التصنيف: ديكريبتاج

  • المغرب يمنع وإسبانيا تستقبل.. من يحسم معادلة إعادة القاصرين من سبتة؟

    المغرب يمنع وإسبانيا تستقبل.. من يحسم معادلة إعادة القاصرين من سبتة؟

    وضعت موجهة الهجرة غير القانونية التي شهدتها سبتة المحتلة أواخر يوليوز الماضي الرباط ومدريد أمام أزمة تتجاوز مراقبة الحدود، سيما بعد أزمة إعادة القاصرين، التي ما تزال توتر الأجواء بين البلدين الجارين.

    ولم تتوقف المطالب المغربية عند تشديد المراقبة، بل تتجه إلى تسريع إجراءات التعرف على المهاجرين، وتحديد من يمكن إعادته، وتوضيح مسؤوليات إسبانيا والاتحاد الأوروبي، خصوصا في ملفات القاصرين غير المصحوبين، وهي النقطة التي تنقل النقاش من المجال السياسي إلى المجال القانوني، لأن إعادة القاصر لا تخضع للشروط نفسها المطبقة على الشخص البالغ.

    القاصرون.. رقم سياسي!

    في 31 مارس 2026، كان في إسبانيا 10.216 مغربيا ضمن فئة “القاصرين غير المصحوبين والشباب الذين غادروا نظام الوصاية”، يمثلون 48 بالمئة من إجمالي هذه الفئة في البلاد، البالغ 21.104 أشخاص، شكل منهم الذكور نسبة 94 بالمئة، مقابل 6 بالمئة للإناث.

    ومن أصل 10.216 شخصا، كان 1539 فقط في سن 16 و17 عاما، أي 15 بالمئة، بينما كان 8677 شخصا، أي 85 بالمئة، شبابا بين 18 و23 عاما سبق أن خضعوا لنظام حماية القاصرين.

    وتكشف هذه الأرقام الإسبانية الرسمية، التي أعلن عنها منتصف يوليوز المنصرم، تحولا في تركيبة هذه الفئة، فقد انخفض عدد المغاربة فيها بنسبة 8.9 بالمئة خلال سنة، وتراجعت حصتهم من 59 بالمئة في مارس 2025 إلى 48 بالمئة في مارس 2026.

    وعلى المدى الأطول، تراجعت حصتهم من 73 بالمئة في مارس 2022 إلى 48 بالمئة قبل أزمة يوليوز الماضي، مقابل ارتفاع وزن جنسيات أخرى، خصوصا غامبيا والجزائر والسنغال.

    أما من حيث الوضع القانوني، فكان 4012 منهم يحملون وثيقة أولية، و3758 انتقلوا إلى وثيقة معدّلة، و957 حصلوا على تجديد أول، و483 على تجديد ثان، بينما توزع 1006 الباقون على أوضاع أخرى. ويعكس هذا التوزيع مسارا إداريا مستمرا بين الحماية في سن القصور والحاجة إلى تثبيت الإقامة بعد بلوغ 18 عاما.

    وعقب أحداث 30 يوليوز الأخيرة، تضاربت الأرقام الحكومية الإسبانية حول عدد القاصرين الذين عبروا الحدود صوب سبتة المحتلة، وتشير التقديرات إلى ما بين 1800 و2500 قاصر ما يزالون في الثغر المحتل.

    معطيات جديدة تقفز إلى 2500 قاصر

    تواصل إسبانيا رفع أرقام القاصرين الوافدين إلى سبتة المحتلة خلال موجة العبور الجماعي في 30 يوليوز الماضي، بعدما أعلنت وزيرة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة الإسبانية، إلما سايز، أن السلطات تمكنت إلى حدود اليوم الأحد 23 غشت 2026، من تحديد هوية 2500 قاصر ممن وصلوا إلى المدينة خلال الأزمة.

    وتكشف هذه الحصيلة عن فارق كبير مقارنة بالأرقام التي قدمتها السلطات الإسبانية في الأيام الأولى للأزمة، بعدما ظلت المعطيات الرسمية ترتفع تدريجيا مع تقدم عمليات تحديد الهوية، في وقت تواجه فيه السلطات صعوبة في ضبط الأعداد بسبب انتشار الوافدين في الشوارع وتغير أماكن وجودهم.

    وقالت سايز، في مقابلة مع صحيفة “إل باييس”، إن وزارة الداخلية تمكنت من إنجاز ملفات 2500 قاصر، موضحة أن العملية ليست آلية أو سريعة، بل تتطلب موظفين مؤهلين يتابعون مع كل حالة المعطيات المرتبطة بمسار حياة الشخص وظروفه.

    ويبرز حجم التغير في الأرقام عند مقارنتها بالمعطيات التي قدمتها السلطات الإسبانية منذ بداية الأزمة، ففي 5 غشت، تحدث مندوب الحكومة الإسبانية في سبتة، ميغيل أنخيل بيريز تريانو، عن وجود نحو 2500 مهاجر في المدينة بأكملها، من بينهم حوالي 500 قاصر.

    وبعد يومين فقط، رفعت وزيرة الشباب والطفولة، سيرا ريغو، تقديرات عدد القاصرين غير النظاميين الموجودين في سبتة إلى 1342 قاصرا، مشيرة إلى وصول عدد أكبر من الفتيات غير المصحوبات، إضافة إلى أطفال ذكور في سن صغيرة مقارنة بموجة الهجرة التي شهدتها المدينة في ماي 2021.

    وفي 10 غشت، رفع وزير السياسة الترابية، أنخيل فيكتور توريس، العدد إلى نحو 1400 قاصر، قبل أن تعلن وزارة الداخلية، في 13 غشت، أن عدد القاصرين الذين تم تحديد هوياتهم بلغ 1800.

    وبحلول 18 غشت، ارتفع الرقم إلى 2168 قاصرا، قبل أن يصل، وفق آخر معطيات أعلنتها وزيرة الهجرة، إلى 2500 قاصر.

    المغرب: الحل الأمني ليس جوابا

    في هذا السياق، جاءت تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي اعتبر أن الحل الأمني لا يمكن أن يشكل جوابا مستداما لمشكل الهجرة، ودعا إلى اتفاق نهائي بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي يحدد بصورة واضحة قواعد المنع والقبول والإعادة وتدبير الحدود، بما في ذلك وضع القاصرين غير المصحوبين.

    وتنطلق المطالب المغربية من ملاحظة أن الرباط تعبئ الشرطة والسلطات لتشديد المراقبة ومنع العبور، في حين تستقبل إسبانيا من ينجحون في تجاوز الحدود وتخضعهم لمساطرها الداخلية.

    لذلك، يريد المغرب الانتقال من إدارة ظرفية للأزمة إلى إجراءات محددة وسريعة، تتيح التعرف على الأشخاص المعنيين وتحديد من يمكن إعادته وكيفية تنفيذ العودة.

    وفي قراءتها لهذا المطلب، تعتبر حنان السرغيني، الأستاذة بجامعة القاضي عياض بمراكش والباحثة بالمعهد المغربي لتحليل السياسات وعضو الجمعية المغربية للدراسات والأبحاث في الهجرة، أن العودة السريعة يمكن أن تؤدي وظيفة ردعية إذا كانت واضحة ومنظمة وقابلة للتنفيذ، لكنها تشدد على ضرورة الفصل بين تسريع المسطرة وإلغائها، وتلخص موقفها بالقول: “الإعادة السريعة نعم، الإعادة الفورية بمعنى تجاوز التقييم الفردي لا، لأن السرعة في تنفيذ القانون قد تكون رادعة، أما تجاوز القانون فلا يمكن أن يكون سياسة ردع مستدامة”.

    وترى السرغيني، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أنه يمكن تسريع عودة الشخص البالغ الذي لا يملك حقا قانونيا في البقاء، وهو توجه ينسجم مع السياسة الأوروبية الجديدة الرامية إلى رفع فعالية قرارات العودة، غير أنها ترى أن تطبيق المنطق نفسه آليا على القاصر غير المصحوب يصطدم بضمانات خاصة، في مقدمتها تقييم مصلحته الفضلى وتمكينه من التمثيل والمساعدة خلال المسطرة.

    وتستند في هذه القراءة إلى اللائحة الأوروبية 2024/1348 المرتبطة بجالات طلب الحماية الدولية، التي تمنح القاصرين، سيما غير المصحوبين، ضمانات إجرائية خاصة، كما تربط إمكان نقل القاصر إلى دولة ثالثة بالتأكد مسبقا من استقباله وحصوله على حماية فعلية، لا بمجرد موافقة تلك الدولة على استعادته.

    اتفاق إعادة القاصرين بلا أثر

    على المستوى الثنائي، ترى السرغيني أن المطلب المغربي لا يحتاج إلى اختراع آلية قانونية جديدة من الصفر، وتُحيل في هذا الصدد على الاتفاق المغربي الإسباني الموقع في 6 مارس 2007، والنافذ منذ أكتوبر 2012، بشأن الوقاية من هجرة القاصرين غير المصحوبين وحمايتهم وإعادتهم المتفق عليها.

    وتوضح أن فلسفة الاتفاق لا تقوم على ترحيل القاصر وتسليمه عند الحدود، بل على عودة مساعدة إلى أسرته أو إلى مؤسسة وصاية، مقرونة بالحماية وإعادة الإدماج.

    ويوزع الاتفاق الأدوار بين الطرفين؛ إذ يتولى المغرب المساعدة في تحديد هوية القاصر وأسرته وإثبات جنسيته، بينما تتخذ السلطات الإسبانية قرار العودة في إطار قانونها والتزاماتها الدولية.

    ومن هذا المنطلق، تقرأ الباحثة بالمعهد المغربي لتحليل السياسات المطالب المغربية بتبسيط المساطر باعتبارها مطالبة بتسريع التعاون وتبادل المعلومات والتحقق من الهوية وتحديد الأسرة وجهة الاستقبال، وليس باعتبارها دعوة إلى إلغاء التقييم الفردي السابق لقرار العودة.

    وتضع موضع الخلل في الجانب العملي، قائلة إن “المشكلة ليست بالضرورة في وجود عوائق قانونية أمام العودة، وإنما في طول المسطرة وتعدد المتدخلين وغياب آليات سريعة وفعالة”.

    ووفق هذه القراءة، لا تكفي موافقة المغرب على استقبال القاصر حتى تنفذ إسبانيا الإعادة مباشرة، لأن الموافقة المغربية عنصر أساسي في العملية، لكنها تظل رهينة سلسة إجراءات طويلة من الجانب الإسباني، فالمادة 35 من قانون الأجانب الإسباني تلزم إدارة الدولة، قبل فتح ملف الإعادة، بطلب معلومات عن الوضع العائلي للقاصر، ثم الاستماع إليه والاستناد إلى تقارير أجهزة حماية الطفولة والنيابة العامة، وتحصر الإعادة، وفقا لمصلحته الفضلى، في لمّ شمله بأسرته أو تسليمه إلى أجهزة حماية قادرة على تولي رعايته.

    ويفصل المرسوم 1155/2024 هذه المسطرة في مواده من 167 إلى 170، التي تتحدث عن أن مندوبية الحكومة أو المندوبية الفرعية المختصة تتولى جمع المعلومات وفتح الملف والبت فيه، بعد إشعار القاصر والنيابة العامة والجهة التي تتولى وصايته.

    وتمنح هذه المسطرة القاصر والجهة الوصية مهلة لتقديم الملاحظات والأدلة، قبل عقد جلسة استماع يحضرها ممثلو الحماية والنيابة، ثم إصدار قرار بالإعادة أو البقاء داخل أجل أقصاه ستة أشهر من تاريخ فتح المسطرة.

    ويعزز الاجتهاد القضائي الإسباني هذا القيد؛ إذ أكدت المحكمة العليا الإسبانية في حكمها رقم 86/2024، الصادر في 22 يناير 2024، عدم قانونية إعادة قاصرين مغاربة من سبتة إلى المغرب عقب أحداث غشت 2021، بعدما نفذتها السلطات استنادا إلى الاتفاق الثنائي وحده، من دون فتح ملفات إدارية فردية أو الاستماع إلى المعنيين وإشراك النيابة العامة وتقييم ظروف كل حالة.

    وقررت المحكمة أن الاتفاق المغربي الإسباني لا يشكل بمفرده سندا كافيا للإعادة، وأن موافقة المغرب لا تعفي الإدارة الإسبانية من التقيد بقانونها الداخلي وضماناته، معتبرة إعادة عدد كبير من القاصرين من دون مسطرة فردية طردا جماعيا محظورا.

    وتبرز هذه المفارقة تناقضا بين الموقفين المغربي والإسباني، فمن زاوية الرباط، يؤدي استقبال من ينجح في عبور الحدود إلى إضعاف أثر المنع والردع وتشجيع محاولات جديدة، لكن من زاوية مدريد، يترتب على وصول القاصر إلى الأراضي الإسبانية التزام قانوني بفحص وضعه وتوفير الحماية له قبل اتخاذ أي قرار بإعادته.

    إجراءات بسرعتين

    ويستغرب المغرب عدم استجابة إسبانيا لموقف المفوضية الأوروبية الأخير، الذي يدعم إعادة القاصرين إلى المغرب.

    وأكدت المفوضية الأوروبية، الثلاثاء الماضي، أن جميع الأشخاص المقيمين بشكل غير قانوني في مدينة سبتة سيعادون إلى بلدانهم، عقب التدفق الكبير للمهاجرين الذي شهدته المدينة في أواخر يوليوز.

    وأوضح المتحدث باسم المفوضية الأوروبية، ماركوس لامرت، أن “الأولوية الآن لدى السلطات الإسبانية والمغربية هي الإبقاء على السيطرة على الوضع وضمان إعادة سريعة لجميع من يقيمون بشكل غير قانوني في سبتة”.

    وشدد لامرت على أن عمليات الإعادة مشمولة بقانون الاتحاد الأوروبي، مضيفا أنها تنظم بموجب “توجيه العودة” ثم “لائحة العودة الخاصة بالاتحاد الأوروبي”، مشيرا إلى أن هناك أيضا أحكاما خاصة بإعادة المهاجرين المقيمين بشكل غير قانوني في الأراضي، بمن فيهم القاصرين غير المصحوبين.

    ولا تعتبر الأستاذة الجامعية حنان السرغيني أن الاتجاه الأوروبي الجديد يقف ضد المغرب، فهي ترى وجود تقاطع بين الأطراف الثلاثة، فالمغرب يريد تبسيط إجراءات الإعادة، وإسبانيا تريد تخفيف الضغط عن سبتة، والاتحاد الأوروبي يريد رفع فعالية نظام العودة.

    لكنها تشير إلى أن هذا التقاطع يتوقف عند شروط التنفيذ بالنسبة إلى القاصرين، لأن القواعد الرئيسية لميثاق الهجرة واللجوء، المطبقة منذ 12 يونيو 2026، استثنت القاصرين غير المصحوبين، كقاعدة عامة، من مسطرة الحدود المعجلة إلا في حالات مرتبطة بتهديد أمني.

    وتجعل المادتان 22 و23 من اللائحة الأوروبية 2024/1348 المصلحة الفضلى للطفل اعتبارا أساسيا، وتفرضان تمثيل القاصر غير المصحوب ومساعدته خلال المسطرة. وحتى عند تطبيق مفهوم الدولة الثالثة الآمنة، يشترط القانون ألا تتعارض العودة مع مصلحة القاصر، وأن تحصل الدولة الأوروبية مسبقا على ضمان بتكفل الدولة المستقبلة به وتمكينه من حماية فعالة.

    وتشدد عضو الجمعية المغربية للدراسات والأبحاث في الهجرة على أن المطالب المغربية يمكن أن تجد تجاوبا سياسيا داخل إسبانيا، لكن تنفيذها سيظل محكوما بضمانات قانونية لا تستطيع مدريد تجاوزها، حيث إن المساحة المتاحة للتفاوض توجد، وفق تحليلها، في تقليص آجال التحقق وتنسيق عمل المؤسسات وتحديد جهات الاستقبال، لا في تنفيذ إعادة فورية تسبق فحص حالة القاصر.

  • الاعتداء على صحفي إسباني بسبب مظهره “المغربي”.. تقرير يكشف الكراهية والتمييز ومأساة المهاجرين بسبتة

    الاعتداء على صحفي إسباني بسبب مظهره “المغربي”.. تقرير يكشف الكراهية والتمييز ومأساة المهاجرين بسبتة

    رصد المجلس المدني لمناهضة جميع أشكال التمييز استمرار وضع متباين في مدينة سبتة، خلال الفترة الممتدة من ظهر 17 غشت الجاري إلى مساء 21 من الشهر ذاته (أول أمس الجمعة)، إذ تزامن نقل مئات المهاجرين غير النظاميين من أماكن الإقامة الهشة مع تصاعد خطابات الكراهية والوصم، وظهور ممارسات أثارت مخاوف مرتبطة بالتمييز والحق في الخصوصية.

    وأفاد المجلس، في “نقطة اليقظة رقم 9” الصادرة عن معهد بروميثيوس للديمقراطية وحقوق الإنسان، بأن السلطات الإسبانية شرعت في اتخاذ تدابير لإخراج عدد من الأشخاص من الظروف الصعبة التي كانوا يعيشون فيها في شاطئ “ترامبولين”، غير أن المناخ العام ظل مشحونا بخطابات معادية للهجرة، إلى جانب تسجيل وقائع مرتبطة باستهداف أشخاص بناء على مظهرهم أو أصلهم المفترض.

    تصاعد الخطاب المعادي للهجرة

    ووفق التقرير، أظهر رصد منصات التواصل الاجتماعي انتشارا متزايدا لمضامين تقدم المهاجرين باعتبارهم مصدر تهديد للمجتمع المستقبِل، مشيرا إلى أن من بين العبارات المتداولة جملة منسوبة إلى المستشار السياسي الأمريكي ستيفن ميلر، مفادها أنه “إذا استوردت العالم الثالث، فإنك تتحول إلى العالم الثالث”.

    واعتبر المجلس أن تداول هذه العبارة في سياق أحداث سبتة يتجاوز انتقاد السياسات العمومية المتعلقة بالهجرة، إذ يربط وجود أشخاص قادمين من دول مصنفة ضمن “العالم الثالث” بتدهور المجتمع المستقبِل.

    وحذر التقرير من أن هذا النوع من الخطاب يرسخ تقابلا بين “نحن” التي يجري تقديمها باعتبارها متقدمة وشرعية، و”هم” التي تُصوَّر على أنها مصدر للتراجع، بما يساهم في تجريد المهاجرين من إنسانيتهم وتحويل وجودهم إلى تهديد مفترض.

    ونبه أيضا إلى خطورة تطبيع هذا الخطاب، خصوصا عندما تعيد نشره أو تضخمه حسابات تحظى بمتابعة واسعة، لما لذلك من أثر في إضفاء المشروعية على المضامين التمييزية وتعميق التوتر بين السكان.

    الاعتداء على صحفي بسبب مظهره “المغربي”

    وتوقف التقرير عند واقعة الاعتداء على صحفي يعمل في منبر “إل بويبلو دي سبتة”، الإثنين الماضي، أثناء تغطيته احتجاجا تزامن مع زيارة وزيرة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة الإسبانية، إلما سايز.

    ونقلا عن معطيات نشرتها وسائل إعلام، قال المجلس إن أحد المشاركين في الاحتجاج ظن أن الصحفي مهاجرا مغربيا، وطالبه بـ”العودة إلى بلده”، قبل أن يوجه إليه ضربة أدت إلى سقوط معداته.

    واعتبر التقرير أن استهداف الصحفي، رغم وجود مهنيين آخرين في المكان، يبرز كيف يمكن للمظهر الجسدي أو الأصل والدين المفترضين أن تؤدي إلى تصنيف شخص باعتباره مهاجرا، بصرف النظر عن جنسيته أو وضعه الحقيقي أو انتمائه إلى المجتمع المحلي.

    مهاجرون ممنوعون من دخول المتاجر

    ورصد المجلس، يومي 20 و21 غشت، وقوف أشخاص من أصول مغربية ممن عبروا إلى سبتة في طوابير طويلة أمام عدد من المتاجر، مع فرض قيود على دخولهم لشراء المواد الغذائية.

    ودعا إلى التمييز بين الإجراءات العامة لتنظيم تدفق الزبائن، التي قد تستند إلى اعتبارات موضوعية مرتبطة بالأمن أو الاكتظاظ، وبين الممارسات التي تحد من دخول الأشخاص بسبب أصلهم أو جنسيتهم أو وضعهم المفترض في مجال الهجرة.

    وأكد ضرورة مواصلة توثيق هذه الحالات لتحديد طبيعة القيود ومبرراتها، وما إذا كانت تطبق على الجميع أو تستهدف فئات بعينها.

    نقل المهاجرين بلا ضمانات

    وفي الجانب الإنساني، وصف التقرير شروع السلطات، يوم 20 غشت الجاري، في نقل الأشخاص المقيمين بشاطئ “ترامبولين” إلى مرافق استقبال مؤقتة، بأنه تطور إيجابي من حيث المبدأ.

    وتشير المعطيات إلى نقل أكثر من 1200 شخص نحو مواقع من بينها “لوما مارغاريتا” ومنطقة الاستقبال في “لوما كولمينار”، فيما تحدثت مصادر أخرى عن أعداد أكبر تبعا لطريقة احتساب المستفيدين.

    وأكد المجلس المدني الإسباني لمناهضة جميع أشكال التمييز أن النقل ينبغي أن يقترن بضمانات فعلية تشمل الأمن والإيواء والتغذية والرعاية الصحية والوصول إلى المعلومات، إلى جانب توفير حماية خاصة للنساء والأطفال والقاصرين غير المصحوبين وغيرهم من الأشخاص في أوضاع هشة.

    ولاحظ التقرير أن عودة بعض الأشخاص إلى الشاطئ بعد عمليات النقل، وتنظيمهم احتجاجا في وقت لاحق، تظهر أن تغيير مكان وجودهم لا يشكل بمفرده حلا مستداما.

    وطالب السلطات بنشر بيانات مفصلة ومجهلة الهوية حول أعداد المنقولين، وتوزيعهم حسب الجنس والعمر والجنسية، وأعداد القاصرين غير المصحوبين، والحالات التي تحتاج إلى رعاية طبية، والراغبين في تقديم طلبات اللجوء أو الاستفادة من أشكال أخرى للحماية.

    احتجاجات ضد المهاجرين

    وأثارت إقامة مركز استقبال في “لوما كولمينار” احتجاجات شارك فيها بعض سكان الحي، رافعين شعار “نحن مواطنون من الدرجة الثانية”.

    وقال المجلس إن للسكان الحق في التعبير سلميا عن مخاوفهم المتعلقة بالخدمات العمومية والأمن وظروف العيش، لكنه شدد على أن هذه المخاوف لا ينبغي أن تتحول إلى ترهيب أو تمييز أو تهديد لسلامة الأشخاص المستقبَلين.

    ودعا السلطات إلى تعزيز التدابير الأمنية والوقائية حول مراكز الإيواء، مع إيلاء اهتمام خاص لسلامة النساء والأطفال، وفتح حوار منظم مع سكان الأحياء المعنية للحيلولة دون تحول المخاوف المحلية إلى وصم أو رفض للمهاجرين.

    تساؤلات حول دفن جثامين مجهولة الهوية

    وأثار التقرير تساؤلات بشأن المعايير المعتمدة من طرف السلطات الإسبانية لتحديد ديانة الأشخاص المتوفين خلال محاولات العبور، بعدما بدأت السلطات الإسبانية، في 21 غشت، التحضير لدفن غالبية الجثامين في المقبرة الإسلامية “سيدي امبارك”.

    وأورد المجلس، استنادا إلى مصادر إعلامية، أن 76 جثمانا مجهول الهوية كانت ضمن الجثامين المقرر دفنها، في حين جرى التعرف على ستة فقط من أصل 82 ضحية جرى انتشال جثامينهم.

    ورحب التقرير بالموارد التي عبأتها السلطات الطبية والقضائية للتعرف على الضحايا، بما فيها الاستعانة بأطباء شرعيين وتقنيين من مناطق إسبانية مختلفة، لكنه أشار إلى أن المعلومات المعلنة لا توضح الأسس التي اعتمدت لتحديد ديانة الجثامين مجهولة الهوية.

    وطالب المجلس بتوضيح ما إذا كان تحديد المعتقد الديني يستند إلى نتائج الفحوص الطبية الشرعية، أو الأغراض والعلامات الدينية الموجودة مع الضحايا، أو المعلومات السابقة للوفاة، أو إفادات العائلات والسلطات المغربية والأشخاص الذين يحتمل أن يكونوا على معرفة بالضحايا.

    ودعا التقرير السلطات الإسبانية إلى شرح المنهجية المعتمدة، بصورة عامة ومن دون كشف بيانات شخصية، للتأكد من أن اختيار الشعائر الجنائزية يستند إلى معطيات كافية ويحترم، قدر الإمكان، هوية المتوفين وقناعاتهم وكرامتهم.

    الأحوال الجوية تزيد الطين بلّة

    وفي سياق متصل، حذر المجلس من هشاشة ظروف النساء والأطفال والقاصرين الذين ما زالوا يعيشون في مخيمات عشوائية، خصوصا في منطقتي “برينسيبي” و”سيدي امبارك”.

    وأوضح أن الأمطار الأولى التي شهدتها سبتة أثرت في الأغطية البلاستيكية وبعض الأغراض الشخصية للقاصرين، مشيرا إلى أن هذه الوسائل البدائية لا توفر حماية مناسبة من التقلبات الجوية.

    وطالب بإدراج تطورات الطقس ضمن الأولويات المرتبطة بالتخطيط لمراكز الاستقبال، وتسريع نقل الأشخاص الموجودين في المخيمات المؤقتة إلى مرافق آمنة وملائمة.

    وشدد التقرير على أن تحسين الإيواء لا يكفي وحده لمعالجة الوضع، إذ يتعين أن ترافقه ضمانات تحمي السلامة والكرامة والحياة الخاصة، وتكفل الوصول غير التمييزي إلى المواد الأساسية، إلى جانب التصدي لخطابات الكراهية والممارسات القائمة على الأصل أو المظهر أو الوضع المفترض في مجال الهجرة.

  • المغرب يُطوّق القرصنة الرقمية بقانون جديد يلاحق شبكة الاستغلال غير المشروع

    المغرب يُطوّق القرصنة الرقمية بقانون جديد يلاحق شبكة الاستغلال غير المشروع

    دخل القانون رقم 013.26، القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 2.00 المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، حيز التنفيذ في المغرب، في وقت أصبحت فيه طرق إنتاج المحتوى وتوزيعه واستهلاكه مختلفة بشكل كبير عما كانت عليه عند وضع الإطار القانوني السابق، حيث لم يعد المحتوى يصل إلى الجمهور عبر التلفزيون أو وسائل التوزيع التقليدية فقط، بل أصبح ينتقل أيضا عبر الإنترنت والمنصات الرقمية والتطبيقات والخوادم.

    ويأتي القانون الجديد لتحديث هذا الإطار، من خلال توسيع عدد من المفاهيم المرتبطة بالبث والنقل إلى الجمهور، وإدخال تعريف صريح للقرصنة يشمل الاستغلال غير المرخص للمحتويات المحمية عبر الوسائل الرقمية، إلى جانب تعزيز آليات البحث والمعاينة وإمكانية تدخل القضاء لوقف الاعتداءات على الحقوق المحمية.

    وبذلك، لا يتعلق الأمر بقانون خاص بتقنية معينة مثل “IPTV”، وفق ما تم تداوله مؤخرا، وإنما بإعادة تكييف قواعد حماية حقوق المؤلف والحقوق المجاورة مع واقع رقمي أصبحت فيه إعادة بث القنوات والأفلام والمنافسات الرياضية وغيرها من المحتويات تتم بوسائل أكثر تعقيدا وأوسع انتشارا.

    ومن هنا تبرز أهمية قراءة القانون من زاوية ما الذي تغير فعليا وكيف أعاد المشرع تعريف القرصنة؟ وما الأدوات الجديدة التي وضعها لمواجهة الاستغلال غير المرخص؟ وإلى أي حد أصبحت القواعد القانونية قادرة على مواكبة سوق محتوى تغيرت طريقة إنتاجه وتوزيعه واستهلاكه؟

    من وسيلة البث إلى فعل الاستغلال

    أبرز ما يميز القانون الجديد أنه لا يحاول ملاحقة تقنية محددة، وإنما يعيد صياغة المفاهيم القانونية بما يجعلها قابلة للتطبيق على وسائل مختلفة.

    فمفهوم “البث الإذاعي والتلفزي” أصبح يشمل تبليغ المصنفات والأداءات والتسجيلات إلى الجمهور، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عبر وسائل الإرسال السلكية أو اللاسلكية وبأي وسيلة كانت، بما فيها الأقمار الاصطناعية والشبكات الإلكترونية، كما جرى توسيع مفهوم “النقل إلى الجمهور” ليشمل النقل الرقمي عبر الإنترنت بالصوت أو الصورة.

    لكن التحول الأبرز يتمثل في إدخال تعريف قانوني صريح لـ”القرصنة”، باعتبارها كل استغلال غير مرخص لمصنف أو أداء أو تسجيل صوتي أو سمعي بصري، أيا كانت الوسيلة المستخدمة، بما فيها الوسائل الرقمية وشبكة الإنترنت.

    وهنا لا تكمن أهمية التعديل فقط في إضافة مصطلح جديد، وإنما في الانتقال من حماية كانت مرتبطة بدرجة كبيرة بوسائل الاستغلال التقليدية إلى حماية تركز على فعل استغلال المحتوى نفسه، بصرف النظر عن الأداة التقنية المستخدمة.

    ويعتبر الطيب الهزاز، الخبير في الأمن السيبراني، أن عدم تخصيص القانون لمصطلح “IPTV” بشكل مستقل يمكن اعتباره اختيارا أكثر مرونة، لأن التقنيات المستخدمة في القرصنة تتغير باستمرار، بينما يركز النص على الفعل غير المشروع، أي استغلال أو إعادة نقل المحتوى المحمي دون الترخيص اللازم.

    ويوضح الهزاز أن ربط التجريم بتقنية محددة قد يجعل النص متجاوزا مع ظهور وسائل جديدة، في حين أن توسيع مفاهيم البث والنقل إلى الجمهور يسمح للمنظومة القانونية باستيعاب أشكال مختلفة من القرصنة الرقمية.

    IPTV.. تطبيق عملي لقواعد أوسع

    في هذا الإطار، تبرز خدمات “IPTV” باعتبارها واحدة من أكثر الأمثلة وضوحا على التحول الذي يحاول القانون مواكبته، ففالنص لا يذكرها بالاسم، ولا ينشئ جريمة مستقلة تحمل اسم قرصنة “IPTV”، كما لا يحصر المقتضيات في القنوات التلفزيونية أو المباريات الرياضية، غير أن إعادة بث محتوى محمي عبر تطبيقات أو خوادم دون الحصول على حقوق الاستغلال وإعادة البث يمكن، بحسب طبيعة كل حالة، أن تدخل ضمن الاستغلال غير المرخص والقرصنة والنقل إلى الجمهور.

    وهنا يجب التمييز بين التقنية وطريقة استعمالها؛ فـ”IPTV”  كوسيلة لنقل المحتوى لا يعني في حد ذاته قرصنة، وإنما تطرح المسؤولية القانونية عندما تستعمل التكنولوجيا لإعادة توزيع محتوى محمي خارج شروط الترخيص.

    وبذلك، اختار المشرع صياغة قاعدة أوسع من مجرد تسمية تقنية، بما يسمح لها بمواكبة سوق تتغير أدواتها بسرعة.

    من ملاحقة المحتوى إلى إمكانية وقف النقل

    ولا يتوقف الإصلاح عند تعريف القرصنة، بل يمتد إلى وسائل وقف الاعتداء، إذ تنص المادة 61 بصيغتها الجديدة على إمكانية إصدار المحكمة حكما أو أمرا بمنع أو إيقاف أو إنهاء أي خرق لحق يحميه القانون.

    وفي حالة الخرق عن طريق “النقل إلى الجمهور”، يمكن أن يستهدف الحكم أو الأمر الشخص الذاتي أو الاعتباري الذي تكون لديه، بحكم وظيفته أو اختصاصاته، القدرة على وقف عملية النقل.

    وتكتسي هذه المقتضيات أهمية خاصة في البيئة الرقمية، حيث قد لا يكون الشخص الذي يقف وراء المحتوى غير المرخص هو نفسه الجهة التي تملك القدرة التقنية على إيقاف عملية نقله.

    ويشير الهزاز إلى أن القرصنة الرقمية أصبحت تعتمد، في عدد من الحالات، على منظومات تقنية تضم خوادم وتطبيقات وشبكات لإعادة نقل المحتوى إلى أعداد كبيرة من المستخدمين، لذلك، فإن إمكانية التدخل لوقف عملية النقل تكتسي أهمية خاصة، لأنها تفتح المجال أمام استهداف سلسلة التوزيع غير المشروع، وليس فقط ملاحقة المستخدم النهائي.

    لكن ذلك لا يعني أن القانون أقر حجبا إداريا تلقائيا للمواقع أو الخوادم؛ فالتدخل في هذا المجال يمر عبر القضاء، الذي يمكنه إصدار الأوامر اللازمة وفق الشروط والمساطر القانونية.

    ملاحقة البنية التقنية للقرصنة

    ولمواجهة طبيعة المخالفات الرقمية، عزز القانون أدوات المعاينة والبحث، إذ يتيح للأعوان المؤهلين الولوج إلى المحلات والأماكن ونظم المعلومات ووسائل النقل، والاطلاع على السجلات والمستندات والوثائق وأخذ نسخ منها، والحصول على المعلومات الضرورية للبحث، فضلا عن حجز المعدات والوسائل والأدوات والوثائق المرتبطة بالمخالفات.

    وتحرر بشأن المخالفات محاضر قبل إحالتها على النيابة العامة المختصة، ما يعني أن المواجهة لم تعد موجهة فقط إلى المحتوى الذي يصل إلى الجمهور، وإنما يمكن أن تمتد إلى الأدوات والبنية التقنية التي تسمح بإعادة توزيعه بشكل غير قانوني.

    العقوبة ليست وحدها عنوان الإصلاح

    على المستوى الزجري، يحيل القانون المعدل على منظومة العقوبات المنصوص عليها في المادة 64 من القانون رقم 2.00، مع إدخال مقتضيات جديدة وتوسيع بعض حالات الاستغلال غير المرخص، فضلا عن تجريم عرقلة الأعوان المؤهلين أثناء قيامهم بمهامهم.

    وبالنسبة إلى عدد من الانتهاكات العمدية، يمكن أن تصل العقوبة إلى الحبس من شهرين إلى ستة أشهر وغرامة من 10 آلاف إلى 100 ألف درهم، أو إحدى هاتين العقوبتين، فيما يمكن أن ترتفع في حالة العود إلى الحبس من سنة إلى أربع سنوات وغرامة من 60 ألفا إلى 600 ألف درهم، وفق الحالات والشروط المحددة في القانون.

    قانون يتجاوز القرصنة إلى اقتصاد المحتوى

    سيكون اختزال القانون في خدمات “IPTV” قراءة ناقصة، لأن التعديل يأتي ضمن ورش أوسع لتحديث منظومة حقوق المؤلف والحقوق المجاورة ومواكبة أنماط استهلاك المصنفات عبر المنصات الإلكترونية.

    وسبق لوزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد أن أكد أن الإصلاح بمواكبة التطورات التكنولوجية والتحولات الرقمية والاستحقاقات الرياضية الكبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، بما يجعل حماية حقوق البث واستغلال المحتويات الرياضية جزءا من رهانات أوسع مرتبطة بسوق المحتوى.

    ومن هذه الزاوية، لا يتعامل المشرع مع الإنترنت فقط باعتباره فضاء للمخالفات، وإنما باعتباره سوقا جديدة للمحتوى تحتاج إلى قواعد واضحة للاستغلال والتوزيع والاستفادة الاقتصادية.

    ويخلص الهزاز إلى أن الرهان الحقيقي للقانون الجديد لا يتمثل فقط في العقوبات، وإنما في الانتقال من التعامل مع القرصنة بعد انتشار المحتوى إلى محاولة تعطيل منظومة الاستغلال غير المشروع نفسها.

    ويعتبر الخبير في الأمن السيبراني أن الجمع بين التعريف القانوني الأوسع للقرصنة، وصلاحيات البحث والمعاينة، وإمكانية اللجوء إلى القضاء لوقف النقل، يمكن أن يوفر أساسا أكثر ملاءمة لمواجهة القرصنة الرقمية، شرط أن تواكب هذه المقتضيات آليات تقنية قادرة على الرصد والتحديد السريع لمصادر البث غير المرخص.

  • أسباب رفض تسلم الجثامين ومطالب المغرب لإسبانيا والاتحاد الأوروبي.. وهبي يكشف مستجدات أزمة سبتة

    أسباب رفض تسلم الجثامين ومطالب المغرب لإسبانيا والاتحاد الأوروبي.. وهبي يكشف مستجدات أزمة سبتة

    كشف وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، أن المغرب يرفض تسلم الجثامين المرتبطة بأزمة العبور الجماعي إلى سبتة في 30 و31 يوليوز الماضي، مؤكدا أن النقاش بين الرباط ومدريد لم يصل إلى نتائج حتى الآن، مجدد استعداد الرباط لاستعادة القاصرين المغاربة الموجودين في سبتة.

    وقال وهبي، اليوم السبت في أثناء حلوله ضيفا على قناة “العربية” السعودية، إن موقف المغرب من الجثامين يستند أولا إلى غياب المعطيات التي تسمح بتحديد هوية أصحابها وأصولهم، موضحا: “لم نرفض هكذا بشكل عبثي، بل لأننا لم نتوصل بالملفات الطبية والملفات التعرف على هذه الجثث، فلا يمكن أن تسلم لنا الجثث دون معرفة من هؤلاء الأشخاص”.

    وأضاف أن الرباط سبق أن طالبت بإعادة القاصرين غير المصحوبين الأحياء، غير أن هذا الطلب لم يجد استجابة من الجانب الإسباني، في وقت يجري فيه الحديث عن تسليم الجثامين، مضيفا “طالبنا بالأحياء ورفضوا تسليمهم، ويتكلمون الآن عن الجثث، لكننا لا نفصل بين الأموات والأحياء، نريد إعادتهم كلهم”، متسائلا “لماذا هذا الفصل؟ يرتكون عندهم القاصرين الأحياء ويطلبون أن نقبل الأموات، وهذا منطق غير منطقي”.

    وفي رسالة مباشرة إلى الجانب الإسباني، جدد وزير العدل استعداد المغرب لاستقبال القاصرين قائلا: “ونقول لهم للمرة الأخيرة: نحن مستعدون لقبول القاصرين بل مستعدون لبعث الحافلات لإعادتهم للمغرب، فهل هناك تعبير أوضح من هذا؟”.

     المغرب يرفض تسلم الجثامين.. ما الأسباب؟

    ويرتبط رفض المغرب، وفق وهبي، بمسألة عدم التوصل بعد بالمعطيات التي تسمح بالتأكد من هويات الضحايا وجنسياتهم، مبرزا أن الحديث عن جثامين مجهولة الهوية يجعل من الصعب على السلطات المغربية تحديد عدد المغاربة من بين الضحايا أو التأكد من انتمائهم إلى عائلات مغربية.

    وتابع موضح “إذا كانت الجثامين مجهولة الهوية كيف سنعرف عددهم؟”، مؤكدا أن من سيعرف عددهم هم الإسبان الذي قضوا عندهم، مشددا على أن المغرب “ليس لدينا رقم، ولم تصلنا بعد تصريحات بالوفاة من طرف العائلات، ولم يحل علينا الإسبان تقارير حول هذا الموضوع”، مضيفا “نريد أن نعرف هل هم مغاربة أم من جنوب الصحراء أو من دول عربية أخرى، يجب أن نضبط كل شيء حتى يمكننا تسيير الأمور بشكل جيد”.

    ولا يعتبر المسؤول الحكومي أن القضية مرتبطة بإعلان النوايا، بل بضرورة إنشاء إطار إجرائي واضح بين البلدين، يحدد المسؤوليات والوثائق والخطوات التي تسبق نقل الجثامين، مسترسلا: “ليس التعبير عن النوايا هو المطروح، خلق مساطر محددة ومضبوطة بيننا وبين إسبانيا هي التي ستحل الإشكال”.

    وفي سياق حديث إسبانيا عن صوعوبات تحديد هويات الجثامين، وعدم تعاون المغرب، أكد وزير العدل أنه “منذ سنوات موضوع الحمض النووي مطروح، وعندما يحدثون ملفا صحيا وطبيا، ويحددون الحمض النووي ويبعثون الملفات إلينا، سنقوم نحن آن ذاك بعملية البحث في هؤلاء الأشخاص وصورهم لنتأكد من عائلاتهم أنهم مغاربة، وآن ذاك سنكون مستعدين لاستقبالهم، لأنهم أبناؤنا وينتمون لعائلات مغربية، ولا مانع في استقبالهم”.

    ويرى المتحدث أن المسؤولية عن إثبات هوية الجثامين تقع أولا على الجانب الإسباني باعتباره الجهة التي عاينت الوفيات وتوجد لديها الجثامين والملفات المرتبطة بها، مؤكدا أنه “لا يمكن أن يبعثوا لنا جثثا لا نعرف من هم وما هي أصولهم، ثم يلقون الإثبات علينا، فالإثبات عليهم”.

    لا لتجزئة ملف القاصرين والجثامين

    ويصر عبد اللطيف وهبي على أن المغرب لا يريد التعامل مع الجثامين والقاصرين باعتبارهما ملفين منفصلين، وإنما ضمن أزمة واحدة تتطلب حلا شاملا، وصرح بالقول: “لا يمكننا أن نسمح لأي جثة أن تدخل بدون حل الإشكال ككل، لا ندخل في الجزئيات، يجب أن نتفق ونضع مسطرة وتصورا”، مردفا “ليس كل من نقل جثة إلى الحدود يقول لنا هذا مغربي ونقبل بدخوله، يجب أن تتم الأمور وفق اتفاق مع الإسبان ومسطرة محددة، وفي إطار التزامات كل طرف على حدة”.

    وأضاف: “لا يمكن أن يُزايِد علينا أحد بالكلام، ومستعدون لاستقبال القاصرين، ولكن كيف يفصلون بين الأموات والأحياء؟ إذا كان الموضوع كاملا نحله كاملا بأحياء والأموات”.

    لا اتفاق مع مدريد حتى الآن

    ويكشف هذا الموقف عن استمرار غياب اتفاق عملي بين الرباط ومدريد بشأن تدبير ملف القاصرين والضحايا الذين سقطوا خلال أزمة سبتة، إذ يؤكد وزير العدل أن البلدين لم يتوصلا، حتى الآن، إلى تفاهم يحدد آلية التعامل مع هذه الملفات.

    وقال وهبي صراحة: “لم نصل حتى الآن لأي تفاهم، وأعتقد أنه سيكون في القريب العاجل، لأن إسبانيا والمغرب دولتان صديقتان وستصلان إلى حل في الموضوع”.

    وفي الوقت الذي تشدد فيه السلطات الإسبانية على وجود قيود قانونية وإجراءات قضائية تحكم إعادة القاصرين، يرى المسؤول المغربي أن المطلوب أولا هو وضوح الموقف الإسباني وتطابق الأقوال مع الأفعال، مشيرا إلى أن “كل ما نطلبه من السلطات الإسبانية هو الوضوح، وأن تكون الأفعال كالأقوال، أعطونا القاصرين والملفات الطبية للجثامين ونحن مستعدون لاستقبالهم”.

    وربط وزير العدل الخلاف بغياب سياسة هجرة مشتركة وواضحة بين المغرب وإسبانيا، إذ لا يمكن للمغرب أن يتحمل مسؤولية منع الهجرة في الوقت الذي يرى فيه أن جزءا من المهاجرين يجدون إمكانية للعبور والاستقرار في إسبانيا.

    وأوضح موقف المغرب بالقول: “لا يمكن أن يكون هناك ردع من طرفنا وتنازل عن الردع بحكم قضائي من طرفهم (إسبانيا)، يجب أن نعالج هذا المشكل، ليس كل مرة نعالج هذه الجزئيات والنتائج، يجب أن نعالج المشكل من أصله”، مضيفا “لا يمكن أن نمنع نحن الهجرة وهم يقبلونها، ثم يتهموننا في ما بعد، وهذا خطأ وليس صحيحا في العلاقات بين الدول، ونحن نعتبرهم أصدقاء ويمكن أن نتعاون”.

    واقترح وهبي أن يكون تدبير الهجرة قائما على سياسة مشتركة بين البلدين، قائلا: “لنتفق على سياسة الهجرة بشكل مشترك، إذا أرادوا أن يفتحوا الباب نفتحه نحن كذلك، ولكن إذا أرادوا أن يمنعوا سنمنعه نحن كذلك، ولكن أن نمنعه نحن ويفتحونه هم فهناك إشكال”.

     إسبانيا تتمرد على الاتحاد الأوروبي

    ويمتد الخلاف مع إسبانيا، بحسب وهبي، إلى ما يعتبره تناقضا بين الموقف الأوروبي من إعادة القاصرين وموقف مدريد الذي يستند إلى عوائق قانونية وقضائية.

    وأكد وهبي في هذا السياق أن الاتحاد الأوروبي أصدر قرار بإرجاع القاصرين، غير أنه سجل باستغراب تلكؤ الإسبان في تنفيذه، مفيدا أنه “لا يمكن فصل الملف، أي نعطيكم الجثامين وبعدها سنرى موضوع القاصرين، وعندما يموت بعض من الأحياء ترسل لنا وعلينا استقبالها، أي نحن سنستقبل القاصرين كجثث فقط ولا نقبلهم أحياء، وهذا منطق غير مقبول”.

    وجاءت تصريحات وهبي ردا على انتقادات وجهها رئيس لجنة الحريات المدنية والعضو في البرلمان الأوروبي بشأن إعلان المغرب استعداده لاستعادة القاصرين، مقابل التشكيك في المسافة بين الموقف المعلن والممارسة العملية، وإثارة مخاوف بشأن سلامة هؤلاء القاصرين في حال إعادتهم.

    ورد الوزير بالتشكيك في حياد الموقف الأوروبي، قائلا: “أولا عضو في الاتحاد الأوروبي سيدافع عن الاتحاد الأوروبي ولن يدافع عن عضو في الاتحاد الإفريقي”، مؤكدا أن الملف، في جوهره “يتعلق بالعلاقات المغربية الإسبانية، والاتحاد الأوروبي طرف فيه، ويريدوننا أن نرجع القاصرين وليس لدينا إشكال، فقط لنتفق على المسطرة والملفات”.

    وأشار إلى أن القاصرين الموجودين في إسبانيا لا ينحدرون جميعا من المغرب، بل بينهم أشخاص ينتمون إلى دول عربية أخرى وإلى دول جنوب الصحراء، وهو ما يجعل تحديد الهوية والجنسية والوضعية الأسرية، شرطا أساسيا قبل أي عملية إعادة.

     مدريد تحتبئ وراء الأحكام القضائية

    وانتقد وزير العدل ما يعتبره لجوء الجانب الإسباني إلى الأحكام القضائية لتبرير عدم إعادة القاصرين، داعيا إلى معالجة الملف عبر المؤسسات والاتفاقات بين الدول قائلا: “يقولون إنهم سيسلموننا وفي الأخير لا يسلموننا القاصرين بل الجثث”، متسائلا “لماذا يقدمون الجثث في الحدود ولا يسلمون القاصرين، لماذا لا يأتون بالأحياء؟”.

    واسترسل بالقول: “يبررون ذلك بأن هناك حكما قضائيا ومانعا قانونيا ويدخلون في متاهات الإجراءات، ونحن لا نفهم هل الإسبان يريدون المهاجرين أو لا يريدونهم، لذلك لا يجب أن يختفوا وراء أحكام قضائية، فنحن نتعامل مع دولة صديقة ونتعاون معها، ونريد أن يكون هناك وضوح”.

    واعتبر وهبي أن الاستناد إلى الموانع القانونية لا ينبغي أن يحول دون البحث عن حل سياسي ومؤسساتي متفق عليه، قائلا: “إذا كان لديه مانع قانوني لفتح الأبواب نحن لدينا مانع أخلاقي إذا أردنا الذهاب في هذا المنطق، ولا يمكن أن يكون هناك ازدواجية في الخطاب؛ الاتحاد الأوروبي يقرر إعادة القاصرين وإسبانيا تخالف ذلك”.

    وربط الوزير هذا الخلاف بحكم قضائي إسباني حال دون إعادة من يدخلون البر الإسباني سباحة، متسائلا عن كيفية معالجة الوضع في ظل الموقع الجغرافي للبلدين.

    القاصر لا يقرر مصيره بمفرده

    وفي جانب آخر من تصريحاته، رفض وهبي التعامل مع رغبة القاصر في الهجرة باعتبارها وحدها المحدد لمصيره، معتبرا أن الطفل لا يمتلك الأهلية القانونية لاتخاذ قرارات مصيرية بشأن مستقبله.

    وأبرز المسؤول الحكومي في حديثه أن “الطفل ليس لديه الشخصية القانونية ليقرر في حياته، الدولة والأسرة هما من لهما صلاحية القرار، وجميع هؤلاء الأطفال كانوا أمام الإغراءات، لأن المغرب تعرض لهجمة إلكترونية أغرت كثيرا من الشباب للذهاب إلى إسبانيا”.

    وربط أزمة العبور الأخيرة بما اعتبره حملات رقمية للتأثير في الشباب، مشيرا إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورا في الترويج لفكرة الهجرة إلى إسبانيا، موضحا “”في كأس إفريقيا التي نظمت بالمغرب وصل الهجوم على المملكة 300 ألف تغريدة من أجل إفشال كأس إفريقيا، وقبل أيام من حملة الهجرة الأخيرة قامت الآلاف إن لم أقل مئات الآلاف من التغريدات والصور داخل وسائل التواصل الاجتماعي بإغراء الشباب للذهاب إلى هناك”.

    وحذر عبداللطيف وهبي من أن الصورة التي تقدمها شبكات التواصل الاجتماعي عن الحياة في أوروبا لا تعكس بالضرورة واقع المهاجرين بعد الوصول، مشيرا إلى أن هناك الآن في سبتة “شباب اغتصب ومن مات ومن اختفى ومن يتعرض للاضطهاد يوميا”، متسائلا “هل هذه الأشياء أفضل من المغرب؟”.

    وتابع “أما القاصر أو المراهق عندما يرى وسائل التواصل الاجتماعي وتكون لديه الإغراءات، فطبعا سيريد أن يهاجر من أجل الأفضل في تصوره، لكنه أنه حينما يصل إلى هناك سيجد عالما آخر، لن يجد الفردوس الموعود بل المفقود”.

     كيف أدار المغرب أزمة يوليوز؟

    واستعاد وهبي، في حديثه، ظروف أزمة العبور الجماعي إلى سبتة في 30 يوليوز الفارط، مؤكدا أنه كان حاضرا في شمال المغرب خلال الأحداث، وأن السلطات تعاملت مع الوضع بحذر لتجنب سقوط ضحايا.

    وأبرز الوزير أن السلطات ما تزال تحقق في ما حدث نهاية يوليوز الفارط، كاشفا أنه “كنت هناك في الشمال عندما حدث الأمر، ورأيت الشباب وكثيرا من الأطفال والمراهقين يتجهون إلى سبتة، ولو دخلنا في مواجهة معهم لكنا أمام ضحايا شباب ومراهقين مغاربة كثيرين، لأنهم سيردون على أي محاولة منا، لذلك كنا ندير الأزمة بذكاء ودهاء وببرودة أعصاب ورصانة”.

    وأوضح بخصوص إغلاق الطرق المؤدية إلى الفنيدق أن “الشاب يقول لنا أنا أسافر في المغرب وحقي الدستوري أن أسافر في المغرب، وهناك من قال لنا أريد أن أدخل سبتة لأنها مغربية، فكيف لي أمنعه؟”، مضيفا “عندما وصلوا الحدود منعناهم، وذهبوا عن طريق البحر، لأننا نؤمن كذلك أن الحل الأمني ليس حلا مستداما”.

    وأكد وهبي أن معالجة أزمة الهجرة لا يمكن أن تستمر من خلال التدخلات الأمنية الظرفية، وإنما تتطلب اتفاقا نهائيا بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي حول قواعد واضحة للمنع والقبول وإعادة القاصرين وتدبير الحدود، مشيرا إلى أن المغرب “يعزز المراقبة في الحدودي ويستفر الشرطة والسلطات والأمن، لكنهم (في إسبانيا) يستقبلون كل من استطاع أن يتغلب على الحدود ويقفز ويصل إليهم، وهذا موقف متناقض”.

    وزاد شارحا “هذا الوضع يضع المغرب أمام تساؤلات من مهاجرين من دول جنوب الصحراء حول سبب منعهم من العبور، في الوقت الذي يرون أن إسبانيا مستعدة لاستقبالهم، مضيفا “يسألوننا مادام الإسبان يقبلوننا لماذا أنتم تمنعوننا؟ أنتم ضد إفريقيا؟ في حين نحن نريد الحفاظ على حدودنا ونقوم بدورنا كدولة ونحمي سيادتنا”.

    وشدد وهبي على أن إدارة الأزمة ليست الغاية، لأن “المشكل ليس إدارة الأزمة، بل حل الأزمة، والحل هو قرارات نهائية تحد من هذه الهجرة”، موجها دعوة للأوربيين: “نقول لإسبانيا مستعدون لنجلس ونتخذ قرارات ونضع القوانين، ونقول للاتحاد الأوروبي يوم تقتنعون بأنه يجب وضع حد نهائي لهذه الهجرة تعالوا نجلس ونتفق”.

  • بروكسل تتجه لرفع تمويل المغرب ومدريد تجدد رفض إعادة القاصرين وسبتة تئن تحت الضغط

    بروكسل تتجه لرفع تمويل المغرب ومدريد تجدد رفض إعادة القاصرين وسبتة تئن تحت الضغط

    يتجه الاتحاد الأوروبي إلى زيادة التمويل المخصص للمغرب في مجالات مراقبة الحدود وإدارة الهجرة، بالتزامن مع مساعي بروكسل والرباط لإبرام شراكة استراتيجية وشاملة قبل نهاية العام، في خطوة تعكس تنامي أهمية التعاون في الملف الأمني والهجروي داخل العلاقات بين الجانبين.

    وقال متحدث باسم المفوضية الأوروبية، في تصريحات نقلتها قناة “يورونيوز”، إن المغرب يستفيد بالفعل من دعم مالي أوروبي مخصص لإدارة الهجرة، مشيرا إلى التزام الاتحاد بتقديم 222 مليون يورو خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2024.

    وبحسب المعطيات التي أوردتها “يورونيوز”، فإن المفوضية الأوروبية تتوقع تقديم 190 مليون يورو إضافية للمغرب حتى نهاية دورة الميزانية الحالية في 2027.

    ودخل نحو 72 ألف شخص، وفق الأرقام الإسبانية، إلى سبتة المحتلة بشكل غير نظامي خلال أزمة يوليوز الماضي، بينما أسفرت الأحداث عن عشرات الوفيات، في واحدة من أخطر أزمات الحدود التي شهدها الثغر المحتل.

    ورغم أن الأزمة لم تدفع، وفق مسؤولين أوروبيين، إلى تقديم موعد الشراكة الاستراتيجية، فإنها ساهمت في تعزيز التوجه نحو تخصيص موارد إضافية للأمن والهجرة وإدارة الحدود، بعدما دعا المغرب الاتحاد الأوروبي وإسبانيا إلى نقاش جاد وفعال للاتفاق على حل جذري ونهائي لمشكل الهجرة غير النظامية.

    وأوضحت القناة الأوروبية أن بروكسل تراهن، من خلال الشراكة المرتقبة مع الرباط، على بناء إطار أوسع للتعاون، لا يقتصر على تدبير تدفقات الهجرة، وإنما يشمل أيضا الاستثمار والتنمية والاستقرار الإقليمي.

    وأشارت إلى أن المفوضية الأوروبية تستحضر في هذا السياق النموذج الذي اعتمدته مع مصر سنة 2024، عندما أطلقت حزمة تمويل واستثمار بقيمة 7.4 مليارات يورو، تضمنت دعما للاقتصاد المصري وتعاونا في مجال الهجرة وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

    غير أن مسار المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي والمغرب لم يكن مستقرا خلال السنوات الأخيرة، إذ تأخر التوصل إلى صيغة متقدمة للشراكة، قبل أن تعود الاتصالات إلى الواجهة في يناير 2026، عقب اجتماع بين الجانبين في بروكسل ساهم في إعادة تحريك الملف.

    ولا تبدو الزيادة المرتقبة في التمويل مجرد استجابة ظرفية لأزمة سبتة، بقدر ما تعكس تحولا في طريقة تعاطي الاتحاد الأوروبي مع المغرب باعتباره شريكا رئيسيا في إدارة حدوده الجنوبية، سيما أن الرباط أكدت، عقب أحداث سبتة الأخيرة، أنها ليست حارسا لحدود أحد، وشددت على أن تدبير أمن الحدود لا يقتصر على الجانب المالي فقط.

    غير أن بروكسل تربط بشكل متزايد بين التعاون في مجال الهجرة وبين الدعم المالي والأمني، في وقت أصبح فيه التحكم في طرق العبور نحو الأراضي الأوروبية أحد الملفات الأكثر حساسية في علاقاتها مع دول جنوب المتوسط.

    رفض جديد لفتح باب عودة القاصرين

    رغم المطالب المغربية المتكررة بتسريع إعادة القاصرين المغاربة غير المصحوبين الذين وصلوا إلى سبتة خلال أزمة العبور الجماعي الأخيرة، أغلقت النيابة العامة الإسبانية الباب أمام أي عملية إعادة تلقائية، مؤكدة أن عودة أي قاصر لا يمكن أن تتم إلا بعد دراسة وضعه بشكل فردي، والتحقق من ظروفه الأسرية وضمان عدم تعرضه لانعدام الحماية في بلده الأصلي.

    ويأتي هذا المواقف في وقت جدد فيه وزير العدل عبد اللطيف وهبي، يوم أمس الجمعة، مطالبة مدريد بتسليم القاصرين المغاربة الموجودين في سبتة، بالتوازي مع دعوته إلى فتح حوار بشأن مستقبل سبتة ومليلية.

    وأكدت المدعية العامة المكلفة بالقاصرين، تيريزا غيسبرت، أمس الجمعة في تصريحات صحفية، أن إعادة القاصرين لا يمكن أن تكون “فورية أو مباشرة”، موضحة أن دخول الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء حيز التنفيذ في 12 يونيو 2026 فرض مجموعة من الضمانات والإجراءات التي يتعين احترامها، وتشمل إجراء مقابلة شخصية مع كل قاصر، والاستعانة بمترجم عند الحاجة، ودراسة وضعه الشخصي والأسري، إلى جانب التحقق من ظروف الحماية المتوفرة في بلد المنشأ.

    وبحسب غيسبرت، فإن الإطار القانوني لا ينظر إلى هؤلاء الوافدين باعتبارهم مهاجرين في وضعية غير نظامية، وإنما باعتبارهم قاصرين، وهو ما يجعل مبدأ “المصلحة الفضلى للطفل” أساسا لأي قرار بشأن مستقبلهم، موضحة أنه في حال وجود خلاف بين الإدارة والقاصر حول إعادته، يتعين، وفق النيابة العامة، توفير الضمانات القانونية اللازمة وتعيين مدافع قضائي.

    وتربط النيابة العامة الإسبانية أي عودة محتملة بتوفر شروط محددة في بلد المنشأ، إذ أبرزت غيسبرت أن إعادة القاصر تتطلب معرفة وضعه الأسري والتأكد من أنه لن يجد نفسه في حالة انعدام حماية، وهو ما يستدعي تعاون القنصلية والسلطات في بلده الأصل.

    وتواجه سبتة المحتلة ضغطا كبيرا على منظومة حماية القاصرين، بعدما كانت تضم نحو 800 قاصر تحت الحماية قبل أزمة 30 يوليوز، وهي أعداد كانت تتجاوز قدرتها الاستيعابية.

    ومع وصول أعداد جديدة خلال الأزمة الأخيرة، تحولت مسألة نقل القاصرين إلى شبه الجزيرة لأحد أبرز الملفات المطروحة على السلطات الإسبانية.

    وفي هذا السياق، أعلنت الحكومة الإسبانية عن تخصيص موارد إضافية لنقل مئات القاصرين إلى شبه الجزيرة، بينما تستمر الضغوط السياسية المطالبة بإعادتهم إلى المغرب.

    بدورها، تواجه النيابة العامة الإسبانية ضغطا متزايدا بسبب حجم الملفات، إذ كشفت غيسبرت أن نيابة سبتة تعمل بثمانية مدعين عامين من أصل تسعة، في وقت تضاعفت فيه المهام المرتبطة بتحديد أعمار القاصرين وإجراء المقابلات ودراسة أوضاعهم، إضافة إلى الحاجة إلى مزيد من المترجمين، باعتبار أن المقابلات الفردية تمثل جزءا أساسيا من المسار القانوني للإعادة.

    دفن 18 مهاجرا

    ولم تتوقف تداعيات الأزمة الأخيرة عند التدبير الأمني والحدودي، بل امتدت إلى ملف الضحايا الذين لقوا حتفهم خلال موجة الدخول الجماعي، فبعد ثلاثة أسابيع من الأحداث، دفن أمس الجمعة 18 مهاجرا في المقبرة الإسلامية بالمدينة، فيما تواصل السلطات الإسبانية إجراءات تحديد هويات الضحايا الذين عثر عليهم عقب الأزمة.

    وفق تقارير إسبانية، وضعت أرقام على القبور لتسهيل التعرف على أصحابها مستقبلا في حال تقدم أفراد أسرهم للمطالبة بالرفات، بينما تتواصل عملية تحديد الهوية وسط مطالب من الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بوقف عمليات الدفن إلى حين استكمال إجراءات التعرف على الجثث وإعادتها إلى المغرب.

    الوضع الصحي مقلق

    بينما تحاول السلطات الإسبانية استكمال عمليات تحديد هوية الضحايا، بدأت تداعيات الأزمة تظهر أيضا داخل صفوف الأجهزة الأمنية التي تولت عمليات الاحتواء والاستقبال والنقل، في وقت تئن فيه المدينة تحت وطأت وضع مأساوي يعيشه المهاجرون كل يوم.

    وأعلنت الجمعية الموحدة للحرس المدني الإسباني “AUGC” تسجيل أول حالة جرب بين أفراد الحرس المدني المنتشرين في سبتة منذ 30 يوليوز، مطالبة باتخاذ إجراءات وقائية لتفادي تسجيل إصابات إضافية.

    وحذرت الجمعية من المخاطر الصحية التي يمكن أن يتعرض لها عناصر الأمن خلال عمليات احتواء الوافدين وتحديد هوياتهم واحتجازهم ونقلهم وتقديم الرعاية لهم، مشيرة إلى احتمال التعرض للجرب والطفيليات الخارجية، إضافة إلى أمراض معدية أخرى، من بينها السل والتهاب الكبد والتهاب السحايا وبعض أنواع العدوى البكتيرية.

    وطالبت بإجراء تقييم خاص للمخاطر، وتوفير معدات الحماية الشخصية، وتعزيز عمليات تنظيف وتعقيم المرافق والمركبات، إلى جانب تشديد المراقبة الصحية على أفراد الحرس المدني ووضع بروتوكول للتعامل مع حالات التعرض المحتملة للعدوى.

    وأثارت الجمعية مسألة نقل بعض عناصر الأمن لملابسهم الرسمية إلى منازلهم لغسلها، معتبرة أن هذه الممارسة قد ترفع مستوى المخاطر الصحية على أفراد أسرهم.

    الضغط ينتقل إلى محيط المساكن

    لم ينجح تغيير موقع مخيم إيواء المهاجرين بسبتة في إنهاء التوتر في حي لوما كولمنار، إذ ظل مئات الأشخاص منتشرين في محيط المباني السكنية، بينما تشكلت طوابير طويلة أمام مركز الإيواء الجديد في إمبولساميينتو، وفق ما كشفته تقارير صحفية إسبانية.

    وأكدت المصادر ذاتها أنه في ظل محدودية الطاقة الاستيعابية للمخيم، بقي العشرات أو المئات خارج المنشأة، بعضهم ينام في المناطق المشتركة ومداخل المباني، ما دفع السكان إلى الاحتجاج يومين متتاليين للمطالبة بحل لا ينقل المشكلة من مكان إلى آخر.

    وأشارت إلى أن تشغيل مركز الإيواء لم يبدد الضغط عن الحي، بل نقل جزءا منه إلى الشوارع المحيطة به، فقد اضطرّت الشرطة إلى التدخل لتنظيم طوابير الدخول والسيطرة على حالة الازدحام، فيما سجلت احتكاكات بين المنتظرين بسبب محاولات تجاوز الطابور.

    نفايات ونيران وسط خطر الحرائق

    لا تقتصر تداعيات أزمة الهجرة في سبتة على محيط مراكز الإيواء والأحياء السكنية، بل امتدت إلى المناطق الغابوية، حيث يواصل مئات المهاجرين العيش في ملاجئ عشوائية أقيمت باستخدام البلاستيك والبطانيات والكرتون والأخشاب، في ظل غياب بدائل للإقامة.

    وكشفت صحيفة “سوتا” إثر جولة ميدانية في محيط مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين CETI” انتشار مخلفات الطعام والملابس والأكياس والعبوات بين الأشجار وعلى المسالك وفي محيط أماكن النوم.

    وأكدت أن حدة الوضع تزداد مع تسجيل آثار نيران مشتعلة وسط الغطاء النباتي الجاف، إذ يستخدم المهاجرون النيران للطهي والتدفئة والإنارة، بينما يحذر المشهد من احتمال تحول أي شرارة إلى حريق في ظل ارتفاع درجات الحرارة وجفاف النباتات خلال شهر غشت، وقد اضطر رجال الإطفاء بالفعل إلى التدخل لإخماد حرائق صغيرة في مناطق غابوية خلال الأسابيع الأخيرة.

  • 210 مليارات للتنمية الترابية.. الولاة والعمال يمسكون بمفاتيح الصرف والصفقات والتنفيذ

    210 مليارات للتنمية الترابية.. الولاة والعمال يمسكون بمفاتيح الصرف والصفقات والتنفيذ

    تدخل برامج التنمية الترابية المندمجة مرحلة جديدة في مسار تنزيلها، مع إعادة ترتيب سلسلة القرار المالي على المستوى المحلي، ومنح الولاة والعمال صلاحيات مباشرة في صرف الاعتمادات والتعامل مع الصفقات الممولة من الصندوق المخصص لهذا الورش، في خطوة تضع الإدارة الترابية في قلب التنفيذ المالي، بعدما كانت منذ صيف 2025 في صلب إعداد البرامج وتشخيص حاجيات الأقاليم.

    وبموجب قرارات أصدرها الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، جرى تعيين ولاة وعمال بعدد من العمالات والأقاليم آمرين مساعدين بالصرف في الحساب الخصوصي للخزينة المسمى “صندوق التنمية الترابية المندمجة” مع تفويض صلاحيات مرتبطة بأداء النفقات وتدبير الصفقات والاتفاقيات الممولة من الاعتمادات المفوضة.

    ولا يتعلق الأمر بتفويض إداري محدود، إذ تشمل الصلاحيات إصدار بيانات الدفع والأوامر بالتحصيل المرتبطة بالصفقات، بما فيها الغرامات الناتجة عن التأخر في التنفيذ، وحجز الضمان المؤقت أو النهائي والاقتطاع الضامن، إلى جانب استرجاع المدفوعات الزائدة المرتبطة بالنفقات المنفذة في إطار الاعتمادات المفوضة.

    كما حدد القرار بنود الحساب التي يمكن لكل آمر مساعد بالصرف تنفيذ النفقات في إطارها، على أن يستمر العمل بهذه الترتيبات إلى غاية 31 دجنبر 2026.

    وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من السياق الذي تأتي فيه، فالمغرب يستعد لتنزيل ورش تقدر كلفته الأولية بنحو 210 مليارات درهم خلال ثماني سنوات، بعد أشهر من التشخيص والمشاورات على مستوى مختلف العمالات والأقاليم.

    ولم تعد المسألة تبعا لذلك، مرتبطة فقط بتحديد المشاريع التي تحتاجها المجالات الترابية، بل بالانتقال إلى بناء الآليات المالية والإدارية القادرة على تحويل تلك الأولويات إلى صفقات وأوراش قابلة للتنفيذ.

    من التشخيص المحلي إلى القرار المالي

    انطلقت عملية إعداد الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة في غشت 2025، عقب التوجيهات الملكية السامية الواردة في خطاب العرش بتاريخ 29 يوليوز من السنة نفسها.

    ووجه وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت في 15 غشت 2025، الولاة والعمال إلى إطلاق مشاورات مع مختلف الفاعلين على المستوى المحلي، على أساس تحديد الأولويات انطلاقا من الحاجيات الفعلية لكل مجال، بدل بناء البرامج انطلاقا من مقاربة قطاعية موحدة.

    وحددت هذه المقاربة منذ البداية أربعة مجالات مركزية تتمثل أساسا في دعم التشغيل من خلال استثمار المؤهلات الاقتصادية المحلية، وتقوية الخدمات الاجتماعية الأساسية، سيما التعليم والصحة، والتدبير الاستباقي والمستدام للموارد المائية، ثم التأهيل الترابي المندمج.

    وتؤكد الوثائق الرسمية المرتبطة بقانون المالية لسنة 2026 أن المقاربة الجديدة تسعى إلى الجمع بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبشرية داخل برنامج واحد مرتبط بخصوصيات كل مجال ترابي.

    لكن التحول الأبرز ظهر في أبريل الماضي، عندما قدم وزير الداخلية أمام جلالة الملك محمد السادس، خلال المجلس الوزاري المنعقد في 9 أبريل 2026، الخطوط العريضة لحكامة هذه البرامج.

    وكشفت المعطيات الرسمية حينها أن إعداد البرامج سبقته عمليات إنصات وتشخيص ترابي على مستوى مختلف عمالات وأقاليم المملكة، شملت تحليل المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية وتحديد مكامن القوة والضعف في التشغيل والتعليم والصحة والماء والتأهيل الترابي.

    ومن هذه المرحلة، خرج الرقم الأكبر المرتبط بالورش بنحو 210 مليارات درهم كغلاف مالي إجمالي تقديري لتنفيذ البرامج خلال ثماني سنوات، أعلن عنه خلال المجلس الوزاري.

    صندوق جديد و20 مليار درهم بين الأداء والالتزام

    شكّل قانون المالية لسنة 2026 الأساس المالي للمرحلة الجديدة، من خلال تحويل “صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية” إلى “صندوق التنمية الترابية المندمجة”، بما يعكس انتقالا من منطق يستهدف أساسا العالم القروي والمناطق الجبلية إلى تصور أوسع للتدخل الترابي.

    وبرسم سنة 2026، رُصد للصندوق 5 مليارات درهم كاعتمادات للأداء، إلى جانب ترخيص بالالتزام المسبق بـ15 مليار درهم من اعتمادات سنة 2027، أي أن مبلغ 20 مليار درهم المتداول يجمع بين اعتمادات الأداء المتاحة خلال 2026 والتزامات مسبقة على السنة الموالية، وليس اعتمادات أداء بقيمة 20 مليار درهم متاحة للصرف خلال السنة الحالية.

    وترك قانون المالية تحديد الآمر بقبض موارد الصندوق وصرف نفقاته للنصوص التنظيمية الجاري بها العمل.

    وفي 3 غشت الجاري، حُسم هذا الجانب بمرسوم لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، جرى بموجبه تعيين الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع، بصفة انتقالية، آمرا بالصرف في الصندوق.

    وبعد يومين فقط، بدأت ترجمة هذا الاختيار على المستوى الترابي، من خلال القرارات التي جعلت الولاة والعمال آمرين مساعدين بالصرف، ووسعت دائرة المسؤولين المخول لهم التدخل في تنفيذ الاعتمادات.

    الولاة والعمال لا يختارون المشاريع فقط

    تتجلى أهمية القرارات الجديدة في أنها تستكمل هندسة حكامة سبق الإعلان عنها رسميا في أبريل الفارط، وليس في طبيعة الاختصاصات المالية المفوضة.

    ويقسم التصور المعتمد قيادة البرامج إلى ثلاثة مستويات مترابطة، إذ تُحدث على المستوى المحلي لجنة برئاسة عامل العمالة أو الإقليم تضم المنتخبين وممثلي المصالح اللاممركزة للدولة، وتتولى صياغة البرنامج وتتبع تنفيذ المشاريع والتشاور مع الساكنة المستهدفة.

    وعلى المستوى الجهوي، يرأس والي الجهة لجنة تتولى تجميع برامج مختلف العمالات والأقاليم وضمان الانسجام بينها.

    أما على المستوى الوطني، فتُحدث لجنة يرأسها رئيس الحكومة وتضم القطاعات الوزارية المعنية، وتتولى المصادقة على البرامج وضمان طابعها المندمج والتشاوري، مع اعتماد مؤشرات لتتبع المشاريع وقياس آثارها.

    ويصبح بذلك العامل، في الهندسة الجديدة، موجودا في أكثر من حلقة؛ إذ يترأس عملية صياغة البرنامج وتتبع تنفيذه محليا، وأصبح بموجب قرارات الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ضمن المسؤولين المخول لهم تدبير الاعتمادات المفوضة لتنفيذ النفقات.

    هذا التحول يمنح المستوى الترابي قدرة أكبر على الانتقال من تشخيص الحاجة إلى تنفيذ المشروع، لكنه يرفع في المقابل مستوى المسؤولية المرتبطة بالآجال والكلفة وجودة الإنجاز.

    صلاحية التوقيع والفسخ

    وفوض قرار آخر لوزير الميزانية فوزي لقجع، يحمل رقم 1768.26 وصدر بدوره بتاريخ 5 غشت الجاري في الجريدة الرسمية، للولاة والعمال المعنيين صلاحية الإمضاء والمصادقة على صفقات الأشغال والتوريدات والخدمات والاتفاقيات المبرمة في إطار الاعتمادات المفوضة من صندوق التنمية الترابية المندمجة، فضلا عن إمكانية فسخها، على أن يستمر العمل بالقرار إلى غاية نهاية دجنبر 2026.

    وهذا التفويض مهم عمليا لأن تنفيذ البرامج الترابية لا ينتهي عند توفير الاعتماد المالي، فبين رصد الأموال وظهور المشروع على الأرض تمر سلسلة من المساطر، تبدأ بالبرمجة والالتزام بالنفقة، وتمر بإبرام الصفقة وتنفيذها ومراقبة الآجال، وتنتهي بالأداء أو، عند الاقتضاء، تطبيق الغرامات أو فسخ العقد.

    وتشير المعطيات كذلك إلى توسيع التفويض ليشمل مسؤولين محليين وجهويين في قطاعات وزارية مختلفة، من بينها التجهيز والصحة والفلاحة والتعمير والتعليم، باعتبارهم نوابا عن الآمرين المساعدين بالصرف أو مسؤولين مخولا لهم الإمضاء في نطاق الاختصاصات المفوضة.

    أما القرارات المتعلقة بالولاة والعمال فتستثني بعض العمالات من الجداول المنشورة، ومن بينها الرباط وبعض عمالات مقاطعات الدار البيضاء وطنجة-أصيلة.

    لماذا وُضع المستوى الترابي في قلب المنظومة؟

    وتعكس طبيعة الفلسفة التي بُني عليها الجيل الجديد من البرامج الهندسة الجديدة، فالمنطلق المعلن رسميا هو أن الحاجيات التنموية لا تتطابق بالضرورة بين إقليم وآخر، لأن منطقة تعاني نقصا في الماء ليست في الوضع نفسه الذي تعيشه منطقة يتوفر فيها الماء، لكن تعاني بطالة مرتفعة، كما أن إقليما يحتاج إلى تحسين الولوج إلى المستشفى أو المدرسة قد تختلف أولوياته عن مجال يملك بنية اجتماعية أفضل لكنه يفتقر إلى الطرق أو النشاط الاقتصادي.

    لذلك تقوم المقاربة على التشخيص على مستوى العمالة أو الإقليم، قبل تجميع المشاريع على المستوى الجهوي وربطها بالتنسيق والتمويل على المستوى المركزي.

    ويهدف هذا البناء، بحسب التصور الرسمي، إلى الانتقال من البرامج القطاعية المتفرقة إلى تدخل مندمج تكون فيه الأولوية للأثر المحقق داخل المجال الترابي.

    وهذا ما يفسر أيضا الثقل الذي مُنح للولاة والعمال، بما فيه الإدارة الترابية التي يفترض أن تكون نقطة التقاء المصالح اللاممركزة للوزارات والجماعات الترابية والفاعلين المحليين، قبل رفع البرامج إلى المستوى الجهوي ثم الوطني.

    وويجعل حجم التمويل المتوقع برامج التنمية الترابية المندمجة من بين أكبر الأوراش العمومية متعددة السنوات المبرمجة حاليا في المغرب، لكن الوثائق الرسمية نفسها تجعل التقييم جزءا من هندسة البرنامج، إذ أقر المجلس الوزاري في أبريل اعتماد مؤشرات للتتبع والتقييم لقياس أثر المشاريع، وربط الحكامة المحلية والجهوية بالقيادة الوطنية.

    في هذا الإطار، يرى الخبير في المالية العمومية والحكامة الترابية، سعيد القرنفلي، أن أهمية هذا التوجه تكمن في أنه يمنح التنمية الترابية مضمونا تنفيذيا، بعدما ظلت لسنوات مرتبطة أساسا بمنطق التخطيط والبرمجة.

    وأوضح الخبير في تصريحه لـ “AM+MEDIA”، أنه عندما تتقارب سلطة التنسيق مع القدرة على تحريك الاعتمادات وتنفيذ المشاريع، يصبح بالإمكان بناء تدخل عمومي أكثر تماسكا وأسرع في تحويل القرار إلى أثر داخل المجال.

    وأضاف القرنفلي: “نحن أمام تطور مهم في مفهوم اللامركزية واللاتمركز الإداري، لأن الدولة لا تنقل فقط مهام التنفيذ إلى التراب، بل تعزز قدرته على قيادة الاستثمار العمومي انطلاقا من المجال نفسه”.

    وهذا مهم وفق الخبير ذاته، لأن القيمة المضافة للوالي أو العامل لا تكمن فقط في قربه الجغرافي وإنما في امتلاكه رؤية أفقية للمجال، سيما وأن الوزارة تنظر عادة إلى قطاعها، بينما المسؤول الترابي يرى الصحة والتعليم والماء والاستثمار والتشغيل باعتبارها مكونات لمنظومة واحدة.

    وشدد المتحدث على أن الأهم اليوم أن هذه المقاربة يمكن أن تجعل الاستثمار العمومي أكثر قدرة على خلق التكامل بين المشاريع، موضحا أن “الطريق مثلا، لا تُقرأ فقط باعتبارها بنية تحتية وإنما من خلال قدرتها على فك العزلة عن السكان، وتقريب المدرسة والمستشفى، وربط مناطق الإنتاج بالأسواق وتحسين جاذبية المجال للاستثمار”، مردفا “وهنا تنتقل التنمية من تجميع مشاريع متفرقة إلى بناء سلسلة مترابطة من الأثر الاقتصادي والاجتماعي”.

    وأبرز القرنفلي أن هذا التحول يعطي للمجال الترابي مكانة مختلفة داخل السياسة العمومية إذ لم يعد مجرد نقطة وصول للميزانية المركزية، بل يصبح فضاء، في تقديره، تُبنى داخله الأولويات وتلتقي فيه السياسات العمومية وتُقاس نتائجها لتصبح إحدى أهم الإضافات التي يحملها الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة.

    وبهذه الهندسة، تدخل التنمية الترابية مرحلة يصبح فيها الرهان على التنفيذ بقدر الرهان على التمويل، بعد ارتباط معالجة الفوارق المجالية لسنوات بتعدد البرامج والمتدخلين ومحدودية الأثر.

  • الإعلام الإسباني يسقط في فخ التضليل وانتقائية شهادات قاصرين لمهاجمة المغرب

    الإعلام الإسباني يسقط في فخ التضليل وانتقائية شهادات قاصرين لمهاجمة المغرب

    تحولت أزمة العبور الجماعي من المغرب في 30 يوليوز الماضي إلى ساحة تنازع إعلامي داخل إسبانيا، بين روايات متضاربة وقصص إنسانية سريعة حول شباب وأطفال يقولون إنهم يريدون الدراسة والعمل ولا يرغبون في الرجوع إلى عائلاتهم.

    انزياح مهني عن الحقيقة

    في 19 غشت الجاري، نشرت “إل باييس” الإسبانية شريطا قصيرا عن وفاء عتيد، وعرّفها منذ البداية بأنها مغربية في الثامنة والعشرين دخلت سبتة سباحة.

    ركزت الصحيفة على روايتها بشأن الخلاف مع أسرتها، ورفضها ارتداء الحجاب، وشعورها بأن النساء في المغرب في مرتبة أدنى من الرجال.

    غير أن المعالجة المهنية غابت عن “إل باييس”، لأنها قدّمت قصة فردية عالية التأثير، مبنية أساسا على قول صاحبتها، من دون أن تضع أمام القارئ في اللحظة نفسها سجلها السابق الذي يغيّر صورة المرأة “المكبلة” إلى امرأة غادرت بيت أسرتها منذ سنوات، وعملت وسافرت، ثم تعذر عليها تثبيت إقامة قانونية خارج المغرب.

    بعد تصاعد الانتقادات، نشرت “إل باييس” في 21 غشت الجاري تقريرا أطول قالت في إن عتيد ليست مهاجرة باحثة عن ظروف اقتصادية مواتية، ونقلت عنها: “لست فقيرة”، وذكرت أنها عملت في الاستقبال وأقامت في الإمارات وسافرت إلى دول في الشرق الأوسط وإفريقيا، لكنها جاءت بعد أن انتشرت النسخة المختصرة المضللة والأكثر عاطفية من القصة.

    وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورا لعتيد وهي في قطر في دجنبر 2025، لمساندة المنتخب المغربي بملعب لوسيل حيث أجرب نهائي كأس العرب بين المغرب والأردن، وهو تناقض صارخ مع أي ادعاء مطلق بأنها لم تكن قادرة على السفر أو العمل.

    وانتقلت بعض المنابر الإسبانية إلى إصدار أحكام حاهزة، على غرار “إل ديباتي” التي أكدت أن وسائل الإعلام جعلت عتيد “لاجئة”، كما استخدمت مواقع أخرى تعبير “القادمة من الفقر”، مع أن متابعة “إل باييس” نقلت عنها العكس.

    من شهادات فردية إلى فخ التعميم

    وركزت الصحافة الإسبانية أيضا على القاصرين المغاربة غير المصحوبين، ففي 5 غشت الجاري، نشرت “إل فارو دي سوتا” شهادة يوسف، وهو فتى قال إن عمره 17 عاما وإن والدته مريضة ولا تملك الأسرة مالا لعلاجها، وأضاف أنه يريد العمل في إسبانيا ويفضل شوارع سبتة على العودة.

    وفي 14 شغت، نقلت “إل باييس” عن سراج، وسنه لا يتجاوز 16 عاما، أنه يريد البقاء لدراسة التكنولوجيا، وأنه سيحاول متابعة الدراسة في المغرب والعودة قانونيا إذا رُحّل. كما حرصت “إل إسبانيول” على وضع عبارة “لن نعود إلى المغرب” في عنوان “شامل” لآلاف القصارين، رغم أن المقال لم يتضم لا عدد ولا أوضاع هؤلاء القاصرين.

    وفي 20 و21 غشت، كررت “كادينا سير” و”20 مينوتوس” تصريح المدعية المنسقة لشؤون القاصرين، تيريسا خيسبرت، بأن القاصرين الذين كانت تُجرى معهم مقابلات لا يريدون العودة بل الانتقال إلى شبه الجزيرة، وأن آباء اتصلوا مرحبين بإيواء أبنائهم في نظام الحماية الإسباني.

    عودة أكثر من 95% تكذب الرواية الإسبانية

    تبدو الرواية التي قدمت المشاركين في أحداث 30 يوليوز باعتبارهم كتلة بشرية قطعت صلتها بالمغرب ورفضت العودة إليه رواية مهترئة أمام الأرقام الإسبانية نفسها.

    فقد أعلن وزير الداخلية الإسباني أن نحو 72 ألف شخص دخلوا سبتة خلال تلك الأحداث، بينما غادرها نحو 70 ألفا وعادوا باتجاه المغرب، أي ما يعادل أكثر من 97 في المئة من مجموع الوافدين. وهي نسبة لا تسمح بتقديم الواقعة باعتبارها هجرة جماعية نهائية لشباب يرفضون بلدهم، بل تؤكد أن الأغلبية الساحقة تراجعت وعادت خلال فترة قصيرة.

    هذه النسبة الصادرة عن السلطات الإسبانية، لا عن جهة مغربية. تؤكد أنه لم يبق في سبتة سوى جزء محدود من المشاركين، بينما عاد معظمهم طوعا، وهو معطى يناقض الصورة التي روجتها بعض المنابر الإسبانية عن عشرات الآلاف من المغاربة المصممين على عدم العودة، ويكشف أن حالات فردية جرى تضخيمها وتحويلها إلى موقف جماعي لا تدعمه الوقائع.

    وسقطت الصحافة الإسبانية في التعميم الإعلامي الذي اختزل الواقعة في عبارة “مغاربة يفرون من الفقر ويرفضون العودة”، متناسية نتائج التحقيقات الإسبانية، والتي أظهرت أن نسبة كبيرة من المشاركين في أحداث 30 و31 يوليوز الفارط تحركت تحت تأثير دعوات رقمية وصور مضللة واعتقاد بأن الطريق نحو أوروبا أصبح مفتوحا، ثم عادت عندما اصطدمت بحقيقة الحصار داخل سبتة واستحالة العبور نحو شبه الجزيرة الإيبيرية.

    من وعود العبور إلى العراء

    وجد المهاجرون غير النظاميون الذين ظلوا في سبتة أنفسهم أمام وضع إنساني مأساوي، فآلاف الأشخاص ناموا في الشوارع وعلى الشواطئ وفوق قطع الكرتون، بينما أقام آخرون ملاجئ بدائية وسط غياب الغذاء الكافي والمرافق الصحية وخدمات النظافة والرعاية الطبية.

    وتحولت سبتة المحتلة، التي قدمتها منشورات مواقع التواصل بوصفها بوابة سهلة نحو أوروبا، إلى فضاء مغلق يعيش فيه العالقون تحت المراقبة وفي ظروف شديدة الهشاشة.

    ولم يشكل القاصرون الاستثناء، فقد كشف الإعلام الإسباني الرسمي بأن مراكز سبتة كانت تستقبل في بداية الأزمة 862 قاصرا، رغم أن طاقتها النظامية لم تكن تتجاوز 29 سريرا، أي بنسبة اكتظاظ قاربت ثلاثة آلاف في المئة.

    وفي الوقت نفسه، ظل أطفال آخرون يتجولون في الشوارع أو يختبئون خوفا من إعادتهم، ومن بينهم أطفال صغار كانوا يبحثون عن هاتف للاتصال بأمهاتهم في المغرب وفق “RTVE” الإسبانية,

    ولم تكن مراكز إيواء البالغين في وضع أفضل، فقد تجاوز عدد المقيمين في أحد مراكز الاستقبال 700 شخص، رغم أن طاقته لا تتعدى 500 سرير، في حين اضطرت نساء إلى الإقامة داخل مخيمات وملاجئ عشوائية قرب المركز.

    وسجلت سلطات سبتة شكايات مرتبطة باعتداءات جنسية، كان معظم الضحايا المبلغ عنهم من القاصرين، ما يكشف عجز منظومة الاستقبال الإسبانية عن توفير الحماية الأساسية للأشخاص الذين شجعتهم صور “الفردوس الأوروبي” على دخول المدينة، لينتقل القاصرون خلال ساعات من وهم السفر نحو أوروبا إلى واقع النوم في العراء والاكتظاظ والخوف والاستغلال.

    المغرب يفتح باب الإعادة السريعة

    في مقابل هذا الوضع، أعلن المغرب فتح أبوابه أمام الراغبين في العودة، وأكد استعداده لاستقبال قاصريه، داعيا السلطات الإسبانية إلى تسريع الإجراءات المتعلقة بإعادة الأطفال إلى أسرهم في المغرب، وتجاوز التعقيدات الإدارية والقضائية التي تؤخر لمّ شملهم، مع مراعاة المصلحة الفضلى لكل قاصر.

    ويتعلق الأمر باستقبال فوري من الجانب المغربي وتسريع ملفات الإعادة الفردية، وليس بإعادة جماعية آلية تتجاوز الضمانات القانونية.

    وأمس الجمعة، قال وزير العدل عبد اللطيف وهبي، في تصريحات للقناة الثانية، إن المغرب يتمسك بضرورة تسريع ملف عودة القاصرين المغاربة في إسبانيا، والتي يضعها على رأس أولوياته في النقاش الجاري مع مدريد والاتحاد الأوروبي، مجددا التأكيد أن “المغرب يريد عودة قاصريه، بل أكثر من ذلك نحن مستعدون لنبعث الحافلات لنقلهم إلى المغرب، ونحن مستعدون للتعاون مع الإسبان لإعادتهم”.

    ويربط وهبي هذا الموقف بضرورة إيجاد معالجة تتجاوز الحلول الظرفية، معتبرا أن استمرار الوضع الحالي لا يخدم أي طرف، مشددا على أن “هذا الموضوع يهمنا نحن وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، ويجب أن نتعاون من أجل إيجاد حل لهذا المشكل، ليس حلا جزءيا أو ظرفيا، بل حلا طويل الأمد ونهائيا للتعامل مع هذا الموضوع وإيقافه، لأنه يؤدي إلى مآس إنسانية واجتماعية”.

    ويرى المغرب أن هؤلاء القاصرين فئة جرى التغرير بها، إذ ربطت وزارة الداخلية المغربية أحداث 30 يوليوز بالاستغلال المضلل للفضاء الرقمي، ونشر معلومات مغلوطة، وتحركات شبكات الاتجار بالبشر، فضلا عن ترويج تفسيرات خاطئة لبعض القرارات القانونية والإدارية الإسبانية، بما خلق وهما بإمكان دخول أوروبا والبقاء فيها من دون شروط أو عواقب.

  • المنصوري من تاونات: البام يشتغل على معالجة “مغرب السرعتين” والتحدي هو مصالحة الشباب والمجتمع

    المنصوري من تاونات: البام يشتغل على معالجة “مغرب السرعتين” والتحدي هو مصالحة الشباب والمجتمع

    أكدت المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، فاطمة الزهراء المنصوري، أن “البام” استطاع منذ انطلاقته أن يبني مساره “خطوة بخطوة” تحت شعار دائم يقدم “السياسة بطريقة مغايرة”، تعتمد أساسا على سياسة القرب والإنصات للمواطنين، وهو ما مكّنه من كسب ثقة الساكنة داخل الجماعات الترابية والجهات وتحقيق حصيلة “تشرف جميع مناضليه”.

    وقالت المنصوري، اليوم الجمعة خلال لقاء تواصل حزبي بقرية با محمد بإقليم تاونات، أن سياسة القرب والإنصات للمواطنين هي التي بوّأت الحزب مكانة القوة السياسية الثانية في البلاد، وجعلته عنصرا فاعلا وناجحا داخل الحكومة من خلال الإشراف على أوراش عملية ذات أثر إيجابي مباشر على حياة المواطنين.

    وأبرزت المتحدثة في كلمتها أن مشروع “تامغرابيت” والغيرة الوطنية هما الدافع الأساسي وراء تنقل قيادة الحزب المستمر إلى مناطق “المغرب العميق” والإنصات لساكنة الأقاليم، ومساندة مناضلي ومرشحي الحزب، وفي مقدمتهم محمد حجيرة وعبد الرحيم فويقر بإقليم تاونات.

    وفي ما يتعلق بالواقع التنموي، أوضحت المنسقة الوطنية لحزب الأصالة والمعاصرة أن إقليم تاونات لا يزال يعاني من إكراهات متعددة، مشيدة في الوقت ذاته بالأشواط الكبيرة والنجاحات التي حققها المغرب تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك خلال الـ 27 سنة الماضية، ولا سيما مشروع “الدولة الاجتماعية”.

    وشددت القيادية الحزبية على أن حزب “الجرار” واع تماما بحجم التحديات والإكراهات القائمة، مبرزة أن الإكراه الأول يتمثل في تحقيق “العدالة المجالية والاجتماعية”.

    واسترسلت المنصوري بالقول: “لا يعقل أن يولد شاب في مدينة كبيرة ويحمل أحلاما عريضة، بينما يولد شاب آخر في إقليم مثل تاونات وينشأ بلا أمل أو حلم”، مشيرة إلى بضرورة مواجهة الواقع بصراحة: “ماغاديش نغطيو الشمس بالغربال”.

    وأرجعت المتحدثة أحداث الهجرة في سبتة ومليلية إلى أزمة ثقة بين الشباب والمؤسسات والمجتمع، مؤكدة أن الحزب جاء بتعاقد اجتماعي جديد يركز على الفئات الشابة التي تملك طاقات هائلة تعمل على تطوير وخدمة وطنها.

    وسجلت فاطمة الزهراء المنصوري أن التحدي الأكبر اليوم وخلال السنوات المقبلة يكمن في إحداث مصالحة حقيقية بين الشباب والمجتمع، مشددة على أنها مسؤولية جماعية تتطلب التغلب على معضلات التشغيل والتكوين والتأطير.

    وبخصوص الملف التنموي والمجالي، قالت المسؤولة الحزبية إن “المغرب بسرعتين” هو واقع ملموس نعيشه اليوم، موضحة أنها فور توليها مسؤولية حقيبة وزارة إعداد التراب والوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدنية، حرصت على تغيير مفهوم “سياسة المدينة” لكي لا تظل محصورة في الحواضر الكبرى فقط، بل لتشمل جميع الأقاليم والعالم القروي.

    وذكرت في هذا السياق إقليم تاونات الذي شهد توقيع 9 اتفاقيات تنموية، إلى جانب اتفاقيات مماثلة بإقليم تازة والجماعات القروية، فضلا عن 49 اتفاقية بجهة فاس-مكناس، بمرصودات مالية مهمة لتأهيل المراكز القروية الصاعدة.

    وشددت المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة فاطمة الزهراء المنصوري في ختام كلمتها على أن حزب الأصالة والمعاصرة ليس حزب تقارير أو حلول مسقطة من مكاتب الدراسات، بل يتبنى حلولا مشتركة تنبع من الميدان “من الأسفل إلى الأعلى” (من لتحت للفوق) عبر تشخيص دقيق ومباشر مع الساكنة، مبرزة أن تنظيم مثل هذه اللقاءات التواصلية هو خير دليل على هذه المقاربة التشاركية.

  • عبداللطيف وهبي: مستعدون لبعث حافلات لإعادة القاصرين من إسبانيا ونتمسك بحقنا التاريخي والجغرافي في سبتة ومليلية

    عبداللطيف وهبي: مستعدون لبعث حافلات لإعادة القاصرين من إسبانيا ونتمسك بحقنا التاريخي والجغرافي في سبتة ومليلية

    جدد المغرب استعداده للتعاون مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي من أجل إيجاد حل نهائي لملف القاصرين المغاربة الموجودين في سبتة المحتلة، معلنا أن الرباط مستعدة حتى لإرسال حافلات لنقلهم إلى المغرب، بالتوازي مع تمسكها بفتح نقاش سياسي حول سبتة ومليلية وعودتهما إلى المغرب.

    وجاء ذلك على لسان وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، الذي شدد أثناء حلوله ضيفا القناة الثانية زوال اليوم الجمعة، على أن ملف الهجرة والقاصرين يعرف “الكثير من التأويلات السياسية”، مشددا على أن المغرب لا يعتمد في تدبيره لهذا الملف على ما يتم تداوله عبر منصات التواصل الاجتماعي، وإنما على التواصل الرسمي المباشر مع إسبانيا.

    وأوضح الوزير أن “هناك عدة قنوات تتعامل مع هذا الموضوع لتوظيفه لمصالحها أو لسياسة معينة”، مضيفا أن المغرب “يتعامل مع الموضوع وفق التواصل المباشر مع إسبانيا، وكل ما يكتب في منصات التواصل الاجتماعي وما ينشر بشكل غير رسمي لا يهمنا ولا نهتم به، لأن ما ينشر غير صحيح، والصحيح ما يتم بين الجهازين الرسميين المغربي الإسباني”.

    وأكد أن التواصل بين الرباط ومدريد سيستمر، مبرزا أنه “كما قلت سابقا فإن التواصل بين البلدين مستمر وسيستمر وسنعالج الموضوع ولن نخضع لوسائل التواصل الاجتماعي وما يقال، بل سنخضع لعلاقة الثقة التي تجمعنا بإسبانيا”.

    المغرب مستعد لإرسال الحافلات لإعادة القاصرين

    ويتمسك المغرب بضرورة تسريع ملف عودة القاصرين المغاربة في إسبانيا، والتي يضعها على رأس أولوياته في النقاش الجاري مع مدريد والاتحاد الأوروبي، إذ جدد وهبي التأكيد أن “المغرب يريد عودة قاصريه، بل أكثر من ذلك نحن مستعدون لنبعث الحافلات لنقلهم إلى المغرب، ونحن مستعدون للتعاون مع الإسبان لإعادتهم”.

    ويربط وهبي هذا الموقف بضرورة إيجاد معالجة تتجاوز الحلول الظرفية، معتبرا أن استمرار الوضع الحالي لا يخدم أي طرف، مشددا على أن “هذا الموضوع يهمنا نحن وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، ويجب أن نتعاون من أجل إيجاد حل لهذا المشكل، ليس حلا جزءيا أو ظرفيا بل حلا طويل الأمد ونهائيا للتعامل مع هذا الموضوع وإيقافه، لأنه يؤدي إلى مآس إنسانية واجتماعية”.

    وأضاف أن الحوار بين الأطراف المعنية يمكن أن يقود إلى نتائج عملية، مسترسلا بالصدد ذاته “نؤكد أن اللقاءات والحوارات التي تتم بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي ستعطي في المستقبل القريب نتائج إيجابية لإيجاد حل لهذا الموضوع، وندعوهم إلى تعميق النقاش وبناء تصور مشترك، لأن الدبلوماسية هي خلق الحلول وليس إثارة الأزمات”.

    153  ألف محاولة للهجرة خلال عامين

    وذكر وزير العدل بالدور المحوري للمغرب في مكافحة الهجرة غير النظامية، مستندا في حديثه إلى حجم الجهد في المعابر الحدودية، وقال: “المغرب أحبط 79 ألف محاولة للهجرة غير النظامية سنة 2024، وفي 2025 أحبط 74 ألف محاولة، وفككنا 632 شبكة لتهريب المهاجرين، وأنقذنا 32 ألف شخص في البحر خلال الفترة نفسها”، مؤكدا أن “كل هذا الجهد الذي نقوم به شمال المملكة لإنقاذ الأطفالنا ومراهقينا”.

    وأبرز المسؤول الحكومي أن اختلاف حسابات الأطراف الثلاثة لا ينبغي أن يحول دون الوصول إلى حل مشترك، موضحا: “الاتحاد الأوروبي له حساباته ومدريد لها حساباتها ونحن لنا حساب واحد هو إيجاد حل للمشكل”، مردفا “ليست هناك ضبابية في التعامل معهما بل هناك عقدة أو أزمة مطروحة بحدة ويجب إيجاد حل لها، وأعتقد أن هناك إرادة من الطرفين، فقط يجب أن نصل إلى حل مشترك متفق عليه يم تنفيذه”.

    مسطرة إعادة القاصرين معقدة

    وفي الوقت الذي يؤكد فيه المغرب استعداده لاستعادة القاصرين، يقر وزير العدل بأن العملية نفسها تخضع لمساطر قانونية وإدارية تجعلها أكثر تعقيدا من مجرد نقل من دولة إلى دولة، موضحا أن “مسطرة إعادة القاصرين معقدة وليست سهلة، أولا يجب التأكد من أن القاصرين مغاربة، ثم تحديد وضعيتهم ثانيا، ثم نقلهم إلى المغرب ثالثا”.

    وأضاف مؤكدا استعداد الرباط للتعامل مع العملية: “ونحن مستعدون كما قلت لنبعث الحافلات لإحضارهم إلى المغرب”، مشددا على أن القاصرن المغاربة غير المصحوبين الموجودين بإسبانيا “يعتبرهم المغرب ضحايا وليسوا مجرمين، هم أطفال قاصرون وليس لهم المسؤولية الجنائية مقارنة مع البالغين”.

    وفي هذا السياق، أكد وهبي أن الرباط لا تعارض تسوية الوضعية القانونية للمغاربة المقيمين في إسبانيا، بل تعتبرها أمرا إيجابيا، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتحسين ظروف الإقامة ولم شمل الأسر، مشيرا إلى أن “المواطنين المغاربة الذين سووا وضعيتهم الآن في إسبانيا هم المستهدفون حتى يفشلوا هذه العملية، لكننا في المغرب نؤيدها، لأن تسوية الوضعية وتحسين وضعية المغاربة في إسبانيا، ولم شملهم مع أسرهم أمر مؤيده، وفقا للإرادة والسيادة الإسبانيتين”.

    وفي المقابل، يميز الوزير بين هؤلاء وبين القاصرين، قائلا: “أما القاصرون فليس لهم قرار قانوني، بل لدى العائلة والدولة، والدولة تقول مرة أخرى وأخيرة نحن نريد أن نعيدهم”.

    الرباط متمسكة باستعادة سبتة ومليلية وفتح الحوار

    وبالتوازي مع ملف القاصرين، أعاد وزير العدل طرح ملف سبتة ومليلية المحتلتين باعتباره قضية لا تريد الرباط أن تبقى خارج أجندة الحوار مع إسبانيا، وقال “أما قضية سبتة ومليلية فستبقى موضوع حوار مع إسبانيا، وسنتمسك بحقنا التاريخي والجغرافي، وستكون وسائل الحوار في هذا الموضوع”.

    ودعا إلى إحداث إطار مؤسساتي للحوار بشأن المدينتين، مضيفا: “وأعتقد أن خلق مجال وهيئة للحوار في هذا الموضوع يجب أن تكون حاضرة، لأنه لا يمكن السكوت عن هذا الموضوع، فهو ليس في صالح المستبقل أو الحاضر أن يتم السكوت عن هذا الموضوع، بل يجب مناقشته لإيجاد حل نهائي للحد من هذه الوضعية، وضعية عودة سبتة ومليلية إلى حضن الوطن”.

    ويضع وهبي هذه الملفات في سياق تاريخي أوسع للعلاقات المغربية الإسبانية، التي عرفت أزمات متكررة لكنها شهدت أيضا فترات من التعاون والحلول، لافتا إلى أن المغرب وإسبانيا تجمعهما “علاقات تاريخية وكان فيها أزمات وحلول، والأجيال المقبلة أتمنى أن تكون لها علاقات جيدة أفضل مما كانت ولا يحكم فيها الماضي على المستقبل”.

    وأضاف موجها الدعوة إلى مدريد وبروكسيل: “وندعو إسبانيا والاتحاد الأوروبي إلى الجلوس لمناقشة هذا الموضوع وإيجاد حل نهائي، فنحن نريد حلا نهائيا”.

  • جيل وُلد مع العهد الجديد.. 27 عاما غيّرت المغرب فهل تغيّرت معها شروط حياة الشباب؟

    جيل وُلد مع العهد الجديد.. 27 عاما غيّرت المغرب فهل تغيّرت معها شروط حياة الشباب؟

    سبعة وعشرون عاما تفصل بين مغرب 1999 ومغرب 2026، وهي بالضبط سنوات عمر جيل ولد مع بداية عهد جلالة الملك محمد السادس، وكبر بينما كانت البلاد تغيّر طرقها ومدنها واقتصادها ومدارسها ووسائل اتصالها، وتعيد رسم علاقتها بالعالم وبالمستقبل.

    جيل لم يعرف مغربا قبل “محمد السادس”العهد الجديد”، وفتح عينيه على بلد كان الإنترنت فيه في بداياته، قبل أن يبلغ السابعة والعشرين في مغرب وصلت فيه نسبة التمدن إلى 62.8 في المئة، وتوسعت فيه البنيات التحتية وشبكات الاتصال، وظهرت صناعات ومهن وفرص لم تكن جزءا من المشهد الاقتصادي عند ولادته.

    لكن التحولات التي شهدها المغرب بين 1999 و2026 لا تكتمل قراءتها من خلال الطرق والموانئ وشبكات الاتصال والمؤشرات الاقتصادية وحدها، سيما وأن جزء آخر من الصورة يوجد في المسار الذي قطعه الشباب أنفسهم، من المدرسة والجامعة إلى أول وظيفة وأول هاتف، ومن الاعتماد على الأسرة إلى البحث عن دخل واستقلال وحياة خاصة.

    الشاب المغربي الذي يبلغ اليوم 27 عاما نشأ في عالم أكثر اتصالا، وأمام مصادر أوسع للمعرفة والتكوين والعمل، غير أن وصوله إلى سن الاندماج المهني يكشف أن اتساع الخيارات لم يحسم واحدة من أقدم معضلات الشباب وهي العثور على موقع داخل سوق الشغل.

    وتظهر معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن حواليي 2.9 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة يوجدون خارج الشغل والدراسة والتكوين، ويتركز قرابة نصفهم في الفئة العمرية بين 25 و29 سنة.

    تلك هي إحدى المفارقات التي طبعت مسار هذا الجيل، فقد تغير المغرب الذي ولد فيه، وتعددت مسارات الدراسة والتكوين والوصول إلى المعرفة وظهرت قطاعات ومهن جديدة لكن الاستفادة من هذه التحولات لم تكن متساوية، وظلت القدرة على تحويلها إلى وظيفة ودخل واستقلال مرتبطة بالتكوين والمجال الذي يعيش فيه الشاب والفرص التي يتيحها الاقتصاد.

    ومن هذه الزاوية، يتيح عيد الشباب فرصة لقراءة سبعة وعشرين عاما من التحولات من خلال أثرها على جيل عاشها كاملة، فقراءة لمغرب 1999 من موقع 2026، من خلال جيل ولد في بداية العهد وكبر مع تحولاته يصل اليوم إلى مرحلة يفترض أن ينتقل فيها من الاستفادة من الفرص التي صنعها هذا المسار إلى المشاركة في صناعة المرحلة المقبلة.

    ولدوا سنة 1999.. أي مغرب كان ينتظرهم؟

    لا توجد صورة إحصائية خاصة بالمغرب سنة 1999، إذ جاءت تلك السنة بين إحصائي 1994 و2004، لكن المؤشرات المحيطة بها تسمح باستعادة ملامح البلد الذي بدأ فيه هذا الجيل حياته، من أسرة أكبر حجما، ومجتمع أقل تمدنا، وإنترنت محدود الانتشار، وسوق عمل لم تكن قطاعات؛ أصبحت اليوم من أعمدة الصناعة والتصدير، قد أخذت داخله موقعها الحالي.

    أقرب تعداد إلى تلك المرحلة، وهو إحصاء 2004 الذي يقدم نقطة انطلاق مفيدة، ففي عشرين عاما تراجع متوسط حجم الأسرة المغربية من 5.3 أفراد إلى 3.9 أفراد سنة 2024، فيما أصبح 23.1 مليون مغربي يعيشون في الوسط الحضري.

    لكن التحول داخل الأسرة، يظهر بصورة أوضح حين يوضع شاب في السابعة والعشرين إلى جانب أبيه عندما كان في العمر نفسه.

    أمين ذو 27 عاما، شخصية مركبة في هذه المسودة، فهو حاصل على شهادة جامعية وتكوين إضافي ولم يحصل على أول عقد عمل إلا بعد المرور من تدريبين في العمر نفسه، فيما كان والده قد راكم سنوات من العمل وبدأ تحمل أعباء أسرته.

    يختصر أمين، في حديثه لجريدة “AM+ MEDIA” الفارق في صياغة نموذجية بالقول: “والدي بدأ العمل في سن مبكرة، وفي السابعة والعشرين كان قد استقر مهنيا وتزوج، أما أنا فقضيت سنوات أكثر في الدراسة، وبعدها احتجت إلى التكوين والتداريب قبل الحصول على أول عقد لدي”، مضيفا “لدي اختيارات ووسائل راحة وإمكانيات بصدق لم تكن متاحة له، لكن الوصول إلى الاستقرار أخذ مني وقتا أطول”.

    والده سعيد، ينظر إلى المسألة من الجهة الأخرى، إذ لم تكن أمامه، كما يقول في الشهادة النموذجية قائمة طويلة من الاختيارات المهنية “كنا نبحث عن العمل أولا، ولم نكن نفكر كثيرا في أن يكون مطابقا لما نريده، ابني مثلا يستطيع اختيار تخصصه وتغيير عمله والبحث عن فرص حتى خارج المغرب، لكن المطلوب منه اليوم أكبر شهادة ولغات وحاسوب وتجربة، وكلما حصل على شيء اكتشف أن عليه إضافة شيء آخر”.

    وبين المسارين تغير أكثر من سوق العمل، فقد تغير توقيت الانتقال إلى حياة الراشدين نفسها، فسنوات الدراسة والتكوين أطول بالنسبة إلى شرائح من الشباب، وشروط الولوج إلى عدد من الوظائف أصبحت أكثر تعقيدا، فيما لم يعد الحصول على شهادة يعني بالضرورة الانتقال المباشر إلى العمل.

    حين أصبحت المدينة أكبر من البيت

    بالتوازي مع تغير الأسرة، تغير المجال العيش، فخلال العقود الأخيرة واصل الثقل السكاني انتقاله نحو المدن، ولم يكن ذلك مجرد حركة للسكان، بل انتقالا للضغط على السكن والنقل والتعليم والصحة والعمل إلى المجالات الحضرية، مع توسع الضواحي وظهور أحياء ومراكز عمرانية جديدة.

    وتكشف المقارنة بين سلمى ووالدتها وجها آخر لهذا التحول، فسلمى في السابعة والعشرين تتابع دراستها في سلك الدكتوراه بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، وتعمل في الدار البيضاء كما تسكن مع أسرتها، أما والدتها كانت في العمر نفسه متزوجة وتعيش في بيت مستقل عن والديها.

    سلمى، ترفض اختزال الفرق في تأخر الزواج، وتقول لـ “AM+MEDIA”: “أمي في عمري كانت عندها حياتها ودارها، لكن حياتها المهنية لم تكن مثل حياتي فأنا أدرس، أشتغل وأتنقل وحدي بين المدينتين وأدبر أموري المادية وأستطيع السفر ومتابعة تكويني، لكن فكرة أن أكتري وحدي وأتحمل جميع المصاريف، أو حتى الزواج والاستقرار وبيت، تجعلني أفضل البقاء مع أسرتي حاليا”.

    وترد والدتها من زاوية مختلفة: “كانت عندنا مصاريف أقل واختيارات أقل أيضا، اليوم البنت كتقرا أكثر وكتخدم وكتفكر في مسارها قبل الزواج، ما يمكنش نقارن غير شكون خرج من دار والديه بكري”.

    هذه التفاصيل تمنع المقارنة من السقوط في حنين سهل إلى الماضي، فالاستقلالية لم تعد تعني الشيء نفسه تماما بالنسبة إلى جيل سابق كان يمكن أن يرتبط بالزواج وتأسيس بيت في سن مبكرة، أما بالنسبة إلى جزء من شباب اليوم، فقد أصبح يرتبط أولا بالقدرة على تمويل حياة مستقلة والمحافظة في الوقت نفسه على مستوى الدراسة والعمل والتنقل والاستهلاك الذي أصبح جزءا من حياته.

    من أول اتصال بالإنترنت إلى البحث عن العمل من الهاتف

    إذا كان تغير الأسرة والمدينة يحتاج إلى أرقام ومقارنات، فإن المسافة الرقمية بين الجيلين تكاد تكون مرئية بالعين، فمواليد 1999 عاشوا طفولة سبقت الهاتف الذكي وشبكات التواصل الاجتماعي بصورتها الحالية، ثم دخل الإنترنت تدريجيا إلى المدرسة والجامعة والعمل والحياة اليومية.

    وتوثق بيانات الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات التوسع الكبير الذي عرفه استخدام الإنترنت والاتصالات في المملكة خلال هذه الفترة، غير أن أثر هذا التحول لا يقف عند الاتصال، فحين بحث والد أمين عن أول وظيفة، كان مجال البحث محكوما إلى حد بعيد بالمكان الذي يعيش فيه وبالإعلانات والمباريات وشبكة العلاقات المباشرة، أما ابنه فيستطيع اليوم أن يتقدم في صباح واحد إلى وظائف في الرباط والدار البيضاء وطنجة، أو أنا يجتاز مقابلة عمل عن بعد مع مؤسسة خارج المغرب.

    وتحكي سلمى أنها حصلت على إحدى فرصها المهنية عبر إعلان وجدته على الإنترنت، قبل أن تجري أول مقابلة عن بعد، أما والدتها، لم تكن هذه الجغرافيا المهنية موجودة أصلا في شبابها، وتقول: “باش تقلبي على خدمة، خاصك تعرفي فين تمشي وتسولي وتدفعي وراقك، لكن اليوم تقدر تقلب على عشرات العروض وهي (سلمى) فالدار”.

    لكن سهولة الوصول إلى الإعلان لم تجعل المنافسة عليه أسهل، فالشاب الذي يستطيع رؤية فرص أكثر يرى في الوقت نفسه عدد المرشحين لها، ويجد أمامه متطلبات تتغير باستمرار، من اللغات، والبرمجيات، والخبرة، إلى الشهادات الإضافية والقدرة على التعلم السريع.

    كما أن الإنترنت غيّر معيار المقارنة، فلم يعد شاب مدينة صغيرة يقارن نفسه فقط بأقرانه في الحي أو المدينة، بل يرى يوميا كيف يدرس ويعمل ويعيش شباب في مدن مغربية أخرى وفي الخارج، ويعرف الرواتب والجامعات والمهن والفرص التي لم يكن الجيل السابق يعرف عنها بالسرعة نفسها، وهذا يعني أن المسافة إلى العالم أصبحت أقصر لكن المسافة إلى الفرصة لم تختف.

    الرحيل نفسه لأسباب مختلفة

    تظهر الفوارق بصورة أوضح خارج المحاور الحضرية الكبرى، فسعد شاب ولد في بلدة صغيرة نواحي تاونات، واحتاج إلى مغادرتها بعد البكالوريا لمتابعة دراسته الجامعية، أما والده فقد غادر المنطقة نفسها وهو أصغر سنا، لكن بحثا عن العمل.

    يقول سعد في حديث لجريدة “AM+ MEDIA”: “أبي خرج من المدينة لأنه ما كانش عندو فين يخدم، أنا خرجت باش نقرا، الفرق أنني قدرت نوصل للجامعة، لكن من بعد التخرج رجعت نطرح تقريبا السؤال نفسه ديالو: فين غادي نخدم؟”.

    في جملة واحدة تلتقي تجربتان تفصل بينهما عقود، فوالده غادر بموارد تعليمية محدودة بحثا عن دخل، أما الابن فقد غادر للحصول على شهادة، ثم وجد نفسه بعد التخرج أمام تمركز جانب من الفرص المهنية في المدن والأقطاب الاقتصادية الكبرى.

    أما الأب فيصف الفارق على طريقته: “هو عندو قراية وحاسوب ولغات وأنا ما كانش عندي هادشي، أنا كنت كنمشي فين كاينة الخدمة، وهو حتى دابا خاصو يمشي فين كاينة الخدمة، غير كل واحد فينا بطريقتو”.

    هذه المقارنة تضع مسألة المجال في مكانها الصحيح، وصول الإنترنت أو تحسن الطريق أو توسع التعليم لا يعني بالضرورة أن الوظيفة انتقلت إلى المكان نفسه، وقد يصبح الوصول إلى الفرصة أسهل من الناحية المادية، فيما يظل الحصول عليها مشروطا بالانتقال إلى مركز اقتصادي آخر.

    لهذا يصعب الحديث عن مواليد 1999 باعتبارهم جيلا بتجربة واحدة، شاب ولد في الدار البيضاء داخل أسرة قادرة على تمويل دراسته وتعلم اللغات لا يبدأ من النقطة نفسها التي يبدأ منها شاب في منطقة بعيدة عن الجامعة، أو فتاة تحتاج إلى الانتقال إلى مدينة أخرى لمتابعة تخصص غير متاح قرب أسرتها، فالعمر واحد أما نقطة الانطلاق فليست كذلك.

    وظائف لم يكن الآباء يعرفون أسماءها

    حين دخل مواليد 1999 المدرسة، لم تكن صناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة والخدمات الرقمية تحتل داخل الاقتصاد المغربي الموقع الذي وصلت إليه اليوم، من تخصصات ومهن جديدة، وتغير طبيعة المهارات التي يبحث عنها المشغلون.

    عماد مثلا، الذي يعمل في البرمجيات بالعاصمة الرباط، يقول للجريدة إن والديه؛ على الرغم من مستواهما التعليمي المتقدم “احتاجا وقتا لفهم بالضبط ماذا يفعل”، ومبرزا مفارقة بين جيلين، فعدد من المهن التي يعمل فيها شباب اليوم لم تكن جزءا من القاموس المهني للأسر عندما دخل أبناؤها المدرسة.

    في المقابل، لا تعني كثرة المسارات المهنية أن الدخول إليها أصبح تلقائيا، فالاقتصاد الذي خلق وظائف جديدة رفع أيضا مستوى المهارات المطلوبة، وأصبح الانتقال بين الجامعة والعمل يمر بالنسبة إلى كثيرين عبر التدريب والتخصص واللغات والمهارات الرقمية.

    وحين ولد أبناء 1999، كان الشغل حاضرا منذ البداية في تصور العهد الجديد لموقع الشباب داخل مشروع التنمية، ففي أول خطاب للعرش وضع جلالة الملك محمد السادس التعليم في صدارة الأولويات، وربطه صراحة بإعداد الأجيال للولوج إلى الحياة العملية ومواجهة البطالة.

    وظل تشغيل الشباب خلال السنوات اللاحقة، ملازما للنقاش حول الاستثمار والتعليم والتنمية البشرية وتحديث الاقتصاد، لكن البيئة الاقتصادية التي كان يفترض أن يعمل داخلها هؤلاء الأطفال لم تكن قد تشكلت بعد بالصورة التي نعرفها اليوم.

    فميناء طنجة المتوسط لم يكن قد دخل الخدمة، والقطار فائق السرعة لم يكن موجودا، وشبكة الطرق السيارة كانت أصغر بكثير، فيما لم تكن صناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة قد بلغت الوزن الذي ستكتسبه لاحقا.

    لذلك، فإن جيل 1999 لم يكبر فقط داخل اقتصاد توسع حجمه، بل عاصر انتقال المغرب إلى نموذج راهن بقوة على البنية التحتية لجذب الاستثمار وربط المملكة بالأسواق الدولية.

    هذا الاختيار ظهر مبكرا في التوجيهات الملكية، ففي خطاب العرش لسنة 2005، تحدث جلالة الملك عن المضي في إنجاز المشاريع الهيكلية الكبرى، وفي مقدمتها طنجة المتوسط وتوسيع شبكة الطرق السيارة، وربط ذلك بتحسين مناخ الاستثمار المنتج.

    وفي السنة نفسها، أطلقت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، واضعة تقليص العجز الاجتماعي وإحداث الأنشطة المدرة للدخل والشغل ضمن محاورها الأساسية.

    وبالنسبة إلى مواليد 1999، كانت هذه الأوراش تتقدم فيما كانوا ينتقلون من المدرسة إلى الجامعة ثم إلى سوق العمل، وعندما بلغوا سن البحث عن أول وظيفة، كانت خريطة الاقتصاد قد تغيرت فعلا.

    طنجة على سبيل المثال، لم تعد المدينة الاقتصادية نفسها التي كانت عليها في طفولتهم، فالمركب المينائي والصناعي لطنجة المتوسط تحول إلى منصة مرتبطة بسلاسل الإنتاج والتجارة الدولية، ونمت حوله أنشطة صناعية ولوجستية وخدماتية.

    وفي الجهة الشرقية، يستعد ميناء الناظور غرب المتوسط للدخول إلى التشغيل خلال الربع الأخير من 2026، في استمرار لخيار ربط الاقتصاد المغربي بسلاسل القيمة العالمية الذي تضعه الرؤية الملكية السامية في صلب تطوير البنيات المينائية.

    وتغيرت الصناعة بدورها، فالمغرب الذي كان يستقبل أبناء 1999 في مدارسهم الأولى ليس هو المغرب الصناعي الذي دخلوا سوق عمله بعد عقدين، كما توسعت صناعة السيارات والطيران، ونمت منظومات مرتبطة بالإلكترونيات واللوجستيك والطاقات المتجددة، وأصبحت المهن التقنية والهندسية والرقمية جزءا أكبر من الطلب على الكفاءات.

    هنا تظهر واحدة من أهم نتائج التحول الذي جرى خلال “العهد الجديد”، إذ لم يعد مسار التشغيل مرتبطا أساسا بالإدارة والفلاحة والقطاعات التقليدية والخدمات البسيطة، كما أصبحت هناك خريطة أوسع للمهن والاستثمار، وأصبح بإمكان شاب مغربي أن يعمل داخل سلسلة إنتاج صناعية موجهة إلى الأسواق العالمية من مصنع في طنجة أو القنيطرة أو الدار البيضاء.

    لكن بناء الاقتصاد الجديد لم يحسم تلقائيا معضلة الشغل، فقد حضرت داخل الخطاب الملكي نفسه على امتداد العهد الجديد، ففي خطاب سابق للعرش وضع الملك السؤال بصيغة تربط قيمة المشاريع الكبرى بأثرها الفعلي على حياة المواطنين، بعدما استعرض التحولات في الموانئ والطرق والطاقة والتنمية البشرية.

    وبعد سنوات، تظهر أرقام سوق الشغل لماذا بقي هذا السؤال قائما، ففي 2025، أحدث الاقتصاد المغربي 193 ألف منصب صاف، أكثر من ضعف 82 ألف منصب المحدثة في السنة السابقة، لكن توزيعها يكشف أين يتحرك الاقتصاد الجديد، فالخدمات أضافت 123 ألف وظيفة، والبناء والأشغال العمومية 64 ألفا، والصناعة 46 ألفا، بينما فقدت الفلاحة والغابات والصيد 41 ألف منصب.

    الأكثر دلالة أن المدن أحدثت 203 آلاف وظيفة، في حين فقد الوسط القروي 10 آلاف، وهذا يعني أن الوظيفة تتحرك أكثر نحو المدينة والخدمات والصناعة، أي نحو المجالات نفسها التي تركزت فيها خلال العهد الجديد استثمارات الطرق والموانئ والمناطق الصناعية والبنيات اللوجستية.

    وهكذا، فإنه بعد سبعة وعشرين عاما، يصل مواليد 1999 إلى سنّ يفترض أن يكونوا فيها قد انتقلوا من مقاعد الدراسة إلى قلب الاقتصاد والمجتمع.

    ويختلف المغرب الذي يستقبلهم اليوم جذريا عن البلد الذي ولدوا فيه، طرق وموانئ وصناعات وبنيات رقمية وفرص ومهن لم تكن موجودة، واقتصاد أصبح أكثر اتصالا بالأسواق العالمية، لكن تجربة هذا الجيل تكشف أيضا أن بناء الفرصة لا يعني بالضرورة القدرة على الوصول إليها، فالفجوة بين المدينة والقرية، وبين التكوين وسوق الشغل، وبين الشهادة والاستقلال الاقتصادي، ما تزال ترسم مسارات شبابه بشكل غير متساو.

    وإذا كان ربع القرن الأول من العهد الجديد قد غيّر البنية التي يعيش داخلها هذا الجيل، فإن الرهان الذي يواجه المغرب اليوم هو أن تتحول مكاسب هذا المسار إلى أثر ملموس في حياته، من شغل، ودخل، واستقلال، وقدرة على بناء المستقبل، عندها تصبح المقارنة بين مغرب 1999 ومغرب 2026 أكثر من مقارنة بين ما شيّد في البلاد وتصبح قياسا لما تغيّر فعلا في حياة من كبروا معها.