بعد خمس سنوات من الولاية الحكومية، وفي ظل سياق استثنائي طبعته تداعيات جائحة كورونا، والضغوط التضخمية العالمية، وتداعيات الحروب والكوارث الطبيعية، يظل تقييم السياسة العمومية الموجهة للشباب أحد أبرز الأسئلة المطروحة.
وبين إطلاق برامج جديدة، على رأسها “جواز الشباب” و”تدرج”، وتوسيع الخدمات الرقمية والاستثمار في البنيات التحتية، يبرز نقاش حول مدى نجاح هذه المبادرات في الانتقال من منطق الأنشطة الظرفية إلى منطق الإدماج والتمكين وصناعة الأثر الحقيقي في حياة الشباب.
وفي هذا الحوار، يقدم الخبير في السياسات الشبابية أنس هدان، المدير التنفيذي لحركة مواطنون، قراءة لحصيلة قطاع الشباب، ويتوقف عند مكامن القوة وحدود التجربة، كما يناقش قدرة البرامج الحكومية على مواجهة تحديات البطالة والهشاشة المجالية وظاهرة الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل “NEET”، وآفاق تطوير السياسة العمومية خلال المرحلة المقبلة.
إذا أخذنا في الحسبان الضغوط الاقتصادية التي رافقت الولاية الحكومية، كيف تقيمون أداء الحكومة في قطاع الشباب في الخمس سنوات الأخيرة؟
أعتقد أن تقييم حصيلة قطاع الشباب خلال السنوات الخمس الأخيرة يجب أن ينطلق من مبدأ الإنصاف والموضوعية. فمن جهة، لا يمكن إغفال الظرفية الاستثنائية التي اشتغلت فيها الحكومة، والتي اتسمت بتداعيات جائحة كورونا، وارتفاع معدلات التضخم، والحروب الدولية، ثم الكوارث الطبيعية، وعلى رأسها زلزال الحوز والفيضانات. كل هذه العوامل فرضت ضغوطاً كبيرة على المالية العمومية وعلى أولويات الدولة.
ورغم هذا السياق، شهد قطاع الشباب ارتفاعاً في الميزانية بحوالي 16 بالمئة، كما تم إطلاق برامج جديدة مثل “جواز الشباب”، وتعزيز الاستثمار في البنيات التحتية، وتوسيع الشراكات مع مختلف الفاعلين. وهي مؤشرات إيجابية تعكس وجود إرادة لتطوير القطاع.
لكن في المقابل، أعتقد أننا بحاجة اليوم إلى الانتقال من منطق تقييم الإنجاز بالأرقام إلى تقييمه بالأثر. لأن السؤال الحقيقي ليس فقط: كم عدد المستفيدين؟ بل: كيف تغيرت حياة هؤلاء الشباب؟ وهل ساهمت هذه البرامج فعلاً في تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية؟ وهل عززت الثقة بين الشباب والمؤسسات؟
المغرب اليوم يعيش ما يمكن أن نسميه “مغرباً بسرعتين”. هناك شباب في المدن الكبرى يستفيدون بسهولة من الخدمات الرقمية، وفرص التكوين، والشراكات، والمواكبة، وفي المقابل هناك شباب في العالم القروي، والمناطق الجبلية، والأحياء الهامشية، ما زالوا يواجهون صعوبات في الولوج إلى نفس الفرص. لذلك، فإن نجاح أي سياسة شبابية لا يقاس فقط بعدد البرامج الوطنية، وإنما بقدرتها على الوصول إلى الشباب أينما كانوا، وتقليص الفجوة بين المجالات.
إلى أي حد نجحت الوزارة في الانتقال من منطق الأنشطة الظرفية إلى منطق الإدماج والتمكين عبر الخدمات المقدمة في جواز الشباب؟
وفي هذا السياق، أرى أن السياسة العمومية الموجهة للشباب عرفت تطوراً مهماً من حيث الأدوات، خصوصاً مع اعتماد الرقمنة والخدمات المندمجة. لكن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة “التفريد” أو “التكييف الترابي” للسياسات العمومية. فاحتياجات شاب في الدار البيضاء ليست هي احتياجات شاب في الحوز أو جرادة أو زاكورة أو فكيك. لذلك، يجب أن تمنح الجهات والجماعات الترابية ودور الشباب هامشاً أكبر لتطوير برامج تستجيب لأولويات كل مجال، بدل اعتماد مقاربة موحدة على المستوى الوطني.
كيف تنظرون إلى تجربة “جواز الشباب” وهل يمكن اعتباره نموذجا جديدا لتقريب الخدمات العمومية من الشباب بعد سنوات من غياب برامج، سيما أن البرنامج عرّف الشباب على خدمات خاصة بهم كانت من قبل، لكنها ظلت مجهولة؟
بخصوص “جواز الشباب”، فأعتبره من بين المبادرات التي تحمل إمكانات كبيرة. فهو لا يقتصر فقط على تقديم تخفيضات أو خدمات، بل ساهم أيضاً في التعريف بحقوق وخدمات كانت موجودة منذ سنوات لكنها لم تكن معروفة لدى أغلب الشباب، مثل المراكز الصحية الخاصة بالشباب وبعض الخدمات العمومية الأخرى. وهذا في حد ذاته مكسب مهم.
لكن لكي يتحول جواز الشباب إلى رافعة حقيقية للإدماج، ينبغي أن يتجاوز منطق “تجميع الخدمات” إلى منطق “مرافقة المسار”. أي أن يصبح منصة تربط الشاب بالتكوين، والتوجيه، وفرص الشغل، وريادة الأعمال، والصحة النفسية، والسكن، والثقافة، والعمل التطوعي، والمشاركة المواطنة، مع تتبع لمساره وليس فقط توفير خدمة معزولة.
ومن النقاط التي أعتقد أنها تستحق مزيداً من التطوير، مسألة إشراك الشباب أنفسهم في تصميم السياسات العمومية. فغالباً ما نستشير الشباب بعد إعداد البرامج، بينما المطلوب هو إشراكهم منذ مرحلة التشخيص، ثم تصميم الحلول، ثم التتبع والتقييم. الشباب ليسوا فقط مستفيدين من السياسات، بل يجب أن يكونوا شركاء في إنتاجها. وهذا ما سيجعل البرامج أكثر ملاءمة لاحتياجاتهم وأكثر قدرة على تحقيق الأثر.
تشير المعطيات إلى وجود 1.5 مليون من الشباب في وضعية “NEET”، إلى أي حد يمكن لهذه البرامج أن تساهم في معالجة هذه الظاهرة، بالدرجة الأولى برنامج تدرج بالشراكة مع وزارة التشغيل، وأيضا التكوينات عبر الجمعيات بدور الشباب؟
أما فيما يتعلق بظاهرة الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل “NEET”، والتي تقدر بحوالي 1.5 مليون شاب، فهي تعكس تحدياً بنيوياً لا يمكن لأي برنامج بمفرده أن يحله. أيضا، برنامج “تدرج” والتكوينات التي تقدمها الجمعيات داخل دور الشباب تمثل خطوة مهمة، لكنها ستظل محدودة إذا لم تكن مرتبطة بمنظومة متكاملة تضم التوجيه المهني، والمواكبة الفردية، والتكوين المرتبط بحاجيات سوق الشغل، والتحفيز على المبادرة، وربط الشباب بالمقاولات والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، إضافة إلى تتبع المستفيدين بعد انتهاء التكوين لمعرفة من اندمج فعلاً ومن بقي خارج الدورة الاقتصادية.
كما أعتقد أن الجمعيات يجب أن تُنظر إليها كشريك استراتيجي في تنفيذ السياسة العمومية للشباب، لأنها الأقرب إلى الواقع المحلي والأقدر على الوصول إلى الفئات الهشة، خاصة في المناطق التي يصعب على المؤسسات العمومية تغطيتها بنفس الفعالية.
كيف تقيمون تطور السياسة العمومية الموجهة للشباب خلال الولاية الحكومية الحالية؟
يمكن القول إن السنوات الخمس الماضية عرفت انتقالا مهما من منطق تنظيم الأنشطة إلى منطق تقديم الخدمات، وهو تحول إيجابي يجب تثمينه، لكن التحدي الحقيقي خلال المرحلة المقبلة هو الانتقال إلى مستوى ثالث: منطق صناعة الأثر، أي بناء سياسة شبابية قائمة على الإنصاف المجالي، وعلى إشراك الشباب منذ مرحلة التصميم، وعلى الاعتماد على المعطيات والاحتياجات الترابية، وعلى قياس النتائج الحقيقية في حياة الشباب وليس فقط عدد المستفيدين.
فنجاح السياسة الشبابية لن يقاس بعدد التطبيقات أو التكوينات، وإنما بقدرتها على بناء مغرب بسرعة واحدة، لا يشعر فيه أي شاب، أينما كان، بأنه أقل حظا في الوصول إلى الفرص والخدمات.
