يضع البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة مشاكل الشباب المغربي في صدارة أولويات تصوره للمرحلة المقبلة، انطلاقا من واقع يصفه بالأكثر استعجالا، في ظل وجود نحو 2.9 مليون شابة وشاب خارج التعليم والتكوين وسوق الشغل، وارتفاع البطالة في صفوف الفئة بين 15 و24 سنة إلى 29.2 في المئة، فضلا عن مغادرة قرابة 300 ألف تلميذ مقاعد الدراسة سنويا من دون تأهيل.
ولا يتعامل البرنامج الانتخابي، الذي كشفت “البام” مساء اليوم الثلاثاء، مع هذه المؤشرات باعتبارها أرقاما معزولة، بل بوصفها طاقات وطنية معطلة وأوضاعا اجتماعية تستدعي سياسة متكاملة تعيد للشباب الثقة وتفتح أمامهم أفق الاستقلال.
وتتمثل أبرز مكامن القوة في البرنامج في انتقاله من معالجة بطالة الشباب عند باب سوق الشغل إلى مواكبة المسار الذي يسبقها؛ بدءا بمنع الانقطاع عن الدراسة، ومرورا بإتاحة فرصة ثانية للتعليم أو التكوين، ووصولا إلى اكتساب كفاءة مطلوبة والحصول على أول تجربة مهنية.
ولهذا يقترح إطلاق البرنامج الوطني المندمج للشباب بين 2027 و2031 تحت شعار “أفق لكل شاب”، بهدف إدماج وتأهيل نحو مليون شابة وشاب، وضمان عرض للتوجيه أو التكوين أو الإدماج لكل من يغادر المنظومة التعليمية في أجل لا يتجاوز ستة أشهر.
ويعزز البرنامج هذا التوجه بإحداث “مسار إدماج” موحد يقوم على التشخيص الفردي والمواكبة الاجتماعية، وتوسيع التكوين المهني داخل المقاولات، وربط التمويل بنتائج التكوين والإدماج الفعلي، إلى جانب برنامج “أول عقد شغل” الذي يستهدف تمكين نحو 500 ألف شاب من أول فرصة مهنية.
ومن خلال هذه التدابير، يقدم الحزب النهوض بأوضاع الشباب باعتباره استثمارا في جيل كامل، لا مجرد تدبير ظرفي للبطالة؛ وهو ما يتناوله هذا الجزء الأول من الميثاق الثاني في البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة المعنون بـ”إدماج الشباب”.
ملايين الشباب خارج المسار
يضع حزب الأصالة والمعاصرة “إدماج الشباب” في الميثاق الثاني، ضمن أولويات برنامجه، ويقدمه باعتباره أكبر قضايا المرحلة المقبلة وأكثرها استعجالا.
وينظم الميثاق الثاني تدخله في خمس التزامات عملية تمتد عبر التعليم والتكوين والتأهيل، وتوفير شروط الاشتغال اللائق، والسكن والحركية المهنية، مع حكامة متكاملة لمنظومة المواكبة.
وينطلق التشخيص من ثلاثة أرقام، هي نحو 2.9 مليون شابة وشاب بين 15 و29 سنة يوجدون، بحسب الميثاق، خارج التعليم والتكوين وسوق الشغل، وهي الفئة المعروفة اختصارا بـ”NEET”؛ وتبلغ البطالة وسط الفئة بين 15 و24 سنة 29.2 في المئة؛ فيما يغادر قرابة 300 ألف تلميذ مقاعد الدراسة كل سنة من دون تأهيل.
ويرى “البام” أن هذه الأرقام تعبر عن طاقات وطنية معطلة، لا مجرد نسب في جداول الإحصاء، لأنها تعني أيضا أسرا قلقة، وشبابا يشعرون بانسداد الأفق، وتراجعا في الثقة، وإقبالا على الهجرة بمختلف الطرق.
ويتخذ الأصالة والمعاصرة موقفا صريحا من الخطاب الذي يحمّل الشباب وحدهم مسؤولية وضعهم، أو يختزل المشكلة في القول إنهم يرفضون عروض العمل لأنهم منشغلون بمنصات مثل “تيك توك”.
ويقدم الحزب قراءة مختلفة لهذا الوضع، لأن الشباب لا يرفضون العمل في ذاته، وإنما يرفضون عملا لا يحفظ الكرامة، وما يطلبونه، هو عقد مصرح به، وتغطية اجتماعية، وأجر منتظم، وإمكان فعلي للنقل، وسكن في المتناول، وفرص واضحة للتطور والترقي.
ثلاث جبهات تتحرك في وقت واحد
يرفض الميثاق الثاني في البرنامج الانتخابي لـ”الأصالة والمعاصرة”، معالجة الملف على مراحل منفصلة، ويقول إن الجبهات الثلاث لا تقبل التجزيء ولا الترتيب الزمني.
الجبهة الأولى تتجلى في المدرسة، لأن الانقطاع السنوي لنحو 300 ألف تلميذ يشكل، وفق “الأصالة والمعاصرة”، المنبع الأساسي الذي يرفد فئة الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل.
لذلك يربط البرنامج الانتخابي وقف هذا النزيف بالتزامات الميثاق الثالث “المواطنة” المتعلقة بالمدرسة العمومية.
الجبهة الثانية وفق البرنامج الانتخابي هي التأهيل، فالشاب الذي غادر المدرسة من دون شهادة أو كفاءة لا ينبغي أن يترك لمصيره، بل يفترض أن يحصل على فرصة ثانية لاكتساب مهارة مهنية تقوده إلى العمل.
أما الجبهة الثالثة فهي الشغل اللائق، لأن العمل لا يقاس بالأجر وحده، بل أيضا بالتصريح القانوني، والتغطية الاجتماعية، واحترام أوقات العمل، والصحة والسلامة المهنية، والنقل، والسكن حين يكون مقر العمل بعيدا عن محل الإقامة.
برنامج وطني موحد بين 2027 و2031
لتحويل هذه الرؤية إلى مسار عملي، يقترح الأصالة والمعاصرة “البرنامج الوطني المندمج للشباب” للفترة من 2027 إلى 2031، تحت شعار “أفق لكل شاب”، مع إعلان الولاية المقبلة ولاية للشباب بامتياز.
ويقترح الأصالة والمعاصرة، وفق هذا التصور، الانتقال من تعدد البرامج القطاعية المتفرقة، التي يعتبر أنها أبانت عن محدوديتها، إلى سياسة وطنية واحدة تتبع مسار الشاب من التعليم والتكوين إلى الشغل، ثم إلى السكن والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
ويتجلى رهان “الجرار” في ألا يبقى أي شاب مغربي زمنا طويلا من دون باب للإدماج، إما دراسة، أو تكوين، أو عمل، أو مشروع مقاولة، أو فرصة للحركية المهنية.
وخلال الفترة من 2027 إلى 2031، يحدد الميثاق الثاني في برنامج الحزب استهداف إدماج وتأهيل نحو مليون شابة وشاب لولوج مستدام إلى سوق الشغل.
ويتعهد بأن يحصل كل شاب يغادر المنظومة التعليمية على عرض للتوجيه أو التكوين أو الإدماج في أجل لا يتجاوز ستة أشهر.
“مسار إدماج” بدل تنقل الشاب بين الإدارات
يقترح الالتزام السادس في البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة إنشاء منصة وطنية للتسجيل ومسار موحد للشباب بين 18 و29 سنة الموجودين خارج التعليم والتكوين والشغل.
ويبدأ المسار بتشخيص فردي لوضع كل شاب، ثم المواكبة اجتماعية فعقد للإدماج، ومن خلالهما يُقترح حل يناسب حالته، إما تكوين خاص، أو تكوين مهني، أو فرصة شغل، أو عودة إلى الدراسة، أو مواكبة لإنشاء مقاولة.
عند بلوغ البرنامج سرعته القصوى، يفترض الأصالة والمعاصرة أن يستقبل “مسار إدماج” نحو 300 ألف شاب سنويا، مع منح الأولوية للشباب المنحدرين من أسر تستفيد من الدعم الاجتماعي المباشر.
ويعلن الحزب الهدف من هذا المسار أن يتحول الدعم من شبكة تحمي الأسرة من السقوط إلى جسر يساعد على بلوغ التعليم أو التكوين أو العمل والاستقلال.
لا انقطاع عن الدراسة من دون بديل
يربط الالتزام السابع في “ميثاق إدماج الشباب” مباشرة بين الانقطاع المدرسي وتوسع فئة “NEET”.
وبما أن الميثاق يقدر حالات الانقطاع بنحو 300 ألف حالة كل سنة، فإنه يقترح آلية وطنية لرصد المنقطعين، مع تركيز خاص على من تتراوح أعمارهم بين 15 و18 سنة، على أن ترتبط كل حالة تلقائيا بمسار واضح هو العودة إلى الدراسة، أو الالتحاق بالتكوين المهني، أو الاستفادة من التكوين بالتدرج.
ويضيف الميثاق توجها تدريجيا نحو ضمان التعليم أو التكوين إلى غاية سن 18 سنة باعتباره مكملا للالتزام الوارد في “ميثاق المواطنة” بمدرسة عمومية تربي وتكوّن وتهيئ للمستقبل، بهدف وقف تدفق أجيال جديدة إلى وضعية الخروج من التعليم والتكوين والشغل “NEET”، بدلا من انتظار تراكم المشكلة ثم وإهدار الجهد في محاولة علاجها لاحقا.
باب لأول تجربة مهنية للشاب
أول مكونات هذا الالتزام الثامن في البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة، في باب “ميثاق إدماج الشباب”، هو تعميم التكوين المهني والتكوين بالتدرج، مع رفع الطاقة الاستيعابية تدريجيا إلى ما بين 150 و200 ألف مستفيد سنويا.
ويحدد الميثاق المجالات ذات الأولوية في الصناعة، والبناء، والسياحة، واللوجستيك، والصيانة، والطاقة، والفلاحة، والخدمات، والمهن التقنية.
وفي النموذج المقترح، يقضي المتدرب الجزء الأكبر من فترة التكوين داخل المقاولة، حتى تصبح المقاولة نفسها فضاء أساسيا لاكتساب الكفاءة المهنية، لا مجرد جهة تستقبل الخريج بعد انتهاء الدراسة.
“كفاءات 2030”.. التمويل مقابل النتيجة
يقترح برنامج “كفاءات 2030” ربط تمويل التكوين بحاجات المقاولات الفعلية وبالنتائج المحققة في سوق الشغل، مع توزيع الدفعات وفق ثلاث محطات؛ 30 في المئة عند بداية التكوين، و30 في المئة عند الحصول على الشهادة، و40 في المئة بعد الإدماج المهني.
ويستهدف البرنامج نحو 500 ألف عملية تكوين وإعادة تأهيل في المهن التي تعرف طلبا حقيقيا، مع إدماج عرض التكوين الرقمي المنصوص عليه في استراتيجية “المغرب الرقمي 2030” ضمن هذا المجهود.
“أول عقد شغل”: دعم مؤقت مشروط بالاستمرار
يرمي برنامج “أول عقد شغل” الذي يقترحه حزب الأصالة والمعاصرة إلى تمكين نحو 500 ألف شاب، خلال خمس سنوات، من أول تجربة مهنية.
وتتحمل الدولة بصورة مؤقتة وتنازلية جزءا من كلفة أول تشغيل؛ أي إن الدعم ينخفض مع مرور الوقت، لكن الميثاق يشترط أيضا ألا يصرف جزء مهم من المساعدة إلا إذا احتفظت المقاولة بالشاب بعد انتهاء مدة الدعم، ليصبح استمرار الشاب في العمل، لا مجرد توقيع عقد قصير، هو الأساس الذي يبرر التمويل العمومي.

اترك تعليقاً