لا يضع حزب الأصالة والمعاصرة المدرسة العمومية في برنامجه الانتخابي باعتبارها مجرد قطاع يحتاج إلى مزيد من الموارد أو إجراءات لتحسين الأداء، بل باعتبارها واحدة من الأدوات الأساسية لإعادة بناء تكافؤ الفرص والترقي الاجتماعي.
وفي برنامجه الانتخابي الذي يحمل شعار “من أجل تغيير المسار.. كْلمة وحْدة”، يطرح الأصالة والمعاصرة تصورا للانتقال من مدرسة تضمن الولوج إلى مدرسة تضمن التعلم، وتوفر شروط النجاح، وتفتح أمام التلميذ مسارا واضحا نحو المستقبل.
وتحت عنوان “مدرسة عمومية تربي، تكون، تهيئ للمستقبل”، يضع الحزب الالتزام رقم 13 ضمن “ميثاق المواطنة”، واضعا الطفل في قلب تصور يتجاوز الفصل الدراسي إلى صحته وتوازنه وتعلماته وقدراته.
من تحسين الولوج إلى استعادة جاذبية المدرسة
ينطلق تصور “البام” من أن استعادة الثقة في المدرسة العمومية تمر عبر تحسين جودة التعليم والاستجابة لانتظارات المواطنين، لذلك يجمع البرنامج بين إجراءات تستهدف الولوج إلى المدرسة وأخرى ترتبط مباشرة بما يحصل داخلها.
ويقترح الحزب تعميم التعليم ما قبل المدرسي ابتداء من سن الرابعة، وبدء التوقيت الدراسي من التاسعة صباحا، وتعميم النقل المدرسي في العالم القروي، وتوفير التغذية في المناطق الهشة، إلى جانب الفحص الطبي المنتظم للقدرات السمعية والبصرية للتلاميذ.
لكن البرنامج لا يتوقف عند هذه الشروط، إذ يقترح تخصيص 20 دقيقة يوميا للقراءة، وتحديد حد أدنى من التعلمات لدى كل الأطفال إلى غاية سن 15، وثلاث ساعات للتربية البدنية في المستويين الابتدائي والإعدادي، وهي إجراءات تعكس انتقال الرهان من مجرد إبقاء الطفل داخل المدرسة إلى ضمان استفادته الفعلية من التعليم.
المدرسة العمومية رافعة للارتقاء الاجتماعي
هذا التصور يجد سنده أيضا في المواقف التي عبرت عنها نادية بزندفة، البرلمانية عن حزب الأصالة والمعاصرة وعضوة لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، والتي تعتبر أن المدرسة المغربية شكلت تاريخيا رافعة للارتقاء الاجتماعي ومشتلا للكفاءات الوطنية، وأن التحولات الاقتصادية والرقمية تفرض اليوم تعزيز مكانة المدرسة العمومية وتطوير أدائها.
وتربط بزندفة، وفق تصور البرنامج الانتخابي لحزب “الجرار”، بين الاستثمار في المدرسة العمومية وتأهيل الرأسمال البشري وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مع التشديد على تكافؤ الفرص وتفادي تكريس “تعليم بسرعتين” من خلال تعزيز الإنصاف التربوي والمجالي.
ومن هذه الزاوية، فإن استعادة المدرسة العمومية لموقعها لا تتعلق فقط برفع عدد المستفيدين منها، وإنما بجعل جودة التعليم والإنصاف وقدرة المدرسة على مواكبة التلميذ عوامل تعيد إليها جاذبيتها وثقة الأسر فيها.
التلميذ في قلب الإصلاح
إذا كانت المدرسة هي نقطة الانطلاق، فإن التلميذ هو محور الإصلاح في التصور الذي يدافع عنه “البام”، فقد أكدت بزندفة ضرورة الانتقال من النظر إلى التلاميذ باعتبارهم مجرد متلقين إلى إشراكهم كفاعلين في إنتاج السياسات التعليمية وصناعة القرار التربوي، معتبرة أن الإصلاح الحقيقي ينبغي أن ينطلق من انشغالاتهم وانتظاراتهم.
وتقترح بزندفة في هذا السياق مراجعة المناهج وطرق التدريس، مع الحفاظ على الدور المركزي للأستاذ، وإدماج الخصوصيات الجهوية في البرامج، وفتح المجال أمام مقاربة تشاركية تشمل التلاميذ والأساتذة والأسر، بما يجعل المدرسة أكثر انفتاحا ومرونة وقدرة على مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية.
وهو ما ينسجم مع عدد من الإجراءات التي يقترحها البرنامج، والتي تجعل الطفل في صلب الإصلاح، من خلال الاهتمام بصحته وتوازنه، والقراءة اليومية، والتربية البدنية، وضمان حد أدنى من التعلمات لجميع الأطفال.
ولا يراهن الأصالة والمعاصرة على إبقاء التلميذ داخل مسار تعليمي موحد إلى غاية نهايته، بل يقترح تنويع الاختيارات منذ المرحلة الثانوية، من خلال إحداث مسارات للامتياز المهني داخل الثانويات.
ويمتد هذا التصور إلى التعليم العالي، حيث يقترح البرنامج هيكلة المنظومة في ثلاثة مجمعات؛ مجمع للامتياز ذي أبعاد دولية موجه نحو العلوم والتكنولوجيا، ومجمع تقني ومهني يستجيب لحاجيات المحيط، ثم منظومة للمعابر بين المجمعين.
“صفر انقطاع”.. معالجة الهدر من المنبع
يضع حزب الأصالة والمعاصرة الهدر المدرسي في قلب معادلة الإصلاح، من خلال الالتزام بـ”صفر انقطاع عن الدراسة دون حل بديل”، مشيرا إلى أن الانقطاع الدراسي، بحوالي 300 ألف حالة سنويا، يشكل الرافد الأول لفئة الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل.
ولمواجهة ذلك، يقترح “البام” إرساء آلية وطنية لرصد المنقطعين عن الدراسة، خصوصا بين 15 و18 سنة، وربط كل حالة بشكل تلقائي بمسار للعودة إلى الدراسة أو التكوين المهني أو التكوين بالتدرج، مع التوجه تدريجيا نحو ضمان التعليم أو التكوين إلى غاية سن 18 سنة.
بهذا المعنى، لا يتعامل البرنامج مع الهدر المدرسي كرقم مستقل، وإنما كأحد المداخل التي تغذي لاحقا البطالة والهشاشة والخروج من منظومة التعليم والتكوين والشغل.
وفي تصور النائبة البرلمانية نادية بزندفة، فإن مواجهة هذه التحديات تقتضي أيضا تحديث المناهج والبرامج الدراسية حتى تواكب الرقمنة والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر، مع الحفاظ على قدرة المدرسة على تكوين مواطن متعلم ومبدع ومنفتح وقادر على المساهمة في رهانات التنمية.
من المدرسة إلى الإدماج
ولا ينتهي تصور “تغيير المسار” الذي يقترحه “البام” عند حدود المدرسة، إذ يربط الحزب بين محاربة الانقطاع الدراسي وسياسة إدماج الشباب، من خلال “مسار إدماج” الموجه إلى الشباب ما بين 18 و29 سنة الموجودين خارج التعليم والتكوين والشغل.
ويقوم هذا المسار على منصة وطنية للتسجيل، وتشخيص فردي لوضعية كل شاب، ومواكبة اجتماعية، ثم عقد للإدماج يحدد الحل المناسب، سواء تعلق الأمر بتكوين خاص أو تكوين مهني أو شغل أو عودة إلى الدراسة أو مواكبة لإحداث مقاولة.
ويستهدف المسار، عند بلوغ سرعته القصوى، حوالي 300 ألف شاب سنويا، كما يستهدف خلال الفترة 2027-2031 إدماج وتأهيل حوالي مليون شابة وشاب لولوج مستدام لسوق الشغل، مع ضمان عرض للتوجيه أو التكوين أو الإدماج لكل شاب يغادر المنظومة التعليمية في أجل لا يتجاوز ستة أشهر.
المدرس جزء من معادلة الإصلاح
ولا يغيب المدرس عن هذا التصور، إذ ينص البرنامج على إعطاء أهمية للحوار الاجتماعي وفق أجندة ثابتة يتم التوافق بشأنها على المستويين المركزي والجهوي، لتكون إطارا مفتوحا لمقاربة مختلف انشغالات أطر التربية والتكوين.
فالرهان على جودة التعليم، وفق هذا المنطق، لا ينفصل عن المدرس وظروف اشتغاله، كما لا يمكن بناء مدرسة أكثر جاذبية ومرونة دون إشراك الفاعلين الموجودين داخلها في مسار الإصلاح.
وبذلك، تنتقل المدرسة العمومية في تصور “البام” من موقع القطاع الذي يحتاج إلى الإصلاح إلى موقع المؤسسة التي يفترض أن تحمل جزءا أساسيا من الإصلاح الاجتماعي نفسه.

اترك تعليقاً