الوسم: البطالة في المغرب

  • “البام” يضع الشباب في قلب التزاماته ويعد بمليون فرصة عمل ويحدد وصفة القضاء على البطالة

    “البام” يضع الشباب في قلب التزاماته ويعد بمليون فرصة عمل ويحدد وصفة القضاء على البطالة

    يضع البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة مشاكل الشباب المغربي في صدارة أولويات تصوره للمرحلة المقبلة، انطلاقا من واقع يصفه بالأكثر استعجالا، في ظل وجود نحو 2.9 مليون شابة وشاب خارج التعليم والتكوين وسوق الشغل، وارتفاع البطالة في صفوف الفئة بين 15 و24 سنة إلى 29.2 في المئة، فضلا عن مغادرة قرابة 300 ألف تلميذ مقاعد الدراسة سنويا من دون تأهيل.

    ولا يتعامل البرنامج الانتخابي، الذي كشفت “البام” مساء اليوم الثلاثاء، مع هذه المؤشرات باعتبارها أرقاما معزولة، بل بوصفها طاقات وطنية معطلة وأوضاعا اجتماعية تستدعي سياسة متكاملة تعيد للشباب الثقة وتفتح أمامهم أفق الاستقلال.

    وتتمثل أبرز مكامن القوة في البرنامج في انتقاله من معالجة بطالة الشباب عند باب سوق الشغل إلى مواكبة المسار الذي يسبقها؛ بدءا بمنع الانقطاع عن الدراسة، ومرورا بإتاحة فرصة ثانية للتعليم أو التكوين، ووصولا إلى اكتساب كفاءة مطلوبة والحصول على أول تجربة مهنية.

    ولهذا يقترح إطلاق البرنامج الوطني المندمج للشباب بين 2027 و2031 تحت شعار “أفق لكل شاب”، بهدف إدماج وتأهيل نحو مليون شابة وشاب، وضمان عرض للتوجيه أو التكوين أو الإدماج لكل من يغادر المنظومة التعليمية في أجل لا يتجاوز ستة أشهر.

    ويعزز البرنامج هذا التوجه بإحداث “مسار إدماج” موحد يقوم على التشخيص الفردي والمواكبة الاجتماعية، وتوسيع التكوين المهني داخل المقاولات، وربط التمويل بنتائج التكوين والإدماج الفعلي، إلى جانب برنامج “أول عقد شغل” الذي يستهدف تمكين نحو 500 ألف شاب من أول فرصة مهنية.

    ومن خلال هذه التدابير، يقدم الحزب النهوض بأوضاع الشباب باعتباره استثمارا في جيل كامل، لا مجرد تدبير ظرفي للبطالة؛ وهو ما يتناوله هذا الجزء الأول من الميثاق الثاني في البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة المعنون بـ”إدماج الشباب”.

    ملايين الشباب خارج المسار

    يضع حزب الأصالة والمعاصرة “إدماج الشباب” في الميثاق الثاني، ضمن أولويات برنامجه، ويقدمه باعتباره أكبر قضايا المرحلة المقبلة وأكثرها استعجالا.

    وينظم الميثاق الثاني تدخله في خمس التزامات عملية تمتد عبر التعليم والتكوين والتأهيل، وتوفير شروط الاشتغال اللائق، والسكن والحركية المهنية، مع حكامة متكاملة لمنظومة المواكبة.

    وينطلق التشخيص من ثلاثة أرقام، هي نحو 2.9 مليون شابة وشاب بين 15 و29 سنة يوجدون، بحسب الميثاق، خارج التعليم والتكوين وسوق الشغل، وهي الفئة المعروفة اختصارا بـ”NEET”؛ وتبلغ البطالة وسط الفئة بين 15 و24 سنة 29.2 في المئة؛ فيما يغادر قرابة 300 ألف تلميذ مقاعد الدراسة كل سنة من دون تأهيل.

    ويرى “البام” أن هذه الأرقام تعبر عن طاقات وطنية معطلة، لا مجرد نسب في جداول الإحصاء، لأنها تعني أيضا أسرا قلقة، وشبابا يشعرون بانسداد الأفق، وتراجعا في الثقة، وإقبالا على الهجرة بمختلف الطرق.

    ويتخذ الأصالة والمعاصرة موقفا صريحا من الخطاب الذي يحمّل الشباب وحدهم مسؤولية وضعهم، أو يختزل المشكلة في القول إنهم يرفضون عروض العمل لأنهم منشغلون بمنصات مثل “تيك توك”.

    ويقدم الحزب قراءة مختلفة لهذا الوضع، لأن الشباب لا يرفضون العمل في ذاته، وإنما يرفضون عملا لا يحفظ الكرامة، وما يطلبونه، هو عقد مصرح به، وتغطية اجتماعية، وأجر منتظم، وإمكان فعلي للنقل، وسكن في المتناول، وفرص واضحة للتطور والترقي.

    ثلاث جبهات تتحرك في وقت واحد

    يرفض الميثاق الثاني في البرنامج الانتخابي لـ”الأصالة والمعاصرة”، معالجة الملف على مراحل منفصلة، ويقول إن الجبهات الثلاث لا تقبل التجزيء ولا الترتيب الزمني.

    الجبهة الأولى تتجلى في المدرسة، لأن الانقطاع السنوي لنحو 300 ألف تلميذ يشكل، وفق “الأصالة والمعاصرة”، المنبع الأساسي الذي يرفد فئة الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل.

    لذلك يربط البرنامج الانتخابي وقف هذا النزيف بالتزامات الميثاق الثالث “المواطنة” المتعلقة بالمدرسة العمومية.

    الجبهة الثانية وفق البرنامج الانتخابي هي التأهيل، فالشاب الذي غادر المدرسة من دون شهادة أو كفاءة لا ينبغي أن يترك لمصيره، بل يفترض أن يحصل على فرصة ثانية لاكتساب مهارة مهنية تقوده إلى العمل.

    أما الجبهة الثالثة فهي الشغل اللائق، لأن العمل لا يقاس بالأجر وحده، بل أيضا بالتصريح القانوني، والتغطية الاجتماعية، واحترام أوقات العمل، والصحة والسلامة المهنية، والنقل، والسكن حين يكون مقر العمل بعيدا عن محل الإقامة.

    برنامج وطني موحد بين 2027 و2031

    لتحويل هذه الرؤية إلى مسار عملي، يقترح الأصالة والمعاصرة “البرنامج الوطني المندمج للشباب” للفترة من 2027 إلى 2031، تحت شعار “أفق لكل شاب”، مع إعلان الولاية المقبلة ولاية للشباب بامتياز.

    ويقترح الأصالة والمعاصرة، وفق هذا التصور، الانتقال من تعدد البرامج القطاعية المتفرقة، التي يعتبر أنها أبانت عن محدوديتها، إلى سياسة وطنية واحدة تتبع مسار الشاب من التعليم والتكوين إلى الشغل، ثم إلى السكن والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

    ويتجلى رهان “الجرار” في ألا يبقى أي شاب مغربي زمنا طويلا من دون باب للإدماج، إما دراسة، أو تكوين، أو عمل، أو مشروع مقاولة، أو فرصة للحركية المهنية.

    وخلال الفترة من 2027 إلى 2031، يحدد الميثاق الثاني في برنامج الحزب استهداف إدماج وتأهيل نحو مليون شابة وشاب لولوج مستدام إلى سوق الشغل.

    ويتعهد بأن يحصل كل شاب يغادر المنظومة التعليمية على عرض للتوجيه أو التكوين أو الإدماج في أجل لا يتجاوز ستة أشهر.

    “مسار إدماج” بدل تنقل الشاب بين الإدارات

    يقترح الالتزام السادس في البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة إنشاء منصة وطنية للتسجيل ومسار موحد للشباب بين 18 و29 سنة الموجودين خارج التعليم والتكوين والشغل.

    ويبدأ المسار بتشخيص فردي لوضع كل شاب، ثم المواكبة اجتماعية فعقد للإدماج، ومن خلالهما يُقترح حل يناسب حالته، إما تكوين خاص، أو تكوين مهني، أو فرصة شغل، أو عودة إلى الدراسة، أو مواكبة لإنشاء مقاولة.

    عند بلوغ البرنامج سرعته القصوى، يفترض الأصالة والمعاصرة أن يستقبل “مسار إدماج” نحو 300 ألف شاب سنويا، مع منح الأولوية للشباب المنحدرين من أسر تستفيد من الدعم الاجتماعي المباشر.

    ويعلن الحزب الهدف من هذا المسار أن يتحول الدعم من شبكة تحمي الأسرة من السقوط إلى جسر يساعد على بلوغ التعليم أو التكوين أو العمل والاستقلال.

    لا انقطاع عن الدراسة من دون بديل

    يربط الالتزام السابع في “ميثاق إدماج الشباب” مباشرة بين الانقطاع المدرسي وتوسع فئة “NEET”.

    وبما أن الميثاق يقدر حالات الانقطاع بنحو 300 ألف حالة كل سنة، فإنه يقترح آلية وطنية لرصد المنقطعين، مع تركيز خاص على من تتراوح أعمارهم بين 15 و18 سنة، على أن ترتبط كل حالة تلقائيا بمسار واضح هو العودة إلى الدراسة، أو الالتحاق بالتكوين المهني، أو الاستفادة من التكوين بالتدرج.

    ويضيف الميثاق توجها تدريجيا نحو ضمان التعليم أو التكوين إلى غاية سن 18 سنة باعتباره مكملا للالتزام الوارد في “ميثاق المواطنة” بمدرسة عمومية تربي وتكوّن وتهيئ للمستقبل، بهدف وقف تدفق أجيال جديدة إلى وضعية الخروج من التعليم والتكوين والشغل “NEET”، بدلا من انتظار تراكم المشكلة ثم وإهدار الجهد في محاولة علاجها لاحقا.

    باب لأول تجربة مهنية للشاب

    أول مكونات هذا الالتزام الثامن في البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة، في باب “ميثاق إدماج الشباب”، هو تعميم التكوين المهني والتكوين بالتدرج، مع رفع الطاقة الاستيعابية تدريجيا إلى ما بين 150 و200 ألف مستفيد سنويا.

    ويحدد الميثاق المجالات ذات الأولوية في الصناعة، والبناء، والسياحة، واللوجستيك، والصيانة، والطاقة، والفلاحة، والخدمات، والمهن التقنية.

    وفي النموذج المقترح، يقضي المتدرب الجزء الأكبر من فترة التكوين داخل المقاولة، حتى تصبح المقاولة نفسها فضاء أساسيا لاكتساب الكفاءة المهنية، لا مجرد جهة تستقبل الخريج بعد انتهاء الدراسة.

    “كفاءات 2030”.. التمويل مقابل النتيجة

    يقترح برنامج “كفاءات 2030” ربط تمويل التكوين بحاجات المقاولات الفعلية وبالنتائج المحققة في سوق الشغل، مع توزيع الدفعات وفق ثلاث محطات؛ 30 في المئة عند بداية التكوين، و30 في المئة عند الحصول على الشهادة، و40 في المئة بعد الإدماج المهني.

    ويستهدف البرنامج نحو 500 ألف عملية تكوين وإعادة تأهيل في المهن التي تعرف طلبا حقيقيا، مع إدماج عرض التكوين الرقمي المنصوص عليه في استراتيجية “المغرب الرقمي 2030” ضمن هذا المجهود.

    “أول عقد شغل”: دعم مؤقت مشروط بالاستمرار

    يرمي برنامج “أول عقد شغل” الذي يقترحه حزب الأصالة والمعاصرة إلى تمكين نحو 500 ألف شاب، خلال خمس سنوات، من أول تجربة مهنية.

    وتتحمل الدولة بصورة مؤقتة وتنازلية جزءا من كلفة أول تشغيل؛ أي إن الدعم ينخفض مع مرور الوقت، لكن الميثاق يشترط أيضا ألا يصرف جزء مهم من المساعدة إلا إذا احتفظت المقاولة بالشاب بعد انتهاء مدة الدعم، ليصبح استمرار الشاب في العمل، لا مجرد توقيع عقد قصير، هو الأساس الذي يبرر التمويل العمومي.

  • محمد جدري: سوق الشغل استعاد جزءا من عافيته لكن التحديات مستمرة

    محمد جدري: سوق الشغل استعاد جزءا من عافيته لكن التحديات مستمرة

    شكل التشغيل أحد أبرز التحديات التي واجهت الحكومة خلال ولايتها، في ظل سياق اقتصادي استثنائي طبعته تداعيات جائحة كوفيد-19، وتوالي سنوات الجفاف، وارتفاع التضخم العالمي، وما رافق ذلك من ضغوط على الاستثمار والنمو وسوق الشغل.

    وبينما تؤكد الحكومة أنها نجحت في إحداث مئات الآلاف من فرص العمل وربطت لأول مرة دعم الاستثمار بخلق مناصب الشغل، يرى محللون أن تقييم الحصيلة يقتضي التمييز بين استعادة المناصب التي فقدت خلال الأزمة وبين خلق فرص شغل جديدة قادرة على امتصاص البطالة الموروثة من الحكومة السابقة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات.

    في هذا الحوار، يقدم الخبير الاقتصادي محمد جدري، رئيس المرصد للعمل الحكومي، قراءة في حصيلة التشغيل، ويحلل أثر الميثاق الجديد للاستثمار، ويقف عند مكامن القوة والاختلالات التي ما تزال تؤثر في سوق الشغل المغربي، كما يستشرف التحديات المطروحة خلال المرحلة المقبلة.

    كانت سنة 2021 من أصعب السنوات التي عرفها سوق الشغل بالمغرب، لأنها جاءت مباشرة بعد جائحة كوفيد-19 التي أدت إلى فقدان عدد كبير من مناصب الشغل، خاصة في قطاعات السياحة والخدمات والتجارة، إلى جانب توالي سنوات الجفاف التي أثرت بشكل مباشر على التشغيل في القطاع الفلاحي.

    لذلك، انطلقت الحكومة من وضعية استثنائية تتسم بارتفاع البطالة وتراجع النشاط الاقتصادي، وهو ما يجعل تقييم حصيلة التشغيل خلال هذه الولاية مختلفا عن تقييم أي مرحلة سابقة. فالمطلوب لم يكن فقط خلق فرص عمل جديدة، بل أيضا استعادة جزء مهم من المناصب التي فُقدت خلال الأزمة وإعادة تحريك سوق الشغل في سياق اقتصادي عالمي اتسم بعدم اليقين.

    يعد هذا التوجه تطورا مهما في السياسة الاستثمارية بالمغرب، لأنه يجعل الدعم العمومي مرتبطا بالأثر الاقتصادي والاجتماعي للمشاريع، وليس فقط بحجم الاستثمارات. فربط التحفيزات بعدد مناصب الشغل التي يلتزم المستثمر بإحداثها يعزز مردودية الإنفاق العمومي ويوجه الاستثمارات نحو تحقيق قيمة مضافة حقيقية للمواطنين. ومع ذلك، ينبغي الحفاظ على التوازن، لأن بعض الاستثمارات ذات التكنولوجيا العالية قد لا توفر عددا كبيرا من فرص الشغل، لكنها تساهم في رفع الإنتاجية، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

    الميثاق الجديد للاستثمار يوفر إطارا واعدا لإحداث تحول هيكلي في سوق الشغل، لكنه ليس كافيا بمفرده. فالنتائج ستتوقف على سرعة تنزيل المشاريع، وتحسين مناخ الأعمال، وتبسيط المساطر الإدارية، وتوفير العقار الصناعي، وربط التكوين المهني بحاجيات المستثمرين. وإذا تم تنفيذ هذه الإصلاحات بشكل متكامل، فإن الاستثمارات المعلن عنها، والتي تناهز 586 مليار درهم، يمكن أن تخلق دينامية جديدة في قطاعات الصناعة والخدمات والطاقات المتجددة، وأن توفر مناصب شغل أكثر استدامة وجودة.

    اقتصاديا، يعكس هذا الرقم وجود دينامية إيجابية في سوق الشغل مقارنة بالفترة التي أعقبت الجائحة، لكنه يحتاج إلى قراءة متأنية. فالأهم ليس فقط عدد المناصب المحدثة، بل أيضا طبيعتها وجودتها واستدامتها. كما ينبغي التمييز بين فرص الشغل التي تم خلقها خلال مختلف البرامج الحكومية وبين صافي مناصب الشغل الذي يعكس الفرق بين المناصب المحدثة والمفقودة. وبالنظر إلى أن الاقتصاد المغربي يحتاج سنويا إلى خلق مئات الآلاف من المناصب لاستيعاب الوافدين الجدد إلى سوق العمل، فإن هذا الرقم يمثل تقدما مهما، لكنه لا يعني أن تحدي البطالة قد تم تجاوزه بشكل نهائي.

    لا يمكن تقييم حصيلة التشغيل بمعزل عن السياق الدولي الذي اتسم باستمرار آثار جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية، إضافة إلى موجات التضخم العالمية وتوالي سنوات الجفاف. ورغم هذه الظروف الصعبة، تمكن الاقتصاد المغربي من استعادة جزء مهم من مناصب الشغل المفقودة، وتحقيق نتائج إيجابية في بعض القطاعات الإنتاجية. لذلك، يمكن القول إن الحصيلة تبدو إيجابية نسبيا إذا أخذنا بعين الاعتبار حجم الصدمات التي واجهها الاقتصاد، وإن كانت لا تزال دون مستوى الطموحات المرتبطة بخفض البطالة بشكل ملموس.

    من أبرز نقاط القوة في السياسة الحكومية أنها جعلت التشغيل في صلب السياسات العمومية وربطته بالاستثمار، وهو تحول مهم في طريقة تدبير الاقتصاد. كما تم توسيع برامج الإدماج والتأهيل وأوراش، وتعزيز دور الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات، إلى جانب تطوير منظومة التكوين المهني عبر إحداث مدن المهن والكفاءات ورفع الطاقة الاستيعابية للمؤسسات. كما ساهمت هذه السياسة في تشجيع الانتقال نحو الاقتصاد المهيكل، وهو ما يتجلى في تراجع نسبة التشغيل غير المهيكل وارتفاع عدد الأجراء المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

    رغم التقدم المحقق، ما تزال هناك تحديات كبيرة تستوجب مواصلة الإصلاحات، في مقدمتها استمرار ارتفاع البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وضعف نسبة مشاركة النساء في سوق الشغل، إضافة إلى استمرار هشاشة التشغيل في العالم القروي.

    كما أن الاقتصاد المغربي يحتاج إلى خلق مناصب شغل ذات إنتاجية وأجور أفضل، وتعزيز ملاءمة التكوين مع حاجيات سوق العمل، وتسريع إخراج المشاريع الاستثمارية إلى حيز التنفيذ حتى تتحول الالتزامات المعلنة إلى فرص شغل فعلية ومستدامة، فالرهان في المرحلة المقبلة ليس فقط خلق مناصب جديدة، بل تحسين جودة التشغيل وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

  • البطالة تحت مجهر المنهجية الجديدة.. كيف يُقرأ تراجع البطالة في المغرب؟

    البطالة تحت مجهر المنهجية الجديدة.. كيف يُقرأ تراجع البطالة في المغرب؟

    حين أعلنت المندوبية السامية للتخطيط أن معدل البطالة بالمفهوم الضيق استقر عند 9.5 في المئة خلال الفصل الثاني من سنة 2026، بعد 10.8 في المئة خلال الفصل الأول، بدا الرقم في ظاهره مؤشرا إيجابيا على تطور سوق الشغل.

    غير أن الجدل لم ينصب على الرقم في حد ذاته، بقدر ما انصب على الطريقة التي احتُسب بها، بعدما انتقل المغرب لأول مرة إلى منهجية جديدة لقياس سوق الشغل، أعادت تعريف مفاهيم أساسية مثل البطالة والتشغيل والقوى العاملة.

    السؤال يجد مبرره في كون سنة 2026 شكلت بداية العمل بـ”بحث القوى العاملة” (EMO 2026)، الذي حل محل “البحث الوطني حول التشغيل” (ENE)، وفق إطار يستند إلى المعايير الدولية الحديثة التي أقرتها المؤتمرات الدولية لإحصائيات العمل.

    ولم يمس التغيير تعديل معادلة حسابية، بقدر ما يمس تعريف الشغل والعاطل والقوى العاملة نفسها.

    تشخيص أدق لسياسيا أكثر استهدافا

    لسنوات، شكل معدل البطالة المؤشر الأكثر حضورا عند تقييم سوق الشغل، إذ يشكل ارتفاعه اتساع صعوبات الولوج إلى العمل، وانخفاضه يقدم كإشارة إلى تحسن الوضع، غير أن تطور سوق العمل أفرز حالات لا يستطيع مؤشر واحد التعبير عنها بالكامل.

    وتشمل هذه الحالات من يشتغل ساعات أقل مما يرغب فيه، ومن يريد العمل ومستعد له لكنه توقف عن البحث بعد فقدان الأمل، إلى جانب اتساع التشغيل غير المنظم وتعدد أشكال العمل الموسمي والمؤقت.

    وعلى هذا الأساس، اتجهت منظمة العمل الدولية منذ مؤتمر خبراء إحصاءات العمل سنة 2013 إلى توسيع مفهوم قياس “عدم استغلال اليد العاملة”، بحيث لا تبقى البطالة المؤشر الوحيد، ليصبح الإطار الدولي يميز بين البطالة، والعمل الناقص المرتبط بمدة العمل، والقوى العاملة المحتملة، ثم مؤشرات تجمع هذه الحالات لقياس الضغط الحالي والمحتمل على سوق العمل.

    وهنا توجد إحدى أهم خلفيات انتقال المغرب إلى البحث الجديد، إذ لم تعد المسألة معرفة عدد العاطلين فقط، وإنما فهم الفئات التي لا تجد ما يكفي من العمل، أو التي توجد على هامش سوق الشغل رغم رغبتها في دخوله.

    وفي تفسيره لخلفيات الانتقال إلى المنهجية الجديدة، يرى الخبير الاقتصادي، خالد أشيبان، أن التحول الذي اعتمدته المندوبية السامية للتخطيط لا يعكس بالضرورة تغيرا في واقع سوق الشغل، بقدر ما يعكس تغيرا في طريقة قياسه وفق المعايير الدولية الجديدة التي اعتمدتها منظمة العمل الدولية.

    ويوضح أن المنهجية السابقة كانت تعتمد مفهوما أوسع للتشغيل والبطالة، بينما تقوم المنهجية الجديدة على تعريف أكثر صرامة للفئة النشيطة، إذ لم يعد يُحتسب ضمن العاطلين إلا الأشخاص الذين لا يشتغلون، ويبحثون بشكل فعلي عن عمل، ويكونون مستعدين للالتحاق به فورا، كما لم تعد بعض الأنشطة التي تُمارس دون أجر تدخل ضمن مفهوم التشغيل كما كان معمولا به سابقا.

    ويضيف أشيبان أن هذا التحول يجعل المقارنة المباشرة بين الأرقام الصادرة وفق المنهجية الجديدة وتلك التي كانت تعتمد في السابق أمرا يحتاج إلى كثير من الحذر، لأن جزءا من الفوارق يعود إلى اختلاف معايير القياس وليس بالضرورة إلى تغير الواقع الاقتصادي.

    ويرى أن أهمية المنهجية الجديدة لا تكمن في تأثيرها على معدل البطالة وحده، وإنما في قدرتها على توفير قراءة أكثر تفصيلا لمختلف أوضاع سوق الشغل، بما يساعد على تشخيص الاختلالات بشكل أدق وبناء سياسات تشغيل أكثر استهدافا.

    لكن.. من هو العاطل وفق المنهجية الجديدة؟

    ويعد أبرز تغيير في المنهجية الجديدة طريقة احتساب البطالة نفسها، إذ لم يعد يكفي أن يكون الشخص بدون عمل حتى يُعتبر عاطلا، بل يجب أيضا أن يكون يبحث بشكل فعلي عن وظيفة، وأن يكون مستعدا للالتحاق بها فورا.

    أما الأشخاص الذين توقفوا عن البحث عن عمل، رغم رغبتهم في الاشتغال، فلم يعودوا يُحتسبون ضمن معدل البطالة، بل يُدرجون ضمن فئة “القوى العاملة المحتملة”.

    وبذلك، لم يعد قياس البطالة يقتصر على حصر عدد الأشخاص الذين لا يشتغلون، بل أصبح يمر عبر تصنيف السكان في سن النشاط إلى فئات مختلفة وفق معايير محددة.

    وتبدأ المندوبية أولا بتحديد الأشخاص الذين يزاولون عملا مقابل أجر أو بهدف تحقيق ربح، ثم تميز داخل غير المشتغلين بين من يبحثون بشكل فعلي عن عمل ويستوفون شروط البطالة بالمفهوم الضيق، وبين أشخاص آخرين ما يزالون على صلة بسوق الشغل، مثل المستعدين للعمل الذين توقفوا عن البحث أو الذين يشتغلون لساعات أقل مما يرغبون.

    ومن خلال هذا التصنيف، لا تقتصر نتائج البحث على معدل البطالة فقط، بل تشمل أيضا مؤشرات أخرى تعكس مختلف أشكال ضعف الاندماج في سوق الشغل، ما يمنح صورة أكثر شمولا عن واقع التشغيل.

    ولتقريب الصورة، إذا كان شاب تخرج من الجامعة وظل يبحث عن عمل لفترة طويلة ثم توقف عن إرسال طلبات التوظيف بعدما فقد الأمل، فإنه لا يختفي من الإحصاءات، لكنه لا يُصنف بالطريقة نفسها التي يُصنف بها شخص ما يزال يبحث عن وظيفة بشكل نشط.

    حتى تعريف “المشتغل” تغير

    وطال التغيير أيضا، وفق “EMO 2026″، التشغيل الذي أصبح محصورا في النشاط المنجز مقابل أجر أو بهدف تحقيق ربح، في حين لم تعد بعض الأنشطة الموجهة أساسا للاستهلاك الذاتي داخل وحدات غير سوقية تصنف تشغيلا، بل إنتاجا للاستخدام الخاص.

    في المقابل، فالمنهجية السابقة، القائمة على المعايير الدولية الأقدم، كانت تعتمد تعريفا أوسع للتشغيل يسمح بإدراج بعض أنشطة الإنتاج للاستهلاك الذاتي، بينما تفصل المعايير الجديدة بين “العمل” باعتباره مفهوما واسعا، و”التشغيل” باعتباره عملا مقابل أجر أو ربح.

    وارتفع حجم العينة السنوية التي تعتمدها المندوبية من نحو 90 ألفا إلى 135 ألف أسرة، أي بزيادة تناهز 50 في المئة؛ كما انتقلت المعاينة من تصميم من ثلاث درجات إلى تصميم من درجتين، وأصبحت تعتمد قاعدة جديدة مستخرجة من إحصاء 2024.

    ووفق المذكرة التقنية للمندوبية، يستهدف ذلك تقليص أخطاء المعاينة وتحسين متانة المؤشرات، خصوصا على المستويات الجهوية والإقليمية.

    وأُدخل كذلك نظام جديد لتناوب الأسر يسمح بمتابعة جزء منها عبر الزمن، فيما اتسع مضمون البحث ليشمل التشغيل غير المنظم، وصعوبات الولوج إلى سوق العمل، والتكوين مدى الحياة، وأشكال عدم استغلال اليد العاملة.

    وبذلك، فإن القول إن المنهجية الجديدة “تخفض البطالة” يبسط تحولا أكثر تعقيدا؛ فهي من جهة تضيق تعريف بعض المؤشرات، لكنها من جهة أخرى توسع مساحة الرصد لتشمل أوضاعا كانت تحتاج إلى مؤشرات منفصلة وأكثر وضوحا.

    لماذا لا يمكن مقارنة 9.5% مباشرة بالأرقام القديمة؟

    تنبه المندوبية السامية للتخطيط نفسها إلى أن نتائج “EMO2026” غير قابلة للمقارنة مباشرة مع النتائج المنشورة سابقا وفق “ENE”، بسبب القطيعة المفاهيمية والمنهجية بين البحثين.

    ولهذا أعادت احتساب المؤشرات الفصلية الرئيسية للفترة بين 2017 و2025 وفق الإطار الجديد، حتى تتيح سلسلة تاريخية يمكن مقارنتها بنتائج 2026، غير أنها لا تزال مؤقتة، على أن تصدر النسخة النهائية بالتزامن مع النتائج السنوية لسنة 2026.

    وهنا ينبغي التمييز بين مسألتين، فمقارنة 9.5 في المئة بأرقام قديمة منشورة وفق “ENE” قد تخلط أثر الاقتصاد بأثر تغيير المنهجية، أما المقارنة بين 10.8 في المئة في الفصل الأول و9.5 في المئة في الفصل الثاني من 2026 فهي مختلفة، لأن الرقمين أُنتجا داخل EMO2026 نفسها؛ لذلك، لا يمكن تفسير انخفاض 1.3 نقطة بين الفصلين بمجرد تغيير طريقة الحساب.

    وفي هذا السياق، يرى الخبير في السياسات العمومية، رضوان الرياش، أن أول ما ينبغي الانتباه إليه عند قراءة نتائج “بحث القوى العاملة” هو أن المقارنة بين الأرقام الحالية وتلك الصادرة وفق “البحث الوطني حول التشغيل” يجب أن تتم بحذر، لأن الأمر يتعلق بمنهجيتين مختلفتين في التعاريف وأدوات القياس.

    ويوضح الرياش في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن المندوبية نفسها أعادت احتساب السلاسل الإحصائية للفترة الممتدة بين 2017 و2025 وفق المنهجية الجديدة، حتى تتيح تتبع تطور المؤشرات داخل مرجعية موحدة، وهو ما يؤكد أن المقارنة المباشرة مع الأرقام القديمة قد تؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة.

    ويضيف أن الانخفاض المسجل في معدل البطالة من 10.8 في المئة خلال الفصل الأول إلى 9.5 في المئة خلال الفصل الثاني من سنة 2026 لا يمكن تفسيره بتغيير المنهجية، لأن المؤشرين أُنتجا وفق الإطار الإحصائي نفسه، لذلك، فإن الحكم على أداء سوق الشغل يقتضي قراءة هذا التطور إلى جانب مؤشرات أخرى، مثل حجم القوى العاملة، ومعدل النشاط، وعدد مناصب الشغل المحدثة، والعمل الناقص، والقوى العاملة المحتملة، حتى يمكن التمييز بين التحسن الظرفي والتحولات الاقتصادية الأكثر استدامة.

    ويؤكد الخبير في السياسات العمومية أن القيمة الحقيقية للمنهجية الجديدة لا تكمن في إنتاج معدل مختلف للبطالة، وإنما في توسيع قاعدة المعلومات المتاحة أمام صناع القرار، مردفا أنه “كلما أصبحت المعطيات أكثر تفصيلا، أصبح بالإمكان الانتقال من معالجة البطالة كمؤشر عام إلى تصميم سياسات تشغيل أكثر استهدافا، تستجيب لاختلاف أوضاع الشباب والنساء والعاملين في القطاع غير المنظم، وتوجه التدخلات العمومية نحو مكامن الخلل الحقيقية في سوق الشغل”.

  • مهدي فقير: التدرج المهني رافعة أساسية لتعزيز قابلية التشغيل

    مهدي فقير: التدرج المهني رافعة أساسية لتعزيز قابلية التشغيل

    يشكل تقييم أداء سوق الشغل محطة أساسية لفهم أثر السياسات العمومية على الاقتصاد والمجتمع، خاصة في ظل التحولات التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة.

    وبين المؤشرات المتعلقة بإحداث فرص الشغل، وبرامج الإدماج والتكوين، والإصلاحات المرتبطة بالاستثمار، تبرز الحاجة إلى قراءة اقتصادية تضع هذه المعطيات في سياقها العام.

    ويرى خبراء أن تقييم هذه الحصيلة يقتضي التمييز بين الظرفية الاستثنائية التي انطلقت منها الولاية وبين الاختلالات البنيوية التي كانت وما تزال تطبع سوق الشغل المغربي، وفي مقدمتها ضعف التوازن بين العرض والطلب، وإشكالية ملاءمة التكوين مع حاجيات الاقتصاد، واستمرار بطالة الشباب.

    في هذا الحوار، يقدم الخبير الاقتصادي، المهدي فقير، قراءة في واقع سوق الشغل بالمغرب، ويحلل دلالات أرقام حصيلة الوزارة الوصية، كما يتوقف عند حدود السياسات العمومية في هذا المجال، ويبرز أهمية التكوين المهني والتدرج المهني باعتبارهما من أبرز المداخل لتعزيز قابلية إدماج الشباب في سوق العمل.

    وضعية سوق الشغل بالمغرب كانت دائما مطبوعة بالهاجس المتعلق بالبطالة، ويجب أن نعترف أن سنة 2020 كانت سنة كارثية، بحكم جائحة كورونا وتلتها فترة جفاف قاسية استمرت لحوالي 6 سنوات، وهذا أثر بشكل كبير على استيعاب وامتصاص البطالة.

    بالتالي، ليس دفاعا عن الحكومة، لكن أعتقد أن تركيبة سوق الشغل لم تختلف كثيرا، ومع الأسف كل الجهود لم تمكن من إعادة التوازن بين العرض والطلب في سوق الشغل.

    التكوينات هناك تكوينات قابلة للإدماج، ولكن ما يزال هناك تكوينات غير قابلة، إضافة إلى أن هناك إشكالية ثقافية في تأهيل الشباب من أجل ولوج سوق الشغل، وهذا شيء مهم جدا، ونحن أمام ظاهرة شباب “NEET” التي تؤثر بشكل كبير على قابلية الشباب للدخول لسوق الشغل.

    بالتالي، فالكوارث التي وقعت على الصعيد الدولي كان لها تداعيات، والتضخم العالمي كان عاملا مؤثرا بدرجة كبيرة، والمغرب لن يشكل الاستثناء بالنسبة للعديد من الدول العالمية التي عانت الأمرين والشيء الكثير جراء هذه الأوضاع.

    إحداث 851 ألف فرصة عمل يبقى رقما حسابيا ورد في حصيلة الحكومة، لكن يجب أن نوضح ماذا نقصد؟ إذا كانت فرص شغل قارة ودائمة فهذا ما يسمى فرصة شغل، ولكن إذا كانت عرضية ومؤقتة وليست دائمة فلا يمكن اعتبارها خلقا لفرص الشغل.

    واليوم، هناك نقاش حول ماهية الإحصائيات المتعلقة بالتشغيل، وما نقصده بفرصة شغل، والإدماج المهني، لكننا في المغرب ما زلنا قاصرين على خلق سياسات إدماجية، ونحتاج دائما تدخل الحكومة هنا وهناك من أجل خلق فرص الإدماج.

    لكن هذا التدخل ليس أمرا سلبيا، فهذه التوليفة معترف بها ومعتمدة على الصعيد الدولي، وهي ما يسمى “FIRST JOB ACT” ومعتمدة في أمريكا وفرنسا، والمغرب بإمكانه الإبقاء على هذه التحفيزات لكن يجب إعادة النظر في النموذج الاقتصادي حتى يكون نموذجا دامجا وخالقا لفرص الشغل.

    تجربة المكتب الوطني للتكوين المهني كانت سباقة في هذا الباب واستجابة لحاجيات السوق وقابلية الإدماج، لأن مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل كان الركيزة والمعيار والبديل لخلق فرص الإدماج عن طريق التكوين المهني، وبالتالي فمدن الكفاءات في بدايتها مدعمة بأجيال جديدة من المعاهد ومؤسسات التكوين فلسفتها التي أحدثت من أجلها هي الإدماج انطلاقا من حاجيات سوق الشغل.

    كما أن التدرج المهني اليوم هو أهم خيار وأفضل بديل من أجل امتصاص بطالة الشباب لأنه يتيح تكوينات مواتية لروح ومتطلبات العصر، وتمكن أيضا من دعم التكوين المستمر الذي هو آلية هامة للحفاظ على استقرار وفرص الشغل، وهي مسألة مهمة وتعد أحد الحلول.

    لكن يجب الانتباه إلى مسألة مهمة، وهي أن تكون هناك مقاربة شاملة تتماهى مع منظومة التكوين الأكاديمي وكذلك النموذج الاقتصادي، الذي يجب أن يكون دامجا وخالقا للثروة وفرص الاندماج المهني على المديين المتوسط والطويل.

  • ظاهرة “NEET” في المغرب.. واقع الشباب ورهانات الإدماج

    ظاهرة “NEET” في المغرب.. واقع الشباب ورهانات الإدماج

    تتجاوز ظاهرة شباب “NEET” في المغرب مسألة البطالة، لتكشف عن مسارات مترابطة من الانقطاع عن التعليم والتكوين والعمل، قد تدفع جزءا من الشباب إلى وضعيات ممتدة من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.

    وتتداخل في تشكيل هذه الوضعية عوامل متعددة، من بينها الهدر المدرسي، وصعوبة الانتقال من الدراسة إلى سوق الشغل، وعدم استقرار المسارات المهنية، إلى جانب تفاوتات مجالية واجتماعية وجندرية.

    وأمام هذه الوضعية، اتجهت السياسات العمومية نحو تنويع آليات التدخل للحد من الظاهرة، غير أن الرهان لا يرتبط بتوفير برامج جديدة فحسب، بل بمدى قدرتها على معالجة أسباب الانقطاع ومواكبة الشباب عبر مسار متصل، يتيح لهم العودة إلى التعليم أو التكوين والولوج إلى سوق الشغل، وصولا إلى تحقيق استقرار مهني واجتماعي مستدام.

    شباب NEET.. فئة خارج التعليم والتكوين والشغل

    رغم الجهود التي يبذلها المغرب للحد من البطالة ومحاربة الهدر المدرسي، ما تزال فئة من الشباب تعيش خارج منظومة التعليم والتكوين وسوق الشغل، وهي الفئة المعروفة دوليا بمصطلح “NEET” (Not in Employment, Education or Training).

    ويُعرف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في رأيه الصادر سنة 2023، شباب NEET بأنهم الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، الذين لا يشتغلون، ولا يتابعون الدراسة، ولا يستفيدون من أي تكوين، مما يجعلهم خارج المدرسة وخارج سوق الشغل وخارج مسارات التكوين.

    ويشير المجلس إلى أن هذه الفئة تعد من أكثر الفئات هشاشة، بالنظر إلى ما يترتب عن هذا الوضع من مخاطر الإقصاء الاقتصادي والاجتماعي.

    وتشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى أنه خلال سنة 2022 كان واحد من كل أربعة شباب مغاربة، تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، في وضعية “NEET”، أي ما يقارب 1.5 مليون شاب وشابة، وهو ما جعل الظاهرة تتحول إلى إحدى القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تستدعي تدخلا.

    غير أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أكد أن توسيع قاعدة الفئة السنية لشباب “NEET” من 15 إلى 34 سنة تنقل رقم هذه الفئة إلى 4.3 ملايين لا ينتمون إلى فئة التلاميذ أو الطلبة أو المتدربين في التكوين المهني، ويوجدون في وضعية بطالة أو خارج الساكنة النشيطة، أي لا يبحثون عن الشغل لسبب من الأسباب.

    وفي آخر إحصائيات صادرة في أكتوبر من العام الماضي، كشفت المندوبية السامية للتخطيط أن 2.9 مليون شاب بين 15 و29 سنة هم في وضعية شباب “NEET” سنة 2023، وتشـكل النسـاء أكثـر مـن 72 بالمئة مـن مجمـوع هـذه الفئـة، كمــا أن احتمــال وجودهــن ضمن هذه الفئة يفــوق بثــاث مــرات تقريبــا احتمــال الرجــال.

    ولا تنظر الدراسات إلى هذه الفئة باعتبارها متجانسة، فقد خلصت الدراسة النوعية التي أجراها المرصد الوطني للتنمية البشرية سنة 2020 إلى وجود خمس مجموعات رئيسية داخل هذه الفئة، تشمل ربات البيوت المنحدرات من الوسط القروي، والشباب المنحدر من الوسط الحضري الذي يعيش الإحباط والتهميش، ما يجعلهم عرضة بشكل كبير للانحراف والسلوكات الإدمانية، فضلا عن شباب يميلون إلى تغيير وظائفهم بشكل متكرر مما يقودهم إلى الدخول في فترات بطالة قصيرة الأمد.

    كما تضم الفئة شبابا اختاروا التوقف عن العمل أو الدراسة بإرادتهم، وعادة ما تكون دوافعهم مرتبطة بعدم وجود الحاجة للعمل بعد التخرج، خاصة بالنسبة للنساء، أو برغبتهم في البحث عن آفاق جديدة لا ترتبط بالضرورة بمهنة محددة، إضافة إلى شباب يعانون من أمراض مزمنة أو إعاقات تحول دون اندماجهم في الدراسة أو سوق الشغل.

    وتشكل النساء النسبة الأكبر ضمن شباب “NEET”، وهو ما يعكس استمرار العوائق الاجتماعية والاقتصادية التي تحد من اندماجهن في التعليم والتكوين وسوق الشغل.

    ويوضح ياسين إيصبويا، الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، في هذا السياق، أن ارتفاع نسبة النساء ضمن فئة “NEET” لا يرتبط بالبطالة فقط، بل تتداخل فيه عوامل اجتماعية وأسرية ومجالية، كما أن نسبة مهمة منهن تُصنّف ضمن فئة “غير النشيطات” وليس ضمن الباحثات عن عمل، وهو ما يجعلهن أقل استفادة من برامج التشغيل التقليدية.

    إيصبويا أبرز أن الشابات يحتجن إلى سياسات أكثر استهدافا، ليس بعزل قضاياهن عن باقي السياسات، وإنما بإزالة العوائق التي تحول دون استفادتهن منها، من خلال توفير خدمات حضانة ميسرة، وضمان النقل الآمن، خاصة في الوسط القروي، وإتاحة تكوينات مرنة وقريبة من أماكن السكن، إلى جانب دعم المقاولات النسائية والتعاونيات، وإدراج مؤشرات خاصة بقياس إدماج الشابات ضمن البرامج الحكومية.

    كيف تتشكل ظاهرة “NEET“؟

    يُؤكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن هذه الظاهرة لا ترتبط فقط بالبطالة، وإنما هي نتيجة مسار متراكم من الانقطاعات التي تبدأ في سن مبكرة وتمتد إلى مرحلة الاندماج المهني.

    ويتمثل الانقطاع الأول في الهدر المدرسي، إذ يغادر نحو 331 ألف تلميذ مقاعد الدراسة سنويا، خاصة خلال الانتقال من التعليم الإعدادي إلى الثانوي، بسبب الرسوب، وصعوبة الولوج إلى المؤسسات التعليمية، لاسيما في الوسط القروي، وضعف العرض في مجال التكوين المهني، فضلا عن عوامل اجتماعية وثقافية، مثل الفقر، وتشغيل الأطفال، وزواج القاصرات، والإعاقة.

    أما الانقطاع الثاني، فيتعلق بالانتقال من الدراسة إلى سوق الشغل، حيث يصطدم الشباب الباحث عن أول فرصة عمل بعدم ملاءمة التكوين مع متطلبات سوق الشغل، وضعف خدمات الوساطة في التشغيل، وهو ما يجعل ستة من أصل عشرة عاطلين من الشباب يواجهون صعوبات كبيرة في ولوج سوق العمل، بينما تظل النساء الأكثر عرضة للبقاء في وضعية “NEET” نتيجة عوامل اجتماعية وأسرية إضافية.

    ويتمثل الانقطاع الثالث في عدم استقرار المسار المهني، إذ يفقد عدد من الشباب وظائفهم أو يغادرونها بحثا عن ظروف عمل أفضل، في ظل ضعف الأجور، وعدم احترام شروط العمل اللائق، مما يؤدي إلى عودتهم مجددا إلى دائرة البطالة.

    وتبرز هذه الانقطاعات أن إدماج شباب “NEET” لا يقتصر على توفير فرص الشغل، بل يطرح تحديات مرتبطة بفعالية السياسات العمومية وقدرتها على مواكبة هذه الفئة في مختلف مراحل الإدماج.

    وفي هذا الصدد، أشارت كريمة غانم، خبيرة في السياسات العمومية المتعلقة بالشباب وقضايا النوع الاجتماعي، في تصريح خصّت به جريدة “AM+ MEDIA”، إلى أن مكامن الخلل تتمثل في ثلاثة مستويات أساسية.

    أولها، حسب غانم، غياب منظومة فعالة للإنذار المبكر تربط المدرسة بالأسرة والمجتمع المدني وجمعيات أمهات وآباء التلاميذ، إذ تسبق الهدر المدرسي مؤشرات مثل التعثر والغياب وفقدان الدافعية، يمكن رصدها والتدخل بشأنها مبكرا.

    غير أن ضعف التنسيق يجعل تدخلات مختلف الأطراف متفرقة، فتتدخل المدرسة بعد وقوع الانقطاع، بينما تظل الأسر محدودة القدرة على المواكبة، وتبقى مبادرات المجتمع المدني محدودة الارتباط بالمنظومة العمومية، تؤكد المصرحة ذاتها.

    فيما يتعلق المستوى الثاني باستمرار منطق التدخل القطاعي والمجزأ، مما يجعل الشاب الذي يغادر المدرسة عرضة للوقوع في فراغ مؤسساتي، دون أن يجد مسارا بديلا واضحا ومهيكلا.

    أما المستوى الثالث، فتوضح خبيرة في السياسات العمومية المتعلقة بالشباب وقضايا النوع الاجتماعي أنه يرتبط بضعف معالجة الأبعاد الاجتماعية والثقافية المرتبطة بالظاهرة، فمع كون النساء يمثلن النسبة الأكبر من شباب “NEET”، فإن الإشكال يتجاوز غياب فرص التشغيل ليشمل عوائق مرتبطة بالتمثلات الاجتماعية حول أدوار المرأة، إلى جانب محدودية بنيات الرعاية الاجتماعية التي تمكن الشابات من التوفيق بين المسؤوليات الأسرية والمسار المهني، وهي تحديات لا يمكن لبرنامج تشغيل بمفرده معالجتها.

    وتخلص غانم إلى أن الرهان لا يكمن في إطلاق المزيد من البرامج بقدر ما يتمثل في بناء منظومة إدماج مندمجة تضع الشاب في صلبها، وتنسق بين المدرسة والأسرة والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمؤسسات العمومية ضمن مسار واحد ومتصل، بما يحول دون سقوط الشباب في الفجوات الناتجة عن ضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين.

    كيف تراهن الحكومة على إدماج شباب “NEET“؟

    اتجهت الحكومة الحالية إلى اعتماد مقاربة متعددة القطاعات لإعادة إدماج شباب “NEET”، تقوم على التدخل في مختلف مراحل مسارهم، بدءا من الحد من الهدر المدرسي، مرورا بالتأهيل والتكوين، وصولا إلى تسهيل الولوج إلى سوق الشغل، بانخراط عدة قطاعات حكومية.

    وقامت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بتعزيز مدارس الفرصة الثانية – الجيل الجديد، التي تستهدف الشباب المنقطعين عن الدراسة، إذ توفر التأهيل التربوي والتكوين المهني والمواكبة قصد الإدماج الاجتماعي والمهني.

    وعززت الوزارة هذا البرنامج سنة 2025 عبر توقيع اتفاقيات مع 22 جمعية لتدبير مراكز جديدة لفائدة 1760 مستفيداً.

    وانخرط المغرب أيضا في مشروع “Youth NEET”، بدعم من الاتحاد الأوروبي ومنظمة العمل الدولية، بهدف تطوير نموذج الفرصة الثانية، وتحسين قابلية تشغيل الشباب وتعزيز التنسيق مع الفاعلين الاقتصاديين.

    ومن جهتها، أطلقت وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات برنامج “تدرج”، الذي يعتمد على التكوين داخل المقاولة لفائدة الشباب غير الحاصلين على شهادات، بهدف تمكينهم من اكتساب مهارات عملية تتلاءم مع حاجيات سوق الشغل، إلى جانب برنامج “إدماج غير الحاصلين على شهادات” الذي وسع لأول مرة برامج الإدماج لتشمل هذه الفئة، بعدما كانت موجهة أساسا لحاملي الشهادات.

    أما وزارة الشباب والثقافة والتواصل، فقد ركزت على تنمية المهارات وتعزيز الإدماج الاجتماعي من خلال برنامج “جواز الشباب”، الذي يتيح للشباب الولوج إلى خدمات وفرص في مجالات التكوين والثقافة والتنقل والتشغيل، إضافة إلى البرنامج الوطني للتطوع “متطوع”، الذي يهدف إلى تطوير المهارات الحياتية وتعزيز المشاركة المواطنة، بما يرفع من قابلية الشباب للاندماج الاقتصادي والاجتماعي.

    وتمثل هذه البرامج تحولا مهما لأنها بدأت تتجاوز المقاربة التقليدية التي كانت تربط الإدماج المهني أساسا بالشهادة. فجزء كبير من شباب “NEET” غير حاصل على مؤهلات رسمية أو غادر الدراسة مبكرا وبالتالي كان خارج دائرة الاستفادة من عدد من برامج التشغيل السابقة.

    وفي تعليقه على هذه البرامج، يرى الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، ياسين إيصبويا، أنها تمثل تحولا مهما لأنها بدأت تتجاوز المقاربة التقليدية التي كانت تربط الإدماج المهني بالحصول على شهادة، في حين أن جزءا كبيرا من شباب “NEET” غادروا الدراسة مبكرا أو لا يتوفرون على مؤهلات تعليمية، مما جعلهم خارج دائرة الاستفادة من عدد من برامج التشغيل السابقة.

    ويضيف أن برنامج “تدرج” يقوم على الربط بين التكوين النظري والتعلم داخل المقاولة، بما يسمح للشباب باكتساب كفاءات مهنية من خلال الممارسة، وليس فقط عبر الشهادات. ويبرز في هذا السياق أن وزارة الشباب أطلقت لقاءات جهوية لتنزيل البرنامج في إطار شراكة مع وزارة الإدماج الاقتصادي ووزارة الاقتصاد والمالية، فيما أعلنت الحكومة أن نظام التدرج المهني وفر خلال شهري غشت وشتنبر 2025 نحو 39 ألف فرصة عمل لدى 12 ألف مقاولة.

    أما برنامج “إدماج غير الحاصلين على شهادات”، فيعتبره الباحث خطوة مهمة لأنه يتيح لهذه الفئة اكتساب أول تجربة مهنية داخل المقاولة في إطار مواكبة مهيكلة، وهو ما يعكس اعترافا بأن غياب الشهادة لا يعني غياب الكفاءة أو القدرة على التعلم.

    ويؤكد المتحدث أن مبادرات وزارة الشباب تكتسي بدورها أهمية خاصة، بالنظر إلى القرب الترابي والاجتماعي الذي تتمتع به دور الشباب والمؤسسات التابعة للقطاع، وهو ما يؤهلها للانتقال من مجرد فضاءات للأنشطة التربوية والترفيهية إلى منصات للتوجيه والتكوين الرقمي والمقاولاتية وربط الشباب بفرص التشغيل.

    ويبرز أن برامج الوزارة برسم سنة 2026 تتجه نحو تعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي عبر التكوين، والتشغيل الذاتي، والمقاولاتية، إلى جانب تشجيع المشاركة المواطنة والعمل التطوعي.

    وخلص المتحدث إلى أن نجاح هذه المبادرات، لا يقاس بحجم المستفيدين أو عدد الدورات التكوينية المنجزة، بقدر ما يقاس بقدرتها على إحداث أثر فعلي ومستدام في حياة الشباب، من خلال انتقالهم إلى فرص شغل مستقرة وتحسن أوضاعهم الاجتماعية والمهنية بعد أشهر أو سنة من انتهاء الاستفادة

    ومن جهتها، أفادت كريمة غانم أن نجاح هذه البرامج لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد المستفيدين أو الدورات التكوينية المنجزة، وإنما بمدى قدرتها على تحقيق إدماج مستدام، فالمؤشر الحقيقي، وفقها، يتمثل في قدرة المستفيد على الحصول على عمل لائق، أو مواصلة مسار تكويني تراكمي، أو إنشاء مشروع قابل للاستمرار بعد انتهاء البرنامج.

    وشددت غانم على أهمية تقييم جودة فرص الشغل، ومستوى الاستقرار المهني، ومدى توافق الوظائف مع مؤهلات الشباب وتطلعاتهم، مشيرة إلى أن 14 بالمئة فقط من الباحثين عن شغل المسجلين حديثا لدى أنابيك يستفيدون فعليا من خدماتها، وهو ما دفع الحكومة إلى إطلاق إصلاح شامل للوكالة.

    وتطرح هذه المعطيات، بحسب المتحدثة، سؤالا أكبر حول وضعية شباب “NEET” الذين لا يصلون أصلا إلى خدمات التسجيل.

    دور المجتمع المدني

    يساهم المجتمع المدني في نجاح برامج إدماج شباب “NEET” على تدخل القطاعات الحكومية، بل يظل رهينا أيضا بانخراط مختلف الفاعلين، باعتباره شريكا أساسيا في الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة ومواكبتها نحو مسارات التكوين والإدماج.

    وفي هذا السياق، أكد ياسين إيصبويا أن المجتمع المدني يمتلك قدرة أكبر على الوصول إلى الشباب في أماكن وجودهم وبناء الثقة معهم، خاصة أولئك الذين لا يسجلون في الوكالات العمومية أو لا يعتبرون أنفسهم مؤهلين للاستفادة من البرامج.

    وأضاف أن الجمعيات المحلية يمكن أن تضطلع بأدوار الرصد الميداني، والتوجيه، وتنمية المهارات، وربط الشباب بمؤسسات التكوين والتشغيل، باعتبارها تمثل الجسر الذي ينقلهم من العزلة والإحباط إلى الاستفادة الفعلية من البرامج.

    لكن حتى ينجح هذا الدور ينبغي الانتقال من شراكات ظرفية قائمة على تنظيم أنشطة متفرقة إلى تعاقدات ترابية متعددة السنوات تحدد الفئات المستهدفة والنتائج المنتظرة وآليات التتبع، كما ينبغي تمكين الجمعيات المعتمدة مع احترام حماية المعطيات الشخصية من المساهمة في بناء قواعد بيانات ترابية محدثة حول الشباب المنقطعين أو غير النشطين، وفق المتحدث عينه.

    تحديات التنزيل الفعلي

    تعكس المؤشرات الأخيرة بداية تحسن في وضعية شباب “NEET”، إذ انخفضت نسبتهم من 24.4 سنة 2024 إلى 23.2 سنة 2025، أي بتراجع بلغ 1.2 نقطة مئوية، وهو ما يعادل نحو 1.375 مليون شاب وشابة، لتسجل البرامج الجديدة أولى نتائجها، خاصة بعد توسيع الاستفادة لتشمل الشباب غير الحاصلين على شهادات، في محاولة لتجاوز محدودية المقاربات السابقة.

    ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن التحديات ما تزال قائمة، بالنظر إلى استمرار الهدر المدرسي، وارتفاع نسبة البطالة، وضعف الملاءمة بين التكوين ومتطلبات سوق الشغل، فضلا عن استمرار الفوارق المجالية والنوعية، خصوصا بالنسبة للنساء وسكان العالم القروي.

    لذلك، ترى كريمة غانم أن تعدد المبادرات والجهود لا يمنعنا من تسليط الضوء على تحديات هيكلية تحد من فعاليتها، في مقدمتها استمرار الهدر المدرسي بمعدلات مقلقة، وإشكاليات تتعلق بالتنسيق الناجع بين قطاعات التعليم والتكوين والتشغيل، إضافة إلى محدودية فرص الشغل اللائق، خاصة في بعض الجهات.

    وأضافت غانم، في تصريحها، أن تعدد المبادرات والجهود لا يلغي استمرار تحديات هيكلية، في مقدمتها معدلات الهدر المدرسي، وإشكالية التنسيق بين قطاعات التعليم والتكوين والتشغيل، إضافة إلى محدودية فرص الشغل اللائق، خاصة في بعض الجهات.

    كما تبرز، وفق المتحدثة، أهمية البعد المرتبط بالنوع الاجتماعي، إذ تشير معطيات التقرير المشترك للمندوبية السامية للتخطيط ومنظمة العمل الدولية والاتحاد الأوروبي إلى أن 72 بالمئة من شباب “NEET” في المغرب هم من الإناث، وأن 82 بالمئة من هؤلاء يُصنَّفن ربات بيوت.

    ولا يعكس هذا المعطى مجرد تفاوت إحصائي، بل يكشف عن عوائق هيكلية مرتبطة بصعوبة التوفيق بين المسؤوليات الأسرية والحياة المهنية، واستمرار أنماط ثقافية تحد من المشاركة الاقتصادية للنساء.

    ومن جهته، أشار ياسين إيصبويا، إلى أنه ينبغي قراءة هذا التراجع بنوع من الحذر، فهو مؤشر إيجابي لكنه لا يعني أننا تجاوزنا الطابع البنيوي للظاهرة. فبحسب دراسة للمندوبية السامية للتخطيط، انخفض معدل شباب “NEET” من الفئة العمرية 15 إلى 29 سنة من 35 بالمئة سنة 2017 إلى 33.6 بالمئة سنة 2023، لكنه ارتفع قليلا مقارنة بسنة 2022 التي سجلت 33 بالمئة. وهذا يعني أن جزءا من التحسن ارتبط باستعادة النشاط الاقتصادي بعد الجائحة بينما بقي المعدل شبه مستقر في السنوات الأخيرة. 

    وفي هذا السياق، يوصي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بمقاربة دامجة لمعالجة ظاهرة شباب “NEET” وتسريع إدماجهم الاجتماعي والاقتصادي، تقوم على تعزيز رصد وتتبع أوضاعهم والفئات الهشة من الشباب، واعتماد تدابير وقائية تحول دون وقوعهم في وضعية “NEET”، إلى جانب إرساء منظومة موسعة للاستقبال والتوجيه تراعي اختلاف وضعياتهم.

    كما دعا المجلس إلى الارتقاء بخدمات وبرامج الإدماج من حيث العرض والجودة والفعالية، وتعزيز حكامة هذه البرامج عبر تحقيق التقائية وتكامل التدخلات وضمان التنسيق المستمر بين مختلف الفاعلين المعنيين.

     إدماج شباب NEET.. أولويات السياسات العمومية المقبلة

    وأمام استمرار هذه التحديات، يبرز السؤال حول الأولويات التي ينبغي أن توجه السياسات العمومية خلال المرحلة المقبلة، بما يضمن الانتقال من التدخلات المتفرقة إلى مسارات إدماج أكثر استدامة، تراعي التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، فضلا عن الاختلافات المجالية والاجتماعية داخل فئة شباب NEET.

    وفي هذا الإطار، أكدت كريمة غانم أن المرحلة المقبلة تتطلب نقلة نوعية من منطق البرامج المتفرقة إلى سياسة عمومية مندمجة واستشرافية تضع الشباب في صلب التنمية وتستحضر التحولات التكنولوجية.

    وحددت في هذا السياق خمس أولويات مترابطة، تبدأ بإعادة هندسة منظومة التعليم والتكوين بما يواكب اقتصاد المعرفة، من خلال الحد من الهدر المدرسي، وتعزيز الكفايات الرقمية والمهارات الناعمة، وتحديث التكوين المهني بما يستجيب لحاجيات القطاعات الواعدة، كصناعة السيارات والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والاقتصاد الرقمي.

    وتتمثل الأولوية الثانية في بناء جسور بين التحول الرقمي وإدماج شباب “NEET”، عبر تطوير كفايات رقمية قابلة للتوظيف وضمان وصولها إلى الوسط القروي والمناطق الهشة.

    أما ثالث الأولويات فتتمثل في معالجة البعد الجندري بشكل هيكلي، من خلال معالجة عوائق الرعاية الاجتماعية والحضانة ومرونة ظروف العمل، فيما تتعلق الأولوية الرابعة باعتماد مقاربة ترابية مُكيَّفة لأن التفاوتات بين الجهات تفرض سياسات محلية تراعي النسيج الاقتصادي والاجتماعي لكل جهة، بدلاً من سياسة وطنية موحدة.

    وأضافت غانم، أن الأولوية الخامسة تتجلى في ضرورة بناء منظومة استشرافية لتتبع المستفيدين وقياس أثر البرامج، مؤكدة أن الهدف لا ينبغي أن يكون مجرد إدماج مؤقت يحسن المؤشرات، بل بناء مسارات مهنية واجتماعية مستدامة.

    أما الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، ياسين إيصبويا، فيضع البعد الترابي في صلب الأولويات، معتبرا أن البداية يجب أن تكون من الوقاية من إنتاج أفواج جديدة من شباب “NEET” عبر الحد من الهدر المدرسي، إذ شدد على ضرورة الحذر من إنتاج أفواج جديدة من شباب “NEET” من خلال الحد من الهدر المدرسي وتعزيز مدارس الفرصة الثانية وتطوير منظومة التوجيه الدراسي والمهني، وربطها بحاجيات سوق الشغل ومهن المستقبل.

    وأضاف المتحدث أنه من الضروري إرساء سياسات جهوية للشباب ضمن المخططات الجهوية للتنمية، باعتبار أن الظاهرة تختلف من جهة إلى أخرى ومن الوسط الحضري إلى القروي، بل حتى بين أقاليم الجهة نفسها.

    ولذلك، يدعو إلى إدراج محور خاص بالشباب ضمن هذه المخططات، بأهداف ومؤشرات وميزانيات واضحة، مع إشراك مجالس الجهات والجماعات الترابية والمقاولات والجامعات ومؤسسات التكوين والمجتمع المدني.

    كما اقترح إحداث مرصد جهوي للشباب بكل جهة، لتوفير معطيات دقيقة ومحيّنة تساعد على توجيه البرامج والاستثمارات وفق الحاجيات الفعلية لكل مجال ترابي، إلى جانب الانتقال من البرامج القطاعية إلى سياسة عمومية مندمجة تنسق بين التربية والتكوين والتشغيل والشباب والاستثمار والتضامن.

    ويضيف أن الاستثمار في الاقتصاد الجديد ومهن المستقبل، من خلال توسيع التكوين في المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر والصناعات الثقافية والإبداعية، ينبغي أن يواكبه دعم ريادة الأعمال والمقاولات الشبابية، وتعزيز الشراكة مع المجتمع المدني للوصول إلى الشباب الأكثر هشاشة ومواكبتهم.

     ويخلص إلى أن محاربة ظاهرة “NEET” لا ينبغي أن تعتمد على برامج وطنية موحدة فقط، بل على سياسات ترابية تجعل كل جهة مسؤولة عن إدماج شبابها ضمن رؤية تنموية شاملة، وبمؤشرات قابلة للقياس والمحاسبة.

  • كيف تحوّلت تداعيات الأزمات إلى فرصة لإعادة بناء سياسات التشغيل بالمغرب؟

    كيف تحوّلت تداعيات الأزمات إلى فرصة لإعادة بناء سياسات التشغيل بالمغرب؟

    يظل ملف التشغيل أحد أكثر الملفات تعقيدا في أي حصيلة حكومية، كونه المجال الذي تختبر فيه السياسات العمومية قدرتها على تحويل النمو الاقتصادي إلى فرص عمل حقيقية.

    وخلال الولاية الحكومية الحالية، وجد المغرب نفسه أمام تحديات غير مسبوقة، فرضتها تداعيات جائحة كورونا، وارتفاع معدلات التضخم، والاضطرابات الجيوسياسية، إلى جانب سنوات الجفاف المتتالية وزلزال الحوز والفيضانات التي ضربت العديد من المدن المغربية، وهي عوامل ألقت بظلالها على دينامية سوق الشغل ورفعت منسوب الانتظارات بشأن قدرة الحكومة على الحد من البطالة وتحفيز الإدماج المهني.

    وفي مواجهة هذه الإكراهات، راهنت وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات على حزمة من البرامج والإصلاحات الرامية إلى تنشيط سوق الشغل، وتعزيز قابلية التشغيل، وتوسيع فرص التكوين والإدماج المهني، مع إيلاء اهتمام خاص بالشباب والنساء.

    سوق شغل هش عند بداية الولاية

    “كانت سنة 2021 من أصعب السنوات التي عرفها سوق الشغل بالمغرب، لأنها جاءت مباشرة بعد جائحة كوفيد-19 التي أدت إلى فقدان عدد كبير من مناصب الشغل، خاصة في قطاعات السياحة والخدمات والتجارة، إلى جانب تتالي سنوات الجفاف التي أثرت بشكل مباشر على التشغيل في القطاع الفلاحي”، يؤكد محمد جدري، الخبير الاقتصادي ومدير المرصد للعمل الحكومي.

    وبالعودة إلى آخر أشهر في الولاية الحكومية السابقة، تكشف معطيات 2021، استنادا إلى مذكرة للمندوبية السامية للتخطيط، أن الحكومة الحالية تسلمت ملف التشغيل في سياق بالغ الصعوبة، كان فيه أكثر من 4.47 ملايين شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة (من أصل 5.9 ملايين شاب) خارج سوق الشغل، أي ما يمثل 76.1 في المئة من هذه الفئة العمرية، بينما لم يكن يشتغل سوى 962 ألف شاب، مقابل 448 ألف شاب عاطل عن العمل.

    ولم يتجاوز معدل نشاط الشباب 23.9 في المئة، مقابل 45.3 في المئة بالنسبة لمجموع السكان، مع تفاوت كبير بين الذكور والإناث، حيث لم يتعد معدل نشاط النساء الشابات 12.1 في المئة.

    وظل ارتفاع معدل البطالة ملحوظا لدى الشباب بين سنتي 2019 و2021 بـ6.9 نقطة مقابل 3.1 نقطة لدى مجموع السكان النشيطين، وبلغ معدل البطالة، على المستوى الوطني، 31.8 بالمئة في صفوف الشباب بين 15 و24 سنة مقابل 13.7 بالمئة بالنسبة للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و44 سنة و 3.8 بالمئة بالنسبة للأشخاص الذين البالغين 45 سنة أو أكثر.

    ولم تكن الأزمة مرتبطة بندرة فرص العمل فقط، بل أيضا بجودة التشغيل، إذ كشفت مذكرة مندوبية التخطيط آن ذاك أن 41.9 في المئة من الشباب المشتغلين يزاولون عملا غير مؤدى عنه، بينما كان أكثر من 73 في المئة من الأجراء الشباب يشتغلون دون عقد عمل، في وقت بلغت فيه بطالة الشباب 31.8 في المئة، وارتفعت إلى أكثر من 61 في المئة في صفوف الحاصلين على شهادات عليا، في مؤشر على ضعف قدرة الاقتصاد على استيعاب الكفاءات.

    بهذا الصدد، يشدد المحلل والخبير الاقتصادي، المهدي فقير، على أن “سنة 2020 كانت سنة كارثية بامتياز للاقتصاد المغربي، بحكم جائحة كورونا وفترة جفاف قاسية استمرت لحوالي 6 سنوات، ما أثر بشكل كبير على استيعاب وامتصاص البطالة”.

    ويرى أن القلاقل التي طبعت تلك الفترة على الصعيد الدولي، كان لها تأثيرات كبيرة على التضخم العالمي، وبالتالي، المغرب لن يشكل الاستثناء بالنسبة للعديد من الدول العالمية التي عانت الأمرين والشيء الكثير جراء هذه الأوضاع غير المستقرة”.

    خارطة طريق جديدة للتشغيل

    بدوه، يؤكد جدري أن الحكومة انطلقت من وضعية استثنائية تتسم بارتفاع البطالة وتراجع النشاط الاقتصادي، ما يجعل تقييم حصيلة قطاع التشغيل مختلفا عن تقييم أي مرحلة سابقة، لأن المطلوب لم يكن فقط خلق فرص عمل جديدة، بل أيضا استعادة جزء مهم من المناصب التي فُقدت خلال الأزمة، وإعادة تحريك سوق الشغل في سياق اقتصادي عالمي اتسم بعدم اليقين.

    وفي مواجهة هذا الواقع، اختارت وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، الانتقال من تدبير برامج متفرقة إلى اعتماد خارطة طريق وطنية للتشغيل، تقوم على تعبئة مختلف القطاعات الحكومية وربط الاستثمار والتكوين والحماية الاجتماعية بهدف خلق فرص الشغل.

    وتؤكد الحصيلة المرحلية لوزارة يونس السكوري أن مختلف التدخلات مكنت من إحداث أكثر من 851 ألف فرصة شغل خلال الولاية الحالية، في وقت سجل فيه الاقتصاد الوطني خلال سنة 2025 وحدها إحداث 193 ألف منصب شغل صاف، منها 249 ألف منصب مأجور، مقابل تراجع عدد المناصب غير المأجورة بـ55 ألف منصب، بما يعكس تحولا تدريجيا نحو التشغيل المنظم.

    كما تراجع معدل التشغيل غير المهيكل خارج القطاع الفلاحي من 36.3 في المئة سنة 2021 إلى 33.1 في المئة سنة 2025، بالتوازي مع ارتفاع عدد الأجراء المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بأكثر من 500 ألف أجير، ليتجاوز أربعة ملايين مصرح بهم لأول مرة.

    غير أن مهدي فقير ينبه إلى أن خلق 851 ألف فرصة عمل يبقى “حديثا فضفاضا”، موضحا أنه “إذا كان الحديث عن خلق فرص شغل قارة ودائمة فهذا ما يسمى فرصة شغل، ولكن إذا كان عرضيا ومؤقتا وليس دائما فلا يمكن اعتباره خلقا لفرص الشغل”، مضيفا “اليوم هناك نقاش حول ماهية الإحصاءات المتعلقة بالتشغيل، وما نقصده بفرصة شغل، والإدماج المهني”.

    وأشار إلى أن المغرب ما يزال قاصرا على خلق سياسات إدماجية في مجال التشغيل، موضحا وجهة نظره بالقول: “نحتاج دائما تدخلا حكوميا هنا وهناك من أجل خلق فرص الإدماج، وهذا ليس أمرا سلبيا، فهذه التوليفة معترف بها ومعتمدة على الصعيد الدولي، وهي ما يمسى ‘FIRST JOB ACT’ ومعتمدة في أمريكا وفرنسا”، لافتا إلى أن “المغرب بإمكانه الإبقاء على هذه التحفيزات في القطاع، لكن يجب إعادة النظر في النموذج الاقتصادي حتى يكون نموذجا دامجا وخالقا لفرص الشغل”.

    الإدماج المهني يقفز بـ45 بالمئة

    وكان برنامج “أوراش” أول تدخل لمواجهة تداعيات الجائحة على التشغيل، حيث استهدف الأشخاص الذين فقدوا مصادر دخلهم، خاصة غير الحاصلين على مؤهلات عالية.

    وأسفر البرنامج عن استفادة 224.371 شخصا، بنسبة إنجاز بلغت 90 في المئة، بينما بلغ غلافه المالي حوالي 4.5 مليارات درهم، مع تخصيص حوالي ثلث المناصب لفائدة النساء.

    أيضا، عملت الوزارة، وفق معطيات تحصلت عليها جريدة “AM+ MEDIA”، على إعادة توجيه برامج التشغيل النشيطة، فقد بلغ مجموع الإدماجات المهنية 694.415 إدماجا، منها 594.981 عبر برنامج “إدماج” و99.434 عبر برنامج “تحفيز”، كما ارتفع عدد الإدماجات السنوية من 112.733 سنة 2021 إلى 163.259 سنة 2025، بزيادة قاربت 45 في المئة.

    وفي المقابل، استفاد 339.893 شخصا من برامج التأهيل، بينما تجاوز عدد المستفيدين من خدمات التوجيه والمواكبة التي تقدمها الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات 1.34 مليون مستفيد.

    ودعمت “وزارة السكوري” التشغيل الذاتي، حيث تمت مواكبة 38.788 مشروعا، وإحداث 11.482 مقاولة صغيرة أو نشاطا مدرا للدخل، أسهمت في توفير 18.370 منصب شغل، فضلا عن استفادة أكثر من 50 ألف شخص من برنامج “انطلاقة”، وإطلاق النسخة الثالثة من برنامج “من أجلك” الذي مكن من مواكبة 1.089 مقاولة نسائية وتكوين 8.099 امرأة.

    مناصب الشغل في قلب دعم الاستثمار

    أحد أبرز التحولات خلال الولاية الحالية، تمثلت في جعل خلق فرص الشغل معيارا أساسيا للاستفادة من الدعم العمومي في إطار الميثاق الجديد للاستثمار، وفق ما يؤكد الخبير الاقتصادي، محمد جدري.

    وأوضح الخبير الاقتصادي أن هذا التوجه يشكل تطورا مهما في السياسة الاستثمارية بالمغرب، لأنه يجعل الدعم العمومي مرتبطا بالأثر الاقتصادي والاجتماعي للمشاريع، وليس فقط بحجم الاستثمارات، لأن ربط التحفيزات بعدد مناصب الشغل التي يلتزم المستثمر بإحداثها يعزز مردودية الإنفاق العمومي ويوجه الاستثمارات نحو تحقيق قيمة مضافة حقيقية للمواطنين.

    وبالعودة إلى الحصيلة المرحلية لوزارة التشغيل، أسفرت المشاريع التي تمت المصادقة عليها عن تعبئة استثمارات بقيمة 586.6 مليار درهم، موزعة على 381 مشروعا، يرتقب أن توفر أكثر من 245.500 منصب شغل، خاصة في قطاعات صناعة السيارات والسياحة والصناعات الغذائية.

    ويعكس هذا التوجه انتقال سياسة الاستثمار من منطق تشجيع الرساميل إلى ربطها مباشرة بالأثر الاجتماعي وخلق فرص العمل، وفق رئيس المرصد للعمل الحكومي، الذي نبه أيضا إلى ضرورة الحفاظ على التوازن، لأن بعض الاستثمارات ذات التكنولوجيا العالية قد لا توفر عددا كبيرا من فرص الشغل، لكنها تساهم في رفع الإنتاجية، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

    التكوين المهني لسد فجوة الكفاءات

    بالتوازي مع برامج التشغيل، توسعت منظومة التكوين المهني، إذ تظهر الحصيلة المرحلية للوزارة ارتفاع عدد مؤسسات التكوين من 668 إلى 792 مؤسسة، بينما ارتفع عدد المتدربين من حوالي 291 ألفا إلى أكثر من 526 ألف متدرب، أي بزيادة بلغت 80 في المئة.

    كما دخلت 10 مدن للمهن والكفاءات حيز الخدمة بطاقة استيعابية تصل إلى 34 ألف مقعد بيداغوجي، واستقبلت حوالي 58.872 متدربا، مع تركيز العرض التكويني على القطاعات الأكثر إحداثا لمناصب الشغل، وفي مقدمتها الصناعة، والتدبير والتجارة، والرقمنة والذكاء الاصطناعي.

    وفي السياق نفسه، تم توسيع التكوين بالتدرج المهني، مع برمجة بلوغ 100 ألف مستفيد سنويا، باعتباره أحد المسارات الموجهة لإدماج الشباب غير الحاصلين على شهادات.

    ويقرأ الخبير الاقتصادي المهدي فقير هذه الأرقام باعتبارها امتدادا لنهج يقوم على ربط سياسات التشغيل بمنظومة التكوين، معتبرا أن المكتب الوطني للتكوين المهني وإنعاش الشغل كان سباقا إلى اعتماد هذا التوجه من خلال تكوينات تستجيب لحاجيات سوق الشغل وتوفر قابلية أكبر للإدماج المهني.

    ويرى أن “مدن الكفاءات” تعزز هذا المسار، باعتبارها مؤسسات تقوم فلسفتها على تكوين الموارد البشرية انطلاقا من الاحتياجات الفعلية للمقاولات والقطاعات الاقتصادية.

    ويضيف أن التدرج المهني يشكل اليوم أحد أبرز الخيارات لامتصاص بطالة الشباب، لما يوفره من تكوينات مواكبة للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية، إلى جانب دعمه للتكوين المستمر باعتباره آلية للحفاظ على استقرار مناصب الشغل.

    لكن فقير يشدد على أن فعالية هذه البرامج تظل رهينة باعتماد مقاربة أشمل، تنسق بين منظومة التكوين الأكاديمي والنموذج الاقتصادي، بما يضمن خلق الثروة وتوفير فرص إدماج مهني مستدامة على المديين المتوسط والطويل.

    بين حصيلة البرامج وتحديات السوق

    ورغم هذه الدينامية، ما تزال الحكومة تواجه تحديات مرتبطة باستمرار ارتفاع البطالة، خصوصا في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وتأثير التغيرات المناخية والظرفية الدولية على قدرة الاقتصاد على خلق مناصب الشغل بالوتيرة المطلوبة.

    ويرى محمد جدري بهذا الصدد أن التقدم المحقق لا يخفي حقيقة التحديات الكبيرة التي تستوجب مواصلة الإصلاحات، في مقدمتها استمرار ارتفاع البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وضعف نسبة مشاركة النساء في سوق الشغل، إضافة إلى استمرار هشاشة التشغيل في العالم القروي.

    وشدد جدري على أن الاقتصاد المغربي يحتاج إلى خلق مناصب شغل ذات إنتاجية وأجور أفضل، وتعزيز ملاءمة التكوين مع حاجيات سوق العمل، وتسريع إخراج المشاريع الاستثمارية إلى حيز التنفيذ حتى تتحول الالتزامات المعلنة إلى فرص شغل فعلية ومستدامة، لافتا إلى أن الرهان أمام الحكومة المقبلة ليس فقط خلق مناصب جديدة، بل تحسين جودة التشغيل وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.