيق زميله في الحزب، وزير العدل عبد اللطيف وهبي، مثالا على ما يعتبره وفاء البام بالتزامات دافع عنها منذ 2009، ونفذها في أول تجربة حكومية.
وقدم بنسعيد الإصلاح وإعادة الإدماج باعتبارهما وجها من وجوه مواكبة الشباب، منتقدا في الوقت ذاته غياب “النفس الاجتماعي” عن قرارات الحكومة، خصوصا في التشغيل والغلاء.
أما رسالته المحلية إلى ساكنة يعقوب المنصور، فركزت على استمرارية العمل الميداني وعدم اختزال العلاقة بالمواطنين في أيام الحملة، مؤكدا أن التواصل استمر بعد النجاح في انتخابات 2021 وسيتواصل بعد اقتراع 23 شتنبر 2026، وأن “الذي يشتغل وحاضر في الميدان هو الذي له وجود شعبي مع المغاربة”.

اترك تعليقاً